← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 14452

إعلام الساجد بأحكام المساجد

بدر الدين الزركشي

Полный текст (380 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

جمهورية مصر العربية وزارة الأوقاف المجلس الأعلى للشئون الإسلامية لجنة إحياء التراث الإسلامي إعلام الساجد بأحكام المساجد تصنيف محمد بن عبد الله الزركشي (٧٤٥ - ٧٩٤) تحقيق فضيلة الشيخ أبو الوفا مصطفى المراغي الطبعة الخامسة القاهرة ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلى الله على سيدنا محمد وآله صحبه وسلم رب أسألك الإعانة قال الشيخ العلامة المحقق، فريد عصره، بدر الدين أبو عبدالله محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي المنهاجي المصري، رحمه الله تعالى بكرمه وفضله ومنته: الحمدلله الذي جدد برفع قواعد البيت العتيق شعائر الإسلام، وأعذب الشرائع الزمزمية التي شهدت بصفوها شرائع الأحكام، وشرف الكعبة ذات الحجر والحجر والستر الذي يود زائره لو زاد فيه سواد القلب والبصر، والأركان التي شيد أركان الحج عالي بنيانها، والميزاب الذي هطل بمياه الرحمة شاذروانها، والمقام الذي من حل به أحل

стр. 3

في دار المقامة، والمعالم التي من وفق لدقيق العمل فيها لم يحتج في القبول إلى علامة، وأشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له شهادة من سالت محاجر عيونه على العقيق، وزادت حلاوة ذوقه بها على الرحيق، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي شرف قبلة الحجر بالقبلة، وارتقى من حجر التكريم إلى مقام لم يحله أحد قبله، صلى الله عليه أكمل الصلوات، ما أقيمت الصلوات ورفعت الدعوات، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته نجوم الاهتداء، وأقمار الاقتداء، ما طاف بالكعبة طائف، ووقف بعرفة واقف، وسلم تسليما كثيرا، ومجد وعظم. أما بعد، فهذا كتاب ينزل من القلوب منزلة الجنان، ومن العيون منزلة الإنسان، لم ينسج له على منوال، ولم تسمح له قريحة بمثال، قدحه زناد الأشواق، من حراق القلب التواق، وأملاد باعث الحب المكى، عند فوات العيش الهى: فاستملا حديث من سكن الحي ... ولا تكتباه إلا بدمعى

стр. 4

فاتني أن أرى الديار بطرفى ... فلعل أرى الديار بسمعى يشتمل على الأحكام والفضائل المختصه بالمسجد الحرام , وبمسجد النبي عليه أفضل الصلاة والسلام , ومسجد الأقصى وغيرها من مساجد الإسلام ,قد أتى في هذا الباب بالعجب , وحاز قصب السبق ما اكتسب الطرب , وصار لقصاد الحرم ميقاتا, ولورود حياض الفضائل ماء فراتا جمعته رجاء ثواب الله ,وأهديته لخير بلاد الله , حين لم يقتض الحال إهداء نعم ولا مال, ولله در من قال: لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النطق إن لم تسعد الحال والله أسأل أن يحرم شعرى وبشرى ولحمى ودمى على النار, وأن يغفرلي ماقدمت وما أخرت من الأوزار, إنه الرحيم الغفار.

стр. 5

وسميته إعلام الساجد بحكام المساجد , ورتبته على فاتحة وأربعة أبواب: الباب الأول فيما يتعلق بالمسجد الحرام. الباب الثاني: فيما يتعلق بمسجد المدينة. الباب الثالث: فيما يتعلق بالمسجد الأقصى. الباب الرابع فيما يتعلق بسائر المساجد. الفاتحة أما الفاتحة في مدلول المسجد لغة وشرعا وتوابع ذلك . المسجد لغة: أما لغة فهو: مفعل بالكسر اسم لمكان السجود , وبالفتح اسم للمصدر , قال أبو زكريا الفراء: كل ما كان على فعل يفعل كدخل يدخل فالمفعل منه بالفتح اسما كان او مصدرا , ولا يقع فيه الفرق ' مثل دخل مدخلا, ومن الأسماء ما الزموها كسر العين , منها المسجد, والمطلع والمغرب والمشرق وغيرها , فجعلوا الكسر علامة للاسم , وربما فتحه بعض العرب قد روى: المسجِد والمسجَد , والمطلِع والمطلَع. قال: والفتح في كله جائز وإن لم نسمعه. قال في الصحاح: والمسجد بالفتح جبهة الرجل حيث يصيبه السجود. وقال أبو حفص الصقلى في كتاب تثقيف اللسان:

стр. 6

ويقال مسيد بفتح الميم حكاه غير واحد فتحصلنا فيه على الثلاث لغات والمسجد بكسر الميم: الخمرة وهي الحصير الصغير قاله العسكري في التصحيف. المسجد شرعا: وأما شرعا فكل من الأرض لقوله صل الله عليه وسلم:"جعلت لى الأرض مسجدا" وهذا من خصائص هذة الأمة. قاله القاضي عياض لأن من كان قبلنا , كانوا لايصلون إلا في موضع يتيقنون طهارته , ونحن خصصنا بجواز الصلاة في جميع الأرض إلا ماتيقنا نجاسته. وقال القرطبي: هذا ماخص الله به نبيه , وكانت الأنبياء قبله إنما ابيحت لهم الصلوات في مواضع مخصوصه كالبيع والكنائس. وقال المهلب في شرح البخاري: المخصوص به ﷺ جعل الأرض طهورا أما كونها مسجدا فلم يأت في أثر انها منعت من غيره. وقد كان عيسى ﵊ يسيح في الأرض ويصلي حيث أدركنه الصلاة فكأنه قال: جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا , وجعلت

стр. 7

لغيري مسجدا ولم تجعل له طهورا" انتهى. وهذا هو الظاهر من حديث جابر وأبي هريرة في عد الطهور والمسجد في حكم الواحد. ولما كان السجود أشرف أفعال الصلاة لقرب العبد من ربه اشتق اسم المكان منه فقيل: مسجد , ولم يقولوا مركع. ثم إن العرف خصص المسجد بالمكان المهيإ للصلوات الخمس حتى يخرج المصلى المجتمع فيه للأعياد ونحوها فلا يعطى حكمها, وكذلك الربط والمدارس فإنها هيئت لغير ذلك.

стр. 8

أول مسجد وضع على الأرض وأول مسجد وضع على الأرض المسجد الحرام , وهو مسجد كما قال تعالى:" إن اول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا" وفي الصحيحين عن ابي الذر ﵁ قال: سألت رول الله صل الله عليه وسلم عن أول مسجد وضع على الأرض فقال: "المسجد الحرام قلت ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى , قلت وكم بينهما؟ قال: أربعون عاما , ثم الأرض لك مسجد فحيما أدركتك الصلاة فصل, وقال البخاري في بعض طرقه: أينما أدركتك الصلاة فصل فيه , فأن الفضل فيه. خرجه في ذكر الأنبياء. وقال البزار في مسنده: لانعلم أحد يرويه عن النبي صل الله عليه وسلم إلا ابا ذر , وقد أشكل هذا الحديث على بعضهم فقال: إنه معلوم ان سليمان بن داود ﷺ هو الذي بنى المسجد الأقصى كما رواه النسائي بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن عمرو يرفعه: إن سليمان بن داود لما بنى بيت المقدس سأل الله ثلاثا وهو بعد ابراهيم

стр. 9

صلى الله عليه وسلم كما قال أهل التاريخ بأكثر من ألف عام, وهذا القائل جهل التاريخ, فإن سليمان ﵇ إنما كان له من المسجد الأقصى تجديده لا تأسيسه, والذي أسسه هو يعقوب بن اسحق صلى الله عليهما بعد بناء ابراهيم الكعبه بهذا القدر , ولما ذكره الحافظ ابو حاتم ابن حبان البسنى في صحيحه المسمى , بالتقاسيم والأنواع. قال: فيه دحض لقول من زعم ان بين اسماعيل وداود صللى الله عليهما وسلم الف سنه , ورد على ذلك الحافظ الضياء المقدسي في استدراكاته عليه. وقال: وجه هذا الحديث أن هذين المسجدين وضعا قديما , ثم خربا , ثم بنيا. انتهى. وزعم بعصهم ان اول من بنى البيت آدم وان غيره من ولده رفع بيت المقدس بعده بأربعين عاما. حكاه ابن الجوزى وغيره. وذكر ابن هشام في كتاب التيجان: أن آدم ﵇ لما بنى البيت أمره جبريل بالمسير الى بيت المقدس وأن يبنيه فبناه ونسك فيه , وروى البيهقي في دلائل النبوة من طريق ابن لهيعة عن يزيز بن ابي حبيب عن ابي الخير عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا. بعث الله جبريل الى آدم وحواء فأمرهما ببناء الكعبة فبناه آدم ثم أمره بالطواف به , وقيل له:

стр. 10

أنت اول الناس. وهذا أول بيت وضع للناس , ابن لهيعة متكلم فيه وقال البيهقي أيضا في الدلائل: أخبرنا ابو عبد الله الحافظ , ثنابكر ابن محمد الصيرفي, ثنا أحمد بن حبان بن ملاعب ثنا عبيد الله ين موسى ومحمد بن ساره, قالا: ثنا اسرائيل. ثنا سماك بن حرب عن خالد ابن عرعرة قال: سأل رجل عليا: ن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا أهو أول بيت بننى في الأرض؟ قال: لا. كان نوح قبله وكان في البيوت , وكان ابراهيم قبله , وكان في البيوت , ولكنه اول بيت وضع فيه البركة والهدى. ومن دخله كان آمنا, فبين على كرم الله وجهه ان الوضع غير البناء وهو مخالف لما تقدم , وصحح بعض المتأخرين هذا القول بأنه أول بيت وضع على وجه الأرض مطلقا عن السدى فقط. وقال الجوزي في تلقيح فهوم أهل الأثر " أول من بنى مسجدا في الأسلام عمار بن ياسر" قلت: وهو مسجد قباء. ذكره ابن الأثير وأول من بنى المدارس في الاسلام الوزير قوام الدين نظام الملك الطوسى الحسن بن علي وكان وزير السلطان ألب أرسلان السلجوقي عشر سنين ثم وزر لولده ملكشاه عشرين سنة. وكان يحب الفقهاء والصوفية ويكرمهك ويؤثرهم. بنى المدرسة النظامية ببغداد, وشرع فيها

стр. 11

في سنة سبع وخمسين وأربعمائة ونجزت سنة تسع وخمسين وجمع الناس على طبقاتهم فيها يوم السبت عاشر ذي ابقعدة ليدرس فيها الشيخ الرباني أبو إسحق الشيرازي فلم يحصر فيقال: لقيه صيس فقال: كيف تدرس في مكان مغصوب فوشوشه فاختفى؟ فلما أيسوا من حضوره ذكر الدرس بها الشيخ أبو نصر بن الصباغ عشرين يوما. ولما وصل الخبر إلى الوزير احتال على الشيخ أبي اسحاق زلك يزل يرفق به حتى درس بها وحضر يوم السبت مستهل ذي الحجة وألقى الدرس بها الى أن توفى وقيل: إنه كان يخرج منها أوقات الصلاة فيصلي بمسجد خارجها احتياطا ولما مات الشيخ ابو إسحق تولاها أبو سعد المتولى ثم صرف في سنة ست وسبعين, وأعيد المتولى الى أن مات. وبنى أيضا مدرسة بنيسابور تسمى النظامية درس بها إمام الحرمين فاقتدى به الناس في بناء المدارس, وعمد العمد الى قبر الامام ابي حنيفة وبنى عليه قبة عظيمة أنفق عليها أموالا كثيرة , نعم أنكر الحافظ شمس الدين الذهبي في تاريخ الإسلام على من زعم أن نظام الملك أول من بنى المدارس, وقال قد كانت المدرسة البيهقية بنيسابور قبل أن يولد نظام الملك, والمدرسة السعدية بنيسابور ايضا بناها

стр. 12

الأمير نصر بن سبكتين أخو السلطان محمود لما كان واليا بنيسابور ومدرسة ثالثة بنيسابور بناها ابو سعد اسماعيل بن علي بن المثنى الإستراباذي الواعظ الصوفي شيخ الخطيب , ومدرسة رابعة بنيسابور أيضا بنيت للأستاذ ابي اسحق الشيرازي. قال الحاكم في ترجمة الأستاذ ابي اسحق لم تبين بنيسابور مدرسة قبلها مثلها وهذا صريح في انه بنى قبلها غيرها. وقال القاضي تاج الدين السبكي في طبقاته الكبرى: قد ادرت فكرى, وغلب على ظني ان نظام الملك أول من رتب فيها المعاليم للطلبة. فإنه لم يصح لي هل كانت للمدارس قبله معالم أم لا؟ والظاهر أنه لم يكن لهم معلوم انتهى.

стр. 13

أول بيت وضع للناس بالقاهرة واول بيت وضع للناس بالقاهرة , الجامع الأزهر وبناه جوهر القائد لما اختط القاهرة وفرغ من بنائه لسبع خلون من رمضان، واقيمت فيه الجمعة في شهر رمضان سنة إحدى وستين وثلثمائة, وكان بناء القاهرة سنة ثمان وخمسين وثلمائة ثم أتى العزيز بن المعز فجدد فيه أشياء وعمر به عدة أماكن قال الشيخ شمس الدين الجزري ومن خطته نقلت في كتابه الجمان: ويقال إن به طلسما لا يسكنه عصفور ولا يفرخ به وعلوا منارته في أيام قاضى القضاة صدر الدين موهوب الجزري وكان به تنوران فضة وسبعة وعشرون قنديلا فضة. وكانت له اوقاف كثيرة وفيه أشياء غريبة, فلما احترقت مصر في سنة اربع وستين وخمسمائه تغيرت هذه المعالم وجهلت واستمرت الخطبة في الجامع الأزهر حتى بنى الجامع الحاكمي سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة فخطب به, وانقطعت الخطبة بالجامع الأزهر مائه سنة لأن الغز ملكوا مصر واستولوا عليها

стр. 14

في سنة أربع وستين وخمسمائة فلما ملك الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الديار المصرية أمر بإقامة الجمعة بالجامع الأزهر وكان ذلك في سنة خمس وستين وستمائة فأصر قاضي القضاة تاج الدين بنت الأعز على أنه لا تجوز إقامة جمعتين وأفتى قاضي القضاة شمس الدين الحنبلي بالجواز وتوقف الناس في ذلك. لإصرار القاضي تاج الدين ثم أقيمت فيه الجمعة يوم الجمعة ثامن عشر ربيع الأول سنة خمس وستين وستمائة. وحضر الصلاة الصاحب بهاء الدين بن حنا وجماعة من الفقهاء والأمراء، وصلى السلطان في ذلك اليوم في جامع القلعة، ومن عجائب الاتفاقات أن الحاكم قصد ببناء جامعه أن يخطب له ولولده الظاهر من بعده ولذريته وقطع الخطبة بالجامع الأزهر، فقدر الله تعالى أن هذا الجامع الحاكمى ما خطب به إلا للخليفة الحاكم، ثم من بعده لم يخطب إلا للملك الظاهر، وهذه الظاهر، وهذه شذرة من أخباره ذكرتها لعزتها.

стр. 15

فصل بناء المساجد قال الله تعالى: " في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه " اي تبنى كقوله: " وإذ يرفع ايراهيم القواعد من البيت ". فالرفع هنا، إما حقيقي. أو مجازي كالتطهير في قوله: " وطهر بيتي " قال العلماء: والمراد بالبيوت هنا المساجد وقيل: المساجد بيوت الله تضئ لأهل السماء كما تضئ النجوم لأهل الأرض وفي صحيح مسلم عن عثمان بن عفان ﵁ أراد بناء المسجد فكره الناس ذلك وأحبوا أن يدعه على هيئته فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من بنى مسجدا لله بنى الله له بيتا في الجنة مثله. وفي الصحيحين من حديث عبيد الله الخولاني أنه سمع عثمان بن عفان يقول عند قول الناس فيه. حين بنى مسجد النبي ﷺ : إنكم أكثرتم. وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من بنى مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتا في الجنة قال النووي: قوله: مثله يحتمل وجهين. أحدهما

стр. 16

أن يكون معناه (بنى له بيتا في الجنة فضله على ما سواه من بيوت الجنة كفضل المسجد على بيوت الدنيا والثاني أن يكون معناه) مثله في مسمى البيت، وأما حقيقة صفته في السعة وغيرها فمعلوم فضلها وعظمها. وقال القرطبي: هذه المثلية ليست على ظاهرها ولكن المعنى، أنه يبنى له بثوابه بناء أشرف وأعظم وأرفع، وكذلك الرواية الأخرى. من بنى لله بيتا ولم يسمه مسجدا وهذا البيت والله أعلم مثل بيت خديجة الذي قال فيه: من قصب لا صخب فيه ولا نصب، يريد من قصب الزمرد والياقوت ويحتمل أن يريد مثله في الاسم لا المقدار، أي أن يبنى له بيتا كما بنى بيتا لأن الأعمال الحسنة جزاؤها الضعف، وعلى هذا اقتصر ابن الجوزي قال: وقوله: لله. يريد به الإخلاص، في الفعل، ومن بنى مسجدا فكتب اسمه عليه فهو بعيد من الإخلاص، لأن المخلص يكتفي برؤية المعمول منه. وقد كان حسان بن أبي سنان يشتري أهل البيت فيعتقهم ولا يخبرهم من هو. وعن عائشة ﵂ قالت: أمر رسول الله صلى الله عليه

стр. 17

وسلم ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب وفي رواية لآبن وضاح في مصنفه عنها مرفوعا: من بنى مسجدا لله ولو مفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة. قلت: يا رسول الله، وهذه المساجد التي بطريق مكة، قال: وتلك. ورواه ابن ماجه في سننه بإسناد صحيح من حديث جابر أن رسول الله ﷺ قال: من بنى لله مسجدا كمفحص قطاة أو أصغر بنى الله له بيتا في الجنة. وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه أيضا. ورواه ابن حبان في صحيحه من حديث الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة. وقال الذهبي في مختصر السنن: إسناده جيد. قلت: وقال ابن عبدالبر في الكلام على التدليس: قال سفيان وشعبة: لم يسمع الأعمش هذا الحديث من ايراهيم التيمي. ومفحص القطاة. هو موضع تبحث (عنه التراب) برجليها وتصلح موضعا لتبيض فيه بالإرضض مأخوذ من الفحص ولو هنا للتقليل، وقد أثبته من معاني لو ابن هشام الخضراوي وجعل منه، اتقوا النار ولو بشق تمرة، والظاهر أن التقليل مستفاد مما بعد لو، لا من لو، ثم المراد بالتقليل هنا، إما الزيادة، في المسجد

стр. 18

تنزيلا له منزلة ابتدائه، أو لأن الكلام خرج مخرج المبالغة، وتأمل كيف خص القطاة بالذكر دون غيرها، لأن ارب يضربون بها المثل في الصدق ففيه رمز خفي إلى المحافظة على الإخلاص في بنائه، والصدق في إنشائه، وفي صحيح البخاري في حديث طويل عن أنس أن النبي ﷺ أمر ببناء المساجد. وفي مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ ، أحب البلاد إلى الله مساجدها وأبغض البلاد إلى الله أسواقها. وفيه أيضا في حديث: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. فقال: ورجل قلبه معلق بالمساجد. قال النووي: معناه شديد الحب لها والملازمة للجماعة فيها وليس معناه دوام القعود فيها: قلت: فكيف حب المسجد الحرام وتعلق قلبه به؟ وروى الطبراني في أوسط معاجمه من حديث الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : تذهب الأرضون كلها يوم القيامة إلا المساجد فإنها ينضم بعضها إلى بعض. وروى الزار في مسنده عن عبد الله بن المختار عن محمد بن واسع عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال: لتكن المساجد مجلسك فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله عزوجل ضمن لمن كانت المساجد بيته الأمن والجواز على الصراط يوم القيامة. وقال: هذا حسن الإسناد.

стр. 19

الباب الأول فيما يتعلق بمكة والمسجد الحرام من خصائص

стр. 20

ذكر أصل بناء الكعبة المعظمة أخبرنا شيخنا أبو عبدالله الحافظ ﵀: أنا المشايخ قاضي القضاة بدر الدين محمد بن جماعة وأبو الحسن علي بن اسماعيل ابن قريش، وأبو بكر عبدالله بن الأكرم ابن أبي البركات النعماني قراءة عليهم. أنا أبو الفضل محمد بن يوسف الغزنوي قراءة عليه: أنا أبو القاسم عبدالرحمن بن علي الطبري بمكة: أنا أبو الحسن ابن محمد الطوسي الصاهلي: أنا أبو القاسم اسماعيل الاسماعيلي: أنا أبو ابراهيم اسماعيل بن ابراهيم النصر أبادي. ح وقال الغزنوي: وأنبأنا المبارك بن الحسن بن محمد، أنبأنا أبو القاسم بن مسعدة أنا ابراهيم النصر أبادي: أنا أبو الحسن المغيرة بن عمرو: ثنا أبو سعيد الفضل بن محمد بن ابراهيم الجندي في كتابه فضائل مكة: ثنا عبدالله ابن أبي غسان الثمالي: ثنا أبو همام: ثنا محمد بن زياد عن ميمون بن مهران عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ . كان البيت قبل هبوط آدم صلى الله عليه ياقوتة من يواقيت الجنة له بابان من زمرد أخضر، باب شرقي، وباب غربي، وفيه قناديل من الجنة والبيت المعمور الذي في السماء يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون

стр. 21

فيه إلى يوم القيامة حذاء البيت الحرام، ولما أهبط الله تعالى آدم إلى موضع الكعبة وهو مثل الفلك من شدة رعدته، وأنزل عليه الحجر الأسود يتلألأ كأنه لؤلؤة بيضاء فأخذه آدم ﷺ فضمه إليه تعالى من استئتاسا به، ثم أخذ الله تعالى من بنى آدم ميثاقهم فجعله في. في الحجر ثم أنزل آدم العصا ثم قال: يا آدم تخط فتخطى فإذا هو بأرض الهند فمكث ما شاء الله تعالى. ثم استوحش إلى البيت فقيل له: احجج يا آدم. فلما قدم مكة لقيته الملائكة فقالت: بر حجك يا آدم. لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام فقال: ما كنتم تقولون حوله؟ قالوا: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. فكان آدم ﷺ إذا طاف قالهن. وكان يطوف سبعة أسابيع بالليل وخمسة أسابيع بالنهار. وقال: يا رب اجعل لهذا البيت عمارا يعمرونه من ذريتي فأوحى الله عزوجل: أن معمره نبي من ذريتك اسمه ابراهيم أقضي على يده عمارته. واستنبط له سقايته وأريه مواقفه وأعلمه مناسكه، قلت: محمد بن زياد هو اليشكري الطحان. قال احمد: كذاب خبيث وكذبه يحيى بن معين أيضا وأبو زرعة، والدارقطني، والفلاس

стр. 22

وروى عنه شيبان [بن فروخ] وفي دلائل النبوة للبيهقي من حديث عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ . بعث الله عزوجل جبريل ﷺ إلى آدم وحواء فقال لهما: ابنيا لي بيتا فخط لهما جبريل ﷺ ، فجعل آدم يحفر، وحواء تنقل حتى أصابه الماء نودي من تحته حسبك يا آدم. فلما بنياه أوحى الله عزوجل إليه أن يطوف به. وقيل له: أنت أول الناس. وهذا أول بيت. ثم تناسخت القرون حتى حجه نوح ﷺ . ثم تناسخت القرون حتى رفع (ابراهيم) القواعد منه، قال البيهقي: تفرد به ابن لهيعة هكذا مرفوعا وروى محمد بن جرير الطبري عن عطاء: أن آدم ﷺ قال: أي رب، إني لأسمع أصوات الملائكة، فقال: ابط إلى الأرض فابن لي بيتا. ثم احفف به كما رأيت الملائكة تحف بيتي الذي في السماء. قال: فيزعم الناس: أنه بناه من خمسة أجبل، من حراء، وطور سيناء، وطور زيتا، والجودي و (لبنان). ثم روى من طرق أنه لما كان زمن الطوفان رفعه الله حتى بعث ابراهيم فبناه. وقال السهيلي في الروض: وجاء في آثار مروية: أن ابراهيم بناه من خمسة أجبل، وأن الملائكة كانت تأتيه بالحجارة منها، وهي طور سيناء. وطور زيتا اللذان بالشام، والجودي وهو بالجزيرة. ولبنان

стр. 23

وحراء وهما في الحرم. كل ذلك بحكمة الله كيف جعل بناءها من خمسة أجبل. فشاكل ذلك معناها إذ هي قبلة للصلوات الخمس وعمود الإسلام. وقد بنى على خمس، وأول من بناه شيث ﵇ .. وكان قبل أن يبنيه خيمة من ياقوتة حمراء يطوف بها آدم، ويأنس بها لأنها أنزلت من الجنة. وقيل إنه بني في أيام جرهم مرة أو مرتين، لأن السيل كان قد صدع حائطه قال: وقيل: " لم يكن بنيانا إنما كان إصلاحا لما وهي منه وجداراً أسس بينه وبين السيل. بناه عامر ابن الجادر ". وقال الأزرقي في تاريخ مكة: جعل ابراهيم ﷺ طول بناء الكعبة في السماء سبعة أذرع، وطولها في الأرض ثلاثين ذراعا، وعرضها في الأرض اثنين وعشرين ذراعا، وكانت بغير سقف، ولما بنتها قريش جعلوا طولها ثماني عشرة ذراعا في السماء، ونقصوا من طولها في الأرض ستة أذرع وشبرا، تركوها في الحجر. ولما بناها ابن الزبير جعل طولها في السماء سبعة وعشرين ذراعا. ولم يغير الحجاج طولها حين هدمها وهي إلى الآن (على ما) بناها ابن الزبير لما كانت عائشة ترويه، ولأنه لما نصب عليها المنجنيق الحصين بن نمير وهت جدرانها. وقيل: بل طارت شرارة من مجمرة

стр. 24

في أستارها فاحترقت، فلما أمر عبدالملك بهدمها وبناها الحجاج على البناء الأول أخبر عبدالملك أبو سلمة وغيره عن عائشة بما كان عمدة ابن الزبير في هدمها فندم لذلك وقال: ليتنا تركناه وما تولى، فلما تولى أبو جعفر الخلافة أراد أن يهدمها ويردها إلى بناء ابن الزبير فناشده مالك في ذلك وقال: "لئلا يبقي عادة الملوك ". فتركه. قال أبو العباس القرطبي في المفهم. " وما فعله عبدالله بن الزبير في البيت كان صوابا. وقبح الله الحجاج وعبدالملك، لقد جهلا سنة رسول الله ﷺ :. وقال عبدالملك حين بلغته السنة: لو كنت سمعته قبل أن أهدمه، لتركته على بناية ابن الزبير وهو غير معذور في ذلك، فإنه كان متمكنا من التثبت بالسؤال والبحث فلم يفعل واستعجل وقضى، فالله حسبه ومجازيه على ذلك، ولقد اجترأ على بيت الله وعلى أولياته. ولما كان الرشيد أراد أن يرده على ما بناه ابن الزبير فقال له مالك: نشدتك الله يا أمير المؤمنين أن (لا) تجعل هذا البيت ملعبة للملوك، لا يشاء أحد إلا نقض البيت وبناه فتذهب هيبته من صدور الناس ". فترك ما هم به، واستحسن الناس هذا من مالك وعملوا عليه، فصار هذا كالإجماع على أنه لا يجوز التعرض له بهدم أو تغيير والله أعلم. قال السهيلي: " وكان بناؤها في الدهر خمس مرات، الأول حين بناها شيث ابن آدم، والثانية حين بناها ابراهيم على القواعد الأولى، والثالثة حين بنتها قريش قبل الإسلام بخمسة أعوام.

стр. 25

والرابعة حين احترقت في عهد ابن الزبير بشررة طارت من أبي قبيس فوقعت في أستارها فاحترقت، وقيل إن امرأة أرادت أن تجمرها فطارت شررة من المجمرة في أستارها فاحترقت، فشاور ابن الزبير في هدمها من حضره فهابوا هدمها، وقالوا: نرى أن تصلح ما وهي منها والا تهدم. فقال: لو أن بيت أحدكم احترق لم يرض له إلا بأكمل إصلاح. ولا يكمل إصلاحها إلا بهدمها، فهدمها حتى أفضى إلى قواعد ابراهيم فأمرهم أن يزيدوا في الحفر فحركوا حجرا فيها فرأوا تحته نارا وهولا فأفزعهم فأمرهم أن يقروا القواعد ويبنوا من حبث انتهى الحفر. وفي الخبر أنه سترها حين وصل إلى القواعد، فطاف الناس بتلك الأستار، فلما أتم بناءها ألصق بابها بالأرض وعمل لها خلفا، أي بابا آخر من ورائها وأدخل الحجر فيها لحديث خالته عائشة ﵂، وعن رسول الله ﷺ أنه قال: ألم ترى قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا على قواعد ابراهيم حين عازت بهم النفقة. ثم قال ﵊: لولا حدثان قومك بالجاهلية لهدمتها وبنيتها على قواعد إبراهيم قال ابن الزبير: فما بنا اليوم عجز عن النفقة فبناها على

стр. 26

مقتضى حديث عائشة. الخامسة عبدالملك بن مروان هدم ما بناه ابن الزبير وبناها على ما كانت عليه في عهد رسول الله ﷺ ، فلما فرغ من بنائها جاءه الحارث ابن أبي ربيعة ومعه آخر فحدثاه عن عائشة بالحديث المتقدم فندم وقال. وددت أني لو تركت ابن الزبير، وشاور في ذلك فقال له، مالك بن أنس: " أنشدك الله يا أمير المؤمنين أن (لا) تجعل هذا البيت ملعبة للملوك بعدك لا يشاء أحد منهم أن يغيره إلا غيره فتذهب هيبته من قلوب الناس فصرفه عن رأيه فيه ". وقال النووي في شرح مسلم: قاعلماء. بنى البيت خمس مرات (بنته) الملائكة، ثم إبراهيم، ثم قريش في الجاهلية وحضر النبي ﷺ هذا البناء وله خمس وثلاثون سنة وقيل: خمس وعشرون إلى، ثم ابن الزبير، ثم الحجاج، واستمر الآن، قال العلماء: ولا يغير هذا البناء. وقال البخاري في صحيحه: حدثني عبدالله عبدالله بن محمد. ثنا أبو عاصم. أخبرني ابن جريح. أخبرني عمرو بن دينار. سمعت جابرا يقول: لما بنيت الكعبة ذهب النبي ﷺ وعباس ينقلان الحجارة فقال العباس للنبي ﷺ : اجع إزارك على رقبتك فخر إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء فقال: أرني إزاري فشده عليه. وذكر السهيلي في بقية الحديث: فسقط مغشيا عليه فضمه العباس إلى نفسه وسأله عن

стр. 27

شأنه فأخبره أنه نودي من السماء: أن اشدد عليك إزارك يا محمد: قال ابن الجوزي: ليس فيه دلالة على كشف العورة وإنما فيه كشف الجسد. وقال ابن سعد في الطبقات: إن ذلك كان وسنه ﷺ خمس وثلاثون سنة قال: وكانت الخرف مطلة على الكعبة. وكان السيل يدخل من أعلاها حتى يدخل البيت فانصدع فخافوا أن ينهدم وسرق منه حلية وغزال من ذهب كان عليه، درر وجوهر فأقبلت سفينة فيها روم. ورأسهم باقوم، وكان بانيا فخرج الوليد بن المغيرة في نفر فابتاعوا خشبها وكملوا باقوم فقدم معهم. وفي مغازي موسى بن عقبة: كان بناؤها قبل البعثة بخمس عشرة سنة.

стр. 28

ذكر أول من كسا البيت ذكر ابن إسحق في سيرته أن تبعا كان هو وقومه أصحاب أوثان يعبدونها فقصده نفر من هذيل ابن مدركة فقالوا: ألا ندلك على بيت بال داثر قال: بلى. قالوا. مكة وإنما أراد الهذليون هلاكه لما عرفوا هلاك من أراده من الملوك. فقال له حبران كانا معه: إنما أراد هؤلاء هلاكك. قال: فماذا تأمرني قالا: تصنع عنده ما يصنع أهله، تحلق وتطوف وتنحر، ففعل وأقام بمكة ستة أيام ينحر للناس ويطعمهم فأرى في المنام أن يكسو البيت فكساه الخصف، ثم أرى أن يكسوه أحسن من ذلك فكساه الملاء والوصائل، فكان تبع فيما زعموا أول من كسا البيت. وذكر ابن قتيبة أن هذه القصة كانت قبل الإسلام بسبعمائة سنة. وفي معجم الطبراني من حديث ابن لهيعة: ثنا أبو زرعة عمرو بن حاتم: سمعت سهل بن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ ، لا تسبوا تبعا فإنه قد أسلم وقال: لا يروى عن سهل إلا بهذا الإسناد وتفرد به ابن لهيعة وفي

стр. 29

حديث آخر ذكره السهيلي عن همام بم منبه عن أبي هريرة ﵁: ان رسول الله قال: لا تسبوا سعدا الحميري فإنه أول من كسا البيت قال ابن اسحق إن أول من كساها الديباج الحجاج. وقال الزبير: أول من كساها الديباج عبدالله بن الزبير. وقال أبو عبدالله محمد بن إسحق الفاكهي في أخبار مكة: يقال: إن أول من كساها الديباج عبدالملك بن مروان. وقال أبو عروبة الحراني في كتاب الأوائل له: حدثنا الحسين بن يحيى. ثنا عثمان بن طالوت. ثنا قريش بن أنس عن الأشعث، عن الحسن قال: أول شيء كسيته الكعبة، أن رسول الله ﷺ كساها قباطي وذكر الأزرقي أن عمر ﵁ كان يكسوها القباطي وكساها معاوية وابن الزبير الديباج الأحمر وكانت تكسييوم عاشوراء ثم صار معاوية يكسوها مرتين، والمأمون كان يكسوها ثلاثا: الديباج الأحمر يوم التروية، والقباطي هلال رجب، والديباج الأبيض يوم سبع وعشرين من رمضان المعظم، وأول من اتخذ لها غلقا عبدالمطلب. باب حديد من تلك الأسياف، واتخذ عبدالمطلب أيضا حوضا لزمزم يستقى منه، وكان

стр. 30

يخرب بالليل حساد له، فلما غمه ذلك قيل له في النوم: قل: لا أحلها لمغتسل وهي لشارب حل وبل وقد كفيتهم ففعل ذلك. فكان بعد من أرادها بمكروه أصيب في يده أو في جسده حتى انتهوا عنه. وذكره الزهيري في سيره.

стр. 31

ذكر حال انتهائه قال الإمام البخاري في صحيحه: حدثنا علي بن عبدالله. ثنا سفيان. ثنا زياد بن سعد عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة ". وذكر في حديث آخر: أسود أفحج يقلعها حجرا حجرا وفي مسند أبي داود الطيالسي. وأول من يستحل هذا البيت اهله، فإذا استحلوه فلا تسأل عن هلكة العرب. ثم تجيء الحبشة فيخربونه خرابا لا يعمر بعده وفي سنن أبي داود من حديث موسى بن جبير عن أبي أمامة ابن سهل عن عدالله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: اتركوا الحبشة ما تركوكم فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو اسويقتين من الحبشة. وفي مسند أحمد عن أبن عمر قال: قال رسول ﷺ : يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة، ويسلبها حليها ويجردها من كسوتها، كأني أنظر إليه أجيدع أفيدع يضرب عليها بمسحاته ومعوله. وفي مثير

стр. 32

الغرام الساكن لأبي الفرج من حديث حذيفة عن النبي ﷺ في حديث طويل وخراب مكة من الحبشة، وخراب المدينة من الجوع، وخراب اليمن من الجراد، وعن ابن عمر،، قال: قال رسول الله ﷺ : استمتعوا من هذا البيت فإنه يهدم مرتين ويرفع في الثالثة، أخرجه ابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه. وقال: صحيح على شرط الشيخين. قلت: اختلف الناس متى يكون ذلك؟ فذكر الحليمي في منهاجه: أن ذلك يكون في زمن عيسى ﷺ ، وأن الصريخ يأتيه بأن ذا السويقتين وأصحابه قد ساروا إلى البيت لهدمه فيبعث إليه عيسى طليعة ما بين الثماني إلى التسع وقال أبو العباس القرطبي الصحيح أن خرابه يكون بعد رفع القرآن من الصدور والمصاحف وذلك بعد موت عيسى ﷺ ، ويوافقه ما في كتاب الملاحم والفتن لنعيم بن حماد من حديث عبدالله بن عمرو: تخرج الحبشة بعد نزول عيسى، قيبعث عيسى طليعة فيهزمون. وفي رواية يهدم مرتين ويرفع الحجر في الثالثة، وفي رواية ويستخرجون كنز فرعون (بمنوف) من الفسطاط ويقتلون بوسيم وذكر أبو الحسن بن بطال في شرح البخاري أن تخريب الحبش يحصل ثم تعود حرمتها ويعود الحج إليها واحتج بما رواه البخاري من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ ليحجن البيت. وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج وروي عن علي

стр. 33

ابن أبي طالب ﵁ قال: قال الله تعالى: إذا أردت أن أخرب الدنيا بدأت ببيتي فخربته، ثم أخرب الدنيا على أثره. وقال الحاكم في مستدركه: يمكن أن يحج ويعتمر بعد ذلك ثم ينقطع الحج عنه. قال أبو العباس القرطبي: ولا تعارض بين هذا وبين قوله تعالى: " أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا " لأن تخريب الطعبة إنما يكون عند خراب الدنيا ولعله يكون في الوقت الذي لا يبقى إلا شرار الخلق فيكون حرما آمنا مع بقاء الدين وأهله، فإذا أذهبوا ارتفع ذلك المعنى، والحق في الجواب أنه لا يلزم من قوله: " حرما آمنا " وجود ذلك المعنى في وقت آخر. فإن قيل: فقد قال: " إن الله أحل لي مكة ساعة من نهار، ثم عادت حرمتها إلى يوم القيامة "، واما وقوع الخوف فيها وترك حرمتها فقد وجد ذلك في (أيام) يزيد وغيرها فإن قيل: ما السر في حراسة الكعبة من الفيل. ولم تحرس في الإسلام مما صنع بها الحجاج والقرامطة وذو السويقتين فالجواب. قال أبو الفرج: إن حبس الفيل كان من أعلام نبوة رسول الله ﷺ ، ولائل رسالته ولتأكيد الحجة عليهم بالأدلة التي شوهدت، بالبصر قبل الأدلة المرئية بالبصائر. وكان حكم الحبش أيضا دلالة على وجود الناصر.

стр. 34

ذكر من بنى المسجد الحرام قال أبو الوليد الأزرقي وأبو الحسن الماوردي: أما المسجد الحرام فكان فناء حول الكعبة، وفضاء للطائفين، ولم يكن له على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر جدار يحيط به وكانت الدور تحدق به، وبين الدور أبواب يدخل الناس من كل ناحية فلما استخلف عمر ﵁: إن الكعبة بيت الله ولا بد للبيت من فناء، وإنكم دخلتم عليها ولم تدخل عليكم فاشترى تلك الدور من أهلها وهدمها وبنى المسجد المحيط بها واتخذ له جدارا، ثم لما استخلف عثمان ﵁ اشترى دورا أخر، ووسعه أيضا، وبنى المسجد والأروقة وكان عثمان أول من اتخذ الأروقة، فلما كان ابن الزبير زاد في إتقانه لا في سعته وجعل فيه عمدا من الرخام وزاد في أبوابه وحسنها فلما كان عبدالملك بن مروان زاد في ارتفاع حائط المسجد وحمل إليه السواري في البحر إلى جده، واحتملت من جده على

стр. 35

العجل إلى مكة وأمر الحجاج فكساها الديباج، ثم كان الوليد بن عبدالملك فزاد في حليها وصرف في ميزانها وسقفها ما كان في مائدة سليمان ﵇ من ذهب او فضة، وكانت قد احتملت غليه من طليطلة من جزيرة الأندلس فلما كان أبو جعفر المنصور وابنه محمد المهدي زاد في إتقانه ولم يحدث فيه بعد ذلك [عمل إلى الآن].

стр. 36

تبيين المراد بالمسجد الحرام ذكر الله المسجد الحرام في كتابه العزيز في خمسة عشر موضعا، ستة في البقرة. الأول: " قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام " الثاني: " فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك " الثالث: " ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام " الرابع: " ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام " الخامس: " ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام " السادس: " والمسجد الحرام وإخراج أهله منه " وفي سورة المائدة موضع: " أن صدوكم عن المسجد الحرام وفي سورة الأنفال موضع: " وهم يصدون عن المسجد الحرام "، وفي التوبة ثلاثة مواضع: الأول " إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام " الثاني " وعمارة المسجد الحرام"

стр. 37

الثالث " فلا يقربوا المسجد الحرام " وفي بني اسرائيل موضع. " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام " وفي الحج موضع " والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس " وفي الفتح موضعان: الأول " وصدوكم عن المسجد الحرام " الثاني " لتدخلن المسجد الحرام " وذكر الماوردي في الحاوي في كتاب الجزية أن كل موضع ذكر الله فيه المسجد الحرام " فإنه أراد به الكعبة، وأما ابن أبي الصيف اليمني فقال بعد ذكر المواضع الخمسة عشر: منها ما أرد به الكعبة كقوله: " فول وجهك شطر المسجد الحرام " ومنها ما أرد به مكة كقوله: " سبحان الذي أسرى بعبده " وقد روي أنه أسرى به من بيت أم هانيء بنت أبي طالب، ومنها ما أراد به الحرم كقوله تعالى: " إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام " قال: وقد روي النسائي في سننه من حديث ميمونة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الكعبة.

стр. 38

وروي أيضا من حديث أبي هريرة إلا الكعبة. وفي رواية ابن ماجه: " وصلاته بمكة بمتئة ألف " مع ذكر المساجد يظهر أنه أراد مسجد مكة والمصلى فيه مصل بمكة والله أعلم. قال: والإنصاف أن الكل داخل في الاسم المذكور في القرآن، إلا أن الإطلاق إنما ينصرف إلى المسجد الذي قدر به الطواف ولهذا ورد: كنا في المسجد الحرام، وخرجنا من المسجد الحرام، واعتكفنا في المسجد الحرام، وبتنا فيه، ولا شك أن مساجد الحرم متعددة واختص هو من بينها بالمسجد الحرام في العرف. وقد ذكر الأزرقي في أخبار مكة عن جده عن مسلم بن خالد عن محمد ابن الحرث عن سفيان عن علي الأزدي قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: إنا لنجد في كتاب الله عزوجل أن حد المسجد الحرام من الحزورة إلى المسعى، وعن عبدالله بن عمرو بن العاص أنه قال: أساس المسجد الذي وضعه إبراهيم ﵇ من الحزورة إلى المسعى إلى مخرج سيل أجياد.

стр. 39

بيان المراد بحاضري المسجد الحرام اختلف أصحابنا هل هو من بينه وبين مكة دون مرحلتين أو بينه وبين الحرم؟ على وجهين. واختلف فيهما التصحيح، وقال ابن المنذر في الإشراف: هم أهل مكة وأهل ذي طوى. وقال مجاهد وطاوس: هم أهل الحرم، وقال مكحول: من كان أهله خلف المواقيت إلى مكة، فهو من حاضري المسجد الحرام، وبه قال الشافعي إذ هو بالعراق. انتهى

стр. 40

ذكر حدود الحرم أول من نصب حدود الحرم إبراهيم ﵇، ويقال: أوحى الله عزوجل إلى الجبال (تنحي فتنحت) حين رأى الله إبراهيم موضع المناسك وهو قوله: " وأرنا مناسكنا " ثم إن قريشا قلعوها في زمن النبي ﷺ فشق ذلك عليه ثم إنهم أعادوها وجددها النبي ﷺ ، قال الزار في مسنده: حدثنا بشر بن معاذ ومحمد بن موسى الحرشي قالا: ثنا مقاتل بن سليمان ثنا عبدالله بن عثمان بن خثيم عن محمد بن الأسود ابن خلف عن أبيه ان النبي ﷺ أمره أن يجدد أنصاب الحرم عام الفتح. وقال مالك: عمر بن الخطاب هو الذي نصب معالم الحرم بعد أن بحث عن ذلك. وحده من طريق المدينة دون التنعيم عند بيوت نفار على ثلاثة أميال من مكة وقيل: أربعة، ومن طريق اليمن (طرف أضاة لبن) على ستة أميال. وقيل: سبعة ومن طريق
следующие страницы →