← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 14452

إعلام الساجد بأحكام المساجد

بدر الدين الزركشي

Полный текст (380 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

أطوف به والنفس بعد مشوقة ... إليه وهل بعد الطواف تداني وألثم منه الركن أطلب بردما ... بقلبي من شوق ومن هيمان فو الله ما أزداد إلا ... صبابة ... ولا القلب إلا كثرة الخفقان فيا جنة المأوى ويا غاية المنى ... ويا منيتي من دون كل أماني أبت غلبات الشوق إلا تقربا ... إليك فما لي بالعباد يدان وماكان صدي عنك صد ملالة ... ولي شاهد من مقلتي ولساني دعوت اصطباري عنك بعدك والبكا ... فلبى البكا والصبر عنك عصاني وقد زعموا أن المحب إذا نأى ... سبيلي هواه بعد طول زمان ولو كان هذا الزعم حقا لكان ذا ... دواء الهوى في الناس كل أوان يل إنه يبلى التصبر والهوى ... على حاله لم يبله الملوان وهذا محب قاده الشوق والهوى ... بغير زمام قائد وعنان أتاك على بعد المزار ولو ونت ... مطيته جاءت به القدمان السابع والثمانون: أنه سبحانه عطف القلوب والأفئدة إليه دون غيره من البلاد , فهي للقلوب أعظم من جذب المغناطيس للحديد. فهو أولى بقول القائل. محاسنة هيولى كل حسن ... ومغناطيس أفئدة الرجال ولهذا أخبر سبحانه أنه مثابة للناس أي يثوبون إليه على تعاقب الأعوام

стр. 177

من جميع الأقطار ولا يقضون منه وطرا بل كلما قربوا منه , ازدادوا شوقا. لا يرجع الطرف عنها حين يبصرها ... حتى يعود إليها الطرف مشتاقا والسر في هذا التوقان دعاء الخليل ﷺ في قوله: ((فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم)) وما يروى أن الله تعالى يلحظ الكعبة في كل عام لحظة في ليلة نصف شعبان فعند ذلك تحت إليها قلوب المؤمنين. وقيل: سبب الشوق أنه أخذ الميثاق من بني آدم ثم وهذا منزع إلى أن حب الوطن من الإيمان. الثامن والثمانون: روى في حديث: وعد هذا البيت أن يحجه كل سنة ستمائة ألف , فإن نقصوا أكملهم الله بالملائكة. التاسع والثمانون: روى أن الكعبة تحشر كالعروس المزففة , ومن حجها تعلق بأستارها حتى تدخلهم الجنة. التسعون: أنها منذ خلقت ما خلت من طائف يطوف بها من جن أو إنس , أو ملك ,

стр. 178

وعن بعض السلف أنه خرج في يوم شديد الحر فرأى حية تطوف وحدها. ذكره ابن الصلاح. الحادي والتسعون: روى ابن حبان في صحيحه في حديث طويل مرفوعا: أن الحاج إذا قضى آخر طوافه بالبيت خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. وفي سنن سعيد بن منصور عن عمر أنه قال: من أتى هذا البيت لا ينتهزه غيري صلاة فيه , رجع كيوم ولدته أمه. الثاني والتسعون: أن أهلها يقال لهم: أهل الله. قال ابن أبي مليكة كان السلف يلقبونهم بذلك. وعنه ﷺ : أنه لما استعمل عتاب بن أسيد على مكة قال , أتدري , على ما استعملتك؟ استعملتك على أهل الله فاستوص بهم خيرا يقولها ثلاثا.

стр. 179

الثالث والتسعون: فضل مقبرتها – فعن ابن عباس: أنه ﷺ قال لمقبرة مكة: نعم المقبرة هذه. أخرجه البزار. وقد سبق. وعن ابن مسعود قال: وقف رسول الله ﷺ على الثنية , ثنية المقبرة , وليس بها يومئذ مقبرة قال: يبعث الله من هذه البقعة , أو من هذا الحرم كله سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب يشفع كل واحد منهم في سبعين ألفا وجوههم كالقمر ليلة البدر. قال أبو بكر ومن هم يا رسول الله؟ قال: هم الغرباء. الرابع والتسعون: تخصيصها بالمشاعر العظام كمنى , وفيها الآيات العظيمة كما سبق بيانه. الخامس والتسعون: تخصيصها بالحجر الأسود , وأنه يمين الله في الأرض , وفي فضائل مكة للجندي عن اسحق بن ابراهيم بن عبيد. ثنا ابراهيم بن الحكم. ثنا أبي. ثنا وهب بن منبه عن طاوس عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: لولا ما طبع الله الركن من أنجاس الجاهلية وأرجاسها وأيدي

стр. 180

الظلمة والأثمة لا ستشفى به من كل عاهة ولألفاه الله كهيئته يوم خلقه الله , وإنما غيره الله بالسواد لئلا ينظر أهل الدنيا إلى زينة الجنة وأنزله ياقوتة من ياقوت الجنة بيضاء وضعه لآدم حيث أنزله في موضع الكعبة قبل أن تكون الكعبة , والأرض يومئذ طاهرة لم يعمل فيها شيء من المعاصي , وليس لها أهل ينجسونها ووضع لها صفا من الملائكة على أطراف الحرم يحرسونه من جان الأرض , وسكانها يومئذ الجن , وليس ينبغي لهم أن ينظروا إليه , لأنه من الجنة ومن نظر إلى الجنة دخلها فهم على أطراف الحرم حيث أعلامهم اليوم يحدقون به من كل جانب بينه وبين الحرم. وفي مستدرك الحاكم وغيره شواهد تقويه , وروى الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا: إن الركن الأسود , والركن اليماني ياقوتتان من الجنة , ولولا ما طمس من نورهما لأضاءا ما بين المشرق والمغرب , وفي رواية غيره ولأبرءا من استلمهما من الخرس والجذام والبرص. وذكر الزبير بن بكار أن أبا قبيس كان يسمى الأمين – لأن الركن كان مودوعا فيه , وأنه نادى إبراهيم ﵇ حين بلغ بالبناء إلى الركن , فأخبره أن الركن منه , ودله على موضعه

стр. 181

منه وزعم أبو طاهر القرمطي من الباطنية: أن للحجر الأسود خاصية ترجع إلى ذاته , وأنه مغنطيس بني آدم. ورد القرطبي بقول عمر ﵁: إنك حجر لا تضر ولا تنفع الحديث. وقلع القرامطة الحجر والباب , وأصعدوا رجلا ليقلع الميزاب فتردى على رأسه إلى جهنم وبئس المصير , وأخذوا الباب , وأخذوا أسلاب مكة والحاج , وألقوا القتلى في زمزم وهلك تحت الحجر من مكة إلى الكوفة أربعون رجلا فعلقه لعنه الله على الإسطوانة السابعة من جامع الكوفة إلى الجانب الغربي ظنا منه أن الحج ينتقل إلى الكوفة قال ابن دحية , ثم حمل الحجر إلى هجر سنة سبع عشرة وثلثمائة. وبقى عند القرامطة اثنتين وعشرين سنة إلا شهرا , ثم رد لخمس خلون من ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وثلثمائة. وكان محكم التركي بذل لهم في رده خمسي ألف دينار فلم يفعلوا. وقالوا: أخذناه بأمر , ولا نرده إلا بأمر. وقيل: إنهم باعوه من الخليفة المقتدر بثلاثين ألف دينار , ولما أرادوا تسليمه أشهدوا عليهم أنهم تسلموا الحجر الأسود. وقالوا لهم بعد الشهادة: يا من لا عقل لهم من أمن منكم أن هذا هو الحجر الأسود , ولعلنا أحضرنا حجرا أسودا من البرية عوضه , فسكت الناس , إذ كان فيهم عبد الله بن عكيم المحدث. فقال:

стр. 182

لنا في الحجر الأسود علامة. فإن كانت موجودة فهو , هو , وإن كانت معدومة فليس هو , ثم رفع حديثا غريبا: إن الحجر الأسود يطفو على وجه الماء , ولا يسخن بالنار إذا أوقدت عليه. فأحظر القرمطي طستا فيه ماء ووضع الحجر فيه فطفا على الماء , ثم أوقدت عليه النار فلم يسخن بها فمد عبد الله المحدث يده وأخذ الحجر وقبله. وقال: أشهد أنه الحجر الأسود. فتعجب القرمطي من ذلك وقال: هذا دين مضبوط بالنقل. وأرسل الحجر إلى مكة. قال ابن دحية: عبد الله بن عكيم هذا لا يعرف والحجر الأسود جلد لا تحلل فيه. والذي يطفو على الماء يكون فيه بعض التحلل كالجفاف وشبهه. قال وللحجر الأسود علامات غير ذلك , وعرضه وطوله معلوم عند جميع من ألف في أخبار مكة , ولا يمكن التدليس فيه , والنقطة البيضاء التي فيه من أكبر العلامات. السادس والتسعون: تخصيصها بماء زمزم الذي هو سيد المياه. وهو هزمة جبريل وهمزته بعقبه وفي الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال: إنها مباركة. إنها طعام طعم (وتقوت أبو ذر الغفاري من مائها خاصة ثلاثين ليلة ويوما فسمن حتى تكسرت عكن بطنه وفي معجم الطبراني من طريق موسى بن هارون إلى ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: خير ماء على

стр. 183

وجه الأرض ماءُ زمزم فيه طعام من الطعم]، وشفاء من السقم وشر ماءٍ على الأرض ماءٌ بوادي برهوت بحضرموت وعليه رجل الجراد من الهواء وفيه آيات بينات منها آنه يقتات به. ولهذا لا يجوز الاستنجاءُ به. ومنها أنه لما شرب له، وقد جاء ذلك من طريق صحيحة ذكرتها في الذهب الإبريز في تخريج أحاديث الفتح العزيز ومنها أن الله خصه بالملوحة ليكون الباعث عليه الملمح الإيماني، ولو جعله عذبا جدًا لغلب الطبع البشري، وبهذا يرد على أبي العلاء المعري قوله: لك الحمد أمواه البلاد بأسرها ... عذاب وخصت بالملوحة زمزم ومنها أن الله تعالى يعظم ماءها في الموسم ويكثر كثرة خارقة كعادة الآبار، ويحلو، وقد شاهدنا ذلك وغيرنا، ومنها أنه يروي: أن مياه الأرض العذبة ترفع قبل يوم القيامة غير زمزم، قال ابن شعبان: العين التي تلي الركن من زمزم من عيون الجنة.

стр. 184

السابع والتسعون: تخصيصها بمقام إبراهيم ﵇ قال تعالى: فيه آيات بينات مقام إبراهيم. قال العلماء: وهو الحجر المعروف، وذلك أن إبراهيم ﵇ قام عليه وقت رفعه القواعد من البيت لما طال به البناء فكلما علا الجدار ارتفع الحجر به في الهواء فما زال يبني وهو قائم عليه وإسماعيل يناوله الحجارة والطين حتى أكمل الجدار ثم إن الله تعالى لما أراد إبقاء ذلك آية للعالمين لين الحجر فغرقت فيه قدما إبراهيم ﵇ كأنهما في طين فذلك الأثر العظيم باق في الحجر إلى اليوم، وقد نقلت كافة العرب ذلك في الجاهلية على مرور الأعصار، قال مجاهد وغيره أثر قدميه في المقام آية بينة. وقال أبو طالب: وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة ... على قدميه حافيا غير ناعل وقد كان ملصقا بجدار البيت حتى اخره عمر بن الخطاب ﵁ في إمارته إلى ناحية الشرق بحيث يتمكن الطواف، ولا يشوشون على المصلي عنده بعد الطواف وقد روى ابن أبي حاتم في تفسيره من حديث

стр. 185

ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿مقام إبراهيم﴾ قال: الحرم كله مقام إبراهيم، وفي رواية: الحج كله مقام إبراهيم، ولعله الحجر كله مقام إبراهيم كما قاله مجاهد. الثامن والتسعون: إن من رأي الكعبة في المنام فهي رؤيا حق كما روى الطبراني في معجمه من طريق عبد الرزاق أنا معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : من رآني في منامه فقد رأني، فإن الشيطان لا يتمثل بي، ولا بالكعبة، وقال تفرد به عن عبد الرزاق محمد بن أبي السري العسقلاني قال: وهذه اللفظة ولا الكعبة، لا تحفظ إلا في هذا الحديث. التاسع والتسعون: لو نذر إتيان المسجد الحرام، لزمه، لحديث لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد كما هو في الصحيحين وأصح الطريقين، أنه ينعقد نذره بحج أو عمره، ونص عليه الشافعي كما قاله القاضي الحسين لحديث أخت عقبة أنها نذرت أن تمشي إلى بيت الله فأمرها رسول الله ﷺ أن تمشي بحج أو عمرة، لأن مطلق كلام الناذرين محمول على ما ثبت له أصل في الشرع [كمن نذر أن يصلي يلزمه الصلاة المعهودة شرعًا

стр. 186

والمعهود في الشرع]، والعرف قصد المسجد الحرام بالحج والعمرة فيحمل نذره عليه، ولهذه الطريقة مأخذان. أحدهما: تنزيل مطلق النذر على أقل ما يجب بالشرع، وهو رأي الأقدمين من الأصحاب. والثاني: أنه لا يجوز دخول الكعبة بغير إحرام، وهو الأصح إلا فيما استثنى، لأن الإتيان لا يتصور إلا بالدخول، وهو ملتزم للإحرام، والطريقة الثانية تخريج قولين في انعقاد النذر بذلك تشبيها له بانعقاد النذر بالإتيان للمسجدين، ولا فرق بين أن يقول: إلى مكة أو الحرم، أو المسجد الحرام، او مسجد الخيف، أو مقام إبراهيم، أو يعين بقعة في الحرم، حتى دار أبي جهل لشمول حرمة الحرم ذلك بدليل تحريم تنفير الصيد فيه. وقال أبو حنيفة: إنما ينعقد نذره إذا قال: إلى بيت الله الحرام أو إلى الكعبة، أو إلى مقام إبراهيم، وقد أغرب الغزالي في الوجيز فقال: ولو قال: إلى مكة لم يلزمه شيء، حتى يقصد الحج، قال الرافعي، ولا وجه له، والمذكور في الكتب خلافه، وأقره ابن الرفعة في المطلب على ذلك. تمام المائة: ولو نذر إتيان بيت الله، ولم يقل: الحرام، فوجهان، أصحهما ونقله البندنيجي عن نصه في الأم، أنه لا ينعقد نذره إلا أن ينوي البيت الحرام لأن جميع المساجد بيت الله وعن المزني، لزومه، لأن إطلاق البيت ينصرف إليه دون غيره واختاره في المرشد

стр. 187

الأول بعد المائة: لو قال: لله على أن أستر الكعبة، أو أطيبها لزمه، لأنه عهد في الصدر الأول فدل على أنه مطلوب، واندرج تحت قوله ﷺ من نذر أن يطيع الله فليطعه، ولما فيه من التعظيم وعود النفع على الطائفين والقاطنين حوله، وعن ابن كج: أنه لا يجوز قصد كون الستر والطيب للكعبة بل ينبغي أن يجعله لعامة المسلمين ليتجملوا به. الثاني بعد المائة: لو نذر صلاة في الكعبة، جازت في أطراف المسجد الحرام، حكاه الإمام عن شيخه، وإن كان يقول: جاء في بعض الأخبار: صلاة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة في غيره، وصلاة في الكعبة تعدل مائة ألف صلاة في المسجد الحرام، وهذه الزيادة لم يصححها الأثبات فلا تعويل عليها، فيحكم بالتسوية كما لو عين زاوية في المسجد قلت: وظاهر كلام صاحب البيان أن الكعبة لا يقوم غيرها مقامها سواء عبر الناذر بلفظ الكعبة، أو البيت الحرام (فإنه قال في استقبال القبلة لما ذكر أن المراد بالمسجد الحرام في خبر المضاعفة الكعبة وما في الحجر من البيت قال: ولا فرق بين أن يقول عليه لله أن يصلي في المسجد الحرام أو في البيت الحرام) إذا ثبت أن البيت الحرام، إنما هو الكعبة، وكذلك المسجد الحرام نتهى، وظاهره أن التعبير بالمسجد الحرام كالتعبير بهما حتى

стр. 188

تتعين الكعبة أو ما في الحجر منها، فأما التعبير بالكعبة، أو بالبيت فالظاهر فيه ما قاله من التعبير وحينئذ فتكون المراتب أربعا، الكعبة ونحوها كالبيت، ثم المسجد الحرام ثم مسجد الكعبة، ثم الأقصى. الثالث بعد المائة: لو نذر أن يأتي عرفة، فإن نوى به الحج لزمه لاقتران النية بلفظ يحتمله، وإن لم ينو شيئا أصلا، لم يلزمه شيء لأن ذلك ليس بقربة، لأن عرفة من الحل، فنذر إتيانها من غير ملاحظة الوقوف كنذر إتيان سائر بقاع الحل، قاله الماوردي، ولو قيل: ينعقد نذره، كان مذهبا ويكون اللازم له الحج لاختصاص عرفة بالحج، لأن قصد عرفة يجب بالشرع فوجب بالنذر، ولا يطرد هذا فيما إذا نذر إتيان ميقات من المواقيت، لأنه لا يلزمه قصده شرعا لانعقاد الاحرام قبله، وهذا الاحتمال قد أجاب به القاضي حسين مرة، وقال مرة أخرى، إن خطر له شهود عرفة في يوم عرفة لزمه لما فيه من البركة، وهو ما حكاه الغزالي عنه أي بعد الزوال. إذ هو وقت القربة، قال الإمام: والذي قطع به أئمتنا في الطرق عدم اللزوم، وجوابا القاضي مخالفان لما قاله الأصحاب، نعم، قال القاضي في تعليقه: لو صرح في كلامه بإتيان عرفة يوم عرفة لزمه الحج، ونسبه الرافعي لابن أبي هريرة، وأن المتولي قيده بما إذا قال: عرفة بعد الزوال. الرابع بعد المائة: لو نذر النحر وحده بمكة لزمه النحر بها، ويفرق اللحم على مساكين

стр. 189

الحرم، ولو نذر ذلك في بلد آخر لم يتعين بل يذبح حيث شاء هذا هو أصح الوجهين. الخامس بعد المائة: لو نذر قصده لزمه الذهاب إليه بحج أو عمرة كما سبق بخلاف غيره، من المساجد فإنه لا يجب عليه الذهاب إذا نذره إلا مسجد المدينة، والمسجد الأقصى على قول. والأظهر أنه لا يجب بل يستحب. السادس بعد المائة: لو نذر الصلاة بمكان لم يتعين إلا المسجد الحرام إذ لا يقوم غيره مقامه لعظم فضله وتعلق النسك به، ولو عين حرم المدينة، أو المسجد الأقصى للصلاة فالأظهر في التحرير عدم التعيين والراجح عند الأكثرين وصححه النووي تعينها بدليل، لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث. السابع بعد المائة: لا خلاف أن من عليه خمسمائة صلاة منذورة فصلى في أحد المساجد الثلاثة صلاة أنها لا تسقد العدد الملتزم بالنذر، ولا خلاف أن من نذر الصلاة في مسجد مفضول من الثلاثة فصلى في أفضل منه أنه يجزئه عن نذره، وإن لم يكن الذي عينه والحاصل أن الأعلى يجزيء عن الأدني ولا عكس.

стр. 190

الثامن بعد المائة: قال القاضي أبو القاسم بن كج في كتاب التجريد: إذا نذر الاستسقاء في الصحراء، وعبارة الشافعي في المختصر، وأكثر الأصحاب مصلي العيد، وقد استثنى صاحب الخصال من قدماء أصحابنا، وهو أبو بكر الخفاف من أصحاب ابن سريج ما إذا كانوا بمكة أو بيت المقدس، فقال: ويخرجون إلى الجبانة إلا بمكة أو بيت المقدس انتهى، وهو حسن، وعليه عمل السلف والخلف. لفضل البقعة وسعتها. العاشر بعد المائة: أطلق أصحابنا، أن ما كثر جمعه من المساجد أفضل مما قل جمعه وقضيته: أنه لو أقيمت جماعة كثيرة بمكة أو المدينة، أو بيت المقدس في مسجد بها سوى المساجد الثلاثة أن يكون الذهاب إليه أفضل، وفيه نظر. وقد أطلق المتولي أن الجماعة فيها أفضل من الجماعة في سائر المساجد على ترتيبها في الفضل: قال: وليس تختص الفضيلة بالجماعة فيها بل الانفراد فيها أفضل من غيرها من المساجد أي مع الانفراد أيضًا.

стр. 191

الحادي عشر بعد المائة: اغتفر بعض المحققين من أصحابنا وغيرهم ذرق الحمام في الحرم، ولأجله اختار الروياني في الحلية طهارة بول ما يؤكل لحمه، قال: وعليه عمل أهل الحرمين، قال وهو الاختيار، قال: ولهذا لم ينزه الله منه أفضل البقاع وهو المسجد الحرام مع أمره بالتطهير في قوله، وطهر بيتي للطائفين. الاية، وأمر ألا ينفر عنه الحمام. الثاني عشر بعد المائة: من حفر بئرا في الحرم في موضع يمكله فسقط فيه الصيد ضمنه، نص عليه الشافعي في الأم كما نقله المرعشي في ترتيب الأقسام، قال وليس على من حفر بئرا في ملكه فسقط فيها ساقط ضمان، إلا في هذه المسألة. الثالث عشر بعد المائة: إذا سرق ستارة الكعبة، فنقل الحارث بن سريج النقال عن الشافعي: أن عليه القطع، قال: لأن نصبها حرزها، وهذا هو المذهب، وقال أبو حنيفة لا قطع فيها لأنها ليست ملكا لأحد، ولنا ان سارقا سرق قبطية، من منبر رسول الله ﷺ فقطعه عثمان ولم ينكره أحد، فصار كالاجماع، ولأنها تراد للزينة، وما يراد لزينة المسجد يقطع به.

стр. 192

الرابع عشر بعد المائة: أن من أنكر مكة أو البيت: أو المسجد الحرام، أو صفة الحج، أو أنه ليس على هذه الهيئة المعروفة، أو قال لا أدري: أن هذه المسماة بمكة هي مكة أو غيرها، لا شك في تكفير قائله، قاله النووي في زوائد الروضة ناقلا له عن القاضي عياض وغيره. الخامس عشر بعد المائة: قال أبو الفتح بن برهان الأصولي في كتابه الأوسط: تقدم رواية أهل الحرمين على غيرهم لأنهم أعلم بحاله ﵇ من أهل العراق وغيرهم ولذلك قال بعض المحدثين: إذا جاوز الحديث الحرمين انقطع نخاعه يعني مكة والمدينة. السادس عشر بعد المائة: إن الدجال لا يدخلها لما في الصحيحين من حديث أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة ليس نقب من أنقابها إلا عليه الملائكة حافين يحرسونها.

стр. 193

السابع عشر بعد المائة: إن من حجه أو اعتمره لا يزال يزداد هيبة وتعظيماً وبراً كما أمرنا بالدعاء له في قولنا: وزد من عظمه ممن حجه أو اعتمره شريفاً وتعظيماً وبراً وهذا المعنى حسن لمن تأمله. الثامن عشر بعد المائة: كره جماعة من السلف اتخاذ الشجر بمكة حكى ذلك ابن أبي شيبة في مصنفه بإسناد طاوس. قال: لاينبغي لبيت عذاب أن يكون في بيت رحمة. التاسع عشر بعد المائة: إنه يستحب للصائم أن يفطر على تمر، فإن لم يجد فعلى ماء. قال المحب الطبري في شرح التنبيه: ومن كان بمكة استحب له الفطر على ماء زمزم لبركته. ولو جمع بينه وبين التمر فحسن قال: والقصد بذلك ألا يدخل جوفه أولاً مامسته لنار , ويحتمل أن يراد هذا مع قصد الحلاوة تفاؤلاً بها. العشرون بعد المائة: قال المحاملي في اللباب: ومن دخل مكة , وأراد أن يصلي الضحى أول يوم اغتسل وصلاها كما فعل ﷺ يوم فتح مكة انتهى.

стр. 194

وهذا فيه نظر , لأن الاغتسال ذلك اليوم لم يكن للصلاة وتلك الصلاة إنما كانت للفتح. الحادي والعشرون بعد المائة: الابراد بالظهر يختص بالبلاد الحارة. وقد مثل الشافعي بالحجاز فقال في البويطى: فإذا كانت البلاد مؤذية الحر مثل الحجاز وبعض العراق أخرت الصلاة في شدة الحر انتهى لفظه. وفي الشامل: التمثيل بالحجاز أيضا ً. الثاني والعشرون بعد المائة: نقل النووي في شرح المهذب عن أصحابنا أنه يختلف قدر ما تزول عليه الشمس من الظل باختلاف الأزمان والبلاد. فأقصر ما يكون الظل عند الزوال في الصيف عند تناهي طول النهار وأطول ما يكون في الشتاء عند تناهي مضي النهار. ونقل القاضي أبو الطيب أن أبا جعفر الراسبي قال في كتاب المواقيت: إن عند انتهاء طول النهار في الصيف لا يكون بمكة ظل لشيء من الأشخاص عندالزوال , ستة وعشرون يوماً قبل انتهاء الطول , وستة وعشرون يوما بعد انتهائه , وفي هذه الأيام حتى لم ير للشخص ظل، فإن الشمس لم تزل , فإذا رأى الظل بعد ذلك , فإن الشمس قد زالت , وبقي أيام السنة , معرفة الزوال بمكة كمعرفته بغيرها. ونقل الشيخ أبو حامد

стр. 195

في تعليقه أنه إنما لايكون للإنسان فيء بمكة عند الزوال إلا يوماً واحداً في السنة لا غير انتهى. وقال ابن الصباغ تبقى الشمس سته وعشرين يوماً لايظهر للشخص فيء عند الاستواء بمكة لأنها في وسط الفلك فإذا ارتفعت الشمس لم يبق فيها شيء من له فيء حتى أن الشمس تنزل إلى قعر الآبار. قال القاضي أبو علي الفاروق. وهذا غلط ,لأن الشمس لو لم يظهر لها فيء كان ذلك لوقوفها. ولا يتصور وقوفها. فإنها لو وقفت لوقعت على ماقيل. ولكن يقل فيء الشخص تارة , ويكثر تارة. وسر هذا أنها لاتزال في السير إلا أنها تهبط في زمن الشتاء. وترتفع في الصيف ,فإذا ارتفعت قل الفيء ,وإذا هبطت طال وكثر , وأما عدم الفيء بالكلية فلا يتصور انتهى. وقال ابن يونس صاحب التعجيز في شرحه للوجيز: وربما لايبقى له ظل بمكة في سابع عشر حزيران فإنه أطول يوم في السنة. ومكة محاذية لقبة الفلك , فتقع في مسامتة الخوص فلا يبقى له ظل انتهى. الثالث والعشرون بعد المائة: روى أبو القاسم الطبراني في معجمه الأوسط من طريق عبدالله بن المؤمل. ثنا عبد الله بن عبدالرحمن بن محيص عن عطاء ابن أبي رباح عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: احتكار الطعام بمكة إلحاد, وقال:

стр. 196

لم يروه عن عطاء إلا ابن محيصن تفرد به عبدالله بن المؤمّل. قلت: ولى قضاء مكة، وروى عنه الشافعي قال أبو حاتم: ليس بالقوى وقال أبو داوود: منكر الحديث. الرابع والعشرون بعد المائة: روى الحافظ أبو القاسم الأصبهاني في كتاب الترغيب بسنده إلى سفيان بن وكيع ثنا موسى بن عيسى الليثي عن زائدة عن سفيان عن محمد ابن المنكدر عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا يسكن مكة سافك دم ولا مشانيهم قال: وهذا الحديث بهذا الإسناد رواه غير واحد عن سفيان بن وكيع. وقوله: لا يسكن بجزم النون على النهى أي لا ينبغي أن يسكن. ولو روى بعضها على الخبر لكان خبرا بخلاف مخبره. ولا يجوز ذلك على رسول الله ﷺ . الخامس والعشرون بعد المائة:

стр. 197

الباب الثاني فيما يتعلق بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم والمدينة

стр. 198

ذكر بناء المسجد قال الزهري: بركت ناقة رسول الله ﷺ عند موضع مسجده، وهو يومئذ يصلي فيه رجال من المسلمين. وكان مربدا لسهل وسهيل غلامين يتيمين من الأنصار وكانا في حجر أسعد بن زرارة فسام رسول الله ﷺ فيه فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله فأبى رسول الله ﷺ حتى ابتاعه منهما بعشرة دنانير وكان جدارا ليس له سقف وقبلته إلى بيت المقدس. وبهذا احتج الحنفية على صحة التصرف من غير البالغ، وكان يصلي فيه ويجمع أسعد بن زرارة قبل مقدم رسول الله ﷺ وكان فيه شجر غرقد، ونخل وقبور للمشركين، فأمر رسول الله ﷺ بالقبور فنبشت، وبالنخيل والشجر فقطعت، وصفت في قبلة المسجد، وجعل طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع، وفي الجانبين مثل ذلك أو دونه، وجعل أساسه قريبا من ثلاثة أذرع، ثم بنوه بالَّبن وجعل رسول الله ﷺ يبني معهم، وينقل اللبن والحجارة بنفسه. ويقول: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة. فاغفر للأنصار والمهاجرة. وجعل قبلته من اللبن. وقيل: من حجارة وجعلها إلى بيت المقدس، وقال الحافظ الذهبي: هذه القبلة كانت في شمال المسجد، لأنه ﵇ صلى سبعة

стр. 199

عشر شهرا إلى بيت المقدس، فلما حولت القبلة بقى حائط القبلة الأولى مكان أهل الصفة انتهى. وجعل له ثلاثة أبواب، بابا في مؤخره، وبابا يقال له: باب الرحمة، والباب الذي يدخل منه رسول الله ﷺ . وجعل عمده الجذوع، وسقفه بالجريد، وبنى بيوتا إلى جانبه ولما فرغ من بنائه بنى بعائشة في البيت الذي بناه لها شرقي المسجد، وهو مكان حجرته اليوم. وقال الحافظ شمس الدين الذهبي في بلبل الروض: لم يبلغنا أنه ﵇ بنى له تسعة أبيات حين بنى المسجد، ولا أحسبه بعد ذلك إنما كان يريد بيتا واحدا حينئذ لسودة أم المؤمنين، ثم لم يحتج لبيت آخر حتى بنى بعائشة في شوال سنة اثنتين، وكأنه ﵇ بناها في أزمان مختلفة. وقال السهيلي: قال الحسن البصري كنت أدخل بيوت النبي ﷺ وأنا غلام مراهق وأنال السقف بيدي. وكان لكل بيت حجرة، وكانت حجره من أكسية من شعر مربوطة في خشب، عرعر. وورد أن بابه كان يقرع بالأظافير أي لا حلق له، فلما توفي أزواجه خلطت البيوت والحجر بالمسجد في زمن عبدالملك بن مروان، وفي صحيح البخاري عن، ابن عمر قال: كان المسجد على عهد رسول الله ﷺ مبنيا باللَّبن. وسقفه الجريد وعمده خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر ﵁ شيئا، وزاد فيه عمر

стр. 200

رضي الله عنه، وبناه على بنائه في عهده رسول الله ﷺ . باللبن والجريد وأعاد عمده خشبا، ثم غيره عثمان ﵁ فزاد فيه زيادة كبيرة، وبنى حجارة بالحجارة المنقوشة والقصّة، وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه بالساج. وقال خارجة بن زيد. بنى رسول الله ﷺ مسجده سبعين ذراعا في ستين ذراعا أو يزيد. قال أهل السير: جعل عثمان طول المسجد مائة وستين ذراعا. وعرضه مائه وخمسين، وجعل أبوابه ستة كما كانت في زمن عمر، ثم زاد فيه الوليد بن عبدالملك فجعل طوله مائتي ذراع. وعرضه في مقدمه مائتين وفي مؤخره مائة وثمانين، ثم زاد فيه المهدي مائة ذراع من جهة الشام فقط دون الجهات الثلاث. قال النووي ﵀: فينبغي الاعتناء بما كان في عهده ﷺ . فإن الحديث الوارد في فضل الصلاة في مسجده، إنما يتناول ما كان في زمنه، وسيأتي بيانه.

стр. 201

تبيين حدود حرم المدينة عن أبي هريرة قال: حرّم رسول الله ﷺ ما بين لابتي المدينة. قال أبو هريرة: فلو وجدت الظباء ترتع بين لابتيها ما ذعرتها. وجعل اثني عشر ميلا حول المدينة حمى. رواه مسلم. وفي لفظ للبخاري عنه مرفوعا. حرم ما بين لابتي المدينة على لساني. قال أبو عوانة في صحيحه المخرج على مسلم. قال مالك: المدينة بريد في بريد واللابتان من الحجر، وهما الحرتان. وفي الصحيحين من حديث أنس عن النبي ﷺ قال: المدينة حرم من كذا إلى كذا، لا يقطع شجرها. الحديث. وفي مسند البزار من حديث يعلى بن عبيد ثنا أبو بكر، وهو المفضل. عن جابر قال: حرم رسول الله ﷺ المدينة بريدا من نواحيها. قال: والمفضل بن مُبَشّر روى عنه يعلى بن عبيد ومروان ابن معاوية. وزياد بن عبدالله وهو صالح الحديث، وأخرج أيضا عن سليمان بن كنانة قال: حدثني عبدالله بن أبي سقيان عن عدي بن زيد، وكانت له صحبة قال: حمى رسول الله ﷺ كل ناحية من

стр. 202

المدينة بريدا في بريد لا يُخبط شجره، ولا يُعضد، وعن علي: قال النبي ﷺ : المدينة حرام ما بين عائر إلى ثور. رواه البخاري، وفي رواية له ما بين عائر إلى كذا. وفي رواية لمسلم ما بين عير إلى ثور، وقد استشكل هذه الرواية جماعة. وقالوا: ليس بالمدينة ثور إنما هو بمكة، ولهذا جاء في أكثر روايات البخاري من كذا، إلى كذا. وفي بعضها من عائر إل كذا، ولم يبين النهاية. فكأنه يرى أن ذكر ثور وهم فأسقطه. ونقل مثل ذلك عن مصعب الزبيري وأَبى عبيد وقرره الحافظ أبو بكر الحازمي وغيرهم قال أبو عبيد. كان الحديث من عير إلى أحد. وهكذا رواه الزبير بن بكار من حديث عبدالله بن سلام مرفوعا. وقا الحافظ الحازمي في كتابه - المؤتلف في أسماء الأماكن، في الحديث حرم رسول الله ﷺ ما بين عير إلى أُحد. هذه الراوية صحيحة. وقيل إلى ثور، وليس له معنى انتهى. وقال النووي: يحتمل أن يكون ثور كان اسما لجبل هناك إما أُحد أو غيره ثم خفى اسمه انتهى. ولما ذكر ياقوت قول عياض قال بعضهم: ليس بالمدينة ولا على مقربة منها جبل يعرف بأحد هذين الاسمين. قال: قلت أنا: هذا وهم. فإن عيرا جبل مشهور بالمدينة انتهى. وقال ابن السِّيد في المثلث: غير اسم جبل بقرب المدينة. وهو بفتح العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف. وذكر الإمام أبو محمد عبدالسلام بن مزروع البصري: أنه لما خرج رسولا من صاحب المدينة إلى

стр. 203

العراق كان معه دليل يذكر له الأماكن والأَجبل فلما وصلا إلى أُحد إذا بقربه جبل صغير فسأله: ما اسم هذا الجبل؟ قال: هذا يسمى ثورا انتهى. قال شيخنا: وسمعت الشيخ محمدا أبا المليحي يقول: إن المحب الطبري قال: ثور جبل بالمدينة رأيته غير مرة وحددته انتهى. وقال المطري: بل خلف جبل اُحد من شماليه تحته جبل صغير مدور يسمى ثورا، يعرفه أهل المدينة خلف عن سلف. ووعرة شرقية وهما حد الحرم كما نقل. وقال الموفق بن قدامة يحتمل أنه ﷺ أراد قدر ما بين ثور وعير اللذين بمكة شرفها الله تعالى أو يحتمل أنه أراد جبلين بالمدينة وسماهما عيرا وثورا تجوزا. وقال أبو العباس بن تيمية، عير جبل عند الميقات يشبه العير وهو الحمار، وثور هو جبل من ناحية أُحد وهو جبل ثور الذي بمكة انتهى. وقال بعض المتأخرين: لا ينبغي الإقدام على توهيم الرواة بمجرد عدم العرفان، فإن كثيرا من الأسماء تتغير أو تنسى أسماؤها أو لا يعلمها كثير من الناس باعتبار تطاول الأزمنة، ألا ترى الحديث المشهور في إحرام النبي ﷺ من ذي الحُليفة وهي ميقات إحرام المدينة ثم نسى هذا الاسم الآن وبقى مشهورا ببئر على، وكذلك بمكة، قزح جبل صغير آخر مزدلفة، وهو يتعلق به نسك عظيم، وهو لا يكاد يعرف هناك، ولا يعرفه كثير من أهل مكة ولقد حرصت على ذلك

стр. 204

فلم أجد من يعرفه بل وما هو أشهر منه، وهو الأبطح. سألت هناك فلم أخبر عنه. وكذلك المأزمان ووادي محسِّر وغيره، فإذا جهل هذا مع تكرر الناس إليه وتعلق المناسك به مع تطاول الأزمنه فما ظنك بغيره، وأَيضا فقد يكون للشئ اسمان أو أكثر فيعرف بأحدهما ويشتهر به دون الآخر، فيذكر في الحديث بأحد اسميه كما يقال: قزح، والمشعر الحرام، وهو شيء واحد، وكما يقال: مزدلفة والمحصب والأبطح وكما يقال: ألال وجبل عرفات.

стр. 205

ذكر ما جاء في خراب المدينة روى البخاري ومسلم من حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: تتركون المدينة على خير ما كانت لا يغشاها إلا العوافى. يريد عوافى السباع والطير، ثم يخرج راعيان من مُزينة يريدان المدينة ينعقان بغنمهما فيجدانها وحشا حتى إذا بلغا ثنية الوداع خرَّا على وجوههما. هذا لفظ مسلم. وقال البخاري فيه: وآخر من يحشر راعيان من مزينة يريدان المدينة. ح، وفي لفظ مسلم ليتركنَّها أهلها على خير ما كانت مذلَّلة للعوافى. ينعقان بكسر العين أي يصيحان ويجدانها وحشا أي ذات وحوش كما في رواية البخاري. وقيل خالية ليس بها أحد. وقيل: إن غنمهما تصير وحشا إما بقلب ذاتها أو تتوحش فينفر من أصواتها وأنكره القاضي والنووي. وقالا: إن الضمير في يجدانها عائد إلى المدينة لا إلى الغنم. وقد اختلف الناس متى يكون ذلك فقال القاضي عياض: إن هذا جرى في العصر الأول وإنه من المعجزات، فقد تركت المدينة على أحسن ما كانت في الدين والدنيا أما الدين فلكثرة العلماء بها. وأما الدنيا فلعمارتها. واتساع حال أهلها. قال: وذكر

стр. 206

الأخباريون في بعض الفتن التي جرت بالمدينة، وخاف أهلها: أنه رحل عنها أكثر الناس وبقيت ثمارها للعوافى. وخلت مدة، ثم تراجع الناس إليها. قال وحالها اليوم قريب من هذا. وقد خربت أطرافها. وقال النووي: الظاهر المختار أن هذا الترك للمدينة يكون في آخر الزمان عند قيام الساعة، ويوضحه قصة الراعيين من مزينة فإنهما يخران على وجوههما حين تدركهما الساعة. وهما آخر من يحشر كما ثبت في صحيح البخاري قلت: روى الترمذي من حديث جناده بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : آخر قرية من قرى الإسلام خرابا المدينة. وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث جُناده عن هشام، قال: وتعجب محمد بن إسماعيل البخاري من هذا الحديث وأخرجه البزار في مسنده. وقال: لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد. ولا نعلم حدث به عن هشام إلا جُناده ولم نسمعه. إلا من سلمة بن جُناده عن أبيه.

стр. 207

ذكر أسمائه الأول: وهو المشهور، المدينة قال تعالى: ((ما كان لأهل المدينة)). ((ومن أهل المدينة)) وهي إذا أُطلقت أُريد بها دار الهجرة التي فيها بيت رسول الله ﷺ ، ومنبره وقبره. ثم قال قطرب وابن فارس: وغيرهما إنها مشتقة من دان إذا أطاع. والدين: الطاعة، فتكون الميم على هذا زائدة، وقيل: من مَدَن بالمكان إذا أقام به فتكون الميم أصلية. وجمعها مدن بضم الدال وإسكانها، ومدائن بالهمزة وتركه. وترك الهمزة أفصح، وبه جاءَ القرآن. وعن الفارسي: المدينة فعيلة. والمدينة، مدينة الرسول ﷺ غلب عليها تفخيما، وإذا نسبت إلى المدينة فالرجل والثوب مَدَني والطير مَدِيني قال سيبويه، وأما قولهم: مدايني فإنهم جعلوا البناءَ اسما للبلد، وقال ابن دحية في خصائص الأعضاء النسب إليها مديني وإلى مدينة أَبي جعفر المنصور وهي بغداد مدني لأن الميم فيها أصلية والياءُ زائدة.

стр. 208

الثاني: طابة. وفي الصحيح: أن الله سمى المدينة طابة. الثالث: طيبة سماها بها رسول الله ﷺ وهما إما من الطيب وهي الرائحة الحسنة، والطاب والطيب لغتان بمعنى. قال ابن بطال: من سكنها يجد من تربتها وحيطانها رائحة طيبة والعجونات من الطيب مها أَحَدُ رائحة من غيرها، وإما من الطيب بفتح الطاء وتشديد الياء. وهو الظاهر لخلوصها من الشرك، وطهارتها، وإما من طيب العيش بها، أقوال. الرابع: طيّبة بتشديد الياء. الخامس: المطيَّبة. السادس: المحبَّبة، ومعناه عين معنى المحبة. حكى هذه الثلاثة ابن برى عن ابن خالويه. السابع: الدار. قال تعالى: ((والذين تبوءوا الدار)). لا خلاف أنها المدينة لأن الاستقرار فيها. الثامن: المسكينة. ذكر ابن زبالة بإسناده عن كعب قال: نجد في كتاب الله الذي نزل على موسى ﷺ أن الله تعالى قال للمدينة: يا طيبة يا طابة. يا مسكينة لا تقبلي الكنوز أرفعُ أَجاجيرك على أجاجير القرى وهما إما من السكينة أو المسكنة.

стр. 209

التاسع: جابرة. العاشر: المجبورة. الحادي عشر: المرحومة. الثاني عشر: العذراءُ، قاله ابن سيده في المحكم. قال: وأراها سميت بذلك. لأنها لم تنل بمكروه، ولا أصيب سكانها بأذاة عدو. الثالث عشر: الهذراءُ. الرابع عشر: المحبة ذكره أبو عبيد البكرى. الخامس عشر: المحبوبة. السادس عشر: القاصمة، لأنها قصمت الجبابرة. السابع عشر: الحبيبة، حكاه ابن خالويه. الثامن عشر: مدخل صدق. هو المدينة في قول أكثر المفسرين. التاسع عشر: حسنة في قوله تعالى: ((لنُبَوئنهم في الدنيا حسنةً)) قيل هي المدينة. العشرون: دار السنة. الحادي والعشرون: دار الهجرة. الثاني والعشرون: البلاط، ذكره ابن خالويه في: كتاب ليس. الثالث عشرون: الإيمان. قال ابن أبي خيثمة. الإيمان من أسمائها. ذكره ابن دحية.

стр. 210

الرابع والعشرون:، والخامس والعشرون، والسادس والعشرون يندر ويندد ذكرهما البكرى أيضا وزاد كراع في المنتخب له في أسمائها، البَحرة، والبُحيرة تصغير بحرة لا بحر .. قال عبد العزيز بن محمد. وبلغني أن لها في التوراة أربعين اسما، وأما تسميتها بيثرب، ففي معجم البكرى: سميت بيثرب بن وائل من بني إرم بن سام بن نوح، لأنه أول من نزلها، وقال ابن دقيق العيد في شرح الإمام: اختلفوا في يثرب. هل هو اسم يرادف المدينة، أو هو اسم لقطر محدود، والمدينة في ناحيه منه؟ وعن أبي عبيد: يثرب اسم أرض ومدينة الرسول ﷺ في ناحية منها. وقال المارودي في يثرب وجهان، أحدهما: المدينة حكاه ابن عباس. والثاني: أن المدينة في ناحية من يثرب قاله أبو عبيدة. وفي الكشاف: يثرب اسم للمدينة. وقيل أرض وقعت المدينة في ناحية منها. وكذا قال ابن عطية: يثرب قطر محدود، المدينة في طرف منه. وسميت في القرآن بذلك حكاية عن قول من قالها من المنافقين والذين في قلوبهم مرض، وقد جاء النهي عن تسميتها بذلك، لأنه مأخوذ من الثَّرب. وهو الفساد. أو من التثريب. وهو التوبيخ والملامة. وكان رسول الله ﷺ يكره الإسم الخبيث، وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث البراءِ بن عزاب ﵁ قال: قال

стр. 211

رسول الله ﷺ : من سمى المدينة بيثرب فليستغفر الله. هي طابة. وذكر ابن عبد البر بإسناد فيه عثمان بن حفص عن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : من قال: يثرب فليقل: المدينة. قال ابن القطان: وعثمان لا يعرف حاله، وإنما أَعرف هذا موقوفا على سعد متصل الإسناد إليه وساقه من جهة العقيلي كذلك بلفظ: من قال: يثرب مائة مرة، فليقل: المدينة عشر مرات انتهى. وفي تاريخ البخاري في ذكر عثمان بن حفص عن إسماعيل بن محمد بن سعد عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ . من قال: يثرب مرة، فليقل: المدينة عشرا، ولا يتابع هذا ولا أدري هذا هو الأول أو هو عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي هذا كلام البخاري وقال ابن بطال. وقد روى عنه ﷺ أنه قال: من قال يثرب فكفارته أن يقول: المدينة عشر مرات. وقال أبو عبيدة يثرب اسم أرض ومدينة الرسول ﷺ في ناحية منها.

стр. 212

هل المدينة حجازية أو شامية قال الشيخ أبو زكرياءِ النووي في فتاويه: مدينه النبي ﷺ ليست يمانية ولا شامية بل هي حجازية، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء انتهى. وما حكاه من الاتفاق على أنها الاتفاق على أنها ليس يمانية عجيب، فقد نص الشافعي على أنها يمانية حكاه البيهقي في المعرفة في الكلام على الأَذان للصبح قبل الفجر، ولفظه: قال الشافعي: ومكة والمدينة يمانيتان، وفي مسند الشافعي: أخبرنا عمي محمد بن علي بن العباس عن الحسن بن القاسم الأَزرق قال: وقف النبي ﷺ على ثَنِيّةِ تبوك فقال: ما ههنا شام، وأشار بيده إلى الشام، ومن ههنا يمن وأشار بيده إلى جهة المدينة. قال ابن الأثير في شرحه: الغرض من هذا الحديث بيان حد الشام واليمن. وقد جعل المدينة من اليمن. ثم قال: في جهة الشام ما ههنا، ومن جهة اليمن من هنا، وبينها فرق وذلك، أن قوله من ههنا يفيد أن ابتداءَ اليمن من هذه البقعة. وقوله: ما ههنا أشار إلى أن هذه البقعة من الشام، وإن لم يتعرض إلى أنها ابتداءُ الشام أَولا. انتهى كلام ابن الأَثير.

стр. 213

ذكر ما جاء في عالم المدينة روى النسائي من طريق سفيان بن عيينة عن ابن جريج (عن أبي الزناد) عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : يضربون أكباد الإبل ويطلبون العلم. فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة. قال النسائي: قوله: أبو الزناد خطأ: إنما هو الزبير. قلت: وهكذا أخرجه البزار في مسنده على الصواب من جهة سفيان أيضا عن ابن جريج عن أبي الزبير عن أبي صالح به. وقال البزار: لم يَروِ ابن جريج عن أبي الزبير عن أبي صالح غير هذا الحديث، وكذلك أخرجه الحاكم في المستدرك في كتاب العلم عن سفيان عن ابن جريج عن أبي الزبير عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : يوشك الناس أن يضربوا أكباد الإبل فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة. وقال: صحيح على شرط البخاري ومسلم ولم يخرجاه. وقد كان ابن عيينة ربما عقله رواية، ثم ساقه من هذه الطريق أيضا. وقال: عن أبي هريرة رواية يوشك الناس أن يضربوا أكباد الإبل. الحديث. قال: وليس هذا مما يوهن الحديث، فإن الحميدي هو الحكم في حديثه لمعرفته. ثم ذكر ملازمته له وقد كان ابن عيينة يقول: نرى هذا العالم مالك بن أنس

стр. 214

انتهى. وفيما حكاه عن سفيان نظرٌ فإن ابن حبان في صحيحه أخرجه من جهة إسحق بن موسى الأنصاري قال: سأَلت سفيان بن عيينة وهو جالس مستقبل الحجر الأسود. فأخبرني عن ابن جريج عن أبي الزبير عن أبي صالح عن أبي هريرة، فذكر الحديث. قال ابن موسى بلغني عن ابن جريج أنه كان يقول: نرى أنه مالك بن أَنس فذكرت ذلك لسفيان بن عيينة. فقال: إنما العالم من يخشى الله. ولا يعلم أَحدا كان أخشى لله من العمري يريد به عبدالله بن عبد العزيز انتهى. وأخرجه الترمذي في جامعه أيضا. وقال حسن، ووهم عبد الحق في أحكامه فنقل عن الترمذي: أنه صححه أيضا. وتكلم ابن حزم في هذا الحديث. وقال أبو الزبير مدلس ولم يصرح بالتحديث. ومع ذلك فإنه لم يتعين هذا في مالك لأنه كان في عصره ابن أبي ذئب، وعبد العزيز الماجشون، وسفيان الثوري، والليث، والأوزاعي، وهؤلاء لا يفضل مالك على واحد منهم. وقد كان بالمدينة من هو أجل من مالك مثل سعيد بن المسيب، فهذا الحديث أَولى به. وقد قال سفيان بن عيينة: لو سئل أَي الناس أَعلم؟ لقالوا: سفيان، يعني الثوري. وقد ضربت آباط الإبل أيام عمر في طلب العلم حقا الذي هو العلم بالحقيقة وهو القرآن والسنن، ولم يكن على وجه الأَرض أَحد أَعلم من عمر. قال

стр. 215

ابن حزم: وإن صح هذا الحديث بهذه الصفة إنما يكون إذا قرب قيام الساعة، وأرَز الإيمان إلى المدينة وغلب الدجال على الأرض حاشا مكة والمدينة. فحينئذ يكون ذلك، وأما نحن الآن فلم تات صفة ذلك الحديث، لأن الفقه انقطع من المدينة جملة واستقر في الآفاق قال: وهذا ظاهر انتهى. وهذا الكلام لا يخلو عن نزاع.
следующие страницы →