← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14456

فكر ومباحث

علي الطنطاوي

Полный текст (209 стр.). Показаны 176–209 · переход к 181.

стр. 176

مشكلة: الحكم الشرعي على أن هذه النفقة حقٌّ شخصي لصاحبها. ليست لغيره أن يطالب به، ويمكن في رأيي تنظيم أمر النفقات وجعلها مصدراً مالياً لمشروعات التكافل، من غير إخلال بالحكم الشرعي، بأن يوقِّع الفقير الذي يستحق هذه المعونة العامة وكالة (لمصلحة التكافل)، وهي تخاصم عنه قريبه، وما تحصِّله من القريب يكون مورداً للمصلحة، مقابل ما تدفعه للفقير، على نحو ما جرت عليه مصر في أجور الخبراء بعد إنشاء إدارة الخبراء في وزارة العدل المصرية. والمشكلة هنا هي أننا في هذا التوحيد للواردات والمصروفات، نكون قد ألزمنا زيداً من الناس بنفقة من لا تلزمه نفقته. أي أنه إذا كان لدينا فقيران، قدِّرت النفقة لأحدهما على قريبه الغني بمئة ليرة في الشهر، وللآخر بثلاثين، والمعونة المخصصة لكل منهما هي خمس وستون، فيكون القريب الغني للأول قد ألزم بنفقة الفقير الثاني. وإن جرينا على الحكم الشرعي وكانت المصلحة واسطة للتحصيل فقط، ولم توحِّد الأموال التي تحصلها، تكون قد أعطت فقيرين متماثلين، مبالغ متفاوتة جداً. وهذه المشكلة تحتاج إلى بحث في اللجنة. مورد آخر لتمويل المشروع: وما دمنا نبحث في تمويل المشروع من الزكاة والوقف ونفقة الأقارب فإنني أذكر بالمناسبة مورداً آخر غزيراً جداً هو الوصايا، ونحن نسجِّل في المحكمة الشرعية في دمشق كل سنة وصايا بمبالغ طائلة يكون أكثرها في البدع والمخالفات (١) وللدجَّالين وأصحاب الطرق، وقد حاولت تنظيم أمر صرفها

стр. 177

بإرشاد الموصين إلى أوجه البر والخير فيها، فلو أن المصلحة التي ستنشأ للتكافل الاجتماعي فكَّرت في طريق هذا التنظيم لكان لها من ذلك مورد كبير ولدفعت به عن الأمة هذا الشرَّ المستطير. ***

стр. 178

تعبير الرؤيا لابن قتيبة وصف وتلخيص لنسخة ثمينة من كتاب مفقود نشرت سنة ١٩٣٥ [يزاول ابن قتيبة في هذا الكتاب بأسلوبه المتين، وطريقته السوية، بحثاً هو اليوم جديد في اللغات الأوروبية، لم يكد يعرفه أصحابها قبل فرويد النمساوي وأصحابه: يونج السويسري، وادلر الألماني، وبودوان الفرنسي، ورفرز الإنجليزي، وهو يتفق وهؤلاء الباحثين في كثير من مسائل هذا البحث، وإنما يختلف عنهم في أنه استمدَّ من معين النبوَّة، فأصاب كبد الحقيقة، وتمكن من سواء الثغرة. واتكلوا على ظنونهم، فحاموا حول الورد، وصدروا من غير ري! والكتاب كما سترى في وصفه من الكتب الجليلة التي نرجو أن يتيح الله لها ناشراً، وهذه النسخة التي نصفها من مخطوطات (المكتبة العربية) العامرة (بدمشق).] ... أما تعبير الرؤيا فقد ثبت في الدين، ونطقت به السنَّة، وتواترت به الأخبار: أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة، ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة». وأخرج البخاري ومسلم والترمذي عن سَمُرَة بن جُندب، أنه قال، قال رسول الله ﷺ : «نحن الآخرون السابقون، وبينا أنا نائم إذ أوتيت خزائن الأرض، فوضع في يديَّ سواران من ذهب، فكبرا عليَّ وأهمَّاني، فأوحي إليَّ أن أنفخهما، فنفختهما فطارا. فأوَّلتهما الكذابين اللذين أنا بينهما: صاحب صنعاء (أي الأسود) وصاحب اليمامة (أي مسيلمة).

стр. 179

والأخبار في ذلك مستفيضة. وأما ابن قتيبة، فهو الإمام العَلَم. صاحب التصانيف الجليلة: أدب الكاتب، وعيون الأخبار، وطبقات الشعراء، والميسر والقداح، والمعارف (١) وغيرها ... قال فيه شيخ الإسلام ابن تيمية في تفسير سورة الإخلاص: «هو لأهل السنَّة مثل الجاحظ للمعتزلة»، وقال الحافظ السيوطي في البغية: «كان ابن قتيبة رأساً في العربية واللغة والأخبار وأيام الناس، ثقة ديِّناً فاضلاً»، وقالت القاضي ابن خلكان: «وكان فاضلاً ثقة وتصانيفه كلها مفيدة»، وقال الخطيب البغدادي: «كان ثقة ديِّناً فاضلاً»، وقال الحافظ الذهبي: «ما علمت أحداً اتَّهمه في نقله»، وقال ابن النديم: «كان صادقاً فيما يرويه، عالماً باللغة والنحو وغريب القرآن ومعانيه، والشعر والفقه، كثير التصنيف والتأليف، توفي ابن قتيبة سنة (٢٧٦) وله (٦٣) سنة. أما كتابه تعبير الرؤيا فقد ذكره ابن النديم في الفهرست في باب الكتب المؤلفة في تعبير الرؤيا، وسمَّاه تعبير الرؤيا. وذكره أبو الطيب اللغوي في كتابه (مراتب النحويين) كما نقل الأستاذ محب الدين الخطيب في مقدمة (الميسر والقداح) (٢). وذكره في كتاب (فهرست ما رواه عن شيوخه من الدواوين المصنَّفة في ضروب العلم وأنواع المعارف الشيخ أبو بكر بن خير بن عمر بن خليفة الأموي الإشبيلي (طبع سرقسطه سنة ١٨٩٣) باسم (عبارة الرؤيا) قال:

стр. 180

كتاب عبارة الرؤيا لابن قتيبة؛ حدثني به أبو بكر بن محمد بن أحمد بن طاهر، ﵀، عن أبي علي الغساني، قال: حدثني به أبو العاصي حكم بن محمد الجذامي، عن أبي بكر أحمد بن محمد بن إسماعيل المهندس. عن أحمد بن مروان المالكي عن ابن قتيبة. ثم ذكر لروايته طريقاً أخرى، والنسخة التي نصفها مرويَّة من طريق أقصر وتلتقي برواية أبي بكر هذا عند أحمد بن مروان المالكي، وهذا مما يثبت صحة نسبة هذه النسخة لابن قتيبة، ﵀. وقال الزمخشري في (الفائق) في مادة (جنه) وهو يفسر بين الفرزدق (١): في كفِّه جُنَهيٌّ ريحهُ عَبقٌ ... من كفِّ أرْوعَ في عرنينه شَممُ قال القتيبي (يعني ابن قتيبة) الجنهي، الخيزران. ومعرفتي بهذه الكلمة عجيبة، وذلك أن رجلًا من أصحاب الغريب سألني عنه (الجنهي) فلم أعرفه. فلما أخذت من الليل مضجعي أتاني آت في المنام، فقال لي: ألا أخبرته عن الجنهي؟ قلت: لم أعرفه، قال: هو الخيزُران! فسألته شاهداً، فقال: «هدية طرفنَّه، في طبق مجنَّه»، فهببت وأنا أكثر التعجب، فلم ألبث إلا يسيراً، حتى سمعت من ينشد: في كفِّه جنهي ... وكنت أعرفه: في كفِّه خيزران ... قال في (تاج العروس) في تفسير الجنهي: هو الخيزران، رواه الجوهري، عن القتيبي قال (يعني ابن قتيبة): وسمعت من ينشد: في كفه جنهي ... والقصة التي رواها الزمخشري مروية في الورقة الخامسة عشرة من المخطوط الذي نصفه، وهذا مما يثبت صحة نسبته إلى ابن قتيبة، ومما يثبت هذه النسبة أسلوب الكتاب، فإنه لا يكاد يختلف عن الأسلوب الذي نعرفه لابن قتيبة، في تحقيقه اللغوي وتفسيره الغريب، وإكثاره من الشواهد.

стр. 181

أما هذه النسخة فتقع في (١٣٤) صفحة من القطع الصغير في كل صفحة (١٥) سطراً، وهي مكتوبة بخط نسخي جميل، على ورق صقيل، ويزيد عمرها على (٥٠٠) سنة. في الصفحة الأولى منها، اسم الكتاب: كتاب عبارة الرؤيا تصنيف أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدِّينوَري، ﵁. وفيها كتابات أخرى، أكثرها ممحوٌّ: من مواهب ذي الكرم على عبده رجب الأعلم اشتريته من سي يحيى الذهبي، وقيل في المعاني: ونكس الرأس أهل الكيميا خجلاً ... وقطروا أدمعاً من بعد ما سهروا إن طالعوا كتبه بالدرس بينهم ... صاروا ملوكاً وإن هم جربوا افتقروا تعلقوا بحبال الشمس من طمع ... فتى منهم قد غرَّه القمر ونو -الشمسي خادم - الفقير - لسنة ١٢٠٩ - من شهر ذي الحجة من تركة الشيخ عمر بن عبد الهادي، ﵀. وفي الصفحة الأخيرة، هذه العبارة مكتوبة بخط الناسخ: «آخر كتاب تعبير الرؤيا لابن قتيبة، ﵁، قابلناها على نسخة الأصل بقدر الإمكان: الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على سيِّدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، أما بعد فقد وقع الفراغ من كتابة هذه النسخة الشريفة الموسومة بكتاب عبارة الرؤيا على يد العبد الضعيف النحيف الراجي إلى رحمة الله الباري يحيى بن محمد البخاري في عشرين من ذي القعدة سنة خمس وأربعين وثمانمئة بدمشق المحروسة صانها الله تعالى عن الآفات والنكبات، اللهم اغفر لكاتبه ولن نظر فيه آمين يارب العالمين».

стр. 182

وفيها أسماء بعض المالكين: دخل هذا الكتاب في نوبة العبد الفقير رجب الأعلم المجاور بمدرسة العمرية عفا عنه آمين. الحمد لله مالكه من فضل ربه الهادي، الشيخ عبد الرزاق الهادي غفر الله له آمين، كتبه الفقير ابنه محمد. ساقها الرب الهادي، إلى محمد الهادي. والنسخة مشكولة ولكنه شكل لايعتدُّ به، وليس في هوامشها تعليقات تذكر. ... رواية الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين. كتاب تعبير الرؤيا تصنيف أبي محمد عبد الله بن محمد بن مسلم بن قتيبة. قرأت على الشيخ الصالح أبي الحسن عبد الباقي بن فارس بن أحمد المقري المعروف بابن أبي الفتح المصري، أخبركم أبو حفص عمر بن عراك الحضرمي قراءة عليه، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن مروان، قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن مسلم بن قتيبة الدِّينوَري، قال: مقدمة الكتاب: الحمد لله الذي رفع منار الحق وأوضح سبيل الهدى، وقطع عذر الجاحدين، بما أشهدنا من صنعته الظاهرة، وآياته الباهرة وأعلامه الدالَّة عليه، وآثاره المؤدِّية إليه. في كل ماثل للعيون. من فلك دائر، وكوكب سائر، وجبال راسيات، وبحار طاميات ورياح جاريات، وفُلك في البحر مسخَّرات بأمره ... إلخ.

стр. 183

(قال) حدثني محمد بن عبيد، عن ... عن ... عن أم كرز الكعبية قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: ذهبت النبوَّة وبقيت المبشرات (١) وحدثني محمد بن زياد عن ... عن ... عن عروة أنه قال في قول الله : ﴿لَهمُ البُشرَى في الحَياة الدُّنيا وفي الآخرَةِ﴾ قال: هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو تُرى له (٢). (قال أبو محمد) وليس فيما يتعاطى الناس من فنون العلم، ويتمارسون من صنوف الحكم، شيء هو أغمض وألطف، وأجلَّ وأشرف، وأصعب مراداً وأشكالاً، من الرؤيا، لأنها جنس من الوحي، وضرب من النبوة ... إلخ. ولأن كل علم يطلب فأصوله لا تختلف، ومقاييسه لا تتغير، والطريق إليه قاصد، والسبب الدال عليه واحد، خلا التأويل: فإن الرؤيا تتغير عن أصولها باختلاف أحوال الناس في هيئاتهم، وصناعاتهم وأقدارهم، وأديانهم، وهممهم، وإراداتهم. وباختلاف الأوقات والأزمان فهي مرَّة مثل مضروب يُعبّر بالمثل والنظير، ومرَّة مثل مضروب يعبّر بالضد والخلاف، ومرَّة تنصرف عن الرائي لها إلى الشقيق أو النظير أو الرئيس، ومرَّة تكون أضغاثاً. ولأن كل عالم بفن من العلوم، يستغني بآلة ذلك العلم لعلمه، خلا عابر الرؤيا: فإنه يحتاج إلى أن يكون عالماً بكتاب الله وبحديث الرسول ﷺ . ليتَعبَّرهما في التأويل. وبأمثال العرب، والأبيات النادرة، واشتقاق اللغة، والألفاظ المبتذلة عند العوام، وأن يكون مع ذلك أديباً لطيفاً ذكياً، عارفاً بهيئات الناس وشمائلهم وأقدارهم وأحوالهم، عالماً بالقياس حافظاً، ولن تغني عنه معرفة الأصول، إلا أن يمدَّه الله بتوفيق، يسدِّد حكمه للحق، ولسانه للصواب، وأن يحضره الله تعالى تسديده، حتى يكون طيب الطعمة، نقياً من الفواحش، طاهراً من الذنوب، فإذا كان كذلك، أفرغ الله

стр. 184

عليه من التوفيق ذنوباً، فجعل له من مواريث الأنبياء نصيباً. وسأخبرك عن كيفية الرؤيا، بالاستدلال على ذلك من كتاب الله والحديث، إذ كنت لم أجد فيه مقالاً كافياً لإمام متبع، وأقدم قبل ذلك ذكر النفس والروح، إذ كنت لا تصل إلى علم كيفيتها إلا بمعرفتهما، وفرق ما بينهما. وعلى الله أتوكل فيما أحاول وأستعين. (إلى أن قال) وقد اختلف الناس في النفس والروح، فقال بعضهم، هما شيء واحد يسمَّى باسمين، كما يقال، إنسان ورجل، وهما الدم أومتَّصلان بالدم، يبطلان بذهابه، والدليل على ذلك، أن الميت لا يُفقد من جسمه إلا دمه، واحتجُّوا لذلك أيضاً من اللغة: بقول العربي: نُفست المرأة (إذا حاضت) ونَفِست (من النفاس) وبقولهم للمرأة، عند ولادتها: نُفَساء، لسيلان النفس وهو الدم. وبقول إبراهيم النخعي: كل شيء ليست له نفس سائلة لا ينجس الماء ... إلخ. والعرب تضع النفس موضع الروح، والروح موضع النفس، فيقولون: خرجت نفسه وفاضت، وخرجت روحه منه، إما لأنهما شيء واحد، أو لأنهما شيئان متَّصلان لا يقوم أحدهما إلَّا بالآخر، وكذلك يسمون الجسد نفساً، لأنه محل النفس، قال ذو الرُّمَّة حين احْتُضِر: يا قابض الروح من نفسي إذا احتُضِرت ... وغافر الذنب زحزحني عن النار ويسمون الدم جسداً لأن الجسد محله. قال النابغة الذبياني: فلا لَعَمْرُ الذي قد زُرته حِججاً ... وما أُريق على الأنصاب من جسدِ والمهجة عندهم الدم. قال الأصمعي: سمعت أعرابية ... إلخ. وقد أعلمنا رسول الله ﷺ أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر ... إلخ. وأرواح أهل النار ... إلخ.

стр. 185

(قال أبو محمد): ولما كانت الرؤيا على ما أعلمتك من اختلاف مذاهبها، وانصرافها عن أصولها، بالزيادة الداخلة، والكلمة المعترضة، وانتقالها عن سبيل الخير إلى سبيل الشرِّ باختلاف الهيئات واختلاف الأزمان والأوقات، وأن تأويلها قد يكون مرة من لفظ الاسم ومرَّة من معناه، ومرة من ضدِّه، ومرة من كتاب الله، ومرة من الحديث، ومرة من البيت السائر والمثل المشهور، احتجت إلى أن أذكر قبل ذكر الأصول أمثلة في التأويل، لأرشدك بها إلى السبيل. فأما التأويل بالأسماء فتحمله على ظاهر اللفظ ... إلخ. قال: وأخبرنا محمد بن عبد العزيز عن ... عن ... عن أنس أن النبي ﷺ قال: رأيت الليلة فيما يرى النائم كأني في دار عقبة بن رافع وأُتيت برطب من رطب ابن طاب (نوع من تمر المدينة)، فأوَّلته أن الرفعة لنا في الدنيا، والعاقبة في الآخرة وأن ديننا قد طاب (١). أخبرنا أبو حاتم ... إلخ. (قال أبو محمد): وربما اعتبر من الاسم إذا كثرت حروفه البعض ... إلخ. قال الشاعر: أهدت إليه سفرجلاً فتطيَّرا ... منه وظل نهاره متفكراً خاف الفراق لأن أول ذكره ... سفر وحق له بأن يتطيَّرا وكذلك السُّوسَن ... إلخ. قال الشاعر: سوسنة أعطيتنيها فما ... كنتِ بإعطائها محسنه أولها سوء فإن جئت بالآ ... خر منها فهو سوء سنه وأما التأويل بالقرآن فكالبيض يعبر بالنساء لقول الله ﴿كأنهنَّ بيض مكنون﴾ ... إلخ. وكالحبل يعبر بالعقد لقوله تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً﴾، ولقوله تعالى: ﴿ضربت عليهم الذلَّة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس﴾،، أي بأمان وعهد. والعرب تسمِّي العهد حبلاً، قال الشاعر:

стр. 186

وإذا تجوزها حبال قبيلة ... أخذت من الأخرى إليك حبالها وكاللباس يعبر بالنساء لقوله جل وعزَّ: ﴿هن لباسٌ لكم وأنتم لباس لهن﴾. قال النابغة الجعدي، وذكر امرأة ... إلخ. وأما التأويل بالحديث فالغراب هو الفاسق لأن النبي ﷺ سمَّاه فاسقاً، والفأرة ... إلخ. وأما التأويل بالمثل السائر واللفظ المبذول كقولهم في الصائغ: إنه رجل كذوب لما جرى على ألسنة الناس من قولهم: فلان يصوغ الأحاديث إذا كان يضعها ... إلخ. وكقولهم في الماسح: إنه ذو أسفار، لقولهم لمن كثرت أسفاره هو يمسح الأرض. قال الشاعر في هذا المعنى: قبَّح الله آل برمك إني ... صرت من أجلهم أخا أسفار إن يكن ذو القرين قد مسح الأر ... ض فإني موكلٌ بالغبار ويرى أهل النظر من أصحاب اللغة أن الدجَّال إنما سمي مسيحاً لأنه يمسح الأرض إذا خرج أي يسير فيها، ولا يستقر بمكان، وأن عيسى ﵇ إنما سمِّي بذلك لأنه كان سائحاً في البلاد لا يقيم بشيء منها ولا يوطنه، ومن ذهب إلى هذا جعله فعيلاً في معنى فاعل مثل قدير ورحيم؛ ويرى قوم أن الدجال سمِّي مسيحاً لأنه ممسوح إحدى العينين. وهذا وإن كان وجهاً فالاشتقاق الأول أعجب، لأن تسميتهم إياه الدجال تشهد له (١)، والدجالة هي الرفقة في السفر والقافلة، قال خداش بن زهير: فإن يك ركبت الحضرمي غرامة ... فإن كِلا ركبيكمُ أنا غارم سأغرم من قد نالت الحجر منهم ... ودجالة الشام التي نال حاتم يعني قافلة أصابها حاتم ... إلخ.

стр. 187

وكقولهم فيمن غسل يديه بأشنان، إنه اليأس من الشيء يطلبه، لقول الناس لمن يئسوا منه: قد غسلت يدي منك بأشنان، قال الشاعر: فاغسل يديك بأشنان وأنقهما ... غسل الجنابة من معروف عثمان وكقولهم في الكبش ... إلخ. وأما التأويل بالضد والمقلوب فكقولهم في البكاء إنه فرح ما لم يكن معه رنَّة ولا صوت، وفي الفرح والضحك إنه حزن ... إلخ. وأما تعبير الرؤيا بالزيادة والنقص فكقولهم ... إلخ. وقد تتغير الرؤيا عن أصلها باختلاف هيئات الناس وصناعاتهم وأقدارهم وأديانهم، فتكون لواحد رحمة، وعلى الآخر عذاباً ... إلخ. حدثنا محمد ... إلخ. قال: آخى رسول الله ﷺ بين سلمان وأبي بكر، فرأى سلمان لأبي بكر رؤيا فجانبه وأعرض عنه، فقال له أبو بكر: أي أخي! ما لك قد أعرضت عني وجانبتني؟ قال: رأيت كأن يديك جمعتا إلى عنقك، فقال أبو بكر: الله أكبر! جمعت يداي عن الشرِّ إلى يوم القيامة. حدثني محمد عن ... عن ... عن عطاء، قال: كان محمد بن سيرين يقول في الرجل يرى له أنه يخطب على منبر: إن كان ممن ينبغي له السلطان أصاب سلطاناً. وإلا فإنه يصلب. شبَّه الجذع بالمنبر. وقال الرشيد ليزيد بن مزيد: ما أكثر الخلفاء في ربيعة! قال: نعم، ولكن منابرهم الجذوع ... إلخ. ومن عجب الرؤيا أن الرجل يكون مفحماً لا يقدر على أن يقول بيت شعر، أو بكيّاً يتعذر عليه القليل منه إلا في المدة الطويلة، مع إعمال الفكر، وإنعام الروية، فينشد في المنام الشعر الجيد لم يسمع به قط فيحفظه أو يحفظ منه البيت أو البيتين، ويكون عيِيّاً أو أعجمياً، فيتكلم بالكلمة من الحكمة البليغة ويوعظ بالموعظة الحسنة، ويخاطب بالكلام البليغ الوجيز الذي لا يستطيع أن يتكلَّف مثله في اليقظة بعرق الجبين، وهذا من أدلِّ الدلائل على اللطيف الخبير.

стр. 188

روى الرازي ... إلخ. وروى واصل ... إلخ. وأما الشعر فإن أبا اليقظان قال: تزوج رجل امرأة، فعاهد كل واحد منهما صاحبه ألَّام يتزوج الأخر بعده، ومات الرجل، فلما انقضت عدَّة المرأة أتاها النساء فلم يزلن بها حتى تزوجت، فلما كانت ليلة أدائها أغفت بعد ما هُيِّئت فإذا هي بالرجل آخذاً بعضادتي الباب يقول: ما أسرع ما نسيت العهد يا رباب! ثم قال: حييت ساكن هذا البيت كلهم ... إلا الرباب فإني لا أحييها أمست عروساً وأمسى منزلي جَدَثاً ... إن القبور تواري من ثَوَى فيها فانتبهت فزعة، فقالت: والله لا يجمع رأسي ورأسه بيت أبداً، ثم تخالعا. وروى ابن الكلبي عن جبلَّة بن مالك الغسَّاني قال: سمع رجل من الحيِّ قائلاً يقول في المنام على سور دمشق: ألا يا لقومي للسفاهة والوهن ... وللعاجز الموهون والرأي ذي الأفن ولابن سعيد بينما هو قائم ... على قدميه خرَّ للوجه والبطن رأى الحصن منجاة من الموت فالتجا ... إليه فزارته المنيَّة في الحصن فأتى عبد الملك بن مروان فأخبره، فقال: ويحك، هل سمعها منك أحد؟ قال: لا. قال: فضعها تحت قدميك. ثم قال، عبد الملك عمرو بن سعيد، عن عقيل ... عن ... أن رجلاً ... إلخ. (قال أبو محمد) وسأخبرك في هذا الباب بأعجوبة عن نفسي: سألني رجل من أصحاب الغريب كان يكثر الاختلاف إليَّ عن جنهي ما هو؟ ولم أعرفه ... إلخ. ورأيت أيضاً في المنام وأنا حديث السن كتباً فيها حكم كثيرة بألفاظ غريبة - كنت أحفظ منها شيئاً ثم أنسيت ذلك إلا حرفاً وهو: وبلغت إليه صلَّة الهواء، وما كنت أعرف في ذلك الوقت ما الصلَّة، ثم عرفتها بعد، والصلة: اليبس.

стр. 189

ومن عجائب الرؤيا أن الرجل يرى الشيء لنفسه أو يُرى له فيكون ذلك لشقيقه أو ابنه أو شبيهه أو سميِّه ... إلخ. قال (أبو محمد) وحكى أبو اليقظان ... إلخ. (قال أبو محمد): وما أشبه هذا الحديث بحديث رجل رأى في المنام -أيام الطاعون- أن الجنائز تخرج من داره على عدد من فيها، فطعن أهل الدار جميعاً غيره، فبقي ينتظر الموت ولا يشك في أنه لاحق بهم، فدخل الدار لص، فطُعن فيها فمات في الدار، فأخرجت جنازته منها وسلم الرجل. (حدثنا أبو محمد) قال: حدثني بعض الكتاب ... إلخ. وإن رأيت الرؤيا كلها مختلطة لاتلتئم على الأصول علمت أنها من الأضغاث فأرجيتها، وإن اشتبه عليك الأمر، سألت الرجل عن ضميره في سفره إن كان رأى السفر، وفي صلاته إن كان رأى الصلاة، وفي صيده إن كان رأى الصيد، ثم قضيت بالضمير، وإن لم يكن هناك ضمير أخذت بالأسماء على ما بينت لك. وقد تختلف طبائع الناس في الرؤيا، ويجرون على عادة فيها، يعرفونها من أنفسهم، فيكون ذلك أقوى من الأصل، فتسأل عن طبع الرجل، وما جرت عليه عادته ... إلخ. وإن كان الأصل طائراً ... إلخ. وإن كان غراباً ... إلخ، وقيل لمن أبطأ عليك أو ذهب فلم يعد إليك: غراب نوح، وإن كان عقعقاً كان رجلاً لا عهد له ولا حفاظ ولا دين. قال الشاعر: ألا إنما حملتم الأمر عقعقا وإن كان عقاباً ... إلخ. ... هذه فقرة من المقدمة القيِّمة التي قدم بها الكتاب وهي تقع في أكل من أربعين صفحة، وتأتي من بعدها أبواب الكتاب وهي ستة وأربعون باباً، فيها من نوادر الشعر وطرائف اللغة ودرر الأدب مثل ما في المقدِّمة، ولولا أن هذا الفصل قد طال، لاخترنا منها فقراً رويناها في (الرسالة)، والكتاب على الجملة من نفائس تراثنا العلمي، ومكانه من الخزانة العربية لا يزال خالياً لم يشغله كتاب. وإنا لنأمل له من رجال الأدب ومن الناشرين الاهتمام اللائق به. ***

стр. 190

الأبيوردي نشرت سنة ١٩٣٦ بين المعرِّي والبارودي عصر أدبي مديد قد نسي اليوم أو كاد، فمحي من برامج التعليم عندنا، وحكم عليه جملة واحدة بأنه عصر انحطاط في الأدب وجفاف في القرائح، وضعف في الإنشاء، وقحط في الرجال، وانصرف عنه الناس -إلا الخاصة من أهل الأدب- وزهدوا فيه، وارتضوا لأنفسهم الجهل به، وانقطعت الصلة بينهم وبينه، فلا تقرأ لأحد بحثاً فيه، ولا تحليلاً لشاعر من شعرائه. ولا تسمع اسم رجل من رجاله يتردد على أطراف ألسنة الخطباء، وأسلات أقلام الكتاب، كما تردد اسم بشار والبحتري والمتنبِّي والمعري، في حين أن هذا العصر الطويل قد أنجب شعراء إذا هم لم يضارعوا الفحولة السابقين، فليسوا خالين من كل مزيَّة، ولا عاطلين من كل حلية، بل إن فيهم لشعراء، زوَّدوا الأدب العربي بزاد قيم، وأورثونا أدباً جماً، وشعراً كثيراً من حقه أن يحفظ وينظم، ويدرس ويحلل. لا سيما ونحن في إبان نهضة أدبية شاملة ... وقد أحببت أن أفتح هذا الباب في «الرسالة» لأنها اليوم بمثابة الإمام في الأدب العربي، ولأن في يدها دفَّة السفينة فهي التي توجِّهها الوجهة الصالحة إن شاء الله. ولست أسوق هذه الكلمة على أنها دراسة كاملة لهذا الشاعر. ولكن على أنها كلمة موجزة عن نفسيته وشعره، بمناسبة ذكرى وفاته، علَّ هؤلاء الشعراء المنسيين يُبعثون كما بعث ابن الرومي من قبل. فيقام للأبِيَوَرْدي مهرجان كمهرجان المتنبي بمناسبة مرور ثمانية قرون على وفاته. ***

стр. 191

قال الأبِيورْدي: تنكَّر لي دهري ولم يدرِ أنني ... أعزُّ وأحداث الزمان تهون فبات يُريني الخطب كيف اعتداؤه ... وبتُّ أريه الصبر كيف يكون والأبيوردي هو أبو المظفر محمد بن أحمد الأبيوردي المعاويّ الأمويّ العبشميّ الذي يقول: ملكنا أقاليم البلاد فأذعنت ... لنا رغبة أو رهبة أُمراؤها فلما انتهت أيامنا علقت بنا ... شدائد أيام قليل رخاؤها وكان إلينا في السرور ابتسامها ... فصار علينا في الهموم بكاؤها وصرنا نلاقي النائبات بأوجه ... رقاق الحواشي كاد يقطر ماؤها إذا ما هممنا أن نبوح بما جنت ... علينا الليالي لم يدعنا حياؤها ... هذه نفس الأبيوردي، وهذا شعره. قال الشعر فأكثر، وسار فيه على سنن من تقدمه وعاصره، فمدح وهجا وتغزَّل، واستنفد المدح أكثر شعره، وعُني بالصناعة البديعية، وغاص على المعاني المبتكرة، والتوليدات الدقيقة؛ وكان شأنه في ذلك شأن جمهرة الشعراء المدَّاحين لم يأت فيه بجديد، ولم تكن له ميزة في شيء منه، ولكن ميزته في شيء وراء ذلك كله، هو أن له شخصية قوية واضحة تشبه شخصية المتنبي في كثير من نواحيها، وأن هذه الشخصية تظهر في شعره كله، في المدح وفي الهجاء وفي الغزل. وستفهم هذه الشخصية، وترى مبلغ ظهورها في شعره حين تعرف نسبه وأخلاقه، وتقرأ ما سأعرض عليك من شعره. أما نسبه فقد علمت أنه يتصل بأبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس جد الخلفاء الأمويين، الذين ملكوا الدنيا، وفتحوا المشرق والمغرب؛ وقد كان الشاعر معتزاً بهذا النسب لا ينساه ولا يكتمه، ولا يحجم عن أن يواجه به الخلفاء من بني العباس، وأن يفاخر به في وجودهم!

стр. 192

كتب مرَّة إلى أمير المؤمنين المستظهر بالله رقعة على رأسها الخادم المعاويُّ، فغضب الخليفة وأخذ الوقعة فكشط الميم من المعاويّ وردَّها إليه ... وكان مرَّة يمدح الخليفة المقتدي العباسىِ، ففخر أمامه بنسبه الأموي، ووازاه بنسب الخليفة، ولم يزد على أن جعل جدَّ الخليفة العباس «ساقي الحجيج» نِدّاً لجده وقريعاً، قال: وقد ولدتني عصبة ضمَّ جدَّهم ... وجدَّ بني ساقي الحجيج عروق وإني لأبواب الخلائف قارع ... بهم ولساحات الملوك طروق ولم يكن يمتنع من أن يفخر بأجداده الأمويين، ويملأ الدنيا ثناء عليهم، ويفضلهم على الناس كلهم، على مسمع من العباسيين أرباب السلطان وأولياء الأمر، وأن يعرض في فخره بالدولة العباسية وزوالها، قال: أنا ابن الأكرمين أباً وجداً ... وهم خير الورى عماً وخالاً أشدَّهم إذا اجتلدوا قتالاً ... وأوثقهم إذا عقدوا حبالا وأرجحهم لدى الغمزات عوداً ... إذا الخفرات خلَّين الحجالا (إلى أن قال): وهم فتحوا البلاد بباترات ... كأن على أغرَّتها نمالا ولولاهم لما درَّت بفيء ... ولا أرعى بها العرب الفصالا وقد علم القبائل أن قومي ... أعزَّهم وأكرمهم فعالا وأصرحهم إذا انتسبوا أصولاً ... وأعظمهم إذا وهبوا سجالا مضوا وأزال ملكهم الليالي ... وأية دولة أمنت زوالا؟ أما أخلاقه فقد كانت أخلاق الصِّيد من الملوك، لا أخلاق المدَّاح من الشعراء، فقد ذكروا أنه كان عالي الهمة، عزيز النفوس، متكبراً تيَّاهاً، ذا باو وصلف وعجب، وكان يتخذ العبيد والغلمان، ويأمر من يمشي بين يديه بالسيف فعل الملوك، وكانت له آمال سياسية، كان يرجو أن يبلغها من طريق المرتبة والولاية، فطلبها وألح في طلبها؛ فلما أيس منها عزَّى نفسه بأنه سيطلبها

стр. 193

بالسيف، فهو يشبه في هذا المعنى المتنبي شاعر العرب الأكبر؛ يدل على آماله السياسية وطموحه إلى الملك شعره الذي سيمر بك عما قريب، ودعاؤه عقب كل صلاة: «اللهم ملكني مشارق الأرض ومغاربها»، وتيهه على ممدوحيه من الملوك والوزراء، وفخره بنفسه بين أيديهم. أما الشعر فكان ينظمه ترويحاً عن نفسه، وترجمة عن أدبه، ويمدح به من يمدح للأدب لا للنشب، وللوفاء لا للعطاء: ولم أنظم الشعر عجباً به ... ولم أمتدح أحداً من أرب ولا هزَّني طمع للقربـ ... ـض ولكنه ترجمان الأدب ... إني بمدحك مغرى غير ملتفت ... إلى ندى خضل الأنواء مطلوب وكان يترفع عن أن يستجدي بالشعر، وأن يعد من الشعراء السؤَّال. ويرى نفسه نداً لممدوحيه. فهو ينظم لهم هذه القصائد المعجزة، يبتغي بها ودهم وإخاءهم لا نوالهم وعطاءهم: ولولاك لم تخطر ببالي قصائد ... هوابط في غور طوالع من نجد لحقت بها شأو المجيدين قبلها ... وهيهات أن يؤتى بأمثالها بعدي فهن عذارى مهرها الود لا الندى ... وما كل من يعزى إلى الشعر يستجدي ولم يكن يسلك سبيل شعراء المدح في الكذب والغلو والمبالغة. ولكن سبيله وصف ما يرى من صفات ممدوحيه وخلالهم وصفاً صادقاً، لا كذب فيه ولا إغراق: وصدق قولي فيك أفعالك التي ... أبت لقريضي أن أوشحه كذباً ... لا زلت تلقح آمالاً وتنتجها ... مواهباً يمتريها كل محروب وتودع الدهر من شعر أحبره ... مدائحاً لم توشح بالأكاذيب

стр. 194

وكان عارفاً بقيمة شعره، مؤمناً بعلو منزلته وجلالة قدره، فهو يوجه إليه أنظار ممدوحيه ويدل به عليهم، ويمن على من يمدحهم بأن ملوك الأرض يتمنون أن يمدحوا به، ولكنه لا يتنازل إلى مدحهم، ولا يعرج عليهم، ولا يلتفت إليهم: قليل إلى الري الذليل التفاته ... وإن كثرت للواردين المناهل ... فدونك مما ينظم الفكر شرداً ... سلبن حصى المرجان كل نظام تسير بشكر غائر الذكر منجد ... يناجي لسانَيْ معرق وشآمي ويهوى ملوك الأرض أن يمدحوا بها ... وما كل سمع يرتضيه كلامي ... وكم ماجد يبغي ثناء أصوغه ... ولكنني عن مدع غيرك أزورُّ ويودع سيداً كبيراً فلا يجد ما يأسف عليه عند وداعه إلا هذا الشعر الذي يضيق به الحساد، و (تكبو دونه الشعراء) وتنشده الأيام، أن يضيع بعد رحيله ولا يبقى له أهل يخاطبون به: رحلت فالمجد لم ترقأ مدامعه ... ولم ترق علينا المزن أكبادا وضاع شعر يضيق الحاسدون به ... ذرعاً وتوسعه الأيام إنشادا فلم أهب بالقوافي بعد بينكم ... ولا حمدت وقد جربت أجوادا ... وإذا أنت سألت الشاعر عن منزلته في الشعر لما تردد في القول بأنه فاق الشعراء وبذَّهم؛ فإذا عجبت منه كيف يعجز الشعراء ويبذهم وهو واحد منهم، أجابك جواب المطمئن المؤمن بما يقول: المعتد بنفسه قائلاً: فقد الأعاريب في شعر فأنت به ... كأنه لؤلؤ في السلك منضود إن كان يعجزهم قولي ويجمعنا ... أصل فقد تلد الخمر العناقيد

стр. 195

فمن كان له هذا المجد التليد، ينم عنه هذا المنطق المبين: ينمُّ بمجدي حين أفخر منطقي ... ويعرب عن عتق المذاكي صهيلها ومن كان سليل الملوك، وشاعر العصر، وذا المجدين: المجد الموروث وهو هذا النسب العالي النبيل، والمجد المكسوب وهو هذا البيان الصافي الأصيل، كان له أن يقوم بين أيدي ممدوحيه مقام العزيز الشامخ بأنفه، وأن يصرخ في وجه الوزير، وقد قام مادحاً له، فنسيه وذكر نفسه، فانقلب منافراً مفاخراً: وسل بي المجد تعلم أيّ ذي حسب ... في بردتيَّ إذا ما حادث هجما يلين للخل في عزّ عريكته ... محض الهوى وله العتبى إذا ظلما من معشر لا يناجي الضيم جارهم ... نضو الهموم غضيض الطرف مهتضما والدهر يعلم أني لا أذل له ... فكيف أفتح بالشكوى إليه فما وكيف يشكو الدهر، وشعره غرة في جبين الدهر: وكيف يشكو الدهر من شعره ... على جبين الدهر مكتوب؟ أو لست تذكر المتنبي شاعرنا الأكبر، حين تقرأ للأبيوردي فخره بنفسه وتمدحه بإدلاجه في الليل، وانفراده في الفلوات ترنو إليه النجوم وهو ساع ليكسب قومه عزاً وفخراً في مطلع قصيدة يمدح فيها ويهنئ بالعيد. قال: وبي عن خطة الضيم ازورار ... إذا ما جدَّ للعلياء جدي فهل من مبلغ سروات قومي ... مصاحبتي على العَزَّاء غمدي وإدلاجي وجنح الليل طاو ... جناحيه على نصب وكدّ وقد رنت النجوم إليَّ خُوصاً ... بأعين كاسرات الطرف رُمد لأورثهم مكارم صالحات ... شفعت طريفها لهم بِتَلْدِ وهو لا يزال أبداً يحب أن يجمع إلى المجد التليد مجداً طريفاً وأن يؤيد المجد الموروث بمجد مكسوب، لا يقنع بعلو نسبه ورفعة أجداده:

стр. 196

فشيدت مجداً رسا أصله ... أمُتُّ إليه بأمّ وأب ولا يزال يمدح بهذه الخلة من يجدها من ممدوحيه. قال: مقتبل السن عقيد النهى ... تقصر عن غاياته الشيب والملك لا يحمل أعباءه ... من لم تهذبه التجاريب شيد ما أثَّل من مجده ... والمجد موهوب ومكسوب ... أبو علي له في خندف شرف ... لف العلى منه موهوباً بمكسوب وهو لا يقنع من المجد بالشعر والأدب، ولا بالمال والنسب، ولكن له أملاً سياسياً بعيداً، فهو يألم لما يرى من تفرق الأمراء وغلبة الأعاجم، وينتظر (رجل الساعة ...) المصلح المرتقب، الذي يجمع شمل الأمة، ويعيد لها شبابها، فيدعو لذلك الملوك ويهيب بهم، فلا يجد هذا البطل الأروع فرَّاج الغمة، محيي الأمة: دهر تذأب من أبنائه نقد (١) ... وأوطئت عرب أعقاب أعلاج وأينع الهام لكن نام قاطعها ... فمن لها بزياد أو بحجاج وكم أهبنا إليها بالملوك فلم ... نظفر بأروع للغماء فراج فيفتش في أمراء العرب وملوكهم فلا يجد فيهم من يرجى إلا الأمير أبا الشداد، فيقصده بقصيدة يستثيره ويستفزه، ويهيج في نفسه الحميَّة العربية، ويسأله كيف يرضى وهو اليوم أمل العرب وملجؤهم بأن يقنع العرب بصحراء زرود ورمال حاجر، بينما يأكل الأعاجم الدنيا، ويتناهبون الثراء والمجد، ويحضُّه على أن يثيرها داحسية شعواء:

стр. 197

فإيه أبا الشداد إن وراءنا ... أحاديث تروى بعدنا في المعاشر أترضى وما للعرب غيرك ملجأ ... توسدهم رملي زرود وحاجر فأين الجياد الجرد تخطو إلى العدى ... على عَلَق تروي به الأرض مائر وفتيان صدق يصدرون عن الوغى ... وأيدي المنايا داميات الأظافر وحاجتهم إحدى اثنتين من العلى ... صدور العوالي أو فروع المنابر فإذا يئس من أن يجد في الناس هذا الرجل، تقدم ليحقق أمله بنفسه، فكانت حاله كحال المتنبي، يسعى إلى رتبة أو ولاية يتخذها سلماً إلى مثله الأعلى، فيطلبها ولا يراها بِدْعاً ولا عجباً، ولا يراه خلق إلا لها ... واسمعه يقول لمؤيد الملك: إليك أوى يا ابن الأكارم ماجد ... له عند أحداث الزمان طوائل تجر قوافيه إليك ذيولها ... كما ابتسمت غبَّ الرهام الخمائل وعندك ترعى حرمة المجد فارتمى ... إليك به دامي الأظلين بازل قليل إلى الري الذليل التفاته ... وإن كثرت للواردين المناهل وها أنا أرجو من زمانك رتبة ... يقل المسامي عندها والمساجل وليس ببدع أن أنال بك العلى ... فمثلك مأمول ومثلي آمل كان هذا أمله في حلِّه وترحاله، وغايته من اغترابه عن بلده، ونأيه عن أهله، وما كان يطلب مالاً ولا ثروة، وما كانت به حاجة للمال، ولا ضاقت أرضه برزقه، ورزق عياله، واسمعه يقول لسيد الوزراء أحمد بن الحسين: ولم نغترب مستشرفين لثروة ... فمرعى مطايانا بيبرين مبقل ولكننا نحمي ذمار معاشر ... لهم آخر في المكرمات وأول ومن سلبته نشوة الدهر عزه ... فنحن لريب الدهر لا نتذلل ولو هو أراد الغنى لناله، لا سؤالاً واستجداء، ولكن على ظبى السيوف وأطراف الرماح، ولكنه يريد غاية بعيدة، دونها جرع الردى وحياض الموت، يسعى إليه بفتيان «من أمية» هم موقدو الحروب ومطفئوها:

стр. 198

ومن خاف أن يستصعر الفقر خده ... وفى بالغنى لي أعوجي (١) ومنصل ومكتحلات بالظلام أثيرها ... وهن كأشباح الأهلة نحَّل ولا صحب لي إلا الأسنة والظبى ... بحيث عيون الشهب بالنقع تكحل وحولي من روقي أمية غلمة ... بهم تطفأ الحرب العوان وتشعل سريت بهم والناجيات كأنها ... رماح بأيديهم من الخط ذبَّل فحلوا حُبَى الليل البهيم بأوجه ... سنا الفجر في أرجائها يتهلل وخاضوا غمار النائبات وما لهم ... سوى الله والرمح الرديني معقل يرومون أمراً دونه جرع الردى ... تعلُّ بها نفس الكميّ وتنهل فبتنا وقد نام الأنام عن العلى ... نساري النجوم الزهر والليل أليل تمر الأيام وهو لا يصل إلى شيء مما يؤمل، ويضيق بحالة الذل والمهانة، فيلوم نفسه على قعوده، ويعزم العزمة الفاصلة التي تكون فيها المنى والمنايا: تقول ابنة السعدي وهي تلومني ... أما لك عن دار الهوان رحيل فإن عناء المستنيم إلى الأذى ... بحيث يذل الأكرمون طويل وعندك محبوك السراة مطهم ... وفي الكف مطرور الشباة صقيل فثب وثبة فيها المنايا أو المنى ... فكل محبٍّ للحياة ذليل وثبة أموية، ينال بها عزَّ أجداده الأمويين ومجدهم. فليس العز إلا أن يغامر المرء، ويحمل نفسه على الخطة التي تبقي ذكره في الناس أبد الدهر، فإما أن يموت فيقال لله دره، وإما أن يكتب له الظفر: ألم تعلما أني على الخطب إن عرا ... صبور إذا ما عاجز عيل صبره فلا عزَّ حتى يحمل المرء نفسه ... على خطة يبقى بها الدهر ذكره ويغشى غماراً دونها جرع الردى ... فإن هو أودى قيل: لله درّه ولا بدَّ لي من وثبة أموية ... بحيث العجاج الليل والسيف فجره

стр. 199

ولا يثنيه عن وثبته الأموية بعد المدى، ووعورة الطريق، وما يعتور السبيل إليها من أخطار وخطوب أهونها الموت، لأنه ألف حمل الخطوب، وتعود الصبر، وأعد للنائبات عزائم تروض إباء الدهر إذا شمس الدهر، ولم يحفل بالدنيا وهي غضة غريضة ولم يبال بها، أفيقبل عليها وهي جافة ذابلة، وهل تثنيه عن مرامه لذاذاتها؟ اسمعه حين يقول: سل الدهر عني أي خطب أمارس ... وعن ضحكي في وجهه وهو عابس سأحمل أعباء الخطوب فطالما ... تماشت على الأين الجمال القناعس وأنتظر العقبى وإن بعد المدى ... وأرقب ضوء الفجر والليل دامس وإني لأقري النائبات عزائما ... تروض إباء الدهر والدهر شامس وأحقر دنيا تسترق لها الطلى ... مطامع لحظي دونها متشاوس تجافيت عنها وهي خود غريرة ... فهل أبتغيها وهي شمطاء عانس ولي مقلة وحشية لا تروقها ... نفائس تحويها نفوس خسائس ولا يثنيه عنها رقة حاله، ورثاثة أطماره، فهو كالسيف القاطع البتار، لا يضره الغمد، وهمته كامنة في ضمير الدهر، ولا بد للضمير المستتر أن يظهر: رأت أميمة أطماري وناظرها ... يعوم في الدمع منهلاً بوادره وما درت أن في أثنائها رجلاً ... ترخي على الأسد الضاري غدائره أغر في ملتقى أوداجه صيد ... حمر مناصله بيض عشائره إن رث بردي فليس السيف محتفلاً ... بالغمد وهو وميض الغرب باتره وهمتي في ضمير الدهر كامنة ... وسوف يظهر ما تخفي ضمائره وكأنك تسأل بعد هذا كلِّه، ألم يلق الشاعر شدة وعناء وهو يصرح بذكر الوثبة الأموية، ويدعو إليها علناً في ظلِّ الحكم العباسي، ألم يتنكَّر له أولو الأمر، ويزوروا عنه ويناوئوه العداوة، ويبطشوا به؟ وها هو ذا الشاعر يخبرك بأنه لقي أذى كثيراً، وشراً مستطيراً، فريع من غير أن يذنب، وجفي من غير أن يخون؛ ولكنه اعتصم بالصبر، ولاذ بالحزم، ولم يلن ولم يشك ولم ينهزم:

стр. 200

وقد طرقتني النائبات بحادث ... لو أن الصفا يرمى به لتصدعا أراع ولم أذنب وأجفى ولم أخن ... وقد صدَّق الواشي فأخنى وأقذعا ولست وإن عض الزمان بغاربي ... أطيل على الضراء مبكى ومجزعا إذا ما أغام الخطب لم أحتفل به ... وضاجعت فيه الصبر حتى تقشعا ولماذا يذل ويخضع، وهو إن ضاقت عنه بلدة فستتسع له أخرى، وحسب البلدة عاراً أن يرحل الشاعر عنها، وإن أدلت عليه بابل بسحرها الحرام، فهو يدل عليها بسحره الحلال، ويجعل من شعره حيثما حلَّ بابل: أبابل لا واديك بالرفد منعم ... لدينا ولا ناديك بالوفد آهل لئن ضقت عنا فالبلاد فسيحة ... وحسبك عاراً أنني عنك راحل وإن كنت بالسحر الحرام مدلة ... فعندي من السحر الحلال دلائل قواف تعير الأعين النجل سحرها ... فكل مكان خيمت فيه بابل وأي فتى ماضي العزيمة راعه ... ملوكك لا روَّى رباعك وابل ... وبعدُ ... فاسمع الشاعر نفسه يصف لك شخصيته، ويخبرك أنه يمدح ويأخذ، ولكنه أعزّ من أن يملكه الملوك بثوابهم ونوالهم، وأنه لا يستسيغ الذلَّ ولا يحب أن يتمرغ فيه ظهراً لبطن، ولا يألف حياة الدعة والأمن في ظِلِّ الروض بين الكاس والطاس، ولا يفرق من المنايا ويخشى المهالك، ولكنه يريد أن يثيرها حرباً عواناً في سبيل غاياته ومطامحه: سواي يجرُّ هفوته التظني ... ويرخي عقد حبوته التمني ويلبس جيده أطواق نعمى ... تشف وراءها أغلال منِّ إذا ما سامه اللؤماء ضيماً ... تمرَّغ في الأذى ظهراً لبطن وظلَّ نديم عاطيه وروض ... وبات صريع باطية ودنِّ وأشعر قلبه فرق المنايا ... وأودع سمعه نغم المغني وصلصلة اللجام لدي أحرى ... بعز في مباءته مبنِّ

стр. 201

فلست لحاضن إن لم أقدها ... عوابس تحت أغلمة كجنِّ وهأنا أوسع الثقلين صدراً ... ولكنَّ الزمان يضيق عني ... هذه شخصية الأبيورْدي وهذا شعره، أفيستحق أن يهمل وينسى؟ ... ***

стр. 202

كلمة لا بد منها نشرت سنة ١٩٤٥ ولقد كنت أود أن أجد من نشرها بداً -غير أن ما تنشره صحف مصر ومجلاتها في موضوع الأدب الشامي والتعريف بأهله لمن نعرف ومن ننكر من الكتَّاب أوجب نشرها- وأنا أعرف قولهم (العبرة بما قيل لا بمن قال) ولكن ذلك في الحقائق التي يستقل العقل بتمحيصها ووزنها، والحكم عليها بالصحة أو بالفساد، أما الأخبار الممكنة التي تحتمل الصدق والكذب، كقولنا: إن لفلان أسلوباً بارعاً، وفلان بليغ، وله كذا من الكتب، لمن لم يسمع بفلان هذا ولم يقرأ له، فلا يمكن الحكم عليها بالتصديق أو بالتكذيب، وبالقبول أو بالرد، إلا بعد معرفة حال راويها ومخبرها، ومبلغه من الاطمئنان إلى خبره وحكمه، فإن كان عدلاً ضابطاً، والضبط في الأدب هو التمرُّس به والذوق فيه وفهمه، والعدالة ألَّا يميل به حب ولا بغض، وأن يحكم على الرجل بأثره، فلا تمنعه عداوته مجوداً من الثناء عليه، ولا صداقته مسيئاً من نقده. فإن كان كذلك قبل خبره وإلا ردَّ، وأنا أقول آسفاً إن مجلات مصر لمَّا فتحت صدرها لمن يعرف قراءها بالمجهول من أدب الشاميين، جاءتها مقالات من أشخاص هَمّ أكثرهم وكبير مطلبه أن يرى اسمه منشوراً في هذه المجلات، ومنهم من لم يكد يضع من قبل سواداً في بياض، فنشرت لهم كل الذي جاءها منهم وحكَّمتهم في رقاب الأدباء، وجعلتهم من أهل الترجيح في الأدب، فكتبوا أشياء لا يفهم منها الجاهل بأدبنا شيئاً، ويضحك منها العارف به أو يشفق على صاحبها، ومنها ما يخرج في جملته وتفصيله عن أن يكون دعاية لمن كتبه ولأصحاب الكاتب وأصدقائه، وحشراً لهم بين مشايخ الأدب والمقدمين فيه، ثم كانت الطامَّة التي لا أقول إنها الكبرى لأني لا أدري ماذا يجيء من بعدها، فنشرت مجلة محترمة

стр. 203

مقالة في ذنبها اسم لم نسمع به، خلط فيها صاحبها وخبط، وانتهى به الخلط والخبط إلى أن نَحَلَ رياسة الأدب في الشام رجلاً ليس منه في العير ولا النفير، وليس منه في فرس ولا بعير. وأشهد لقد ضحكنا منها في مجالسنا كأشد ضحك ضحكناه قط. ولكن القراء لم يضحكوا لأنهم لا يعرفون من الأمر إلا أنه (كفّ عدس ...) ولأنهم يثقون بأن هذه المجلات لا تقدم لهم إلا حقاً، ولا تنشر إلا لأديب أريب. ... وأنا لا أنكر منافع (التشجيع) ولقد كتبت فيه وأثنيت على أهله (١)، ولكن هذا التشجيع إذا بلغ هذا المبلغ صار أذى لمن يشجَّع، وضرراً على الأدب وأهله، لأن من يشجَّع على الادِّعاء والغرور والعدوان يؤذي ولا يبقى فيه مصطلح، ويصدق أنه صار زبيباً وإن كان في ذاته حصرماً حامضاً يلذع اللسان ويجرح الحلق، ويكون عند نفسه أستاذاً جليلاً، وعلماً مشهوراً وهو عند الناس تلميذ صغير ... ولأن الأدب إذا كثر الأدعياء فيه والواغلون عليه، وتصدَّر الجهلة مجالسه وامتهن العلماء الأبْيِنَاء (٢) هان الأدب وسقط. وهل في الهوان أهون من أن يكتب (زيد) من الأدباء مئة مقالة، يبذل فيها الغالي من عمره ومن قوته، ومن دم قلبه وضياء عينيه، بعد أن استعدَّ لها بالدرس والتحصيل وسهر الليالي في مدارسة كتب العلم ومطالعة أسفار الأدب، وصرم في ذلك الدهر الأطول فيأتي (عمرو) فيختصر الطريق، ويقفز من فوق الجدران فلا يقرأ شيئاً ولا يكتبه، ولكن يكتب مقالة يقول فيها عن نفسه: إن له مئة مقالة أو يسخِّر صديقاً له ليقول عنه إنه أحسن من (زيد) ذاك، وأرسخ منه في الأدب قدماً، وأضخم منكباً وأعلى هامة، ويصدق ذلك القراء ويستوي عندهم الرجلان. أو هو يَسُبُّ العالمين بدلاً من أن يعمل، وينقص أقدار الرجال ليزيد بما ينقص منهم، ويعلو بما يظن أنه يخفض من منازلهم ...

стр. 204

خبِّروني إن كنتم تعلمون، كيف يكون التدجيل إن لم يكن هذا تدجيلاً؟! ... أما إنني لا أدعو إلى احتكار الأدب وما في سوق الأدب احتكار، ولكن أدعو المجلات المصرية المحترمة أن تتريَّث في نشر ما يحمله إليها البريد من مقالات النقد والتقريظ والكلام في الأدب وأهله حتى تعرف الكاتب، ومبلغ الثقة بخبره وحكمه، ومكانته في بلده، وألَّا تدع أسماء الكبار من أدباء الأقطار العربية مضغة في فم كل محبٍّ للشهرة، يشتهي أن يكون كاتباً ولم يعدَّ للأمر عدَّته. وأنا لا ألوم الشباب أن يستمرئوا التدجيل ويستسهلوا طريقه، ويستصعبوا الجد والدأب ودخول البيوت من أبوابها. فهذا هو شأن الشباب، وكلنا كان كذلك أو كان قريباً منه، ولكنا لم نجد مجلات تعيننا عليه ووجدوها، وهأنذا قد دانيت الأربعين، وأظن أني كتبت من الصحائف المنشورة ما يزن أرطالاً، وإني والله ما أبعث اليوم بمقالة إلى مجلة إلا مستحيياً منها ألَّا تكون صالحة للنشر، وخائف أن تصير لقىً، أفلا يحق لنا أن نعجب من صفاقة أقوام من هؤلاء الكاتبين وأن نعتب على هذه المجلات المحترمة، إذ تضع الشيء في غير موضعه فتجود في غير مجاد، وما لكل ناشئ اليوم لا يرضى بأقل من الرسالة والثقافة ينشر فيها غَذْرمته ... فقد كنا نتمنَّى جريدة يومية تنشر لنا فما كنا نصل إليها ونحن يومئذ أقلّ من أكثرهم اليوم جهلاً! ولقد كنا سألنا مجلات مصر أن تنشر لأدبائنا وتعرِّف بأدبنا وعتبنا عليها أنها لا تفعل؛ ولكنا لم نرد إلا الأدباء حقاً لا أن تنشر لكل من يسود صحيفة ويضعها في ظرف ويبعث بها إلى المجلة ... ثم تحمل ذلك علينا وتنسبه إلينا وتمثل به على أدبنا، وتقبل حكم صاحبه علينا يرفع منا من يشاء ويخفض من يريد. والسبيل لا سبيل سواها هي تكليف أحد أدبائنا المعروفين ممن لا يطعن على شخصه وإن خولف في رأيه البحث في أدب الشاميين بحثاً علمياً منظماً خالياً

стр. 205

من أثر الحب والبغض، مؤيداً بالدليل مستنداً إلى التحليل فينظم أدوار هذا الأدب وطبقات أهله من جهة السن، ومن جهة الأسلوب والبلاغة، إذ ربَّ شاب هو أبلغ بلاغة، وأصفى ديباجة، وأعلى أدباً، من شيخ يحمل أمجاد نصف قرن، أي أنه يؤرخ أدبنا على نحو ما تؤرِّخ الأدب القديم الذي تقطَّعت بيننا وبين أهله أسباب الميل والنفار والحب والكراهية. أما هذا الطريق الذي سارت عليه مجلات مصر إلى الآن فحسبنا ما لقينا من وعره ووحشته والتوائه. ***

стр. 206

سؤال كان في بلدنا أوقاف كثيرة وقفت على المشتغلين بالعلم والمنقطعين إليه. يفتحون لهم بريعها المدارس الواسعة، ويعدُّون لهم الغرف المفروشة، ويهيئون لهم فيها المكتبات القيِّمة، ويقيمون لهم الخدم ويقدمون إليهم كل ما يحتاجون إليه من طعام وشراب وحلية ومتاع، ويفرِّغون قلوبهم من كل همٍّ إلا همَّ الدرس والبحث، فكان الناس يرغبون في العلم، ويقبلون عليه ويبرزون فيه ... ثم ذهب ذلك كله بذهاب أهله، وخلف من بعدهم خلف أضاعوا الأوقاف، وأكلوا أموالها، فتهدَّمت هذه المدارس، وأمست خرائب وأطلالاً. ثم سرقها الناس فحوَّلوها بيوتاً، وطمسوا آثارها ... فأعرض الناس عن العلم وزهدوا فيه، فقلنا: لا بأس، إنها قد تتحوَّل -تلك المدارس- إلى دور عجزة، وقد تصير أحياناً ملجأ كسالى، ومأوى عاطلين، وعندنا المدارس الجديدة، تسير على منهج مقرر، ونظام معروف، وطريق واضح، فما نحن إلا كمن أضاع درهماً ووجد ديناراً. وأقبلنا على هذه المدارس، إقبال العطاشى على المنهل الصافي، ومنينا أنفسنا بكلِّ جليل وجميل ولكنا علمنا بعد أن خرجنا منها وواجهنا الحياة، أنها لم تقم بما كان يرجى منها ويجب عليها ... ووجدنا أننا لا نصلح في هذه الحياة إلا لشيء واحد، هو (الوظيفة)؛ أما العمل الحرّ، والمغامرة في الحياة فنحن أبعد ما يكون امرؤ عنه؛ ووجدنا سبيل الوظيفة مسدوداً وكراسيَّها مملوءة؛ وكيف لا تكون كذلك وكل الناس يسعى إليها ويريدها؟ هل يكون أبناء الشعب كلهم موظفين؟ فكنا واحداً من رجلين: أما الغييُّ الموسر فعاش بمال أبيه. وأقام منه سوراً حوله،

стр. 207

فلا يرى الحياة، ولا تصل إليه بآلامها ومصائبها. وأما الفقير فيتخبَّط في لجَّة اليم (يمِّ الحياة) تضربه بأمواجها، فلا ينجو من لطمة إلا إلى لطمة، ولا يخلص من شقاء إلا إلى شقاء. وقد يكون في هؤلاء الفقراء موهوبون، وقد يكون فيهم ذوو المَلَكَات، وفيهم من إذا استراح من همِّ العيش واشتغل بالعلم برَّز فيه وبرع، ونفع أمته ووطنه وخلَّف للأجيال الآتية تراثاً علمياً فخماً كالذي خلَّفه لنا الأجداد ... فماذا يعمل هؤلاء؟ ومن أين لهم العقل الذي يدرسون به، والهمَّة التي يؤلفون بها، وعقولهم ضائعة في البحث عما يملأ مِعَدهم الجائعة، ويستر أجسادهم العارية، وهممهم مصروفة إلى ضمان الكفاف، والحصول على ما يتبلَّغون به؟ لقد قال الشافعي، ﵀، منذ الزمن الأطول: لو كلِّفت شراء بصلة ما تعلَّمت مسألة ... فكيف يتعلم ويدرس ويؤلِّف من يكلَّف شراء الرغيف وشراء ثمن الرغيف؟ إني أعرف كثيرين ممن يؤمَّل لهم أن يبرعوا في الأدب، ويتفوقوا في العلم، قدَّر الله عليهم الفقر والإفلاس، وعلَّق بأعناقهم أسراً عليهم إعالتها، والسعي في إعاشتها، فألقوا القلم والقرطاس، ورموا الدفتر والكتاب، وخرجوا يفتِّشون عن عمل ... يطلبون وظيفة؛ غير أن الطريق إلى الوظيفة وعْرٌ ملتو طويل، لايقدر على سلوكه، ولايبلغ غايته، إلا من حمل معه تميمة من ورق (البنكنوت) يحرقها أمام أبواب الرؤساء لتخرج شياطينها فتفتح له الباب. أو صحب معه (الشفيع العريان) وأين من هذين الشاب النابغ المفلس الشريف؟ ثم إنه إذا بلغ الوظيفة وجدها لا تصلح له ولا يصلح لها، وضاقت به وضاق بها! أعرف كثيرين من هؤلاء يظهرون فجأة كتَّاباً مجدِّين، وشعراء محسنين، وعلماء باحثين. فما هي إلا أن تنزل بهم الحاجة وتنيخ عليهم (هموم الخبز) حتى تقطعهم عما فيه، ثم تذوي ملكاتهم وتَجفُّ قرائحهم وتتركهم يموتون على مهل، ويموت بموتهم النبوغ. وأرباب الأقلام وأصحاب الصحف يشهدون مصارعهم

стр. 208

في صمت وإعراض، لا يهتمُّون بهم، ولا يظنون أن عليهم واجباً تلقاءهم، حتى إذا قضوا قاموا يطنطنون بذكرهم ويشيدون بمواهبهم، ويركبون على قبورهم ليقولوا للناس: انظروا إلينا ... هذه هي علَّة الشرق: لا ألفينَّك بعد الموت تندبني ... وفي حياتي ما زودتني زادي ورحم الله القاضي عبد الوهاب المالكي، خرج من بغداد فخرج لوداعه عشرون ألفاً، يبكون وينتحبون، فقال لهم: يا أهل بغداد، والله ما فارقتكم عن قِلَى، ووالله لو وجدت عندكم عشاء ليلة ما فارقتكم، وهم يبكون وينتحبون ويصرخون: إنه يعزُّ علينا فراقك، إننا نفديك بأرواحنا، يا شوقنا إليك، يا مصيبتنا بفقدك! ... ... هذه هي المسألة ... أفليس هناك طريقة لإنقاذ الدماغ من المعدة؟ لإنصاف العلم من المال، لحماية النبوغ من الضياع؟. من يشتغل بالعلم والدرس والكتابة والتأليف إذا كان الفقراء لا يطيقونه، والأغنياء لايحسُّونه؟ أكان لزاماً على من يشتغل بذلك أن يموت من الجوع؟ ألا يستحق هذا المسكين بطريقة من الطرق، بقانون من القوانين، عشرين ديناراً، يأخذها موظف جاهل خامل بليد، لا يحسن شيئاً إلا النفاق والالتماسات والوساطات، ولا ينفع الأمة معشار ما ينفعها هذا الذي يذيب دماغه، ويحرق نفسه، ويعمي بصره، وينفق حياته في النظر في الكتب، والخطِّ بالقلم؟ أما في ميزانية الدولة، أما في صندوق الجمعية، أما في مال الجريدة، ما تشترى به آثار هذا الكاتب (١)، وأشعار هذا الشاعر، وبحوث هذا العالم، بالثمن الذي يعدل ما بذل فيها، ليعيش فيصنع غيرها.

стр. 209

هذه هي المسألة! هل يجب أن يموت النابغ لأنه نابغ، ويعيش الأغبياء والجاهلون؟ أم يجب عليه أن يميت نبوغه ليعيش، ويبيع عقله وذكاءه برغيف من الخبز؟. ***