وله في هذا المعنى الشعر الكثير الجيد، أما غَزَله فسهل حلو ومنه قوله:
ما لي وما لك يا فراق ... أبداً رحيل وانطلاق
يا نفس موتي بعدهم ... فكذا يكون الاشتياق
وقوله:
قد برح الحب بمشتاقك ... فأَوْلِهِ أحسن أخلاقك
لا تجفه وارع له حقه ... فإنه آخر عشاقك
وهاك القاضي سوار (الأصغر) بن عبد الله من أهل القرن الثالث الذي يقول:
سلبت عظامي لحمها فتركتها ... عواري في أجلادها تتكسر
وأخليت منها مخَّها فكأنها ... أنابيب في أجوافها الريح تصفر
إذا سمعت باسم الفراق ترعدت ... مفاصلها من هول ما تتحذر
خذي بيدي ثم اكشفي الثوب فانظري ... بلى جسدي لكنني أتستر!
وليس الذي يجري من العين ماءها ... ولكنها روح تذوب فتقطر
وهاك قاضي القضاة ابن خلكان المشهور، وكان يعشق الملك المسعود بن المظفر، وكان قد تيَّمَه حبه، قال القاضي التبريزي: كنت عنده في العادلية (دار المجمع العلمي اليوم) في بعض الليالي، فلما انصرف الناس من عنده قال لي: نم أنت ههنا. وألقى عليَّ فروة، وقام يدور حول البركة، ويكرر هذين البيتين إلى أن أصبحنا فتوضأنا وصلينا، والبيتان هما:
أنا والله هالك ... آيس من سلامتي
أو أرى القامة التي ... قد أقامت قيامتي
ولما فشا أمره، منع الملك ابنه من الركوب، فاشتد ذلك على ابن خلكان، فكان مما قال:
إن لم تجودوا بالوصال تعطفاً ... ورأيتم هجري وفرط تجنبي
стр. 37
لا تمنعوا عيني القريحة أن ترى ... يوم الخميس جمالكم في الموكب
لو كنت تعلم يا حبيبي ما الذي ... ألقاه من كمد إذا لم تركب
لرحمتني ورثيت لي من حالة ... لولاك لم يك حملها من مذهبي
ومن البلية والرزية أنني ... أقضي ولا تدري الذي قد حل بي (١)
قسماً بوجهك وهو بدر طالع ... وبليل طرَّتك التي كالغيهب
لو لم أكن في رتبة أرعى لها ... العهد القديم صيانة للمنصب
لهتكت ستري في هواك ولذ لي ... خلع العذار ولو ألح مؤنبي
لكن خشيت بأن يقول عواذلي ... قد جن هذا الشيخ في هذا الصبي
فارحم فديتك حرقة قد قاربت ... كشف القناع بحق ذيَّاك النبي
لا تفضحن بحبك الصبَّ الذي ... جرعته في الحب أكدر مشرب
وله فيه شعر كثير جداً.
ومن شعر محمد بن داود الظاهري، وكان فقيهاً على مذهب أبيه داود وكان شاعراً:
أنزه في روض المحاسن مقلتي ... وأمنع نفسي أن تنال محرما
وأحمل من ثقل الهوى ما لو أنه ... يصب على الصخر الأصم تهدما
ومن شعر أبي الفضل الحصكفي (٢) الفقيه الشافعي:
أشكو إلى الله من نارين: واحدة ... في وجنتيه وأخرى منه في كبدي
ومن سقامين: سقم قد أحل دمي ... من الجفون وسقم حل في جسدي
ومن نمومين: دمعي حين أذكره ... يذيع سري وواش منه بالرصد
ومن ضعيفين: صبري حين أبصره ... ووده ويراه الناس طوع يدي
...
стр. 38
ولو ابتغيت الاستقصاء، وتتبعت المراجع، لجمعت من غزل الفقهاء كتاباً، فأين بعد هذا يزعمون أن الفقهاء كرهوا الشعر، وتنزهوا عنه؟
أما إنها لم تفلَّ ألسنة علمائنا، ولم تكل أقلامهم، ولم تخفت أصواتهم، إلا حين أضاعوا ملكة البيان، وزهدوا في الأدب، وحقروا الشعر ... فهل لعلمائنا عودة إلى ما هم أخلق به، وأدنى إليه، وأقدر لو أرادوه عليه؟!
***
стр. 39
مقالة في التحليل الأدبي
نشرت سنة ١٩٣٤
لما هممت بكتابة هذه المقالة، عرضت الفكرة على طالب من طلاب البكالوريا فأعرض عنها، وعجب مني إذ أخمِّلُ المسألة ما لا تطيق، وأنفق فيها من الجهد ما لا تحتاج إلى بعضه، وهي في ذاتها أيسر مما أظن ... وشرح لي كيف يكون هذا اليسر، فإذا المسألة كلها في استظهار الطالب طائفة من آراء النقاد القدماء والمحدثين في الأديب الذي يكلف بدراسته، وطائفة من آثاره الأدبية - أو أن يستظهر ما يسمعه من الأستاذ، أو يراه في كتاب ويكون له صلة لهذا الأديب، يصب ذلك كله في صحيفة الامتحان، فينجح ويحمل هذه الورقة السحرية .. فإذا كان له ذلك فهو منصرف عن الأدب ما عاش ...
ومعنى هذا أنه يرى الأدب شراً، ولكنه -كما قال شيشرون عن الزواج- شرٌّ لا بد منه فهو يحمل منه أقل قسط ينجيه من هول الامتحان، ثم يقذف به ويفر منه ... ونحن نعيذ طلاب البكالوريا أن يكون رأيهم كلهم في الأدب، كرأي صاحبنا هذا وأن يكون همهم جواز الامتحان، وحمل الشهادة، لا درس الأدب لذاته، وإدراك لذَّته، وتلقيه على أنه مظهر من مظاهر الجمال السامي. ونعيذ صفوف البكالوريا من هذا الجمود، أن تستمر فيه. وأن تسلك أبداً هذه المناهج الملتوية التي لا تبلغ بسالكها الغاية، ولا تخرج للناس من تلاميذها كاتباً مجيداً، ولا ناقداً بصيراً ولا شاعراً مطبوعاً .. ولا تأخذ بيد الحركة الأدبية في الشام، فتقيلها عثرتها، وتنهض بها منذ كبوتها. ونعيذ الوزارة من هذا البرنامج، أن تثبت عليه وأن تضطر الطلاب أبداً إلى دراسة هؤلاء الشعراء الماجنين وتفهم أشعارهم، والإحاطة بأخبارهم، وفي ذلك كله أشياء لا ترضى عنها الأخلاق، ولا تستقيم مع الحياء والعفاف. وإذا كان الأدب لا يهتم بالأخلاق ولا يمتنع من
стр. 40
درس الأدباء الجادين والماجنين على السواء، فإن الأمة تهتم بأخلاقها، والأدب شيء كمالي، أما الأخلاق فهي سر حياة الأمم، (فإن هموا ذهبت أخلاقهم ذهبوا)!
الحقيقة في الأدب:
وأول ما ننبه إليه إخواننا طلاب البكالوريا هو أن الأدب لا يعرف الجزم في الحكم، ولا يستطيع أن يقول هذا قانون التحليل الأدبي، وهذا قانون النقد، كما يقول صاحب الطبيعة هذا قانون السقوط، وهذا قانون الجذب، وكما يقول صاحب الرياضيات هذا قانون تساوي المثلثات وهذا قانون التابع ... أي أن الأدب ليس فيه حقيقة كالحقيقة العلمية الموضوعية (Objectif) ولكن فيه حقائق نسبية ذاتية (Subjectif) وإني إذا وضعت للتحليل منهجاً، وعرضته في هذه المقالة. فلن أحمل أحداً على هذا المنهج، ولن أدَّعي أنه المتفرد بالصحة والاستقامة، ولكني أبين عن رأيي واجتهادي، وأنت إذا بحثت يوم الامتحان بحثاً دقيقاً، سرت فيه على طريق واضحة مستقيمة، فبلغت غاية لايرضاها الأساتذة المميزون أو خرجت برأي لا يرونه، فليس يحق لهم أن يتخذوا رأيهم مقياساً، وأن يعدوك مخطئاً، لأن تاريخ الأدب لم يدخل بعد في حظيرة العلوم.
الأدب:
والأدب هو مجموع الآثار الجميلة في لغة من اللغات. أو عصر من عصور هذه اللغة، فالأدب العباسي هو مجموع الأشعار التي تركها لنا شعراء هذا العصر من لدن بشار إلى أبي تمام إلى المتنبي إلى المعري، والرسائل التي خلفها كتابه من ابن المقنع وابن مسعدة، إلى ابن العميد والصاحب، والخطب التي ورثناها عن داود بن علي وشبيب بن شيبة وغير هذا وذاك - والأدب الفرنسي في القرن السابع عشر هو مجموع القصص التي وضعها كورناي وراسين، والمهازل التي ألفها موليير، والحكايات التي صنَّفها لافونتين، وكل كلام بليغ، ومقال شريف، أثر عن أهل ذلك الزمان، وكل ما يهز النفس، ويوقظ فيها الحسَّ بالجمال.
стр. 41
النقد:
الأدباء هم الذين ينتجون هذه الآثار، وينسجونها من خيالاتهم وأفكارهم، أما النقَّاد فهم الذين يَزِنون هذه الآثار ويقوِّمونها. والنقد هو عرض هذه الآثار على الميزان الذي يتخذه الناقد لنفسه، والمبدأ الذي يصدر عنه في أحكامه.
والنقد نقدان: نقد صوري (de forme) ونقد معنوي (de fond) والميزان في الأول اللغة وقواعدها وعلومها. مما لا مجال للرأي فيه ولا سبيل إلى الاختلاف في شيء منه. والميزان في الثاني مذهب الناقد الذي اتخذه لنفسه، وآمن به. ولكنك إذا حققت لم تجد في هذا المذهب إلا رأي الناقد وصورة من نفسه وأسلوبه. مهما حاول النقاد إثبات الموضوعية لمذاهبهم. ذلك لأن الإنسان لا يستطيع أن يتجرد في نقده من نفسه، وأن يبرأ من أسلوبه.
ولعلي لا أكون مغالياً إذا قلت: إن النقد هو الموازنة بين أسلوبين ذاتيين ليس إلا!
تاريخ الأدب:
أما تاريخ الأدب فهو المرحلة التي تلي مرحلة النقد. بل هو الشكل الكامل للنقد. وهو تصنيف الآثار الأدبية (Classification) وبيان تسلسلها وارتباطها بما قبلها وما بعدها. وبعبارة جامعة هو كما يقول بعض الإفرنج: «مجموع القواعد المتعلقة بآثار الفكر والخيال» - وتاريخ الأدب أقرب إلى العلم من الأدب نفسه وإن لم يصبح بعد في مرتبة العلوم.
عناصر التحليل الأدبي:
إن على مؤرخ الأدب عند تأريخه أديباً، وتحليل شخصيته. أن يدرسه من حيث هو رجل له شخصية متميزة كوَّنتها طائفة من العوامل، ونتج عنها طائفة من الأخلاق والسجايا. ومن حيث هو أديب له آثار أدبية تتصل بنفسه صلة
стр. 42
ضعيفة أو قوية، ولها في سلسلة الآثار الأدبية مكان خفي أو ظاهر: أي أن يعرف العوامل التي عملت في تكوين الأديب- ويقف على ميول الأديب وأخلاقه- ويطلع على ترجمته وأخباره- ثم يعمد إلى أدبه فيفهم نصوصه ويحللها- وينظر مقدار صلته بنفس صاحبه- ومقدار تأثيره في عصره- وينطوي تحت كل جملة من هذه الجمل، عنصر من عناصر التحليل الأدبي.
العوامل التي تعمل في تكوين الأديب:
هل إلى حصر هذه العوامل من سبيل؟ هل تستطيع أن تعرف العوامل التي كوَّنت شخصيتك؟ هل تعرف كل خلق من أخلاقك، وطبع من طباعك، من أين مصدره، وما هو منحدره إلى نفسك؟ إن الشخصية تتكون في الإنسان تبعاً لماضيه، والأعمال التي قام بها في هذا الماضي والمكانة التي تبوَّأها، والخطيئات التي ارتكبها، وتتكون تبعاً لحاضره، فتختلف باختلاف منزلته في الحياة، والمرتبة التي حازها، والشهرة التي نالها، والمال الذي حصَّله، وتتكون تبعاً لمستقبله، والآمال التي يحملها في صدره، والسبل التي مهدها لبلوغ تلك الآمال، تتكون شخصية الإنسان تبعاً لعوامل كثيرة معقَّدة، منها الظاهر ومنها الخفي. ولا سبيل إلى استعراضها كلها، ولكنا نستعرض طائفة من العوامل نعتقد أنها ذات الأثر الأكبر في تكوين الأدباء. هي:
الزمان - والبيئة - والثقافة - والوراثة - والتكوين الجسمي.
الزمان:
على إخواننا طلاب البكالوريا أن يتنبَّهوا إذا أخذوا في الكلام على زمان الشاعر، كيلا يقعوا في الخطأ الذي وقع فيه كثيرون، ويحترسوا من أن يكون كلامهم على الزمان كلام مؤرِّخ إذ إن المؤرخ يؤرخ كل شيء، ينال ببحثه السياسة والحروب، والعلم والعادات، وبلاط الملوك ومجامع السوقة، أما مؤرخ الأدب فلا ينبغي له أن ينصرف إلا إلى شيء واحد، يقصر عليه بحثه ويبذل في اكتشافه جهده، هو (الذوق الأدبي العام).
لكل عصر ذوق أدبي عام خاص به، والأديب في كل عصر يحسُّ بضغط
стр. 43
هذا الذوق عليه وسلبه إياه شيئاً من حريته، ولا أحْسَبُ أن أبا نواس مثلاً كان يستطيع أن ينظم هذا الشعر المخجل (١) لو أنه كان في وسط لايقبل ذوقه الأدبي، هذا النوع من الشعر. وأرجو أن لا يفهم مني القراء أن عصر أبي نواس كان عصر مجون وتهتك، فما هذا أردت ولكني أردت أن أقول إن زمان أبي نواس كان فيه من يتذوق هذا النوع من الأدب ويسيغه، كما أن في زماننا من يتذوقه ويسيغه، ويردده بمناسبة وغير مناسبة!
على أن الذوق الأدبي العام، ليس إلا نتيجة لهذه الحوادث السياسية والاجتماعية والعلمية فإذا نحن ألممنا بهذه الحوادث واستنبطنا منها طبيعة هذا الأثر من الوضوح، إذ إن الأدباء لا يتأثَّرون بالزمان على مقياس واحد، ولايخضعون له خضوعاً مطلقاً، بل قد ينشأ فيهم من يتمرَّد على هذا الذوق ويَخْرقه، ويقيم نفسه عدوّاً له. غير أن العداء لا يخرج في رأينا عن أن يكون (عملاً منعكساً) عن تأثير هذا الذوق فيه ولن تجد أديباً في نجوة من تأثير الزمان أو البيئة.
البيئة:
أما الزمان فقد عرفت أننا نعني به الذوق الأدبي العام، فماذا نعني بالبيئة؟ إن البيئة هي هذا الوسط الذي يعيش فيه الشاعر، وهذه البقعة التي يستنشق هواءها، ويتمتَّع بمشاهدها، ويرى وجوه أهلها، ويتكلم بكلامهم، ويقتبس عاداتهم، فيؤثِّر ذلك فيه من حيث يشعر أو لا يشعر ولهذا بالغ بعض النقَّاد في تقدير أثر البيئة في الأدباء، حتى زعموا أن الأديب ليس له من الأمر شيء، وما هو إلَّا مرآة تنعكس فيها صُوَر البيئة وأشكالها، وسواء أكنَّا من أصحاب هذا الرأي أم لم نكن، فإن البيئة من أكبر العوامل في تكوين أخلاق إلانسان. وإن البيئة الصالحة يكون حصادها أناساً صالحين، والبيئة الفاسدة تكون ثمرتها أناساً فاسدين، بل إن الرفاق وهم بعض من هذا الكلِّ الذي نسمِّيه البيئة، يرجع إليهم الفضل في صلاح رفيقهم وعليهم الوزر في فساده.
стр. 44
فليس إذن لمؤرِّخ الأدب بدٌّ من العناية بدرس البيئة وأثرها في الأديب: أي لا بدَّ له من أن يعرف بلد الأديب وطبيعة هذا البلد، وأخلاق أهله، وحالته الاجتماعية، وأن يعرف -معرفة أدقّ- أسرة هذا الأديب، والطريقة التي تربِّي عليها أبناءها، والأخلاق التي تأخذهم بها، وأن يعرف كيف نشأ هذا الأديب، ومن هم رفاقه، وعلى الجملة فعلى مؤرخ الأدب أن ينقِّب عن كل ما له صلة بالشاعر، ووسطه الذي نشأ فيه، وأثر ذلك في تكوين أخلاقه وأدبه ولك في بشَّار وأبي نواس، بل لك ما الأدباء المعاصرين الذين تقرأ لهم وتحبّهم، دليل على قوة هذا الأثر. فلو نشأ أبو نواس في بيئة تقيَّة وَرِعة، ولو نشأ بشَّار في بيئة رفيعة نبيلة، بل لو نشأ أديب من أدباء مصر البارزين في بيئة قروية منعزلة لما كان أبو نواس ولما كان بشَّار ولما كان الأديب على الحال التي تعرفه عليها.
كل هذا واضح لا مشقة في فهمه - ولكن المشقة في تطبيقه، والعُسْر كل العسر في درس هذه البيئة (بالنسبة لمؤرخ الأدب العربي على التخصيص) لأن الباحث المحقِّق الذي ألف البحث واستجابت له المراجع؛ يعجز عن أن يلقى في كتب الأدب العربي أخبار كثيرين من أعلام الأدب في شبابهم، ووصف أسرهم وأصحابهم ليؤلِّف منها صورة للبيئة، فما بالك بطالب البكالوريا الذي لم يعرف -وأحسبه لن يعرف بعد- كيف يفتِّش عن مسألة من المسائل في المكتبة العربية القديمة ولا يدري كيف يوفِّق بين الروايات المتضاربة والأخبار المتباينة، وكيف يصبر على تلاوة هذه التراجم والأخبار المتفرِّقة في عشرات الكتب المطبوعة والمخطوطة منثورة فيها نثراً بلا نظام ولا ترتيب، وإذا هو صبر وعرف كيف يفتش فلن يصل إلى شيء كثير - لأن كثيرين من أعلام الأدب كالجاحظ والبحتري مثلاً قد فقدت سِيَرُهمْ في شبابهم مرَّة واحدة.
الثقافة:
وهناك عامل آخر غير عامل البيئة له أثر كبير في تكوين الأديب، وقد يغلب في كثير من الأحيان على عامل البيئة وقد يقضي عليه ويمحو آثاره، ذلك هو عامل الثقافة، وفي كل إنسان -كما يقول غوستاف لوبون- شخصان مختلفان يتصارعان على الاستئثار بنفسه، والغلبة عليها، أولهما هذا الذي كوَّنته
стр. 45
البيئة، وثانيهما هذا الذي كوَّنته الثقافة. وليس في هذا القول شيء من الغلوّ، بل هو الحقيقة بعينها نراها في حياتنا اليومية في الكثير من الشباب الناشئين في بيئة عربية إسلامية؛ إذ تخالط قلوبهم الثقافة الغربية المشوَّهة، فلا تلبث حتى تجعل منهم شبَّاناً ملحدين؛ يعادون العربية ويؤذون الإسلام.
وإن عاملاً له هذه القوَّة، لا بد لمؤرِّخ الأدب من العناية به، والجدِّ في درسه، ومن أن ينظر فيمن يدرس من الأدباء، هل كان نصيبه من الثقافة كبيراً؟ وما هو لون هذه الثقافة؟ وعمَّن تلقَّاها؟ وما هو أثرها في نفسه؟ وما هو أثرها في أدبه؟ هل استطاعت أن تعدِّل أثر البيئة؟ أو تضعفه؟ هل بدَّلت أخلاق الأديب وسجاياه؟ هل هضمها أم ظهرت كما هي في آثاره الأدبية؟
ما هي الصلة بين فلسفة المعرِّي وثقافته التي حصَّلها؟ ما هو عمل ثقافة الجاحظ في تكوين أدب الجاحظ؟
ثم إننا حيال لونين من ألوان الثقافة: الثقافة اللغوية - إن صحَّ تسميتها ثقافة - ولها عمل كبير في تكوين الأدباء العباسيين الذين كانوا عرباً فسدت لغاتهم، أو من غير العرب، ولم يكن لهم سبيل إلى إتقان العربية إلا بالتعلُّم والدرس والمثابرة، وكثرة الخروج إلى البوادي التي كانت تحتفظ بلغتها الأولى الصحيحة، وهذه الثقافة لا بدَّ منها، لأن اللغة هي وسيلة الإبانة والتعبير عما في النفس، ولايقوي الأدب إلَّا عليها، وعلى مقدار تفاوت حظوظ الأدباء منها تتفاوت حظوظهم من البلاغة والبيان.
والثقافة الفكرية -أو الثقافة على الإطلاق- من دين وعلم وفلسفة، لم يكن للأدباء حظ واحد منها، وإنَّا لنعرف من الأدباء العباسيين من يجهلها مرَّة واحدة، وقد نسيت أن أستثني الدِّين الذي لم يكن يجهله (ولا ينبغي أن يجهله) أحد، ونعرف منهم من ألمَّ منها بطرف، ونعرف قليلاً من الأدباء كالجاحظ والمعري كان لهم منها أوفر نصيب.
والخلاصة أن على طالب البكالوريا أن يعرف ميل الأديب إلى الثقافة ومبلغ اتِّصاله بها؛ ويعرف من هم شيوخه الذين أقرؤوه، وما هي الفنون التي قرأها، وما هو مبلغ تأثير ذلك في أدبه.
стр. 46
الوراثة:
وللوراثة عملٌ في تكوين الأديب، ولكنه دون عمل الزمان والبيئة والثقافة، ولسنا نعني بالوراثة ما يرثه المرء عن أبيه من ميول وأخلاق فقط، بل نعني بها وراثة الدم، نعني هذه الصفات وهذه المزايا التي يمتاز بها شعب من الشعوب، والتي تظهر في أفراد هذا الشعب جميعاً، ولم لا؟ ألا تفهم إذا قيل لك (فلان إنكليزي) أنه بارد الدم لا يثيره شيء؟ ألا تفهم إذا قلت لك إني عربي أني رجل مروءة وشرف وأني لا أصبر على الضيم؟ ألا تشعر أن بعضاً من الصفات قد تقترن في نفسك ببعض الشعوب؟ هذه هي الوراثة التي أعنيها، وقد بسطت آراء الفلاسفة فيها في غير هذه المقالة (١)، فما أحب أن أعيدها هنا، وما كتبت هذه المقالة إلَّا موجزاً ما استطعت الإيجاز، ولكني أحب أن أظهرك على أنهم على خلاف في أمر هذه الوراثة، وأن من يقول بها لا يستطيع أن يثبتها أو يضع لها قانوناً كقانون ماندال في النوع الآخر من الوراثة وأن بعض المستشرقين المعروفين ممن يقول بها قد توصَّل إلى وصف الخيال السامي بأنه واسع وقليل العمق، والخيال الآري بأنه ضيق وعميق، أي أن السامي يصف لك أشياء كثيرة وصفاً سطحياً، والآري يصف شيئاً واحداً وصفاً عميقاً دقيقاً.
وإذا نحن فرضنا هذا صحيحاً أو قريباً من الصحيح نستطيع أن نجد له أدلة من أدبنا في هؤلاء الشعراء الكثيرين الذين امتازوا بالوصف الدقيق وكانوا جميعاً من غير العرب كبشَّار وابن الرومي وابن حمديس، ونحن إذا فرضناه صحيحاً نستطيع أن نتكئ عليه في بحثنا.
التكوين الجسمي:
ألا يؤثِّر التكوين الجسمي في التكوين الأدبي؟ أليست الحواسُّ منافذ النفس التي تطلّ منها على العالم الخارجي؟ أليس كل ما في النفس مستمداً من العالم؟ إذن فلِقوَّة الحواسِّ وضعفها، ولمتانة الجملة العصبية وتهافتها، عمل كبير
стр. 47
في تكوين الأخلاق والميول، أي في تكوين الشخصية الأدبية .. وإذن فبنية بشَّار وحيويَّته المتدفقة، ومعدته القوية، هي التي صنعت غزل بشَّار، ولا غرابة في ذلك فإن خمسة غرامات من السكَّر في بول أشد الناس كفراً وإلحاداً، تجعله -كما يقول أناتول فرانس- أشد الناس إيماناً، وإذن فجمال أبي نواس، وطراوة جسمه، وبياض بشرته سبب نبوغ أبي نواس الشعري ... ولو أن بشَّاراً كان مسلولاً، ضعيف البنية، مهدود الجسم، لما مال إلى المرأة، ولما تغزَّل فيها هذا الغزل الزاخر بالميل الجنسي، ولو أن أبا نواس كان غلاماً بشعاً قبيحاً، لما حمله والبة معه، ولما علَّمه الشعر ولكان أجيراً ذكياً، يطوي الزمان ذكره كما طوى ذكر الملايين من أمثاله (١)!
وطالب البكالوريا يدرك مقدار ما بين الجهاز الهضمي والجملة العصبيَّة من صلة، ويعرف أن التبدُّل الفيزيائي والكيميائي في ناحية من نواحي هذا الجهاز، يلازمه اضطراب في ناحية من الشخصية أي يلازمه اضطراب نفسي، بل إن قبضاً في الأمعاء، يلزم عنه صداع في الرأس يبدّل نظر المرء إلى الدنيا، فيجعله يائساً حزيناً إن كان شاعراً، ومتشائماً إن كان فيلسوفاً، أي أن الأدب والفلسفة قد يبدِّل طريقهما، ويحولهما عن وجهتهما، فنجان من زيت الخروع، أو حبَّة من البولدولاكسين ... وهذا بحث واسع جداً. قد يجرّنا الإيغال فيه إلى شهود المعركة التي لا تنقضي بين الفلاسفة الروحيين والماديين ...
وكل ما يعنينا هنا أن هذا العامل من العوامل القويَّة في تكوين شخصيَّة الأديب، وإن لم يكن كما يرى بعض النقَّاد الذين غالوا في تقديره حتى قال أحدهم: صِفُوا لي الجملة العصبيَّة عند أديب أصف لكم أدبه.
ميول الأديب وأخلاقه - حياته:
فإذا نحن درسنا هذه العوامل وعرفنا أثرها في الأديب، انصرفنا إلى درس هذا الأديب نفسه، ودرس الأديب لا يكون باستظهار آثاره الأدبية فقط، ولا يكون بجمع أخباره وحوادثه، ولا يكون بإحصاء آراء النقاد فيه، أعني أن
стр. 48
الدرس لا يكون بواحد من هذه الأشياء، بل بها كلها، بل إنه يكون قبل هذه كلها، وبعد هذه كلها، بدرس ميوله وأخلاقه - قلت إن معرفة الميول والأخلاق قبل أخبار الرجل وآثاره الأدبية، لأنها هي الوسيلة إلى تمحيص الأخبار، وفهم الآثار الأدبية فهماً صحيحاً، والحكم عليها حكماً مستقيماً، وقلت إنها بعد الأخبار والآثار، لأنها لا تستنبط إلا منها.
على أن هذه الصلة بين أخلاق الأديب وآثاره، ليست وثيقة في أدبنا كما هي في الآداب الغربية، وليس كل شعر نقرؤه في العربية يمثل أخلاق صاحبه وميوله، ولو أن ناقداً اقتصر في بحثه على تحليل الآثار الأدبية لشاعر عربي من غير أن يدرس حياته، وآراء النقَّاد فيه، لكانت نتيجة بحثه بعيدة كل البعد عن الحقيقة، بل إنه سيعتقد أن أبا العلاء كان من الشجعان المغاوير الذين لا يبالون بشيء كما يصوِّر نفسه في قصيدته اللامية، وأن أبا نواس كان متنسِّكاً مشتغلاً بإثبات الوحدانية والاعتبار بمخلوقات الله كما يبدو في مقطوعاته الزهدية!
فلا بد إذن من العناية بآراء النقَّاد المعاصرين للأديب، وحكمهم عليه، على شرط أن يتنبَّه طالب البكالوريا إلى صلة هذا الناقد بالأديب، إلى ما بينهما من صداقة أو عداوة وأن يقدِّر قيمة الحكم بمقدار تنزُّهه عن الأغراض النفسية وبعده عن الرضا والسخط - كما يقدِّر القاضي قيمة الشهادة بمثل هذا المقياس.
ولا بد له إذن من العناية بترجمة الأديب، وتاريخ حياته ولا بد له من تمحيص الرواية والتثبُّت منها قبل الاعتماد عليها. وليست ترجمة الأديب كما يظنُّ طائفة من الأساتذة - عملاً لا أهمية له، بل هي في الغاية من الأهمية واللزوم، وسرد حياة العظيم -مهما كان نوع هذه العظمة- أبلغ في الدلالة على هذا العظيم من درس خال من الأخبار والحوادث.
وإذا أنكر بعض النقَّاد المعاصرين قيمة التراجم فإنما ينكرون الاقتصار عليها، والقناعة من البحث الأدبي بتاريخ ولادة الأديب ووفاته وسرد طائفة من أخباره. أما درس هذه الأخبار واستنباط أخلاق الشاعر منها، ومبلغ ظهور هذه الأخلاق في شعره، فلا يستطيع أن ينكره أحد، وماذا يبقى إذا محونا حياة الأديب؟ وكيف نبني البحث الأدبي إذا نحن أهملنا مواد البناء؟
стр. 49
فدرس حياة الأديب عمل في غاية الأهمية. وهذا البعد بين أخلاق الأديب وأدبه، الذي نلمسه أحياناً في أدبنا يزيد هذه الأهمية، ويحفزنا إلى الدقَّة والعناية بدرس أخلاق الأديب لندرس مقدار الصلة بينها وبين أدبه - وليس يكفينا أن نفهم غزل بشَّار دون أن نعرف شيئاً عن حبِّ بشَار: كيف كان يفهم الحب؟ وهل كان يحب هذه التي يتغزَّل بها؟
وإذا قرأنا فخر المتنبي وجب علينا أن نفهم شعور المتنبي بعزَّة النفس ويجب أن نفهم إباء المتنبي وكبرياءه. وإذا قرأنا مديحاً للبحتري وجب علينا أن نعرف مقدار تعبيره عما في نفسه وأن نعرف وفاء البحتري ومبلغ اعترافه بالجميل ...
دراسة الآثار الأدبية:
كل ما مرَّ بك إنما هو دراسة للرجل، والرجل بآثاره، بها يخلد، وبها يسمو على الألوف المؤلَّفة من أهل زمانه، الذين ضاعت أجسادهم في بطن الأرض، وضاعت أسماؤهم وذكرياتهم في بطن التاريخ، ونحن لا نصنع شيئاً حين ندرس الرجل ونهمل درس آثاره، ولا بدَّ لنا من العناية بهذه الآثار، ولا بد لنا من تحليلها وتصنيفها؛ واكتشاف مصادرها ومواردها، إذ إن الأثر الأدبي هو القسم المضيء من خط طويل غاب طرفاه في الظلام. ومن العبث أن نفتِّش عن فكرة أو صورة انبثقت من صدر صاحبها كاملة، ولم يكن لها بداية سبقه إليها غيره؛ ومن العبث أن نقول إن هذا الشاعر قد جاء بشيء جديد في جوهره وشكله، لأن النفس الإنسانية لا يخرج منها إلا ما دخل إليها من العالم الخارجي، فهي مصنع يأخذ المواد الأولية، ويعطي مصنوعات نافعة جميلة، ولكنه لا ينشئ شيئاً بلا مواد (١) ...
وإذا اعتقد بهذا إخواننا طلَّاب البكالوريا كان لهم في الاقتباس الشعري،
стр. 50
وفي السرقات الشعرية، رأي غير الذي يلقِّنهم إيَّاه مدرِّسوهم - وكنا نحبُّ أن نناقش هذا الرأي لولا أننا نريد الإيجاز ما استطعنا.
فهم النصوص وتحليلها:
إن أول ما يجب على الطالب عند درس الأثر الأدبي هو فهمه، وليس في الإمكان دراسة قصيدة أو قصَّة لم يفهمها صاحب الدرس، وليس في الإمكان فهم القصيدة، ولا سيَّما القصيدة من الشعر الجاهلي، إلا بالاطِّلاع الواسع على اللغة وقواعدها وعلومها. واللغة وقواعدها وعلومها مهملة بعض الإهمال في صفوف البكالوريا، وكثير من طلاب هذه الصفوف لم يتمكَّنوا من النحو والصرف والبلاغة؛ بل لا أغالي إذا قلت إن فيهم من لا يعرف كيف يفتِّش عن كلمة في اللسان أو القاموس، ومن لا يقيم لسانه في قراءة صفحة من كتاب، وهؤلاء يسترون ضعفهم بحفظ طائفة من الأشعار والرسائل، أو على الأصلح بحفظ كلماتها بالحركات التي تجري عليها ألسنتهم (١) والمعنى الذي يبتدر إلى أذهانهم، وكتابتها في ورقة الفحص؛ والفحص كتابي يأمنون فيه أن يفاجؤوا بسؤال يكشف عن ضلالهم في الفهم - في حين أن لدراسة الأدب غاية أسمى من جواز الفحص، والسعي وراء شهادة هي كالسراب يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ... ووجد تعبه قد ذهب في غير طائل ... والوصول إلى هذه الغاية لا يكون إلا من سبيل فهم الآثار الأدبية حقَّ فهمها وذلك بفهم: كلماتها المفردة، والاستعانة بالمعاجم على تفسير غريبها؛ وحل عويلها - ثم فهم جملها؛ والرجوع في المشكل منها إلى أمثال العصر ومصطلحاته وشروح الشرَّاح ومذاهبهم - ثم فهم معنى القطعة كلها، وبيان أقسامها وتعيين الخطَّة التي يسير عليها الأديب حين يعرض الفكرة على القارئ، وبعبارة أخرى معرفة طريقة تفكير الأديب، ومقدار انسجام الفكرة، أو مبلغ تفكُّكِها - هذا إن كانت القطعة الأدبية فكرية، فإن كانت وصفيَّة بحث عن الصور وجمالها وارتباطها
стр. 51
وتسلسلها، لأن الفكرة عماد الأولى، والصورة عماد الثانية ثم التفتيش عن طابع الأديب أي مقارنة هذه القطعة بسائر آثار الأديب، وتحرِّي روح الأديب وأسلوبه فيها، ولنضرب على ذلك مثلاً ابن المقفَّع وابن المقفَّع حين يريد الكلام في فكرة من الفكر، يعرضها موجزة على القارئ كما تعرض الدعوى الرياضية، ثم يثبتها بالجدل أو بالمثال كما يثبت صاحب الرياضة دعواه، ثم يسوق لك نتيجة هذا الجدل، أو مغزى هذا المثل، وإذا هي الفكرة بعينها، وإذا هو كالرياضي ينتهي به الإثبات من حيث بدأ الدعوى (وهو المطلوب!).
وإني عارض عليك فقرة من كليلة ودمنة من الباب الذي أجمعوا على أنه لابن المقفَّع، وهو باب غرض الكتاب ولم أتخيَّرها تخيُّراً وإنما أخذتها كما اتَّفق، قال:
(ومن استكثر من جمع العلوم، وقراءة الكتب، من غير إعمال الرويَّة كان خليقاً أن يصيبه ما أصاب الرجل الذي زعمت العلماء أنه اجتاز ببعض المفاوز فظهر له موضع آثار الكنوز، فجعل يحفر ويطلب فوقع على شيء من عين وورق، فقال في نفسه: إن أنا أخذت في نقل هذا المال قليلاً قليلاً طال علي وقطعني الاشتغال بنقله وإحرازه عن اللذَّة بما أصبت منه؛ ولكن سأستأجر أقواماً يحملونه إلى منزلي وأكون أنا آخرهم، ولا يكون بقي ورائي شيء يشغل فكري بفعله، وأكون قد استظهرت لنفسي في إراحة بدني عن الكدِّ بيسير أجرة أعطيها لهم، ثم جاء بالحمَّالين فجعل يحمل كل واحد منهم ما يطيق فينطلق به إلى منزله فيفوز به حتى إذا لم يبق منه الكنز شيء انطلق خلفهم إلى منزله فلم يجد فيه من المال شيئاً لا قليلاً ولا كثيراً، وإذا كل واحد من الحمَّالين قد فاز بما حمله لنفسه ولم يكن له من ذلك إلا العناء والتعب لأنه لم يفكر في آخر أمره).
وهاك مثالاً آخر، تجد فيه الطريقة بعينها، كما تجدها في جميع آثار ابن المقفَّع الفنيَّة، وكدت أقول القصصية، وهذا المثال تتمة الكلام السابق؛ قال:
(الفكرة) وكذلك من قرأ هذا الكتاب ولم يفهم ما فيه ولم يعلم غرضه
стр. 52
ظاهراً وباطناً لم ينتفع بما بدا له من خطِّه ونقشه (المثال) كما لو أن رجلاً قدم له جوز صحيح لم ينتفع به إلا أن يكسره.
(المثال الثاني) وكان أيضاً كالرجل الذي طلب علم الفصيح من كلام الناس فأتى صديقاً له من العلماء، له علم بالفصاحة فأعلمه حاجته إلى علم الفصيح؛ فرسم له صديقه في صحيفة صفراء فصيح الكلام وتصاريفه ووجوهه، فانصرف إلى منزله فجعل يكثر قراءتها ولا يقف على معانيها، ثم إنه جلس ذات يوم في محفل من أهل العلم والأدب فأخذ في محاورتهم فجرت له كلمة أخطأ فيها فقال له بعض الجماعة إنك قد أخطأت والوجه غير ما تكلمت به، فقال كيف أخطئ وقد قرأت الصحيفة الصفراء وهي في منزلي!
(النتيجة) فكانت مقالته لهم أوجب للحجَّة عليه. وزاده ذلك قرباً من الجهل وبعداً من الأدب.
ثم المقارنة بين هذه الطريقة التي يسير عليها الأديب في تفكيره، واللون الذي يصبغ به أدبه، وبين طريقة غيره من الأدباء.
...
كل هذا من ناحية المعنى، ومن جهة طريقة التفكير، وهناك ناحية أخرى هي ناحية الألفاظ؛ وبالألفاظ وحسنها تتفاوت أقدار الأدباء، لأن المعاني ملقاة على الطريق يستطيع كل إنسان أن يلتقط منها!
هذا ما يقوله نقَّاد العرب، وهذا ما يختلف فيه النقَّاد المعاصرون، على أننا إذا بذَّلنا كلمة الألفاظ بكلمة التعبير، أي إذا قلنا: الأفكار والمعاني ملقاة على الطريق وإنما تتفاوت أقدار الأدباء بتفاوت قدرتهم على التعبير عنها - لما بقي في الأمر خلاف.
وذلك أن كل إنسان يحسُّ بالألم في موقف الوداع، ويحزُّ هذا الألم في نفسه، ويدع الدنيا مظلمة في عينيه، وليس في هذا الحسِّ شيء من النبوغ، ولكن النبوغ والتفوُّق في القدرة على التعبير عن هذا الألم، والقدرة على وصفه!
стр. 53
ولا أحب أن أفيض في هذا الموضوع، كما أنني لا أحب أن أدعه من غير أن أنبه إخواننا إلى أن الكتَّاب ثلاثة:
كاتب همُّه أن ينقل الفكرة التي في رأسه إلى رأسك على أهون سبيل؛ فلا يتخيَّر من الألفاظ إلا أقربها دلالة على هذه الفكرة. ولا من الجمل إلا أقلها إتعاباً لك، وأشدها وضوحاً، وهذا هو أسلوب ابن المقفَّع.
وكاتب يحافظ على الفكرة. ويريد أن ينقلها إليك، ولكنه يحبُّ أن يختار الألفاظ الجميلة، والعبارات الأخَّاذة ليحمِّلها فكرته، أي أنه لا يكتفي بوضوح الأسلوب، بل يفتِّش عن الجمال الفني في هذا الأسلوب، وهذه هي طريقة الجاحظ وابن العميد.
وكاتب يصرف همَّه إلى هذا الجمال الفني اللفظي ولو ضاعت فيه الفكرة أو تقطَّعت أوصالها، وهذا هو أسلوب القاضي الفاضل، وهذا هو شرُّ الأساليب!
وأن أنبِّههم إلى أن من الواجب عند دراسة الأثر الأدبي، دراسة أسلوبه، ومميزات هذا الأسلوب لا من ناحية المعنى فقط، ولا من ناحية الألفاظ فقط، بل من الناحيتين معاً، ولا يمكن أن تنفكَّ الألفاظ عن المعاني أبداً، ولا يمكن أن نذكر كلمة السماء من غير أن نفكر في مدلولها أي في السماء - وأن من الواجب مقارنة هذا الأسلوب بالأساليب الأخرى؛ والبحث عن مصادر هذا الأسلوب، أي عن الكتَّاب الذين تأثَّر بهم صاحب هذا الأسلوب، وعن الكتاب الذي أثَّر فيهم والذين احتذوا أسلوبه، ونسجوا على منواله.
...
فإذا انتهينا إلى هذا الحدِّ من البحث، أي إذا عرفنا الرجل، وعرفنا آثاره، وجب علينا أن نبحث عن الصلة بينها وبينه، عن مبلغ تعبير أدبه عن أخلاقه، ومبلغ وصفه للحياة التي تحيط به، ومبلغ اقترابه من العواطف الإنسانية الثابتة، وتعبيره عنها، أي مبلغ دنوِّه من الخلود!
стр. 54
وبعد، فهذه كلمة موجزة في هذا البحث - أرجو أن أكون قد وفِّقت فيها إلى إنارة السبيل إلى إخواننا طلَّاب البكالوريا الذين طلبوا ذلك إليَّ، وأن أعود إلى هذا البحث فأكتب فيه في وضوح وتفصيل.
***
стр. 55
الملكة والثقافة
[سألني سائل هل الشعر مَلَكَة أم ثقافة، وأيهما أظهر أثراً في تكوين الشاعر.]
وأنا أسأله قبل أن أجيبه: هل الصوت الحسن أظهر أثراً في تكوين المغنِّي المطرب أم الثقافة الموسيقية؟ وأنا أعرف أنه سيقول، إنه لا يكون مغنياً مطرباً حتى يجمع الحسنيين، فيكون حسن الصوت (بالخلقة) واقفاً على المقامات وأصول النغمات (بالتعلُّم). فإن اقتصر على حسن الصوت، لم يستقم غناؤه، ولم يحفظ عنه، وربما أفسد ملكته بجهله. وإن اقتصر على الثقافة الموسيقية، وكان قبيح الصوت، لم يُطرب ولم تُعجب. هذا حق، وكذلك الشاعر.
لا بد للشاعر (أولاً) من ملكة شعرية: استعداد فطري، وحسّ مرهف وخيال مبدع، وما هو من هذا بسبيل، وهذا شيءٌ لا يحصل بالمرانة، ولا يُنال بالتعلُّم، وإنما هو فطرة، كالصوت الحسن، وإن كانت الملكة تصقل وتهذِّب، بالاطِّلاع على آثار البلغاء، كما يهذب الصوت الحسن ويصقل بحفظ أصوات المغنين. ولا بد له (ثانياً) من معرفة اللغة التي ينظم فيها، والوقوف على قواعد التعبير بها، وسنن أهلها في كلامهم، وأن ينظر في آثار أربابها، في عصورها كلها، ويرويها رواية فهم وتذوُّق.
فإن اقتصر على الملكة وحدها، ولم يطَّلع على شيء من هذا كله، كان كشعراء العامة، وفي الشعر العامي ما يزري (بصوره وأخيلته) بكثير من الشعر الفصيح، ولكنه لاتبقى، فهو كتمثال فني بالغ من الجودة غايتها، غير أنه مصنوع من الثلج، فلا تطلُّ عليه شمس الغد حتى يذوب ...
стр. 56
وإن اكتفى بما يأتي به الدرس، ولم تكن له ملكة قط، جاء بشعر صحيح اللغة مستقيم الوزن، لكنه خال من الطبع ومن العاطفة ومن الروح، تقرؤه فلا يهز أوتار قلبك، ولا يثير فيها ذكرى محبَّبة، ولا أملاً مشتهى.
وأكثر الشعراء يجمعون الأمرين، على تفاوت حظوظهم منهما، فمن غلبت عليه الملكة كان شاعراً مطبوعاً عبقرياً، ومن غلبت عليه الصناعة كان شاعراً نابغاً مجوداً.
والفرق بين العبقري والنابغة، أن النابغة في كل فن من الفنون يمشي على رأس القافلة، سابقاً أبداً، أما العبقري فإنه يدع طريقها، ويذهب فيشق لنفسه وللناس طريقاً جديداً.
وشاعر النبوغ والقريحة، لا يظهر فنّه إلا بعد أن يكتمل درسه وتحصيله، ويتدرَّج فيه تدرُّجاً، أما شاعر العبقرية فيظهر فنه فجأة، ويكون على الغالب مبكراً فيه، وربما كمنت عبقريته أيام الصغر إذا لم تجد ما يثيرها فظهرت عند الكبر.
وشاعر القريحة يتبع نمطاً واحداً، فترى شعره كطيَّارات السياحة التي تطير على علوٍّ واحد، وسرعة واحدة، لا تخالفها، وشاعر العبقرية يأتي بالعالي النادر الذي لا يتعلَّق به أحد، ويأتي بالمضحك المزري أو المرذول التافه، كالطيارة المقاتلة تعلو حتى تسامي النجم، ثم تسِفّ حتى تمسّ الأرض.
وشاعر القريحة يجود وينقح ويصحِّح، ويعود على ما ينظم بالنظرة بعد النظرة ولا يخرج شعره إلا بعد الزمن الطويل، وشاعر العبقرية، ينصبّ عليه الشعر انصباباً، فيتمخّض به تمخّض النفساء، فلا يهدأ حتى يأتي وليداً كاملاً وقلَّما يعود عليه بتنقيح وتصحيح.
وإن شئت الأمثلة، فعندك امرؤ القيس وهو شاعر عبقري شقًّ للناس طرقاً في الشعر وعلَّمهم بكاء الديار والغزل العذري والقصصي والإباحي وإلى جنبه النابغة وزهير من شعراء القريحة. وبشَّار وأبو نواس وأبو العتاهية من
стр. 57
العباقرة، وإلى جانبهم شعراء العصر العباسي، مروان ومسلم وصريع الغواني وأشباههم. وأبو تمام وإلى جنبه البحتري، والمتنبي وإلى جنبه أبو فراس، وشوقي وإلى جنبه حافظ (١).
...
стр. 58
بحث في الوظيفة والموظفين
الوظيفة في اللغة: ما يقدَّر للرجل في اليوم من طعام أو رزق أو نحوه؟؛ والوظيفة العهْدُ والشَّرْط؛ والتوظيف تعيين الوظيفة؛ والمواظبة الموافقة والمؤازرة.
والوظيفة في العرف عملٌ يقوم به الرجل للمنفعة العامة، (أي المنفعة المشتركة بين جميع الأفراد الساكنين في المكان القومي) ويأخذ عليه أجرة من الخزانة العامة.
طبيعة الوظيفة ومنشؤها:
البحث في منشأ الوظيفة يقتضي البحث في ظهور الحكومة لأنها مجموع الموظفين، أو بالعبارة الثانية مجموع الأشخاص الذين يقومون بأعمال ضرورية لا تقتصر منفعتها عليهم وحدهم، بل تمتد إلى الهيئة الاجتماعية التي يكون لهم عليها حق الطاعة والانقياد.
وقد أكثر الباحثون من الكلام في منشأ الحكومة وظهر في ذلك كثير من النظريات أشهرها نظرية (العقد الاجتماعي) التي أثارها الفيلسوف الإنكليزي هوبِسْ ١٦٧٩ - ١٩٨٨) (Hobbes)) واشتهر بها من بعد جان جاك روسو، وكان لها أكبر الأثر في الثورة الفرنسية الكبرى؛ غير أنها سقطت الآن، وأصبحت في رأي العلم أسطورة خرافية، وأجمع العلماء على اطِّراحها، لأن هذا العقد لم يوجد أبداً، وهوبِسْ وروسو وإن اختلفا في المبدأ - فرأي الأول أن الإنسان مفطور على الشر، وأن الإنسان ذئب الإنسان Homo homini lupus واعتقد الثاني العكس - وإن اختلفا في هذا فهما متفقان على أن الإنسانية اجتازت دوراً طبيعياً مطلقاً من كل القيود، قبل أن تدخل في
стр. 59
الحياة الاجتماعية وتنشئ الحكومة، وتلك فرضية باطلة. والحقيقة أن الإنسانية لم تعرف هذه الحياة الطبيعية أبداً، وإنما عاشت من البدء حياة اجتماعية ساذجة تتمثَّل في القبيلة والأسرة والجماعة. وهذا الذي يراه العلماء المحدثون مطابق لما جاء في الكتب السماوية.
ولن نفيض في هذا البحث لأنه ليس من غرضنا تحقيق المقال في منشأ الحكومة، ولكن غرضنا عرض مسألة (الوظيفة والموظفين) عرضاً جتماعياً، وبيان صلتها بالحياة العامة، لتعالج وينظر فيها في هذا العهد الذي تقف فيه مصر والشام وغيرهما من الأقطار العربية على مفترق الطرق تصفِّي حساب الماضي تصفية عامة، فتبقي على الصالح وتلقي الفاسد. لذلك ندع الكلام في منشأ الوظيفة، وننظر إليها نظرنا إلى (ضرورة اجتماعية) نشأت من ميل الإنسان الفطري إلى الحياة الاجتماعية. وما ظهر في هذه الحياة من حاجات جديدة ليست حاجة فرد دون فرد، ولكنها حاجة المجموع، استلزم القيام بها انقطاع جماعة من الناس إليها تكفَّل لهم الناس بالمعيشة وعاهدوهم على الطاعة ليمكِّنوهم من إنجاز عملهم الذي انقطعوا له، على نحو ما يفعل الذين ينتسبون إلى جمعية أو ناد أو شركة، حين ينتخبون جماعة منهم يديرون الشركة أو الجمعية ويجعلون لهم راتباً معيناً ويعطونهم حقَّ اتخاذ القرارات ويتعهدون بطاعتها وتنفيذها؛ غير أن جماعة الموظفين أو الحكام لم تنشأ بعقد كهذا العقد، ولكنها نشأت بالتدريج وبشكل طبيعي. والراجح أنها كانت تستند في أول أمرها إلى القوة والطغيان، وأنها كانت إرادة طرف واحد، هو الطرف القوي (الحكَّام) اضطر الفريق الثاني (الشعب) إلى قبولها والخضوع لها، لأنه ضعيف ولأنه رأى وجود هذا الحاكم القوي الظالم أخفَّ الضررين وأهون الشرَّين، إذ لولاه لكانت الحالة فوضى وإذن يكون كل قويٍّ حاكماً على كل ضعيف، فيكون بدل الظالم الواحد ألف ظالم ثم تبدَّل هؤلاء الحاكمون الأقوياء على مرِّ الأيام حتى استحالوا أخيراً موظفين خاضعين لنوع من الأنظمة والقوانين يختلف رقيّها وشدَّتها باختلاف الممالك والبلدان.
أما طبيعة هذه الوظيفة فليس لها شبيه في الحقوق الخاصة.
стр. 60
وخير ما يمكن أن يقال فيها إنها تمثيل شخصية الدولة الحقوقية، والتعبير عن إرادتها، وقديماً كان يشبِّهها فريق من العلماء بالوصاية، ويرون الحكام بمثابة أوصياء على الشعب، ثم اتَّضح أن الوظيفة لا تشبه الوصاية بشيء، وأنها أقرب إلى الوكالة. فَسادَ الرأيُ بأن الحكام وكلاء عن الشعب يقومون بأعمالهم بالنيابة عنهم، ويعبِّرون عن إرادتهم؛؟ بيد أن هذه الوكالة تحتاج إلى موافقة جميع الأفراد، وهذا غير واقع ولا ممكن. فما هي طبيعة هذه الوظيفة إذن؟
إنها كما قلنا من طبيعة خاصة لاشبيه لها في الحقوق الخاصة. «وغاية ما يستطاع أن يقال في هذا الشأن هو تشبيه الحكام - كما أشار إلى ذلك الأستاذ هريو (Hauriou) - بالمتبرعين بالعمل، أي بأفراد يقومون بإدارة مصالح الدولة من دون أن يعهد إليهم بها من قبل جميع الأفراد الذين تتألف منهم الجماعة، ولكن هذا التبرع يختلف عن مثيله في الحقوق الخاصة بأنه لا يحتاج إلى إجازة المتبرع له» (١).
وكون الوظيفة ضرورية يُبَرِّرُ هذا الوضع الشاذَّ للسلطة العامة، أو هيئة الحكام أو الموظفين.
حقوق الموظفين ووجائبهم:
تبينَّ أن تقسيم الهيئة الاجتماعية إلى طبقة الحكام (أعني الموظفين) والمحكومين (أي الشعب)، وتكليف المحكومين بالعمل والكسب لإعالة الحاكمين ضرورة حيوية، ولما كانت القاعدة في الضرورة أنها تقدَّر بقدرها، وأن لها أحكاماً خاصة، وجب أن يمنح هؤلاء الحكام (أي الموظفين) أقلَّ قسط ممكن من الحقوق، لتخفَّ أحمال الشعب، وتقلَّ أتعابه، ويحملوا أكبر مقدار من الوجائب، ليتحقق على أيديهم أكبر قسط ممكن من الخدمة العامة.
أما أن يكون على الموظفين وجائب فأمرٌ أساسي اقتضته طبيعة الوظيفة؛ أما أن يكون لهم حقوق، فأمر ناشئٌ عن تلك الوجائب، يستحيل قيامهم بها دون الحصول على هذه الحقوق.
стр. 61
وأول الوجائب في الوظيفة أن تكون الغاية من إحداثها تحقيق منفعة عامة ضرورية لا يستغنى عنها ولا يمكن تحقيقها إلا بإحداث هذه الوظيفة، وبغير هذا الشرط لا تكون الوظيفة مشروعة، بل تكون شكلاً من أشكال الاستبداد كما لو أحدثت لمنفعة شخص أو لإرشائه أو لتأمين مصلحة خاصة لحزب من الأحزاب، أو جمعية من الجمعيات السياسية.
وثانيها أن يُختار من الأشخاص أقدرهم على تأمين هذه المنفعة وأن يُراعى في اختياره الكفاية الشخصية والمواهب الذاتية، لا الأسرة ولا اللون الحزبي ولا الشفاعات.
ولهم بعد ذلك حقُّ الطاعة على الرعيَّة من غير أن تحتاج عقودهم وأعمالهم ومقرراتهم إلى المصادقة الفردية من جميع المحكومين أو تحتاج إلى حكم قضائي. يؤيد ذلك اعتبار الحكام (الموظفين) منتخبين من قبل الشعب، وحائزين لثقته، وأنهم (لما هم عليه من الصفات والمزايا) أقل خطأً من سائر الأفراد، وأنه لو أعطي الأفراد حق الاعتراض على كل العقود العامة وإقامة الدعاوى دائماً لأدَّى ذلك إلى الفوضى وعرقلة سير القضايا العامة وضياع المصلحة التي من أجلها أوجدت الحكومة.
وبديهي أن حق الطاعة لا يكون للحكام إلا إذا اتَّبعوا الدستور وساروا على القوانين والعادات المرعية.
ومن حقِّ الموظفين الذين انقطعوا عن الكسب لأنفسهم وعن تأمين مصالحهم الخاصة أن تؤمَّن هذه المصالح من قبل الدولة وأن يُمنحوا بعض الامتيازات، ويتمتعوا ببعض الحصانات.
أي أن للموظف قبل كل شيء أن يأخذ راتباً من خزانة الدولة ولكن كيف يقدَّر هذا الراتب؟ وما هو الأسلوب الصحيح لتعيين مقداره المشروع؟
جاء في البخاري عن عائشة: «أن أبا بكر، ﵁، لما استخلف قال: لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤونة أهلي وشُغلت بأمر المسلمين فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال».
стр. 62
وكان الذي فرضوا له بُرْدَيه إذا أخلقهما وضعهما وأخذ مثلهما، وظهره (دابَّته) إذا سافر، ونفقته على أهله، كما كان ينفق قبل أن يستخلف؛ فرضي بذلك (١).
وهذا الأسلوب طبيعي ومقبول، ولكنه شخصي لا يصحُّ اتخاذه قاعدة عامة، لأنه يؤدي إلى الفوضى، ولا يجعل للرواتب أسلوباً معروفاً، ولا أصلاً ثابتاً، ثم إن فيه حَيْفاً على الموظفين المقتصدين الذين كانوا يعيشون قبل الوظيفة عيشة ضيِّقة أو النابغين المفلسين الذين لا يجدون قبل الوظيفة ما ينفقون، كما أن فيه منفعة للمُسْرفين وتشجيعاً لهم على إسرافهم. وقد يرد هذا الاعتراض الأخير بأن الموظف لا يعطى إلا ما فيه تأمين حاجاته الضرورية، غير أن في ذلك ظلماً للموظف ظاهراً.
فما هي القاعدة المقبولة إذن في هذه الرواتب؟ ..
هي أن يعطى الموظف أقلَّ بقليل مما يستطيع أن يحصِّله من العمل الحر، أو ما يحصله رجل مكافئٌ له في المواهب والسجايا والكفاءة من عمل مشابه لعمله؛ وهذا تقدير معقول دائم الاعتبار يختلف باختلاف البلدان والشعوب، وغناها وفقرها، ورقيها وانحطاطها، وكون ما يُعطاه الموظف أقلَّ بقليل مما يستطيع تحصيله في العمل الحر، ناشئ عن فكرة الدوام في الوظيفة بالنسبة للعمل الحر والراحة والاطمئنان فيها؛ فالتاجر لا يضمن لنفسه مقداراً من الربح كل شهر، كما تضمن الدولة للموظف راتبه، والتاجر مهدد بالإفلاس والضياع، وليس على الموظف شيء من ذلك. ثم إن الدولة توفر للموظف من راتبه قسطاً كبيراً يكفيه ويغنيه أيام مرضه وتقاعده عن العمل، والتاجر موكول إلى نفسه. وللرواتب ضابط آخر هو ألَّا تزيد نسبتها في الميزانية العامة عن الخُمْس (عشرين في المئة) وهذا طبيعي لأن الغاية من الحكومة ضمان المنفعة العامة، وهؤلاء الموظفون وسيلة إلى هذه الغاية، أفيعقل أن تكون الوسيلة غاية؟ أيعقل أن يأخذ
стр. 63
الأعضاء الإداريون في الشركة نصف الأرباح؟ كذلك لا يعقل أن يأخذ الموظفون نصف موازنة الدولة رواتب لهم.
...
وقبل أن ندع الحديث عن وجائب الموظفين نعرض هذه المسألة: هل الموظفون عمال يقومون بعمل بعينه ثم إذا وفّوه كانوا أحراراً في أوقاتهم وأعمالهم، أم هم مقيَّدون خارج الوظيفة ببعض القيود؟ وبالعبارة الثانية: ما هي علاقة الأخلاق والسلوك بالوظيفة؟ لا أعني التفكير والاتجاه السياسي أو العمل الأدبي، فإنه لا خلاف في أن للموظف أن يفكّر كما يشاء أو يعمل أي عمل علمي أو أدبي أراد، ويأتي كل ما يجيزه القانون لغيره من الأعمال العامة (١) ولكن أعني السلوك الشخصي، وأكثر الناس على التفريق بين الأخلاق الاجتماعية، كالصدق والأمانة والأخلاق الشخصية كالعفاف فلا يرون ما يمنع الموظف إذا كان أميناً على أموال الدولة، قائماً بما أسندت إليه من عمل أن يسلك سبيل اللهو، وينتهز اللذَّات، ويلبِّي صوت نفسه وجسمه، ولا يرون ذلك قادحاً، ولا يجدون له صلة بالوظيفة.
وهذا الرأي باطل كلّ البطلان، لا سيما في بلاد كبلادنا لا يزال الناس ينظرون فيها إلى الموظف (والموظف الكبير على التخصيص) نظرة إجلال وإكبار، ويتَّخذونه قدوة ويسلكون مسلكه، وقديماً قيل: الناس على دين ملوكهم، فإذا فسد الموظفون فسدت الأخلاق العامة، ثم إن من الوظائف ما له علاقة ماسَّة بالأخلاق وما ينبغي في صاحبه الكمال حتى يكون في نظر الناس سالماً من الشوائب منزَّهاً عن المعايب كوظائف المعارف (التعليم) والعدلية (القضاء). فما ظنُّك بمدرس يقوم في النهار واعظاً معلماً، يوفَّى التبجيل، يكاد يكون رسولاً ... فإذا كان الليل اجتمع هو وتلميذه في الحانة أو الماخور أو اجتمع معه على باطل ...
стр. 64
وما ظنك بمفتش يدخل الصفَّ على المدرِّس، ممثلاً القانون والأمة والدين، يُراقب ويسجل ويكون لقراره صفة التقديس فلا يردَّ ولا يكذب، وتكون مقدَّرات المدرِّس معلقة به، ما ظنك بهذا المفتِّش إذا ذهب في المساء يؤمُّ الحانات أو يطرق أبواب المعلِّمات ... أو يأتي المنكرات؟ وقل مثل ذلك في القاضي، بل ربما كان احتياج القاضي إلى الكمال، في كل أحواله، وفي كافة أموره، أشدَّ من احتياج المعلم، لأنه يجلس مجلس الأنبياء، ويقوم مقام رسول الله ﷺ ، لذلك عنيت القوانين الشرعية، بأخلاق القاضي فلم تكتف بالعلم، وإنما اشترطت فيه بعض الشروط الأخلاقية، فأوجبت فيه أن يكون حكيماً فهيماً مستقيماً أميناً مكيناً متيناً (مجلة - مادة ١٧٩٢) وقيَّدته ببعض القيود فألزمته اجتناب الأفعال والحركات التي تزيل المهابة (مادة: ١٧٩٥) ومنعته من قبول هديَّة الخصمين أبداً (١٧٩٦) ومن الذهاب إلى ضيافة كل من الخصمين قطعاً (١٧٩٧) ... إلخ.
فيا حبَّذا لو عمل بهذه الأحكام، ووضع مثلها للمدرسين ورجال المعارف خاصة، وللموظفين عامة.
وقد يعترض معترض بأن هذه قيود لا يجوز أن يقيَّد بها الموظف، بل يجب أن يتمتَّع بحريته كما يتمتع بها كافة الناس، والجواب أنها قيود حقيقة، ولكنها ضرورية لتأمين الغاية من وجود الموظفين، وهي المنفعة العامة، فإذا كانت هذه القيود شاملة الموظفين، وإذا دخلوا في الوظيفة على معرفة بها، لم تعد قيوداً اضطرارية وإنما تكون بمثابة شرط اختياري، ثم إن في امتيازات الموظفين وحقوقهم التي يمتازون بها من سواد الشعب ما يبرِّر تقييدهم ببعض القيود اللازمة.
تعيين الموظفين:
درسنا الوظيفة على أنها ضرورة حيوية، الدافع إليها والغاية منها المنفعة العامة، وأبَنَّا أن الواجب في اختيار الموظفين، ملاحظة قدرتهم على تحقيق هذه الغاية وكفاءتهم للقيام بها، وهذا هو الحق الذي يقضي به العقل والنقل، جاء
стр. 65
في الحديث عن ابن عباس (١): من استعمل رجلاً من عصابة وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين.
وفي الحديث (٢) عن يزيد بن أبي سفيان قال: قال أبو بكر الصدِّيق حين بعثني إلى الشام: يا يزيد إن لك قرابة عسيت أن تؤثرهم بالإمارة، وذلك أكثر ما أخاف عليك بعد ما قال رسول الله ﷺ : من ولي من أمر المسلمين شيئاً فاستعمل عليهم أحداً محاباة فعليه لعنة الله لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً حتى يدخله جهنَّم.
وكان الشأن في المسلمين الأولين أنهم يفرُّون من الولاية ويخشونها، ولا سيما القضاء فربما عرض عليهم غأبوا، فنالهم أذى فصبروا واحتسبوا ولم يقبلوا. وحديث الأئمة في هذا الباب أبي حنيفة ومالك وغيرهما مشهور معروف، والأحاديث في التنفير من طلب الوظيفة كثيرة جداً حتى عقد لها الحافظ عبد العظيم في (الترغيب والترهيب) باباً مستقلاً. جاء في الحديث الصحيح (الذي رواه الشيخان البخاري ومسلم) عن عبد الرحمن بن سمرة: يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها.
وروى أبو داود والترمذي عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: من ابتغى القضاء وسأل فيه شفعاء وكل إلى نفسه ومن أكره عليه أنزل الله عليه ملكاً يسدِّده.
وروى مسلم وأبو داود عن أبي ذر قال: قلت يارسول الله ألا تستعملني؟ فضرب بيده على منكبي، ثم قال: يا أبا ذر: إنك ضعيف وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلَّا من أخذها بحقِّها وأدَّى الذي عليه فيها.
стр. 66
وكان النبي ﷺ لا يولِّي أحداً حرص على الولاية أو سألها. جاء في الحديث (الذي رواه البخاري ومسلم وأبو داود) عن أبي موسى. قال: دخلت على النبي ﷺ أنا ورجلان من بني عمي، فقال أحدهما: يا رسول الله، أمِّرنا على بعض ما ولَّاك الله تعالى. وقال الآخر مثل ذلك. فقال: إنا والله لا نولِّي هذا العمل أحداً سأله أو أحداً حرص عليه.
...
هذا هو الأصل في تعيين الموظفين، يُختار الأصلح للعمل، الأقدر عليه وهو مقيم في بيته، ويُحتال عليه بالإقناع وبالتهديد حتى يقبل مكرهاً فانتهى الأمر عندنا إلى ما يعلمه الناس كلهم، وأصبحتَ تعرض المئة من الموظفين فلا تكاد تجد اثنين من أهل الكفاءات، وإنما تجد من أدخلته الوظيفة شفاعة شفيع، أو جاه وسيط؛ وخير شفيع اليوم «شفيع النوَّاب» (١) وخير وسيط «الأصفر الرنان» أو غير ذلك مما يعلم ولا يقال، وما في قلب كل قارئٍ منه غصَّة، وما يحفظ منه كل قارئٍ حوادث وأخباراً ...
...
стр. 67
الحلقة المفقودة (*)
نشرت سنة ١٩٣٧
نحن اليوم (في الشرق الإسلامي) في دور انتقال ليس له وضع ثابت، ولا صفة معروفة، فلا نحن نعيش حياة إسلامية شرقية كما كان يعيش أجدادنا، ولا نحن نعيش حياة غربية خالصة كالتي يحياها الأوروبيون، ولكنا نعيش حياة مختلطة مضطربة متناقضة فيها ما هو شرقي إسلامي، وفيها ما هو غربي أجنبي، وفيها ما ليس بالشرقي ولا بالغربي، ولكنه منقول نقلاً محرَّفاً مشوَّهاً عن هذا أو ذاك. بل أنت إذا دقَّقت وأمعنت النظر في حياتنا وجدت لها جانبين مختلفين، ولونين متباينين: الجانب الذي يميل إلى المحافظة، والجانب الذي يجنح إلى التجديد. وهذان الجانبان تلقاهما في كل عهد من عهود الانتقال في التاريخ؛ ففي مطلع العصر العباسي كنت تجد في بغداد المحدِّثين والزهَّاد والفقهاء كسفيان والفضيل وأبي حنيفة، وإلى جانبهم الفسَّاق والمجَّان كبشَار وأبي نواس، والمتعصبين للعربية والشعوبيين، ومن كل صفة زوجان، ولكل أمر ناحيتان، وكذلك كان شأن الرومان أول اختلاطهم باليونان.
قف ساعة في أي شارع كبير في أي مدينة من مدن الشرق الإسلامي واعْرض الأزياء، تر الإزار والعقال إلى جانب العمامة، إلى الطربوش، إلى القبَّعة، إلى اللاطية. حتى إن أجنبياً وقف مرة هذا الموقف فظن أن القوم في عيد المساخر (الكارنفال). وادخل عشرة بيوت تجد البيت الشرقي ذا الصحن الواسع والإيوان المشمخر والبركة ذات النوافير، إلى جانب البيت الأوروبي المسقوف
стр. 68
المتداخل الذي لا ترى فيه السماء إلا من الشُّرَف. ولج البيت الواحد تجد الغرفة ذات الفرش العربي: الأسرَّة والمتَّكآت والوسائد والبسط والنمارق، إلى جانب الغرفة الأوروبية ذات المقاعد والمناضد ... واعرض أهل الدار تجد بين الأب وابنه قرناً كاملاً في اللباس والتفكير والعادات. وفتِّش عن الأب المساء تَلْقَهُ في المسجد أو قهوة الحي، ثم انظر الابن تجده في أحدث مرقص أو أكبر ناد للقمار أو للتمثيل أو للمحاضرات. وانظر إلى الأم المحتجبة المصلِّية الصائمة، وابنتها السافرة التي لا تعرف من أين القبلة، ولا تدري ما هو الصيام. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، ولكنه تعدَّاه إلى الثقافة والعلم وسائر الأمور التي تتَّصل بحياة الأمة اتِّصالاً ماسّاً، فجعل منها هذا الازدواج وهذا التناقض. اجتمع باثنين من المثقفين بالثقافة الإسلامية والثقافة الغربية، تَرَ الثاني ينكر المكتبة العربية جملة، ويجحدها مرة واحدة، وينبزها بالكتب الصفراء والثقافة الرجعية الجامدة، لا يدري أن المكتبة العربية أجلّ تراث علمي عرفه البشر وأعظمه، وأنها رغم ما أصابها من نكبات: منها نكبة هولاكو حين ألقى الكتب في دجلة حتى اسودَّ ماؤه -فيما نقلوا- من حبرها، ونكبة الاسبان حين أحرقوا الكتب وفيها حصاد أدمغة البشر قروناً طويلة، ولبثوا ليالي يستضيئون بنورها إلى الصباح؛ ورغم ما أضاعه الجهل والإهمال لا تزال مخطوطاتها تغذِّي المطبعات في الشرق والغرب من مئة وخمسين سنة إلى الآن دَأباً بلا انقطاع، ولا يزال فيها ما يغذيها خمسين سنة أخرى في كل ناحية من نواحي التفكير وفي كل فرع من فروع العلم.
وتجد الأول ينكر العلم الحديث كله ويجحده بجملته ويعيش اليوم بعقل جدِّه الذي كان قبل ثلاثمئة سنة، فلا علم عنده إلا علم العربية والدين والمنطق، ولا أدب إلا الأدب العربي، ولا كتب إلا هذه الحواشي والشروح التي لم تصلح أبداً حتى تصلح اليوم، والتي لا يتصوَّر العقل طريقة في التأليف أشدَّ عُقماً منها، إذ تذهب ثلاثة أرباع جهود المدرِّس والتلميذ في فهم عباراتها وحلِّ رموزها والربع الباقي في فهم مادة العلم التي لا يخرج منها التلميذ على الغالب بطائل.
فرجالنا المثقفون وعلماؤنا بين رجلين: رجل درس الثقافة الإسلامية،
стр. 69
ولكنه لم يفهم شيئاً من روح العصر، ولا يسمع بالعلم الحديث، ورجل فهم روح العصر ودرس العلم الحديث، ولكنه لم يدرِ أن في الدنيا شيئاً اسمه ثقافة إسلامية ... فمن أي هذين الرجلين ننظر النفع؟ لا من هذا ولا من ذاك، ولكننا ننظر النفع من الرجل الذي عرف الإسلام وعلومه، وفهم روح العصر وألمَّ بالعلم الحديث (١)، هذه الطبقة المنتظرة من العلماء، هذه الحلقة المفقودة هي التي يرجى منها أن تقوم بكل شيء، وهي التي سينشئها الأزهر المعمور ودار العلوم العليا، والمدارس التي شيدت لتجمع بين الثقافتين كالكلية الشرعية في بيروت، ودار العلوم في بغداد، وينشئها من يتخرَّج في المدارس العليا والجامعات ويكون ذا ميل إلى الدين، ويكون له إلمام بعلومه.
...
من هذه الطبقة ينتظر النفع والفلاح، وعلى هذه الطبقة واجبات كثيرة يجمعها أصل واحد، هو دراسة الإسلام على أساس العلم الحديث واستخراج رأيه في مشاكل العصر، وحكمه في الأحداث التي لم يعرفها الفقهاء ولم تحدث في أيامهم. وأهم من هذا كله الآن استخراج القوانين الأساسية والحقوقية والجزائية من الفقه الإسلامي، بدلاً من أخذ القوانين الأجنبية برمَّتها وتطبيقها في البلاد الإسلامية التي انبثق منها أعظم تشريع عرف إلى الآن وأرقاه. وهذا العمل يبدأ بالدراسات العلمية الفردية ثم يصل إلى الغاية المتوخَّاة، وهي أن تتم إحدى الحكومات الإسلامية العمل الذي بدأته لجنة المجلة (مجلة الأحكام العدلية) لكن بمقياس أوسع ونسبة أكبر، فلا تتقيَّد هذه اللجنة بمذهب واحد من المذاهب الأربعة، بل لا بأس أن تأخذ بعض الأقوال من مذهب آخر، ولا تتقيد بالمذاهب الأربعة، بل لا بأس أن تأخذ بقول لبعض الأئمة الذين اندثرت مذاهبهم، كالثوري والأوزاعي والليث والطبري والظاهري، إن صحَّ مستند هذا القول، ولا تتقيد أيضاً بهذه الأقوال، بل تجتهد كما اجتهد الأئمة، وتأخذ الأحكام من الكتاب والسنة رأساً، وأن تبحث عن المصلحة التي يقتضيها النص، فإن الشريعة ما أنزلت عبثاً، والأحكام لم تشرع لغواً، ولكن لكل حكم
стр. 70
مصلحة. ومن دقَّق في اجتهادات الخلفاء الراشدين وجد أنهم يدورون مع المصلحة أينما دارت. هذا عمر، ﵁، علم أن المصلحة المرادة من إعطاء المؤلَّفة قلوبهم سهماً من الزكاة إنما هي تقوية الإسلام وإعزازه، فلما حصلت المصلحة وعزَّ الإسلام أسقط سهم المؤلفة. وهذه مسألة طلاق الثلاث بكلمة واحدة كان يقع واحدة على عهد النبي ﷺ وعلى عهد أبي بكر وصدراً من خلافة عمر فرأى عمر أن المصلحة (في أيَّامه) في إيقاعه ثلاثاً فأوقعه مع أن الآية صريحة في أن الطلاق مرتان (وقد عادت المصلحة اليوم في إيقاعه طلاقاً واحداً والرجوع إلى الأصل المعروف من الكتاب والسنَّة). وعطَّل عمر حدَّ السارق في عام المجاعة. وهذا عثمان جمع الناس على حرف واحد من حروف القرآن، لأن المصلحة تقتضي هذا الجمع. والحكومة الإسلامية التي يؤمَّل منها تحقيق هذا المشروع العظيم هي مصر وحدها، لأنها الحكومة الإسلامية الكبيرة، ولأنها وحدها التي ينصُّ دستورها على أن دينها الرسمي الإسلام، ولأن فيها الأزهر المعمور وفيها العلماء، ولأن فيها اتجاهاً إسلامياً قوياً ظهر في السنين الأخيرة، ودعوة قوية إلى استبدال القوانين الإسلامية بالقوانين الأجنبية.
ولو أني وجَّهت هذه الدعوة قبل عشر سنين مثلاً لعرضت لها المعارضة من ناحيتين: ناحية المشايخ الجامدين، وناحية الشباب الجاحدين. أما الأول فلأنهم كانوا يعتقدون أن الاجتهاد سدَّ بابه إلى يوم القيامة (١)، وأن الفقهاء لم يدعوا شيئاً إلا بيَّنوا حكمه مع أن المسألتين مردودتان، لأن سدَّ باب الاجتهاد معناه الحظر على الله أن يخلق مثل أبي حنيفة، وهذا محال. وما دامت الأرحام تمتلئ، والنساء تلد، فليس مستحيلاً أن ينشأ مجتهدون وأئمة ونابغون يفوقون الأولين - ولأن الفقهاء وإن بذلوا الجهد، وفرضوا في كثير من المسائل أبعد الفرضيات، وبيَّنوا حكمها، فإن من البديهي أنهم لم يتكلموا في المسائل التي ظهرت الآن ولم يعرفوها. وإذا كان الإمام الشافعي قد غيَّر رأيه في أكثر مسائل المذهب، حين
стр. 71
انتقل إلى مصر، ورأى أفقاً جديداً، حتى صار له مذهبان قديم وجديد، فَلِمَ لايتغيَّر الرأي في كثير من المسائل، وقد تغير العالم كله، وتبدَّلت الدنيا، والإسلام صالح لكل زمان ومكان، والأحكام تتغير بتغيُّر الأزمان؟
أما الشباب الجاحدون فقد كانوا يعارضون هذه الدعوة لأنهم كانوا ينفرون من كل ما يتصل بالإسلام، أو يمتُّ إلى الدين بسبب، ويموتون عشقاً لأوروبَّة، ولكل ما له علاقة بأوروبة.
أما الآن فقد اعتدلت الطائفتان، فلم يبق على وجه الأرض عالم مسلم يقول بسدِّ باب الاجتهاد، ويدَّعي أن الفقهاء لم يتركوا شيئاً كان أو يكون إلا بينوا حكم الله فيه؛ ولم يبق في الشباب المتعلمين (والمثقفين حقاً) من ينفر من الدين، ويفزع منه اسمه، بل إن العقلية العربية (ولا سيما في مصر) قد اتَّجهت نحو الإسلام اتجاهاً قوياً ملموساً؛ فعلماء مصر، وطلَّاب مصر، ورجالات مصر، مؤيدون للإسلام متجهون إليه، وهذا مما يسر، ويبعث الأمل في نشوء هذه الحلقة المفقودة، وإنجاز هذه الواجبات كلها.
...
والمسائل التي تحتاج إلى نظر وبحث واجتهاد كثيرة لا أستطيع الآن -ولا أريد- أن أستقريها كلها، ولكني أمثِّل لها بأمثلة قليلة قريبة.
هذا رمضان قد جاء. أفلا يجب إعادة النظر (مثلاً) في مسألة ثبوت الهلال؟ أليست هذه الطريقة المتَّبعة اليوم في أكثر البلدان الإسلامية مؤدية إلى الفوضى الظاهرة والنتائج الغريبة المضحكة؟ ألم تمر سنوات ثبت فيها رمضان في بعض البلدان الإسلامية السبت، وفي غيرها الأحد وفي أخرى اللإثنين ... وهو يبدأ في الواقع في يوم واحد؟ ألا يبدو هذا مخالفاً لجوهر الدين؟.
أنا لا أدعو إلى بدعة جديدة، فقد تكلَّهم الفقهاء في هذه المسألة، فمن فقهاء الحنفية من قال بأن رؤية الهلال في قطر توجب الصيام على الجميع، فلماذا لا تتَّخذ مرصداً منتظماً في إحدى البلدان الإسلامية، ثم تذاع نتائج رصده على البلدان الإسلامية كافة فيعمل بها؟ أنكون بذلك مخالفين أو مبتدعين، والفقهاء قد قالوا بهذا؟
стр. 72
ومن فقهاء الشافعية كالقفَّال والرملي وابن سريج من قال بالأخذ بالحساب، والاعتماد على العلم الثابت، فلماذا لا نأخذ بهذه الأقوال، ونحن في عصر ترقَّى فيه العلم، وصار يعرف موعد الخسوف مثلاً، بالدقيقة والثانية، ويثبت خبره عياناً، أفلا يعرف موعد ولادة القمر وظهوره؟
إن الاعتماد على الشهادة في رؤية الهلال ينتج أموراً عجيبة، من ذلك أن جماعة من قرية دوما شهدوا عند القاضي بدمشق أنهم رأوا الهلال، وأثبت القاضي رمضان اعتماداً على شهادتهم، فقال عمي الشيخ عبد القادر الطنطاوي: إن هذه الشهادة كاذبة وإن الهلال لا يمكن أن يُرى الليلة الثانية، فضلاً عن الأولى. وذهب مع القاضي وجماعة من وجوه الشام إلى دوما، وأحضر الشهود، ووقف معهم في المكان الذي زعموا أنهم رأوا منه الهلال في الجهة عينها، والساعة ذاتها، وسألهم: أين الهلال؟ فلم يروا شيئاً. ثم قال واحد: ها هو، فقال الجميع ها هو، فأخرج عمي نظارة مكبرة وأراهم، فإذا الذي رأوا غمامة طولها متران، انقشعت بعد ثوان!
وقد حدث مثل هذا كثيراً. سمعت من مشايخي، ولم أر ذلك في كتاب، أن أنس بن مالك، ﵁، شهد عند شريح القاضي أنه رأى الهلال، فقال له: هلمَّ أرِنيه يا عم. وذهب معه، فقال: ها هو. فنظر شريح وهو الشابُّ الحديد البصر، فلم يَرَ شيئاً وأنس يقول: ها هو ... فنظر شريح فإذا شعرة من حاجب أنت بيضاء متدلية ويراها فيحسبها هلالاً ... فأزاحها فلم يعد يرى شيئاً.
ومنها مسألة الطلاق، لقد بلغت مسألة الطلاق حداً لا يجوز السكوت عنه، ولا بدَّ من إعادة النظر فيها. وشَرْعِ قانون لها يؤمن المصلحة العامة، ويحقِّق غرض الشارع.
يكون الرجل في السوق يبيع أو يشتري فيحلف بالطلاق على أمر، فتطلَّق امرأته وهي في دارها، ويتشرَّد أولادها، وتنهدم دار على رؤوس أهلها؛
стр. 73
أو يغضب من أمر فيحلف بالطلاق، مع أن الذي أفهمه أنا أن الزواج عقد يعقد قصداً يراد به ضمُّ حياة الرجل إلى حياة المرأة، وأن الطلاق عقد مثله يراد به حلُّ العقد الأول، ولا بأس أن يكون حلُّ العقد بيد الرجل وحده ولكن لا بدَّ من ثبوت القصد، وأعني بالقصد أن يطلِّق الرجل وهو يفكِّر في معنى الطلاق ونتائجه، ويقصد فكَّ الرابطة الزوجية فيجب أن يكون القصد شرطاً في وقوع الطلاق، ويجب أن نجد طريقة مادية لإثبات القصد، كأن يشترط تبليغ الزوجة الطلاق بواسطة موظف مخصوص ينصبه القاضي فإن طلَّق رجل وهو قاصد من غير واسطة هذا الموظف، يقع الطلاق ديناً، ولا تسمع به الدعوى.
هذا وأنا لا أجتهد في هذه المسألة ولكن أدعو إلى الاجتهاد فيها ودرسها. وهناك مسائل كثيرة، لا أعمد الآن إلى استقصائها.
...
متى وجدت هذه الحلقة المفقودة درست هذه المسائل كلها، فحققت حاجات العصر وأجابت مطالبه، ولم تخرج على أصول الإسلام ولم تخالف قواعده ودرست الإسلام من كافة النواحي العلمية والفنية والاجتماعية، فإن درسنا الحقوق الأساسية العامة، درسنا الحقوق الأساسية في الإسلام، وإن بحثنا في الاشتراكية بحثنا عن رأي الإسلام في الاشتراكية، وإن انقطعنا إلى التاريخ درسنا التاريخ الإسلامي درساً حديثاً، وإن اشتغلنا بالفلسفة درسنا تاريخها في الإسلام، وحكم الإسلام في نظرياتها ومسائلها ... (١)
стр. 74
عند ذلك يمَّحي هذا الازدواج، وهذا التناقض من حياتنا، ونحيا حياة كاملة قد اصطبغت كل ناحية فيها بالصبغة الإسلامية وهذا هو مثلنا الأعلى الذي يجب أن نطمح إليه ...
стр. 75
من شوارد الشواهد
نشرت سنة ١٩٤٧
سألني سائل عن بيت:
فما كان قيس هلكهُ هلكَ واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدَّما
المروي في عدد الرسالة الأخير، لمن هو؟ فقلت: لعَبْدة بن الطبيب، واسم الطبيب يزيد بن عمرو، وهو شاعر مخضرم معروف من قصيدته التي يرثي بها قيس بن عاصم المنقري وقبله:
عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحَّما
تحيَّةَ من غادرته غرض الردى ... إذا زار (عن شحط (١)) بلادَك سلَّما
ففرح بذلك فرح من كان عنده لقيط فعرف نسبه، وكنت قد واليت البحث عن أمثاله من الأبيات الشاردة - التي لا تكاد تجد أديباً ولا متأدِّباً لا يتمثل بها إذا كتب أو خطب، وقلَّ في المتأدبين من علم أنسابها، وعرف أصحابها - حتى اجتمع لي طائفة صالحة، تملأ مجلَّدة لطيفة، فرأيت أن أنسب بعضها في الرسالة.
من ذلك:
١ - لا تَنْهَ عن خلق وتأتي مثله ... عارٌ عليك إذا فعلت عظيم
للمتوكِّل الليثي، وهو شاعر إسلامي، كان يمدح معاوية وابنه يزيد. من قصيدته التي يقول فيها:
للغانيات بذي المجاز رسوم ... فببطن مكة عهدهنَّ قديم