Полный текст (380 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
الخمسون:
من وجب عليه حد أو قتل بقصاص أو رجم بالزنا وغيره , فالتجأ إلى الحرم: ففيه للعلماء ثلاثة أقوال.
أحدها: أنه آمن ما دام في الحرم لقوله تعالى: ((ومن دخله كان آمنا)) ولقوله ﷺ : لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما. ولكن يضيق عليه , ولا يكلم , ولا يطعم , ولا يعامل حتى يخرج فيقتل أو يستوفى منه قصاص الطرف. أو الحد إلا أن ينشئ القتل فيه. ونقل عن أبي حنيفة وروى عن عمر وابن عباس وسعيد بن جبير والحكم بن عتبة واسحق بن راهويه والظاهرية , وهي رواية عن أحمد. وعن أبي الزبير المكي قال: لو وجدت في الحرم قاتل أبي ما كلمته.
الثاني: إن كان قاتلا لم يقتل حتى يخرج من الحرم , وإن كانت الجناية فيما دون النفس أقيم عليه الحد , وهي رواية عن أحمد وأبي حنيفة.
الثالث: أن الحدود تقام فيه. ويستوفى القصاص , وهو قول مالك والشافعي , لقوله تعالى: ((ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه)) قال ابن المنذر: واحتج مالك بقتل النبي ﷺ ابن خطل لما وجد متعلقا بأستار الكعبة. فقال النبي ﷺ اقتلوه انتهى. وكذلك أمر ﷺ بقتل الفواسق الخمس
стр. 142
في الحل والحرم , لأنها مؤذيات طبعا , فإذا جاز قتله مع ضعف أذاه , فالقاتل أولى , ولأنه علله بالفسق , والحكم يعم لعموم علته. وقد تقدم في حديث أبي شريح: أن الحرم لا يعيذ قاتلا ولا فارّا بدم , وأما قوله: لا يسفك بها دما , فلا حجة فيه , لأن السفك عبارة عن إراقة الدم بغير حق , ومنه قوله تعالى: ((أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء)) , وأما قوله: ((ومن دخله كان آمنا)) فمعناه الخبر عن تعظيم حرمته في الجاهلية نعمة من الله على أهل مكة كقوله: ((جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس)) , ولو التجأ إلى المسجد الحرام , أو غيره من المساجد أخرج وقتل صيانة للمسجد , وفي وجه أنه يبسط الأنطعة ويقتل في المسجد تعجيلا لتوفية الحق , وإقامة الهيبة قال في الروضة: ولو التجأ إلى الكعبة أو إلى ملك إنسان أخرج قطعا , أما حرم المدينة فيجوز القصاص فيه بالإجماع , ولا خلاف في أن من جنى جناية بحرم مكة , لا أمان له. قال ابن الجوزي وغيره: انعقد الإجماع على ذلك , فإنه اجترا على الله وانتهاك حرمة بيته , وإلحاد فيه. قال تعالى: ((ومن يرد فيه بإلحاد وظلم نذقه من
стр. 143
عذاب أليم)). وفي تفسير القرطبي في سورة البقرة. قال ابن العربي. حضرت بيت المقدس بمدرسة أبي عقبة الحنفي , والقاضي الزنجاني يلقي الدرس يوم الجمعة إذ دخل علينا رجل بهي النظر على ظهره أطمار فسلم بسلام العلماء وتصدر في صدر المجلس فقال له الزنجاني: من السيد؟ فقال: رجل سلبه الشطار أمس وكان مقصدي هذا الحرم وأنا رجل من أهل صاغان من طلبة العلم. فقال الزنجاني: سلوه. فسألوه عن مسألة الكافر إذا التجأ إلى الحرم. هل يقتل أم لا؟ فأفتى بأنه لا يقتل. فسئل عن الدليل فقال: قوله تعالى: ((ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه)) قرئ ولا تقتلوهم ولا تقاتلوهم , فإن قرئ ولا تقتلوهم فالمسألة نص. وإن قرئ: ولا تقاتلوهم فهو تنبيه. لأنه إذا نهى عن القتال الذي هو سبب القتل كان دليلا ظاهرا على النهي عن القتل: واعترض الزنجاني ينصر مذهب مالك والشافعي , وإن لم ير مذهبهما. فقال: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ((فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم)). قال له الصاغاني: هذا لا يليق بمنصب القاضي وعلمه , فإن هذه الآية التي اعترضت بها عامة في الأماكن والتي احتججت بها خاصة , ولا يجوز لأحد أن يقول: العام ينسخ الخاص فأبهت القاضي الزنجاني وهذا من بديع الكلام.
стр. 144
الحادي والخمسون:
تغليظ الدية على من قتل في حرم مكة , وهو الذي لا يجوز دخوله بغير إحرام لقوله تعالى: ((ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه)). ولأنه لما تغلظ بتحريم الصيد كان أولى أن تغلظ في نفوس الآدميين , لأن للحرم تأثيرا في إثبات الأمن. وتغلظ وإن كان القتل خطأ سواء كان القاتل والمقتول معا في الحرم , أو أحدهما فيه دون الآخر واختلفوا في قدر التغليظ. فقال ابن المنذر: وروينا عن عمر بن الخطاب: أنه من قال: من قتل في الحرم أو الأشهر الحرم فعليه الدية وثلث الدية ,وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح وسليمان بن يسار وأحمد بن حنبل وغيرهم. وقالت طائفة: التغليظ جاء في أسنان الإبل لا الزيادة في العدد , وبه قال طاوس والشافعي قال: وممن كان لا يرى التغليظ الحسن البصري والشعبي والنخعي وبه نقول وليس ثبت على ما روى عن عمر وعثمان , وابن عباس في هذا الباب , وأحكام الله على الناس في جميع البقاع واحدة , أما حرم المدينة , فالأصح أنه لا يتغلظ بالقتل فيه وبناه جماعة على الخلاف في ضمان صيدها , إن قلنا: يضمن وهو القديم غُلِّظ به وإلا فلا , ولا يغلظ بالقتل في الإحرام على الصحيح. وقضية كلام الأكثرين اختصاص القول بتغليظه بإحرام القاتل , لكن القاضي الحسين حكى الخلاف في تغليظه بإحرام واحد منها نعم يتغلظ القتل في الأشهر الحرم , وهي ذو القعدة وذو الحجة , والمحرم , ورجب , ولا يلتحق بها
стр. 145
شهر رمضان وإن كان معظما. قال السهيلي: وجعل الله الأشهر الحرم أربعة , ثلاثة سردا , وواحدا فردا. وهو رجب , أما الثلاثة فليأمن الحجاج واردين إلى مكة. وصادرين عنها شهرا قبل (شهر) الحج وشهرا آخر بعده قدر ما يصل إلى البيت من أقصى بلاد المغرب ثم يرجع حكمة من الله , وأما رجب فللعمار يأمنون فيه مقبلين وراجعين , نصف الشهر للاقبال ونصفه للرجوع , إذ لا تكون العمرة من أقاضي بلاد المغرب كما يكون الحج وأقصى منازل المعتمرين خمسة عشر يوما , فكانت الأقوات تأتيهم في الموسم , وفي سائر العام وكان القتال فيها محرما كذلك صدرا من الإسلام ثم أباحته آية السيف وبقيت حرمة الأشهر لم تنسخ قال تعالى: ((منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم)). فتعظيم حرمتها باق , وإن أبيح القتال. وقد روى عن عطاء: أن تحريم القتال فيها حكم ثابت لم ينسخ انتهى. ونقلت من خط الإمام أبي
стр. 146
عمرو بن الصلاح مما نقله من كتاب الانتقام من الطاعن في الإمام الشافعي. تأليف الإمام أبي عبد الله الحسين الحليمي: اختلف أصحابنا في تحريم القتال في الأشهر الحرم فمنهم من قال: إنه ثابت , ولا يجوز ابتداء المشركين فيها بالقتال ولكنهم إن ابتدءوا قوتلوا قدر ما يدفعون به عن المسلمين , وهذا أليق بمذهب الشافعي لأنه يوجب تغليظ الدية في قتل الخطإ إذا كان في الشهر الحرام , أو البلد الحرام , فلو كانت حرمة الشهر الحرام منسوخة لكان كالشهر الحلال , ولم يكن تغليظ الدية لأجله معنى , ومنهم من قال: إنه منسوخ انتهى. وقال القفال في فتاويه: يجوز نصب القتال مع المشركين في الأشهر الحرم. سواء بدؤونا بالقتال أم لا؟
وقوله تعالى: ((فإذا انسلخ الأشهر الحرم)). المراد به ذكر مدة عهد النبي ﷺ معهم إلى أقصى الشهر.
الثاني والخمسون:
ذهب الحسن البصري إلى أنه لا يحل لأحد أن يحمل السلاح بمكة , لأن القتل فيه منهى عنه فلا يحل ما يسببه , ولقوله ﷺ : ((لا يحل لأحد أن يحمل السلاح بمكة)). رواه مسلم من حديث جابر قال القاضي عياض: وهو محمول عند أهل العلم على حمل السلاح لغير ضرورة ولا حاجة , فإن كان حاجة جاز. قال: وهذا مذهب مالك والشافعي وعطاء
стр. 147
وحجتهم دخول النبي ﷺ عام عمرة القضاء بما اشترطه من السلاح في القراب , ودخوله عام الفتح متأهبا للقتال. قال: وشذ عكرمة عن الجماعة فقال: إذا احتاج إليه حمله وعليه الفدية , ولعله أراد إذا كان محرما , ولبس الدرع أو المغفر حتى يوافق الجماعة. وقد أنكر ابن عمر على الحجاج أمره بحمل السلاح في الحرم , وكأنه لكثرة الخلق في أيام الموسم فيخاف أن يصيب أحدا كما قال النبي ﷺ : ((من مشى في مساجدنا أو أسواقنا بنبل , فليأخذ على نصالها لئلا يصيب مسلما)).
الثالث والخمسون:
اختلف الناس في وقت تحريم مكة على قولين حكاهما جماعة منهم الماوردي في الأحكام السلطانية ,
أحدهما أنها مازالت حلالا كغيرها إلى زمن ابراهيم ﵇ فحرمها لظاهر قوله ﷺ : ((إن ابراهيم حرم مكة وإني حرمت المدينة)).
رواه مسلم عن جابر ..
والثاني: أنها لم تزل حراما منذ خلقت السموات والأرض لما في الصحيح إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض)) , الحديث. ثم أظهر الله ذلك على لسان نبيه ابراهيم ليكون سنة لمن بعد. وهذا القول نقله النووي عن الأكثرين .. وقال الطحاوي: إنه الصواب , وبه تتجمع الأحاديث. وقد حصن الله بيته من أصحاب الفيل فلم يجدوا عليه سبيلا. فإن قيل.
стр. 148
فقد وقع في زمن معاوية لما أرسل الحصين بن نمير السكوني فنصب المجانيق على أبي قبيس وغيره من جبال مكة , ورمى الكعبة المعظمة , وكسر الحجر الأسود , وأحرق الكعبة حتى انهدم جدارها. وسقط سقفها بأمر يزيد فلما جاء نعيه انكبوا راجعين. وكان موت يزيد بحوارين من الشام سنة أربع وستين في نصف ربيع الأول , وحمل إلى دمشق , وصلى عليه أخوه خالد , ودفن في مقبرة باب الصغير وقد بلغ ثلاثين سنة, وكانت ولايته ثلاث سنين وثمانية أشهر واثني عشر يوما , وأول حجر من جارة المنجنيق أصاب وجه الكعبة سمع لها أنين وتأوه شديد. ذكره القاضي أبو بكر أحمد بن كامل بن سخرة في كتاب البرهان له , ثم تلا فعله الحجاج بن يوسف فنصب المجانيق. ورمى البيت ودخلها عنوة وصلب ابن الزبير حواري رسول الله ﷺ وابن عجائز الجنة منكسا , ثم تلاه القرامطة. أخذوا الحجر الأسود , واستباحوا حريمه , وقتلو جميع من وجدوا ولم يمنعوا كما منع أصحاب الفيل.
стр. 149
فالجواب إنما لم يمنعوا. لأن الدعوة قد تمت. والكلمة قد بلغت. والجماعة قد ثبتت , وقد أخبر ﷺ بوقوع الفتن بعده وأن الكعبة ستهدم , وأن المدينة ستغزى , فغزاها يزيد بن معاوية , أرسل الجيوش إليها مع مسلم بن عقبة المري – بعثه في عشرة آلاف فارس وسبعة آلاف راجل. فأغاروا عليها ثلاثة أيام. ثم دخلها بالسيف , وقتل من بقايا المهاجرين والأنصار نحو ألف وسبعمائة , وخيار التابعين يوم الحرة , وكانت يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ثلاث وستين من الهجرة. وجالت الخيل في مسجد رسول الله ﷺ , وقال ابن حزم في المرتبة الرابعة. وبالت الخيل وراثت بين القبر والمنبر –نستغفر الله – ولم يصل أحد في المسجد تلك الأيام , ولا كان فيه أحد حاشا سعيد بن المسيب. فإنه لم يفارق المسجد – ولولا شهادة عمرو بن عثمان بن عفان. ومروان بن الحكم له عند مسلم بن عقبة بأنه مجنون لقتله. وهتك مسلم – لعنه الله - الإسلام هتكا , وانتهبت المدينة ثلاثا. واستخف بأصحاب النبي ﷺ , ومدت الأيدي إليهم ونتفت لحية أبي سعيد الخدري , وكان ممن لزم بيته , فأخذوا جميع ما في داره حتى صوف الفرش , وحتى أخذوا زوجين من حمام كان صبيانه يلعبون بهما. وكذلك فعلوا بغيره من الرجال والنساء , وقتلوا من المهاجرين والأنصار ألفا وسبعمائة. ومن أخلاط الناس عشرة آلاف سوى النساء والصبيان , ومن حملة القرآن من قريش
стр. 150
سبعمائة. وأُكره الناس على مبايعة يزيد بن معاوية على أنهم عبيد له , إن شاء باع وإن شاء عتق. وذكر له يزيد بن عبد الله بن زمعة البيعة على حكم القرآن وسنة رسول الله ﷺ , فأمر بضرب عنقه , وأمه حاضرة فلم يرع حرمتها وكانت من المهاجرات الأول , وهي زينب بنت أم سلمة ربيبة رسول الله ﷺ . وهي التي دخلت على رسول الله ﷺ وهي طفلة , وهو يغتسل , فنضح في وجهها الماء فلم يزل ماء الشباب في وجهها حتى عجزت وقاربت المائة. فدعت على مسلم بن عقبة هذا فابتلاه الله بالماء الأصفر في بطنه فمات بعد الوقعة بثلاث ليال بقديد منزلة (من منازل الحاج) وهو يبح كالكلاب.
الرابع والخمسون:
قال أصحابنا: لا يمكن الكافر من دخول حرم مكة , سواء مساجدها , وغيرها. حتى لو جاء في رسالة لا يدخل بل يخرج إليه من يقضي الأمر المتعلق به. هذا هو المشهور. قال شيخنا: ورأيت في كتاب القاضي ابن كج في كتاب الحج: لا يجوز للمشرك عندنا دخول الحرم , فإن احتيج إلى أن يدخل طبيب كافر إليه فذلك جائز للضرورة غير أنه لا يترك مستوطنا به. هذا لفظه بحروفه. وظاهر نص الأم , وإطلاق الجمهور في كتاب الجزية ينازعه. قال الشافعي في الأم هناك: ليس للإمام أن يدع مشركا يطأ الحرم بحال من الحالات. طبيبا كان أو صانعا بنيانا أو غيره انتهى. ولعل ابن كج يحمل النص على غير حالة الضرورة ,
стр. 151
وأغرب القاضي فحكى في الذخائر فقال: هناك: وإن جاء كافر رسولا إلى الإمام في الحرم فقد قال الخراسانيون: يجوز دخوله , لأداء الرسالة.
وقال العراقيون: لا يجوز (قال: وإن جاء ليسلم أو ليسمع كلام الله قال الخراسانيون يجوز له الدخول لذلك وقال العراقيون لا يجوز) بل يخرج إليه من يسمع كلامه وإسلامه , ويسمعه كلام الله تعالى انتهى. وما نقله عن الخراسانيين غريب أو غلط. والموجود في كتبهم التصريح بموافقة العراقيين , وقد صرح بذلك الإمام في كتبه , وولده , والغزالي , والعوراني , والبغوي , وغيرهم , ولم يذكر صاحب الكافي والترغيب من متأخريهم سواه , وأما غير الحرم فيجوز أن يدخل كل مسجد ويبيت فيه بإذن المسلمين وهو مذهب جمهور العلماء. وجوز أبو حنيفة تمكينه من دخول الحرم واحتج أصحابنا بقوله تعالى: ((إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا)). وهذه الآية نزلت في سنة تسع من الهجرة , والمراد بالمسجد الحرام في الآية , الحرم كله , لقوله: ((سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام)) وإنما أسرى به من بيت أم هانئ , أو من بيت خديجة. كما قاله الماوردي والبغوي وكلاهما خارج عن الحرم. ويدل على ذلك قوله تعالى في الآية: ((وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء)). أي إن خفتم انقطاع التجارة عنكم , فاعتصموا بفضل الله , ومعلوم أن ما يخاف من هو في البلد لا في
стр. 152
المسجد نفسه , ولقوله تعالى: ((وإذا قال ابراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا)) إلى أن قال: ((ومن كفر فأمتعه قليلا)). أي بمكة وهو ما قبل فتحها. فدل على تحريمها على الكافر بعد الفتح. (وقد روى عن الشافعي بسنده أنه ﵇ قال: لا يجتمع مسلم ومشرك في الحرم) ولقول ابن عباس: لا يدخل أحد مكة إلا محرما. والكافر لا يمكن إحرامه , فامتنع دخوله. وقال الماوردي في الحاوي: الكافر إن شرط عليه في عقد جزيته ألا يدخل مساجدنا , فليس له دخولها وإن لم يشترط عليه ذلك ففيه ثلاثة مذاهب أحدها: وهو مذهب الشافعي أنه يجوز لهم دخول مساجدنا بأذننا إلا الحرم , ومساجده , فلا يجوز لهم دخوله. والثاني. وهو قول أبي حنيفة أنه يجوز لهم دخول المساجد كلها في الحرم وغيره. والثالث: وهو قول مالك أنه يجوز لهم دخول الحرم ومساجده إلا المسجد الحرام خاصة.
الخامس والخمسون:
لو دخل الكافر خفية ومرض ومات في الحرم , نبش وأخرج منه ما لم يتقطع بخلاف غيره من البلاد.
السادس والخمسون:
يختص ذبح دماء الحيوانات في الحج والهدايا به , ويجب تفريقه على مساكين الحرم سواء الغرباء والقاطنون (والقاطنون) أولى , ولو ذبح في الحل لم يجزئه على الأظهر. وسواء في هذا كله دم التمتع والقران وسائر ما يجب بسبب في الحل والحرم , أو بسبب مباح كالحلق للآدمي أو
стр. 153
بسبب محرم , وأفضل الحرم للذبح في حق الحاج منى , وفي حق المعتمر المروة , لأنهما محل تحللهما. وكذا حكم ما يسوقانه من الهدي.
السابع والخمسون:
من قصد مكة لغير النسك – وكذلك من قصد الحرم كما قاله النووي ونقل اتفاق الأصحاب عليه – فإن كان لا يتكرر دخوله كالتاجر , والرسول والمكي العائد من سفره ففي وجوب إحرامه بنسك قولان, أظهرهما عند المسعودي وغيره , وجوبه للإطباق على فعله , وبه قال ابن عباس , وصححه النووي في نكت التنبيه , وقال في البيان إنه الأشهر , وأصحهما في الشرح الصغير للرافعي والمحرر والمنهاج ورجحه الشيخ أبو حامد وغيره – استحبابه , ومحل الخلاف في الوجوب , أما الترك فمتفق على كراهته , فإن أوجبناه فتركه , فقد قيل: لا قضاء عليه , لعدم إمكانه , فإنه لو خرج ليقضى ’ فعوده يقتضي إحراما جديدا فلا يمكنه تأدية القضاء لذلك وعلى هذا , لو كان صيادا , أو حطابا , وجب عليه ونسب ذلك في المهذب إلى صاحب التلخيص. وقيل: يجب القضاء , وطريقه , أن يتصور بصور المترددين الذين لا يلزمهم الإحرام للدخول كالحطابين. قال الإمام وهو في غاية البعد. قال صاحب التلخيص: وكل عبادة واجبة على المرء إذا تركها فإن عليه القضاء أو الكفارة إلا واحدة , وهي الإحرام لدخول مكة , فإنه واجب ومن تركه فلا قضاء عليه , ولا كفارة إلا في مسألة واحدة. قتلها تخريجا. وهو أن رجلا دخل مكة بغير إحرام ولم يكن
стр. 154
حطابا فلا قضاء عليه , وإن كان حطابا فعليه القضاء في القول الذي لا يوجب الإحرام على الحطابين انتهى. وإن كان يتكرر دخوله كالحطاب والصياد فقيل: بطرد القولين. والأصح القطع بأنه لا يجب لعظم المشقة. وقيل: يلزمهم كل سنة مرة هذا كله إذا كان الداخل غير مقاتل , فإن دخل مقاتلا أو خائفا من قتال باغ أو قاطع طريق , أو خائفا من ظالم لتعذر ظهوره بالنسك كما اتفق عام الفتح فلا يجب , لأن رسول الله ﷺ دخل مكة عام الفتح , وعلى رأيه المغفر ولو كان محرما لم يلبسه. وقد كان خائفا من غدر الكفار وعد قبولهم للصلح الواقع بينه وبين أبي سفيان. هكذا استدل به أصحابنا , وهو مردود ,لأن من خصائصه ﵇ دخول مكة بغير إحرام , وإن قلنا بالوجوب على غيره كما ورد في كتاب النكاح , اللهم إلا أن يقال: الداخلون معه لم ينقل عنهم إحرام ولا أنه أمرهم به واستدل بعضهم بما روى مسلم عن جابر أنه ﵊. دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء بغير إحرام وللعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال: النفي , والإثبات , والتفصيل بين من هو داخل المواقيت. ومن هو قبلها , فمن قبلها لا يجاوزها إلا بإحرام ومن هو داخلها فله حكم أهل مكة , وهذا قول أبي حنيفة. والقولان الأولان للشافعي وأحمد.
الثامن والخمسون:
لا دم على المتمتع والقارن إذا كان من أهل مكة لقوله تعالى: ((ذلك لمن
стр. 155
لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام)). وهل المراد من دون مرحلتين من مكة أو من الحرم؟ وجهان , أصحهما عند الرافعي الأول , وعند النووي الثاني , ويتأيد بما قاله الماوردي وغيره أن المراد بالمسجد الحرام في هذه الآية , الحرم كله.
التاسع والخمسون:
لا يجوز إحرام المقيم به بالحج إلا فيه , ولو أحرم خارجه كان مسيئا.
الستون:
إنه يجب قصده للحج والعمرة على المستطيع , ولا يجب ذلك في موضع آخر بالاتفاق وبهذا احتج الشيخ عز الدين لتفضيله على المدينة. قال , لأنه إذا كان للملك داران وأوجب على رعيته إتيان أحداهما دون الأخرى دل ذلك على أن اهتمامه بتلك أقوى. وأنها أرجح عنده من الأخرى.
الحادي والستون:
إن التلبية تستحب للمحرم في مساجد النسك , كالمسجد الحرام , ومسجد الخيف بمنى , ومسجد إبراهيم بعرفة , وأما غيرها فقولان , القديم , أنه لا يسن فيها حذرا من التشويش على المتعبدين بخلاف المساجد الثلاثة السابقة , فإنها معهودة فيها , والجديد. نعم. لعموم الأخبار.
стр. 156
الثاني والستون:
كره مالك القران لأهل مكة. وهو الجمع بين الحج والعمرة , وقال أبو حنيفة: لا يجوز ذلك للمكي , فإن فعل فعليه هدي. وقال: إن تمتع فلا شيء عليه , ففرق بين دم القران والتمتع. وقال ابن مسدى: تقر على أصول أبي حنيفة ومالك والشافعي أن المكي لا يجوز له أن يحرم إلا بحج مفرد , وهو مذهب جمهور العلماء إلا أن مالكا والشافعي وأحمد قالوا: إن تمتع أو قرن لزمه , ولا يلزمه لهادم بالنص.
الثالث والستون:
كره مالك لأهل مكة والمجاورين بها الاعتمار. وقال: يا أهل مكة , ليس عليكم عمرة , إنما عمرتكم الطواف بالبيت , وهو قول عطاء وطاوس بخلاف غيرهم من أهل الآفاق فإنها واجبة عليهم وحكى ذلك عن أحمد أيضا إلا أن أبا يعلى ابن الفراء من أصحابه تأول قول أحمد: لا عمرة على أهل مكة , فقال: يريد بذلك لا عمرة عليهم مع حجهم , لأنهم قد تقدم منهم فعلها في أثناء السنة في غير وقت الحج. قال ابن مسدي: وقول أحمد هو قول لأهل الأثر , ولم يكن أبو يعلى من الخائضين في غمار الآثار. والإكثار من العمرة مستحب عند الجمهور منهم الشافعي وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل , وأهل الظاهر , ونقله ابن حزم عن علي بن أبي طالب وابن عمرو وابن عباس وأنس وعائشة ومن التابعين عكرمة وعطاء وطاوس ,
стр. 157
وكذلك قال ابن المنذر في الإشراف. وخالف مالك فقال: لا يعتمر في السنة إلا مرة واحدة , فإن اعتمر بعدها لزمته. نقله القرافي , في الذخيرة. وحكاه ابن حزم عن سعيد بن جبير , والحسن البصري , ومحمد بن سيرين وابراهيم النخعي واحتجوا بأن رسول الله ﷺ لم يعتمر في عام إلا مرة واحدة. قال في المحلي: ولا حجة فيه , وإنما يكره ما حض على تركه وهو أنه ﵇ ما حج منذ هاجر إلا حجة واحدة , ولا اعتمر منذ هاجر إلا ثلاث عمر , وعمرة مع حجته , فيلزمهم أن يكرهوا الحج إلا مرة واحدة في العمر. قلت: وقد روى الترمذي عن جابر: أن رسول الله ﷺ حج ثلاث حجج حجتين قبل الهجرة , وحجة معها عمرة , لكن فيه ضعف , وفي الصحيح عن أنس: أنه ﵇ اعتمر أربع عمر , إحداها في رجب وأنكرته عائشة. قال ابن العربي في العارضة: وإنكارها صحيح , وإنما هي عمرة الحديبية , المصدود عنها وعمرة القضاء , وعمرة الجعرانة , وعمرة مع حجة. قال ابن حزم: ويلزمهم أن يكرهوا العمرة إلا ثلاث مرات في العمر والدهر. وهو خلاف قولهم وقد حض النبي ﷺ على العمرة , وأخبر أنها تكفر ما بينها وبين العمرة الثانية كما ثبت في الصحيحين , وفي السنن: تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما تنفيان الفقر والهون كما ينفي الكير خبث الحديد والفضة
стр. 158
والذهب. رواه الترمذي. وصححه وروى الدارقطني عن عائشة مرفوعا من مات حاجا أو معتمرا لم يعرض ولم يحاسب , وقيل له: ادخل الجنة. وكان علي يعتمر في كل شهر مرة. رواه سعيد بن منصور. واعتر ابن عمر في عام واحد عمرتين واعتمرت عائشة ثلاث مرات في عام واحد. رواها ابن حزم. وعن أنس: أنه أقام بمكة , فكان كلما جمم رأسه خرج. فاعتمر , رواه ابن حزم. قال المحب الطبري: يروى بالحاء المهملة: أي أسود وصلح للحلاق ويروي بالمعجمة من الجمة. انتهى. وصوابه الجيم , إذ المعجمة والمهملة إنما يذكران فيما يلتبس في الخط. وقد أفردت الكلام على التفضيل بين العمرة والطواف في جزء.
الرابع والستون:
مذهبنا أن مكة فتحت صلحا لا عنوة لكن دخلها ﷺ للقتال خوفا من غدر أهلها.
الخامس والستون:
استحب السلف للقادم من مكة ألا يخرج منها حتى يختم القرآن جميعه لا سيما في الطواف وروى استحباب ذلك في المساجد الثلاثة التي تشد إليها
стр. 159
الرحال. قال ابراهيم النخعي: كان يعجبهم إ ذا قدموا مكة ألا يرجعوا حتى يختموا القرآن. رواه سعيد بن منصور.
السادس والستون:
يجب على من خرج من مكة – وإن يكن قد حج أو اعتمر. إلى مسافة تقصر فيها الصلاة مكيا أو غير مكيا – أن يطوف للوداع تعظيما للحرم على أصح الوجهين , وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا ينفرن أحد جتى يكون آخر عهده بالبيت)) , هكذا قال الرافعي: وهو بناء على أنه ليس من المناسك وبه صرح النووي أيضا.
لكن نص الشافعي في الأم على أنه من المناسك فيقتضي اختصاص الطواف بالخارج إلى وطنه حاجا كان أو معتمرا.
السابع والستون:
يستحب أن ينوي الاعتكاف كلما دخل المسجد فإنه يحتسب له , ويثاب عليه ولو في لحظة , وينبغي أن يهتم بهذا. ولا يتغافل عنه لتحصل له فضيلة العاكفين فيه , إذ لا تحصل إلا بالنية , وكذلك يستحضر قوله ﷺ لذين يظلهم الله في ظله: ((ورجل قلبه معلق بالمساجد)).
الثامن والستون:
يستحب التطيب لزيارة البيت لغير المحرم , ففي الصحيح عن عائشة: ((طيبت رسول الله ﷺ لحله حين يريد أن يزور البيت)).
стр. 160
التاسع والستون:
استحب جماعة من السلف استلام الحجر عند الخروج من البيت سواء كان عقب طواف أم لا. روى ذلك عن ابن عمر وسعيد بن جبير , وطاوس وابراهيم النخعي وغيرهم , وحكى ابن أبي زيد: في النوادر عن مالك في الموازية: أنه لا بأس به.
السبعون:
يستحب تطييب الكعبة قالت عائشة: لأن أطيب الكعبة أحب إلى من أن أهدي لها ذهبا أو فضة. وقالت: طيبوا البيت , فإن ذلك من تطهيره.
تعني قوله: ((وطهر بيتي)). وخلّق ابن الزبير جوف الكعبة أجمع. وكره مالك وأحمد بن حنبل تخليقها أيام الحاج. وقد تقدم أنه لا يجوز أخذ شيء منه وأن من أراده للتبرك أتى بطيب من عنده فمسحها به ثم أخذه.
الحادي والسبعون:
إنها دار إسلام أبدا لا يتصور فيها خلافة. وهذا أحد التأويلين في قوله ﷺ : لا هجرة بعد الفتح , أي من مكة , لأنها دار إسلام , وإنما تكون الهجرة من دار الحرب , وهذا يقتضي معجزة لرسول الله ﷺ بأنها تبقى دار إسلام , لا يتصور منها الهجرة , وقيل: بل معناه: لا هجرة بعد الفتح , فضلها كفضلها قبل الفتح. وفي صحيح
стр. 161
مسلم في كتاب العظمة والأهوال عن أبي سفيان عن جابر قال: ((سمعت النبي ﷺ يقول: إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب , ولكن في التحريش بينهم)).
الثاني والسبعون:
المحافظة على الموت بها فروى الدارقطني عن أحمد بن محمد بن أبي شيبة حدثنا محمد بن هشام المروروذي. ثنا محمد بن الحسين. الهمداني. ثنا عائذ المكتب عن طاء بن أبي رباح عن عائشة مرفوعا: من مات في هذا الوجه من حاج أو معتمر لم يعرض ولم يحاسب , وقيل له: ادخل الجنة. ورواه البيهقي في شعب الإيمان من حديث محمد بن إسحق عن حميد عن عطاء عن أبي هريرة مرفوعا , من خرج حاجا أو معتمرا , أو غازيا ثم مات في طريقه كتب الله له أجر الغازي والحاج والمعتمر إلى يوم القيامة , ورواه صاحب التذكرة والتبصرة من رواية محمد بن اسماعيل القرشي المدني. ثنا عبيد الله بن نافع عن مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر مرفوعا: من مات بين الحرمين حاجا أو معتمرا بعثه الله يوم القيامة لا حساب عليه , ولا عذاب. ورواه الدارقطني من حديث حاطب. من مات بأحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة , وأخرج البزار في مسنده عن ابن جريج عن ابراهيم ابن أبي خداش عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: ((نعم المقبرة
стр. 162
هذه)) قال ابن جريج: يعني مقبرة مكة. قال البزار: وهذا لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه. وابراهيم بن أبي خداش رجل من أهل مكة لا يعلم حدث عنه إلا ابن جريج.
الثالث والسبعون:
اختلف السلف أيما أفضل البداءة بمكة أو المدينة؟ وهي مسألة عزيزة , وممن نص عليها , وحكى الخلاف فيها ابن أبي شيبة في مصنفه , والإمام أحمد في كتاب المناسك الكبير له. رواها ابن ناصر بإسناده إلى عبد الله ابن أحمد عن أبيه. قال في هذه المناسك سئل عمر عمن يبدأ بالمدينة قبل مكة؟ فذكر بإسناده عن عبد الرحمن بن يزيد وعطاء ومجاهد قالوا: إذا أردت مكة فلا تبدأ بالمدينة وابدأ بمكة , فإذا قضيت حجك فامرر بالمدينة إن شئت , وبإسناده عن ابراهيم النخعي ومجاهد: إذا أردت مكة , فاجعل كل شيء لها تبعا , وذكر بإسناده عن عدي بن ثابت أن نفرا من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يبدءون بالمدينة إذا حجوا. يقولون: نهل من حيث أحرم رسول الله ﷺ , وذكر ابن أبي شيبة في مصنفه هذا الأثر أيضا عن وكيع عن اسرائيل عن جابر عن عدي بن ثابت به , ثم روى بإسناده عن علقمة والأسود وعمرو بن ميمون أنهم بدءوا بالمدينة قبل مكة. وقال الموفق بن قدامة الحنبلي: قال أحمد: وإذا حج الذي لم يحج قط – يعني من غير الشام , لا يأخذ على طريق المدينة , لأني أخاف أن يحدث به حدث فينبغي أن يقصد مكة من أخصر الطرق , ولا يتشاغل بغيره وممن نص على هذه المسألة أيضا الإمام أبو حنيفة وقال: الأحسن أن يبدأ بمكة , حكاه أبو الليث السمرقندي. وقال العبدي المالكي
стр. 163
في شرح الرسالة: أن المشي إلى المدية لزيارة قبر رسول الله ﷺ أفضل من الكعبة, ومن بيت المقدس.
الرابع والسبعون:
انعقد الإجماع كما قال القاضي بن عياض وغيره – على أن أفضل بقع الأرض على الإطلاق المكان الذي ضم جسده ﷺ وعلى أن مكة والمدينة أفضل بقاع الأرض بعده. ثم اختلفوا في أيها أفضل؟ فذهب عمر وغيره من الصحابة إلى تفضيل المدينة , وهو قول مالك وأكثر المدنيين. وذهب الشافعي وأحمد وأبو حنيفة وأكثر العلماء إلى تفضيل مكة. وبه قال ابن وهب وابن حبيب وأصبغ من المالكية. قال العبدري وهو مذهب أكثر الفقهاء , قال ابن حزم: روى القطع بتفضيل مكة على المدينة عن رسول الله ﷺ جابر وأبو هريرة وابن عمر وابن الزبير وعبد الله بن عدي , منهم ثلاثة مدنيون بأسانيد في غاية الصحة. وهو قول جميع الصحابة أو جمهورهم. وقال ابن عبد البر: إنه روى عن عمر وعلي وابن مسعود وأبي الدرداء وجابر قال: وحسبك بفضل مكة , أن فيها بيت الله الذي رضى الله بحط أوزار العباد بقصده في العمر مرة ولم يقبل من أحد صلاة إلا باستقبال جهته إذا قدر على التوجه إليها وهي قبلة المسلمين أحياء وأمواتا انتهى. والحجة فيه أحاديث , الأول – ما رواه النسائي والترمذي وابن ماجه من حديث عبد الله بن عدي بن الحمراء الزهري أنه سمع رسول الله ﷺ وهو واقف على راحلته
стр. 164
بمكة يقول: لمكة: والله إنك لخير أرض الله , وأحب أرض الله إلى الله ولولا أني أخرجت منك ماخرجت. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال ابن حزم: سنده في غاية الصحة وأخرجه ابن حبان في الصحيح ورواه أحمد في مسنده ولفظه والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله.
الثاني: مارواه النسائي أيضا من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ في سوق الحزورة: يا مكة والله إنك لخير أرض الله وأحب البلاد إلى الله , ولولا أني أخرجت منك ما خرجت. قال الدارقطني أصحاب الحديث يقولون: الحزورة بالتشديد. وقال اللغويون: هي الحزورة مخففا وقال ابن الأثير في النهاية: الحزورة موضع بمكة عند باب الحناطين , وهي بوزن قسورة. قال الشافعي: الناس يشددون الحزورة والحديبية. وهما مخففان.
الثالث: مارواه الترمذي وصححه عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال لمكة: ما أطيبك وأحبك إلي؟!! ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض. الحديث وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع: أي بلد تعلمونه أعظم حرمة؟ قالوا: لا. قال: بلدنا إلى آخره. ومن طريق أبي صالح عن جابر وابن عمر أنهما يشهدان أن رسول الله ﷺ سأل الناس: أي بلد أعظم حرمة؟ فأجابوه بأنه مكة. وهذا إجماع من الصحابة بتقريره ﷺ . وقد تقدم
стр. 165
تضعيف الحسنات فيها وغير ذلك. ونحن لا ننكر فضل المدينة. كيف وقد ورد فيها ما ورد؟! ففي الصحيحين عن أنس: أن رسول الله ﷺ . قال: اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة.
ودعوة رسول الله ﷺ مستجابة بلا شك. وفي الصحيح أن الملائكة يحرسونها لا يدخلها الطاعون ولا الدجال وأنه ﷺ حرم ما بين لا بتيها , وأنه لا يصبر أحد على لأوائها إلا كنت له شفيعا يوم القيامة وهذه الأحاديث تدل على إثبات الفضيلة لا الأفضلية. واحتج من ذهب إلى تفضيل المدينة بأمور منها – أن الله تعالى بدأ بها في قوله: ((وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق)). والمخرج الصدق: مكة. والمدخل الصدق: المدينة. والسلطان النصير: الأنصار. وكان القياس أن يبدأ بمكة , لأنه خرج منها قبل أن يدخل المدينة. ويأبى الله أن ينقل نبيه إلا إلى ما هو خير منه. والجواب أن البداءة بها في الذكر لا يعين أفضليتها , وإنما التقديم غايته الاهتمام. واهتمامه بأمر المدخل أعظم من المخرج. فإنه حاصل فيه. فلهذا بدأ به , ومنها ما في الصحيح من قوله ﷺ : صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام. وتأولوه على أن الصلاة في مسجد المدينة أفضل من الصلاة بمسجد مكة بدون الألف. قلت: وعندنا أن المراد إلا المسجد الحرام , فإنه أفضل من مسجدي , ويحتمل
стр. 166
إلا المسجد الحرام , فإن الصلاة فيهما سواء , فهذه ثلاث احتمالات , فلا يصار إلى شيء منها إلا بدليل خارجي. وهو معنا , فيتعين المصير إليه وهو حديث عبد الله بن الزبير: صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام , وصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة , رواه أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه وإسناده على شرط الصحيح , وقد تقدم الكلام على هذا الحديث وشواهده الكثيرة. بمزيد بسط في الرابع والعشرين فلا يحتاج إلى إعادته , ومنها ما رواه الطبراني في معجمه الكبير والبخاري في تاريخه بإسنادهما عن رافع بن خديج قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: المدينة خير من مكة. وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن الرداد. وقد تكلم فيه. قال أبو حاتم: ليس بقوي. وقال ابن عدي: عامة روايته ليس محفوظة , وقال ابن عبد البر: هو حديث ضعيف لا يحتج به. وقيل: إنه موضوع. وقال الذهبي في ميزانه ليس هو , وقد صح في مكة خلافه ومنها ما رواه الحاكم في المستدرك من قوله ﷺ : اللهم إنك أخرجتني من أحب البقاع إلي , فأسكني في أحب البقاع إليك. وعنه جوابان , أحدهما أنه حديث لا يصح. قال ابن عبد البر في الاستذكار: لا يختلف أهل العلم في نكارته ووضعه وقال ابن حزم في كتاب الأحكام: وهو حديث لا يسند , وإنما هو مرسل. ورواه ابن وهب في موطئه من طريق محمد بن الحسن بن زبالة عن محمد بن اسماعيل عن سليمان بن بريدة أو غيرة: أن النبي ﷺ حين أمره الله بالخروج قال: اللهم إنك أخرجتني
стр. 167
من أحب بلادك إلي فأسكني أحب البلاد إليك. قال فهذا مرسل. ومحمد بن الحسن بن زبالة ضعيف هالك.
الثاني: على تقدير صحته: أنه أراد أحب البقاع إليك بعد مكة بدليل حديث النسائي السابق , إن مكة خير بلاد الله. وهذا التأويل متعين لتجتمع به الأحاديث. ولا تتضاد , ويدل له قوله في الحديث فأسكني في أحب البقاع إليك. وهذا المساق يدل في العرف على أن المراد به بعد مكة , فإن الإنسان لا يسأل ما أُخرج منه , فإنه قال: أخرجتني فأسكني فدل , على إرادة غير المخرج منه. وتكون مكة مسكوتا عنها في الحديث. قال الشيخ عز الدين في قواعده: هذا الحديث لا يصح عن النبي ﷺ , وإن صح فهو من المجاز من باب وصف المكان بصفة ما يقع فيه. ولا يقوم به قيام العرض بالجوهر كقوله: بلدة طيبة , وصفها بالطيب الذي هو صفة لهوائها. وكذلك الأرض المقدسة , فكذلك وصفه بكونه محبوبا هو وصف لما حصل فيه مما يحبه الله ورسوله. وهو إقامة رسول الله به وإرشاده أهله إلى ما بعث به. قال: وأحسن من هذا أن يكون المعنى أخرجتني من أحب البقاع إلي في أمر معاشي. فأسكني في أحب البقاع إليك في أمر معادي. قال: وهذا متجه ظاهر انتهى. ومنها: أن عمر قال لعبد الله ابن عياش بن أبي ربيعة أنت القائل مكة خير من المدينة؟ فقال له عبد الله: هر حرم الله وأمنه وفيها بيته فقال له عمر: لا أقول في حرم الله ولا في
стр. 168
بيته شيئا , قال ابن حزم. هذا حجة عليهم لا لهم , لأن عمر لم ينكر على عبد الله ما استدل به بل أقره على ذلك ونحن نوجدهم عن عمر تصريحا بأفضلية مكة. وهو ما رواه ابن وضاح عن حامد بن يحيى البلخي ثنا ابن عيينة عن زياد بن سعد أنا سليمان بن عتيق. سمعت عبد الله بن الزبير سمعت عمر بن الخطاب يقول: صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجد النبي ﷺ . قال ابن حزم: فهذا سند كالشمس في الصحة. وروى مثل ذلك عن ابن الزبير قال ابن مهدي: فهذان صاحبان: لا يعرف له مخالف من الصحابة. ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن عبد الكريم الجزري عن سعيد بن المسيب قال: ومن نذر أن يعتكف في مسجد إيلياء , فاعتكف في مسجد النبي ﷺ أجزأ عنه. ومن نذر أن يعتكف في مسجد النبي ﷺ فاعتكف في المسجد الحرام أجزأ عنه , فهذا فقيه أهل المدينة يصرح بفضل مكة على المدينة , ومنها صح قوله ﷺ . ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة. وصح أنه ﵇ قال: لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها. وبمجموع الحديثين ثبت أن المدينة خير الأرض , وهذا الاستدلال تبجح به بعض أهل العصر وادعى أنه القطعى في الباب , وهو مردود لأنه ليس المراد بكونها روضة من رياض الجنة أنها قطعة منها , بل العمل فيها موصل إلى الجنة. فلا يتلاقى مع الحديث الآخر , ولأنه ليس فيه إلا فضل هذه البقعة بخصوصها , وليس
стр. 169
الكلام إلا في مطلق المدينة خلا قبر النبي ﷺ , وقال الشيخ عز الدين فضلت مكة المدينة من وجوه.
أحدها: وجوب قصدها للحج والعمرة وهما واجبان لا يقع مثلهما بالمدينة.
الثاني: إن فضلت المدينة بإقامته ﷺ فيها بعد النبوة (كانت مكة أفضل منها لأنه أقام بها بعد النبوة ثلاث عشرة أو خمس عشرة سنة وأقام بالمدينة عشرا).
الثالث: إن فضلت المدينة بكثرة الطارقين من عباد الله الصالحين. فمكة أكثر طارقا منها سيما من الأنبياء والمرسلين , آدم فمن دونه الذين حجوها.
الرابع: التقبيل والاستلام ضرب من الاحترام وهما مختصان بالركنين اليمانيين. ولم يوجد مثل ذلك في المدينة.
الخامس: أن الله تعالى: أوجب علينا استقبالها في الصلاة حيثما كنا.
السادس: أن الله تعالى حرم استقبالها واستدبارها عند الحاجة.
السابع: أن الله تعالى حرمها يوم خلق السموات والأرض.
الثامن: أن الله تعالى بوأها لإبراهيم وابنه إسماعيل ومولدا لسيد المرسلين , صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
стр. 170
التاسع: أن الله جعلها حرما آمنا في الجاهلية والإسلام.
العاشر: لا يدخلها أحد إلا بحج أو عمرة وجوبا أو ندبا.
الحادي عشر: قال فيها : ((إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام)).
الثاني عشر: أنه اغتسل لدخولها فهو مسنون
قال ابن حزم: والمراد بمكة في قولنا: هي أفضل , الحرم كله وما وقع عليه اسم عرفات فقط , ويليها في الفضل المدينة يعني حرمها وحده ثم بيت المقدس يعني المسجد الأقصى وحده انتهى.
الخامس والسبعون:
إن الصلاة وإن كانت مكروهة في المقابر كما جاء في الحديث ونص عليه الفقهاء لكن يستثنى منه مقابر الأنبياء صلوات الله عليهم , وإن لم يصرح به الفقهاء. لأن الله تعالى عصم ذواتهم الشريفة عن أكل الأرض وإنما ذكرت هذا لأن البيهقي ذكر في مناقب أحمد بن حنبل – وهو كثير الفوائد – أن أحمد بن حنبل روى فقال: حدثنا يحيى بن سليم الطائفي
стр. 171
عن عبد الله بن عثمان عن خيم عن عبد الرحمن بن ساباط عن عبد اله بن ضمرة السلولي قال: ما بين المقام إلى الركن إلى بئر زمزم إلى الحجر قبر سبعة وسبعين نبيا جاءوا حاجين فماتوا فقبروا هناك. قال أحمد بن حنبل: لم أسمع من يحيى بن سليم غير هذا الحديث الواحد انتهى.
وقد اشتهر أن قبر اسماعيل وأمه في الحجر ومع ذلك فلم يقل أحد بكراهة الصلاة فيه بل فيه ما فيه من الأجر العظيم والثواب الجزيل. وكذلك مسجد الخيف قال الطبراني: في معجمه حدثنا عبد الله بن أحمد. ثنا عيسى بن شاذان. ثنا أبوهمام الدلال ثنا إبراهيم بن طهمان عن منصور عن مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : في مسجد الخيف قبر سبعين نبيا. وقال أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي مما وقع لي في تأملات الحج: السلام على قبور الأنبياء كآدم , ومن تبعه فقد روى أنه ما من نبي خرج بعد عذاب قومه إلا إلى مكة ودفن بها وأن بها مثين أو ألوفا من الأنبياء.
السادس والسبعون:
روى عن بعض السلف: أن الملك إذا نزل إلى الأرض في بعض أمور الله تعالى: فأول ما يأمره الله تعالى به زيارة البيت. فينقض من تحت العرش
стр. 172
محرما ملبيا حتى يستلم الحجر ثم يطوف بالبيت سبعا ويركض ركعتين ثم يغدو لحاجته بعد.
السابع والسبعون:
ذكر جماعة: أنه البيت المعمور الذي أقسم الله به. حكى ذلك عن ابن عباس والحسن , معمور بمن يطوف به , وعن محمد بن عباد بن جعفر أنه كان يستقبل الكعبة ويقول: واحد بيت ربي , ما أحسنه , وأجمله؟ هذا والله البيت المعمور. وقيل: هو البيت الذي بناه آدم أول ما نزل إلى الأرض فرفع إلى السماء أيام الطوفان يدخله كل يوم سبعون ألف ملك. والملائكة تسمية الضراح بالضاد المعجمة. لأن ضرح عن الأرض إلى السماء , أي بعد عنها. وقال أبو الطفيل: سمعت عليا – وسئل عن البيت المعمور فقال: ذلك الضراح , بيت بحيال الكعبة يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه حتى تقوم القيامة. وقال الزمخشري في ربيع الأبرار: ويقال له: الضريح , ومن قال الضراح فهو اللحن الصراح وقيل: البيت المعمور في السماء الدنيا وقيل: في الرابعة. وقيل في السادسة. وقيل: في السابعة وقيل: غير ذلك. وقال أبونعيم الحافظ في مستخرجه على صحيح البخاري: حدثنا عمرو بن حمدان ثنا الحسن بن سفيان. ثنا هدبة ثنا همام بن يحيى عن قتادة ثنا الحسن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله
стр. 173
عليه وسلم أنه رأى البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك فلا يعودون إليه. قال: هذا الحديث علقه البخاري في باب ذكر الملائكة فقال: وقال همام عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة: في البيت المعمور , ولم يزد. انتهى. فإن قيل: هذا مرسل , لأن ابن أبي حاتم ذكر في كتاب المراسيل عن ابن المديني وأبي زرعة وغيرهما أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة والجواب أن الصحيح ثبوت سماعه منه. وحكاه الدارقطني عن موسى بن هرون وغيره. ونص عليه أبو حاتم ابن حبان في صحيحه. وهو ظاهر كلام البخاري. وشرط مسلم لإمكان لُقيّه.
الثامن والسبعون:
كونه بواد غير ذي زرع , والأرزاق من كل قطر تجلب إليه من قريب ومن بعيد.
التاسع والسبعون:
ذكر أبو القاسم العتقي من المالكية قال: سمعت أن الحرم يعرف بألا يجئ سيل من الحل فيدخل الحرم. قال ابن عطية في تفسيره وهذا , لأن الله تعالى جعله بربوة أو في حكمها ليكون أصون له.
الثمانون:
ذكر مكي وغيره أن الطير لا تعلوه وإن علاه طائر , فإنما ذلك لمرض
стр. 174
به يستشفى بالبيت. قال ابن عطية: وهذا عندي ضعيف والطير يعاين بعلوه , وقد علته العقاب التي أخذت الحية المشرفة على جداره.
وتلك كانت من آياته انتهى. وليس في هذا ما ينافي كلام مكي.
الحادي والثمانون:
ما ذكره الناس قديما وحديثا أنه إذا عم المطر من جوانبه الأربع في العام الواحد أخصبت آفاق الأرض. وإن لم يصب جانبا منه لم يخصب ذلك الأفق الذي يليه ذلك العام.
الثاني والثمانون:
أمر الفيل ورمى طير الله عنه بحجارة السجيل , وكف الجبابرة عنه على وجه الدهر.
الثالث والثمانون:
ذكر ابن هشام في سيرته: أن الماء لم يصل إلى البيت المعظم حين الطوفان ولكنه قام حولها وبقيت هي في هواء السماء , وأن نوحا قال لأهل
стр. 175
السفينة – وهي تطوف بالبيت: إنكم في حرم الله وحول بيته فأحرموا لله ولا يمس أحد امرأة , وجعل بينهم وبين النساء حاجزا فتعدى بنو حام فدعا نوح أن يسود لون بنيه. وقيل في سبب دعوة نوح على حام غير هذا. وذكر يحيى بن سلام عن ابن عباس قال: أول من عاذ بالكعبة حوت صغير من حوت كبير فعاذ منه بالكعبة. وذلك أيام الطوفان.
الرابع والثمانون:
إنه لا يدخله أحد إلا متواضعا خاشعا متذللا مكشوف الرأس متجردا عن لباس الدنيا بخلاف غيره من البقاع.
الخامس والثمانون:
إنه سبحانه أقسم به في موضعين من كتابه فقال: ((وهذا البلد الأمين)) وقال: ((لا أقسم بهذا البلد)) أي أقسم , لأن لا في هذا الموضع عند النحويين صلة.
السادس والثمانون:
أنه أضافه لنفسه في قوله تعالى: ((وطهر بيتي للطائفين)) وناهيك بهذه الإضافة المنوهة بذكره المعظمة لشأنه , الرافعة لقدره – وهي السر في إقبال قلوب العالمين عليه وعكوفهم لديه:
стр. 176
أطوف به والنفس بعد مشوقة ... إليه وهل بعد الطواف تداني
وألثم منه الركن أطلب بردما ... بقلبي من شوق ومن هيمان
فو الله ما أزداد إلا ... صبابة ... ولا القلب إلا كثرة الخفقان
فيا جنة المأوى ويا غاية المنى ... ويا منيتي من دون كل أماني
أبت غلبات الشوق إلا تقربا ... إليك فما لي بالعباد يدان
وماكان صدي عنك صد ملالة ... ولي شاهد من مقلتي ولساني
دعوت اصطباري عنك بعدك والبكا ... فلبى البكا والصبر عنك عصاني
وقد زعموا أن المحب إذا نأى ... سبيلي هواه بعد طول زمان
ولو كان هذا الزعم حقا لكان ذا ... دواء الهوى في الناس كل أوان
يل إنه يبلى التصبر والهوى ... على حاله لم يبله الملوان
وهذا محب قاده الشوق والهوى ... بغير زمام قائد وعنان
أتاك على بعد المزار ولو ونت ... مطيته جاءت به القدمان
السابع والثمانون:
أنه سبحانه عطف القلوب والأفئدة إليه دون غيره من البلاد , فهي للقلوب أعظم من جذب المغناطيس للحديد. فهو أولى بقول القائل.
محاسنة هيولى كل حسن ... ومغناطيس أفئدة الرجال
ولهذا أخبر سبحانه أنه مثابة للناس أي يثوبون إليه على تعاقب الأعوام
стр. 177
من جميع الأقطار ولا يقضون منه وطرا بل كلما قربوا منه , ازدادوا شوقا.
لا يرجع الطرف عنها حين يبصرها ... حتى يعود إليها الطرف مشتاقا
والسر في هذا التوقان دعاء الخليل ﷺ في قوله: ((فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم)) وما يروى أن الله تعالى يلحظ الكعبة في كل عام لحظة في ليلة نصف شعبان فعند ذلك تحت إليها قلوب المؤمنين.
وقيل: سبب الشوق أنه أخذ الميثاق من بني آدم ثم وهذا منزع إلى أن حب الوطن من الإيمان.
الثامن والثمانون:
روى في حديث: وعد هذا البيت أن يحجه كل سنة ستمائة ألف , فإن نقصوا أكملهم الله بالملائكة.
التاسع والثمانون:
روى أن الكعبة تحشر كالعروس المزففة , ومن حجها تعلق بأستارها حتى تدخلهم الجنة.
التسعون:
أنها منذ خلقت ما خلت من طائف يطوف بها من جن أو إنس , أو ملك ,
стр. 178
وعن بعض السلف أنه خرج في يوم شديد الحر فرأى حية تطوف وحدها. ذكره ابن الصلاح.
الحادي والتسعون:
روى ابن حبان في صحيحه في حديث طويل مرفوعا: أن الحاج إذا قضى آخر طوافه بالبيت خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. وفي سنن سعيد بن منصور عن عمر أنه قال: من أتى هذا البيت لا ينتهزه غيري صلاة فيه , رجع كيوم ولدته أمه.
الثاني والتسعون:
أن أهلها يقال لهم: أهل الله. قال ابن أبي مليكة كان السلف يلقبونهم بذلك. وعنه ﷺ : أنه لما استعمل عتاب بن أسيد على مكة قال , أتدري , على ما استعملتك؟ استعملتك على أهل الله فاستوص بهم خيرا يقولها ثلاثا.
стр. 179
الثالث والتسعون:
فضل مقبرتها – فعن ابن عباس: أنه ﷺ قال لمقبرة مكة: نعم المقبرة هذه. أخرجه البزار. وقد سبق. وعن ابن مسعود قال: وقف رسول الله ﷺ على الثنية , ثنية المقبرة , وليس بها يومئذ مقبرة قال: يبعث الله من هذه البقعة , أو من هذا الحرم كله سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب يشفع كل واحد منهم في سبعين ألفا وجوههم كالقمر ليلة البدر. قال أبو بكر ومن هم يا رسول الله؟
قال: هم الغرباء.
الرابع والتسعون:
تخصيصها بالمشاعر العظام كمنى , وفيها الآيات العظيمة كما سبق بيانه.
الخامس والتسعون:
تخصيصها بالحجر الأسود , وأنه يمين الله في الأرض , وفي فضائل مكة للجندي عن اسحق بن ابراهيم بن عبيد. ثنا ابراهيم بن الحكم. ثنا أبي. ثنا وهب بن منبه عن طاوس عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: لولا ما طبع الله الركن من أنجاس الجاهلية وأرجاسها وأيدي
стр. 180
الظلمة والأثمة لا ستشفى به من كل عاهة ولألفاه الله كهيئته يوم خلقه الله , وإنما غيره الله بالسواد لئلا ينظر أهل الدنيا إلى زينة الجنة وأنزله ياقوتة من ياقوت الجنة بيضاء وضعه لآدم حيث أنزله في موضع الكعبة قبل أن تكون الكعبة , والأرض يومئذ طاهرة لم يعمل فيها شيء من المعاصي , وليس لها أهل ينجسونها ووضع لها صفا من الملائكة على أطراف الحرم يحرسونه من جان الأرض , وسكانها يومئذ الجن , وليس ينبغي لهم أن ينظروا إليه , لأنه من الجنة ومن نظر إلى الجنة دخلها فهم على أطراف الحرم حيث أعلامهم اليوم يحدقون به من كل جانب بينه وبين الحرم. وفي مستدرك الحاكم وغيره شواهد تقويه , وروى الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا: إن الركن الأسود , والركن اليماني ياقوتتان من الجنة , ولولا ما طمس من نورهما لأضاءا ما بين المشرق والمغرب , وفي رواية غيره ولأبرءا من استلمهما من الخرس والجذام والبرص. وذكر الزبير بن بكار أن أبا قبيس كان يسمى الأمين – لأن الركن كان مودوعا فيه , وأنه نادى إبراهيم ﵇ حين بلغ بالبناء إلى الركن , فأخبره أن الركن منه , ودله على موضعه
следующие страницы →