← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14456

فكر ومباحث

علي الطنطاوي

Полный текст (209 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

انتقل إلى مصر، ورأى أفقاً جديداً، حتى صار له مذهبان قديم وجديد، فَلِمَ لايتغيَّر الرأي في كثير من المسائل، وقد تغير العالم كله، وتبدَّلت الدنيا، والإسلام صالح لكل زمان ومكان، والأحكام تتغير بتغيُّر الأزمان؟ أما الشباب الجاحدون فقد كانوا يعارضون هذه الدعوة لأنهم كانوا ينفرون من كل ما يتصل بالإسلام، أو يمتُّ إلى الدين بسبب، ويموتون عشقاً لأوروبَّة، ولكل ما له علاقة بأوروبة. أما الآن فقد اعتدلت الطائفتان، فلم يبق على وجه الأرض عالم مسلم يقول بسدِّ باب الاجتهاد، ويدَّعي أن الفقهاء لم يتركوا شيئاً كان أو يكون إلا بينوا حكم الله فيه؛ ولم يبق في الشباب المتعلمين (والمثقفين حقاً) من ينفر من الدين، ويفزع منه اسمه، بل إن العقلية العربية (ولا سيما في مصر) قد اتَّجهت نحو الإسلام اتجاهاً قوياً ملموساً؛ فعلماء مصر، وطلَّاب مصر، ورجالات مصر، مؤيدون للإسلام متجهون إليه، وهذا مما يسر، ويبعث الأمل في نشوء هذه الحلقة المفقودة، وإنجاز هذه الواجبات كلها. ... والمسائل التي تحتاج إلى نظر وبحث واجتهاد كثيرة لا أستطيع الآن -ولا أريد- أن أستقريها كلها، ولكني أمثِّل لها بأمثلة قليلة قريبة. هذا رمضان قد جاء. أفلا يجب إعادة النظر (مثلاً) في مسألة ثبوت الهلال؟ أليست هذه الطريقة المتَّبعة اليوم في أكثر البلدان الإسلامية مؤدية إلى الفوضى الظاهرة والنتائج الغريبة المضحكة؟ ألم تمر سنوات ثبت فيها رمضان في بعض البلدان الإسلامية السبت، وفي غيرها الأحد وفي أخرى اللإثنين ... وهو يبدأ في الواقع في يوم واحد؟ ألا يبدو هذا مخالفاً لجوهر الدين؟. أنا لا أدعو إلى بدعة جديدة، فقد تكلَّهم الفقهاء في هذه المسألة، فمن فقهاء الحنفية من قال بأن رؤية الهلال في قطر توجب الصيام على الجميع، فلماذا لا تتَّخذ مرصداً منتظماً في إحدى البلدان الإسلامية، ثم تذاع نتائج رصده على البلدان الإسلامية كافة فيعمل بها؟ أنكون بذلك مخالفين أو مبتدعين، والفقهاء قد قالوا بهذا؟

стр. 72

ومن فقهاء الشافعية كالقفَّال والرملي وابن سريج من قال بالأخذ بالحساب، والاعتماد على العلم الثابت، فلماذا لا نأخذ بهذه الأقوال، ونحن في عصر ترقَّى فيه العلم، وصار يعرف موعد الخسوف مثلاً، بالدقيقة والثانية، ويثبت خبره عياناً، أفلا يعرف موعد ولادة القمر وظهوره؟ إن الاعتماد على الشهادة في رؤية الهلال ينتج أموراً عجيبة، من ذلك أن جماعة من قرية دوما شهدوا عند القاضي بدمشق أنهم رأوا الهلال، وأثبت القاضي رمضان اعتماداً على شهادتهم، فقال عمي الشيخ عبد القادر الطنطاوي: إن هذه الشهادة كاذبة وإن الهلال لا يمكن أن يُرى الليلة الثانية، فضلاً عن الأولى. وذهب مع القاضي وجماعة من وجوه الشام إلى دوما، وأحضر الشهود، ووقف معهم في المكان الذي زعموا أنهم رأوا منه الهلال في الجهة عينها، والساعة ذاتها، وسألهم: أين الهلال؟ فلم يروا شيئاً. ثم قال واحد: ها هو، فقال الجميع ها هو، فأخرج عمي نظارة مكبرة وأراهم، فإذا الذي رأوا غمامة طولها متران، انقشعت بعد ثوان! وقد حدث مثل هذا كثيراً. سمعت من مشايخي، ولم أر ذلك في كتاب، أن أنس بن مالك، ﵁، شهد عند شريح القاضي أنه رأى الهلال، فقال له: هلمَّ أرِنيه يا عم. وذهب معه، فقال: ها هو. فنظر شريح وهو الشابُّ الحديد البصر، فلم يَرَ شيئاً وأنس يقول: ها هو ... فنظر شريح فإذا شعرة من حاجب أنت بيضاء متدلية ويراها فيحسبها هلالاً ... فأزاحها فلم يعد يرى شيئاً. ومنها مسألة الطلاق، لقد بلغت مسألة الطلاق حداً لا يجوز السكوت عنه، ولا بدَّ من إعادة النظر فيها. وشَرْعِ قانون لها يؤمن المصلحة العامة، ويحقِّق غرض الشارع. يكون الرجل في السوق يبيع أو يشتري فيحلف بالطلاق على أمر، فتطلَّق امرأته وهي في دارها، ويتشرَّد أولادها، وتنهدم دار على رؤوس أهلها؛

стр. 73

أو يغضب من أمر فيحلف بالطلاق، مع أن الذي أفهمه أنا أن الزواج عقد يعقد قصداً يراد به ضمُّ حياة الرجل إلى حياة المرأة، وأن الطلاق عقد مثله يراد به حلُّ العقد الأول، ولا بأس أن يكون حلُّ العقد بيد الرجل وحده ولكن لا بدَّ من ثبوت القصد، وأعني بالقصد أن يطلِّق الرجل وهو يفكِّر في معنى الطلاق ونتائجه، ويقصد فكَّ الرابطة الزوجية فيجب أن يكون القصد شرطاً في وقوع الطلاق، ويجب أن نجد طريقة مادية لإثبات القصد، كأن يشترط تبليغ الزوجة الطلاق بواسطة موظف مخصوص ينصبه القاضي فإن طلَّق رجل وهو قاصد من غير واسطة هذا الموظف، يقع الطلاق ديناً، ولا تسمع به الدعوى. هذا وأنا لا أجتهد في هذه المسألة ولكن أدعو إلى الاجتهاد فيها ودرسها. وهناك مسائل كثيرة، لا أعمد الآن إلى استقصائها. ... متى وجدت هذه الحلقة المفقودة درست هذه المسائل كلها، فحققت حاجات العصر وأجابت مطالبه، ولم تخرج على أصول الإسلام ولم تخالف قواعده ودرست الإسلام من كافة النواحي العلمية والفنية والاجتماعية، فإن درسنا الحقوق الأساسية العامة، درسنا الحقوق الأساسية في الإسلام، وإن بحثنا في الاشتراكية بحثنا عن رأي الإسلام في الاشتراكية، وإن انقطعنا إلى التاريخ درسنا التاريخ الإسلامي درساً حديثاً، وإن اشتغلنا بالفلسفة درسنا تاريخها في الإسلام، وحكم الإسلام في نظرياتها ومسائلها ... (١)

стр. 74

عند ذلك يمَّحي هذا الازدواج، وهذا التناقض من حياتنا، ونحيا حياة كاملة قد اصطبغت كل ناحية فيها بالصبغة الإسلامية وهذا هو مثلنا الأعلى الذي يجب أن نطمح إليه ...

стр. 75

من شوارد الشواهد نشرت سنة ١٩٤٧ سألني سائل عن بيت: فما كان قيس هلكهُ هلكَ واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدَّما المروي في عدد الرسالة الأخير، لمن هو؟ فقلت: لعَبْدة بن الطبيب، واسم الطبيب يزيد بن عمرو، وهو شاعر مخضرم معروف من قصيدته التي يرثي بها قيس بن عاصم المنقري وقبله: عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحَّما تحيَّةَ من غادرته غرض الردى ... إذا زار (عن شحط (١)) بلادَك سلَّما ففرح بذلك فرح من كان عنده لقيط فعرف نسبه، وكنت قد واليت البحث عن أمثاله من الأبيات الشاردة - التي لا تكاد تجد أديباً ولا متأدِّباً لا يتمثل بها إذا كتب أو خطب، وقلَّ في المتأدبين من علم أنسابها، وعرف أصحابها - حتى اجتمع لي طائفة صالحة، تملأ مجلَّدة لطيفة، فرأيت أن أنسب بعضها في الرسالة. من ذلك: ١ - لا تَنْهَ عن خلق وتأتي مثله ... عارٌ عليك إذا فعلت عظيم للمتوكِّل الليثي، وهو شاعر إسلامي، كان يمدح معاوية وابنه يزيد. من قصيدته التي يقول فيها: للغانيات بذي المجاز رسوم ... فببطن مكة عهدهنَّ قديم

стр. 76

فَبِمَنْحَرِ البُدْن المقلَّد من مِنى ... حِلل (١) تلوح كأنهنّ نجوم ٢ - أخاك أخاك إنَّ من لا أخا له ... كساع إلى الهيجا بغير سلاح لمسكين الدارمي وهو ربيعة بن عامر بن أنيف، قدم على معاوية وسأله أن يفرض له، فأبى، فخرج من عنده وهو يقول: أخاك أخاك ... (البيت). وإن ابن عم المرء فاعلم جناحه ... وهل ينهض البازي بغير جناح وما طالب الحاجات إلا مغرر ... وما نال شيئاً طالب كنجاح ٣ - العبد يقرع بالعصا ... والحرُّ تكفيه المقاله لأبي الأسود الدؤلي. وقبله: أعصيتَ أمر أولي النهى ... وأطعت أمر ذوي الجهاله أخطأت حين حرمتني ... والمرء يعجز لا محاله (٢) ٤ - فعين الرضا عن كل عيب كليلة ... ولكنَّ عين السخط تبدي المساويا لعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وكان صديقاً للحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب، وكانا يُرميان بالزندقة، فجرى بينهما شيء، فقال له: وإن حسيناً كان شيئاً مُلَفَّفاً ... فكشَّفه التمحيص حتى بَدَا ليا فأنت أخي ما لم تكن لي حاجة ... فإن عرضت أيقنت أن لا أخا ليا

стр. 77

فلا زاد ما بيني وبينك بعد ما ... بلوتك في الحاجات إلا تماديا فلست براء عيب ذي الود كله ... ولا بعض ما فيه إذا كنت راضيا فعين الرضا ... (البيت). كلانا غني عن أخيه حياتَه ... ونحن إذا متنا أشد تغانيا (١) ٥ - فإن كنت مأكولاً فكن خير آكل ... وإلا فأَدركني ولما أمزَّقِ لشاس بن نهار من قصيدة قالها لعمرو بن المنذر بن امرئ القيس بن النعمان وهو عمرو بن هند (٢)، وهند أمُّه عمة امرئ القيس الشاعر؛ لما همَّ بغزو قومه عبد القيس، فلما سمعها تركهم، وتمثَّل به عثمان يوم الدار. وبه سمي الممزق (بالفتح) وقيل بالكسر والتحقيق أن الممزق (بالكسر) شاعر آخر متأخر يعرف بالممزِّق الحضرمي. ٦ - كناطح صخرة يوماً ليوهنها ... فلم يَضرْها واعياً قرنه الوعل للأعشى (٣) من قصيدته التي مطلعها: ودع هريرةَ إن الركب مرتحل ... وهل تُطيق وداعاً أيها الرجل وقبله: ألست منتهياً عن نحت أَثْلتنا ... ولست ضائرَها ما أطَّت الإبل (٤) تُغري بنا رهطَ مسعود وإخوته ... يوم اللقاء فتُردي ثم تعتزل ومنها البيت المشهور: قالوا: الطرادُ! فقلنا: تلك عادتنا ... أو تنزلون فإنا معشر نُزُل ٧ - عقم النساء فلم يلدن شبيهه ... إن النساء بمثله عقم

стр. 78

لأبي دهبل (وهب بن زمعة) الجمحي. مدح معاوية ومدح ابن الزبير وولَّاه عملاً في اليمن، قاله ابن الأزرق، عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد شمس بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزون وبعده: نزْر الكلام من الحياء تخاله ... ضَمِناً (١) وليس بجسمه سقم ٨ - وكنا كندماني جَذيمة (٢) حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا لمتمم بن نويرة من قصيدته المعروفة في رثاء أخيه مالك وبعده: فلما تفرقنا كأني ومالكاً ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معاً وتمثَّلت بهما عائشة لما وقفت على قبر أخيها عبد الرحمن. ٩ - وما طلب المعيشة بالتمني ... ولكنْ ألقِ دلوك في الدلاء لأبي الأسود الدؤلي، قاله لابنه أبي حرب لما قعد عن الكسب وقال: رزقي يأتيني، وبعده: تجئك بمائها يوماً ويوماً ... تجئك بحَمْأَة وقليل ماء ١٠ - يا ربَّة البيت قومي غير صاغرة ... ضمِّي إليك رحالَ القوم والقربا لمرَّة بن مَحكان، شاعر إسلامي مقلّ، يُعدُّ في الأشراف الأجواء، وبعده: في ليلة من جمادى ذات أندية (٣) ... لا يبصر الكلب من ظلمائها الطُنُبا

стр. 79

لا ينبح الكلب فيها غيرَ واحدة ... حتى يلفَّ على خيْشومه الذَّنَبا قالوا، وكان الضيف يستبقي معه سلاحه مخافة البيات، فهو يقول لها: ضمِّي سلاحهم إليك فهم عندي في أمان. ١١ - عن المرء لاتسأل وسلْ عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي لعدي بن زيد العبادي، من قصيدته التي مطلعها: أتعرف رسم الدار من أم معبد ... نعم ورماك الشوق قبل التجلد (١) ١٢ - أريد حياته ويريد قتلي وتتمته: عذيرك (٢) من خليلك من مراد من قصيدة قالها عمرو بن معد يكرب لقيس بن مكشوح المرادي، (قالوا) وتمثَّل به علي بن أبي طالب لما رأى عدوَّ الله عبد الرحمن بن ملجم المرادي. ١٣ - إذا لم تستطع أمراً فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع لعمرو أيضاً من قصيدته التي مطلعها: أمن ريحانة الداعي السميع ... يؤرِّقني وأصحابي هجوع ١٤ - ألا ليت اللحى كانت حشيشاً ... فنعلفها خيول المسلمينا لابن مفرّغ الحميري، واسمه يزيد بن ربيعة، شاعر إسلامي أولع بهجاء آل زياد بن أبي سفيان، وهو جدّ السيد الحميري، قاله في عبَّاد بن زياد وكان عظيم اللحية.

стр. 80

١٥ - وإني لعبد الضيف ما دام نازلاً ... وما فيَّ إلا تلك من شيمة العبد كذلك هو على ألسنة الناس، وروايته: وما شيمة لي غيرها تشبه العبدا للمقنَّع الكندي وهو محمد بن ظفر بن عمير وسمي المقنع لأنه كان لجماله يخاف العين فيتَّخذ اللثام، شاعر إسلامي مقلّ، معدود في الأجواء والأشراف، والبيت من قطعة له هي: يعاتبني في الدَّين قومي وإنما ... ديوني في أشياء تكسبهم حمدا أسدّ به ما قد أخَلُّوا يضيَّفوا ... ثغور حقوق ما أطاقوا لها سدا إلى أن قال: وإن الذي بيني وبين بني أبي ... وبين بني عمي لمختلف جدا فإن أكلوا لحمي وَفرْت لحومهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا وإن ضيَّعوا غيبي حفظت غيوبهم ... وإن هُمْ هوُوا غيِّي هَوِيت لهم رُشدا وإن زجروا طيراً بنَحْس تمرُّ بي ... زجرت لهم طيراً تمُرُّ بهم سعدا (١) ولا أحمل الحقد القديم عليهم ... وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا وليسوا إلى نصري سراعاً وإن همُ ... دعوني إلى نصر أتيتهم شَدَّا لهم جُلُّ مالي إن تتابع لي غنى ... وإن قلَّ مالي لم أكلفهمُ رفدا وإني لعبد الضيف ... (البيت). ١٦ - تمتع من شميم (٢) عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار للصمَّة بن عبد الله القشيري، شاعر إسلامي غَزِل مجيد، من أبياته المعروفة، وقبله:

стр. 81

أقول لصاحبي والعيس تهوى ... بنا بين المنيفة فالضمار وبعده: ألا يا حبذا نفحات نجد ... ورَيَّا روضه بعد القِطار وأهلك إذا يحلُّ الحي نجداً ... وأنت على زمانك غير زاري شهور ينقضين وما شعرنا ... بأنصاف لهن ولا سرار وروي: غبَّ القطار وهو المطر. وروي: شهور قد مضين. والسرار: آخر الشهر. ١٧ - كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر (منسوب) لمضاض بن عمرو الجرهمي (١)، من قطعة (زعموا أنه) قالها يتشوَّق بها إلى مكة لما أجلت خزاعة قومه عنها، وبعده: بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العواثر وأخرجنا منها المليك بقدرة ... كذلك يا للناس تجري المقادر فصرنا أحاديثاً وكنا بغبطة ... كذلك عضَّتنا السنون الغوابر وبدَّلنا ربي بها دار غربة ... بها الذين يعوي والعدو المكاشر فسحَّتْ دموع العين تبكي لبلدة ... بها حرم أمنٌ وفيها المعاشر ١٨ - وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر لأعرابي، نظر إلى امرأته فرآها تتجمَّل وهي عجوز، فقال لها: عجوز تُرَجِّي أن تكون فتية ... وقد لحب (٢) الجنبان واحدودب الظهر تَدُسُّ إلى العطار سِلْعة أهلها ... وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر فأجابته ببيتين، وجمعت عليه نسوتها فضربنه.

стр. 82

١٩ - ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني ... يمينك فانظر أيّ كف تَبَدَّل لمعن بن أوس المزني، شاعر مخضرم مجيد معمَّر، من قصيدته التي يقول فيها: لعمرك ما أدري وإني لأوْجَل ... على أيّنا تأتي المنيَّة أوَّل وإني أخوك الدائم العهد لم أخن ... إنَ ايزاك خصم أو نبا بك منزل أحارب من حاربت من ذوي عداوة ... وأحبس مالي إن غرمت فأعقل وإن سُؤْتني يوماً صبرت إلى غد ... ليعقب يوماً منك آخرُ مقبلُ ستقطع ... (البيت). وفي الناس إن رثَّت حبالك واصل ... وفي الأرض عن دار القِلى متحوَّل إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على طرف الهجران إن كان يعقل ويركب حدَّ السيف من أن تضيمه ... إذالم يكن عن شفرة السيف مزْحل وهي طويلة جيِّدة، ومنها البيت السائر: إذا انصرفت نفسي عن الشيءلم تكد ... إليه بوجه آخر الدهر تقبل ٢٠ - فهبك يميني استأكلت فقطعتها ... وجشمت قلبي صبره فتشجعا لدعبل يعاتب مسلم بن الوليد، من قصيدته التي يقول فيها: أبا مَخْلَد كنَّا عقيدي مودة ... هوانا وقلبانا جميعاً معاً معا فصيَّرتني بعد انتكاثك (١) متهماً ... لنفسي عليها أرهب الخلق أجمعا غششت الهوى حتى تداعت أصوله ... بنا وابتذلت الودَّ حتى تقطَّعا وأنزلت من بين الجوانح والحشى ... ذخيرة ود طالما قد تمنعا فلا تَلْحيَنِّي ليس لي فيك مطمع ... تخرَّقت حتى لم أجد لك مرقعا فهبك ... (البيت).

стр. 83

٢١ - فإما أن تكون أخي بحق ... فأعرف منك غثِّي من سميني وإلا فاطَّرحني واتخذني ... عدوّاً أتَّقيك وتتَّقيني للمثقب العبدي (١)، وبعده: فما أدري إذا يممت أرضاً ... أريد الخير أيهما يليني أَاَلخير الذي أنا مبتغيه ... أم الشر الذي يبتغيني ٢٢ - إن القلوب إذا تنافر ودها ... مثل الزجاجة كسرها لا يشعب لصالح بن عبد القدوس، ومن قصيدته الطويلة في الحكم، ومطلعها: صرمت حبالك بعد وصلك زينب ... والدهر فيه تصرُّم وتقلُّب فدع الصبا فلقد عداك زمانه ... واجهد فعمرك مَرَّ منه الأطيب وبعدهما البيت السائر: ذهب الشباب فما له من عودة ... وأتى المشيب فأين منه المهرب ومنها: لا خير في ودِّ امرئ متملِّق ... حلو اللسان وقلبه يتلهَّب يعطيك من طرف اللسان حلاوة ... ويروي منك كما يروغ الثعلب ٢٣ - تمسَّك إن ظفرت بذيل حر ... فإن الحرَّ في الدنيا قليل من شعر الفقهاء، وهو لأبي إسحق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي الفيروزآبادي العالم العَلَم المعدود من أعلام الملَّة وقبله: سألت الناس عن خلٍّ وفيٍّ ... فقالوا: ما إلى هذا سبيل! ٢٤ - إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن لأبي تمام.

стр. 84

٢٥ - حسن قول (نعم) من بعد (لا) ... وقبيح قول (لا) بعد (نعم) للمثقب العبدي وهو عائد بن محصَن بن ثعلبة (١)، شاعر جاهلي قديم كان في زمن عمرو بن هند وعُمِّر حتى أدرك النعمان بن المنذر، سمي المثقب (بالكسر) لبيت قاله وهو: ظهرن بكلَّة وسدلن رقماً ... وثقبن الوصاوص للعيون من قطعة له يقول فيها: لا تقولن إذا ما لم ترد ... أن تتم الوعد في شيء: (نعم) حسن قول (نعم) ... (البيت). إن (لا) بعد (نعم) فاحشة ... فبـ (لا) فابدأ إذا خفت الندم وإذا قلت (نعم) فاصبر لها ... بنجاز الوعد إن الخلف ذم أكرم الجار وراع حقَّه ... إن عرفان الفتى الحقَّ كرم إن شرَّ الناس من يمدحني ... حين يلقاني وإن غبت شتم ٢٦ - مَنْذا الذي ما ساء قط ... ومن له الحسنى فقط للحريري، من المقامة الشعرية، وأول المقطوعة: سامح أخاك إذا خَلَطْ ... منه الإصابة بالغلطْ وتجافَ عن تعنيفه ... إن زاغ يوماً أو سقطْ واعلم بأنك إن طلبـ ... ـت مهذباً رمت الشطط ٢٧ - وإن امرأً يمسي ويصبح سالماً ... من الناس إلا ما جنى لسعيد للمعلوط بن بَدَل القُريعي (٢) وقبله: متى ما يرى الناس الغنيَّ وجارُه ... فقير يقولوا عاجز وجليد

стр. 85

وليس الغنى والفقر من حيلة الفتى ... ولكن أحاظ (١) قسمت وجدود إذا المرء أعيته المروءة ناشئاً ... فمطلبها كهلاً عليه شديد وكائن رأينا (٢) من غنيٍّ مُذمَّم ... وصُعلوك قوم مات وهو حميد وإن امرأً ... (البيت). ٢٨ - نوائب الدهر أدَّبتني ... وإنما يوعظ الأديب لسليمان بن وهب وزير المهتدي، قاله في نكبته، وبعده: قد ذقت حلواً وذقت مرّاً ... كذاك عيش الفتى ضروب ما مر بؤس ولا نعيم ... إلا ولي فيهما نصيب ٢٩ - أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا لمحمد بن بشير الرياشي، شاعر عباسي ماجن ظريف هجَّاء، لم يفارق البصرة ولم يتكسَّب بشعره، وقبله: كم من فتى قصرت في الرزق خطوته ... ألفيته بسهام الرزق قد فلجا (٣) لا تيأسن -وإن طالت مطالبة- ... إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا إن الأمور إذا انسدَّت مسالكها ... فالصبر يفتح منها كل ما ارتيجا (٤) أخلق بذي الصبر ... (البيت). ٣٠ - من راقب الناس مات غماً ... وفاز باللذة الجسور لسَلْم الخاسر، ابن عمرو بن حماد، وسمي الخاسر لأنه باع (كما قالوا) مصحفاً كان له واشترى بثمنه طنبوراً، أخذه من قول (أستاذه) بشَّار: من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيبات الفاتك اللهج

стр. 86

٣١ - فلا وأبيك ما في العيش خير ... ولا الدنيا إذا ذهب الحياء رواه أبو تمَّام في الحماسة، ولم ينسبه، وقبله: وأعرض عن مطاعم قد أراها ... فأتركها وفي بطني انطواء يعيش المرء ما استحيا بخير ... ويبقى العود ما بقي اللحاء فلا وأبيك ... (البيت). ٣٢ - يريد المرء أن يعطى مناه ... ويأبى الله إلا ما يشاء لقيس بن الخطيم الأوسي، شاعر فارس، قتل على جاهليته من قطعة له يقول فيها: وما بعض الإقامة في ديار ... يهون بها الفتى إلا بلاء وبعض خلائق الأقوام داء ... كداء البطن ليس له دواء يريد المرء ... (البيت). وكل شديدة نزلت بقوم ... سيأتي بعد شدَّتها رخاء ولا يعطى الحريص غنى لحرص ... وقد يَنمى (١) على الجود الثراء غنيُّ النفس (ما عمرت) غنيُّ ... وفقر النفس (ما عمرت) شقاء ٣٣ - أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد (٢) ثغر للعرجي، وهو عبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان بن عفان، شاعر إسلامي حجازي كان ينحو منحى ابن أبي ربيعة في غَزَله، قاله لما حبس، وبعده: وصبر عند معترك المنايا ... وقد شرعت أسنَّتها لنحري أُجرَّر في المجامع كل يوم ... فيا لله مظلمتي وقسري

стр. 87

كأني لم أكن فيهم وسيطاً ... ولم تك نسبتي في آل عمرو عسى الملك المجيب لمن دعاه ... سينجيني فيعلم كيف شكري فأجزي بالكرامة أهل ودِّي ... وأجزي بالضغائن أهل وتري ٣٤ - أشاب الصغير وأفنى الكبير (م) ... كر الغداة ومرّ العشي للصلتان العبدي (١)، وهو قثم بن خبيه من عبد القيس، شاعر إسلامي خبيث اللسان، وبعده: إذا ليلة هرَّمتْ يومها ... أتى بعد ذلك يوم فتي نروح ونغدو لحاجاتنا ... وحاجة من عاش لا تنقضي ويسلبه الموت أثوابه ... ويمنعه الموت ما يشتهي تموت مع المرء حاجاته ... وتبقى له حاجة ما بقي ٣٥ - لئن ساءني أن نلتني بمساءة ... لقد سرَّني أني خطرت ببالكِ لابن الدُّمَينة، عبيد الله بن عبد الله الخثعمي، والدمينة أمه، شاعر إسلامي غَزِل مجيد، من قصيدته التي أرويها كلها لنفاستها: قفي يا أميمَ القلب نقضِ لُبانة ... ونشْكُ الهوى ثم افعلي ما بدا لك سلي البانة الغيناء بالأجرع (٢) الذي ... به البان هل حيَّيت أطلال داركِ وهل قمت بعد الرائحين عشَّة ... مقام أخي البأساء (٣) واخترت ذلك وهل هملت عيناي في الدار غدوة ... بدمع كنظم اللؤلؤ المتهالك (٤) أرى الناس يرجون الربيع وإنما ... ربيعي الذي أرجو نوالُ وصالكِ

стр. 88

أرى الناس يخشون السنين وإنما ... سِنِيَّ (١) التي أخشى صروف احتمالَكِ (٢) ومنها: ليهنئْكِ إمساكي بكفِّي على الحشا ... ورقراق عيني رهبة من زِيالكِ ولو قُلتِ طَا في النار أعلم أنه ... هدىً منك أو مُدْن لنا من وصالكِ لقدَّمت رجلي نحوها فوطئتها ... هدى منك لي أوضَلَّةً من ضلالكِ أبيني: أفي يُمنى يديكِ جعلتِني ... فافرحَ أم صيَّرتِني في شمالكِ لئن ساءني ... (البيت). تعاللت كي أشْجى وما بك علَّة ... تريدين قتلي قد ظفرت بذلكِ ٣٦ - ولي كبد مقروحة من يبيعني ... بها كبداً ليست بذات قروح له (٣) من قصيدة له فيها إقواء. وبعده: أبى الناس وَيْبَ الناس لا يشترونها ... ومنذا الذي يشري دَوَىً بصحيح (٤) ٣٧ - كل امرئ صائر يوماً لشميته ... وإن تخلَّق أخلاقاً إلى حين لذي الأصبع العدواني، واسمه حرثان بن محرم، من قصيدة له طويلة (٥) أولها:

стр. 89

يا من لقلب طويل البث محزون ... أمسى تذكر رَيّاً أمّ هارون ومنها: ولي ابن عم على ما كان من خلق ... مختلفان فأقليه ويقليني أزري بنا أننا شالت نعامتنا ... فخالني دونه بل خلْته دوني لاهِ ابن عمك لا أفضلت في حسب ... عني ولا أنت ديّاني فتخزوني ولا تقوت عيالي يوم مسغبة ... ولا بنفسك في العزاء تكفيني فإن ترد عرض الدنيا بمنقصتي ... فإن ذلك مما ليس يشجيني ٣٨ - فإن تكن الأيام فينا تبدَّلت ... ببؤْسى ونعمى والحوادث تفعل فما لينت منا قناة صليبة ... ولا ذلَّلتنا للتي ليس تجمل لإبراهيم بن كُنيف النبهاني، من شعراء الحماسة، من قطعة له، منها: تعزَّ فإن الصبر بالحر أجمل ... وليس على ريب الزمان معوَّل فلو كان يغني أن يرُى المرء جازعاً ... لحادثة أو كان يغني التذلل لكان التعزِّي عند كل مصيبة ... ونائبة بالحر أولى وأجمل فكيف وكلٌّ ليس يعدو حمامه ... وما لامرئ عما قضى الله مزحل فإن تكن ... (البيتين). ولكن رحلناها نفوساً كريمة ... تُحمَّل ما لا يستطاع فتحمل وقينا بحسن الصبر منا نفوسَنا ... فصحَّت لنا الأعراض والناس هزَّل ٣٩ - وإنما أولادنا بيننا ... أكبادنا تمشي على الأرض لحطان بن المعلَّى، شاعر إسلامي من شعراء الحماسة، من قطعة له يقول فيها: أنزلني الدهر على حكمه ... من شامخ عال إلى خفضِ وغالني الدهر بوفر الغنى ... فليس لي مال سوى عرضي

стр. 90

أبكاني الدهر ويا ربما ... أضحكني الدهر بما يرضي لولا بُنَيَّات كزُغْب القطا ... رُددن من بعض إلى بعضِ لكان لي مضطرب واسع ... في الأرض ذات الطول والعرض وإنما أولادنا ... (البيت). لو هبَّت الريح على بعضهم ... لامتنعت عيني من الغمض ٤٠ - إذا ما غضبنا غضبة مضريَّة ... هتكنا حجاب الشمس أو أقطرت دما للقُحيْف بن خُميْر (أو خميَّر) (١) بن سُليم النديِّ (أو البديِّ) شاعر إسلامي كوفي أدرك الدولة العباسية، أخذه منه بشَّار فأدخله في قصيدته، وقبله: لقد لقيت أفناء بكر بن وائل ... وهِزَّان بالبطحاء ضرباً غشمشما (٢) ٤١ - ومن لم يمت بالسيف مات بغيره ... تعدَّدت الأسباب والموت واحد لابن نُباتة السعدي (٣) الشاعر عصريِّ المتنبي (٤)، روى ابن خلكان أنه قال: كنت يوماً في دهليزي فدق عليَّ الباب، فقلت: من؟ قال: رجل من أهل المشرق. قلت: ما حاجتك؟ فقال: أنت القائل (وذكر البيت)؟ فقلت: نعم. قال: أرويه عنك؟ قلت: نعم. فمضى. فلما كان آخر النهار، دق عليَّ الباب. فقلت: من؟ قال: رجل من أهل المغرب. فقلت: ما حاجتك؟ فقال: أنت

стр. 91

القائل (وذكر البيت)؟ قلت: نعم. قال: أرويه عنك؟ قلت: نعم. وعجبت كيف وصل إلى المشرق والمغرب (١)! ٤٢ - والناس ألف منهم كواحد ... وواحد كالألف إن أمر عنى لأبي بكر بن دريد، الإمام اللغوي، من مقصورته المشهورة، التي يقول فيها: من ظلم الناس تحاموا ظلمه ... وعزَّ عنهم جانباه واحتمى من لم يعظه الدهر لم ينفعه ما ... راح به الواعظ يوماً أو غدا من لم تفده عبراً أيامه ... كان العمى أولى به من الهدى من عارض الأطماع باليأس رنت ... إليه عين العزِّ من حيث رنا من عطف النفس على مكروهها ... كان الغنى قرينه حيث انتوى وقد عارضها هازلاً محمد بن عبد الواحد الشاعر المعروف بصريع الدّلاء، بمقصورة عجيبة، أسوق أبياتاً منها، وإن لم تكن من صلب موضوعي، قال: من لم يرد أن تنتقب نعاله ... يحملها بكفِّه إذا مشى ومن أراد أن يصون رجله ... فلبسها خير له من الحفى من دخلت في عينه مسلَّة ... فاسأله من ساعته عن العمى من أكل الفحم تسوَّدْ فمه ... وصار صحن خده مثل الدجى من صفع الناس، ولم يدعهم ... أن يصفعوه فعليهم اعتدى من ناطح الكبش تفجَّرر أسه ... وسال من مفرقه شبه الدما من طبخ الديك ولا يذبحه ... طار من القدر إلى حيث يشا من شرب المسهل في فصل الشتا ... أطال ترداداً إلى بيت الخلا من مازح السبع ولا يعرفه ... مازحه السبع مزاحاً بجفا

стр. 92

من فاته العلم وأخطاه الغنى ... فذاك والكلب على حد سوا والدرج (١) يلفي بالنشا ملتصقاً ... والسرج لا يلصق إلا بالغرا والذقن شعر في الوجوه نابت ... وإنما الأسْتُ التي تحت الـ (كذا) فاستمعوها فهي أولى بكم ... من زخرف القول ومن طول المرا فتلك (٢) كالدر يضيء لونها ... وهذه في وزنها مثل الخـ ... ٤٣ - إذالم يكن صدر المجالس سيداً ... فلا خير فيمن صدرته المجالس لابن خالويه الحسين بن أحمد اللغوي النحوي، وكان له شعر حسن رواه في اليتيمة، وبعده: وكم قائل: ما لي رأيتك راجلاً؟ ... فقلت له: من أجل أنك فارس! ٤٤ - ما لي سوى قرعي لبابك حيلة ... فلئن رددت فأيَّ باب أقرع؟ لأبي القاسم عبد الرحمن الخطيب الأندلسي الشاعر الصوفي، توفي في مراكش في أواخر القرن السادس الهجري. من قطعته المشهورة عند الصوفية، وهي: يا من يرى ما في الضمير ويسمع ... أنت المعدُّ لكل ما يتوقع يا من يرجَّى للشدائد كلها ... يا من إليه المشتكى والمفزع يا من خزائن رزقه في قول كن ... امنن فإن الخير عندك أجمع ما لي سوى فقري إليك وسيلة ... فبالافتقار إليك فقري أدفع ما لي سوى قرعي ... (البيت). من ذا الذي أدعو وأهتف باسمه ... إن كان فضلك عن عبيدك يمنع حاشا لمجدك أن تُقنِّط عاصياً ... الفضل أجزل والمواهب أوسع

стр. 93

٤٥ - إن الثمانين (وبلغتها) ... قد أحوجت سمعي إلى ترْجمان (١) لعوف بن محلَّم الشيباني، شاعر مجيد كان نديماً لطاهر بن الحسين ثلاثين سنة لا يفارقه ثم لابنه من بعده. من قصيدة قالها لعبد الله بن طاهر، وقد دخل عليه فكلَّمه فلم يسمع، فارتجل هذه القصيدة، وقبله: يا ابن الذي دان له المشرقان ... طراً وقد دان له المغربان وبعده: وبدلتني بالشطاط انحنا ... وكنت كالصعدة (٢) تحت السنان وقاربت مني خطاً لم تكن ... مقاربات وثنت من عنان ولم تدع فيَّ لمستمتع ... إلا لساني وبحسبي لسان ٤٦ - لا يعرف الشوق إلا من يكابده ... ولا الصبابة إلا من يعانيها للأبْلَه البغدادي محمد بن بختيار من شعراء الخريدة (٣)، شاعر مولَّد رقيق، توفي في أواخر القرن السادس الهجري، لقِّب بالأبله لقوة ذكائه ... ٤٧ - ما أنت أول سار غرَّه قمر شطر بيت للحريري صاحب المقامات، وبعده: ورائد أعجبته خضرة الدمن (٤) فاختر لنفسك غيري إنني رجل ... مثل المعيديِّ فاسمع بي ولا ترني (٥) ٤٨ - منذا يعيرك عينه تبكي بها ... ورأيت عيناً للبكاء تعار للعباس بن الأحنف، وقبله:

стр. 94

نزف البكاء دموع عينيك فاستعر ... عيناً لغيرك دمعها مدرار ٤٩ - قالوا اقترح شيئاً نجد لك طبخه ... قلت اطبخوا لي جُبَّة وقميصا لأحمد بن محمد الأنطاكي المعروف بأبي الرقعمق، المتوفى في نهاية القرن الرابع، شاعر يغلب على شعره الهزل كابن حجاج وصريع الدلاء، وقبله: إخواننا قصدوا الصبوح بسحرة ... فأتى رسولهم إليَّ خصوصا وله في الهزل قصيدة طويلة، أولها: وقَوققي وقوققي ... هدية في طبق أما ترون بينكم ... تيساً طويل العنق ٥٠ - والناس من يلْق خيراً قائلون له ... ما يشتهي ولأمِّ المخطئ الهبل للقطامي واسمه عمير بن شُيَيْم التغلبي، شاعر إسلامي متقدم من الفحول ولقِّب القطامي ببيت قاله، وقبله: والعيش لا عيش إلا ما تقرُّ به ... عين ولا حال إلا سوف ينتقل وبعده: ٥١ - قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل ٥٢ - وربما ضرَّ بعض الناس حزمهم ... وكان خيراً لهم لو أنهم عجلوا (١) ٥٣ - فمن يلق خيراً يحمد الناس أمره ... ومن يغْو لا يعدم على الغيِّ لائما

стр. 95

للمرقَّش الأصغر، واسمه عمرو (وقيل ربيعة) بن حرملة (١) وقبله: أمن حُلُم أصبحت تمكث واجماً ... وقد تعترىِ الأحلام من كان نائماً ٥٤ - ألهى بني جُشَم (٢) عن كل مكرمة ... قصيدة قالها عمرو بن كلثوم لِمَوْج بن قيس بن مازن وهو ابن أخت القطامي شاعر خبيث اللسان، وبعده: يفاخرون بها مذ كان أولهم ... يا للرجال لفخر غير مَسْؤوم إن القديم إذا ما ضاع آخره ... كساعد فلَّه الأيام محطوم ٥٥ - لو بغير الماء حلقي شَرِقْ ... كنت كالغصَّان بالماء اعتصاري لعدي بن زيد العبادي، من أبيات له يستعطف بها النعمان. وقبله: أبلغ النعمان عني مألكاً (٣) ... أنه قد طال حبسي وانتظاري وبعده: ليت شعري من دخيل يعتري ... حيث ما أدرك ليلي ونهاري قاعداً يكرب نفسي بثّها ... وحراماً كان سجني واحتصاري ٥٦ - جاء شقيق عارضاً رمحه ... إن بني عمك فيهم رماح لجَحل (٤) بن نضلة الباهلي، جاهلي، وشقيق هذا هو شقيق بن جزء بن رياح (٥) من بني قتيبة بن معن.

стр. 96

٥٧ - عليَّ نحت القوافي من معادنها ... وما عليَّ إذا لم تفهم البقر للبحتري. ٥٨ - يا أيها الرجل المعلِّم غيره ... هلَّا لنفسك كان ذا التعليم تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى ... كيما يصحَّ به وأنت سقيم لأبي الأسود الدؤلي، من قصيدته التي يقول فيها: حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالقوم أعداء له وخصوم (١) ٥٩ - قومي همُ قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت أصابني سهمي للحارث بن وعلة الجرمي من شعراء الحماسة، من قصيدته التي مطلعها: لمن الديار بجانب الرضم ... فمدافع الترباع فالرجم وبعده: فلئن عفوت لأعفونْ جَلَلاً ... ولئن سطوت لأوهننْ عظمي ٦٠ - أنا ابن جلا وطلَّاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني (٢) لسُحيم بن وثيل بن عمرو بن جوين بن وهيب الرياحي من قصيدة له طويلة، وقبله:

стр. 97

أنا ابن الغرِّ من سلفي رياح ... كنصل السيف وضَّاح الجبين وبعده: عذرت البُزْل إن هي صاولتني ... فما بالي وبال ابني لبون ٦١ - وماذا تبتغي الشعراء مني ... وقد جاوزت حد الأربعين أخو خمسين مجتمع أشدي ... ونجذَّني مداراة الشؤون سأجني ما جنيت وإن ظهري ... لذو سند إلى نضد أمين ٦٢ - شاور سواك إذا نابتك نائبة ... يوماً وإن كنت من أهل المشورات للقاضي الأرَّجاني، وهو ناصح الدين أبو بكر أحمد بن محمد بن الحسين، قاضي تُسْتَر، شاعر فقيه (١)، وبعده: فالعين تبصر منها ما دنا ونأى ... ولا ترى نفسها إلا بمرآة وله البيت المشهور الذي تَقْلب حروف صدره فيجيء معك عجزه: مودته تدوم لكل هول ... وهل كل مودته تدوم ٦٣ - فألقت عصاها واستقرَّ بها النوى ... كما فرَّ عيناً بالإياب المسافر لمعقر بن حمار البارقي، شاعر جاهلي محسن متمكن، واسمه عمرو، وفي نسبه اختلاف (٢). وسمي معقراً لقوله في هذه القصيدة: لها ناهض في الوكر قد مهدت له ... كما مهدت للبعل حسناء عاقر

стр. 98

٦٤ - فيا شجر الخابور ما لك مورقاً ... كأنك لم تجزع على ابن طريف للفارعة (١) بنت طريف بن الصلت الشيبانية، ترثي أخاها الوليد الشاري البطل الخارجي، الذي خرج أيام الرشيد في نصيبين والخابور وتلك النواحي، من قصيدة لها معروفة، ومنها: فتى لا يحب الزاد إلا من التقى ... ولا المال إلا من قني وسيوف حليف الندى ما عاش يرضى به الندى ... فإن مات لم يرضَ الندى بحليف فقدناك فقدان الشباب وليتنا ... فديناك من فتياننا بألوف وما زال حتى أزهق الموت نفسه ... شجي لعدو أو لجاً لضعيف ألا يا لقومي للحمام وللبلى ... وللأرض هفَّت بعده برجيف وللبدر من بين الكواكب قد هوى ... وللشمس لما أزمعت لكسوف وللَّيث كل الليث إذ يحملونه ... إلى حفرة ملحودة وسقيف عليك سلام الله وقفاً فإنني ... أرى الموت وقَّاعاً بكل شريف ...

стр. 99

القضاء في الإسلام قطعة من محاضرة ألقيت سنة ١٩٤٢ وضاعت تتمتها يا سادتي! أحب أن أكون هذه العشيَّة مؤرخاً لا شاعراً، وأن أعرض عليكم حقائق ثابتة بأسلوب هادئ، فلا أفخر ولا أبالغ، ولا أملأ الآذان إغراقاً وتهويلاً، فإذا سمعتم مبالغة فاعلموا أن الواقع هو الذي يبالغ، وما هو ذنبي إذا كان قضاتنا الأولون قد نظموا بأعمالهم قصائد دونها في الفخر معلَّقة ابن كلثوم، وجعلوا من مناقبهم مفخرة خالدة لكل من قال: «أنا عربي»، أو قال: «أنا مسلم» ... وكانوا أعلام الهدى في طريق العدالة، وكانوا الدراري في سماء القضاء، قد بذُّوا كل سابق وفاتوا كل لاحق، وما كان مثلهم، ولا أحسبه يكون! إني والله آخذ تاريخهم فأختصره وألخِّصه وأعرضه عليكم، وربما أشرت إشارة عابرة إلى القصة لو سمعتموها على أصلها ما دريتم لفرط ما يخالطكم من السموِّ والزهو وهزَّة الطرب وإخذة العجب، أفي أرض أنتم أم في سماء ... لاتعجبوا، ففي تاريخنا من الأمجاد ما لو أفيض على أفراد البشر لجعلهم كلهم عظماء! وبعد، يا سادتي، فإن القضاء أعلى درجة استطاع البشر الارتقاء إليها. ارفعوا القضاء من تاريخ الإنسان يهبط إلى درك البهائم، ويأكل القوي من بني آدم الضعيف، وإن معنى الإنسانية وحقيقتها في الحياة المجتمعة الهادئة الآمنة، التي لا يطغى فيها أحد على أحد، والتي تصان فيها الحيوات والحريَّات، وتحفظ الدماء والأعراض، ويتحقق فيها التعاون على جلب المصالح ودرء المفاسد، ولا يكون ذلك كله إلا بالقضاء.

стр. 100

والقضاء (عند المسلمين) أقوى الفرائض بعد الإيمان، وهو عبادة من أشرف العبادات، لأنه إظهار للعدل، وبالعدل قامت السماوات والأرض. وصف الله به نفسه إذ قال: ﴿فالله يحكم بينهم﴾ و ﴿إن ربك يقضي بينهم﴾، وأمر به نبيَّه فقال: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم﴾، وجعل أنبياءه قضاة بين خلقه ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيُّون﴾، وبه أثبت الله اسم الخلافة لداود حين قال له: ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض، فاحكم بين الناس بالحق، ولا تتَّبع الهوى﴾. والقضاء أول ما تعقد عليه أمة خناصرها، إذا عدَّدت أمجادها ومفاخرها. وإذا استدلَّ بفرد على سلائق جيل، كان القاضي العالم العادل أظهر دليل على مكارم شعبه ونبل أمته. وإذا كان بين الشعوب اليوم من يفخر باستقلال قضائه، وعزته ومضائه، ففاخروه يا شبابنا بقضائكم يكن لكم الفخار، وتعقد على جباهكم تيجان (الغار)، ولكن لا تناموا على هذا المجد التليد، بل انهضوا فَصِلوه بمجد لكم جديد! ... يا أيها السامعون! إني لا ألقي خطابيات، ولكن أسرد حقائق: هذا قضاؤنا، فمن عرف قضاء أشدَّ منه استقلالاً؟ هل نال قاض في أمة من الحرية مثل ماكان لقضاتنا؟ لم يكن القاضي مقيداً بمذهب بعينه لا يد له في مخالفته، ولا مربوطاً بقانون بذاته لا يملك الخروج من ربقته، وليس لخليفة عليه في حكمه سلطان، ولا لأمير معه في قضائه كلام، تبدَّلت على المسلمين دول، واختلفت حكومات، وقام قاسطون ومقسطون، وخيِّرون وشريرون، والقضاء في حصن حصين، لا تبلغه يد عادل ولا ظالم ولا يمسّه خليفة حق ولا سلطان جائر ... القاضي واجتهاده، مرجعه كتاب الله وسنَّة نبيه، ورقيبه ضميره ودينه، ووازعه إيمانه ويقينه.

стр. 101

وسيأتي الكلام في صفات القاضي، وأن الأصل فيه أن يكون من أهل الاجتهاد لا من المقلِّدين. ولقد رأيت في تراجم بعض القضاة أنهم كانوا يرجعون إلى الخلفاء يسألونهم ويستفتونهم، وأن من الخلفاء من كان يذيع من (البلاغات) ما ظاهره إلزام القاضي بقول أو مذهب. وتحرير الكلام في هذه المسألة أن من أعمال الخلفاء الاجتهاد والفتوى والقضاء وقيادة الجيوش وسدِّ الثغور، ومن شرائطهم العلم، فإذا رجع القضاة إلى الخلفاء، فإنما يرجعون إليهم لعلمهم وفقههم لا لسلطانهم ومنصبهم، وأكثر ما رأيت من السؤال إنما هو لعمر بن عبد العزيز وأمثاله. ولقد كانوا يقولون: «العلماء عند عمر بن عبد العزيز تلامذة» ... ولم يكن القضاة ملزمين بالعمل بجواب الخليفة أو بلاغه. ولقد ردَّ القاضي المصري بكَّار بن قتيبة بلاغ الموفَّق العباسي، لما ثبت عنده أنه مخالف للحكم، مناهض للدليل وأسقط العمل به (١). ولعمر الحق ما فرَّط قضاتنا بهذه الأمانة ولا أضاعوها، بل كانوا أمناء عليها، قائمين بحق الله فيها، لا يعرفون في الحق كبيراً ولا صغيراً يقيمونه على الملوك قبل السوقة، ويأخذون للضعيف الواني من القوي العاتي، لم تكن تنال منهم رغبة ولو جئتهم بكنوز الأرض، ولا تبلغ رهبة ولو لوَّحت لهم بالموت منشوراً، بل كانوا في الحق كالجبال هيبة وثباتاً، وفي إنفاذه كالصواعق مضاءً وانقضاضاً، وسيأتيكم حديث محمد بن عمران قاضي مكة، الذي ادَّعى لديه جمَّال على أمير المؤمنين، العظيم المخيف، أبي جعفر المنصور، فبعث إليه (مذكرة جلب)، فجاء في خفٍّ وطيلسان ما عليه من شارات الإمارة شيء، حتى وقفه بين يديه مع الجمَّال. وشُرَيْك قاضي الكوفة حين ادَّعت لديه امرأة مجهولة على الأمير الخطير ابن عم الخليفة وثاني رجل في الدولة بعده عيسى بن موسى، فحكم عليه حكماً غيابياً، فامتنع الأمير من إنفاذه وتوسَّل إليه بكاتبه، فحبس

стр. 102

القاضي الكاتب لأنه مشى في حاجة لظالم، فاستعان عليه بجماعة من وجوه العراقيين من إخوان القاضي، فساقهم جميعاً إلى الحبس، فغضب الأمير وبعث من أخرجهم. عند ذلك -أيها السادة- عصفت نخوة الشرع في رأس القاضي، وأخذته عزَّة الإيمان فقال: «والله ما طلبنا هذا الأمر (يعني المنصب)، ولكنهم أكرهونا عليه، وضمنوا لنا فيه الإعزاز إذ تقلَّدناه لهم». ثم ختم قمطره، وجمع سجلَّاته، واحتمل بأهله، فتوجَّه نحو بغداد، ووقعت الرجفة في الكوفة حين مشى فيها خبر خروج القاضي، حتى خاف الأمير على سلطانه، فلحق بالقاضي يناشده الله أن يرجع، فقال القاضي: «لا والله حتى يردَّ أولئك إلى الحبس، فما كنت لأحبس أنا وتطلق أنت»؛ فبعث الأمير من يرجعهم إلى الحبس، والقاضي واقف ينتظر حتى جاءه الخبر بأنهم قد أُرجعوا، فقال القاضي لغلامه: خذ بلجام دابة الأمير وسُقه أمامي إلى مجلس الحكم، إلى المسجد، أيها السادة، وهناك أجلسه بين يديه مع المرأة، فلما انتهت المحاكمة وحكم لها عليه، نهض إليه فسلَّم عليه بالإمارة وقال له: هل تأمر بشيء؟ فضحك الأمير وقال: بماذا آمر؟ وأي شيء بقي؟ قال له شُريك: أيها الأمير، ذاك حقُّ الشرع، وهذا حقُّ الأدب. فقام الأمير وهو يقول: من عظَّم أمر الله، أذلَّ الله له عظماء خلقه! هذا قضاؤنا، فهل سمعتم عن قضاء أنه بلغ في التسوية بين الخصوم مبلغه؟ لقد سووا بينهم في المجلس والخطاب والبِشْر، واللفتة العارضة، والبسمة البارقة، بله الحكم. وقد بلغ التدقيق في تحقيق هذه التسوية مبلغاً لا غاية وراءه، فاقترن في هذه المسألة العلم بالعمل، وحقَّق القضاة ما دوَّن الفقهاء، فافتحوا أقرب كتاب فقه إليكم تروا ماذا دوَّنوا ... وقف بين يدي المأمون وهو في مجلس المظالم رجل يتظلَّم منه نفسه، فترادَّا الكلام ساعة فما اتفقا، قال المأمون: فمن يحكم بيننا؟ قال: الحاكم الذي أقمته لرعيتك يحيى بن أكثم، فدعا به المأمون فقال له: اقض بيننا؛ قال: في حكم وقضية (أي في دعوى)؟ قال: نعم؛ قال القاضي: لا أفعل. فعجب المأمون وقال: لماذا؟ قال يحيى: لأن أمير المؤمنين لم يجعل داره مجلس قضاء، فإن كانت له دعوى فليأت مجلس الحكم (أي المحكمة)؛ قال المأمون: قد جعلت داري

стр. 103

مجلساً للقضاء. قال: إذن فإني أبدأ بالعامة ليصحَّ مجلس القضاء (وتكون المحاكمة علنية)؛ قال المأمون: افعل؛ ففتح الباب، وقعد في ناحية من الدار، وأذن للعامة، ونادى المحضر، وأخذت الرقاع (أوراق الدعوة والإعلان)، ودعي الخصوم على ترتيبهم حتى جاءت النوبة إلى المتظلِّم من المأمون، فقال له القاضي: ما تقول؟ قال، أقول أن تدعو بخصمي أمير المؤمنين المأمون. فنادى المحضر: «عبد الله المأمون»! فإذا المأمون قد خرج في رداء وقميص وسراويل في نعل رقيق ومعه غلام يحمل مصلَّى حتى وقف على يحيى، ويحيى جالس، فقال للمأمون: اجلس! فطرح الغلام المصلى ليقعد عليه، فمنعه القاضي حتى جاء بمصلَّى مثله، فبسط للخصم وجلس عليه والقصة طويلة عجيبة، تتمتها أعجب من فاتحتها، فاقرؤوها في (المحاسن والمساوئ) للبيهقي، الجزء الثاني الصفحة ١٥١، وإنكم لتحارون بعدُ مِمَّ تعجبون: من جرأة الرجل، أو من صلابة القاضي، أو من أخلاق المأمون! ومن قبله غضب عليٌّ (كما قيل) حين كانت له دعوى مع اليهودي، لأن القاضي ناداه: يا أبا الحسن، ودعا اليهودي باسمه، فرأى في ذلك تعظيماً له وإخلالاً بالمساواة بين الخصوم، والله أعلم بصحَّة ما قيل. ونزل ضيف بخير بن نعيم قاضي مصر فأطعمه وأكرمه، ثم علم أن له خصومة لديه، فتركه في الدار، وذهب يفتِّش عن خصمه حتى جاء به فأجلسه معه على المائدة. وقد حدَّثني حمي القاضي صلاح الدين الخطيب عن عمِّه قاضي يافا في زمانه العالم الجريء المشهور صاحب النوادر الشيخ أبي النصر الخطيب بمثل هذه القصة ... وما كان الخير لينقطع في أمة محمد إلى يوم القيامة. هذا قضاؤنا، فهل سمعتم أن قضاءً أسرع في إحقاق الحق منه، وأبعد عن التعقيد والالتواء والتسويف والتأجيل؟ إن الحق اليوم لا يكاد يصل إليه صاحبه حتى تنقطع دونه الأعمار، وما جَدَى حق يأتي من دونه المدى الأطول؟ لقد كانت بيننا وبين آل الصلاحي في دمشق دعوى على أرض لبثت في المحاكم ثلاثاً وثمانين سنة وخمسة أشهر ... أقامها جدّهم على جدِّي الذي قدم من (طنطا)، وانقرض منا ومنهم بطنان والدعوى قائمة، وقد خسرناها أخيراً.

стр. 104

وصدِّقوني إذا قلت لكم إني لم أدر إلى الآن مع من منا الحق، ولم أفهمها، وكيف أدرس ملفّاً فيه من الأوراق المكتوبة بالعربية والتركية والفرنسية أكثر مما في تاريخ ابن جرير الطبري؟ أما قضاؤنا، فكان يبتُّ في القضية مهما عظمت في جلسة أو جلستين، لا يعرف هذا التطويل وهذا التأجيل. ولقد حكم قاضي مصر محمد بن أبي الليث في دعوى بني عبد الحكم المشهورة بمبلغ مليون وأربعمئة وأربعة آلاف دينار ذهبي في جلسة واحدة يوم السبت ٨ جمادى الأولى سنة ٢٣٧هـ، ورضي بحكمه الفريقان. روى ذلك الكندي. وهل مثل قضاتنا في التنزُّه عن كل ما يقدح بحشمة القاضي ووقاره، وفي التحرُّز من أدنى التهم، وأضعف الميل؟ وهل للقضاة في أمة اليوم مثل ما كان لقضاتنا من رفيع الشأن وعظيم القدر؟ يا أيها السادة! اذهبوا إلى سوق الكتب فاطلبوا كتاب «الخراج» الذي ألَّفه القاضي الإمام أبو يوسف للرشيد واقرؤوا مقدمته، واذكروا عظمة الرشيد وكبر نفسه وجلال ملكه، ثم انبشوا تواريخ الأمم الماضية وأخبار الأمم الحاضرة، وانظروا ... هل تجدون قاضياً، أو عالماً، يقول لملك دون الرشيد بمئة مرة مثل هذا الكلام أو قريباً منه: «الله الله، إن البقاء قليل، والخطب خطير، والدنيا هالكة وهالك من فيها، والآخرة هي دار القرار، فلا تلق الله غداً وأنت سالك سبيل المعتدين، فإن ديَّان يوم الدين إنما يدين العباد بأعمالهم ولا يدينهم بمنازلهم، وقد حذَّرك الله فاحذر، فإنك لم تخلق عبثاً، ولن تترك سُدَى، وإن الله سائلك عما أنت فيه، وعما عملت به، فأعدَّ يا أمير المؤمنين للمسألة جوابها، فإن ما عملت قد أثبت فهو عليك غداً يقرأ، فاذكر كشف قناعك فيما بينك وبين الله في مجمع الأشهاد». أيها السادة، هذا بعض ما خاطب به أبو يوسف القاضي هارون الرشيد أمير المؤمنين والحاكم المطلق في ست عشرة حكومة من حكومات هذه الأيام! ولقد اشترط القانون اليوم فيمن يولَّى القضاء سناً معينة لا بد من إكمالها وامتحاناً مسلكياً. والشرع لم يشترط في السن إلا البلوغ. ولما قلَّد المأمون

стр. 105

يحيى بن أكثم قضاء البصرة وكان ابن ثماني عشرة تكلم بعض الناس فيه لحداثة سنِّه، فكتب إليه المأمون: كم سنُّ القاضي؟ فكتب في جوابه: أنا على سنِّ عتَّاب بن أسيد لما بعثه النبي ﷺ إلى مكة قاضياً وأميراً. فسكت عنه المأمون وأعجبه. والامتحان المسلكي معروف عندنا، وقد دعا عمر قاضياً كان في الشام حديث السن فامتحنه بالعلم فقال له: بم تقضي؟ قال: أقضي بما في كتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: بما قضى به رسول الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: بما قضى به أبو بكر وعمر. قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي. فقال له عمر: أنت قاضيها. وردَّه إلى عمله. وحديث عمرو بن العاص لما جرَّبه النبي ﷺ واختبره عمليّاً، معروف معلوم. ... هذا وإمام المسلمين مأمور بأن لا يقلِّد أحداً شيئاً من عمل المسلمين إلا إذا علم صلاحه له. روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من قلَّد رجلاً عملاً وفي رعيَّته من هو أولى به منه فقد خان الله ورسوله وجماعة المسلمين». وكان الخليفة هو الذي يقلِّد القضاء، وربما قلده الوزير أو الأمير إذا ولَّاه الخليفة ذلك وصرَّح به في عهده، لأن القضاء في الأصل من حقِّ الخليفة، وقد قضى النبي ﷺ واستقضى، وقضى الخلفاء الراشدون من بعده واستقضوا. وفي تاريخنا أسلوب بارع لتقليد القضاء، هو أن يدعو الخليفة أو الأمير مشيخة العلماء وكبار القوم ويأمرهم أن يعرضوا عليه أسماء من يصلح للقضاء، ويذكروا لكل عيوبه ومزاياه، ثم يختار من تُجمع عليه الكلمة أو من يظهر فضله على غيره ظهوراً لا خفاء فيه، وأكثر ما رأيت هذا الأسلوب في قضاة مصر. ولقد كان تقلد عيسى بن المنكدر وأبي الذكر محمد بن يحيى بالانتخاب، ولما كان وفد مصر في العراق عند المنصور وجاءه نعي قاضي مصر، قال لهم: أعظم الله أجركم في قاضيكم أبي خزيمة. ثم التفت إلى الربيع فقال له: أبغنا لأهل مصر قاضياً، فقال له ابن حديج (وكان في الوفد): ما أردت بنا

стр. 106

يا أمير المؤمنين؟! أردت أن تشهرنا في الأمصار بأن بلدنا ليس فيه من يصلح لقضائنا حتى تولِّي علينا من غيرنا. قال المنصور: فسمِّ رجلاً. فقال: أبو معدان اليحصبي. فقال: إنه لخيار ولكنْ به صمم، ولا يصلح الأصمُّ للقضاء. قال: فعبد الله بن لهيعة. فقال: فابن لهيعة. انظروا أيها السادة إلى معرفة المنصور بأهل العلم من رعيَّته على بعد ما بين العراق ومصر، ورجوعه عن أمره الذي أمر به الربيع لما بدا له الحق فيما قال ابن حديج. واختياره الصالح للعمل بعد الاستشارة والسؤال. وتوليته إياه القضاء من غير طلب له ولا سعي منه إليه. ولولا حقُّ المجاملة وأني ربما نشرت هذه المحاضرة في الرسالة، لقلت: انظروا إلى حبِّ أهل مصر بلدهم وقديم عصبيَّتهم له! ... ونصَّ الحنفيَّة على أنه يجوز تقلد القضاء من السلطان العادل والجائر، وإنما يجوز تقلد القضاء في السلطان الجائر إذا كان يمكِّنه من القضاء بحق ولا يخوض في قضاياه بشرٍّ ولا يتداخل في أحكامه، ويجوز التقلُّد من أهل البغي، كل ذلك لأن القضاء فريضة محكمة والقاضي إذا حكم بالحق فقد أقام الفريضة، وضرر تقلّده من السلطان الجائر، أو الغاصب الباغي لا يعدل ضرر تعطيل القضاء وترك أمور الناس فوضى! وكان أبو حنيفة يرى ولاية القاضي سنة واحدة يعزل بعدها ليعود إلى الاشتغال بالعلم فلا ينساه، وكأنَّ أبا حنيفة ينظر إلى ما وراء القرون فيرى هذا الزمان الذي نجد فيه العلماء ينصرفون عن العلم إذا ولوا الولايات فكيف وقد كثر ما يتولَّاها الجاهلون ... وكان طلب الرجل العمل قادحاً في صلاحه ولم يكن الخلفاء يولُّون الأعمال طالبها. كان ذلك والإسلام إسلام؛ والناس ناس، فرحمة الله على أولئك الناس. ***

стр. 107

وكانت وظيفة القاضي (أي مرتبه) أجزل الوظائف ورزقه أكثر الأرزاق، ففي العهد الذي كان عمر يلبس فيه الثوب المرقَّع ويقنع بالزيت، وكان عليٌّ تُجزئه قصعة ثريد، كان مرتب شريح القاضي خمسمئة درهم في الشهر، وكان مرتب ابن حجيرة الأكبر كما ذكره الكندي، ألف دينار في السنة فلا يحول عليه الحول وعنده منها شيء، بل كان ينفقها على أهله وإخوانه وفي وجوه البر. وكان مرتب ابن لهيعة ثلاثين ديناراً في الشهر. وأجري مثل ذلك على القاضي المفضل بن فضالة. وجعل عبد الله بن طاهر راتب القاضي عيسى بن المنكدر أربعة آلاف درهم في الشهر، وراتب الفضل بن غانم مئة وثمانية وستين ديناراً في كل شهر، وكان راتب أبي عبيد القاضي الفقيه مئة وعشرين ديناراً في الشهر، وكان يقول: ما لي وللقضاء؟ لو اقتصرت على الوراقة ما كان خطِّي بالرديء! وقد نقل الكندي في تاريخه صورة براءة (سند راتب) من أيام مروان بن محمد فيها: (بسم الله الرحمن الرحيم من عيسى بن أبي عطاء إلى خزَّان بيت المال. فأَعطوا عبد الرحمن بن سالم القاضي رزقه لشهر ربيع الأول وربيع الأخر سنة إحدى وثلاثين ومئة، عشرين ديناراً، واكتبوا بذلك البراءة. وكتب يوم الأربعاء لليلة خلت من ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين ومئة). وهي تبين لنا أن الرواتب قد تدفع سلفاً (وهي كذلك اليوم في بلاد الشام) وتكشف عن ناحية من الأسلوب المالي لدفع المرتَّبات. نظر خلفاء المسلمين بنور الله فدفعوا إلى القضاة المال الوفير، والرزق الكثير، لتعفَّ نفوسهم عن حرامه اكتفاءً بحلاله، وذلك ما تفعله أرقى الأمم في زماننا وأقومها سيرة في القضاء، على أنهم لو تركوا قضاتنا إلى دينهم لوزعهم، ولو خلُّوا بينهم وبين نفوسهم لقمعوها بخوف الله، وأزاحوا شهوتها بانتظار جنته وخشية ناره. ولقد كانوا على هذا المرتب الكثير، والعطاء الجزل، أولي تقشُّف وزهد، ينفقون المال يشترون به الجنة ثم يعودون إلى زهادتهم وقناعتهم: حدَّث إبراهيم بن نشيط قال: دخلت على القاضي ابن حجيرة الأصغر (وكان قد تغدَّى) فقال: أتتغدى؟ قلت: نعم. قال: أعيدي عليه الغداء يا جارية. فأتت بعدس بارد على طبقِ خوص وكعك وماء. فقال: ابللْ وكلْ، فلم تتركنا الحقوق نشبع من الخبز!

стр. 108

وأيُّ حقوق هي يا سادة؟! حقوق الله، حقوق الشرف والنبل والكرم، حقوق المسلمين. أبلل وكل يا إبراهيم! هذه لعمري أعظم وأجل من موائد الملوك. واسمعوا تتمة القصة تعلموا ما هذه الحقوق؟ قال: وأتاه رجل يسأل حاجة. فقال: ليرجع. وسأل عنه وحقَّق عن فقره، فلما عرف فاقته. أعطاه ثمانية عشر ديناراً. هذه هي التي تركته لا يشبع الخبز! ولقد كانوا يغرمون الغرامات في أموالهم: كان القاضي أبو زرعة كثير الشفقة رقيق القلب، يغرم عن الفقراء والمستورين إذا أفلسوا، حتى كان بعضهم إذا أراد أن يتكسَّب أخذ بيد رفيقه فادَّعى عليه عند القاضي، فيعترف ويبكي ويدَّعي أنه لا يقدر على وفائه فيغرم عنه. وحصلت لبعض الشاميين اضاقة (والشامي ولا مؤاخذة بصير باصطياد الدراهم)، فقال لبعض أصدقائه: قُدني إلى القاضي فلعلَّه يعطيك عني شيئاً أنتفع به، ففعل وقال: أيَّد الله القاضي: لي على هذا الرجل ستُّون درهماً. قال: ما تقول؟ فأقرَّ. فقال: أعطه حقَّه. فبكى وقال: ما معي شيء، فقال للمدَّعي: إن رأيت أن تنظره. قال: لا. قال: فصالحه. قال: لا. قال: فما الذي تريد؟ قال: السجن. قال: لا تفعل. وأدخل يده تحت مصلَّاه فأخرج دراهم فعدَّ منها ستين درهماً فدفعها إلى الرجل. قال صاحب القصَّة: وآليت ألَّا أعود لمثلها! وكان بمصر أخوان توأمان تكهَّلا ولا يفرِّق بينهما من رآهما من قوةِ الشبه بينهما، فوجب على أحدهما دين فحبسه القاضي أبو عبيد، وكان أخوه يجيء زائراً له فيجلس مكانه في الحبس ويتوجَّه الأول. وشاع ذلك حتى بلغ القاضي فاحضرهما وقال: أيُّكما فلان؟ فقال كل واحد منهما: أنا! فأطرق القاضي. ثم طلب الغريم فدفع إليه الدين من ماله فراراً من الغلط في الحكم. فهل سمعتم في قضاة أمة بمثل هذا؟

стр. 109

على أن في القضاة من كان يقضي بالمجان. قال ابن خذامر: ما أخذت على القضاء شيئاً إلا جوزتين فلما صرفت تصدَّقت بهما! وقريب من هذا ما صنعه القاضي بكَّار بن قتيبة لما همَّ ابن طولون بخلع الموفَّق من ولاية العهد، وأجابه القضاة كلهم إلا بكَّاراً، فطلب أن يلعنوا الموفق فامتنع بكار فألح عليه فأصرَّ على الامتناع حتى أغضبه، فقال له: أين جوائزي؟ وكان يصله كل سنة بألف دينار، فقال: هي على حالها، هناك، فنظروا فإذا هي ملقاة بأكياسها في دهليز منزله. فبعث أحمد فقبضها. ... على أن الغنم بالغرم. وإذا كثرت مرتبات القضاة فلقد كثرت تكاليفهم وازدادت الواجبات عليهم، وإذا كان العرف اليوم على أن الموظف إذا قام بعمله كان حراً في نفسه ووقته. وهو لعمر الفضيلة عرف أشبه بالنكر، وإذا كان القانون اليوم لا (يكاد) يؤاخذ قاضياً على فسوق في نفسه أو عصيان لربه ما لم يتَّصل بعمله، فلقد كان القاضي يؤاخذ على الصغيرة والكبيرة وتطلب منه أخلاق الملائكة، وشمائل الصدِّيقين، قد بوِّبت في ذلك الأبواب، وصنِّفت فيه الكتب، وشاع واشتهر، وأغنى الخُبر فيه عن الخبر، ولم يبق للكلام فيه مجال، ولا لقائل مقال. وإني لأسرد طائفة من ذلك على سبيل التمثيل عليها، والإشارة إليها، لا أريد المتعلق منها بالمحاكمة وأصولها فسيأتي الكلام في ذلك، ولكن أريد شمائل القاضي وآدابه في نفسه، وملاكها استشعار التقوى، وإدامة المراقبة لله . وقد امتحن عليٌّ، ﵁، قاضياً فقال له: بِمَ صلاح هذا الأمر؟ قال: بالورع. قال: ففيم فساده؟ قال: بالطمع. قال: حُق لك أن تقضي. ونصُّوا على أن من آكد الواجبات على القاضي ألَّا يحفل بالناس، ولا تأخذه لومة من لائم، وأن يقيم الحق، ولو أغضب الحق أقواماً. قيل لشريح: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت وشطر الناس عليَّ غضبان. وهذه يا أيها السادة مزلَّة أقدام القضاة، ولا سيَّما في أيامنا، لأن القاضي اليوم لا يعلم في كل قضية شفاعة ووساطة، فإذا أمضى الحق لم يحفل بالشفاعات ولا الوساطات، لم يخلُ من أعداء يشونَ به إلى أولي أمره، ويسوِّدون

стр. 110

ما بينهم وبينه، فيسوء رأيهم فيه، ويطول عتبهم عليه، ويؤخِّرون ترفيعه، وربما احتالوا على قانون حصانة القاضي فنقلوه إلى مكان سحيق، لأن العرف الحكومي اليوم أن الموظف الصالح هو الذي يألف ويؤلف، ويرضى عنه من حوله، ولا تثور عليه ثائرة، ولاتضجُّ ضجة. وهل ينال ذلك قاض نزيه لا يعرف من الطرق إلا الصراط المستقيم. وليس له إلا وجهه الواحد الذي ركَّبه الله له، ولسانه الفرد الذي وضعه فيه، وما معه إلا قانون واحد يسوق بعصاه الوجيه الخامل، والكبير والصغير. وقديماً نال بعض قضاتنا أذى كبيراً من أجل إقامة العدل ودحض الظلم، والصدع بالحق؛ ولكنهم صبروا فأعزَّهم الله بصبرهم وأظهرهم وأعلى أمرهم. هذا الحارث بن مسكين قاضي مصر يحمل إلى المأمون أيام المحنة، محنة الدين والخلق التي جرِّبت فيها صلابة الرجال، وقوة العزائم ففاز في هذا الامتحان أقوام وخسر أقوام. وكان إمام الفائزين أحمد بن حنبل - فيظل الحارث على ما يرى أنه الحق، ما لانت له عزيمة ولا وهت له قوة. وهذا عمر بن حبيب القاضي لا يسعه أن يسمع الطعن على أبي هريرة ويسكت فيحتسب دمه عند الله ويردَّ رأي الخليفة العظيم الذي قال للغمامة أمطري حيث شئت فسيأتي خراجك، هارون الذي أباد البرامكة في ساعة وكانوا أعزة الأرض وكرام الناس، يرد عليه فيغضب ويعرضه على السيف والنطع، فيغلب حقه وثباته عليه، بطشة الرشيد البطَّاش، فيلين ويعفو ويكافئ ويشكر. ... أو سمعتم قصة سلطان العلماء العز بن عبد السلام القاضي، أحد أفذاذ البشر علماً وحزماً وإيماناً ومضاءً، لما صح عنده أن المماليك لم يفارقهم الرقّ وهم حق لبيت المال، والمماليك يومئذ هم الملوك يا سادة! هم أصحاب الدولة والسلطان، فنادى ببيعهم فقاموا عليه قومة رجل واحد، وقام معهم كل متزلِّف من الناس لذوي الإمارة، وهدَّدوه وسعى ساعيهم بالسيف إلى باب داره، فنزل إليه فأطفأ بهيبة إيمانه شعلة غضبه، وفلَّ بعزيمته حدَّ سيفه. وبقي على موقفه
следующие страницы →