Полный текст (485 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
قال تعالى: ﴿والأرض مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ﴾ [الحجر: ١٩] .
مِن آياتِ اللهِ الدالةِ على عظمتِه أنّ اللهَ خَلَقَ كلَّ شيءٍ، وجعلَه موزوناً، لئلاّ يَطغَى شيءٌ على شيءٍ، فَمِن أغربِ ما وقعَ في قارة أسترالية أنّه زُرع نوعٌ من الصَّبّار، كسِياجٍ وِقائي، لكنّ هذا النباتَ مضى في سبيلِه حتى غطّى مساحةً تزيدُ على مساحةِ بريطانيا! وصار هذا النباتُ نباتاً وبائياً، زاحمَ أهلَ المدنِ والقرى، وأتلفَ مزارعَهم، وحتى إنّه حالَ بينهم وبين زراعةِ أراضِيهم، إلى أنْ توصَّلَ العلماءُ إلى حشرةٍ لا تعيشُ إلا على الصَّبارِ، هذه الحشرةُ استطاعَتْ أن تضعَ حدّاً لانتشارِه، فكأن كلّ شيءٍ خلقه اللهُ تعالى فيه طبيعةُ النموّ العشوائيِّ، خَلَقَ له مضاداً يحولُ بينه وبين هذا النموِّ، وهذا هو التوازنُ.
ووَفْقَ هذه القاعدةِ هناك أشياءُ كثيرةٌ، فربّنا جعلَ الغدّة النخاميّةَ تحثّ الغدّةَ الدرقيّةَ، لكنّ هرمونَ الغدّةِ الدرقيّةِ يثبّطُ الحاثَّةَ النخامية الخاصّةَ بالغدةِ الدرقيةِ، وبهذا يقومُ التوازنُ بين الغدّةِ النخاميّةِ، والغدّةِ الدرقيّةِ.
هناك جهازٌ لِضَبْطِ السوائلِ في الجسمِ، قد خَلَقَه اللهُ موزوناً.
هناك جهازٌ آخرُ لضَبطِ السكّر في الجسمِ، هناك جهازٌ ثالثٌ لِضَبطِ الأملاحِ في الجسم، فنِسَبُ الأملاحِ ثابتة، وكذا نِسَبُ السّكرِ، ونسبُ الماءِ، ونسبُ الهرموناتِ.
هناك فيتاميناتٌ دونَ أن تُؤخذَ يُصابُ الإنسانُ بأمراضٍ كثيرةٍ وبيلةٍ، سمّاها العلماءُ أمراضَ نقْصِ التغذيةِ، وكان بعضُ البحّارةِ يموتون في أثناءِ رحلتِهم الطويلةِ دونَ سببٍ، إلى أنْ عرفوا أنّ غذاءَهم تنقصُهُ الفيتاميناتُ.
стр. 37
هذا التوازنُ الذي حقّقه اللهُ في الكونِ شيءٌ يلفتُ النّظرَ، ويدعو إلى الدّهشةِ، فالأسماكُ مثلاً لولا أنّ كبيرَها لا يأكلُ صغيرَها لطَفَتْ على مياهِ البحرِ، ولأصبحَ البحرُ بحراً من السّمكِ، لا بحراً من الماءِ، وكذا الحشراتُ، فقد جعَلَ اللهُ تنفّسَها عن طريقِ أنابيبَ، لا عن طريقِ الرئةِ، ولأنّ تنفّسَها عن طريقِ الأنابيبِ فلا تنمو أكثرَ مِن حجمِها الذي تروْنَهُ، ولو كان لها رئتان لأصبحَت بِحَجمٍ كبيرٍ، ولأهلكَتِ الإنسانَ، فالحشراتُ لها حدّ تقفُ عنده، والنباتاتُ لها حدٌّ تقفُ عنده، والحيواناتُ لها حدٌّ تقفُ عنده، والأسماكُ لها حدٌّ تقفُ عنده، والجسْمُ البشريُّ فيه حدودٌ، وفيه مقاييسُ، وفيه ضوابطُ، وفيه موازينُ.
لو دقَّقتم في خلقِ السَّماواتِ والأرضِ لرأيتم العجبَ العُجابَ، قال : ﴿والأرض مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ﴾ [الحجر: ١٩] .
فهذا النباتُ موزونٌ، قيمُه الغذائيّةُ موزونةٌ، حجمهُ موزونٌ، نموُّه موزونٌ، تكاثرهُ موزونٌ، لولا هذا الشيءُ الموزونُ لأهلكَ اللهُ الإنسانَ بهذا النموِّ العشوائيِّ، وما حادثةُ هذا النوعِ من الصَّبّارِ إلاّ دليلٌ واضحٌ على أن الله تعالى قد خَلَق كل شيءٍ بقدَرٍ.
هذه الآياتُ التي تسمعونها، أو التي تروْنها، أو التي تقرؤونها، لا تجعلوها تمرُّ هكذا مروراً عابراً دون أنْ تقفوا على حقيقتِها، وعلى عظمةِ خالقِها، فالله يقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف اليل والنهار لآيَاتٍ لأُوْلِي الألباب * الذين يَذْكُرُونَ الله قِيَاماً وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السماوات والأرض رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠-١٩١] .
عدد الخلايا وأعمارها
стр. 38
إنّ عددَ الخلايا في الجسمِ البشريِّ يزيدُ على مئةِ ألفِ ألفِ مليونٍ، أيْ مئة ألفِ بليونٍ، أو مئة ترليون، هذه الخليةُ لا يمكنُ أن تراها بالعينِ المجرَّدةِ، إلا إذا كُبِّرتْ مئةً وأربعين مرةً، ووزنُ هذه الخليةِ واحدٌ مِن ألفِ مليونٍ من الغرامِ، أيْ إنّ ألفَ مليون خلية إذَا وُضِعتْ في ميزانٍ فإنها تزن غراماً واحداً، وإنّ الجسمَ يستهلك في كلِّ ثانيةٍ مئةً وخمسةَ وعشرين مليونَ خليةٍ.
ولكنَّ الشيءَ الذي يلفتُ النظرَ أنّ الخليةَ لها نواةٌ، وفيها الصبغياتُ التي تنطوي على المورِّثاتِ، فقد توصل العلمُ إلى اكتشافِ ثمانمئة مورِّثٍ، أو معلومة على المورِّثات، بِكَمٍّ كبير.
في الخلية نواةٌ، ونويةٌ، وهيولى، التي هي جسمُ الخليةِ، وغشاءٌ، وللغشاءِ حديثٌ آخرُ، أما الهيولى (جسم الخلية) فهو الذي حيَّر العلماءَ، حتى إنهم صاحوا: إنّ الخليةَ ليست وحدةَ بناءٍ، بل هي وحدةٌ وظيفيةٌ، وليست أصغرَ جسمٍ يتألَّفُ منه الجسمُ.
فماذا في الخلية؟
الشيء المعجِزُ أنّ في الخليةِ تُصنع البروتيناتُ، وفي الخليةِ مخازنُ تخزَّنُ بها بعضُ الموادِّ، وفي الخليةِ أجهزةُ تنظيفٍ، وفي الخليةِ أنابيبُ توصيلٍ، وفي الخليةِ مولِّداتُ طاقةٍ، كلُّ هذا في هيولى الخليةِ، فهي إذاً ليست وحدةَ بناءٍ، بل هي وحدةٌ وظيفيةٌ.
الشيءُ المعجِزُ أنّ الخليةَ تتفاوتُ أعمارُها بحسبِ طبيعتِها، فخلايا البشرةِ لا تعيشُ أكثرَ من ثلاثِ ساعاتٍ، كلما دخلتَ إلى الحمامِ، وأردتَ أنْ تنظفَ جسمَك شعرتَ أنّ شيئاً ينزاح عن جلدِك، إنها الخلايا الميتةُ، أمّا خلايا الأمعاءِ الدقيقةِ الماصَّة فإنها لا تعيشُ أكثرَ مِن ثمانٍ وأربعين ساعةً، أي يجب أنْ تعلمَ علمَ اليقينِ أنَّه في كلِّ ثمانٍ وأربعين ساعةً تتجدَّد أمعاؤُك الدقيقةُ، وإنّ هناك مِن الخلايا ما يعيش سبعةَ أيامٍ، كخلايا التذوُّقِ، وأنّ الكرياتِ الحمراءَ تعيشُ مئةً وخمسةً وعشرينَ يوماً.
стр. 39
ولكنّك إذا عشتَ خمسَ سنواتٍ، فيجب أنْ تعلمَ علمَ اليقينِ أنّ كلَّ خليةٍ فيك قد تجدَدتْ، إلا في موضعين؛ خلايا الدماغِ، والقلبِ، فلو أنّ خلايا الدماغِ تجددَّتْ لنسيَ الإنسانُ معلوماتِه، تعلَّم الطبَّ، ثم نسيَه، تعلّمَ الهندسةَ، ثم نسيَها، تنسى كلَّ المعلوماتِ، والخبراتِ، والذكرياتِ؛ لذلك شاءت حكمةُ اللهِ أنْ تبقى خلايا الدماغِ في الجنينِ حتى الموت، وكذلك خلايا القلبِ.
مَن هو الشيخُ؟ هو الذي غلبتْ فيه عواملُ الموتِ على عواملِ الحياةِ، فالخلايا لها عمرٌ، وهي هناك حيةٌ ميتةٌ، تدخلُ شيئاً فشيئاً في جسمه، هذا معنى: ﴿تُولِجُ الليل فِي النهار وَتُولِجُ النهار فِي الليل وَتُخْرِجُ الحي مِنَ الميت وَتُخْرِجُ الميت مِنَ الحي﴾ [آل عمران: ٢٧] .
الخلايا الميتةُ تلدُ خلايا حيَّة، ﴿وَتُخْرِجُ الميت مِنَ الحي وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٢٧] .
أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون
قال تعالى: ﴿وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] .
إنّ الجسمَ البشريَّ يتكوَّنُ من خلايا، والخليةُ هي الوحدةُ الأساسيةُ التي يتكوّنُ منها الكائنُ الحيُّ، وفي جسمِ الإنسانِ البالغِ مئةُ ترليون، أيْ ألفُ بليون، أيْ مئة ألفِ ألْفِ مليونِ خليةٍ، والخليةُ وجودٌ حيٌّ لا تدركُه حواسُّنا، ولا تراهُ، ومِن الكرياتِ التي تحتاجُ إلى عدسةٍ مجهريةٍ تكبِّرُ الشيءَ مئةً وأربعين ضعفاً حتى تُرى بالعينِ الكرياتُ الحمراءُ، فإذا كبَّرنا الكريةَ الحمراءَ مئةً وأربعينَ مرةً نراها بالعينِ، ووزنُها واحدٌ من مليارٍ من الغرامِ، والجسمُ البشريُّ يستهلكُ في كل ثانيةٍ مئةً وخمسةً وعشرينَ مليونَ خليةٍ، والخلايا تجدِّدُ شبابَها كلَّ أسبوعٍ، وأصلُ كلِّ هذه الخلايا التي تعدُّ مئةَ ترليون خلية هي خليةُ نطفةِ الأمشاجِ، قال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان: ٢] .
стр. 40
هذه الخليةُ فيها نواةٌ، قالوا عنها: إنها مركزُ الإدارةِ والإشرافِ، والقيادةِ، وعلى هذه النواةِ ثلاثةٌ وعشرون زوجاً من الصبغياتِ، وهذه مادةُ الحياةِ، وبها أسرارُ الوجودِ، وعلى هذه المورِّثاتِ، أو العُرَا الملونةِ، أو الجيناتِ، معلوماتٌ تزيدُ على خمسةِ آلافِ مليونِ معلومةٍ، وإنّ المعلوماتِ التي هي على المورِّثاتِ لو أردنا أنْ نكتبَها باللغةِ لاحتاجتْ إلى موسوعةٍ تزيدُ على مليونِ صفحةٍ، وفي كلِّ صفحةٍ خمسة آلافِ معلومةٍ، أي خمسةُ آلافِ مليونِ معلومةٍ متوضِّعةٍ على هذه المورثاتِ، ونحن لا ندري.
إنّ بحثَ المورِّثاتِ، وبحثَ الجيناتِ، وبحثَ الخليةِ شيءٌ معجزٌ، ويمكِنُ مِن خلالِه أنْ نعرفَ عظمةَ اللهِ إذْ يقول: ﴿وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] .
حينما يغتسلُ الإنسانُ، وينزل مِن جلدِه بعضُ ما يسمَّى الوسخَ، إنها خلايَا ميتةٌ، وكلُّ خليةٍ لها نواةٌ، ولها نُوَيةٌ، ولها هيولى، ولها غشاءٌ، فهي وجودٌ حيٌّ قائمٌ بنفسِه، وفيها نشاطات، وقد تُدرس الخليةُ وحْدَها في الجامعاتِ سنواتٍ طويلةً.
أتحسبُ أنّك جِرمٌ صغيرٌ ... وفيكَ انْطَوَى العالَمُ الأكبرُ
أهذا الخالقُ العظيمُ الذي خَلَقَكَ، ولم تكنْ شيئاً مذكوراً، ألا ينبغي أن تتعرَّفَ إليه؟ ألا ينبغي أنْ تطيعَه؟
أجراس الإنذار المبكر في الجسم البشريّ
стр. 41
في الجسمِ البشريِّ آيةٌ دالّةٌ على عظمةِ اللهِ ، سمّاها بعضُ العلماءِ (أجراسَ الإنذارِ المبكّرِ في الجسمِ البشريِّ) ، وبعضُ الدُّوَلِ المتقدّمةِ - في مقياسِ العصْرِ - تبتدعُ ما يُسمَّى أجهزةَ الإنذارِ المبكّرِ، وهذا الجسمُ الذي خَلَقَهُ اللهُ في أحسنِ تقويمٍ زوَّدهُ بهذه الأجهزةِ، أجهزةِ الإنذارِ المبكّرِ، هذه الأجهزةُ متوضِّعةٌ في الجلدِ، فالجلدُ هو سطحٌ يغطّي شبكةً هائلةً من الأعصابِ، وانتشارُ الأعصابِ تحتَ سطحِ الجلدِ شيءٌ رائعٌ، هذه الأعصابُ تنتهي بِجُسيماتٍ خاصّةٍ، يختصُّ كلٌّ منها بِنَقلِ حِسٍّ معيَّنٍ، هناك جُسيماتٌ تنقلُ الحرَّ والبرْدَ، فأنْ تغسلَ يدَيْكَ، وأنْ تضعَ الماءَ على وجهِك فهذا شيءٌ مقبولٌ في الشّتاءِ، أما أن تضعَ الماءَ على ظهرِك فهذا لا يحتملهُ معظمُ الناسِ، لأنّ عددَ الأعصابِ التي وُزِّعَتْ على ظهرِ الإنسانِ يفوقُ عددُها عدد الأعصاب التي في اليدِ والوجهِ، وهناك حكمةٌ بالغةٌ، فالأعضاءُ التي يجبُ أنْ تغسلَها كلَّ يومٍ خمسَ مرّاتٍ جُعِلَتْ أعصابُ الإحساسِ بالبرودةِ فيها ضعيفةً، ولكنّ الأماكنَ التي إذا صببْتَ عليها الماءَ تضرَّرَتْ جُعِلَتْ أعصابُ الإحساسِ بالبرودةِ فيها كثيرةً، وهناك جُسيماتٌ تتحسّس بالضّغطِ، واللَّمْسِ، وحولَ الضّغطِ موضوعٌ طويلٌ، كيف أنّ الإنسانَ يتقلّبُ في الليلةِ الواحدةِ ما يزيدُ على أربعينَ مرّةً، لأنّ الجسمَ إذا ضَغَطَ على جهةٍ معيّنةٍ ضاقَتِ الشرايينُ، فضعُفتِ الترويَةُ، لذلك هذه الجُسيماتُ تنقلُ الإحساسَ بالضّغطِ إلى المخِّ، وأنت نائمٌ، والمخُّ يُصدِرُ أمراً بالحركةِ، وهذا وَرَدَ في القرآنِ الكريمِ، وهو من إعجازِه العلميِّ، قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ اليمين وَذَاتَ الشمال﴾ [الكهف: ١٨] .
стр. 42
ولو أنّ التقليبَ كان على اليمينِ فقط لَوَقَعَ الإنسانُ مِن السريرِ، فحكمةُ الله اقتضتْ أنْ يكونَ هذا التقليب ذاتَ اليمينِ، وذاتَ الشّمالِ، هذا هو الإحساسُ بالضّغطِ، وهناك الإحساسُ بالألمِ، يقولُ العلماءُ: "إنّ هناك من ثلاثةٍ إلى خمسةِ ملايين نهايةِ عصبيّةٍ تختصُّ بالألمِ! وأمّا للحرِّ والبرْدِ فهناك نهاياتٌ عَصَبيَّةٌ تزيدُ على مئتي ألفٍ، وأمّا للإحساسِ بالضّغطِ فهناك ما يزيدُ على خمسمئةِ ألفٍ؛ أي نصف مليون!! ".
هذه المعلوماتُ الدقيقةُ من حرٍّ وبرْدٍ، وألَمٍ، وضغطٍ، ولمْسٍ، ينقُلها ستَّةٌ وسبعون عصباً مركزيّاً إلى المخِّ، وأنت نائمٌ لا تدري! إذا لامسَتْ يدُك شيئاً حارّاً فإنّ استجابةَ اليدِ عن طريقِ سحبِ اليدِ تقِلُّ عن واحدٍ من مئةٍ من الثانيةِ، الشيءُ الخطِرُ لا يستدعِي أن يصلَ الإحساسُ إلى المخُّ، ولكن يكفي أن يصلَ إلى النخاعِ الشوكيِّ، الذي يصدرُ أمراً بِسَحبِ اليدِ في أقلَّ من واحدٍ في المئةِ من الثانيةِ، وأنت غيرُ منتَبِهٍ، لو أنّ يدَك لامسَتْ شيئاً حاراً، وأنت غيرُ منتبهٍ تسحبُها في استجابةٍ مِثاليّةٍ.
إنّ الإحساسَ بالتوازنِ - وهذا من وظائفِ بعضِ الأعصابِ - يحقّقُه خمسون مفصلاً، ومئتا عظمٍ، ومئتا عضلةٍ، كلّها تُسهِمُ في أن تبقَى واقفاً على قَدَمَيْكَ دونَ اختلالٍ في التوازنِ.
ما زلتُ أذكرُ هذه الآية: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] .
وفي أنفسِنا آياتٌ لا تنتهي، لو أنّ الإنسانَ صرفَ عمرَهُ كلّه في التدقيقِ في أجهزتِه، وأعضائِه، وعضلاتِه، وأعصابِه لا نقضى العمرُ، ولم تَنْقَضِ هذه الآياتُ الدالّةُ على عظمةِ اللهِ تعالى.
وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ ... تدلُّ على أنّهُ وَاحدُ
الثوابت والمتغيرات في جسم الإنسان
стр. 43
مِنَ الآياتِ الدَّالّةِ على إعجازِ اللهِ في خَلْقِهِ؛ أنّ اللهَ خَلَقَ قلبَ الإنسانِ، وجعَلَه متبدِّلَ الاستطاعةِ، مع أنّ هذا حتى الآنَ لم يكنْ، ولن يكونَ في القريبِ العاجلِ في المُحَرِّكاتِ التي يصنعُها الإنسانُ، فالمحرِّكُ له استطاعةٌ، لكنْ يُتَحَايَلُ على استطاعتِه بعلبةِ التروس - كما يقولون - لكنّ المحركَ له استطاعةٌ واحدةٌ، أمّا هذا القلبُ البشريُّ فتتبدَّلُ استطاعتُه بحسبِ الظروفِ، فبينما ينبضُ من ستينَ إلى ثمانينَ نبضةً في الدقيقةِ، وهذا هو الحَدُّ الأدنى الثابتُ، إذا به حينما يواجه ظروفاً صعبةً، صعودَ جبالٍ، أو صعودَ دَرَجٍ، أو حينما يواجهُ مشكلةً نفسيَّةً، أو حينما يخافُ ترتفعُ نبضاتُه إلى مئةٍ وثمانينَ نبضةً.
العينُ؛ ترى كلَّ شيءٍ بوضوحٍ تامٍّ بعدَ ستّةِ أمتارٍ، أما قبلَ الستةِ أمتار فلا بدَّ مِن عمليةٍ في غايةِ الإعجازِ، هي عمليةُ المُطابقةِ، فإذا أردتَ أنْ تنظرَ إلى كرةٍ فكأنّ ثمة جهةً ثالثةً تقيسُ المسافةَ بين العينِ والكرةِ، وتضغظُ على الجسمِ البلورِيِّ ضغطاً بمعشارِ الميكرونِ، حيثُ يبقى خيالُ هذا الجسمِ على شبكيةِ العينِ، وهذه المطابقةُ حتى هذه الساعةِ تفسيراتُها غير مُقْنِعَةٍ، إنّها عنايةُ اللهِ ، بإمكانِك أنْ ترى طريقاً مزدحماً بالمارّةِ، كلَّما نظرتَ إلى إنسانٍ تبدَّلَ اِحْديدابُ العدسةِ تبدلاً، حيثُ يُجعلُ خيالُه على المحرقِ - أي على الشبكيَّةِ - وهذا لا يتمُّ إلا بعضلاتٍ هدبيةٍ بالغةِ الدقَّة، تضغطُ على الجسمِ البلورِيِّ فتزيدُ احديدابَه، أو تخفِّفُ منه، بحسبِ بُعْدِ الجسمِ عن العَيْنِ، وهذه هي المطابقةُ.
стр. 44
شيءٌ آخر ... الإنسانُ من الكائناتِ الثابتةِ حرارتُها، لكنْ كيف يواجهُ الإنسانُ الجوَّ الحارَّ، يواجهُه بملايينِ الغددِ العرقيةِ، والغددُ العَرَقِيَّةُ هي جهازٌ بالغُ الدقَّةِ في تكييفِ الجسمِ، فحينما تفرزُ هذه الغددُ السائلَ، وحينما يتمُّ التبادلُ الحروريُّ بين هذا الماءِ، وحرارةِ الجلدِ يكسبُ الماءُ من الجلدِ حرارتَه، وتخفُّ بذلك حرارةُ الجلدِ، إذاً فالتعرُّقُ وسيلةٌ بالغةُ الدقةِ والتعقيدِ، يتلافى بها الجسمُ ارتفاعَ الحرارةِ، فإذا انفخضتِ الحرارةُ عن الحدِّ المعقولِ يأتي الرَّجَفَانُ ليحرِّكَ العضلاتِ، وليولدَ حرارةً، ويقفُ شعرُ الجسمِ ليخزِّنَ كميةً من الهواءِ الساخنِ تعينُه على تلافي الجوِّ الباردِ، إذاً بالقشعريرةِ والتعرُّقِ يستطيعُ الجسمُ موجهةَ الجوِّ الحارِّ والباردِ.
أمّا الدماغُ؛ فإذا أصابَ الأعصابَ الحسيةَ مؤثرٌ خارجيٌّ كالحرِّ، أو البردِ، أو الألمِ، أو الأثرِ الكيمائيِّ لا شكّ أنّ الإنسانَ يشعرُ بالألمِ، ولكن إذا بَلَغَ الألمُ حداً لا يُطاقُ يفرزُ الدماغُ مادةً تخدِّرهُ، وهي مِن أرقى الموادِّ المخدِّرةِ حتى يغيبَ عن الألمِ، وهذا هو الإغماءُ، وهذا الإغماءُ سببَهُ أنّ الدماغَ يفرزُ مادةً تخدِّرُه، وتبعِدُه عن الإحساسِ بالألمِ.
أرأيتم إلى هذا الإنسانِ المعجِزِ في خَلْقِه؟ تارةً فيه ثوابتُ، وتارةً فيه تغيراتٌ، ضرباتُ القلبِ ثابتةٌ، ولكنْ تصلُ عند الضرورةِ إلى مئةٍ وثمانين، ورؤيةُ العينِ ثابتةٌ، ولكنْ دونَ الستّةِ أمتارٍ تجري مطابقةٌ من أدقِّ العمليّاتِ في العَينِ، وحرارةُ الجسمِ ثابتةٌ، لكنَّ القشعريرةَ والتعرُّقَ وسيلتان يتكيَّفُ بهما الجسمُ مع الجوِّ الحارِّ والجوِّ الباردِ، والدماغُ يشعرُ بالألمِ بشكلٍ ثابتٍ، لكنْ حينما يزدادُ الألمُ يتدخلُ الدماغُ فيفرزُ مادةً تخدِّرُه، وهذه هي حالةُ الإغماءِ التي يعانِي منها الإنسانُ أحياناً.
الساعة البيولوجية لدى الإنسان
стр. 45
اكتشفَ العلماءُ الفرنسيّونَ أنّ في مقدورِ النباتِ حسابَ الزمنِ، حيثُ إنّ بعضَ أوراقِ مجموعةٍ منَ النباتاتِ تؤدِّي حركاتٍ معينةً في وقتٍ محدَّدٍ من اليومِ، إذاً هذا النباتُ عنده ما يسمِّيه العلماءُ ساعةً بيولوجيةً، تحسبُ له الزمنَ.
واكتشفَ العلماءُ أيضاً أنّ في الحيوانِ ما يشبهُ ما في النباتِ، فهناك حيواناتٌ تعرفُ بدقَّةٍ بالغةٍ مرورَ الزمنِ، فتتّجهُ إلى مكانِ سُباتِها في الشتاءِ، لو تأخَّرَتْ أو بكّرتْ قليلاً لماتتْ، بحسابٍ في غايةِ الدقَّةِ تأوي بعضُ الحيواناتِ إلى أوكارِها لترقدَ طوالَ فصلِ الشتاءِ، ولولا أنها تعرفُ كيف يمرُّ الزمنُ لَمَا أمكنَهَا ذلك، قال تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى﴾ [طه: ٥٠] .
أمّا عند الإنسانِ فإنّ بجوارِ غدّتِه النُّخاميةِ مجموعةَ خلايا، لها خاصِّيةٌ عجيبةٌ، إنها تستشعرُ الضَوْءَ الذي يَسقطُ على قاعِ الشبكيّةِ في أثناءِ النهارِ، إذا استشعرتَ هذا الضوْءَ معنى ذلك أنَّ الوقتَ نهارٌ، فإذا غابتْ هذه الأشعةُ التي تسقُطُ على قاعِ الشبكيةِ، معنى ذلك عندَ هذه الخلايا أنّ الوقتَ هو وقتُ الليلِ.
فماذا يكونُ في النهارِ من تبدلاتٍ في جسمِ الإنسانِ؟ وماذا يكونُ في الليلِ؟
في النهارِ يزدادُ استهلاكُ الجسمِ للطاقةِ، فترتفعُ درجةُ حرارتِه نِصفَ درجةٍ عن المُعَدَّلِ الوَسَطِيِّ، وتنخفضُ نصفَ درجةٍ في الليلٍ.
فمَن يُشعِرُ الخلايا وخلايا الاستقلابِ أنّ الوقتَ وقتُ نهارٍ؟ هذه الخلايا التي إلى جوارِ الغدةِ النخاميةِ تستشعرُ مِن خلالِ اقتباسِها لقاعِ العينِ أنّ الوقتَ وقتُ نهارٍ.
فَسَّرَ العلماءُ هذه الظاهرةَ بالشكلِ التالي:
стр. 46
إنّ سقوطَ الضوءِ فوقَ الشبكيةِ ينتقلُ بوساطةِ سيَّالاتٍ عصبيةٍ عبرَ أليافِ العصبِ البصرِي إلى الغدةِ النخاميةِ، وهي ملكةُ الغددِ، والتي تؤمِّن التكاملَ والتكيُّفَ بين وظائفِ الأجهزةِ الداخليةِ، والنشاطُ العامُّ للجسمِ يرتبطُ بالغدةِ الدرقيةِ، فالغدةُ الدرقيةُ التي فيها الاستقلابُ، - وهو تحوُّلُ الغذاءِ إلى طاقةٍ - فهذا الغذاءُ يتحوَّلُ إلى طاقةٍ عاليةٍ في النهارِ، وطاقةٍ متدنيةٍ في الليلِ، هذه الغدةُ الدرقيةُ، مع الغدةِ النخاميةِ تتأثَّرُ بالزمنِ، بل هناك ساعةٌ تحسبُ تعاقُبَ الليلِ والنهارِ.
وتزدادُ ضرباتُ القلبِ في النهارِ، من عشرٍ إلى عشرين ضربةً عنها في الليلِ، ويزدادُ إدرارُ البولِ مِن ضعفين إلى أربعةِ أضعافٍ في النهارِ عنه في الليلِ، ومن خلالِ تسجيلِ النشاطِ الكهربائيِّ للدماغِ تبيَّن أنه يزدادُ في النهارِ، ويضعُفُ في الليلِ، وتزدادُ درجةُ لزوجةِ الدمِ في النهارِ عنها في الليلِ، ويزدادُ عددُ كرياتِ الدمِ البيضاءِ - كسلاحٍ دفاعيٍ في الإنسانِ - في النهارِ عها في الليلِ، ما الذي يُشعِرُ الجسمَ أنّ الوقتَ وقتُ نهارٍ؟
أنت بعقِلك تدركُ، ولكنَّ هذه الخلايا التي تتبدَّلُ وظائفُها بين النهارِ والليلِ، أو ترتفعُ مُعدَّلاتُ وظائفِها بين النهارِ والليلِ مَن يشعِرُها بالزمن؟
هذا ما اصطلحَ العلماءُ على تسميتِه "الساعةَ البيولوجيةَ"، فالساعةُ البيولوجيةُ مجموعةُ خلايا إلى جانبِ الغدةِ النخاميةِ، تستشعرُ ضَوْءَ الشمسِ الذي يسقُطُ على قاعِ الشبكيةِ في النهارِ، لذلك إذا عاشَ الإنسانُ في ظلامٍ مستمرٍّ تَخْتَلُّ وظائفُه الحيويةُ، لأنّ هذه الساعةَ البيولوجيةَ تتعطَّلُ عن العملِ لانعدامِ وصولِ الشمسِ إلى قاعِ العينِ.
стр. 47
أوضحُ شيءٍ في جسمِ الإنسانِ أنّ كيماتِ الهرموناتِ في الدمِ تتبدَّلُ من النورِ إلى الظلامِ، فهذه الهرموناتُ لها نِسَبٌ في الليلِ، ولها نسبٌ في النهارِ؛ لأنّ اللهَ جعَلَ النهارَ معاشاً، وجعلَ الليلَ لباساً، في الليلِ يزدادُ هرمونُ النموِّ، وتزدادُ هرموناتُ الإخصابِ، ويقلُّ استهلاكُ السكرِ ثلاثين في المئةِ عما هو في النهارِ، ولهذا تقلُّ فعاليةُ الجهازِ التنفُّسيِّ في الليلِ ثلاثينَ بالمئةِ عما هي في النهارِ، هذا من بعضِ معاني قولِ اللهِ : ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] . وهذا التبدُّلُ يحدِّدُ مستوى حيويةِ وظائفِ الجسمِ الإنسانيِّ إلى أدنى مستوى لها خلالَ الليلِ، وتأخذُ بالارتفاعِ إلى أقصى درجةٍ في الساعةِ السادسةِ صباحاً، ويتبدَّلُ نبضُ القلبِ من الليلِ إلى النهار، ويتبدَّلُ الضغطُ الشريانيُّ من الليلِ إلى النهارِ.
أمّا المعدةُ فتكون قدراتُها الإفرازيةُ، وقدراتُها على هضمِ الطعامِ قليلةً في أثناءِ الليلِ.
قال العلماءُ: "مع الاستيقاظِ تتراكمُ في الدمِ مادةٌ تؤدِّي إلى تسارعِ النبضِ، وارتفاعِ ضغطِ الدمِ، وهذا يؤدِّي إلى نَشاطِ الجسمِ"، لذلك فهناك عند معظمِ الناسِ ذروتان للعملِ، مِنَ التاسعةِ حتى الثانيةِ عشرة ظهراً، ومن الرابعةِ حتى السادسةِ، في هذه الساعاتِ التي هي ذروةُ النشاطِ تزدادُ قدرةُ الحواسِ الخمسِ، ويُنصحُ ببذلِ الجهدِ في هاتين الذروتين، والخلودِ إلى الراحةِ في أوقاتِ انخفاضِ مستوى النشاطِ البشريِّ، لذلك قَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : "اللُّهُمَّ بَارِكْ لأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا".
إنّ هذه الساعةَ البيولوجيةَ تشعِرُ الأجهزةَ، والأعضاءَ، والنُّسُجَ، والخلايا، والغُدَدَ أنّ الوقتَ وقتُ نهارٍ، فافْعَلِي كذا وكذا، وامتنِعِي عن كذا وكذا، ثم تُشعِرُ هذه الخلايا التي هي الساعةُ البيولوجيةُ الأعضاءَ، والأجهزةَ، والنُّسُجَ، والغددَ، والخلايا أنّ الوقتَ وقتُ ليلٍ، فافْعَلِي كذا وكذا، فما تفعله في النهارِ لنْ تستطيعَ أنْ تفعلَه في الليلِ.
стр. 48
قال العلماءُ: "إنّ الإنسانَ الذي يعملُ ليلاً ونهاراً بنوباتٍ سريعةٍ تضطربُ الساعةُ البيولوجيةُ في جسمِه".
وقد اكتشفَ العلماءُ مرضاً عند رجالِ الأعمالِ، هؤلاء الذين يتنقلون سريعاً من مدينةٍ إلى أخرى، فتضطربُ عندهم الساعةُ البيولوجيةُ، هذا من أدقِّ صنعِ اللهِ ، وهو القائلُ: ﴿صُنْعَ الله الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] .
عندك ساعةٌ، تبرمجُ الهرموناتِ، والنبضَ، والضغطَ، والحرارةَ، والقدرةَ على الهضمِ، وهذه الساعةُ تدركُ إذا كنتَ في النهارِ أم في الليلِ، دون أنْ يكونَ لها علاقةٌ بقوتك الإدراكيةِ، هذا صنعُ اللهِ الذي أتقنَ كلَّ شيءٍ، ﴿وَفِي الأرض آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٠-٢١] .
جهاز التكييف والتبريد في جسم الإنسان
منَ الآياتِ الدالةِ على عظمةِ اللهِ أنّ في الإنسانِ جهازَ تكييفٍ وتبريدٍ، يُعدُّ مِن أدقِّ وأعقدِ الأجهزةِ، فالإنسانُ كائنٌ يتميّزُ بحرارةٍ ثابتةٍ، تعادلُ سبعاً وثلاثين درجةً، فكيف يصنعُ لو ارتفعتِ الحرارةُ، أو انخفضتْ، هو لا يموتُ إلا في حالتين؛ إذا ارتفعتْ حرارتُه إلى الخامسةِ والأربعين مع الرطوبةِ المطلقةِ، أو ارتفعتْ إلى درجة الستين مع الجفافِ المطلقِ، فما دونَ هاتين الحالتين فالإنسانُ مزوَّدٌ بجهازٍ بالغِ التعقيدِ يثبِّتُ حرارتَه في الدرجةِ السابعةِ والثلاثين، كيف يكون ذلك؟
стр. 49
في الإنسانِ من ثلاثةٍ إلى أربعةِ ملايين غدةٍ عرقيةٍ، موزَّعةٍ في الجلدِ توزيعاً حكيماً، ففي باطنِ اليدِ مثلاً في السنتمترِ المربعِ أربعمئة وثمانونَ غدةً عرقيةً، هذه الغددُ العرقيةُ لو وُصِلَ بعضُها ببعضٍ لصارَ طولُها خمسةَ كيلومتراتٍ في جسمِ كلٍّ منا، هذه الغددُ العرقيةُ في أيامِ الحرِّ الشديدِ تفرزُ مِن مئتي سنتمترٍ مكعبٍ يومياً، إلى ألفٍ وخمسمئةٍ سنتمترٍ مكعبٍ في الساعةِ الواحدةِ، إذا أفرزَ العرقُ، وانتشرَ على سطحِ الجلدِ الذي تزيدُ مساحتُه في الإنسانِ على مترٍ وثمانيةٍ بالعشرةِ من الأمتارِ المربَّعةِ، هذا الماءُ الذي تفرزُه خلايا العرقِ يتبخَّرُ، ومع التبخُّرِ يحصلُ ما يُسمَّى التبادلَ الحراريَّ، فحينما يتبخّرُ العرقُ يمتصُّ حرارةً من الجسمِ تُعيدُه إلى الدرجةِ الثابتةِ، إنه من أعقدِ أجهزةِ التكييفِ في الكونِ.
وحينما يبردُ الإنسانُ تضيقُ الأوردةُ لتخفِّفَ جَوَلاَنَ الدم في السطحِ الخارجيِّ، ليحافظَ الدمُ على حرارتِه، فإذا شَعَرَ الإنسانُ بالحرِّ اتَّسَعَتِ الشرايينُ والأوردةُ حتى ينتشرَ الدمُ في أوسعِ مساحةٍ في الجلدِ، أما إذا بَرَدَ الإنسانُ فإنّ لونَه يصفرُّ، لأنّ قُطْرَ الأوردةِ والشرايينِ يضيقُ ليبقَى الدمُ في الداخلِ محافظاً على حرارتِه، وحينما يرتجِفُ الإنسانُ، فهذا الارتجافُ يُوَلِّدُ طاقةً حراريةً يعوِّضُ بها ما فَقَدَه في المحيطِ الخارجيِّ، وحينما يقفُ شَعْرُ الإنسانِ يحجزُ هواءً ساخناً بحجمٍ أكبرَ.
فهناك آليةٌ معقدةٌ تتمُّ لو هبطتِ الحرارةُ عن الحدِّ المعقولِ، وهناك آليةٌ معقدةٌ تتمُّ لو ارتفعتِ الحرارةُ عن الحدِّ المعقولِ.
لو أنّ ألفَ سنتمترٍ مكعّبٍ من العرق خرجَ من الإنسانِ لَفَقَدَ من الحرارةِ ما يساوي ألفاً وثلاثمئة سعرٍ حراريٍّ، فهو جهازُ تكييفٍ دقيقٌ، يواجِهُ الحرَّ، ويواجهُ البردَ.
هذه من آياتِ اللهِ الدالَةِ على عظمتِه، واللهُ يقولُ: ﴿وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] .
جهاز التعرق عندَ الإنسان
стр. 50
في الإنسانِ جهازٌ للتبريدِ، ويسمِّيه العلماءُ جهازَ التعرُّقِ، هذا الجهازُ بمنزلةِ جهازِ التبريدِ، وجهازِ التنظيمِ الحراريِّ للإنسانِ.
يتألّفُ هذا الجهازُ من مليون وحدةِ تبريدٍ، أيْ مِن مليون غدةٍ عرقيةٍ، والغدةُ العرقيةُ الواحدةُ تتألّفُ من أنبوبٍ طولُه ميليمتران، وقُطْرُه عُشْرُ الميليمتر، هذا الأنبوبُ يلتفُّ على نفسِه، ويتّصلُ بالجلدِ، وتتوزّعُ هذه الأنابيبُ على سطحِ الجلدِ على نحوٍ غيرِ متساوٍ، تكثرُ في الجبينِ، وفي أخمصِ القدمِ، وباطنِ الكفِّ، وفي أماكنَ أخرى من الجسمِ، بمعدّلِ ثلاثمئةِ غدةٍ عرقيةٍ في السنتيمتر الواحدِ، وكلُّ غدةٍ عرقيةٍ جهازُ تبريدٍ كاملٌ، وهذه الأنابيبُ المليونُ إذا وُصِلَ بعضُها ببعضٍ بَلَغَ طولُها خمسةَ كيلومتراتٍ في كلِّ جسمٍ، وفي كلِّ مئةِ غرامٍ من العرقِ الذي تنضحُ به هذه الخلايا تسعة وتسعون غراماً ماءً، وغراماً واحداً من الموادِّ المنحلةِ، نصفُها من الملحِ، ونصفُها من البولةِ، وبعضِ الموادِّ الكيميائيةِ الأخرى، والإنسانُ يفرزُ من العرقِ في الأربعِ والعشرين ساعةَ من ستمئةِ غرامٍ إلى ألفِ غرامٍ، إلى ما يعادِل كيلوغراماً من العرقِ، وإفرازُ العرقِ مستمرٌّ، ولا نشعرُ به إلا إذا كان غزيراً، والدليلُ على أن هناك إفرازاً مستمراً ليونةُ الجلدِ، ورطوبتُه، ولولا التعرُّقُ لما كان هناك ليونةٌ، ولما كانت هناك رطوبةٌ، والتعرُّق صمامُ أمانٍ لارتفاعِ حرارةِ الجسمِ، كيف أنّ بعضَ الأواني البخاريةِ لها صمامُ أمانٍ مخافةَ أن تنفجِرَ، وكذلك الجسمُ، لو أنّ الحرارةَ ارتفعتْ فوقَ معدَّلِها لماتَ الإنسانُ، لذلك هناك صمامُ أمانٍ، فإذا ارتفعتْ حرارةُ الجسمِ من الداخلِ، أو كان هناك حرارةٌ من الخارجِ، فإنّ هذه الأجهزةَ تفرزُ الماءَ الغزيرَ، وهذا الماءُ الغزيرُ يمتصُّ الحرارةَ الزائدةَ فيتبخَّرُ، وبهذه الطريقةِ يحافظُ على حرارةِ الجلدِ المعتدِلةِ.
стр. 51
مِن وظائفِ التعرُّقِ طرحُ البولةِ، وتليِينُ الجلدِ، وتنظيمُ حرارةِ البدنِ، لذلك يجبُ العنايةُ بتنظيفِ الجسمِ لإزالةِ آثارِ التعرُّقِ الكريهةِ، لأن في جسمنا أملاحاً، وحمضَ بولةٍ، تماماً كما في البولِ، فلذلك قيل: (اِغْتَسِلْ وَلَوْ مُدّاً بِدِينَارٍ) .
إنّ غسلَ الجمعةِ يرقَى إلى الواجبِ، لإزالةِ أسبابِ التعرُّقِ، وحقُّ اللهِ على المسلمِ أنْ يغتسلَ كلَّ سبعةِ أيامٍ، كما ورد في الحديث، فعَنْ جَابِرٍ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ غُسْلٌ فِي سَبْعَةِ أيَّامٍ كُلَّ جُمُعَةٍ"، والنظافةُ من الإيمانِ، فبهذا التنظيفِ تُزَالُ رائحةُ التعرُّقِ الكرِيهةُ، وتُزَالُ رواسبُ التعرُّقِ بعدَ التبخُّرِ، وتُفتَحُ مَساماتُ الجلدِ، وتُفتَحُ فوهاتُ غددِ التعرُّقِ.
كيف تواجه العضوية البرد
هذا الكائنُ البَشَرِيُّ، هذه العضويةُ التي خَلَقَها اللهُ في أحسنِ تقويمٍ، ماذا تفعلُ؟ وبماذا جُهِّزتْ لو أَصَابَها بردٌ شديد؟ كيف تدافعُ عن نفسها؟ ماذا أودعَ اللهُ بها مِن أجهزةٍ كي تواجهَ البردَ؟
قالَ العلماءُ: "يعدُّ الجلدُ في الإنسانِ وزارةَ الخارجيةِ، تنقلُ للإنسانِ كلَّ التغيّراتِ التي تصيبُ المُحيطَ، فهناك في الجلدِ مركزٌ لنقلِ المعلوماتِ المتعلقةِ بانخفاضِ الحرارةِ، وارتفاعِها، فإذا بَرَدَ الجَوُّ، ولم يكن هناك شيءٌ يُذْهِبُ البردَ، ماذا تفعلُ العضويةُ؟ ".
تضيِّقُ لمعةَ كلِّ الأوردةِ والشرايينِ، ولا سيما الأوعية السطحية، فإذا ضاقتْ لمعتُها قلّتْ كميةٌ الدماءِ التي تجولُ فيها، وإذا قلَّتْ كميةُ الدماءِ التي تجولُ فيها قلَّ الإشعاعُ الحراريُّ، فاحتفظَ الجسمُ بحرارتِه المختزَنَةِ مِن حَرْقِ الموادِ الغذائيةِ.
فالذي يصيبُه بردٌ شديدٌ يصفرُّ لونُه، ومعنى اصفرارِ اللونِ أنّ الشرايينَ المحيطيَّةَ التي تمتلئ بالدمِ تضيقُ لمعتُها، وإذا ضاقتْ لمعتها قلَّتْ كميةُ الدمِ، وقلَّتْ بالتالي الحرارةُ التي يخسَرُها الجسمُ مِن جرَّاءِ إشعاعِ الحرارةِ المختزنةِ في الدمِ.
стр. 52
شيءٌ آخرُ، ترسلُ الغدةُ النخاميةُ هرموناً إلى الغدةِ الدرقيةِ، والغدةُ الدرقيةُ تقومُ بمهمةٍ معقدةٍ صعبةٍ، ألا وهي الاستقلابُ، وهو تحويلُ الغذاءِ إلى طاقةٍ، فالغدةُ النخاميةُ ترسلُ أمراً هرمونياً إلى الغدةِ الدرقيةِ كي تزيدَ مِن الاستقلابِ، أي مِن حرقِ الموادِ الغذائيةِ، وينتجُ عنها حرارةٌ تجولُ في البدن، لو فَحَصْنا الهرموناتِ في الدمِ لوجَدْنَا نسبتَها مرتفعةً، ولا سيما التي تصدرُ عن الغدةِ النخاميةِ، والتي تأمرُ الغدةَ الدرقيةَ برفعِ مستوى الاحتراقِ في الجسمِ.
شيءٌ آخرُ، يواجهُ الإنسانُ البردَ بآليةٍ أُخرى، فهناك في رأسِ الإنسانِ ما يزيدُ على مئتين وخمسين ألفَ شعرةٍ، تزيدُ أو تنقصُ، لكلِّ شعرةٍ: وريدٌ، وشريانٌ، وعصبٌ، وعضلةٌ، وغدةٌ دهنيةٌ، وغدةٌ صبغيةٌ، فإذا بَرَدَ الإنسانُ يأتي أمرٌ إلى الأشعارِ فتنتصبُ، وإذا انتصبتْ حَجَزَتْ كميةً من الهواءِ الساخنِ أكثرَ مِن ذي قبلُ.
هذا ما تفعلُه العضويةُ دونَ أن تدريَ أيّها الإنسانُ، دونَ أنْ تدريَ تضيقُ الشرايينُ، دونمَ أن تدريَ تتحرَّكُ الغدةُ النخاميةُ لتواجهَ البَرْدَ، دونَ أنْ تدريَ ترفعُ الغدةُ الدرقيةُ مستوى الاستقلابِ، دونَ أن تدريَ تزيدُ كميَّاتُ السكرِ في الدمِ، فترتجفُ، وتنتصبُ أشعارُك، مِن أجل أن تواجهَ البردَ، فتباركَ اللهُ أحسنُ الخالقين.
بصمات الإنسان سجل وهوية وتوقيع
لو أنّ تَوْأَمَيْنِ تَخَلَّقا من بيضةٍ واحدةٍ، (هناك توأمان يتخلَّقان مِن بيضتين، وهناك توأمان يتخلَّقان من بيضةٍ واحدةٍ) ، فلو أنّ توأمين تخلَّقا مِن بيضةٍ واحدةٍ، فإنّ بصمةَ الأولِ تختلفُ عن بصمةِ الثاني، إنَّ اللهَ يشيرُ في كتابِه العزيز إلى هذه الحقيقةِ فيقول: ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ * بلى قَادِرِينَ على أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: ٣-٤] .
стр. 53
استطاعَ العلماءُ أنْ يكتشفوا في هذه البصمةِ مئةَ علامةٍ، فلو أنّ اثنتي عشرةَ علامةً مِن مئةِ علامةٍ توافقتْ في بصمتين لكانتا لشخصٍ واحدٍ، وإنَّ احتمالَ أنْ تَتَشَابَهَ البصمتانِ بواقعِ المصادفة واحدٌ مِن أربعةٍ وستينَ ملياراً، أي إذا كان في الأرضِ أربعةٌ وستون مليارَ إنسانٍ، فهناك احتمالٌ واحدٌ أنْ تأتيَ البصمتانِ متشابهتين، وعددُ سكانِ العالَمِ ستة ملياراتٍ فقط.
شيءٌ آخر.. البصمةُ لها شكلٌ خاصٌّ؛ أقواسٌ، منحنياتٌ، منحدراتٌ، زوايا، تفرُّعاتٌ، خطوطٌ، جزرٌ، أخاديدُ، وفي بعضِ معاهدِ الطبِّ عرضت بصمةٌ، وعُرِضَ تحتها خمسةَ عشرَ ألفَ بصمةٍ، فلم تتشابهْ منها اثنتان، ولو في سبعِ نقاط.
تتَكَوَّنُ البصمةُ والطفلُ في رَحِمِ أمِّه، في الشهرِ السادسِ مِن الحَملِ، وتبقَى حتى الموتِ، وإذا أزيلتْ هذه القطعةُ مِن اللحمِ إزالةً كليةً نَبَتَ لحمٌ جديدٌ عليه البصمةُ التي أزيلتْ، فلو أنَّ عمليةَ جِراحيةً أُجريَتْ لرجلٍ، وأزيلتْ بصمتُه كلياً، وأزيلَ هذا الجلدُ، وأُخِذَ جلدٌ له مِن مكانٍ آخرَ، وطُعِّمَ هنا، ما هي إلا أشهرٌ حتى تَبْدُوَ ملامحُ البصمةِ مرةً ثانيةً على هذا اللحمِ الجديدِ الذي أُخِذَ مِن مكانٍ آخرَ.
إنّ البصمةَ سجلٌّ، وهويةٌ، وتوقيعٌ، مِن صُنْعِ اللهِ ، لا تستطيعُ قُوَى البشرِ أن تَمْحُوَه.
لقد أجرى بعضُ المجرمين عملياتٍ جراحيةَ على بصماتِهم، وطعَّموها بجلدٍ مِن مكانٍ آخرَ، بعد أشهرٍ ظهرتْ هذه البصماتُ ثانيةً، إنه توقيعٌ ربانيٌّ مَنَحَكَ إيَّاه، لا تستطيعُ قُوى البشرِ أن تمحوَه.
حينما يبعثُنا اللهُ ، فهذا التوقيعُ، وهذه الخطوطُ، وهذه الأخاديدُ، وهذه الجزرُ، وهذه التفرُّعاتُ، وهذه التشجيراتُ تعودُ كما كانت.. ﴿بلى قَادِرِينَ على أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: ٤] .
هذه آيةٌ مِن آياتِ اللهِ ، كيف تُخلَقُ هذه البصمةُ، وأنت في رحمِ أمِّك؟ وكيف يعيدُ اللهَ ملامحَها حينما يبعثُنا بعدَ الموتِ؟.
علم النفس الإسلامي
اليأس، والنفاق، والإحباط في علم النفس الإسلامي
стр. 54
إنّ علمَ النفسِ الإسلاميَّ علمٌ مؤصَّل عظيم، أيْ علاقات ثابتةٌ، وقواعدُ، وقوانينُ، هو علمُ النفسِ، وأنت نَفْسٌ، نفسُك التي بين جَنْبَيْك، هي ذاتُك، هي الخالدةُ التي لا تموتُ، هي التي تسمُوا، وهي التي تفسدُ، علمُ النفسِ الإسلاميُّ، أيْ حقائقُ النفسِ المستنبَطَةُ مِن كتابِ اللهِ وسُنةِ رسولِه ﷺ .
إنّ الإنسانَ إذا اتّصلَ باللهِ فقد عرف حقيقة ذاته، وحقيقة فطرته، فإذَا انقطَعَ عنه أُصيبَ بما يسميه علماءُ وأطباءُ النفسِ اضطراباتٍ نفسيةً، تُعَدِّدُ هذه الكُتبُ مِن الاضطراباتِ النفسيةِ اليأسَ، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ [هود: ٩] ، وقال سبحانه: ﴿وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشر كَانَ يَئُوساً﴾ [الإسراء: ٨٣] .
فاليأسُ اضطرابٌ نفسيٌّ سببُه الانقطاعُ عن اللهِ ، لأنّ عدمَ الإيمان به، أو الانقطاعَ عنه يؤدّي إلى هذا الاضطرابِ، وهو مِن لوازمِ عدمِ الإيمانِ، وعدمِ الاتصالِ باللهِ ، ولكنّ المؤمنَ يغلبُ عليه التفاؤلُ، ويغلبُ عليه الثقةُ بما عندَ اللهِ ، وقد قيل: "فإذَا أردتَ أنْ تكونَ أقوى الناسِ فتوكَّلْ على اللهِ، وإذَا أردتَ أنْ تكونَ أغنى الناسِ فكنْ بما في يَدَي اللهِ أوثقَ ممّا بين يديك، وإذَا أردتَ أنْ تكونَ أكرمَ الناسِ فاتقِ اللهَ".
يَعُدُّ علماءُ النفسِ الإسلاميِّ النفاقَ اضطراباً نفسيّاً سببُه الشركُ، فإذا أشركَ الإنسانُ باللهِ، ورأى معه آلهةً بيدهِم أمْرُه، وبيدِهِم نفْعُه وضرُّه، إذا انطلقَ مِن هذه النظرةِ، فمِن لوازِم هذا الخطأ الإيمانيِّ: اضطرابٌ نفسيٌّ، إنه النفاقُ.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ آمَنَّا بالله وباليوم الآخر وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ الله والذين آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ٨-٩] .
فالنِّفاقُ ظاهرةٌ مَرَضيةٌ، واضطرابٌ نفسيٌّ، سبَبُه الشِّركُ.
стр. 55
ويكون الإحباطُ: حينما يعلِّقُ الإنسانُ آمالَه بغيرِ اللهِ، ثمّ يجدُ أنّ هذه الذي علَّقَ عليه الآمالَ خذَله، ولمْ يتحقَّقْ هدَفُه، فيُصابُ بحالةٍ نفسيةٍ مؤلمةٍ جداً، إنها الإحباطُ، قال :
﴿وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين﴾ [الزمر: ٦٥] .
وتفسيرٌ آخرُ للإحباطِ؛ وهو أنْ تظنَّ شيئاً ما كبيراً عظيماً، فتُقْبِلَ عليه، وتضيِّعَ مِن أجْلِه شبابَك، وشيخوخَتك، ثم تكتشفَ بَعْدَ فواتِ الأوانِ أنّه ليس بشيءٍ، وأنّه لا يمدُّك بسعادةٍ.
مِن أنواعِ الاضطرابِ النفسيِّ الناتجِ عن ضعفِ الإيمانِ، وعن ضعفِ الصلةِ باللهِ ما يسمَّى الصراعَ المستمِرَّ، فإذَا استمرَّ الصراعُ انقلبَ إلى لا مبالاةٍ، وهذا مرضٌ مِن أمراضِ العصرِ؛ صراعٌ بين الحقِّ والباطلِ، صراعٌ بين الحاجةِ والقيَمِ، صراعٌ بين الدنيا والآخرةِ، صراعٌ بين العقلِ والشهوةِ، ومع ضعفِ الإيمانِ يصبحُ الإنسانُ ضحيَّةَ هذا الصراع، قال تعالى: ﴿مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلك لاَ إلى هاؤلاء وَلاَ إِلَى هاؤلاء وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٤٣] .
والاكتئابُ - وهو مرضُ العصرِ - إذْ مجموعُ الذين يعالجون في العياداتِ النفسيةِ في مجتمعاتِ الشرودِ عن اللهِ كثيرة جدّاً، وبعضُ الأطباءِ النفسِّيين يعالجون عند زملائِهم، فالاكتئابُ مرضُ العصرِ، سببُه أنّ فطرتَهم سليمةٌ، فلمّا انحرفوا عذَّبَتْهم فطرتُهم فاكتأبوا، هذا ما سمّاه العلماءُ: الشعورَ بالذنبِ، وعقدةَ النقصِ، أو الاكتئابَ، قال :
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً﴾ [طه: ١٢٤] .
إذا آمنَّا باللهِ عِشْنَا حالةً اسمُها الصحةُ النفسيةُ، نفسٌ رضيةٌ، مطمئنةٌ، متفائلةٌ، متوازِنةٌ، هذه الصِّفاتُ الراقيةُ هي مِن ثمارِ الإيمانِ.
تأثير الفرح والحزن على النفس
стр. 56
ممَّا يَلفتُ النظرَ في قولِه تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأرض وَلاَ في أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كتاب مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ إِنَّ ذلك عَلَى الله يَسِيرٌ * لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ على مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ والله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٢-٢٣] أنّ هاتين الآيتين، ولا سيّما الثانيةِ أشارتْ إلى أنّ الإنسانَ إ ذا ازدادَ حزنُه، أو ازداد فرحُه لم يتحمَّلْ قلبُه هذا، ولا ذاك، فممَّا يجعلُ حزنَه مقبولاً وسليماً، وممّا يجعلُ فرحَه مقبولاً وسليماً أنْ يرَى الأمورَ مِنَ اللهِ ، وأنْ يُوَحِّدَ، فإذا وحَّدَ خفَّتْ وطأةُ المصائبِ عليه، وإذا وَحَّدَ خفَّتْ وطأةُ الأفراحِ عليه، فللأفراحِ أحياناً صدمةٌ نفسية كما للأحزانِ تماماً، فكم مِن فقيرٍ ورثَ مالاً طائلاً فماتَ حتْفَ أنفِه؛ لأنه لم يتحمَّلِ الخبرَ، فربُّنا يقولُ: ﴿لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ على مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ﴾ أي إذا كنت موحِّداً، ونظرتَ إلى الأمورِ على أنّها مِنَ اللهِ فإنّ وطأةَ الأحزانِ تخفُّ على قلبِك، وشدّةَ الأفراحِ تخفُّ على قلبِك، فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَأ أَصَابَ أَحَداً قَطُّ هَمٌّ وَلاَ حَزَنٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلاَءَ حُزْنِي، وَذِهَابَ هَمِّي، إِلاَّ أَذْهَبَ اللهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ، وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَحاً" قَالَ: فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلاَ نَتَعَلَّمُهَا؟ فَقَالَ: "بَلَىَ، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا".
стр. 57
وقال ﵊: "مَن أَلْبَسَهُ اللهُ نِعْمَةً فَلْيُكْثِرْ مِنَ الْحَمْدِ للهِ، وَمَنْ كَثُرَتْ ذُنُوبُهُ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللهَ، وَمَنْ أَبْطَأَ عَنْهُ رِزْقُهُ فَلْيُكْثِرْ مِنْ قَوْلِ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ".
ويقولُ ابنُ عباسٍ ﵁ وهذا القولُ دقيقٌ جداً - (ليسَ أحدٌ منّا إلا وهو يحزنُ ويفرحُ، ولكن مَن أصابَتْه مصيبةٌ جَعَلَها صبراً، ومَن أصابَهُ خيرٌ جَعَلَه شكراً) .
ومِن أغربِ الإحصاءاتِ أنه ماتَ مِن رعايا بعضِ البلدانِ الغريبةِ في الحربِ العالميةِ الثانيةِ مليونانِ بسببِ الشدَّةِ النفسيةِ، وأمّا في ساحةِ المعركةِ فقد ماتَ ثلث مليونٍ، إذاً فالشدةُ النفسيةُ دونَ توحيدٍ، ودونَ إيمانٍ تفعلُ فعلاً خطيراً في الإنسانِ، لذلك قال الله تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأرض وَلاَ في أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كتاب مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ إِنَّ ذلك عَلَى الله يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢] .
فمَن عَرَفَ الدنيا لم يفرحْ لرخاءٍ، ولم يحزْن لشقاءٍ، قد جَعَلَها اللهُ دارَ بلوَى، وجَعَلَ الآخرةَ دارَ عُقبَى، فجعلَ بلاءَ الدنيا لعطاءِ الآخرةِ سبباً، وجَعَلَ عطاءَ الآخرةِ مِن بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذُ ليعطِي، ويبتلِي ليجزيَ.
اللون الأخضر
وردَ في القرآنِ الكريمِ اللَّونُ الأخضرُ في آياتٍ عدّةٍ، قال : ﴿مُتَّكِئِينَ على رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ * فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٧٦-٧٧] .
وفي آية أخرى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وحلوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً﴾ [الإنسان: ٢١] .
وفي آية ثالثة: ﴿أولائك لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنهار يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأرآئك نِعْمَ الثواب وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾ [الكهف: ٣١] .
стр. 58
فماذا قالَ علماءُ النفسِ حولَ علاقةِ الإنسانِ بالألوانِ؟ قالوا: "إنّ تأثيرَ اللونِ في الإنسانِ بعيدُ الغورِ، بل ربما يؤثِّر اللونُ في إقدامِنا وإحجامِنا، وربما أشْعَرَنا بالحرارةِ، أو أشعَرَنا بالبرودةِ، أو أشعَرَنا بالمسّرةِ، أو أشعرَنا بالكآبةِ، فاللّونُ له تأثيرٌ كبيرٌ، بل ربما أثَّر اللونُ في شخصيةِ الإنسانِ، ونظرتِه إلى الحياةِ".
يقولُ العلماءُ: "اللّونُ الأصفرُ بطولِ موجتِه يبعثُ النشاطَ في الجهازِ العصبيِّ، فإذا أردتَ أنْ تعلنَ إعلاناً صارخاً في الطرقاتِ العامّةِ، فاللونُ الأصفرُ أطولُ أمواجاً من غيره مِنَ الألوانِ، ينشطُ الجهازَ العصبيَّ، ويؤثِّر فيه أبلغَ التأثيرِ.
واللونُ الأرجوانيُّ يدعو إلى الاستقرارِ، واللونُ الأزرقُ يشعِرُ بالاتساعِ، ويشعِرُ بالبرودةِ، واللونُ الأحمرُ ومشتقاتُه يشعر بالدفءِ، لكنّ اللَونَ الذي يبعثُ السرورَ داخلَ النفسِ البشريةِ، ويثيرُ بواعثَ البهجةِ فيها فهو اللونُ الأخضرُ؛ لذلك جَعَلَ اللهُ النباتَ أخضرَ اللونِ، هذه المساحاتُ الخضراءُ في الأرضِ تبعثُ في النفسِ البهجةَ".
لذلك اختيرتْ ثيابُ الجرّاحينَ من اللونِ الأخضرِ؛ لأنّ المريضَ - وهو على وشكِ أنْ تُجرَى له العمليةُ - يشعر بالبهجة وهو يرى الثوب الأخضر.
ومما يَلفتُ النظرُ أنّ اللهَ ذَكَرَ أهلَ الجنةِ، وذَكَرَ ما في الجنةِ من نعيمٍ، وَوَردَ اللونُ الأخضرُ في هذه الآياتِ.
علاقة الغضب بالصحة
إنّ الانفعالاتِ الشديدةَ تؤدِّي - بآلياتٍ عديدةٍ - إلى تسرُّعِ القلبِ، والتنفسِ، وارتفاعِ ضغطِ الدمِ، فيحمرُّ الوجهُ، وتنتفخُ الأوداج، فالغاضبُ يرتفعُ نبضُ قلبِه إلى مئةٍ وستين نبضةً، ومع ارتفاعِ الضغطِ هناك خطرُ نزيفٍ في الدماغِ، وخثرةٌ في الدماغ تعني الشلل، أو جلطةً في القلبِ، أو عمًى مفاجئاً.
стр. 59
قال العلماءُ: "معظمُ حالاتِ الداءِ السكريِّ تأتي عَقِبَ انفعالٍ شديدٍ"، لأنّ الإنسانَ حينما يغضبُ تأمرُ الغدةُ النخاميةُ - وهي ملكةُ الغددِ - الكظرَ، فيعطي أمراً للكبدِ بطرحِ كميةٍ كبيرةٍ من السكرِ، فيزدادُ السكرُ فجأةً في الدمِ، فيعطيه لزوجةً، لذلك كان الداءُ السكريّ غالباً ما يأتي عَقِبَ انفعالٍ شديدٍ جداً.
شيءٌ آخرُ: الغضبُ الشديدُ يؤدِّي إلى ارتفاعِ شحومِ الدمِ، وهذه تؤدِّي إلى تصلُّبِ الشرايينِ، وهذا يؤدِّي إلى أمراضٍ في القلبِ.
وتثبِّطُ الانفعالاتُ الشديدةُ حركةَ الأمعاءِ، فعصبيُّ المزاجِ معه إمساكٌ مزمنٌ، ومع الإمساكِ المزمنِ إنتاناتٌ، وتقرُّحات، وقد تؤدِّي إلى سرطاناتٍ في الأمعاءِ.
أمّا أعظمُ خطرٍ فهو أنّ الانفعالَ الشديدَ يضعِفُ جهازَ المناعةِ في الإنسانِ، ومع ضعفِ جهازِ المناعةِ تقوَى الجراثيمُ والأورامُ الخبيثةُ؛ لأنّ جهازَ المناعةِ المكتسبَ مسؤولٌ عن الأمراضِ الجرثوميةِ والسرطانيةِ.
إنّ تسعةً وتسعين بالمئةِ من مرضى الإيدز عندهم سرطانٌ، لأنه لمَّا فَقَدَ هذا الجهازُ فعاليتَه نَمَتِ الخلايا نموّاً عشوائيّاً.
لذلك كان الحِلمُ سيدَ الأخلاقِ، وقد نهى النبي ﷺ عن الغضب، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَوْصِنِي، قَالَ: "لا تَغْضَبْ" فَرَدَّدَ مِرَاراً، قَالَ: "لا تَغْضَبْ".
الحِلمُ خُلُقٌ عالٍ جداً، لكنّ التوحيدَ يُعِينك على الحلمِ، فإنْ رأيتَ الأمرَ كلَّه بيدِ اللهِ - وأفعالُ اللهِ كلُّها حكيمةٌ، وكلُّ شيءٍ أرادَه اللهُ وَقَعَ، وكلُّ شيءٍ وَقَعَ أرادَه اللهُ، وإرادتُه متعلِّقةٌ بالحكمةِ المطلقةِ، وحكمتُه المطلقةُ متعلقةٌ بالخيرِ المطلقِ، وما شاء اللهُ كان، وما لم يشأْ لم يكنْ - فإن هذا التوحيدَ سيكون برْداً وسلاماً.
التوحيدُ راحةٌ، التوحيدُ طمأنينةٌ، التوحيدُ ثقةٌ باللهِ، والتوحيدُ وقايةٌ وصحةٌ.
стр. 60
يقول تعالى: ﴿الذي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * والذي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * والذي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * والذي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدين﴾ [الشعراء: ٧٨-٨٢] .
لمْ يقلِ إبراهيم ﵊ كما أخبر اللهُ ﷻ : والذي يُمرِضُني ويشفيني، بل قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ فعُزِيَ المرضُ في الآيةِ إلى الإنسانِ ... لضعفِ توحيدِه اضطرَب ... لضعفِ توحيدِه انفعلَ ... لشِركه حَقَدَ، فالحقدُ والانفعالُ أسبابُها الشركُ.
النوم
النوم المبكر
إنّ الذي يقرأُ كلامَ اللهِ، ويقرأُ السنةَ النبويةَ المطهرةَ يستنبِطُ من خلالِ آياتٍ عدّةٍ، ومن خلالِ أحاديثَ عدةٍ، أنّ اللهَ ونبيَّه الكريمَ يرغِّبون بالنومِ باكراً، والاستيقاظِ باكراً، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً﴾ [النبأ: ٩] ، وقال تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الفجر إِنَّ قُرْآنَ الفجر كَانَ مَشْهُوداً﴾ [الإسراء: ٧٨] .
وقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ بَارِكْ لأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا".
وعَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِن الدُّنْيَا وَمَا فِيَها".
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: "جَدَبَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ السَّمَرَ بَعْدَ الْعِشَاءِ، يَعْنِي زَجَرَنَا"، ولكن يجوز السهر لطلب العلم، فقد قال البخاري في صحيحه: باب السمر في العلم، وساق أحاديث على ذلك.
أمّا أنْ تسهرَ لغيرِ طلبِ العلمِ فهذا ليس مِن السنةِ النبويةِ المطهرةِ، لا تجتمعوا بعد صلاةِ العشاءِ إلا لطلبِ العلمِ، كأنَّ النبيَّ ﵊ يريدُنا أنْ ننامَ باكراً، وأنْ نستيقظَ باكراً، واللهُ يقول: ﴿وَقُرْآنَ الفجر﴾ وفي بعضِ تفسيراتِ هذه الآيةِ، يعني القرآنَ الذي تتلوه في صلاةِ الفجرِ، ﴿إِنَّ قُرْآنَ الفجر كَانَ مَشْهُوداً﴾ .
стр. 61
يقرِّرُ العلماءُ أنّ أعلى نسبةٍ لغازِ الأوزونِ تكون عندَ الفجرِ، وهذه النسبةُ تَقِلًُّ تدريجيّاً حتَّى تضمحلَّ عندَ طلوعِ الشمسِ، أمَّا تأثيرُ هذه الغازِ - غازِ الأوزونِ - فهو تأثيرٌ مفيدٌ جداً للجهازِ العصبيِّ، ومنشِّطٌ جداً للعملِ الفكريِّ والعضليِّ، فمن بَقِيَ في فراشِه، واستيقظَ بعدَ الشمسِ شَعَرَ طوالَ اليومِ بانهيار القُوى، هذه الحقيقةُ الأولى.
شيءٌ آخرُ، نسبةُ الأشعةِ فوقَ البنفسجيةِ تكونُ أكبرَ عندَ الشروقِ منها حين ترتفعُ الشمسُ في كبدِ السماءِ، وهذه الأشعةُ فوقَ البنفسجيةِ هي التي تحرِّضُ الجلدَ على صنعِ الفيتامينِ (د) ، والفتيامين (د) هو وحده الذي يثبِّتُ الكلسَ في العظامِ، فإنّ هشاشةَ العظامِ، وسرعةَ انكسارِها، وضعفَ البنيةِ العظميةِ سببُها النومُ إلى ما بعدَ طلوعِ الشمسِ.
ثالثاً: الاستيقاظُ الباكرُ يمنعُ النومَ المديدَ، فإنّ ثماني ساعاتٍ مِنَ النوم المتَّصِلِ تُضعِفُ نشاطَ الجسمِ إلى أدنى حدٍّ، ويقل عددُ نبضاتِ القلبِ إلى أدنى حدٍّ، ويجري الدم بطيئاً في الشرايينِ، وعندئذٍ تترسَّبُ الموادُّ الدّهنيةُ في جدرانِ الشرايينِ، وهذا الذي يسبِّبُ ضيقَها، كما يُسبِّب ذلك الذبحةَ الصدريةَ ... إنه النومُ المديدُ، وإنّ الاستيقاظَ إلى صلاةِ الفجرِ يمنعُ النومَ المديدَ، فإن كان ولا بدّ فاجعلِ النومَ على دفعتين؛ قبلَ الصلاةِ وبعد طلوع الشمس.
شيء آخر، في الجسمِ مادّةٌ تزيدُ الفعالياتِ كلّها في الجسمِ، وترفعُ مستوى استقلاباتِه، وتزيدُ نسبةَ السكرِ في الدمِ، هذه المادةُ تبلغُ أعلى درجةٍ عند الفجرِ، وهذه المادةُ اسمُها الكورتيزول، وهي موجودةٌ في الإنسانِ، وفوقَ هذا وذاك تزيدُ الفعاليةَ العامّةَ للأجهزةِ، والأعضاءِ في الإنسانِ، هذه تبلغ نسبتها اثنتين وعشرين درجة عند الفجر، وتقلُّ إلى سبعِ درجات.
هذه بعضُ الحقائقِ التي تدعِّمُ أنّ هذا الكتابَ الكريمَ، وتلك السنَّةَ الشريفة؛ مِن قِبَلِ الله تعالى وحدَه.
ومن آياته منامكم بالليل
стр. 62
يقولُ العلماءُ: إنّ النومَ أعظمُ نعمةٍ أَنْعَمَ اللهُ بها علينا لاستعادةِ نشاطِ الأجسامِ التي أَنْهَكَهَا التعبُ، يقولُ اللهُ : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم باليل والنهار وابتغآؤكم مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [الروم: ٢٣] ، أيْ: ومِن آياتِه الدالّةِ على عظمتِه.
تقول أحدَثُ البحوثِ في موضوعِ النومِ: إنّ الإنسانَ إذا استيقظَ، وبدأَ بالعملِ أفرزَ في دمِه مادةً، أو موادَّ كيميائيةً بنسبٍ ضئيلةٍ جدّاً، وكلما مَرَّ الوقتُ ارتفعتْ هذه النِّسَبُ، فإذا بلغتْ حدّاً مُعَيَّناً في الدَّمِ إثرَ مرورِ الزمنِ على بذلِ الجهدِ أرسلتْ أمراً إلى الدماغِ، الذي يرسِلُ بدورِه أمراً عَصَبِياً كهربائيّاً إلى مراكزِ النومِ في العُقدِ العصبيةِ، فإمّا أنْ تتباعَدَ العقدُ العصبيَّةُ فتقطعَ السيَّالةُ الكهربائيةُ، وهذا هو النومُ، وإمّا أن تقتربَ بعضُها من بعض فتمرَّ السيَّالةُ العصبيَّةُ الكهربائيةُ، لهذا فإنّ آلية النومِ مادةٌ كيميائيةٌ، أو مجموعةُ موادّ تُفرَزُ في بدءِ اليوم بنسبٍ ضئيلةٍ جداً، وكلما مرّ الوقتُ ارتفعتْ هذه النِّسَبُ، حتى إذَا بلغتْ حدّاً معيَّناً أرسلَ الجسمُ إلى الدماغِ تبليغاً عصبيّاً لاقترابِ حالةِ الإعياءِ، حيث يأمرُ الدماغُ مراكزَ النومِ بالعملِ، فتتباعَدُ النهاياتُ العصبيةُ بعضها عن بعضٍ فيحدثُ النومُ، هذا تدبيرُ مَن؟ تنظيمُ مَن؟ خَلْقُ مَن؟ إبداعُ مَن؟ كيف تكونُ حياتُنا بلا نومٍ، لو سهِرَ الإنسانُ ليلتين متتابعتين لاختلَّ كيانُه، ولَفَقَدَ توازنَه، فكيف لو حُرمَ النومَ، قال : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم باليل والنهار وابتغآؤكم مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ .
стр. 63
في الجسمِ مراكزُ للنومِ الخفيفِ، ومراكزُ للنومِ العميقِ، قد تستلقِي على فراشِك ثمانيَ ساعاتٍ، فتنام منها ساعةً أَوْ ساعتين نوماً عميقاً، والساعاتُ الباقيةُ تنامُ فيها نوماً خفيفاً، بمعنى أنك على نوعٍ مِن الاطِّلاعِ على ما يجري حوْلك، مَن تكلَّمَ، أو دَخَلَ، أو مَن طَرَقَ البابَ، ومَن خَرَج، لكنَّ النومَ العميقَ لا تشعرُ فيه بشيءٍ مِن ذلك، فمَن جَعَلَ في الجسمِ مركزاً للنومِ العميقِ، ومركزاً للنومِ الخفيفِ، ومركزاً لليقظةِ؟
ينامُ الطفلُ ساعاتٍ طويلةً من أربعٍ وعشرينَ ساعةً، كي ينموَ جسمُه، والذي يبلغُ عمرُه خمسَ سنينَ ينامُ اثنتَي عشرةَ ساعةً، والمراهقُ ينامُ تسعَ ساعاتٍ، والبالغُ ينامُ من سبعٍ إلى ثمانِي ساعاتٍ.
مَن نَظَّمَ النومَ؟ مَن نظَّمَ مدّتَه؟ من نَظّمَ نوعيتَه؟ مَن جَعَلَه فترةَ استجمامٍ وراحةٍ للعضلاتِ والأجهزةِ؟ يقولُ ربُّنا : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم باليل والنهار وابتغآؤكم مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [الروم: ٢٣] .
النوم على الشّقّ الأيمن
حينما يأوي الإنسانُ إلى فراشِه ليراقبْ نفسَه كيف ينامُ، بعضُ الناسِ ينامون على بطونِهم، وبعضُهم ينامُ على ظهرِه، وبعضُهم ينامُ على شقِّهِ الأيمنِ، وبعضُهم ينامُ على شقِّه الأيسرِ، فالذين ينامون على بطونِهم يشعرون بضيقٍ في التنفُّسِ؛ لأن ثِقَلَ الظَّهرِ والهيكلِ العظميِّ يقعُ على الرئَتَيْن، إضافةً إلى أنّ هذه النومةَ غيرُ لائقةٍ.
стр. 64
أمّا الذين ينامون على ظهورِهم فإنهم يعطِّلون جهازاً مِن أدقِّ الأجهزةِ، وهو جهازُ التسخين والتصفية، ففي الأنفِ سطوحٌ متداخلةٌ، فيها شرايينُ ذواتُ عضلاتٍ، إذا توسعتِ العضلاتُ جاءت كميةٌ كبيرةٌ من الدمِ، فإذا سارَ الهواءُ في هذه السطوحِ المتداخلةِ على نحوٍ حلزونيٍّ، ولامسَ كمياتِ الدمِ الكبيرةَ المتدفقةَ على الأنفِ بفعلِ عضلاتِ الشرايينِ عندئذٍ يسخنُ الهواءُ، ويصلُ إلى أولِ القصبةِ بدرجة ٣٨، ولو كان قبلَ دخولِه الأنفَ بدرجةِ الصفرِ، أضِفْ إلى أنّ هذه السطوحَ فيها مادةٌ لزجةٌ، فأيُّ غبار، وأيُّ هَباب، أيُّ جسمٍ، أيُّ شيء يمكنُ أنْ يعلقَ بها، ولو تصوّرنا أنّ شيئاً مَا استطاع أنْ يسيرَ بين السطوحِ دون أنْ يلمسَها، أو أنْ يعلقَ عليها، فهناك الأشعارُ التي خلَقَها اللهُ في الأنفِ من أجلِ أنْ تصطادَ هذه الموادَّ الغريبةَ، وهذه الأشياءَ العالقةَ في الهواءِ، إنه أرقى جهازِ تسخينٍ، وأرقى جهازِ تصفيةٍ من أجلِ أنْ يصلَ الهواءُ إلى الرغامى نقياً، دافئاً، نظيفاً، مصفىً.
إذا نامَ الإنسانُ على ظهرِه، وتنفَّسَ من فمِه فكأنه عطّلَ هذه الأجهزةَ البالغةَ التعقيدِ، ولذا يرى المرءُ أنفَه عند البردِ الشديدِ أحمرَ قانياً، وإذا تنفّسَ الإنسانُ من فمِه ماذا يحدث؟ سيكونُ أكثرَ تعرضاً للزكامِ من غيرهِ، وتجفُّ لثّتُه، وإذا جفّت تراجعتْ، وتراجعُ اللثّةِ عن الأسنانِ مرضُ العصرِ، أضِفْ إلى أنّ الشخيرَ الذي لا يحتمل سببُه هو التنفسُ من الفمِ.
стр. 65
إذاً النومُ على الظهرِ أو البطنِ ليس صحياً، بقي النومُ على الشقِّ الأيسرِ، فإنّ الطعامَ يستغرقُ في الحالةِ الطبيعةِ من ساعتين إلى أربعِ ساعاتٍ في المعدةِ، فإذا نام الإنسانُ عن الشقِّ الأيسرِ استغرقَ هضمُ الطعامِ من خمسِ إلى ثماني ساعاتٍ، لأن الرئة اليمنى - وهي الكبيرةُ - تضغظُ على القلبِ، والكبدُ - وهو أكبرُ الأعضاءِ - يبقى معلَّقاً قلقاً، أمّا إذا نامَ الإنسانُ على شقِّه الأيمنِ، والرئةُ اليسرى أصغرُ وأخفُّ، والكبدُ وهو أكبرُ أعضاءِ الجسمِ مستقرٌّ في الجسدِ على جهةِ الأرضِ، فإنّ الهضمَ يتمُّ بسرعةٍ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: رأَى رسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلاً مُضْطَجِعاً عَلَى بَطْنِهِ فَقَالَ: "إِنَّ هَذِهِ ضَجْعَةٌ لاَ يُحِبُّهَا اللهُ".
قال بعضُهم: "النومُ على الظهرِ نومةُ الأمراءِ، والنومُ على البطنِ نومةُ الشياطينِ، والنومُ على الشقِّ الأيسرِ نومةُ الأغنياءِ، فإنّهم لكثرةِ أكلِهم ينامون على الشقِّ الأيسرِ كي يستريحوا، أمّا النومُ على الشقِّ الأيمنِ فهو نومُ العلماء".
النوم المديد
أثبتتِ الدراساتُ الطبِّيةُ الحديثةُ أنّ الإنسانَ الذي ينامُ ساعاتٍ طويلةَ على وتيرةٍ واحدةٍ يتعرَّضُ للإصابةِ بأمراضِ القلبِ بنسبٍ عاليةٍ جداً، وتعليلُ هذه الظاهرةِ أنّ شحومَ الدمِ تترسَّبُ على جدرانِ الشرايينِ الإكليليةِ للقلبِ، بنسبةٍ كبيرةٍ إذا طالتْ ساعاتُ النومِ، ممّا يؤدِّي إلى إضعافِ عملِ هذه الشرايينِ، وفقْدِها لمرونتِها، فلا تصلحُ بعدئذٍ لضخِّ كمياتِ الدمِ المناسبةِ لتغذيةِ عضلةِ القلبِ، كل شريانِ قلبٍ فيه مرونةٌ، والمرونةُ كالمطاطِ، فحينما يأتيه نبضُ القلبِ يتسعُ بحكمِ مرونتِه، ويجب أنْ يعودَ إلى ما كان عليه، فإذا عادَ إلى ما كان عليه دفعَ الدمَ إلى القسمِ الآخرِ من الشريانِ، فكلُّ شريانٍ يعينُ القلبَ في ضخِّ الدمِ، هذه اسمُها المرونةُ، حينما تترسّبُ الشحومُ على جدرانِ الشرايينِ تفقدُ هذه الشرايينُ مرونتَها.
стр. 66
إنّ النومَ المديدَ لساعاتٍ طويلةٍ يبطئ نبضَ القلبِ، ومع بطءِ النبضِ يبطؤ تدفقُ الدمِ في العروق، وتترسّبُ الشحومُ على جدرانِ الشرايينِ، فيفقدُ الشريانُ مرونتَه، وهذه الترسُّباتُ الدهنيةُ أيضاً تضيِّقُ لمعةَ الشريانِ، (أيْ قطرَه) ، وهذا يؤدي أيضاً إلى نقصِ الترويةِ في عضلةِ القلبِ، وهذا النقصُ في الترويةِ يؤدِّي إلى متاعبَ لا يعلمُها إلا اللهُ.
هؤلاءِ العلماءُ البعيدون عن منهجِ اللهِ، والذين لا يعرفون عن الإسلامِ شيئاَ، يقولون: "ينصحُ الباحثون أنْ يقومَ الإنسانُ من نومِه بعد أربعِ أو خمسِ ساعاتٍ لإجراءِ بعض الحركاتِ الرياضيةِ، أو المشيِ لربعِ ساعةٍ تقريباً، للحفاظِ على مرونةِ الشرايينِ القلبيةِ، ووقايتِها من الترسباتِ الدهنيةِ، لتجنُّبِ الإصابةِ بأمراضِ القلبِ".
فإذا نمتَ أربعَ أو خمسَ ساعاتٍ فيجبُ أنْ تستيقظَ، وتُجِريَ بعضَ الحركاتِ الرياضيةِ، فإذا نمتَ الساعة الحادية عشرة مثلاً يجبُ أنْ تستيقظَ الساعةَ الخامسةَ لصلاةِ الفجرِ، إمَّا إنْ تمشيَ ربعَ ساعةٍ إلى المسجدِ، وإمّا أنْ تؤدّيَ بعضَ الحركاتِ الرياضيةِ فحسب، وهي الصلاة.
عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ، فَقِيلَ: مَا زَالَ نَائماً حَتَّى أَصْبَحَ، مَا قَامَ إلَى الصَّلاَةِ فَقَالَ: "بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ".
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ أَثْقَلَ صَلاَةٍ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلاَةُ الْعِشَاءِ وَصَلاَةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لأَتَوْهُمَا، وَلَوْ حَبْواً، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلاَةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لا يَشْهَدُونَ الصَّلاَةَ فأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ".
стр. 67
وعَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَباً الْقَسْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ صَلَّى صَلاَةَ الصُّبْحِ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللهِ، فَلاَ يَطْلُبَنَّكُم اللهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ، فَإِنَّهُ مَنْ يَطْلُبْهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ يُدْرِكْهُ، ثُمَّ يَكُبَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ".
أرأَيتَ - أيُّها المسلمُ - أنَّ قيامَك لأداءِ صلاةِ الفجرِ وقايةٌ لقلبِك من الاحتشاءِ، والذَّبحةِ، وما إلى ذلك، ووقايةٌ لشراييِنك من التصلُّبِ والانسدادِ.
هذا يقوله علماءُ ما عرفوا الإسلامَ أبداً.
النومُ المديدُ يدعو إلى بطْءِ حركةِ القلبِ، والإنسانُ في النومِ المديدِ قد ينبضُ قلبُه خمسينَ نبضةً، أو ستين نبضةً، هذا البطءُ في النبضِ يسبِّبُ بُطئاً في حركةِ الدمِ في العروقِ، وهذا يسبِّب ترسُّبَ الشحومِ على جدرانِ الشرايينِ، والترسُّبُ يسبِّبُ التصلُّبَ، وضيقَ اللمعةِ، وهذا يسبِّبُ ضعفَ الترويةِ، والاحتشاءَ، ف الصلاةُ صحّةٌ، إضافةً إلى أنها في الأصلِ عبادةٌ، وقربٌ مِنَ اللهِ عزوجل، ﴿إنني أَنَا الله لا إلاه إلا أَنَاْ فاعبدني وَأَقِمِ الصلاة لذكريا﴾ [طه: ١٤] .
هذا منهجُ الله، هذه تعليماتُ الصانعِ، هذا ليس مِن عندِ النبي ﵊، لأنه لا ينطقُ عن الهوى، إنْ هو إلا وحيٌّ يوحَى.
الصلاة
علاقة الصلاة بصحة الجسد
هذا الموضوع دقِيقٌ، وشائقٌ، وهو عن علاقة الصلاةِ بصحةِ الجسدِ، ولا مجالَ لبسطهِ هنا، ولكن أقتطفُ لكم من هذا البحثِ الدقيقِ بعضَ الملحوظاتِ.
إنَّ الصلاةَ ترفعُ كفاءةَ القلبِ، والدورةَ الدمويةَ، إضافةً إلى أنّها عبادةٌ واجبة، فيها الخشوعُ والسكينةُ، فإننا نتحدثُ عن الصلاةِ من زاويةٍ ضيقةٍ جداً، ألا وهي علاقتُها بصحةِ البدنِ، فإنّه يندرُ بين المصلين أنْ تجدَ أشخاصاً يعانون من أمراضٍ في العمودِ الفقريِّ، فإنّ طبيعةَ الركوعِ، والسجودِ، والقيامِ هي صحةٌ للعمودِ الفقريِّ، فتندرُ بين المصلينَ التهاباتُ المفاصلِ بجميعِ أنواعِها.
стр. 68
ويندرُ بين المصلين حصولُ الدوالي، وجلطاتِ الأوردةِ العميقةِ، ويندرُ بين المصلين الاحتقانُ الدمويُّ في الحوضِ الذي يسبِّبُ البواسيرَ، ونزيفَ الرحمِ.
ويندرُ بين المصلين ضيقُ الصدرِ الذي هو بسببِ تراكمِ غازِ ثاني أكسيدِ الكربونِ في الرئتينِ، فالزفيرُ القسريُّ الذي يحدثهُ الركوعُ والسجودُ ينشِّطُ الرئتين، وينشِّطُ القلبَ مع الرئتين.
ويندرُ بين المصلين التيهُ وخرفُ الشيخوخةِ، لأنّ السجودَ من شأنِه أن يرويَ الدماغَ بالدمِ، والتيهُ وخرف الشيخوخةِ في بعض أسبابِه نقصٌ في ترويةِ أوعيةِ المخِّ، لذلك فإنّ السجودَ يجعلُ الدمَ ينصبُّ على أوعيةِ الرأسِ بشكلٍ قسريٍّ بفعلِ الجاذبيةِ، لذلك يندرُ التيهُ وخرفُ الشيخوخةِ بين المصلينَ.
وقد أشارَ النبيُّ ﵊ إلى ذلك إشارةً موجزةً رائعةً، فعَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: قَالَ مِسْعَرٌ: أُرَاهُ مِنْ خُزَاعَةَ: لَيْتَنِي صَلَّيْتُ فَاسْتَرَحْتُ، فَكَأَنَّهُمْ عَابُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "يَا بِلاَلُ أَقِمِ الصَّلاَةَ، أَرِحْنَا بِهَا"، ولعلَّ الراحةَ في الصلاةِ هي راحةٌ نفسيةٌ وجسمية في وقتٍ واحدٍ.
إنّ أمرَ اللهِ أعظمُ بكثيرٍ مِن أنْ يفسَّر بعلةٍ واحدةٍ، أو بحكمةٍ واحدةٍ، وإنّ أوامرََ اللهِ حِكَمُها وعِلَلُها لا تُعدُّ ولا تُحصَى.
وقد أجرى العلماءُ تجربةً على أنّه إذا انخفضَ الرأسُ احتقنَ الدمُ فيه، فازدادَ ضغطُ الشرايينِ، وإذا رُفعَ الرأسُ فجأةً هبطَ الضغطُ فجأةً، فمن ازديادِ الضغطِ، ومن هبوطِه ينشأُ في الأوعيةِ الدمويةِ ما يسمّى مرونةَ الأوعيةِ، فلو أنّ ضغطَ الإنسانِ ارتفعَ إلى ثلاثٍ وعشرينَ درجةً زئبقيةً فإنّ هذه الأوعيةَ المرنةَ تحتملُ هذا الضغطَ المرتفعَ، غيرَ أنّ الإنسانَ الذي لا يصلّي لو ارتفعَ ضغطُه إلى ثماني عشرَة درجةً فربّما تمزقتْ شرايينُ دماغِه، وأصيبَ بسكتةٍ دماغيةٍ.
وثمةَ مرضٌ يُصيبُ النساءَ أيضاً، وهو انقلابُ الرّحمِ، علاجُهُ تمريناتٌ تُشبهُ تماماً حركاتِ الصلاةِ، وأمرُ اللهِ يجمعُ آلافَ الفوائدِ.
стр. 69
إنّ الأوامرَ التي أُمِرنَا بها هي مِن عندِ خالقِنا، من عندِ صانعِ الإنسانِ، من عندِ العليمِ، من عندِ الخبيرِ، فأنْ يكونَ الإنسانُ يقظاً قبلَ طلوعِ الشمسِ، وقبلَ غروبِها، وأن يتعرَّضَ لهذه الأشعةِ المفيدةِ، الأشعةِ فَوقَ البنفسجيةِ لهو عملٌ فيه مرضاةٌ لله ، وفيه فائدةٌ للجسمِ.
بل إنّ أحدثَ اكتشافٍ في الطبِّ يبيِّن أنّ الأورامَ السرطانيةَ سببُها ضعفُ جهازِ المناعةِ بسببِ الشدةِ النفسيةِ، والتوحيدُ وحْدَه يُعفي الإنسانَ مِن تلقِّي هذه الشدائدِ.
بإمكانك أنْ تعلن في كل مكان وتقولُ: الإيمانُ صحةٌ، إنك إذا رأيتَ أنّ اللهَ وحده المتصرّفُ، وأنه حكيمٌ، وأنه عليمٌ، وأنه رحيمٌ، وأنه قديرٌ، ورأيتَ يداً واحدةً تتصرَّفُ في الكون ارتاحتْ نفسُك، فإذا ارتاحت نفسُك خفّتْ عليها الشدةُ النفسيةُ، وقوِيَ جهازُ المناعةِ، وإن أكثرَ نموِّ الخلايا العشوائيّ، أي ما يسمّى السرطانَ سببُه ضعفُ المناعةِ، وضعفُ المناعةِ سببُها الشدةُ النفسيةُ التي تضغطُ على النفسِ، ولا شيءَ يشفِي الإنسانَ من الشدةِ النفسيةِ إلا توحيدُ الإله، لذلك ما تعلّمتِ العبيدُ أفضلَ من التوحيدِ، قال تعالى: ﴿فَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلاها آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المعذبين﴾ [الشعراء: ٢١٣] .
الصلاة والدعاء يخففان ألم المرض ويساعدان على الشفاء
ثمَّةَ دراسةٌ أُجرِيَتْ في جامعةٍ من جامعاتِ أمريكا، حولَ أثرِ الصلاةِ والدعاءِ في تخفيفِ الآلامِ، والدراسةُ موضوعيةٌ مئةً بالمئةِ، تؤكِّدُ هذه الدراسةُ أنّ الصلاةَ والدعاءَ يقلِّلانِ من الألمِ الذي يشعرُ به المريضُ.
هناك بواباتٌ للألمِ، والألمُ له مسارٌ من النهاياتِ العصبيةِ إلى النخاعِ الشوكيِّ، إلى البصلةِ السيسائيةِ، إلى قشرةِ الدماغِ، هذا طريق الآلامِ، وعلى هذا الطريقِ بوَّاباتٌ.
стр. 70
هذه البوابات تتحكَّمُ بها الحالةُ النفسيةُ للمريضِ، فإذا كان مؤمناً، وراضياً بقضاءِ اللهِ وقدرِه أُغْلِقَتْ هذه البواباتُ فلم يصِلْ مِنَ الألمِ إلى قشرةِ الدماغِ إلاّ النزرُ اليسيرُ، وهذا شيءٌ ثابتٌ، فالذي يتمتّع بإيمانٍ قويٍّ تكونُ آلامُه الحسيّةُ الناتجةُ عن بعضِ الأمراضِ أقلَّ بكثيرٍ، لأنّ بواباتِ الألمِ مغلقةٌ عنده، وهذا ما أكَّدتهُ هذه الدراسةُ، فالعلاجُ عن طريقِ الصلاةِ والدعاءِ يخفِّف الآلامَ التي يتحسَّسُها المريضُ العاديُّ.
شيءٌ آخر، إنّ سبعةً وخمسين بالمئةِ من المشاركين في هذه التجرِبةَ تأثروا تأثراً بالغاً إيجابياً عن طريقِ الصلاةِ والدعاءِ، بل إنّ النبيَّ ﵊ كان يضعُ يدَه الشريفةَ على مكانِ المرضِ، ويدعو، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ يَعُودُهُ قَالَ: "لاَ بَأْسَ، طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللهُ"، وهناك بعضُ التجارِبِ أُجْرِيَتْ بأنْ يضعَ إنسانٌ ذو شأنٍ يدَه على مكانِ الألمِ فإنّ النتائجَ الإيجابيةَ ملموسةٌ، ولقد فَعَلَها النبيُّ ﵊، وأمَرَنَا بفعلِها.
مِن أجلِ أنْ تكونَ الدراسةُ علميةً، هناك أشياءُ وهميةٌ لا معنى لها دخلتْ في التجرِبِة، فلم تعطِ أيَّ أثرٍ، كَأنْ سَقَوْا المريضَ ماءً مقطَّراً أوهمُوه أنّ فيه دواءً، فلم يتأثرْ هذا المريضُ إطلاقاً بالأوهامِ التي أحيطتْ به، تأثّر بالصلاةِ والدعاءِ، وتأثّر بوضعِ اليدِ على مكانِ المرضِ مع الدعاءِ والصلاةِ.
ليس القصدُ أنْ نصلِّيَ كي نَشفَى، الصلاةُ عبادةٌ، والصلاةُ فرضٌ، ولكنْ حينما تتصلُ باللهِ فإنّ الآلامَ تَخِفُّ كثيراً، وحينما تتصلُ باللهِ يقوَى جهازُك المناعيُّ، وفي قوةِ جهازِك المناعيِّ انتصارٌ على عواملِ المرضِ، لأنَّ الجهازَ المناعيَ موكولٌ إليه مكافحةُ الأمراضِ الجرثوميةِ والسرطانيةِ.
стр. 71
وأنقل بهذه المناسبةِ معلومةً وَرَدَتْ في موقع معلوماتيٍّ، وهي أنّ دراسةً قامت بها جامعةٌ من الجامعاتِ الكبيرةِ تؤكِّدُ أنّ الصلاةَ والعلاجَ الروحانيَّ يمكنُ أنْ يُقَلِّلاَ مِنَ الألمِ الذي يشعرُ به المريضُ، وأنْ يعجِّلاَ بشفائِه، وهذه حالةٌ نفسيةٌ عاليةٌ تعين على الشفاءِ، وتعينُ على تخفيفِ الآلامِ، وهي حالتان؛ إمّا أنْ تكونَ حالةَ وَهْمٍ، أو أنْ تكونَ حالةَ إيمانٍ، قد تعطي إنساناً ورقةً مصرفيةً بمئةِ مليونٍ، ولكنّها مزوّرةٌ، ولا يدري أنها مزوّرةٌ، فترتفعُ معنوياتُه، ويشعرُ أنه غنيٌّ كبيرٌ، هذه حالةٌ عاليةٌ، ولكنّها ليستْ حالةً واقعيةً صحيحةً، فالدراسةُ أشارتْ إلى أنّ الحالةَ النفسيةَ المرتفعةَ لها علاقةٌ بتخفيفِ الآلامِ، وتعجيلِ الشفاءِ، ولكنْ قد تكونُ هذه الحالةُ بسببِ الإيمانِ باللهِ عزوجل، والاستسلام لأمرِه، والاتصالِ به، فهذه حالةٌ طبيّةٌ، وقد تكونُ هذه الحالةُ موهومةً، أساسُها غيرُ صحيحٍ، ولها الأثرُ نفسُه، لذلك قالوا: العلمُ حكَمٌ على الحالِ، فكلما كان علمُك متيناً قيَّمتَ بعلمكِ المتينَ حالَك، فهناك حالٌ رحمانيٌّ، وهناك حالٌ شيطانيٌّ.
أردتُ بهذا التعليقِ أنْ أبيِّنَ أنّ الدراسةَ متعلقةٌ بحالةٍ عاليةٍ، قد تكونُ بسببِ الإيمانِ باللهِ عزوجل، والاستقامةِ على أمْرِه، والاتصالِ به، وقد تكون بسببٍ آخرَ لا يَعْنِينَا.
أردتُ أنْ أضعَ بين أيديكم هذه الدراساتِ والتجارِبَ لأؤكِّدَ لكم أنكم إذا اتصلتمْ باللهِ وصلتُمْ إلى كلِّ شيءٍ، وفي الأثرِ القدسيِّ: "ابْنَ آدَمَ اطْلُبْنِي تَجِدْنِي، فَإذَا وَجَدْتَنِي وَجَدْتَ كُلَّ شَيْءٍ، وَإِنْ فُتُّكَ فَاتَكَ كُلُّ شَيْءٍ، وَأَنَا أَحَبُّ إِلَيْكَ مَنْ كُلِّ شَيْءٍ".
يَا ربُّ ماذا فَقَدَ مَن وجدَكَ؟ وَماذا وَجَدَ مَن فَقَدَكَ؟ وإذا كان اللهُ معكَ فمَنْ عليك؟ وإذا كان عليك فمَن معك؟.
فيتامين (د) وعلاقته بالصلاة
стр. 72
يتكوَّنُ الفيتامين (د) تحتَ الجلدِ، يستقلبُ في الكبدِ والكليتين ليصبحَ فعالاً، فيعينُ على امتصاصِ الكلسِ، والفوسفورِ من الأمعاء، ويرسِّبُها في العظامِ، ولهذا الفيتامينِ أيضاً دورٌ خطيرٌ في إفرازِ الأنسولينِ من البنكرياسِ، ولهُ دورٌ خطيرٌ في نموِّ خلايا النخاعِ الشوكيِّ العظميِّ، ولهُ دورٌ خطيرٌ في نموِّ خلايا بشرةِ الطبقةِ العليا من الجلدِ، هذا أمرٌ معروفٌ عندَ الأطباءِ، ولكنَّ الجديدَ أنّ أفضلَ وقتٍ للاستفادةِ من أشعةِ الشمسِ برأيِ الأطباءِ عندَ البزوغِ، وعند الغروبِ، مِن هنا كانت صلاةُ الفجرِ لها شأنٌ خطيرٌ في صحةِ الإنسانِ؛ لأنَّ الشعوبَ التي لا تتعرّضُ لأشعةِ الشمسِ، وتنامُ نوماً مديداً تُصابُ بلينِ العظامِ.
وأمرُ اللهِ ، ولو كان أمراً تعبديّاً، ولو أنه عبادةٌ، إلا أنه لا يمكنُ أنْ نُغفِلَ فيه النواحيَ الصحيّةَ، وقد يُستنبطُ هذا المعنى الطبي الذي نحن بصدده الآن من قولِه تعالى:
﴿وَتَرَى الشمس إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ اليمين وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشمال وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذلك مِنْ آيَاتِ الله﴾ [الكهف: ١٧] .
فمَن كان يقظاً قبلَ الشروقِ، وقبلَ الغروبِ استفادَ من أشعةِ الشمسِ فوقَ البنفسجية، يقول العلماء: "ليس المهمُّ أنْ تتعرّضَ للأشعةِ مباشرةً، بل إنَّ الأشعةَ المنتثرةَ في هذينِ الوقتينِ تفيدُ الجلدَ في تكوينِ الفيتامينِ (د) الذي يُسهمُ في تثبيتِ الكلسِ في العظامِ وتقويتِها، وفي عملِ البنكرياسِ، وفي نموِّ مخِّ العظامِ، وخلايا البشرةِ".
العلاقة بين الوضوء ومرض التراخوما
стр. 73
اطَّلعتُ على موضوعٍ يتعلّق بِمرضٍ يصيبُ العينَ، اسمُه (التراخوما) ، هذا المرضُ هو التهابٌ يصيبُ ملتحمةَ وقرنيّةَ العينِ، وله أدوارٌ يمرّ بها، تحريشٌ وحكّةٌ خفيفتَان، وينتهي بالعمى، ليس هذا يعنينَا، فهذا موضوعٌ مُستنبطٌ من كتبِ الطبِّ البشريِّ، ولكنّ الذي يعنينَا أنّ كاتبةً متخصّصةً كتبَتْ مقالاً نُشِرَ لها في مجلَّةٍ علميّةٍ، يصدِرُها مكتبُ المعلوماتِ التابعُ للأممِ المتحدةِ، تقولُ هذه الكاتبةُ: "إنّ الاغتسالَ المنتظَمَ، والوُضوءَ للصلاةِ في المجتمعاتِ الإسلاميّةِ قد ساعدَ كثيراً في الحدِّ من انتشارِ هذا المرضِ؛ (التراخوما) ، الذي يُعدُّ السببَ الرئيسَ للعمَى في بلدانِ العالَمِ الثالثِ"، وأضافَت الكاتبة: "إنّ هناك ما يقربُ مِن خمسمئةِ مليونِ نسمةٍ في جميعِ أنحاءِ العالَمِ يُصابون بهذا المرضِ، ويمكِنُهم تجنّبُ العَمَى إذا اتَّبعوا الطريقةَ الإسلاميةَ في النظافةِ الواجبةِ على كلِّ مسلمٍ قبلَ الصلاةِ"، وقالت: "إنّه لوحِظَ في المجتمعاتِ الإسلاميّةِ الملتزمةِ انخفاضُ نسبةِ الإصابةِ بهذا المرضِ، بل إنّه وصلَ إلى درجةِ الصّفرِ في المجتمعاتِ الإسلاميّةِ التي تلتزمُ خمسَ مرّاتٍ في اليومِ بالوضوءِ".
فيجب أنْ نؤمنَ أنّ هذه الأوامرَ والنواهيَ مِن عندِ خالقِ البشرِ، فلذلك من السذاجةِ أن تظنّ أنّ لأمرِ الله فائدةً أو فائدتين، إنّ له فوائدَ لا تُعدُّ ولا تُحْصَى، فهذه كاتبةٌ لا علاقةَ لها بأمرِ الدِّينِ إطلاقاً، من خلالِ دراستِها، وتحقيقاتِها، والإحصاءاتِ تجدُ أنَّ نسبةَ الإصابةِ بمرضِ التراخوما الذي يُصيبُ خمسمئةِ مليونِ نسمةٍ في العالَمِ كلَّ عامٍ قد تراجَعَتْ بشكلٍ ملحوظٍ في المجتمعاتِ الإسلاميةِ التي تلتزمُ بالوضوءِ والنظافةِ، هذا هو شرْعُ اللهِ، لذلك قال بعضُ العلماءِ: "إنَّ العلاقةَ بين الطاعةِ ونتائِجها علاقةٌ علميّةٌ، والعلاقةُ بين المعصيةِ ونتائجِها علاقةٌ علميّةٌ".
стр. 74
لذلك عوْدٌ على بدءٍ، انطلاقاً من أنَّ الإنسانَ مفطورٌ على حبِّ وُجودِه، وعلى سلامةِ وجودِه، وعلى كمالِ وُجودِه، وعلى استمرارِ وُجودِه فعليهِ بطاعةِ اللهِ، وعليهِ بِتطبيقِ منهجِ اللهِ، قال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب: ٧١] .
الوضوء وفوائده الصحية
في بحثٍ علميٍّ أجراه عددٌ من أساتذةِ كليةِ الطبِّ في بلدٍ عربيٍّ مسلمٍ قَرَّرَ هؤلاء الباحثون أنّ الإنسانَ الذي يتوضأُ في اليومِ خمسَ مراتٍ، ينظفُ أنفَه من الجراثيمِ، والأتربةِ، والمعلّقاتِ، وقالوا: "إنّ الذي لا يتوضأُ يتعرَّضُ أنفُه لعددٍ من الجراثيمِ قد يصلُ عددُها إلى أحدَ عشرَ جرثوماً".
وإنّ الوضوءَ يكفلُ للمتوضئ الوقايةَ من نموِّ الفطرياتِ بينَ أصابعِ القدمينِ، كما يمنعُ إصابةَ الجلدِ بالالتهاباتِ، والتقيحاتِ، والتجمعاتِ الصديديةِ، ويقلِّلُ من احتمالِ حدوثِ سرطانِ الجلدِ؛ لأنه يزيلُ الموادَ الكيماويةَ قبلَ أن تتراكمَ، وقبلَ أنْ تتجمعَ على سطحِ الجلدِ، لذلك فهذه حقيقةٌ ثابتةٌ أنّ الإصابةَ بسرطانِ الجلدِ تقلُّ في البلادِ الإسلاميةِ.
كذلك دلكُ الأعضاءِ ينبِّه الدورةَ الدمويةَ، فينشطُ تغذيةَ الأعضاءِ بالدمِ، وبذلك تزدادُ حركةُ الدماءِ إلى المخِّ والكليتينِ، ويخفِّفُ الوضوءُ من اختناقِ الجهازِ العصبيِّ المركزيِّ فينشِّطُ الذاكرةَ، والإسلامُ كما تعلمون اشترطَ لصحةِ الصلاةِ طهارةَ البدنِ، وطهارةَ الثوبِ، وطهارةَ المكانِ معاً، فَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيْمَانِ، وَالْحَمْدُ للهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ للهِ تملأان، أَوْ تَمْلأُ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ، وَالصَّلاَةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو؛ فَبَايِعٌ نَفْسَهُ، فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوْبِقُهَا".
стр. 75
في إحصاءٍ أَجْرَتْه منظمةُ الصحةِ العالميةِ، كان الرقمُ مخيفاً، ثلاثمئة مليون إنسانٍ مصابٍ بأمراضِ القذارةِ، والمسلمون على نحو عفويٍ، عن علمٍ، أو عن غيرِ علمٍ، ما داموا يتوضؤون فَهُم ناجون من أمراضِ القذارةِ، لأنّ الوضوء يسبِّبُ الوقايةَ مِن هذه الأمراضِ.
لذلك قالوا: الانتفاعُ بالشيءِ ليس أحدَ فروعِ العلمِ به، يعني من الممكنِ أنْ تتوضأَ مؤدِّياً للطاعةِ، فتقطفَ ثمارَ الوضوءِ التي تعلمُها، والتي لا تعلمُها، وأنت لا تعلمُ، فيكفي أن تنصاعَ لأمرِ اللهِ معتقداً أنّ أمْرَ الله خيرٌ مطلقٌ، وعندئذ تقطفُ ثمارَ هذا الأمرِ.
حينما يطبِّق الإنسانُ منهجَ اللهِ فهو في خيرٍ ما بعدَه خيرٌ، وهو في سعادةٍ ما بعدها سعادةٌ، وهو في وقايةٍ ما بعدها وقايةٌ، وهو في أمنٍ ما بعدَه أمنٌ، إنّ الخيرَ كلَّه، والفوزَ كلَّه، والنجاحَ كلَّه، والتفوقَ كلَّه، والعقلَ كلَّه في طاعةِ اللهِ ، قال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب: ٧١] .
الصوم
الصوم بين أمر الله التعبدي وفوائده الصحية
رأَى العلماءُ أنَّ في الصومِ وقايةً وعلاجاً مِن أمراضٍ كثيرةٍ، فبعضُ الأمراضِ المستعصيةِ قد يكونُ علاجُها في الصومِ؛ كالتهابِ المعدةِ الحادِّ، وإقياءِ الحملِ العنيدِ، وبعضِ أنواعِ داءِ السكرِي، وارتفاعِ التوترِ الشريانيِّ، والقصورِ الكلويِّ الحابسِ للملحِ، وخُنَّاقِ الصدرِ، والالتهاباتِ الهضميةِ المزمنةِ، وحصياتِ المرارةِ، وبعضِ الأمراضِ الجلديةِ.
الصومُ علاجٌ لبعضِ الأمراضِ، ولكنّه إذا طُبِّقَ كما شَرَعَهُ النبيُّ ﵊ فهو وقايةٌ مِن أمراضٍ كثيرةٍ.
следующие страницы →