فكر ومباحث
تأليف
علي الطنطاوي
نشر وتوزيع
مكتبة المنارة
مكة المكرمة -العزيزية- مدخل جامعة أم القرى
هاتف ٥٥٦٦٣٧٥ ص ب ٢٦٥٣
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين * إياك نعبد وإياك نستعين* إهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم * غير المغضوب عليهم * ولا الضالين .. آمين. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد * كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم * وبارك على محمد وعلى آل محمد * كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين * إنك حميد مجيد.
اللهم علمنا ما ينفعنا * وانفعنا بما علمتنا * وزدنا علماً.
стр. 3
جميع الحقوق محفوظة
يمنع النقل والترجمة والاقتباس للإذاعة والمسرح
إلَّا بإذن خطي من المؤلف
الطبعة الثانية
١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨م
стр. 4
لغتكم يا أيها العرب
أذيعت سنة ١٩٥٧
كنت أقلب أمس أوراقاً لي قديمة وأنا قاعد أفكر في موضوع أتحدث فيه اليوم إليكم فوجدت عدداً قديماً مصفراً من جريدة (فتى العرب) من يوم كنت أعمل فيها مع الأستاذ معروف، ﵀، من قبل سبع وعشرين سنة، فيه مقالة لي من سلسلة (أحاديث ومشاهدات) التي كنت أنشرها في تلك الأيام، ففرحت به وعدت إليه أقرؤه، لأني فقدت مع الأسف أكثر ما كتبته وضاع مني، وكانت المقالة موجهة إلى مجلس المعارف الكبير وقد استهلت بخلاصة قصة (الدرس الأخير) لـ (الفونس دوده). يقص فيها على لسان صبي من الألزاس، كيف هرب من المدرسة، وأخذ طريق الحقول، ليقطع النهار في اللهو واللعب، ثم بدا له، فعدل عن هذا وذهب إلى المدرسة، فإذا هو يرى الناس يسرعون السير في الشوارع، مصفرة ألوانهم، تبدو عليهم أمارات الذعر والألم، وإذا هو يرى الأستاذ يذهب ويجيء في باحة المدرسة، قلقاً مضطرباً، وقد قعد بعض أهل القرية على مقاعد الصغار، واجمين شاخصين، فانسل إلى مكانه متحيراً لا يدري ما الخبر، وإذا بالأستاذ يعلو المنبر ويقول بصوت مرتجف ورنة حزينة كأنها رنة بكاء مكتوم:
أولادي. هذه آخر ساعة أراكم فيها، ثم نفترق إلى غير تلاق، لأن بلادكم قد احتلها الألمان (وكان ذلك في حرب السبعين) وصارت دروسكم باللغة الألمانية فلا فَرَنسية بعد اليوم.
وخنقته العبرات فما استطاع أن يتم كلامه، فعاد يقول:
والآن: أصغوا لي لألقي عليكم (الدرس الأخير) باللغة الفرنسية وقم أنت يا فلان.
стр. 5
قال الصبي: فما سمعت اسمي حتى ارتجفت ووقفت ساكتاً، ولم أكن قد حفظت درسي، فقال لي الأستاذ:
اقعد، أنا لا أعنفك ولا أعاقبك، ولكن اعلموا، اعلموا يا أولادي أنكم أضعتم بلادكم وسلمتموها إلى عدوكم بإهمالكم لغتكم (١).
...
وتركت الجريدة القديمة، ووقفت عند هذه الجملة، وقفت لأذكر ما تبذل أمم الأرض في العناية بلغاتها وما نصنع نحن العرب بلغتنا، وقفت لأذكُرَ كَمْ أسمع كل يوم من العبث باللغة والنحو والصرف، ورفع المنصوب، ونصب المرفوع، لا من التلاميذ الصغار وحدهم، ولا من الناشئة التي قد تعذر إن لحنت على لحنها. بل من السياسيين والمحامين والمدرسين، في البرلمان وفي المحكمة وفي المدرسة، بل إني لأسمع اللحن من أفواه الأدباء وأقرؤه في كتبهم، المجلات مملوءة باللحن، والقصص المطبوعة مملوءة باللحن، والكتب الجديدة مملوءة باللحن، وفي كل مكان لحن ظاهر، يتأدب به الصغير، وينشأ عليه الناشئ. وممن سمَّاهم الناس أدباء وشعراء من لا ستطيع أن يكتب صفحة واحدة صحيحة، ولا يقدر أن يقيم لسانه في صفحة واحدة. لقد فشا اللحن، وانتشر الجهل، وعم الضعف، وفقدت العربية المدافع والمحامي.
ولقد قلت لكم إن اللغة الإنكليزية (مثلًا) فيها حروف تكتب ولا تقرأ، وحروف تقرأ وهي غير مكتوبة، وحروف تقرأ مرة شيئاً، ومرة شيئاً آخر، ولا بد لكل طالب لهذه اللغة من أن يتعلم كيف يكتب كل كلمة فيها ثم يتعلم كيف تلفظ، وهي بعدُ لغةٌ سماعية، لايطَّرد فيها قياس، ولا تعرف لها قاعدة، ومخارج حروفها عجيبة، وألسنة أهلها ملتوية، ثم إنها لغة ليس لها نسب ثابت، ولا أصل معروف، ولا يفهم إنكليزي اليوم كلام الإنكليز في عصر المعري والشريف الرضي، فضلاً عن عصر امراء القيس وزهير. وألفاظها لُمامَة من الطرق، من كل لغة كلمة، ففيها كلمات ألمانية وكلمات فَرنسية وكلمات من العربية.
стр. 6
وهي على هذا الضعف، وعلى هذا العجز، وهذه المعايب كلها، قد سمت بها هِمَم أهلها، حتى فرضوها على ربع أهل الأرض، وأنطقوهم بها. ولغتنا العربية، وهي أكمل لغات البشر، وأجودها مخارج، وأضبطها قواعد، ذات القياس المطرد، والأوزان المعروفة، قد أضاعها أهلوها وأهملوها، لم يكفهم أن قعدوا عن نشرها وتعليمها الناس كما فعل أجدادهم من قبل، بل هم قد تنكروا لها، وأعرضوا عنها، وجهلها حتى كثير ممن يدرسها، وجهلها حتى كثير ممن يدعون الأدب فيها، وأين اليوم من أدباء العربية كلهم من يروي من الشعر مثل رواية الشنقيطي؟ أو يعرف من علوم العربية مثل معرفة حمزة فتح الله؟ أو يتذوقها ويكتب فيها مثل كتابة الرافعي؟ أويحفظ من نوادر نصوصها مثل حفظ النشاشيبي؟ وإذا ولَّى غداً (بعد عمر طويل) هؤلاء النفر من أدباء مصر وكتابها، فمن يبقى المرجع في اللغة وعلومها؟.
العربية في خطر يا أيها العرب، العربية في خطر يا من يعتز بالقومية، إن اللغة هي ركن القومية الركين ولقد عملت في بناء حضارتنا عوامل مختلفات منذ عهد العباسيين، ودخلت فيها (في الفكر وفي العادات)، عناصر أجنبية يونانية وفارسية وهندية، ولكن بقي الدين إسلامياً خالصاً، وبقيت اللغة عربية خالصة، فملكنا نحن هذا كلَّه ولم يملكنا وكان من أبناء هذه الشعوب غير العربية، علماء في ديننا، وأئمة في لغتنا وأدباء: شعراء وكتاب، في لساننا، ولم يخل عصر من العصور، من أئمة في اللغة وحفظة لها من عصور الانحطاط، التي توالت علينا منذ القرن الثامن الهجري إلى أن أشرق فجر النهضة الجديدة. وفي هذه العصور ألفت أكبر المعاجم اللغوية، (لسان العرب) و (شرح القاموس) وهذه أول مرة تتعرض فيها العربية إلى هذا الخطر، وهو أن تفقد الإمام اللغوي. ومن ظن أني أتشاءم أو أبالغ، فإني أعود فأساله أن يدلني على إمام في العربية ضليع فيها، يخلف هؤلاء النفر الباقين من شيوخ الأدب في مصر؟
لقد كدنا نجهل لغتنا ومن شك فليمتحن نفسه، فليفتح لسان العرب وليقرأ فيه عشرة أبيات متتابعة من شواهده، من أي صفحة شاء، فإن فهمها
стр. 7
كلها، واستطاع أن يشرحها، أو فهم نصفها أو ربعها واستطاع أن يشرحه، فأنا المخطئ ومن يرد علي هو المصيب.
أنا لا أطلب أن يكون فينا من يؤلف مثل الكامل وأدب الكاتب والأمالي، بل أطلب أن يكون فينا من يقرؤها بلا لحن، ويفهم ما فيها بلا شرح.
إن اللغة العربية معجزة الذهن البشري، وأعجوبة التاريخ في عصوره كلها، وإذا كان التاريخ يذكر ولادة كل لغة، ويعرف مراحل نموها، ومدارج اكتمالها، فإن العربية أقدم قدماً من التاريخ نفسه فلا يعرفها إلا كاملة النمو، بالغة النضج. فمتى ولدت؟ ومتى كانت طفولتها؟ ومتى تدرجت في طريق الكمال حتى وصلت إلينا كاملة مكملة لم تحتج إلى تبديل أو تعديل؟ بل لقد أمدت بما زاد عنها من ألفاظها أكثر لغات الأرض. ففي كل لغة منها أثر.
هل في الدنيا لغة يستطيع أهلها اليوم أن يقرؤوا شعرها الذي قيل من أربعة عشر قرناً فيفهموه ويلذّوه كأنه قيل اليوم؟ هل في الدنيا لغة يستطيع أستاذ الطب في الجامعة وأستاذ الطبيعة، وأستاذ الفلسفة، أن يجد في ألفاظها التي كانت مستعملة قبل أربعة عشر قرناً ما يفي بحاجته اليوم، في قرن العشرين؟ أفليس حراماً أن نضيع هذه اللغة الأصيلة العظيمة، ويفرض الإنكليز لغتهم التي لا أصل لها على ربع العالم؟ أليس حراماً أن نهملها حتى يجهلها منا المتعلمون وأهل اللَّسَن والبيان ويلحنوا فيها؟ أليس حراماً أن يكون فينا من الخوارج على لغتنا من ينصر العامية المسيخة أو يكتب بها؟ أليس حراما أن تسير على ألسنتنا مئات الألفاظ الأعجمية الفرنسية والإنكليزية ننطق بها تظرفاً أو تحذلقاً وعندنا عشرات الألفاظ التي ترادفها وتقوم مقامها؟
فيا أيها العرب لغتَكم. لغتَكم يا أيها العرب، تعلموها وحافظوا عليها وانشروها.
إن أمامكم اليوم فرصة لنشر العربية إذا أضعتموها لم تلقوا مثلها خلال ألف سنة. فرصة تستطيعون أن تكسبوا بها ثمانين مليوناً آخر يتكلمون العربية ويتخذونها لسانهم.
стр. 8
تقولون: أين هذه الفرصة؟
في باكستان يا سادة، في باكستان والهند.
إن نصف الباكستانيين في باكستان الغربية، ونصفهم في باكستان الشرقية، واللغة هنا الأوردية، وهناك البنغالية. والأوردية أكثر ألفاظها عربية وفارسية وتكتب بالحروف العربية، والبنغالية أكثر ألفاظها هندية وتكتب بالحروف السنسكريتية، ولا يمكن اتخاذ واحدة منهما لغة رسمية. ولا بد من اتخاذ إحدى اللغتين لغة رسمية: العربية أو الإنكليزية.
ولقد كنت هناك عند وضع الدستور. وكنت أرى هذا الجدال على اختيار إحدى اللغتين وكنت أخشى أن تضيع الفرصة، ولقد كتبت إلى الحكومات العربية وإلى الهيئات العربية، وأخجل أن أقول إني لم أجد مجيباً.
وقد أجلت المسألة ولم تضع الفرصة. فهل نعود فنستفيد منها؟.
إن إقبال الباكستانيين على العربية لا يمكن أن يصوره لساني، لأنهم يرون فيها لغة القرآن، ولأنهم يتعلمونها ديانة وتقرباً إلى الله. ولقد درت على المدارس التي افتتحتها المفوضية السورية في كراتشي فرأيت فيها العجب، عشرون مدرسة يا سادة، في كل واحدة نحو مئة طالب، منهم الصبي ابن العشر، والشيخ ابن السبعين، إي والله وهم يتعلمون العربية نطقاً وقراءة، العربية الفصحى، خلال شهور. خلال شهور معدودات وكل هذا يقوم به أربعة مدرسين أوفدتهم وزارة المعارف، وقد افتتح قبل سفري من كراتشي، معهد لتخريج معلمين ومعلمات للعربية وقد خطبت في حفلة افتتاحه أنا والصديق الجليل عبد الوهاب عزام سفير مصر ﵀ وقلت لهم: إننا نعلمكم العربية اليوم، ولكنا سنعود فنتعلمها منكم، كما تعلمناها قبل من الزمخشري ومن سيبويه ومن الصاغاني الهندي، ومن الزبيدي الهندي شارح القاموس.
أربعة مدرسين قاموا بهذا كله، فلو أن كل حكومة عربية أوفدت مئة مدرس، لكسبت العربية ثمانين مليوناً ناطقاً بها. وليس القوم هناك بالغرباء عن العربية، فهم يقرؤون القرآن، وثلث لغتهم كلمات عربية، وهم يقرؤون
стр. 9
الكتابة العربية، لأنهم يكتبون في باكستان الغربية بها، وفي الهند علماء في العربية أجلاء، في معهد ديوبند وفي لكنو، والعلماء المسلمون في كل مكان يعرفون العربية.
وهذا سر من أسرار القرآن.
فما لنا نضيع هذه الفرص كلها؟.
ما لنا نهمل لغتنا وهي أكمل اللغات وأشرفها، وهي أوسعها، وهي أبلغها.
فيا أيها العرب ..
عودوا إلى العربية فتعلموها وحافظوا عليها، وانشروها وأخلصوا لها، فإن من العار علينا أن تكون لنا هذه اللغة ونضيعها، من العار علينا أن يصل هذا الكنز إلى أيدينا وأن نفرط فيه.
يا أيها العرب لغتَكم، لغتَكم يا أيها العرب.
***
стр. 10
آفة اللغة هذا النحو
نشرت سنة ١٩٣٥
أَستاذن الأستاذ «الزيات» فأستعير منه هذا العنوان. فأكتب كلمة في هذا الموضوع الكبير، الذي نبه إليه الأستاذ بمقالته القيمة المنشورة في «الرسالة» الثالثة عشرة:
قال الأستاذ: «ليس من شكّ في أن دراسة النحو على هذا الشكل تفيد في بحث اللهجات في اللغة، ودرس القراءات في القرآن، ولكن نحن اليوم، وقبل اليوم، إنما نستعمل لغة واحدة، ونلهج في الفصيح لهجة واحدة، فلماذا لا نجرّد من النحو القواعد الثابتة التي تحفظ هذه اللغة، وتقوّم تلك اللهجة، وندع ذلك الطمَّ والرمَّ لمؤرخي الأدب وفقهاء اللغة وطلاَّب القديم، على ألاّ يطبقوه على الحاضر، ولا يستعملوه في النقد، وإنما يلحقونه بتلك اللغات البائدة التي خلق لها، وتأثر بها، فيكون هو وهي في ذمَّة التاريخ، وفي خدمة التاريخ؟».
ولقد صدق الأستاذ وبرَّ، وأصبح النحو علماً عقيماً، يدرسه الرجل ويشتغل به سنين طويلة ثم لا يخرج منه إلى شيء من إقامة اللسان والفهم عن العرب. وإنني لأعرف جماعة من الشيوخ، قرؤوا النحو بضعة عشر عاماً، ووقفوا على مذاهبه وأقواله، وعرفوا غوامضه وخفاياه، وأوّلوا فيه وعللوا، وأثبتوا فيه ودللوا، وناقشوا فيه وجادلوا، وذهبوا في التأويل والتعليل كلّ مذهب، ثم لا يفهم أحدهم كلمة من كلام العرب، ولايقيم لسانه في صفحة يقرؤها، أو خطبة يلقيها، أو قصة يرويها. ولم يقتصر هذا العجز على طائفة من الشيوخ المعاصرين ومن قبلهم من العلماء المتأخرين، بل لقد وقع فيه جلة النحويين وأئمتهم منذ العهد الأول:
стр. 11
وقد روى السيوطي في) بغية الوعاة) أن الكسائي (١) قد مات وهو لا يعرف حد نعم وبئس، وأن المفتوحة، والحكاية! وأن الخليل (٢) لم يكن يحسن النداء. وأن سيبويه (٣) لم يكن يدري حد التعجب! وأن رجلاً قال لابن خالويه (٤): أريد أن تعلمني من النحو والعربية ما أقيم به لساني. فقال ابن خالويه: أنا منذ خمسين سنة أتعلم النحو، ما تعلمت ما أقيم به لساني!
فأي فائدة من النحو، إذا كانت قراءته خمسين سنة لا تعلم صاحبها كيف يقيم لسانه؟ وما الذي يبقى للنحو إذا لم يؤد إلى هذه الغاية، وإذا أصبح أصعب فنون العربية وهو لم يوضع إلا لتسهيلها وتقريبها؟
ومن -ليت شعري- يسلك الجادة ليخلص من الوعر ويدنو من الغاية، إذا رأى من هو أقوى منه وأجلد قد سلكها فانتهت حياته ولم ينته منها، وأتته منيته وهو في بعضها يقلب حصباءها، وينبش تربها، وينظر في جوانبها؟
стр. 12
وإذا كان (ملك النحاة) (١) بعد أن أنفق عمره كله في تعلم النحو وتعليمه، يستشكل عشر مسائل، وتستعصي عليه فيسميها «المسائل العشر، المتعبات إلى يوم الحشر» (٢) ويأمر أن توضع معه في قبره، ليحلها فيه! فما بالك بأمثالنا من (السوقة)؟ وكيف نفهم هذا النحو وندركه إدراكاً بله الاستفادة منه؟ وأن نجتنب به الخطأ في النطق وفي الفهم؟
ومن يقبل على النحو، وهو يرى هذه الشروح وهذه الحواشي التي تحوي كل مختلف من القول، وكل بعيد من التعليل، وفيها كل تعقيد، حتى ما ينجو العالم من مشاكلها مهما درس وبحث ونقب، ولا يستقر في المسألة على قول حتى يبدو له غيره أو يجد ما يردُّه ويعارضه، كالقائم على ظهر الحوت، لا يميل إلى جانب إلاَّ ميل به إلى جانب، ولا يدري متى يغوص الحوت، فيدعه غريقاً في اليمِّ؟
وسبب هذا التعقيد -فيما أحسب- أن النحاة اتخذوا النحو وسيلة إلى الغنى، وطريقاً إلى المال، وابتغوه تجارة وعرضاً من أعراض الدنيا، فعقَّدوه هذا التعقيد وهوَّلوا أمره، حتى يعجز الناس عن فهمه إلَّا بهم، فيأتوهم، فيسألوهم، فيعطوهم، فيغتنوا.
روى الجاحظ في كتاب الحيوان، أنه قال للأخفش: ما لك تكتب الكتاب فتبدؤه عذباً سائغاً، ثم تجعله صعباً غامضاً ثم تعود به كما بدأت؟
قال: ذلك لأن الناس إذا فهموا الواضح فسرَّهم، أتوني ففسرت لهم الغامض فأخذت منهم!
وروى السيوطي: أن سيف الدولة سأل جماعة من العلماء بحضرة ابن خالويه ذات ليلة: هل تعرفون اسماً ممدوداً وجمعه مقصور؟
стр. 13
فقالوا: لا. فقال لابن خالويه: ما تقول أنت؟
فقال: أنا أعرف اسمين. قال: ما هما؟
قال: لا أقول لك إلَّا بألف درهم!
وكان نفطويه (١) لا يُقرئ كتاب سيبويه إلَّا إذا أخذ الرسم، من أجل ذلك اتخذ النحاة هذا التعقيد سنة جروا عليها، وغاية تواطؤوا على بلوغها، لتتم الحاجة إليهم وتثبت لهم مكانتهم، وتستمر الرغبة فيهم، حتى إن أبا علي الفارسي (٢)، لما سأله عضد الدولة ابن بويه أن يصنف له كتاباً في النحو - وصنف الإيضاح، وأوضح فيه النحو وقربه حتى أتى عليه عضد الدولة في ليلة، واستقصره وقال له: ما زدت على ما أعرف شيئاً، أحسَّ أبو علي بالخطأ، وشعر بأنه خرج على هذه الخطة التي اختطوها لأنفسهم: خطة التعقيد ... فعمد إلى تدارك الخطأ، فمضى فصنف التكملة وحملها إليه، فلما وقف عليها عضد الدولة قال: غضب الشيخ فجاء بما لا نفهمه نحن ولا هو (٣).
وزاد النحو تعقيداً وإبهاماً وبعداً عن الغاية التي وضع من أجلها، ما صنعه الرماني (٤) من مزج النحو بالمنطق وحشوه به، حتى ما يقدر من بعده على تجريده منه، وحتى قال أبو علي الفارسي وهو معاصر له:
стр. 14
«إن كان النحو ما يقوله الرماني فليس معنا منه شيء، وإن كان ما نقوله نحن، فليس معه منه شيء ...».
فخرج النحو بذلك عن الجادَّة، ولم يعد واسطة لفهم كلام العرب واتباع سبيلهم في القول، بل غدا علماً مستقلاً معقداً مضطرباً لا تكاد تثبت فيه مسألة. ورضي النحاة عن هذا التعقيد ووجدوا فيه تجارة وكسباً، حتى إن السيرافي (١) لما ألف كتابه الإقناع (الذي أتمه ولده يوسف) وعرض فيه النحو على أوضح شكل وأجمل ترتيب، فأصبح مفهوماً سهلاً، لا يحتاج إلى مفسر ولا يقصر عن إدراكه أحد، حتى قالوا فيه: وضع أبو سعيد النحو على المزابل بكتابه الإقناع. ولما ألَّفه قاومه النُحَاة، وما زالوا به حتى قضوا عليه، فلم يعرف له ذكر، ولم نعرف أنه بقي منه بقية!
وزاد النحو فساداً على هذا الفساد هذا الخلاف بين المذهبين (أو الدرستين على التعبير الجديد) المذهب الكوفي، والمذهب البصري، وما جرَّه هذا الخلاف من الهجوم على الحق، والتدليل على الباطل، والبناء على الشاذ، قصد الغلبة وابتغاء الظفر، كما وقع في المناظرة المشهورة بين الكسائي وسيبويه، حين ورد هذا بغداد على يحيى البرمكي فجمع بينه وبين الكسائي للمناظرة، فقال له الكسائي:
- كيف تقول: قد كنت أظن أن الزنبور أشد لسعة من العقرب، فإذا هو هي، أو هو إياها.
- فقال سيبويه: فإذا هو هي، ولا يجوز النصب.
- فقال الكسائي: أخطأت، العرب ترفع ذلك وتنصبه، وجعل يورد عليه أمثلة، منها: خرجت فإذا زيد قائم أو قائماً.
وسيبويه يمنع النصب.
стр. 15
فقال يحيى: قد اختلفتما وأنتما رئيسا بلديكما، فمن يحكم بينكما؟
قال الكسائي: هذه العرب ببابك قد وفدوا عليك، وهم فصحاء الناس فاسألهم.
- فقال يحيى: أنصفت.
وأحضروا فسئلوا، فاتَّبعوا الكسائي فاستكان سيبويه وقال:
- أيها الوزير. سألتك إلا ما أمرتهم أن ينطقوا بذلك، فإن ألسنتهم لا تجري عليه، وكانوا إنما قالوا: الصواب ما قاله هذا الشيخ!
- فقال الكسائي ليحيى: أصلح الله الوزير، إنه قد وفد إليك من بلده مؤملاً، فإن رأيت ألَّا ترده خائباً.
فأمر له بعشرة آلاف درهم، فخرج إلى فارس فمات بها بعد قليل غماً وأسى!
في حين أن الحق كان في الذي يقوله سيبويه، وأن الكسائي كان -كما يقول السيوطي- ممن أفسدوا النحو، لأنه كان يسمع الشاذ الذي لا يجوز إلا في الضرورة فيجعله أصلاً.
وزاد النحو فساداً على هذا الفساد، ابتغاؤهم العفلَّة والسبب، لكل ما نطقت به العرب، وسعيهم لتعليل كل منصوب ومخفوض، وسلوكهم في ذلك أبعد السبل من الواقع، وأدناها إلى التنطع والوهم. من ذلك ما رواه ابن خلكان من أن أبا علي الفارسي كان يوماً في ميدان شيراز يساير عضد الدولة، فقال له:
- بم انتصب المستثنى في قولنا: قام القوم إلا زيداً؟ قال الشيخ: بفعل مقدر. قال: كيف تقديره؟ قال: أستثني زيداً. فقال له: هلَّا رفعته وقدرت الفعل امتنع زيد!
فانقطع الشيخ وقال:
стр. 16
- هذا جواب ميداني فإذا رجعت قلت الجواب الصحيح. ثم إنه لما رجع إلى منزله وضع في ذلك كلاماً حسناً وحمله إليه فاستحسنه.
قال السيوطي، والذي اختاره أبو علي في الإيضاح أنه ينتصب بالفعل المتقدم بتقوية إلا.
قال: والمسألة فيها سبعة أقوال ... حكيتها في كتابي جمع الجوامع من غير ترجيح، وأنا أميل إلى القول الذي ذكره أبو علي أولاً.
...
هذه بعض الأسباب التي جعلت النحو معقَّداً هذا التعقيد، مضطرباً هذا الاضطراب، بعيداً عن الغاية هذا البعد. «فلماذا لا نجرد من النحو القواعد الثابتة التي تحفظ هذه اللغة التي نستعملها، وتقوم تلك اللهجة -التي نلهجها- وندع ذلك الطمَّ والرمَّ لمؤرخي الأدب وفقهاء اللغة؟».
ولماذا لا يدلي علماء العربية وأدباؤهم برأيهم في سبيل الإصلاح، ولماذا لا ينشر شاعرنا الفحل الأستاذ المحقق محمد البزم، وهو أول رجل أعرفه انتبه إلى فساد هذا النحو، ولبث خمسة عشر عاماً يعالج أدواءه ويصف دواءه، ويقرأ من أجل ذلك كل ما في أيدي الناس من كتب النحو وأسفار العربية، لماذا لا ينشر ثمرة بحثه، وخلاصة دراسته في (الرسالة) مجلة الآداب الرفيعة والثقافة العالية، ليطَّلع عليها علماء العربية وأدباؤها، ويُبْدوا آراءهم فيها، فيكون من ذلك الخير للعربية إن شاء الله، ويكون الفضل للأستاذ الزيات على أن فتح هذا الباب، وللأستاذ البزم (١) على أن كان أول من ولجه؟
...
стр. 17
بين العلم والأدب
نشرت سنة ١٩٣٧
قرأت منذ أيام في صحيفة يومية، مقالة يسأل فيها كاتبها عن العلم والأدب والقول فيهما، والمفاضلة بينهما، فوجدته قد حمل الكلام على غير محمله، وساقه في غير مساقه، فأفتى وهو المستفتي، وحكم وهو المدَّعي، فلم يدع مذمَّة إلا ألحقها بالأدب، ولم يترك مزيَّة إلا نحلها العلم، وزعم بأن الأمر قد انتهى، والقضية قد فصلت، وحكم للعلم على الأدب ... فلم أدْرِ متى كانت هذه المنافرة، وأين كانت هذه المفاخرة، ومن هو الذي جلس في منصَّة القضاء، ومن الذي زعم أنه وكيل الأدب حتى أخزاه الله على يديه، وأذلَّه به؟ ...
ومتى كان بين العلم والأدب مقاربة، حتى تكون بينهما (مقارنة)، ومتى كان بينهما مناضلة، حتى تكون بينهما مفاضلة؟ وهل يفاضل بين الهواء الذي لا يحيا حيّ إلا به، وبين الذهب الذي هو متاع وزينة وحلية، ولو كان الذهب أغلى قيمة، وأعلى ثمناً، وأندر وجوداً؟
إن الأدب ضروري للبشر ضرورة الهواء. ودليل ذلك أن البشرية قد عاشت قروناً طويلة من غير علم، وما العلم إلا طفل ولد أمس ولا يزال يحبو حبواً ... ولكن البشرية لم تعش ساعة واحدة من غير أدب، وأظن أن أول كلمة قالها الرجل الأول للمرأة الأولى، كلمة الحبّ، لمكان الغريزة من نفسه، ولأنها (أعني غريزة حفظ النوع) كانت أقوى فيه، والحاجة إليها أشد، وبقاء النوع معلَّق بها، فكانت كلمة الحب الأولى أول سطر في سفر الآداب، كتبت يوم لم يكن علم، ولا عرفت كلمة العلم ... ودرج البشر على ذلك فلم يستغن أحد عن الأدب، ولم يعش إلا به، ولكن أكثر البشر استغنوا عن العلم ولم يفكروا تفكيراً علمياً، وهؤلاء الأكابر من العلماء كانوا يضطرون في ساعات من ليل
стр. 18
أو نهار، إلى مطالعة ديوان شعر، أو النظر في قصة أدبية، أو صورة فنية ليلبوا صوت العاطفة، ويستمعوا نداء الشعور، وأكثرهم قد أحب، وملأ نفسه الحب، فهل بلغ أحداً أن أديباً نظر في معادلة جبرية، أو قانون من قوانين الفيزياء أو أحسَّ الحاجة إلى النظر فيها؟ وهذا أكبر عالم في مختبره، يسمع نغمة موسيقية بارعة، أو يرى صورة رائعة، أو تدخل عليه فتاة جميلة عارية مغرية، فيترك عمله ويقبل على النغمة يسمعها، أو الصورة يمعن فيها، أو الفتاة يداعبها، فهل رأيت شاعراً متأملاً يدع تأمله، أو مصوراً يترك لوحته ليستمع منك قوانين النواس ونظرية لا بلاس؟
هذه مسألة ظاهرة مشاهدة، وتعليلها بيِّنٌ واضح هو أن المثل العليا كلها تجمعها أقطاب ثلاثة: الخير والحقيقة والجمال. فالخير تصوره الأخلاق، والحقيقة يبحث عنها العلم، والجمال يظهره الأدب. فإذا رأيت الناس يميلون إلى الأدب أكثر من ميلهم إلى العلم فاعلم أن سبب ذلك كون الشعور بالجمال أظهر في إلانسان من تقدير الحقيقة ... وانظر إلى الألف من الناس كم منهم يهتم بالحقيقة ويبحث عنها؟ وكم يعنى بالجمال ويسعى للاستمتاع به؟ إن كل من يعنى بالجمال ويتذوقه بل إن كل من يذكر الماضي ويحلم بالمستقبل ويحسّ اللذة والألم واليأس والأمل يكون أديباً، ويكون الأدب -بهذا المعنى- مرادفاً للإنسانية. فمن لم يكن أديباً لم يكن إنساناً.
ولْندع هذا التفريق الفلسفي ولْنفاضل بين العلم والأدب من الناحية النفسية (السيكولوجية) إننا نعلم أن العلم يبحث عن الحقيقة فهو يستند إلى العقل. أما الأدب فيتَّكِئُ على الخيال. فلْننظر إذن في العقل والخيال: أيهما أعمّ في البشر وأظهر؟ لا شك أنه الخيال .. فكثير من الناس تضعف فيهم المحاكمات العقلية، ولا يقدرون على استعمال العقل على وجهه. أو تكون عقولهم محدودة القوى، ولكن ليس في الناس من لا يقدر على استعمال الخيال، وليس فيهم من يعجز عن تصور حزن الأم التي يسمع حديث ثكلها، أو لا يتخيل حرارة النار، وامتداد ألسنة اللهب، عندما يسمع قصة الحريق، بل إن الخيال يمتد نفوذه وسلطانه إلى صميم الحياة العلمية فلا يخرج القانون العلمي
стр. 19
حتى يمر على المنطقة الخيالية (الأدبية) ولا تبنى القانون العلمي إلى على هذا الركن الأدبي. وبيان ذلك أن للقانون العلمي أربع مراحل: المشاهدة والفرضية والتجربة والقانون. فالعالم يشاهد حادثة طبيعية، فيتخيل القانون تخيُّلاً مبهماً ويضع الفرضية ثم يجربها فإما أن تكذبها التجربة فيفتش عن غيرها، وإما أن تثبتها فتصير قانوناً، فالمرحلة التي بين المشاهدة والفرضية مرحلة أدبية لأنها خيالية. وقد شبَّه هنري بوانكاره الرياضي الفرنسية (أو غيره فلست أذكر) شبَّه عمل الذهن في هذه المرحلة بعمل الذي يبني جسراً على نهر، فهو يقفز أولاً إلى الجهة المقابلة قفزة واحدة ثم يعود فيضع الأركان ويقيم الدعائم. وكذلك الفكر يقفز إلى القانون على جناح الخيال، ثم يعود فيبنيه على أركان التجربة. فالقانون العلمي نفسه مدين إذن للخيال أي للأدب.
ثم إن الخيال يخدم العلم من ناحية أخرى هي أن أكثر الكشوف العلمية والاختراعات قد وصل إليها الأدباء بخيالهم، ووصفوها في قصصهم قبل أن يخرجها العلماء. فبساط الريح هو الطيارة، والمرآة المسحورة هي التلفزيون، والحياة بعد قرن هي خيال وِلْز في روايته مستقبل العالم ...
أنا إلى هنا في القول بأن الحقيقة في صف العلم والجمال مع الأدب، ولكني أقول ذلك متابعة للناس، وسيراً على المألوف، والواقع غير ذلك. ذلك أن العلم في تبدل مستمر، وتغير دائم. فما كان يُظن في وقت ما قانوناً علمياً ظهر في وقت آخر أنه نظرية مخطئة. والكتاب العلمي الذي ألِّف قبل خمسين سنة لم يعد الآن شيئاً ولا يقبله طالب ثانوي، في حين أن الأدب باق في منزلته، ثابت في مكانته، مهما اختلفت الأعمار، وتناءت الأمصار. فإلياذة هوميروس، أو روايات شكسبير، أو حكم المتنبي، كل ذلك يقرأ اليوم كما كان يقرأ في حينه ويُتلى في الشرق كما يتلى في الغرب، ولا يعتريه تبديل ولا تغيير.
فأين هي الحقيقة؟ وأي الشيئين هو الثابت؟ وأيهما المتحول؟
...
وعَدِّ عن هذا ... وخبِّرني يا سيدي الكاتب: ما هي فائدة هذا العلم الذي يطنطن به وتدافع عنه؟ وماذا نفع البشرية؟
стр. 20
تقول: إنه خدم الحضارة بهذه الاختراعات وهذه الآلات، إن ذلك احتجاج باطل، فالاختراعات ليست خيراً كلها، وليست نفعاً للبشرية مطلقاً، والعلم الذي اخترع السيارة والمصباح الكهربائي، هو الذي اخترع الديناميت والغاز الخانق، وهذه البلايا الزرق، فشرُّه بخيره والنتيجة صفر.
ودع هذا ... ولْنأخذ الاختراعات النافعة: لنأخذ المواصلات مثلاً ... لا شك أن العلم سهَّلها وهوَّنها، فقرَّب البعيد، وأراح المسافر، ووفَّر عليه صحته ووقته، ولكن هل أسعد ذلك البشرية؟
أحيلك في الجواب على (شبنكر) لترى أن البشرية قد خسرت من جرَّائها أكثر من الذي ربحته: كان المسافر من بغداد إلى القاهرة، أو الحاجُّ إلى بيت الله، ينفق شهرين من عمره أو ثلاثة في الطريق، ويحمل آلاماً، وتعرض له مخاوف، ولكنه يحسّ بمئات من العواطف، وتنطبع في نفسه ألوف من الصور، ويتغلغل في أعماق الحياة، ثم يعود إلى بلده، فيلبث طول حياته يروي حديثها، فتكون له مادة لا تفنى، ويأخذ منها دروساً لا تنسى، أما الآن فليس يحتاج المسافر (إن كان غنيّاً) إلا إلى الصعود على درجة الطيارة، والنزول منها حيث شاء بعد ساعات قد قطعها جالساً يدخِّن دخينة، أو ينظر في صحيفة، فهو قد ربح الوقت، ولكنه خسر الشعور، فما نفعتنا المواصلات إلا في شيء واحد، هو أننا صرنا نقطع طريقنا إلى القبر عَدْواً، ونحن مغمضون عيوننا ... لم نر من لجَّة الحياة إلا سطحها الساكن البرَّاق!.
ولْناخذ الطب ... وليس من شك أن الطب قد ارتقى وتقدم، وتغلب على كثير من الأمراض، ولكنَّ ذلك لا يُعَد مزيَّة لأنه هو الذي جاء بهذه الأمراض، جاءت بها الحضارة، فإذا سرق اللص مئة إنسان، ثم ردَّ على تسعين منهم بعض أموالهم أيعدّ محسناً كريماً، أم لا يزال مطالباً بالمال المسروق من العشرة؟
انظر في أيّ مجتمع بشري لم تتغلغل فيه الحضارة، ولم يمتد إلى أعماقه العلم، وانظر في صحة أهله وصحة المجتمعات الراقية؟ هل الأمراض أكثر
стр. 21
انتشاراً في فيافي نجد، أم في قصور باريز؟ أو ليس في باريز أمراض لا أثر لها في البادية؟ فليس إذن من فضل للعلم في أنه داوى بعض الأمراض، بل هو مسؤول عن نشرها كلِّها؟
وتعال يا سيدي ننظر نظرة شاملة، هل البشر اليوم (في عصر العلم) أسعد أم في العصور الماضية؟ أنا لا أشك في أن سعادتهم في العصور الماضية، عصور الجهالة (كما يقولون) كانت أكبر وأعمق، ذلك لأن السعادة ليست في المال ولا القصور ولا الترف ولا الثقافة، ولكن السعادة نتيجة التفاضل بين ما يطلبه الإنسان، ويصل إليه، فإذا كنت أطلب عشرة دنانير وليس عندي إلا تسعة فأنا أحتاج إلى واحد، فسعادتي ينقصها واحد، أما روكفلر فسعادته ينقصها مليون، لأن عنده تسعة وتسعين مليوناً وهو يطلب مائة. فأنا بدنانيري التسعة أسعد من روكفلر ... وكذلك الإنسان. لم تكن مطاليبه كثيرة في الماضي فكان سعيداً لأنه يستطيع أن يصل إليها، أو إلى أكثرها. أما مطاليبه اليوم فهي كثيرة جداً لا يستطيع أن يصل إلى بعضها فهو غير سعيد!
...
هذا وأنا لا أعني الأدب بمعناه الضيق، أي الكلام المؤلف نثراً أو نظماً، بل أعني الأدب بالمعنى الآخر. أريد كل ما كان وصفاً للجمال وتعبيراً عنه لا فرق عندي بين أن تعبِّر عن الجمال بصورة أو تمثال أو مقطوعة من الشعر. ولا فرق عندي بين أن تصور غروب الشمس بالريشة والألوان، أو بالألفاظ والأوزان، فالموسيقي أديب، والمصور أديب، والنحَّات أديب، والشاعر أديب، والأدب بهذا المعنى أهم من العلم، وأنفع للبشرية ... ولو كره العالمون (١)!
...
стр. 22
العقيدة بين العقل والعاطفة
على هامش المناظرة بين خلَّاف وقطب
ذهبت مرة أزور الأستاذ «الزيات» في دار الرسالة، وكانت زيارته أحبَّ شيء إليَّ وأنا في مصر، وكانت دار الرسالة أقرب الأمكنة في القاهرة إلى قلبي، فلذلك كنت أؤمها كل يوم، ولولا خوفي من ملل الأستاذ ما كنت لأفارقها ... أقول إني ذهبت أزوره مرة فوجدت عنده شاباً أسمر اللون لطيفاً هادئاً تبدو عليه سيما المسالمة والموادعة والإيناس، فقال لي: إني أعرِّفك بالأستاذ سيِّد قطب، وأحلف أني شدهت، وكنت أرتقب أن يكون هذا الشاب أي إنسان في الدنيا إلا سيد قطب، وكنت أستطيع أن أتخيل سيد قطب على ألف صورة إلا هذه الصورة، وازددت يقيناً بأن من الخطأ البينِّ أن تحكم على شخص الكاتب بكتابته، أو تعرف الشاعر من شعره، وفوجئت مرة أخرى بما لا أرتقب حين تفضل فأهدى إليَّ كتابه «التصوير الفني في القرآن». لأني لم أتخيل سيد قطب إلا مقارعاً محارباً، ولم أعرفه إلا كاتباً مجادلاً مناضلاً، يهاجم مهاجماً ومدافعاً ومحايداً .. وذهبت فقرأت الكتاب فوجدت فتحاً والله جديداً، ووجدته قد وقع على كنز كأن الله ادَّخره له، فلم يعط مفتاحه لأحد من قبله حتى جاء هو ففتحه، وشعرت عند قراءته بمثل ما شعرت به عند قراءة «دفاع عن البلاغة» لسيد البلغاء الزيَّات، وجرَّبت أن أكتب عنهما فما استطعت، إكباراً لهما وإعظاماً لشأنهما، وكذلك الأثر الأدبي إذا هبط إلى قرارة الفساد أو سما إلى ذروة الجودة، أعجز النقَّاد وابتلاهم في الكتابة عنه بأضعف التكاليف، فأنا أُقرُّ بالعجز عن نقد هذين الكتابين، وعن نقد (شعر ...) بشر فارس أو أبحاث سلامة موسى، لأن من تحصيل الحاصل أن تقول للجيد لا شك فيه، هو جيد، وأن تقول للفاسد المتَّفق عليه هو فاسد، لأنك كالذي يقول للشمس أنت مضيئة وللَّيل أنت مظلم!
стр. 23
وكتب عنه أخي وصديقي الأستاذ عبد المنعم خلاف صاحب الكتاب العبقري (أومن بالإنسان)، وردَّ الأستاذ سيد وكانت هذه المناظرة التي رأيت أن أُدْخل نفسي فيها لأقول كلمة على (هامشها ...)، وهذه هي المرة الثانية أتطفَّل فيها على مناظرات الأستاذ قطب، ولكن ليطمئن القراء فما هي كالأولى ولا هي منها في شيء، وأنا في هذه المرة مؤيد له وقد كنت في الأولى عليه، وهذه مناظرة هادئة باسمة، وقد كانت تلك معركة صاخبة مجلجلة كالحة الوجه عابسة، وأنا أعرف الآن الأستاذ قطب وكنت أتخيَّله تخيلاً، والأستاذ خلَّاف أخي حقيقة، والأستاذ قطب رفيقي في دار العلوم سنها ١٩٢٨ على ذمة الأستاذ اللبابيدي الفلسطيني الذي نشر ذلك في الرسالة إبَّان المعركة الأولى (معركة الرافعي والعقاد)، فأنا لست إذن غريباً عن المتناظرين.
...
لخَّص الأستاذ قطب الخلاف بينه وبين الأستاذ خلاف، في كلمات هي أنه (هل من الممكن أن نعهد إلى الذهن وحده بأمر العقيدة، وأن نقيم هذا البناء الضخم في الضمير الإنساني على أساس القوة الذهنية ومنطقها المعهود)؟ وأجاب عليها بالنفي.
وأنا أجيب كذلك بالنفي، ولكني أمهِّدُ لذلك بتحديد معنى الذهن أو العقل (كما أفهمه أنا)، ومعنى العاطفة، وهذه طريقة علمائنا في الجدل، إذ ربما اختلف اثنان، وما اختلافهما في الحقيقة إلا على معاني الألفاظ، فكلٌّ يريد بها شيئاً، وليس بينهما لفظ جامع يرجعان إليه، ويستقرَّان من بعدُ عليه.
وأعترف بأن هذا التحديد لا يمكن أن يكون تاماً، ولا نستطيع أن نضع لِكُل من العقل والعاطفة التعريف الجامع المانع، أو (الحدَّ) الذي يريده أهل المنطق، لأن مدلول كل لفظ يدخل في مدلول الآخر، فهما كدائرتين متقاطعتين، ففي كلٍّ قسمٌ متميِّز مختص بها، ولكن فيها قسماً لايدرى أهو منها أم هو من الأخرى، ثم إنه لا يصدق التشبيه ولا يكمل إلا إذا تصورت في الدائرتين حركة دائمة كحركة المدِّ والجزر، فهما لا تسكنان أبداً.
على أن الأمم كلها قديماً وحديثاً قد فرقت بين العقل والقلب، وجعلت
стр. 24
القلب (هذا العضو الذي لا يشتمل إلا على الدم) مقرّ العواطف ومكان الحب، وأقامت على ذلك ألسنتها ولغاتها، ونطق به شعراؤها فقالوا للمحبوب: أنت في قلبي، وقلبي عندك، وجرحت قلبي، وأحرقت قلبي، ومزقت قلبي، وأنت قلبي، يستوي في ذلك الأولون والآخرون، والعرب والعجم، ولقد فكرت في ذلك طويلاً، فتراءى لي أن منشأه، أن الإنسان الأول لما بدأ يضع لغته، ويحرك بالكلمات لسانه، نظر فرأى أنه إذا طلع عليه الحبيب أو أبصر الجميل، أو خاف أو ارتقب شيئاً، خفق قلبه واضطرب في صدره، وإذا فكر فأطال التفكير أحسَّ بألم من رأسه، فاستقر في وهمه أن الرأس مكان الفكر، وأن الصدر محل العاطفة والحبّ، والله أعلم!
ولما سَمَتِ البشرية ووضع عِلْمُ النفس، أقاموه على التفريق بين الحياة الانفعالية القائمة على اللذة والألم، والحياة العقلية المبنيَّة على المحاكمة، والحياة الفاعلة المعتمدة على الإرادة، وليس معنى هذا أن لكل من هذه الحيَوات حدوداً تحدها، ومنطقة هي لها لا تتخطاها، لا وليس هنالك عاطفة خالية من العقل، أو عقل لا عاطفة معه إنما نسمي كلَّا بالغالب عليه والظاهر فيه، فالقضية المنطقية (المحاكمة) من العقل، الإنسان حيوان، وسقراط إنسان، فسقراط حيوان، هذه مسألة عقلية، لكنك قد تصل بها إلى نتيجة موافقة، تأتي بعد طول بحث عنها فتقترن بها لذة، واللذة مسألة عاطفية. واللذة بالشعور بالجمال مسألة عاطفية ولكنها لا تخلو من محاكمة خفية هي أن كل جميل يلتذ به وهذا جميل فهذا يلتذ به، أو أن المنظر الفلاني لذَّني لأنه جميل، وهذا قد لذني، فهذا جميل.
وإذا نحن فرقنا بين العاطفة والعقل بهذا الاعتبار، وجعلنا كل حادثة نفسية تقوم على اللذة والألم من العاطفة، وكل حادثة تعتمد على المحاكمة من العقل، وجدنا أعمال الإنسان كلها تقوم على عواطف، ووجدنا العقل، أعني المحاكمة المنطقية الواضحة لا الخفية أضعف الملكات الإنسانية وأحقرها وأقلها خطراً في نفسها، وأثراً في حياة صاحبها، وليعرض كل قارئ أعمال حياته يجدها كلها عواطف تسيِّره، ووجد أنه قلَّ أن يعمل عملاً، أو يسير خطوة بهذا العقل المنطقي الجاف.
стр. 25
ولا بد بعد من تحديد معنى (الذهن)، فماذا يريد به الأستاذ قطب؟ أما أنا فأطلق العقل وأريد القضايا العقلية المسلمة المتفق عليها، كاستحالة اجتماع النقيضين، وكمبدأ أن الشيء هو ذاته، فهذه البديهيات هي أول ما يراد بالعقل، ومن هنا نقول مثلاً إن ديننا الإسلامي لا يناقض العقل ولا يخالفه، أما الذهن فأفهم منه أنا العقل الفردي، وليس كل ما تعقله في ذهنك يجب أن يكون صادقاً وصحيحاً، لاحتمال الخطأ في الاستدلال، ولاختلاف الذهنين في القضية الواحدة، مع ادِّعاء كل منهما أن حكم العقل معه.
ولا بُدَّ أيضاً من التفريق بين خَيِّر العواطف وشرِّيرها، فالشفقة على الفقير، والإقدام على إنقاذ الغريق عاطفة خير، ولكن الغضب المؤدي إلى العدوان، والحب الموصل إلى الرذيلة عاطفة شرّ.
...
ولندخل الآن في موضوع المناظرة، هل يكفي الذهن وحده، أي المحاكمة المنطقية الجافة، للإيمان؟ الجواب (لا) ممدودةً مؤكدة مكتوبة بالقلم الجليل لا الثلث!
الإيمان محلّه القلب لأنه أكبر من أن تتَّسع له هذه (المحاكمة) وأعلى من أن ينضوي تحتها، هذا العقل إنما يعتمد على الحواس، وحكمه مستمد من مجموع المحسَّات، فإذا جاوزها إلى ما وراء المادة لم يكن له حكم، وهذا أمر تواردت عليه الأحاديث النبوية وأبحاث أكابر فلاسفة الأرض، قال ﵊: «إذا ذكر القضاء فأمسكوا» أو ما هذا معناه، لماذا؟ لأن مسألة القضاء والقدر، ما خاض فيها العقل إلا كفر، لا لأنها مناقضة له بل لأنها أوسع من طاقته، وهذا عقلي يحاول أن يورد عليّ الآن اعتراضات كثيرة فلا أصغي إليه، وأذكر (ولا يحضرني هذه الساعة المرجع) أن بعض الصحابة شكا إلى النبي ﷺ شكوكاً يجدها، قال: أوجدت ذلك؟ قال: نعم، قال: استعذ بالله. ولم يأمره بإعلانها والبحث فيها - وهاك الفيلسوف الأكبر كانتْ يؤلف كتاباً برأسه هو (نقد العقل) في إثبات هذا الأمر، ويبطل في كتابه الآخر (مقدمة لكل
стр. 26
علم ميتافيزيك) علم ما وراء الطبيعة، وجرى على ذلك إمام الفلاسفة الوضعيين أوغست كونت.
فالعقل إذن قاصر حكمه على ما يدرك بالحس، وليس عنده إلا مجموعة تجاربه الحسية، فإذا جاوزها كان كالعدم، وحسب العقل هواناً في المجرَّدات، أنه ينكر أقدس شيئين في الوجود ولا يستطيع أن يفهمهما: الحب والإيمان.
سلِ العقل، ما الحب؟ ينبئك بأنه جنون! وما الفرق عند العقل بين ليلى ولبنى وسلمى وأي امرأة أخرى، ما دامت الغاية عنده الحمل والولد وبقاء النسل؟ ومن يُقْدم في الحرب على الموت، هل كان يقدم لو نزعت الحماسة من نفسه وهي عاطفة وتركته لعقله ولما يحسن العقل من محاكمات جافة؟ هل يجود لولا هزَّة الأريحية جواد بنوال؟ هل يقبل إنسان على تضحية أو بذل لولا العاطفة؟ هل يعرف العقل إلا المنفعة؟ لقد أحسن التعبير عن العقل المتنبي حين قال:
الجود يفقر والإقدام قَتّال
...
سيقول قائل، إن أساس الإيمان، الاعتقاد بوجود الله، فهل هو غريب عن العقل؟ لا، إن الاعتقاد بوجود الله من بديهيات العقل، فلا يعيش عقل بلا اعتقاد بإله كما يقول (دوركيم)، والإنسان بهذا المعنى حيوان ذو دين، وذلك لأن تجارب العقل ومحسَّات الحواس التي يستند في حكمه إليها، توصل حتماً إلى الاعتقاد بوجود إله، وسواء كان منشأ هذا الاعتقاد الخوف أو التطلع إلى المجهول، كما هو مبين في كتب الميتافيزيك، فلا شك في أنه بديهي، أما ما عداه من شُعَبِ الإيمان وأركانه، كمعرفة صفات الله، والإيمان بالمغيبات، والقضاء والقدر، فلا يستطيع العقل أن يقيم الدليل على نقضها ولكنه لا يستطيع أبداً فهمها، ولا أظنني بحاجة إلى بيان الفرق بين الاعتقاد بوجود شيء وبين فهمه ومعرفة حقيقته، هذا وليس من مصلحة الدين ولا المتدينين أن نخلِّي بين العقل
стр. 27
وما يجب الإيمان به، بل المصلحة بالاطمئنان العاطفي والتصديق القلبي وما يعقبه من اللذة والاطمئنان.
وهؤلاء العلماء المتكلمون الذين كانوا من رأي الأستاذ خلاف والذين حاولوا أن يجعلوا الإيمان إيمان عقل، عادوا كلهم وأنابوا واعترفوا بأن الإيمان بالقلب، هذا (ابن رشد) وناهيك به، عاد فقال في تهافت التهافت (الذي يرد به على الغزالي في كتابه تهافت الفلاسفة): لم يقل أحد من الفلاسفة في الإلهيات شيئاً يعتدُّ به (١) وهذا (الآمدي) وقف في المسائل الكبار وحار، و (الغزالي) انتهى إلى التصوف والتسليم، وهذا (الفخر الرازي) قال بعد تلك المؤلفات الطوال:
«نهاية إقدام العقول عقال ... وغاية سعي العالمين ضلال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
ولقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلاً، ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريق القرآن، أقرأ في الإثبات، الرحمن على العرش استوى، وأقرأ في النفي ليس كمثله شيء، ومن جرَّب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي» انتهى كلامه ... وكلامي!
وعلى الأخوين الكريمين خلاف وقطب تحيتي وسلامي.
...
стр. 28
من غزل الفقهاء
نشرت سنة ١٩٦٤
قال لي شيخ من المشايخ المتزمِّتين، وقد سقط إليه عدد من الرسالة، فيه مقالة لي في الحب:
- ما لك وللحب، وأنت شيخ وأنت قاض، وليس يليق بالشيوخ والقضاة أن يتكلموا في الحب، أو يعرضوا للغزل؟! إنما يليق ذلك بالشعراء، وقد نزَّه الله نبيَّه عن الشعر، وترفَّع العلماء وهم ورثة الأنبياء عنه، وصرَّح الشافعي أنه يزري بهم، ولولا ذلك لكان أشعر من لبيد ...
فضحكت، وقلت له:
- أما قمتَ مرة في السَّحر، فأحسست نسيم الليل الناعش!، وسكونه الناطق ... وجماله الفاتن، فشعرت بعاطفة لا عهد لك بمثلها، ولا طاقة لك على وصفها؟
أما سمعت مرة في صفاء الليل نغمة عذبة، من مغنّ حاذق قد خرجت من قلبه، فهزَّت منك وتر القلب، ومسَّت حبَّة الفؤاد؟
أما خلوت مرة بنفسك تفكر في الماضي فتذكر أفراحه وأتراحه، وإخواناً كانوا زينة الحياة فطواهم الثرى، وعهداً كان ربيع العمر فتصرَّم الربيع، فوجدت فراغاً في نفسك، فتلفتَّ تفتش عن هذا الماضي الذي ذهب ولن يعود؟
أما قرأت مرة قصة من قصص الحب، أو خبراً من أخبار البطولة فأحسست بمثل النار تمشي في أعصابك، وبمثل جناح الطير يخفق في صدرك؟
أما رأيت في الحياة مشاهد البؤس؟ أما أبصرت في الكون روائع الجمال؟
стр. 29
فمن هو الذي يصور مشاعرك هذه؟ من الذي يصف لذائذه النفسية وآلامك، وبؤسك ونعماءك؟ لن يصورها اللغويون ولا الفقهاء ولا المحدثون، ولا الأطباء ولا المهندسون. كل أولئك يعيشون مع الجسد والعقل، محبوسين في معقلهما، لا يسرحون في فضاء الأحلام، ولا يوغلون في أودية القلب، ولا يلجون عالم النفس ... فمن هم أهل القلوب؟
إنهم الشعراء يا سيدي، وذلك هو الشعر!
إن البشر يكدّون ويسعون، ويسيرون في صحراء الحياة، وقيد نواظرهم كواكب ثلاثة، هي هدفهم وإليها المسير، ومنها الهدى وهي السراج المنير، وهي الحقيقة والخير والجمال، وإن كوكب الجمال أزهاها وأبهاها، إن خفي صاحباه عن بعض الناس فما يخفى على أحد، وإن قصرت عن دركهما عيون فهو ملء كل عين، والجمال بعدُ أسّ الحقائق وأصل الفضائل، فلولا جمال الحقيقة ما طلبها العلماء، ولولا جمال الخير ما دعا إليه المصلحون. وهل ينازع في تفضيل الجمال إنسان؟ هل في الدنيا من يؤثر الدمْنة المقفرة على الجنة المزهرة؟ والعجوز الشوهاء على الصبية الحسناء؟ والأسمال البالية على الحلل الغالية؟
فكيف يكون فيها من يكره الشعر، وهو جمال القول، وفتنة الكلام؟ وهو لغة القلب فمن لم يفهمه لم يكن من ذوي القلوب. وهو صورة النفس، فمن لم يجد فيه صورته لم يكن إلا جماداً. وهو حديث الذكريات والآمال، فمن لم يذكر ماضياً، ولم يرجُ مستقبلًا، ولم يعرف من نفسه لذة ولا ألماً، فليس بإنسان.
...
ومن قال لك يا سيدي إن الله نزَّه نبيه ﷺ عن الشعر لأن الشعر قبيح؟ إنما نفى عنه أن يكون شاعراً كمن عرف من الشعراء وردّ عليهم قولهم: «إنه شاعر» لأن الشاعر يأتيه الوحي من داخل نفسه، والنبي يجيئه الوحي من السماء، وهذا الذي لم تدركه العرب، فقالوا قولتهم التي ردّها الله عليهم!
وأين وجدت حرمة الشعر، أو مذمته من حيث هو كلام جميل، يصف
стр. 30
شعوراً نبيلاً؟ إنما يقبح إذا اشتمل على الباطل، كما يقبح كل كلام يشتمل عليه.
ومن أين عرفت أن العلماء قد ترفَّعوا عنه، والكتب مملوءة بالجيِّد من أشعارهم، في الحب والغزل ووصف النساء؟
أو ما سمعت بأن النبي ﷺ أصغى إلى كعب وهو يهدر في قصيدته التي يتغزل فيها بسعاد ... ويصفها بما لو ألقي عليك مثله لتورَّعت عن سماعه .. وتصاممت عنه، وحسبت أن التقى يمنعك منه وذهبت تلوم عليه، وتنصح بالإقلاع عنه قائله:
وما سعاد غداة البين إذ برزت ... إلا أغنُّ غضيض الطرف مكحول
تجلو عوارض ذي ظَلم إذا ابتسمت ... كأنها مَنْهل بالراح معلول
هيفاء مُقبلةً عجزاء مُدبرةً ... لا يشتكى قصر منها ولا طول
وأن عمر كان يتمثَّل بما تكره أنت .. من الشعر، وأن ابن عباس كان يصغي إلى إمام الغَزِلين عمر بن أبي ربيعة، ويروي شعره؟ وأن الحسن البصري كان يستشهد في مجلس وعظه، بقول الشاعر:
اليوم عندك دَلها وحديثها ... وغداً لغيرك كفها والمعصم
وأن سعيد بن المسبِّب سمع مغنياً يغني:
تضوَّع مسكاً بطن نعمان أن مشت ... به زينب في نسوة خفرات
فضرب برجله وقال: هذا والله مما يلذ استماعه، ثم قال:
وليست كأخرى أوسعت جيب درعها ... وأبدت بنان الكف للجمرات
وعالت فتات المسك وحْفاً مُرَحَّلاً ... على مثل بدر لاح في الظلمات
وقامت تراءى يوم جُمَع (١) فأفتنت ... برؤيتها من راح من عرفات
فكانوا يرَون هذا الشعر لسعيد بن المسيِّب!
стр. 31
وما لي أدور وأسوق لك الأخبار، وعندنا شعراء كان شعرهم أرق من النسيم إذا سرى، وأصفى من شعاع القمر، وأعذب من ماء الوصال، وهم كانوا أئمة الدين وأعلام الهدى.
هذا عروة بن أذينة الفقيه المحدث شيخ الإمام مالك يقول:
إن التي زعمت فؤادك ملها ... خُلقت هواك كما خلقت هوى لها
فبك الذي زعمت بها وكلاكما ... يبدي لصاحبه الصبابة كلها
ويبيت بين جوانحي حبّ لها ... لو كان تحت فراشها لأقلها
ولعمرها لو كان حبك فوقها ... يوماً وقد ضَحِيت إذن لأظلَّها
وإذا وجدت لها وساوس سلوة ... شفع الفؤاد إلى الضمير فسلها
بيضاء باكرها النعيم فصاغها ... بلباقة فأدقها وأجلها
منعت تحيتها فقلت لصاحبي ... ما كان أكثرها لنا وأقلها!
فدنا فقال، لعلها معذورة ... من أجل رِقْبتها، فقلت: لعلها
هذه الأبيات التي بلغ من إعجاب الناس بها أن أبا السائب المخزومي لما سمعها حلف أنه لا يأكل بها طعاماً إلى الليل!
وهو القائل، وهذا من أروع الشعر وأحلاه، وهذا شعر شاعر لم ينطق بالشعر تقليداً، وإنما قال عن شعور، ونطق عن حب، فما يخفى كلام المحبين:
قالت (وأبثثتها وجدي فبحت به): ... قد كنت عندي تحب الستر، فاستتر
ألست تبصر من حولي؟ فقلت لها: ... غطى هواك وما ألقى على بصري
هذا الشاعر الفقيه الذي أوقد الحب في قلبه ناراً لا يطفئها إلا الوصال:
إذا وجدت أوار الحب في كبدي ... عمدت نحو سقاء الماء أبترد
هبني بردت ببرد الماء ظاهره ... فمن لحر على الأحشاء يتَّقد؟!
وهذا عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أحد فقهاء المدينة السبعة الذين انتهى إليهم العلم، وكان عمر بن عبد العزيز يقول في خلافته: لَمجلس
стр. 32
من عبيد الله لو كان حياً، أحب إلي من الدنيا وما فيها. وإني لأشتري ليلة من ليالي عبيد الله بألف دينار من بيت المال، فقالوا: يا أمير المؤمنين، تقول هذا مع شدة تحرِّيك وشدة تحفُّظك؟ قال: أين يُذهب بكم؟ والله إني لأعود برأيه ونصيحته ومشورته على بيت المال بألوف وألوف. وكان الزهري يقول: سمعت من العلم شيئاً كثيراً، فظننت أني اكتفيت حتى لقيت عبيد الله فإذا كأني ليس في يدي شيء!
وهو مع ذلك الشاعر الغزِل الذي يقول:
شققت القلب ثم ذررت فيه ... هواك فليم فالتأم الفُطور
تغلغل حب عثمة في فؤادي ... فباديه مع الخافي يسير
تغلغل حيث لم يبلغ شراب ... ولا حزن ولم يبلغ سرور
أفسمعت بأعمق من هذا الحب وأعلق منه بالقلب؟ ولم يكن يخفي ما في قلبه، بل كان إذا لقيه ابن المسيب فسأله: أأنت الفقيه الشاعر؟ يقول: «لا بد للمصدور من أن ينفث» فلا ينكر عليه ابن المسيب. وهو القائل:
كتمتَ الهوى حتى أضرَّ بك الكتم ... ولامك أقوام ولومهم ظلم
ونمَّ عليك الكاشحون وقبلهم ... عليك الهوى قد نم لو نفع النم
وزادك إغراء بها طول بخلها ... عليك وأبلى لحم أعظمك الهم
فأصبحت كالنهدي إذ مات حسرة ... على إثر هند أو كمن سقي السم (١)
ألا من لنفس لا تموت فينقضي ... شقاها ولا تحيا حياة لها طعم
تجنبت إتيان الحبيب تأثماً ... ألا إن هجران الحبيب هو الإثم
فذق هجرها إن كنت تزعم أنه ... رشاد ألا يا ربما كذب الزعم
ألا إن هذا هو الشعري.
стр. 33
واسمع يا سيدي أنشدك ما يحضرني من غزل الفقهاء، لا أستقصي ولا أعمد إلى الترتيب، وإنما أروي لك ما يجيئني، وما يدنو مني مصدره.
هذا أبو السعادات أسعد بن يحيى السنجاري الفقيه الشافعي، المتوفى سنة ٦٢٢هـ فاسمع من شعره ماترقص منه القلوب، وتطرب الألباب: حلاوة ألفاظ، وبراعة معنى، وحسن أسلوب، قال من قصيدة له:
وهواك ما خطر السلو بباله ... ولأنت أعلم في الغرام بحاله
ومتى وشى واش إليكِ بأنه ... سال هواك فذاك من عذاله
أو ليس للكلف المُعنَّى شاهد ... من حاله يغنيك عن تَسْآله
جددتِ ثوبَ سقامة، وهتكتِ ... ستر غرامه، وصرمتِ حبل وصاله
أفَزلَّة سبقتْ له أم خَلة ... مألوفة من تيهه ودلاله
أو ما سمعت شعر الشيخ الشهرزوري الصوفي هاك منه قوله:
فعاودت قلبي أسأل الصبر وقفة ... عليها فلا قلبي وجدت ولا صبري
وغابت شموس الوصل عني وأظلمت ... مسالكه حتى تحيرت في أمري
وهاك قول ظهير الدين الأهوازي الوزير الفقيه، تلميذ أبي إسحق الشيرازي:
وإني لأبدي في هواك تجلداً ... وفي القلب مني لوعة وغليل
فلا تحسبن أني سلوت فربما ... ترى صحة بالمرء وهو عليل
وقول أبي القاسم القشيري الإمام الصوفي العلم:
لو كنت ساعة بيننا ما بيننا ... ورأيت كيف نكرر التوديعا
لعلمت أن من الدموع محدثاً ... وعلمت أن من الحديث دموعا
والبيت الثاني من مرقصات الشعر.
وكان مع ذلك علامة في الفقه والتفسير والحديث ومن فقهاء الشافعية الكبار، وهو صاحب الرسالة التي يعتدها الصوفية ككتاب سيبويه عند النحوين، ولا ينصرف الإطلاق إلا لها، ومن شعره:
стр. 34
ومن كان في طول الهوى ذاق لذة ... فإني من ليلى لها غير ذائق
وأكثر شيء نلته من وصالها ... أماني لم تصدق كخطفة بارق
ومن شعر القاضي عبد الوهاب المالكي الفقيه المشهور، المتوفى سنة ٤٢٢ والمدفون في قرافة مصر، وصاحب الخبر المستفيض لما خرج من بغداد وخرج أهلها لوداعه وهم يبكون ويعولون وهو يقول: والله يا أهل بغداد، لو وجدت عندكم رغيفاً كل يوم ما فارقتكم. ويقول:
سلام على بغداد في كل موطن ... وحق لها مني سلام مضاعف
فوالله ما فارقتها عن قِلَى لها ... وإني بشطي جانبيها لعارف
ولكنها ضاقت عليَّ بأسرها ... ولم تكن الأرزاق فيها تساعف
وكانت كخل كنت أهوى دنوه ... وأخلاقه تنأى به وتخالف
ويقول فيها:
بغداد دار لأهل المال طيبة ... وللمفاليس دار الضنك والضيق
ظللت حيران أمشي في أزقتها ... كأنني مصحف في بيت زنديق
وهو معنى جيد وتشبيه عجيب.
وهو القائل:
متى يصل العطاش إلى ارتواء ... إذا استقت البحار من الركايا
ومن يثني الأصاغر عن مراد ... وقد جلس الأكابر في الزوايا
وإنَّ ترفُّع الوضعاء يوماً ... على الرُّفعاء من إحدى الرزايا
إذا استوت الأسافل والأعالي ... فقد طابت منادمة المنايا
ومن غزله الذي يتغزل فيه بلغة الفقه والقضاء، فيأتي فيه بالمرقص المطرب قوله:
ونائمة قبَّلتها فتنبهت ... وقالت تعالوا واطلبوا اللص بالحدِّ
فقلت لها إني (فديتك) غاصب ... وما حكموا في غاصب بسوى الرد
стр. 35
خذيها وكفي عن أثيم ظلامة ... وإن أنت لم ترضي فألفاً على العد
فقالت قصاص يشهد العقل أنه ... على كبد الجاني ألذ من الشهد
فباتت يميني وهي هِميان خصرها! ... وباتت يساري وهي واسطة العقد
فقالت ألم تخبر بأنك زاهد؟ ... فقلت: بلى ما زلت أزهد في الزهد
وهاك القاضي الجرجاني مؤلف (الوساطة) علي بن عبد العزيز الفقيه الشافعي، الذي ذكره الشيرازي في طبقات الفقهاء صاحب الأبيات المعلمة المشهورة:
يقولون: لي فيك انقباض، وإنما ... رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما
أرى الناس من داناهم هان عندهم ... ومن أكرمته عزة النفس أكرما
وما كل برق لاح لي يستفزني ... ولا كل من لاقيت أرضاه منعما
وإني إذا فاتني الأمر لم أبت ... أقلب طرفي إثره متذمما
ولكنه إن جاء عفواً قبلته ... وإن مال لم أتبعه لولا وربما
وأقبض خطوي عن أمور كثيرة ... إذا لم أنلها وافر العرض مكرما
وأكرم نفسي أن أضاحك عابساً ... وأن أتلقى بالمديح مذمما
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظموه في النفوس لعظما
ولكن أهانوه فهان ودنسوا ... محياه بالأطماع حتى تجهما
أأشقى به غرساً وأجنيه ذلة؟ ... إذن فاتباع الجهل قد كان أحزما
ويا ليت كل عالم ينقش هذه الأبيات في صدر مجلسه، وعلى صفحة قلبه، ويجعلها دستوره في حياته، وإمامه في خلائقه!
والأبيات الأخرى:
وقالوا: توصل بالخضوع إلى الغنى ... وما علموا أن الخضوع هو الفقر
وبيني وبين المال شيئان حرما ... عليَّ الغنى: نفسي الأبية والدهر
إذا قيل هذا اليسر أبصرت دونه ... مواقف خير من وقوفي بها العسر
стр. 36
وله في هذا المعنى الشعر الكثير الجيد، أما غَزَله فسهل حلو ومنه قوله:
ما لي وما لك يا فراق ... أبداً رحيل وانطلاق
يا نفس موتي بعدهم ... فكذا يكون الاشتياق
وقوله:
قد برح الحب بمشتاقك ... فأَوْلِهِ أحسن أخلاقك
لا تجفه وارع له حقه ... فإنه آخر عشاقك
وهاك القاضي سوار (الأصغر) بن عبد الله من أهل القرن الثالث الذي يقول:
سلبت عظامي لحمها فتركتها ... عواري في أجلادها تتكسر
وأخليت منها مخَّها فكأنها ... أنابيب في أجوافها الريح تصفر
إذا سمعت باسم الفراق ترعدت ... مفاصلها من هول ما تتحذر
خذي بيدي ثم اكشفي الثوب فانظري ... بلى جسدي لكنني أتستر!
وليس الذي يجري من العين ماءها ... ولكنها روح تذوب فتقطر
وهاك قاضي القضاة ابن خلكان المشهور، وكان يعشق الملك المسعود بن المظفر، وكان قد تيَّمَه حبه، قال القاضي التبريزي: كنت عنده في العادلية (دار المجمع العلمي اليوم) في بعض الليالي، فلما انصرف الناس من عنده قال لي: نم أنت ههنا. وألقى عليَّ فروة، وقام يدور حول البركة، ويكرر هذين البيتين إلى أن أصبحنا فتوضأنا وصلينا، والبيتان هما:
أنا والله هالك ... آيس من سلامتي
أو أرى القامة التي ... قد أقامت قيامتي
ولما فشا أمره، منع الملك ابنه من الركوب، فاشتد ذلك على ابن خلكان، فكان مما قال:
إن لم تجودوا بالوصال تعطفاً ... ورأيتم هجري وفرط تجنبي
стр. 37
لا تمنعوا عيني القريحة أن ترى ... يوم الخميس جمالكم في الموكب
لو كنت تعلم يا حبيبي ما الذي ... ألقاه من كمد إذا لم تركب
لرحمتني ورثيت لي من حالة ... لولاك لم يك حملها من مذهبي
ومن البلية والرزية أنني ... أقضي ولا تدري الذي قد حل بي (١)
قسماً بوجهك وهو بدر طالع ... وبليل طرَّتك التي كالغيهب
لو لم أكن في رتبة أرعى لها ... العهد القديم صيانة للمنصب
لهتكت ستري في هواك ولذ لي ... خلع العذار ولو ألح مؤنبي
لكن خشيت بأن يقول عواذلي ... قد جن هذا الشيخ في هذا الصبي
فارحم فديتك حرقة قد قاربت ... كشف القناع بحق ذيَّاك النبي
لا تفضحن بحبك الصبَّ الذي ... جرعته في الحب أكدر مشرب
وله فيه شعر كثير جداً.
ومن شعر محمد بن داود الظاهري، وكان فقيهاً على مذهب أبيه داود وكان شاعراً:
أنزه في روض المحاسن مقلتي ... وأمنع نفسي أن تنال محرما
وأحمل من ثقل الهوى ما لو أنه ... يصب على الصخر الأصم تهدما
ومن شعر أبي الفضل الحصكفي (٢) الفقيه الشافعي:
أشكو إلى الله من نارين: واحدة ... في وجنتيه وأخرى منه في كبدي
ومن سقامين: سقم قد أحل دمي ... من الجفون وسقم حل في جسدي
ومن نمومين: دمعي حين أذكره ... يذيع سري وواش منه بالرصد
ومن ضعيفين: صبري حين أبصره ... ووده ويراه الناس طوع يدي
...
стр. 38
ولو ابتغيت الاستقصاء، وتتبعت المراجع، لجمعت من غزل الفقهاء كتاباً، فأين بعد هذا يزعمون أن الفقهاء كرهوا الشعر، وتنزهوا عنه؟
أما إنها لم تفلَّ ألسنة علمائنا، ولم تكل أقلامهم، ولم تخفت أصواتهم، إلا حين أضاعوا ملكة البيان، وزهدوا في الأدب، وحقروا الشعر ... فهل لعلمائنا عودة إلى ما هم أخلق به، وأدنى إليه، وأقدر لو أرادوه عليه؟!
***
стр. 39
مقالة في التحليل الأدبي
نشرت سنة ١٩٣٤
لما هممت بكتابة هذه المقالة، عرضت الفكرة على طالب من طلاب البكالوريا فأعرض عنها، وعجب مني إذ أخمِّلُ المسألة ما لا تطيق، وأنفق فيها من الجهد ما لا تحتاج إلى بعضه، وهي في ذاتها أيسر مما أظن ... وشرح لي كيف يكون هذا اليسر، فإذا المسألة كلها في استظهار الطالب طائفة من آراء النقاد القدماء والمحدثين في الأديب الذي يكلف بدراسته، وطائفة من آثاره الأدبية - أو أن يستظهر ما يسمعه من الأستاذ، أو يراه في كتاب ويكون له صلة لهذا الأديب، يصب ذلك كله في صحيفة الامتحان، فينجح ويحمل هذه الورقة السحرية .. فإذا كان له ذلك فهو منصرف عن الأدب ما عاش ...
ومعنى هذا أنه يرى الأدب شراً، ولكنه -كما قال شيشرون عن الزواج- شرٌّ لا بد منه فهو يحمل منه أقل قسط ينجيه من هول الامتحان، ثم يقذف به ويفر منه ... ونحن نعيذ طلاب البكالوريا أن يكون رأيهم كلهم في الأدب، كرأي صاحبنا هذا وأن يكون همهم جواز الامتحان، وحمل الشهادة، لا درس الأدب لذاته، وإدراك لذَّته، وتلقيه على أنه مظهر من مظاهر الجمال السامي. ونعيذ صفوف البكالوريا من هذا الجمود، أن تستمر فيه. وأن تسلك أبداً هذه المناهج الملتوية التي لا تبلغ بسالكها الغاية، ولا تخرج للناس من تلاميذها كاتباً مجيداً، ولا ناقداً بصيراً ولا شاعراً مطبوعاً .. ولا تأخذ بيد الحركة الأدبية في الشام، فتقيلها عثرتها، وتنهض بها منذ كبوتها. ونعيذ الوزارة من هذا البرنامج، أن تثبت عليه وأن تضطر الطلاب أبداً إلى دراسة هؤلاء الشعراء الماجنين وتفهم أشعارهم، والإحاطة بأخبارهم، وفي ذلك كله أشياء لا ترضى عنها الأخلاق، ولا تستقيم مع الحياء والعفاف. وإذا كان الأدب لا يهتم بالأخلاق ولا يمتنع من
стр. 40
درس الأدباء الجادين والماجنين على السواء، فإن الأمة تهتم بأخلاقها، والأدب شيء كمالي، أما الأخلاق فهي سر حياة الأمم، (فإن هموا ذهبت أخلاقهم ذهبوا)!
الحقيقة في الأدب:
وأول ما ننبه إليه إخواننا طلاب البكالوريا هو أن الأدب لا يعرف الجزم في الحكم، ولا يستطيع أن يقول هذا قانون التحليل الأدبي، وهذا قانون النقد، كما يقول صاحب الطبيعة هذا قانون السقوط، وهذا قانون الجذب، وكما يقول صاحب الرياضيات هذا قانون تساوي المثلثات وهذا قانون التابع ... أي أن الأدب ليس فيه حقيقة كالحقيقة العلمية الموضوعية (Objectif) ولكن فيه حقائق نسبية ذاتية (Subjectif) وإني إذا وضعت للتحليل منهجاً، وعرضته في هذه المقالة. فلن أحمل أحداً على هذا المنهج، ولن أدَّعي أنه المتفرد بالصحة والاستقامة، ولكني أبين عن رأيي واجتهادي، وأنت إذا بحثت يوم الامتحان بحثاً دقيقاً، سرت فيه على طريق واضحة مستقيمة، فبلغت غاية لايرضاها الأساتذة المميزون أو خرجت برأي لا يرونه، فليس يحق لهم أن يتخذوا رأيهم مقياساً، وأن يعدوك مخطئاً، لأن تاريخ الأدب لم يدخل بعد في حظيرة العلوم.
الأدب:
والأدب هو مجموع الآثار الجميلة في لغة من اللغات. أو عصر من عصور هذه اللغة، فالأدب العباسي هو مجموع الأشعار التي تركها لنا شعراء هذا العصر من لدن بشار إلى أبي تمام إلى المتنبي إلى المعري، والرسائل التي خلفها كتابه من ابن المقنع وابن مسعدة، إلى ابن العميد والصاحب، والخطب التي ورثناها عن داود بن علي وشبيب بن شيبة وغير هذا وذاك - والأدب الفرنسي في القرن السابع عشر هو مجموع القصص التي وضعها كورناي وراسين، والمهازل التي ألفها موليير، والحكايات التي صنَّفها لافونتين، وكل كلام بليغ، ومقال شريف، أثر عن أهل ذلك الزمان، وكل ما يهز النفس، ويوقظ فيها الحسَّ بالجمال.