← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14456

فكر ومباحث

علي الطنطاوي

Полный текст (209 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

٣ - عملية الترتيب (أو التصنيف): وذلك بأن يضع كل صورة أو فكرة في المكان الملائم لها، وليس هناك قاعدة صحيحة للبداءة بالقصة، بل أن ذلك منوط بذوق الكاتب، وكثير من الكتَّاب يبدؤون بعرض أبطال القصة أولاً وبعضهم يبدأ بالزمان والمكان، أو الحادثة. ولزيادة الإيضاح آخذ مثالًا أطبِّق عليه هذه العمليات وليكن (فاجعة في شارع): ١ - أستعرض أولاً الحالات الممكنة للمكان وهي: (أ) شارع وسط المدينة. (ب) شارع وسط الحقول. (جـ) شارع على شاطئ البحر. (د) شارع على شاطىء نهر. (هـ) شارع على سفح جبل. (و) شارع وعر. (ز) شارع سهل معبَّد. (ح) شارع مأهول كثير المارة. (ط) شارع منقطع ... إلخ. وأستعرض الحالات الممكنة للزمان وهي: (أ) في الصباح (قبل الشمس). (ب) في المساء (بعد الشمس). (جـ) في الظهيرة. (د) ليلاً. (هـ) السماء صاحية. (و) السماء غائمة. (ز) السماء ماطرة.

стр. 142

(ح) السماء مثلجة. (ط) الوقت حرّ. (ي) الوقت برد ... إلخ. ٢ - فإذا انتهيت من عملية الجمع أبدأ بعملية الاصطفاء فأختار إحدى الحالات الممكنة وليكن: (أ) شارع على شاطئ البحر -وعر- منقطع. (ب) ليلاً-السماء ماطرة- الوقت برد، ذلك لأن الحادثة التي تريد وصفها هنا فاجعة لا يصلح لها إلا هذه الظروف، وأشرع بعدُ بتصنيفها فإذا تمَّ التصنيف بدأت العملية الرابعة: ٤ - عملية اختيار الأسلوب: فأتصور نوع الأسلوب الذي أكتب به المقالة والألفاظ والتعبيرات التي أستعملها فيها وما إلى ذلك (مما يسمَّى بالفرنسية (La forme) ويقابله (Le fond) للمعاني والأفكار) ومن المعروف أن الأسلوب يختلف باختلاف الموضوعات، فلا تكتب المقالة الوصفية بالأسلوب الخطابي ولا المذكرات والرسائل العائلية بأسلوب القصص المسرحية، ومن المعروف أن لكل أسلوب قواعد تختلف عن قواعد الأسلوب الآخر، يجب على مدرس الإنشاء بيانها للطلاب، فليس في وسعي أن أبيِّنها في مقالة صغيرة كهذه، ولقد صرفت وقتاً طويلاً في دراستها بنفسي بعد أن خرجت من التجهيز خالي الوفاض منها؛ لم أدرس منها شيئاً. ٥ - ثم يبدأ بالكتابة مراعياً التصنيف الذي وضعه لنفسه، ويضع لكل مقال مقدمة جذَّابة يكون فيها براعة استهلال، وخاتمة مؤثرة، فيها حسن الاختتام. أما الألفاظ فما أحب أن أكلم فيها إخواني الطلاب وإنما أقول لهم إني كلما تقدمت شعرت من نفسي بميل إلى انتقاء أسهل العبارات وأقربها إلى اللغة المألوفة، ونفور من زخرفة الجمل والعناية بالألفاظ.

стр. 143

وقد كانت هذه الزخرفة وهذه العناية بالألفاظ أكبر همِّي أولاً حتى لقد كنت أحسب البراعة في الكتابة بمقدار ما فيها من رنَّة موسيقية، لا بمقدار ما فيها من أفكار، ولا أبالي بنقد الناقدين لهذه الطريقة اللفظية الجوفاء، ولا أقيم له وزناً، كما أن إخواننا هؤلاء لا يبالون (كما أقدِّر) بهذه الكلمة مني، ولا يقيمون لها وزناً! بقي عليَّ كلمة واحدة وهي: إن كثيرين من الكتاب يميلون إلى معرفة آراء الناس بكتاباتهم ويهتمُّون بهذه الآراء جداً، حتى أنها لتشجعهم إذا كانت حسنة وتذهب عزائمهم إذا كانت سيئة، وهؤلاء الكتاب يخسرون كثيراً من مواهبهم، وينحطُّون عن المنزلة التي وضعهم فيها الله، يوم جعلهم كتَّاباً واختارهم لتبليغ رسالة القرون الآتية، فلا تعتادوا هذه العادة ولا تبالوا بأذواق الناس إذا خالفت أذواقكم، ولكن استمعوا إلى نقدهم إذا كان يستند إلى أساس علمي صحيح. أما إذا استند إلى الذوق وحده فلا .. ولو كان ذوق أستاذكم. ***

стр. 144

في النقد نشرت سنة ١٩٣٦ وعدت أستاذنا الجليل شاكر بك الحنبلي أني سأتشرف بالكتابة بـ (قلمه) البليغ، وذهبت أفتِّش عن موضوع خفيف عليَّ؛ حبيب إلى القرَّاء فأنتهز ساعة أفرغ فيها من عملي المتواصل في تأليف كتابي الجديد (عمر بن الخطاب) لأكتبه، وأوافي به جزءاً صغيراً من الواجب الكبير عليَّ واجب المساهمة في الكتابة بـ (القلم)، فلما أخذت العدد الجديد من مجلة القلم، ورأيت أنها قد أعلنت في ظاهرها عن غاياتها الأربع: النقد والعلم والأدب والسياسة. قلت: الحمد لله، قد وجدت الموضوع! سأكتب، في النقد، لامقالة ولا مقالتين ولكن سلسلة طويلة أنفِّس بها عن بعض ما أجد من الضيق بالأدباء. وآثارهم القليلة وكسلهم الطويل وأقذف في وجوههم بما عجزت عن حمله من اليأس والقنوط والخيبة والألم، فقد طال ركودها الأدبي. وامتدَّ نوم أدبائنا وزادت ثقتهم بنفوسهم وغرورهم حتى كادَ والله يتسرَّب إلى نفوسنا الخوف من «الإفلاس الأدبي» ولكنَّا لم نكن نجد الجريدة التي تتَّسع للنقد، وتفهمه على وجهه، وتعلم أنه شيء لا شأن له بالصداقة وأنه ما دام وجيهاً معقولاً، يجب أن يقبل وينشر سواء أكان موجهاً إلى صديق أم إلى عدو ... وقد كتبت منذ أمد قريب، مقالة في «النشيد الوطني» بمناسبة تأليف الشباب الوطني، وعرضت فيها بالنقد إلى نشيد الجمهورية الذي نظمه الأستاذ خليل مردم بك ولم يوفَّق فيه أبداً وأخذته إلى القبس وهي اليوم أدنى جريدة إلى الأدب لمكان الدكتور العجلاني فيها. فاعتذرت من نشره بأن خليل بك صديق الجريدة! ... ونسيت أني أنا أيضاً صديق الجريدة وأن خليل

стр. 145

بك صديقي، ونسيت أن خليل بك في منزلته الأدبية أحق الناس بتقدير النقد وتشجيعه. إذا كان نقداً فنياً صحيحاً ... ويمنع بعض جرائدنا من نشر النقد، أن بعض القائمين عليها لا يفهمون من الأدب إلا الشهرة الواسعة، والألقاب الطنَّانة، فإذا سمي النشاشيبي «أديب العربية الأكبر ...» وأطلقت ذلك خمس جرائد تعيش من فضلات ماله، كان معنى ذلك أن الأستاذ النشاشيبي منزَّه عن النقد، مبرَّأٌ من الذم، لا يجوز أن تكتب في جريدة كلمة تسوؤه، ولو ألَّف هو كتاباً سمَّاه، الإسلام الصحيح. فأساء فيه إلى الإسلام، وسفَّه الأمة، وضلَّل المسلمين كلهم منذ أحد عشر قرناً. وجعلهم جهلة مخرِّفين، وحمقى جاهلين خفي عليهم الحق ... فلم يروه حتى يتدارك الله الإسلام بهذا النشاشيبي ليأتي في آخر الزمان! فيرجع إلى الأصول، ويفهم منها ما لم يفهمه أحد من زمن الشافعي إلى زمان الناس هذا! ... على أن الأمر لو وقف عند الجرائد لهان الأمر وسهل الإصلاح، ولكن هذا المرض قد سرى إلى الأدباء ... إلى الأدباء الكبار على وجه التخصيص، فغدوا يفزعون من النقد، ولو كان مسّاً رفيقاً، وغدا أديب كبير منتج هو الأستاذ معروف الأرناؤوط الذي يعدُّ في رأس الأدباء القليلين الذين قاموا بما يطلب منهم أو بأكثر مما يطلب منهم، هذا الأديب قد غضب من جملة كتبتها عنه في فصل (الحياة الأدبية في دمشق) المنشور في الرسالة، وعاتب عليها مرَّات كثيرة ... فما بالك بمن ليس في منزلة (معروف) وفهمه للأدب، إن مثل هذا يعادي الناقد، ويقيم له حرباً، على كلمة نقد ... من أجل ذلك مات النقد في بلادنا، وجهله الناس: ولم يبق من يفرق بينه وبين السبِّ والشتم ويعلم أن الذي ينقد ليس عدواً ليسبَّ ويشتم؟ ولا خصماً يريد أن يهدم الأديب الذي ينقده، ولكن الذي ينقد أديب له ميزان حساس. وصنجات موزونة، وعنده مثل أعلى فهو يقيس عليه القطعة التي ينقدها ويبينِّ مقياسها ويعطيها ما تستحق من التقدير. هذا هو النقد الذي سأكتبه، وسأجتهد أن أدنو به من قواعد النقد

стр. 146

الأدبي، وسأفتح صدري لكل جواب يأتيني، أو اعتراض يرد عليى، وسأزنه بميزان الحق، ثم أحكم به لي أو عليَّ. لأننا -والحق يقال- إذا شكونا من جزع أدبائنا من النقد، وإساءة فهمهم إياه، فإننا نشكو أكثر من ذلك من رقاعة أكثر من يتصدَّون للنقد، وجهلهم بأصوله وفروعه، وخبطهم خبط عمياء في طرق لايعرفونها، ومسالك لا يألفونها، كالذي وقع لي أمس في القهوة، حين جاءني أستاذ لنا قديم متخصِّص في علوم الطبيعة، ينتقد علي أني قلت في قصتي الأخيرة في الرسالة (النهاية) إن في المهاجرين أشجاراً، والمهاجرين ليس فيها أشجار فلم أدر من أي أمريه أعجب، أمن غفلته في باب القصة، أم من غفلته عن حدائق بيوت المهاجرين ... وأعجب منه تلميذ علم أن الاستعارة غير الكناية، فأقبل ينتقد طه حسين! ولئن شكا أدباء مصر من حالة النقد في مصر وأقاموا الدنيا وأقعدوها، لما يشاهدون من ضعف النقد في مصر، فنحن أحق بالشكوى من موت النقد في بلادنا، غير أننا أحق أيضاً بالاغتباط بان أستاذنا الحنبلي قد فتح صدر مجلته للنقد، وأعلن لأصدقائه وأعدائه أنهم لديه سواء، لا يجامل صديقاً لصداقته، ولا يظلم عدواً لعداوته، بل يدع النقد يجري في مجراه، فينشر فصل الناقد، وينشر جواب المنقود، ثم يكون هو والقرَّاء الحكم؟ فإذا رضي الأستاذ ونشر هذه القطعة -بحروفها- لأني أحب أن لا يتوسط أحد بيني وبين قرائي، وأفضل أن أواجههم بخطئي عن أن أقابلهم بصواب صاحب الجريدة! - فإلى الملتقى القريب وإن لم يرض بنشرها ...

стр. 147

الأدب العربي في مدارس العراق نشرت سنة ١٩٣٧ إذا كان الفيلسوف هو الذي يبحث ويستنتج، والعالم هو الذي يستقرئ ويعلِّل، فالأديب ولا شك هو الذي يتذوَّق ويشعر، والأدب إذن أساسه الجمال، كما أن العلم أساسه الحقيقة، والأخلاق أساسها الخير. هذه هي الفكرة التي يجب أن تلاحظ دائماً في تدريس الأدب، لئلا يخلط بينه وبين العلم، ويتحول إلى مقاييس جافة، وحدود باردة، تفقده الجمال، وتنبو به عن الذوق، ويجب أن ينظر الطالب إلى درس الأدب، نظره إلى المتعة الحلوة، لا إلى الواجب الثقيل. فهل تلاحظ هذه الفكرة الآن في مناهج الأدب، وفي دروسه؟ هل يقبل الطلاب على درس الأدب برغبة قوية، وميل دافع، كما يقبلون على درس الرسم والموسيقى؟ لا يشك مدرِّس واحد، في أن الجواب: لا، ولا يستطيع مدرس واحد، أن ينكر أن الطلاب ضعاف في العربية، مقصِّرون فيها، وأنهم على ضعفهم يكرهونها ولا يميلون إلى دروسها. فما هي الطريق إلى علاج هذا الداء؟ هذا ما أحب أن أبينه في مقالتي هذه. ولا بدَّ لي أولاً من الكلام في الأدب وتاريخ الأدب، وإن كان ذلك معروفاً، لأضع للقراء الكرام أسساً بيِّنة، نبني عليها بحثنا، ونقيم نتائجنا. الأدب له معنيان: فهو أولاً فن من الفنون الجميلة، التي تصف الجمال وتعبِّر عنه، فهو إذن مثل التصوير والموسيقى والنحت.

стр. 148

وأي فرق بين أن تعبر عن الجمال، بصورة، أو تمثال (١)، أو قصيدة من الشعر؟ وأي فرق بين أن تصوِّر مشهد الغروب بالريشة والألوان، أو بالألفاظ والأوزان؟ ينتج عن ذلك أمران: الأول أن الأدب هو الجمال، هو العاطفة، فكل من يتذوق الجمال، ويحس في صدره عاطفة، فهو أديب بالضرورة، أي أن كل إنسان أديب، لأن كل إنسان يسرُّ ويحزن، ويذكر الماضي ويحلم بالمستقبل ويهزه مشهد الجمال في الطبيعة وفي الإنسان. وهذه النتيجة تنفعنا جداً من الناحية التعليمية، لأننا نستطيع أن نجعل كل طالب، منصرفاً إلى الأدب، مهتماً به، يحبُّه ويميل إليه، إذا درَّسناه الأدب من هذه الناحية، وعقدنا الصلات بينه وبين نفسه. ولقد جربت ذلك بالفعل في الصفوف العلمية التي أدرِّس فيها، فكان الطلاب معرضين عن الأدب كل الإعراض فما زلت بهم، أقرأ عليهم أجمل الآثار الأدبية، وأهز في نفوسهم حسَّ الجمال، ومثوى العاطفة، حتى غدوا وهم منصرفون إلى الأدب، يدرسونه، وينشؤون فيه. والنتيجة الثانية: أن الأدب ما زال يقوم على الجمال، لا يعرف الحقيقة، وليس عنده قوانين ثابتة كالقوانين العلمية، لأن فكرة الجمال نسبية، لا تتم قانوناً، ولا تسير على قاعدة، فمن الناس من يرى جمال الطبيعة في الجبال، ومنهم من يراه في السهول والأنهار، ومن الناس من يرى الجمال في المرأة في سواد عينيها وسمرتها، ومنهم من يراه في شقرتها وزرقة عينيها، فأنت لا تستطيع أن ترغم هذا أو ذاك على العدول عن رأيه في الجمال، كذلك لا تستطيع أن تجبر التلميذ على اتِّباع رأيك في قصيدة من الشعر، أو قطعة من النثر. وهذه النتيجة تنفعنا من الناحية التعليمية، إذا تعلمنا أن نبتعد على قدر الإمكان عن تطبيق

стр. 149

الطرق العلمية على الأدب، أو نعطي الطلاب بحوثاً نضطرهم إلى حفظها واتباعها، وتعلمنا أن نربي في الطالب الملَكَة الأدبية، وندلَّه على طريق البحث، ثم ندع له اختيار النتيجة. أما المعنى الثاني للأدب: وهو أقرب إلى الموضوع التعليمي، فهو أنه (مجموع الآثار البيانية الجميلة في لغة من اللغات). فالأدب العربي مجموع ما في اللغة العربية من نثر جميل، وشعر جيد، وأمثال وخطب ورسائل، والأدب الإفرنسي، مجموع ما في اللغة الفرنسية من قصص وأقاصيص ومذكرات وقصائد ورسائل وخطب. ودرس هذه الآثار هو المسمَّى هنا بدرس (النصوص) وسنعود إلى الكلام فيه. نحن إلى هنا في أدب شخصي (Subjectif) يستند على تصوير الجمال (الإنشاء) وعلى تذوق هذه الصور (النصوص)، ولكن عندنا أدباً آخر، أقرب إلى الموضوعية (Objectif) وأمسَّ بالعلم وأدنى إلى قوانينه، وهو (النقد) والمراد بالنقد وزن الآثار الأدبية وتقويمها، فالأديب يحس ويشعر ويعبر عن حسه وشعوره، فعمله إنشائي بحت، أما الناقد فيزن هذه الآثار بميزانه، ويطبقها على مقاييسه، ويفاضل بينها وبين المثل الأعلى الذي يتصوره، والنقد قسمان، نقد صوري (C. de forme) للألفاظ وصحتها والجمل ومتانتها، والأسلوب وقوته، ونقد فكري أو معنوي (C. de fond) للفكرة وتسلسلها، والصورة وجمالها، والنتيجة التعليمية لهذا التقسيم، هو أن الطالب يحتاج إلى النحو والصرف والبلاغة وما إليها من علوم الأدب لينقد نقداً صورياً شكلياً، ويحتاج إلى تربية الذوق الفني الفكري المعنوي، على أن لا ينسى المدرس أو واضع المنهج أن هذه العلوم وسيلة إلى الأدب، يؤخذ منها بمقدار الحاجة، وليست هي الغاية، ولا هي المقصودة بالذات. وهناك ما هو أوسع من النقد وهو (تاريخ الأدب)، وعلى مؤرِّخ الأدب -عدا عن تقويم الآثار- أن يرتبها، وينصفها، وهذا التصنيف هو الأساس في تاريخ الأدب.

стр. 150

ويلاحظ اتجاه جديد في النقد، منذ منتصف القرن التاسع عشر، الغاية منه تحويل النقد إلى علم موضوعي، والخروج به عن هذا النطاق الشخصي الضيق، ولا أراني بحاجة إلى ذكر مذاهب تين (Taine) وسانت بوف (Saint beufe) وبرونتير (Bruntayère) في هذا المقام، وإنما أشير إلى ذلك إشارة. تلخَّص معنا إذن، أن هناك شعوراً بالجمال ووصفاً لهذا الشعور، وهذا هو درس الإنشاء. وأن هناك فهماً لهذا الوصف وتذوُّقاً له وهذا هو درس النصوص، وأن هناك تقويماً لهذا الوصف، وبياناً لمواطن الجمال ومواضع النقص فيه، وهذا هو النقد. وأن هناك ترتيباً وتصنيفاً، ودرساً شاملاً، وهذا هو تاريخ الأدب. وسأتكلم على كل درس من هذه الدروس بإيجاز واختصار. الإنشاء: أستأذن أولاً زملائي الكرام في عرض هذه الآراء، فلست ألقي عليهم دروساً، ولا أزعم أن ما أقوله هو الصواب بعينه، ولكني أعرض تجاربي، وأنا قد درَّست العربية، والإنشاء بوجه خاص، منذ عشر سنين فوجدت أن أسباب تقصير الطلاب في الإنشاء تتلخص كلها في أمرين: الأول: أن الطالب قد لا يميل إلى الموضوع الذي يفرضه عليه المدرس، ولا يتصوره، أو لا يهيج من نفسه عاطفة أو ذكرى، فلا يحسن الكتابة فيه، وقد لقيت أنا البلاء الأزرق من هذا الأمر، وكنت آخذ أبداً شرَّ الدرجات في الإنشاء، برغم أنني كنت خيراً من رفاقي في الإنشاء وأقوى، ولا أذكركم من عشرات المرات، سألنا المدرسون أن نكتب (في وصف روضة) وأي روضة هي؟ هي التي حصباؤها ياقوت، وماؤها ذوب اللجين، وفيها البلابل وما لست أدري ماذا؟ فإذا كانت روضة ليس فيها حصباء، وكان فيها حمام أو عصافير، كانت الوظيفة سيِّئة في رأي المدرس، ولا أذكر كم سألونا: (ماذا تريد أن تكون في

стр. 151

المستقبل)، حتى مللت المستقبل، وكرهت الرياض، ووددت لو أني هجرت الكتابة فلم أخطَّ فيها حرفاً. والثاني: أن الطالب يكتب الوظيفة، فينتقده المدرس، ويبينِّ له ما فيها من نقص ولكنه لا يبين له وجه الصواب ولا يعرفه الطالب من نفسه، فيرجع إلى خطئه ويرجع المدرس إلى نقده، وهكذا دواليك حتى يملَّ الطالب فلا يكتب، أو يكتب ولكنه ييأس من الإجادة، وتموت في نفسه ملكة الكتابة. والدواء الذي أراه: ١ - هو أن يتكلَّم المدرِّس في كل مناسبة في قواعد الكتابة ونظرياتها وأنواعها، فيبحث في ألوان الكتابة من القصة والأقصوصة والوصف والمذكرات والإنشاء الخطابي والشعر، ثم يفهم الطلاب قواعد القصة وعناصرها، والزمان والمكان، والأشخاص، والحادثة، وأنواعها، من المآسي إلى الملاحم (الدرام) إلى المهازل، ومن القصة الطبيعية إلى الواقعية إلى الخيالية إلى النفسية، ويلخص لهم بين ذلك بعض القصص المشهورة، لبعض الأدباء الكبار المعروفين، من عرب أو إنكليز أو روس أو طليان، فإن الأدب عالمي لا وطن له ولا جنسية. ٢ - أن يقرأ عليهم في كل درس قطعة من الأدب العالي، ويدرسها مع الطلاب، ثم يسعى لاستيحاء موضوعات جديدة من هذه القطعة، ويعتمد في ذلك على تربية تداعي المعاني (Association des idées) عند الطلاب، حتى ينتقلوا بسرعة من معنى إلى معنى، ومن صورة إلى صورة. ٣ - أن تكون موضوعات هذه القطع مما له صلة بنفوسهم، وما له علاقة بحياة الشباب، فلا يختار لهم شيئاً من الفلسفة العميقة، أو المواعظ الجافة. ٤ - أن يسألهم الكتابة في موضوع يستوحونه من هذه القطعة، على أن يدع لهم الخيار في أن يكتبوا غيره إذا شاؤوا، ولهذه الحرية في اختيار الموضوعات فائدة عظيمة جداً، لأنها تفسح للطلاب سبيل الابتكار والتجديد، ومعلوم أن حسن اختيار الموضوع، أهم بكثير من الكتابة فيه.

стр. 152

٥ - بقي علينا مسألة أراها مهمة، هي أن يكون الطالب حراً وصريحاً، يكتب ما يخطر في باله، ويصوِّر أفكاره وعواطفه، ولو كان في رأيه ما لا يعجب المدرِّس أو يروق له. وليس على المنهج اعتراض من جهة الإنشاء، ولكن الاعتراض عليه من جهة النصوص. النصوص: أحب أن أبين أولاً كيف تدرس النصوص، ثم أعود إلى ذكر ملاحظتي على المنهج، لا بد قبل كل شيء من قراءة النص قراءة صحيحة وفهمه فهماً مستقيماً، وهذا لا يكون إلا بالوقوف علي علوم الأدب، وإتقانها في حين أن الذي رأيته من الطلاب، هو الضعف البينِّ في هذه العلوم، إلى درجة أني سألت مئتي طالب من طلاب الثانوية إعراب بيت سهل، هو: اذكرونا مثل ذكرانا لكم ... ربَّ ذكرى قرَّبت من نزحا فما عرف إعرابه إلا خمسة عشر طالباً. فكل درس للنصوص قبل تقوية علوم اللغة عند الطلاب، إضاعة وقت، وعبث من العبث. فإذا فهم الطلاب النص، قسموه بحسب الأفكار أو الصور التي فيه، ثم درسوا مزاياه وملامح أسلوبه، ثم بحثوا عن الصلة بينه وبين نفس صاحبه ومبلغ تصويره لأخلاقه وأفكاره. وأنا أرى أن يكون مدار اختيار النصوص، لا على اللغة وضخامة الأسلوب، ولكن على الجمال والقرب من أفهام الشباب وميولهم أو يترك الخيار للمدرس إن أمكن، وذلك أحسن. تاريخ الأدب: بقي علينا الكلام في النقد أو تاريخ الأدب، والكلام فيهما الآن واحد. الدرس الأدبي، فيما أفهم، ليس معناه الإحاطة بترجمة الشاعر أو الناثر، ولا حفظ أمثلة ونماذج من آثاره ولا معرفة ما قال فيه النقَّاد وأئمة الأدب، ولكن

стр. 153

الدرس الأدبي معناه البحث أولاً عن شخصية الأديب، وأثرها في شعره، ثم البحث عن أدبه ومزايا هذا الأدب، ومكانه في أدب أمته. والبحث عن شخصية لا يكون إلا بمعرفة العوامل التي كوَّنت هذه الشخصية، وكانت مصدر أخلاق الأديب وطبائعه، وهذه العوامل كثيرة، لا سبيل إلى حصرها، غير أن المهم منها، هو: الزمان – والبيئة – والثقافة – والوراثة - والتكوين الجسمي. وقد بيَّنت هذه العوامل في موضوع آخر، فلن أعود إلى شرحها وبيانها، وإنما أشير هنا إلى أهميتها في درس الأديب ذلك أن لكل زمان ذوقاً أدبياً، واتِّجاهاً فكرياً، يؤثر في الأدب الذي ينشأ فيه فيجب معرفة هذا الاتجاه، ويجب على مؤرِّخ الأدب أن يبدأ بدرس الزمان من هذه الناحية، لا من ناحية السياسة والحروب، فذلك شيء يهم المؤرخ السياسي وقد أخطأ كثير من الكتَّاب فحسبوا أن درس الزمان هو درس ما وقع فيه من حروب، وما كان فيه من أحداث سياسة. أما البيئة فهي الوسط الذي ينشأ فيه الشاعر، والأسرة التي ينحدر منها، والبلدة التي يعيش فيها، كل هذا يؤثر في الأديب، ويعمل في تكوين أخلاقه، فلو لم يعش أبو نواس في هذه البيئة الماجنة الخبيثة بيئة والبة وأصحابه ما كان أبو نواس شاعر الغزل الفاحش والخمر، ولو لم ينشأ بشَّار في أسرة منحطة، ولو لم يكن أبوه طيَّاناً ما كان بشَّار هجَّاءاً خبيثاً، وشاعراً داعراً، بل إن من النقاد الأوروبيين أصحاب المذاهب، من جعل البيئة هي العامل الوحيد في تكوين الأديب فيجب أن نبحث عن أسرة الشاعر ووسطه الذي عاش فيه، كما نبحث عن ثقافته التي تلقاها، والكتب التي قرأها، والشيوخ الذين لازمهم، وعن صلة ذلك كله بأدبه، وستجد أن ثقافة الجاحظ من أكبر العوامل في تكوين الجاحظ، وأن دراسة الزهاوي كان لها أثر في شعر الزهاوي، وكفر الزهاوي، وسنلاحظ أن الشعراء على قسمين: قسم ينبثق منهم الشعر منذ الطفولة، وتغلب عليهم الطبيعة والملَكَة كبشَّار وأبي العتاهية، وقسم لا يأتيهم الشعر إلا بعد الدرس والقراءة كأبي تمام.

стр. 154

أما عمل الوراثة، فهو أضعف مما تقدم، والوراثة النفسية لم تثبت ثبوت الوراثة الجسمية التي وضع فيها (مندل) قانونه المشهور، وقد نقل (ريبو) في كتابه أن أثر الوراثة قد استقري في مئة عالم وأديب فوجد متخلفاً ولم يقطع فيه إلى اليوم، على أن الذي يهمنا من الوراثة، ما نسميه بوراثة الدم، وهو هذه الصفات العامة في شعب من الشعوب، وأثر هذا النوع من الوراثة ظاهر في أدبنا، ولولاه ما اختلف مذهب ابن المقفَّع في الكتابة عن مذهب عبد الحميد، وهما عصريان يعيشان في بيئة واحدة تقريباً، ولا ابن الرومي عن البحتري. أما التكوين الجسمي فأثره قوي جداً في تكوين أدب الأديب، ولست في حاجة إلى إثبات هذا الأثر، لأنه لا ينكر أحد صلة الأعصاب بالعواطف والأفكار، ولا ينكر أحد أن للحياة الفسيولوجية تأثيراً في الحياة النفسية، وأن الحواس هي النوافذ التي نطلُّ منها على العالم الخارجي، وأن نظرنا إليه يختلف باختلاف صحتها ومرضها، وكمالها ونقصها، فتصور بشَّار الأعمى للجمال غير تصور البصير، وجسم بشار الضخم وحيويته المتدفقة هي التي زادت في حاجته إلى المرأة فتغزل بها وأفحش، فحال الناس بينه وبين ما يريد، فهجاهم فأقذع، فأنت ترى أن جماع فن بشار، وهو غزله وهجاؤه راجع إلى حالته الجسمية، وقل مثل ذلك في جمال أبي نواس، ثم إن عند السيكولوجيين نظرية مركب النقص، وهي التي عبَّر عنها العرب بقولهم: كل ذي عاهة جبَّار، وهي تثبت هذا الذي نتحدث عنه. فإذا انتهيت من درس هذه العوامل، درست نتائجها في أخلاق الشاعر وميوله، وأثر هذه الأخلاق والميول في شعره. ثم درست مزايا شعره، ومصادره، وأثره في الأدب. هذه هي الدراسة الكاملة، ولكن هل يمكن تطبيقها في المدارس؟ أكاد أقول: لا. وأنا مطمئن إلى صحة ما أقول، ذلك أن واضعي المنهج لم يجعلوا غايتهم مثل هذه الدراسة، ولم يلاحظوها، وإنما لاحظوا اطلاع الطالب على أكبر عدد ممكن من الشعراء والكتاب وصفات العصور الأدبية.

стр. 155

فهل هم على صواب؟ هل الغاية من درس الأدب، أن يملأ الطالب ذاكرته بأسماء الشعراء والكتاب أو يدرس عدداً قليلاً جداً، دراسة نموذجية تمكِّنه بعد ذلك من دراسة من شاء من الأدباء، ويقرأ آثارهم قراءة تذوُّق وفهم؟ هنا الخلاف، فالذي أراه أنا، والذي يطبَّق عندنا في سورية، هو أن يختار عدد قليل من الشعراء والكتاب يدرسون دراسة واسعة، ويتذوق التلميذ الجمال في آثارهم، ثم يترك له هو أن يدرس من شاء بعد ذلك. وقد نجحت (تلك) الطريقة وكونت من الطلاب شباباً يدرسون ويبحثون، بينما لاتكوِّن (هذه) الطريقة باحثاً ولا دارساً، لأن الطالب لا يعرف مطلقاً سبيل البحث والدرس. هذه كلمة موجزة أرجو أن تحمل على أحسن المحامل، وأن تقبل قبولاً حسناً.

стр. 156

أدب إقليمي نشرت سنة ١٩٣٦ أريد أن يكون لكل قطر من الأقطار العربية (أدب إقليمي) يصف طبيعة الإقليم الذي نشأ فيه، وجمال هذه الطبيعة، ويصور البيئة التي ظهر فيها وعادات أهلها، وأخلاقهم ومشاعرهم، ويكون من الأدب المحض، لأنه تصوير للجمال وعرض للحياة، ويكون من العلم، لأنه مصدر التاريخ الاجتماعي للأمة. وهذا الأدب هو الذي نريده عندما نقول إن دمشق مثلاً ليس فيها أدب، أي ليس فيها شعر ولا نثر يصف طبيعة بلادها وجمالها وعادات أهلها، وإذا أنت علمت أن فرنسا مثلاً لم يكد يبقى فيها جبل مشهور ولا بحيرة ولا نهر إلا وصفه الشعراء والكتاب ولم يبق في تاريخها حادثة كبيرة إلا استغلَّها الأدب. ورأيت بلادنا (وهي أجمل بلاد الدنيا) مهملة لم توصف ولم تذكر ورأيت تاريخنا (أحفل تاريخ في الوجود بالعظمة والمجد) منسيّاً متروكاً كأنه المنجم البكر، أو الأرض الخصبة العذراء، لعجبت وطوَّح بك العجب. وما لي أذهب بك بعيداً. وهذه جبال بلودان، يصطاف فيها كل عام جلَّة شعرائنا (١) فكم قصيدة قالوا فيها؟ وهذا وادي بردى والعين الخضراء، وقلمون ومنين وتلفيتا وصيدنايا، بل هاك بردى، ألا نزال (من الفقر) ننشد في بردى بيتاً قيل منذ ألف وأربعمئة سنة: بردى يصفِّق بالرحيق السلسل ولا نعرف لشعرائنا في بردى مقطوعة مشهورة؛ أو شعراً سائراً ..

стр. 157

وماذا لنا لولا شاعرا الإسلام وعلما الشعر؛ حسان الأول (ابن ثابت) وحسان الأخير (شوقي)؟ ... أما أن يكون هذا الأدب الإقليمي علماً ويكون منبع التاريخ الاجتماعي واضح لا يحتاج إلى دليل، وذلك أننا (نحن العرب خاصة) في أشد الحاجة إلى الأدب. لأن تاريخنا العلمي والاجتماعي. لم يكتب بعد ولم يفرد بالتأليف، بل ظلَّ متفرقاً في ثنايا القصص الأدبية والأخبار والتراجم، يحتاج إلى الاستقراء الشامل والتقاط هذه النتف وتنظيمها واستنتاج المعلومات منها، على نحو ما فعل المستشرقون وليس هذا الأمر بالسهل الميسور، كما أنه ليس بالصعب المتعذر. وإني لأذكر أنَّا كنا نقرأ السنة الماضية (أنا والطلاب) قصة من كتاب الفرج بعد الشدة للقاضي التنوخي، يتحدث فيها الفضل بن الربيع عما جرى له في اختفائه واشتداد المأمون في طلبه، فمر في القصة أن جندياً طلبه ففر منه حتى أدركه على الجسر وهمَّ بالقبض عليه فمن حلاوة الروح دفعه فسقط هو ودابته في بعض سفن الجسر. فوقفت وساءلت الطلاب أي شيء هذه السفن؟ إنها لا تعدو أن تكون سفناً عادية تكون تحت الجسر فأضيفت إليه، وهذا مقبول ولكنه بعيد، وأقرب منه أن تكون السفن لا صقة بالجسر، بمعنى أنه قائم عليها وهذا أقرب، أفلا يكون معنى هذا الفرض إذا صحَّ أن الجسر كان من زمان المأمون (كما هو الآن) (١) قائماً على عوامات، أي كان جسراً متنقلاً؟ أحسب أنه لا شك في ذلك. وأن المسألة من الوضوح بمكان. وعلى هذا لم أجد من ذكر هذه المسألة بالنص من المؤرخين. ووجدنا في هذه القصة، أن الفضل عرف الجندي لأنه من الذين كانوا ينوبون في داره أيام وزارته، ففهمنا من ذلك أن الوزراء إذا تولَّوا الوزارة، قام على أبوابهم حرس يحرسون بالنوبة، على نحو ما عليه الحال اليوم، وهذه المسألة على ضآلتها قد تفيد المشتغلين بأوضاع الحكومة الإسلامية، ولم أجد من نص عليها.

стр. 158

ووجدنا في هذه القصة أن الفضل أمسى عليه المساء وهو هارب ماش في الطرقات فلما كان بعد العشاء أغلقت أبواب الأحياء، ففهمنا من هذا أن التجول ليلاً لم يكن ميسوراً، وأن العسس كانوا يغلقون الأبواب. وهذا الأمر معروف في دمشق وفي القاهرة. وأنا أذكر البوَّابات وكيف كانت تغلق، وآخر ما بقي منها (أو ما أعلم أنه بقي) بوابة عند حمام أسامة (قرب البادرائية). استطردت هذا الاستطراد الذي كاد يخرج بي عن الموضوع لبيان أن التاريخ الاجتماعي لا يستخلص إلا من الأدب، وأن تاريخنا الاجتماعي والعلمي لم يكتب، وإنما كتب التاريخ السياسي، أو كتبت مصادره على الأصح. هذا هو الأدب الإقليمي الذي أريده، ولست أريد أن يكون لقطر من الأقطار العربية أدب مستقل في لغته، خارج على العربية لغة الجميع، وأن يهجر كل أدب أخاه فلا يعرفه، وأن تأخذ كل قوم العصبية لأدبهم؛ فتنقطع أوصال الأدب العربي، وتتفكك أجزاؤه. وينبتر من ماضيه، وهذا ما لا نحسبه يكون لمكان القرآن من هذه اللغة، ولأن الله يحفظها به وله، ولأن هذه العربية أكثر من لغة هي رابطة متينة لا تحلها يد أجنبي أو منافق أو ضعيف جهلها فعاداها. والقطر الشامي أبعد الأقطار بحمد الله عن هذه العصبية الباطلة، وأشدها تسامحاً، ولكنه (بالغ في الرقة حتى انخرق) واشتدَّ به التسامح حتى صار ضعفاً وتفريطاً وصار الشاميون؛ أعني صرنا نسيء الظن بأنفسنا حتى لا نجد نابغاً ينبغ فينا إلا فتَّشنا عن عيوبه وحططنا منه. ولقد فكرت في هذا الأمر أمس فوجدته واقعاً وحقيقياً؛ ووجدتني أنا من أكثر الناس التباساً به. حتى أنني (والله) أسيء الظن ولا أرضى عن شيء كتبته قط. أقول إننا قد بالغنا في التسامح فنحن في حاجة إلى شيء من العصبية؛ كما أن إخواننا في لبنان ومصر في حاجة ماسة إلى شيء من التسامح. أما لبنان فيذم أدباؤه الفئة المختارة من رسل البيان ولسن القرآن كالرافعي والزيَّات والبشري وشوقي ويقيم الدنيا ويقعدها دعاية لفئة من الأدباء الناشئين أكبر ما يقال فيهم إن لهم بصراً بفن القصة ويحسنون الوصف على ركاكة وبعد

стр. 159

عن البلاغة. وكل حسنة عند إخواننا اللبنانيين لمصري أو دمشقي سيئة لأنه ليس عليها طابع لبنان، وكل سخافة يأتي بها لبناني أدب وكل سيئة أكبر الحسنات. وأما مصر فلا يكاد يعرف كثير من أهلها أن في الدنيا بلاداً عربية فيها أدب وحياة فهم يقنعون بمصر ويسمّون مصر (أم الدنيا) ويجهلون أحوال البلدان المجاورة سياستها وأدبها وطبيعتها، وعندي في هذا الباب نوادر منها أنني سمعت مرة قاضياً شرعياً يتحدث عن عكا فخلط في موضوعها خلطاً ظاهراً فسألته فلم يدرِ أين تقع من القدس أو من دمشق وآخر من المتعلمين لم يفرِّق بين سورية وفلسطين ونحن معه أنهما كلهما سورية ما خلق الله إلا هذا، ولكنه لم يدر أنهما اليوم حكومتان. بينما تجد الشاميين أو العراقيين يعرفون من أحوال مصر وسياستها أكثر مما يعرف الكثرة من المصريين أنفسهم. ومصر متعصِّبة لأدبها وعلمها، فالأثر الأدبي الذي لا يكون مصرياً، أو لا يطبع في مصر، لا يكتب له الرواج الواسع في مصر. يعرف ذلك الورَّاقون ومن درس حالة المكتبات وسوق الكتب في البلدين وقد وصل هذا الأمر إلى النقاد، فأرسل الأستاذ معروف الأرناؤوط (كتاب سيِّد قريش) إلى كثير من ناقدي مصر كالعقاد وطه حسين فلم يكتبوا عنها. ولا أدع هذا البحث قبل أن أشير إلى حادثين كان لهما أكبر الأثر في إضعاف العصبية المصرية؛ وتعرُّف المصريين: كتَّابهم وأدبائهم، الأقطار العربية الأخرى بعض التعرف: أولهما حادث ظاهر في تاريخ الأدب العربي الحديث. وباب وحده فيه سيتَّسع ويشغل من هذا التاريخ يوم يكتب صحائف كثيرة؛ ذلك هو إنشاء الأستاذ أحمد حسن الزيات مجلة الرسالة لأنها أولا مجلة مصرية كبيرة كسرت هذا الحاجز وفتحت صدرها للأقطار العربية جمعاء. فكانت كبرى المجلات العربية وأرقاها ولا خلاف، وكانت أجل صلة بين أبناء العربية وكانت الندوة التي يلتقون فيها، ففيها من كل بلد طائفة من أهله: من الشام وفلسطين والعراق والحجاز والمغرب وأوروبا وأميركا وسنغافورة، وصاحبها من أكابر أدباء العصر،

стр. 160

وأبلغهم وله في صدور الرسالة آيات بينات تتخذ مثالاً يحتذى، وإماماً يقتدي به البلغاء في فن الإنشاء، فنالت الرسالة بهذا من المنزلة في القلوب؛ والذيوع في البلدان والشهرة والمكانة ما لم تنله مجلة عربية قط. وثانيهما هو انتشار الفكرة الإسلامية في مصر، ويرجع الفضل فيها لكثير أولهم وأظهرهم وأعمقهم فيها أثراً لأستاذ محب الدين الخطيب وجريدته (الفتح). ... كان يحمل هذه الفكرة طائفة من الكتَّاب على رأسهم إمام الأدب وحجَّة العرب الرافعي، ﵀، وكانوا يسمُّونهم المحافظين، والأستاذ العلَّامة السيد رشيد رضا صاحب المنار، ثم أنشأ الأستاذ محب الدين الخطيب (الفتح) فحملت هذه الرسالة بقوة، وكان من أثر الفتح وأثر الأستاذ محب الدين، إنشاء جمعية الشبَّان المسلمين، وقد أنشئت في دار المطبعة السلفية، ثم اتَّسعت وعظمت حتى بلغت اليوم هذه المنزلة من الفخامة والضخامة وكثرة الفروع، ثم أنشئت الهداية الإسلامية، والجمعيات الأخرى، ثم أنشأ الأستاذ العبقري الشيخ البنا (الإخوان المسلمين) وانخرط في سلكهم القسم الأعظم من طلَّاب الجامعة والمدارس العالية ثم أنشئت (الرسالة) واتَّجهت هذا الاتجاه، وأنشأت أعداداً خاصة كل سنة في ذكرى الهجرة، والمواقع الإسلامية، ثم انضم إلى هذه الجبهة الكاتب الكبير حسين هيكل، بل انضم إليها طه حسين وتوفيق الحكيم أيضاً، ولم يبق إلا هذا الصعلوك الشعوبي سلامة موسى، ومن هذه الجهة أجل علماء مصر كالغمراوي أستاذ الكيمياء في الجامعة، وأحمد زكي رئيس مصلحة الكيمياء وأبو شوشة وغيرهم. وبعد فإننا نريد أدباً إقليمياً، ولكنه عربي اللغة، بليغ العبارة، بعيد عن العصبية الإقليمية الباطلة، قريب من الحق والفضيلة. ***

стр. 161

الحياة الأدبية في دمشق نشرت سنة ١٩٣٦ لا شك أن (الرسالة) بسموِّها عن الفكرة الإقليمية الضيقة، وفتحها أبوابها لأبناء العربية جميعاً، ودعوتها إلى الاجتماع على التوحيد في الدين، والفضيلة في الأخلاق، والوحدة في السياسة، والصحة في اللغة، والجمال في الأسلوب، وبالتجديد في الأدب .. سيكون لها أثر كبير في تاريخ الصحافة العربية بما سنَّت من هذه السنة الحسنة التي لم تعرفها من قبل كبريات مجلات مصر إلا قليلاً، وبما بلغته من الجمال والإتقان، في الشكل والموضوع؛ وسيكون لها أثر كبير في تاريخ الأدب العربي، بما وضعت للأدب من منهج مستقيم، وما أحيت من الأسلوب العربي، وما قبست من روائع الآداب الأجنبية؛ وسيكون لها أثر كبير في التاريخ العربي العام، بما دعت إليه من الوحدة العربية، وما نشرت من أمجاد السلف، وما وضعت في نفوس الناشئة من قرائها، من العمل للجامعة العربية الواسعة، لا للإقليمية الضيقة ... ولا شك أن «الرسالة» اليوم للأقطار العربية كلها، لا لمصر وحدها؛ فكما تفتح «الرسالة» أبوابها للمقالات الوصفية والقصصية، وللقصائد والبحوث التي يبعث بها إليها أدباء الشام والعراق وغيرهما، فلتفتح أبوابها للفصول النقدية، والبحوث المستفيضة عن الحركة الأدبية في هذه البلاد، ولو كانت قاسية شديدة على النفوس، ولو كشفت عن حقائق يحب بعض الناس ألَّا ينكشف عنها الستار؛ وليس من مصلحة الأدب في شيء أن يظل أدباء مصر والعراق جاهلين مدى الحركة الأدبية في الشام، ومغترين بها، وليس من المصلحة أن يبقى أدباء الشام ومصر جاهلين مدى الحركة الأدبية في العراق، بل يجب أن يصف أدباء

стр. 162

كل قطر من الأقطار الحياة الأدبية في قطرهم (١)، ومبلغ قوتها أو ضعفها، وسبب تقدمها أو علة قصورها، وأن يحلِّلوا أدواءها وأمراضها، لنتعاون جميعاً على علاجها ومداواتها، وتقويتها وشد أزرها؛ والحياة الأدبية في الشام أحوج شيء إلى المداواة والعلاج، إذا كان في الشام حياة أدبية، لها وجود، ولها آثار يستطيع الناقد أن يصفها ويتحدث عنها؛ وأنا أشك في وجود هذه الحياة، فلا أستطيع أن أجزم بوجودها لأني لا أرى علامة من علامات الحياة في أدباء دمشق وأدبها، ولا أستطيع أن أنفيها، لأن في دمشق أدباء كباراً معروفين، ولأن دمشق -كما يعلم الناس جميعاً- عاصمة من عواصم البيان العربي ... ولقد رجعت أعرض تاريخ الأدب في دمشق منذ عهد الاحتلال إلى اليوم، وأنظر الآثار الأدبية الخالصة التي أخرجها أدباء دمشق في هذه الخمسة عشر عاماً، فلا أجد إذا استثنيت مجلتي الرابطة الأدبية والميزان، ورواية سيِّد قريش لمعروف الأرناؤوط، وكتابي المتنبي والجاحظ لشفيق جبري، ورسائل أئمة الأدب لخليل مردم بك، إذا استثنيت هذه الكتب، وكتابين آخرين أو ثلاثة قد أكون نسيتها، لا أجد أثراً أدبياً له قيمة. وهناك كتب الأستاذ محمد كرد علي: خطط الشام والإسلام والحضارة، وغيرها ولكنها ليست من الكتب الأدبية الخالصة (٢)، وإنما هي كتب تاريخ لا تدخل في موضوع مقالي. على أنَّ هذه الكتب التي استثنيتها ليست في درجة واحدة من حيث قيمتها الأدبية، فبينا نعدُّ (سيد قريش) عملاً فنياً كبيراً على ما فيها من ضعف العقدة الروائية، وتشابه المناظر، وتكرار الأوصاف، وغلبة النصرانية على أجمل صفحاتها، نعد رسائل (أئمة الأدب) لخليل مردم بك، كتباً مدرسية، موضوعة

стр. 163

لطلاب البكالوريا لا تبلغ أن تعدَّ في الدراسات القوية التي تستند إلى طريقة في البحث معروفة، وتكشف عن نواح مجهولة من حياة الأديب الذي تبحث عنه ومن أدبه؛ ثم إن هذه الكتب نفسها إذا قيست بمدينة كدمشق، في مدة طويلة كهذه المدة، لا تعدو أن تكون أثراً ضئيلاً لا يدل على حياة ... وهذا الأثر على ما فيه من ضعف ينحصر في فنين من فنون الأدب هما: القصة التاريخية، والدراسة التحليلية؛ أما سائر فنون الأدب كالقصة التمثيلية، والأقصوصة القصيرة، والصورة الوصفية، والمذكرات الأدبية، والتأملات الفلسفية والشعرية، والدواوين القيمة، والخطب البليغة، وغيرها من فنون الأدب، فلا نكاد نجد لأدباء دمشق فيها أثراً يذكر. من أجل ذلك لم أقل إن في دمشق حياة أدبية، لأن ما نحن فيه ليس بالحياة ولا يشبه الحياة، ولم أنف هذه الحياة لأن في دمشق أدباء ينتجون، أو يستطيعون أن ينتجوا شيئاً، وإنما أقول إن أدباء دمشق في منزلة بين الموت الكامل، والحياة الصحيحة، هي السبات العميق، والنوم الطويل الذي يشبه نوم الضفادع طول الشتاء، إذ تدخل في ثقب من الثقوب، فتلبث الفصل كله كأنها قطع الحجارة، لا تأكل ولا تشرب، ولا تنق ولا تتحرك ... وإلا فما يصنع كتاب دمشق وشعراؤها؟ وأين هي منتجاتهم الأدبية؟ وهل يكفي الشاعر أن يقول كل خمسة أعوام قصيدة واحدة تضطره إليها المناسبات اضطراراً، ثم لا يكون فيها أثر من نفسه، ولا تصف شيئاً من عواطفه؟ وهل يكفي الكاتب أن ينشر كل عامين مقالة تطلب منه، أو مقدمة كتاب يسأل كتابتها؟ بل هل يستطيع أن يملك لسانه الشاعر فلا يقول شيئاً وهو يرى كل يوم ما يُنطق الصخر بالشعر من مصائب الأمة ونكباتها، بل وهمومه هو ومصائبه وما يشاهده في حياته في بيته، وحياته في عمله؟ .. أليس في حياته سرور وألم، وأمل وقنوط، وضحك وبكاء؟ أفيضحك الشاعر فلا يغنِّي، ويبكي فلا ينوح، وتهز قلبه الحادثات فلا يقول شيئاً؟ أنا لا أستطيع أن أتصوَّر كاتباً أو شاعراً، لا يكتب ولا ينظم، وكل ماحوله يهيج نفسه، ويثير عاطفته ... إن أدباءنا يحتجُّون بأنهم لا يجدون مكاناً ينشرون فيه، وإذا لم يجد الأديب

стр. 164

سبيلاً إلى النشر ضعفت همته، وانكسر نشاطه، ولم يجد حافزاً إلى العمل، لأن فقد عنصر النشر من أكبر الأسباب في هذا الركود الأدبي .. وهذا صحيح لا غبار عليه. وليس في دمشق مجلَّات أدبية، إلا مجلة صغيرة اسمها (الطليعة) يصدرها نفر من الشباب المثقفين الذين يحملون الشهادات العالية من أكبر معاهد أوروبا، ولكن لها منحى خاصاً لا يرضى عنه الناس كلهم، وهي تمشي بخطى مضطربة. وربما اضطر أصحابها إلى إغلاقها كما اضطر من قبل أصحاب (الثقافة) إلى إغلاقها، برغم أن أصحابها من أدبائنا ومفكرينا، وهم: خليل مردم بك وجميل صليبا وكاظم الداغستاني؛ ثم إن الجرائد اليومية لا تعنى بالأدب، ولا تخصص له صفحات دائمة تنفق عليها بسخاء، وإن هذه الصفحات الأدبية التي تزين بها صدور بعض جرائدنا اليومية صفحات فارغة، لا أظن أن أحداً له صلة بالذوق الأدبي يرضى عنها، وما أظن أن أصحاب الجرائد والقائمين عليها يرضون عنها، أو يجدون فيها وفاء مما يؤملون. وإذا ألَّف الأديب كتاباً أو قصة لم يجد الناشر، وإذا أنفق عليها من ماله لم يشترها أحد، لأن دمشق بلد تقرأ كثيراً ولكنها لا تشتري؛ وهذه مجلة (الرسالة)، لا تجد في دمشق أديباً أو متأدِّباً إلا اعترف لك بأنها خير مجلة أخرجت للناس، وأن العالم العربي لم يعرف مجلة مثلها منذ أنشئت أول مطبعة في مصر، ولا تجد أديباً أو متأدباً إلا وهو ينتظر يوم الثلاثاء ليقرأ الرسالة، وبعد ذلك كله يباع من أعداد الرسالة في دمشق كلها أقل من خمسمئة عدد ... هذه حجَّة الأدباء في تقاعسهم عن النشر، وهي كما ترى حجة مقبولة، ولكنك إذا سألت القراء لم لا يشترون، احتجوا بأن الأدباء لا ينشرون، وإن تقاعسهم وكسلهم علم القراء الزهد في الآثار القيمة والانصراف عن شرائها، وأنه لا بد من أن يضحِّي الأدباء بقسط من أموالهم وشهرتهم حتى يستعيدوا القراء الذين فقدوهم. على أن الذنب في رأيي ذنب المدارس والمدرِّسين، لا ذنب الأدباء ولا ذنب القراء، فليس في الشام اليوم من دروس الأدب إلا هذا المقدار القليل الذي يتعلمه الطالب في مقرَّر البكالوريا. وهذا المقدار لا يُحق

стр. 165

حقاً، ولا يُبطل باطلاً، ولا يصنع شيئاً أكثر من تنفير الطلاب من الأدب، وتسويده في أعينهم، ذلك لأن شعب الأدب في صفوف البكالوريا تسير في طريق أعوج أبعد ما يكون عن بثِّ الملكة الأدبية في نفس الطالب. وكيف تكوّن الملكة الأدبية طائفة من أخبار الشاعر وأشعاره يستظهرها الطالب من غير أن يفهمها غالباً، ويحتفظ بها في دماغه إلى يوم الامتحان، فإذا أدَّاه ونال الشهادة أهملها، أو دخله الغرور فظن أن معنى (بكالوريوس في الآداب) كاتب أو أديب، فزهد في المطالعة، وانصرف عنها أو طالع ما يقع تحت يده من الكتب والمجلات حتى ابتلي بسوء الهضم، وأصيب بالتخمة العقلية ... فترك القراءة وذهب إلى الندى (القهوة) يقطع عمره في النرد والشطرنج ثم يعمد إلى الكتابة في موضوع علمي أو فلسفي دوِّنت فيه عشرات المجلدات من غير أن يقرأ منها شيئاً ... ثم إن طلاب شعب الأدب في صفوف البكالوريا لا يستطيعون أن يستعينوا بالثقافة العامة التي يتلقونها في المدرسة، ولا يعرفون كيف يستفيدون من علم الغريزة (الفسلجة) أو علم النفس أو التاريخ في بحوثهم الأدبية ولا يعرفون شيئاً من مناهج النقد، وقواعد التحليل الأدبي، لا لأن الطلاب كسالى أو بلداء، فالطلاب يدرسون الأدب الفرنسي فيسيغونه، ويدرسون الرياضة فيفهمونها، ويدرسون أشياء كثيرة غير هذه يضيقون ببعضها ويتبرَّمون به، ويقبلون على بعضها ويحبونه، ويجدون لذلك كله أثراً في نفوسهم، فإذا جاء الأدب العربي وجدت أكثر الطلاب لم يلذّوه ولم يبق في نفوسهم أثراً. وسبب ذلك أن أكثر المدرسين عاجزون عن أداء هذه المهمة التي انتدبوا أنفسهم لها، أو انتدبهم لها من بيدهم مقاليد الأمور، لشهرتهم الأدبية أو لشهادتهم العالية، أو لشيء غير ذلك له صلة ضعيفة، أو لا صلة له بالأدب قط. وأكثر المدرسين اليوم بين رجلين: رجل ثقف الأدب العربي القديم ثقافة حسنة، وضرب بالسهم الوافر في علوم العربية نحوها وصرفها، وبلاغتها وعروضها، ونقدها وروايتها، وحفظ أيام العرب وأمثالهم واستطاع أن يفهمها حق فهمها، وينقدها نقد بصير بها، ولكنه عجز عن أن يدرسها ويدرس رجالها دراسة تحليلية صحيحة لجهله الآداب الأجنبية، وجهله قواعد النقد الحديث.

стр. 166

ورجل درس الآداب الأجنبية أو واحداً منها دراسة عميقة، وعرف مناهج البحث، ومذاهب النقاد، وأحسن نقلها إلى الأدب العربي، ولكنه عجز عن فهم الشعر العربي، وجهل علوم العربية، فغدا لا يستطيع إدراك معنى النص العربي فضلاً عن نقده أو الحكم عليه. ثم إن أكثر المدرسين من غير رجال الأدب؛ وإن فيهم من لم يعرفه الناس شاعراً مطبوعاً، ولا كاتباً مجيداً، ولا ناقداً بصيراً، ولا أكثر من ذلك ولا أقلّ. فكيف لعمري نطلب منه غرس الملكة الأدبية في نفوس الطلاب؟ إن مثل هذا الطلب هدم للمنطق الذي يقرر أن فاقد الشيء لا يعطيه. ... هذه قيمة الحياة الأدبية في الشام؛ وهذا موطن الضعف فيها؛ فلا صلاح إلا بتقويته، ولا نجاح لأمة لا تسخر أدبها لخدمة قضيتها. فهل يبدأ في حياتنا الأدبية «عهد الإصلاح» المنتظر؟ ***

стр. 167

الترجمة والتأليف نشرت سنة ١٩٤٥ ما تفتأ الأفكار تحمل وتلد، وما تني المطابع تتلقَّى الولائد وتلفها بالثياب، وتخرجها للناس كتباً، فلا يدري القارئ من كثرتها ماذا يقرأ، ويحار المرء من تعدُّدها ماذا يختار. ولكن العبقري في الكتب كالعبقريّ في الناس، لا تراه الدنيا إلا مرة واحدة في الدهر الطويل، ولا يكون إلا واحداً في ملايين. أحْصِ السابقين من العباقرة في الأمم كلها تجدهم قد جمعهم لقلتهم سجل واحد، وضمَّت أسماءهم صحيفة، ثم اذكر كم من ملايين البشر عاشوا معهم، وتنفَّسوا الهواء الذي كانوا يتنفَّسونه، وأكلوا من الطعام الذي كانوا يأكلونه، ثم طوتهم الأيام، ونسيهم الناس، فكأنهم ما ولدوا ولا عاشوا، بل ربما كان في هؤلاء المنسيين المجهولين من كانت له دنيا أعرض من دنيا أولئك العبقريين، وكانوا يتمنَّون الأقل منها فلا يصلون إليه، وكانت لهم منزلة وكان لهم سلطان، ولكن الزمان محَّص الحقائق ومَازَ الأباطيل، فإذا ذلك السلطان زبَدٌ يذهب جفاء، وإذا العبقرية تمكث في الأرض لأنها تنفع الناس. وكذلك الكتب، فربَّ كتاب يطبَّل له ويزمر، ويقام له ويقعد، وآخر لا يدري به أحد، يبطل الزمان الأول، ويبقى الثاني خالداً. ولقد قرأت في بعض ما قرأت من شعر الإفرنج كلمة أحسبها لتيوفيل غوتييه يقول فيها مخاطباً الملك العظيم لويس الرابع عشر: «لقد نسي التاريخ اللآلئ التي كانت في تاجك أيها الملك، ولكنه لا يزال يذكر الرقع التي كانت في حذاء كورني». كما نسي التاريخ ألوف الأمراء والملوك إلا ما خلَّده شاعر حين أمرَّ اسمه على لسانه في قصيدة من قصائده. هؤلاء الرجال العبقريون، وهذه الكتب العبقريات، التي لا تقوى حدود البلدان، ولا فوارق اللسان، على إبطال فتنتها، وإذهاب روعتها، هذه الكتب

стр. 168

(قدر مشترك) بين أبناء الشعوب المتمدنة كلها، ليست لشعب ولا لجيل، لأنها حديث القلوب فهي لكل ذي قلب، ولغة القلوب واحدة وإن اختلفت الألسنة وتعددت البلدان، فما يليق بأمة لها شعور وكرامة وعقل، أن تجهل هذه الكتب ولا هؤلاء الرجال. ... أكتب هذا تعليقاً على مقالة الأستاذ الزيات في العدد الماضي من الرسالة. ولقد عادت بي مقالة الأستاذ إلى أيامي الخوالي حين قرأت قصة (رفائيل) أول مرة، بإذن أستاذنا شيخ أدباء الشام سليم الجندي، وكان يحرم علينا أن نلمَّ بشيء من الأدب الحديث أو ننظر في جريدة من الجرائد، قبل أن نتمكن من الأدب القديم، ونألف الصياغة العربية، وتستقيم مَلَكاتنا على طريق البلاغة السويِّ خشية أن تدخل جراثيم العجمة إلى أسلوبنا، وأن يفشو الضعف في بياننا، فلما سألته عن قصة رفائيل غداة صدورها هل أقرؤها؟ نظر فيها ثم أذن لي بقراءتها لأنه رآها بليغة الأسلوب، صافية الديباجة، سليمة اللغة، سامية البيان، فكانت من أوائل ما قرأت من الأدب الحديث بعد (النظرات) لا أستطيع أن أصف أثرها في نفسي ولا في خيالي ولا في قلمي تلك الأيام، ولا أملك حتى الإلمام بذلك إلماماً، لأنه شيء فوق الوصف وإنما أعترف أنها أحد المصنفات القلائل التي كانت غذاء أدبي من الكتب الجديدة بعد أن غذيته بأمهات كتب الأدب القديم. وقرأت (آلام فرتر) فكان لها مثل ذلك الأثر؛ ثم افتقدت هذا اللون من الأدب فلم أجده؛ ثم وجدت شبهه في مثل (عطيل) مطران و (مرجريت) زكي و (فاوست) عوض وإن كانت هذه من قماش وتلك من قماش، وإن اختلف النسج وتغيَّرت الديباجة، وأمثال (تأبين فولتير) التي نقلها المنفلوطي إلى العربية بقلم أحسب لو أن (هوغو) كان عربياً ما كتبها بأبلغ منه (١)؛ كما أن لامارتين لم يكن ليكتب قصته ولا جوت كتابه، خيراً مما كتبهما الزيات ولو خلقا عربيين من أبين العرب. وإني حين أقرأ اليوم هذه الروائع من

стр. 169

أدب الغرب مترجمات في (روايات الجيب) مثلاً أكاد أخرج من ثيابي غيظاً وغضباً لهذه المعاني الكريمات تجيء في هذه الكلمات، وأسفاً على هذه العرائس الفاتنات تخرج في هذه الثياب الأخلاق الباليات، وأفكر لو أن الله قيَّض لقصة (ذهب مع الريح) مثلًا أو (الفندق الكبير) أو (الأم) وأمثالها الكثيرات من عبقريات القصص العالمية التي ترجمها كتاب روايات الجيب، ونشكرهم على كل حال على حسن اختيارها، وبذل الجهد فيها، إذ لم يدَّخروا في التجويد وسعاً؛ لكن البلاغة درجات، والكتَّاب طبقات؛ لو أن الله قيض لها قلماً لدناً قوياً، لا يشتد فيجرح ولا يضعف فينكسر، فترجمت بأسلوب عذب بليغ، لا يصح من غير جمال فيجف ويجمد، ولا يحمل من غير صحة فيميع ويسيل، لكان منها لهذا النشئ مدرسة، الله وحده يعلم كم كانت تخرِّج لهذه الأمة من كتاب. وليست العبرة في الترجمة بنقل المعنى المجمل للقصة، بل بنقل التفاصيل الفنية الدقيقة والصناعة الناعمة، وطريقة عرض الفكرة، وأسلوب تصوير المشهد. ولو أن المعنى المجمل هو المقصود للخصت قصة يوسف مثلاً في كلمات وضاع إعجاز السورة وجمالها الإلهي، ولكانت قصص الحب في الأدب متشابهة لا تخرج عن أن رجلاً أحب امرأة حباً عاطفياً أو جسمياً، فوصل إليها أو حيل بينه وبينها؛ فهذه أنواع أربعة للقصص الغرامية ينشأ منها أربع قصص فقط ويكون الباقي كله لغواً، مع أن في كل قصة جوّاً خاصاً بها ودنيا لها وحدها، لا تغني في المتعة الروحية بها قصة منها عن قصة، وما ذاك إلا لاختلاف الدقائق والتفاصيل، ولا يظهر هذه الدقائق والتفاصيل إلا قلمُ بليغ، بصير بمواقع الكلام، عارف بأوجه الدلالة في الألفاظ، له الحاسَّة الخفية التي يفاضل فيها بين الكلمات ويحسن انتقاءها، إذ ربَّ كلمتين بمعنى، وبين إحداهما والأخرى مثل ما بين البلاغة والعيّ. ورب كلمة في لسان لها جوٌّ ولها مدلول، وتحيط بها ذكريات عند أهل ذلك اللسان، لا يمكن أن تجيء بها مرادفتها في اللسان الآخر، ومن هنا علت بعض النصوص كالقرآن مثلاً عن الترجمة واستحال أن تنقل إلى غير لغتها. ***

стр. 170

ونحن اليوم أشبه العصور بعصر المنصور والمأمون، أمة كانت معتزلة منطوية على نفسها، ثم اتَّصلت بأمم غيرها لها مدنيات ولها علوم، فإذا استمرت على عزلتها علت عليها تلك الأمم بعلمها وقويت، وإن تعلمت ألسنتها لتفهم علومها، أضاعت لسانها وعصبيتها، فلم يبق إلا أن تنقل كتب الأمم إلى لسانها، فتزداد به غنى في الأفكار وفتى طرق التعبير، ثم تفهمها وتسيغها وتهضمها كما يقولون ثم تنشئ مثلها إنشاء. ونحن في الواقع لا نستغني عن الترجمة ولانقلّ منها، ولكنا نسيء الاختيار فندع الكتاب العبقريّ الفذَّ الذي يعدّ واحداً من مئة كتاب هي خلاصة آداب الأمم كلها ونترجم الكتاب الذي لا فائدة فيه، ثم نسيء التعبير فلا ننقل هذه الكتب إلى العربية وإنما نضع في مكان ألفاظها الأعجمية ألفاظاً عربية، ولايقدر على الترجمة الصحيحة إلا متمكِّن من اللغتين، بليغ في اللسانين، يقرأ الفقرة ثم يفهمها ثم يدعها تخالط روحه وتصير كأنها له، ثم يعبِّر عنها بلسانه، ويزيِّنها بجمال بيانه. ***

стр. 171

النفقات والتكافل الاجتماعي [ألقيت في الحلقة الاجتماعية التي عقدتها جامعة الدول العربية ومثِّلت فيها دولها كلها، وكنت مندوب الجمهورية السورية فيها وأحد الثلاثة الذين انتخبوا للجنتها العليا (لجنة الصياغة)] مقدمة: كنت قاضياً في القلمون (من أقضية دمشق) سنة ١٩٤١ و١٩٤٢ حين اشتدَّت أزمة الحرب، واستحكم الغلاء، وكانت سنة ضيق. والقلمون بطبيعته ضيِّق الرقعة المزروعة، قليل الموارد، أكثر أرضه جبا مقفرة، وأكثر ناسه فقراء، وقليل منهم الموسرون. وقد قامت الحكومة يومئذ بتخصيص يوم للإسعاف العام والتبرعات سمَّته (يوم الفقير) جمعت فيه ما جاد به الناس، وواليت العمل بعد ذلك على إسعاف المحتاجين، وألَّفت لجنة لذلك كنت أبتدع لها الطرق الجديدة للجمع. ومن ذلك (مشروع الرغيف) الذي ابتكرتُه، وهو مشروع سهل جمّ الفوائد، خلاصته أن نأخذ من كل دار رغيفاً في اليوم، يسهل على المعطي إعطاؤه، ويعظم عند الأخذ نفعه. ولكني وجدت ذلك كله غير واف بحاجات الفقراء. فرجعت إلى أحكام الفقه الإسلامي، وفقهنا ذخر لا ينفذ في كل باب من أبواب الإصلاح، فأوعزت إلى خطباء المساجد أن يبينوا للناس أحكام نفقات الأقارب، وأن يرشدوهم إلى الادِّعاء بها وتتابعت الدعاوى في المحكمة، وألزم غنيُّ كل أسرة بفقيرها. فكان ذلك أجدى من كل ما كان جمع من التبرعات. من ذلك اليوم علمت أن نفقات الأقارب، إذا طبقت أحكامها الشرعية

стр. 172

على وجهها تكون أعون على الإصلاح الاجتماعي، وأدعى للتكافل بين الناس، ودفع غائلة الفقر والحاجة، من كل تبرع أو إحسان. من هم الأقارب: نحن نقصد بلفظ الأقارب في هذا البحث أفراد الأسرة الواحدة، سواء أكان مصدر هذه القرابة الزواج أو الولادة أو الجوامع العائلية الأخرى. وإن كان لنفقة الأقارب في الاصطلاح الفقهي معنى أضيق من هذا المعنى. القاعدة العامة في النفقة: هي أن نفقة كل امرئ في ماله إن كان له مال، إلا الزوجة. فالزوجة سواء أكانت غنية أم فقيرة. يكلف بنفقتها الزوج. وذلك في مقابلة تقيدها بالبقاء على عصمته والاحتباس لأجله. والاعتراف له بالرياسة في الشركة الزوجية. وغير الزوجة من الأقرباء نفقة كل منهم في ماله إن كان ذا مال، ولو كان أباً أو أماً عجوزاً أو طفلاً، لا يكلف أحد بالإنفاق عليه. فإن لم يكونوا ذوي مال، وكانوا قادرين على التكسُّب كلِّفوا به ولم يسمح لهم الشرع بالبطالة، والعيش عالة على الآخرين. إلا إذا كانوا من الأصول فإن للأصل الفقير (للأب مثلاً والجد) حقَّ الاستراحة والاعتماد على ولده الغني، أو الفروع المؤنَّثة الفقيرة فإن الشرع لا يكلِّف الإناث العمل للعيش، والكدح للمعيشة، ولهن قريب موسر. الأحكام المعمول بها في سورية: هذا هو المعمول به في سورية -وهو المذهب الحنفي- وهو يجعل اعتبار القرابة الشديدة في وجوب النفقة لغير الزوجة والولد مقدماً على اعتبار الإرث. فيجعل النفقة على الخال ولو لم يكن وارثاً، ولا يلزم بها ابن العم مع أنه هو الوارث. ولا أجد حاجة لبيان هذه الأحكام فهي معروفة مقررة، يمكن الرجوع إليها في كتاب الأحكام الشرعية لقدري باشا. المعتبر في سورية بمثابة

стр. 173

النص القانوني فيما لم يرد في قرار حقوق العائلة تعديل له (١). وكتاب النفقات لعلي حيدر، وهو أوسع مرجع في هذا الباب، وهو مطبوع في (قاموس الحقوق). التعديلات التي أقترحها في هذه الأحكام: ١ - في الموضوع: (أ) القاعدة العامة في الحقوق والواجبات أن الغرم بالغنم. والخسار بالربح، فمن كان يرث المرء إذا مات غنيّاً، أولى بان ينفق عليه إذا عاش فقيراً. ولو كان أبعد درجة من القريب الذي لا يرث. وهذا هو مذهب الإمام أحمد (٢). وأنا أقترح أن تأخذ به الدول المشتركة في هذه الحلقة في تشريعاتها المتعلِّقة بالأحوال الشخصية. (ب) إن حدَّ اليسار الذي يجب به الإنفاق على المدَّعى عليه، وتمتنع به النفقة عن المدَّعي. غير واضح في الأحكام المعمول بها. ومن الفقهاء من اعتبر فيه يسار الفطرة، ومنهم من اعتبر نصاب الزكاة. وأنا أقترح تحديده بالعرف، وإناطته بالقاضي. (جـ) وقد شاهدنا في المحكمة مراراً حالات يكون فيها لطالب النفقة حصَّة من عقار أو حصص من عقارات مشاعة، لا تباع ولا ينتفع بمواردها، لسبب من الأسباب، كأن تكون حصصاً ضئيلة لا يرغب بشراء مثلها، أو تكون محتاجة إلى معاملات انتقال وفراغ يعجز صاحبها عن أدائها، ويعيش فقيراً في الواقع، مع أنه غني في نظر القانون بهذه الحصص، وأنا أقترح أن يسنَّ تشريع يتفق عليه في الدول المشتركة في هذه الحلقة يلزم به القريب الموسر بإدانة الطالب في مثل هذه الحال وتخويله حق الرجوع عليه متى أيسر ببيعها أو من طريق آخر (٣)، على أن توضع إشارة الرهن على هذه العقارات لمصلحة الدائن.

стр. 174

(جـ) مكرر - والعجز عن الكسب المعتبر الآن هو العجز الصحي، ومن المشاهد أن المرء قد يكون صحيح الجسم قادراً على العمل ولكنه لا يجد عملاً لبوار صناعته أو لانتشار التعطُّل الإجباري أو لسبب آخر، وهو في الواقع بحكم العاجز صحيّاً - وأنا أقترح أن يطبَّق في هذه الحال ما اقترحته في الفقرة (جـ). (د) العمل في سورية على اعتبار نفقة الزوجة من تاريخ الادِّعاء، وغيرها منذ تاريخ الحكم، وقد تطول المحاكمة شهوراً أو سنة أحياناً، وقد وقع ذلك مراراً، وأنا أقترح أن يعتبر فيها جميعاً تاريخ الدعوى (١). يلزم المدَّعى عليه عند الحكم عليه بالنفقة بأدائها من ذلك التاريخ. وليس في الشرع مانع من ذلك والمسألة اجتهادية وفي أقوال الفقهاء ما يوافقه. (د) مكرر - وقد يكون الزوج فقيراً أو عاجزاً (مع فقره) عن كسب مثله، والزوجة غنيَّة وأنا أقترح الأخذ بقول من يرى إلزامها بنفقته، فتديِّنه في الحالة الأولى إلى وقت اليسار، وتنفق عليه في الثانية بمقدار إرثها منه، مع ملاحظة أن التشريع المصري الجديد في الميراث أخذ بقول عثمان في الرد على الزوجة، وأن من المستحسن أن تأخذ بذلك سائر الدول المشتركة في الحلقة (٢). (هـ) إن الأب قد يكون شاباً قوياً ويؤثر البطالة تعنُّتاً وكسلاً وهرباً من العمل وفي إلزام ولده بنفقته في هذه الحالة تشجيع له على البطالة، وإضرار بالمجتمع. وأنا أقترح حرمانه في هذه الحالة من النفقة (٣)، موافقين في ذلك أحد قولي الشافعي. ٢ - في الشكل: (أ) دعاوى النفقات من الدعاوى المستعجلة، وفي اتباعها قواعد المرافعات العامة. ومدد التبليغ والاستمهال للإثبات ودعوة الشهود والبيِّنة

стр. 175

المعاكسة تطويل قد يضيع الغاية من إقامة الدعوى، عدا عمَّا في ذلك من نفقات يعجز عنها المدَّعي المفروض فيه أنه لا يجد ما يتبلَّغ به وأنا أقترح الاتِّفاق بين الدول المشتركة في الحلقة على سنِّ تشريع يبسط إجراءات هذه الدعاوى (١) ويقلِّل نفقاتها ويقصر مددها، ويسهال تنفيذها. (ب) العمل الآن على أن مقدار النفقة يحدده خبير أو ثلاثة خبراء في ذلك تقييد للقاضي وتطويل للمرافعة. وما يضعه الخبير من البحث والسؤال يمكن أن يضعه القاضي، وأنا أقترح على الدول المشتركة في الحلقة جعل ذلك منوطاً بالقاضي على أن يبينِّ أسباب التقدير (٢) ويكون بحث هذه الأسباب خاضعاً لإشراف المحكمة العليا. (جـ) في بعض القوانين الجديدة في سورية مثلاً ما يضيع الغاية من إقرار أحكام نفقات الأقارب، من ذلك قانون العمل الذي يمنع أن يقتطع من راتب العامل أكثر من الثلث. وهذا القانون نافع لحماية العامل من أرباب العمل وغيرهم. ولكن من يحمي أولاد العامل وزوجته منه؟ وماذا يصنعون إن كانوا سبعة أو ثمانية أمّاً وستة أولاد أو سبعة بثلث الراتب مثلاً؟ وهل يكون له وحده أكثر مما يكون لهم جميعاً (٢)؟. إلزام الخزانة العامة بنفقة من لا قريب له: الحكم الشرعي على أن الفقير المزمن العاجز عن الكسب والمرأة التي لا معيل لها، وأمثال هؤلاء ممن يستحق النفقة وليس له من تجب عليه، نفقتهم في بيت المال، وقد حكمنا بذلك مراراً ولكن وزارة المال لم تنفِّذ، وأنا أقترح على الدول المشتركة في الحلقة إحياء هذا الحكم والنص على إجابته بقانون يلزم خزانة الدولة بنفقة من لا يقدر على الكسب. ولا مال له ينفق منه ولا قريب ينفق عليه.

стр. 176

مشكلة: الحكم الشرعي على أن هذه النفقة حقٌّ شخصي لصاحبها. ليست لغيره أن يطالب به، ويمكن في رأيي تنظيم أمر النفقات وجعلها مصدراً مالياً لمشروعات التكافل، من غير إخلال بالحكم الشرعي، بأن يوقِّع الفقير الذي يستحق هذه المعونة العامة وكالة (لمصلحة التكافل)، وهي تخاصم عنه قريبه، وما تحصِّله من القريب يكون مورداً للمصلحة، مقابل ما تدفعه للفقير، على نحو ما جرت عليه مصر في أجور الخبراء بعد إنشاء إدارة الخبراء في وزارة العدل المصرية. والمشكلة هنا هي أننا في هذا التوحيد للواردات والمصروفات، نكون قد ألزمنا زيداً من الناس بنفقة من لا تلزمه نفقته. أي أنه إذا كان لدينا فقيران، قدِّرت النفقة لأحدهما على قريبه الغني بمئة ليرة في الشهر، وللآخر بثلاثين، والمعونة المخصصة لكل منهما هي خمس وستون، فيكون القريب الغني للأول قد ألزم بنفقة الفقير الثاني. وإن جرينا على الحكم الشرعي وكانت المصلحة واسطة للتحصيل فقط، ولم توحِّد الأموال التي تحصلها، تكون قد أعطت فقيرين متماثلين، مبالغ متفاوتة جداً. وهذه المشكلة تحتاج إلى بحث في اللجنة. مورد آخر لتمويل المشروع: وما دمنا نبحث في تمويل المشروع من الزكاة والوقف ونفقة الأقارب فإنني أذكر بالمناسبة مورداً آخر غزيراً جداً هو الوصايا، ونحن نسجِّل في المحكمة الشرعية في دمشق كل سنة وصايا بمبالغ طائلة يكون أكثرها في البدع والمخالفات (١) وللدجَّالين وأصحاب الطرق، وقد حاولت تنظيم أمر صرفها

стр. 177

بإرشاد الموصين إلى أوجه البر والخير فيها، فلو أن المصلحة التي ستنشأ للتكافل الاجتماعي فكَّرت في طريق هذا التنظيم لكان لها من ذلك مورد كبير ولدفعت به عن الأمة هذا الشرَّ المستطير. ***

стр. 178

تعبير الرؤيا لابن قتيبة وصف وتلخيص لنسخة ثمينة من كتاب مفقود نشرت سنة ١٩٣٥ [يزاول ابن قتيبة في هذا الكتاب بأسلوبه المتين، وطريقته السوية، بحثاً هو اليوم جديد في اللغات الأوروبية، لم يكد يعرفه أصحابها قبل فرويد النمساوي وأصحابه: يونج السويسري، وادلر الألماني، وبودوان الفرنسي، ورفرز الإنجليزي، وهو يتفق وهؤلاء الباحثين في كثير من مسائل هذا البحث، وإنما يختلف عنهم في أنه استمدَّ من معين النبوَّة، فأصاب كبد الحقيقة، وتمكن من سواء الثغرة. واتكلوا على ظنونهم، فحاموا حول الورد، وصدروا من غير ري! والكتاب كما سترى في وصفه من الكتب الجليلة التي نرجو أن يتيح الله لها ناشراً، وهذه النسخة التي نصفها من مخطوطات (المكتبة العربية) العامرة (بدمشق).] ... أما تعبير الرؤيا فقد ثبت في الدين، ونطقت به السنَّة، وتواترت به الأخبار: أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة، ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة». وأخرج البخاري ومسلم والترمذي عن سَمُرَة بن جُندب، أنه قال، قال رسول الله ﷺ : «نحن الآخرون السابقون، وبينا أنا نائم إذ أوتيت خزائن الأرض، فوضع في يديَّ سواران من ذهب، فكبرا عليَّ وأهمَّاني، فأوحي إليَّ أن أنفخهما، فنفختهما فطارا. فأوَّلتهما الكذابين اللذين أنا بينهما: صاحب صنعاء (أي الأسود) وصاحب اليمامة (أي مسيلمة).

стр. 179

والأخبار في ذلك مستفيضة. وأما ابن قتيبة، فهو الإمام العَلَم. صاحب التصانيف الجليلة: أدب الكاتب، وعيون الأخبار، وطبقات الشعراء، والميسر والقداح، والمعارف (١) وغيرها ... قال فيه شيخ الإسلام ابن تيمية في تفسير سورة الإخلاص: «هو لأهل السنَّة مثل الجاحظ للمعتزلة»، وقال الحافظ السيوطي في البغية: «كان ابن قتيبة رأساً في العربية واللغة والأخبار وأيام الناس، ثقة ديِّناً فاضلاً»، وقالت القاضي ابن خلكان: «وكان فاضلاً ثقة وتصانيفه كلها مفيدة»، وقال الخطيب البغدادي: «كان ثقة ديِّناً فاضلاً»، وقال الحافظ الذهبي: «ما علمت أحداً اتَّهمه في نقله»، وقال ابن النديم: «كان صادقاً فيما يرويه، عالماً باللغة والنحو وغريب القرآن ومعانيه، والشعر والفقه، كثير التصنيف والتأليف، توفي ابن قتيبة سنة (٢٧٦) وله (٦٣) سنة. أما كتابه تعبير الرؤيا فقد ذكره ابن النديم في الفهرست في باب الكتب المؤلفة في تعبير الرؤيا، وسمَّاه تعبير الرؤيا. وذكره أبو الطيب اللغوي في كتابه (مراتب النحويين) كما نقل الأستاذ محب الدين الخطيب في مقدمة (الميسر والقداح) (٢). وذكره في كتاب (فهرست ما رواه عن شيوخه من الدواوين المصنَّفة في ضروب العلم وأنواع المعارف الشيخ أبو بكر بن خير بن عمر بن خليفة الأموي الإشبيلي (طبع سرقسطه سنة ١٨٩٣) باسم (عبارة الرؤيا) قال:

стр. 180

كتاب عبارة الرؤيا لابن قتيبة؛ حدثني به أبو بكر بن محمد بن أحمد بن طاهر، ﵀، عن أبي علي الغساني، قال: حدثني به أبو العاصي حكم بن محمد الجذامي، عن أبي بكر أحمد بن محمد بن إسماعيل المهندس. عن أحمد بن مروان المالكي عن ابن قتيبة. ثم ذكر لروايته طريقاً أخرى، والنسخة التي نصفها مرويَّة من طريق أقصر وتلتقي برواية أبي بكر هذا عند أحمد بن مروان المالكي، وهذا مما يثبت صحة نسبة هذه النسخة لابن قتيبة، ﵀. وقال الزمخشري في (الفائق) في مادة (جنه) وهو يفسر بين الفرزدق (١): في كفِّه جُنَهيٌّ ريحهُ عَبقٌ ... من كفِّ أرْوعَ في عرنينه شَممُ قال القتيبي (يعني ابن قتيبة) الجنهي، الخيزران. ومعرفتي بهذه الكلمة عجيبة، وذلك أن رجلًا من أصحاب الغريب سألني عنه (الجنهي) فلم أعرفه. فلما أخذت من الليل مضجعي أتاني آت في المنام، فقال لي: ألا أخبرته عن الجنهي؟ قلت: لم أعرفه، قال: هو الخيزُران! فسألته شاهداً، فقال: «هدية طرفنَّه، في طبق مجنَّه»، فهببت وأنا أكثر التعجب، فلم ألبث إلا يسيراً، حتى سمعت من ينشد: في كفِّه جنهي ... وكنت أعرفه: في كفِّه خيزران ... قال في (تاج العروس) في تفسير الجنهي: هو الخيزران، رواه الجوهري، عن القتيبي قال (يعني ابن قتيبة): وسمعت من ينشد: في كفه جنهي ... والقصة التي رواها الزمخشري مروية في الورقة الخامسة عشرة من المخطوط الذي نصفه، وهذا مما يثبت صحة نسبته إلى ابن قتيبة، ومما يثبت هذه النسبة أسلوب الكتاب، فإنه لا يكاد يختلف عن الأسلوب الذي نعرفه لابن قتيبة، في تحقيقه اللغوي وتفسيره الغريب، وإكثاره من الشواهد.
следующие страницы →