← Тараджим

Тараджим · id 14463

الروض الباسم في تراجم شيوخ الحاكم

أبو الطيب نايف المنصوري

Полный текст (1 416 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

سلسة تقريب رواة السّنَّةِ بين يدى الأمَّةِ (٣) الرّوض الباسم في تراجم شيوخ الحاكم تأليف أبي الطَّيّب نايف بن صلاح بن على المنصوري قدم له فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور سعد بن عبد الله الحميد وقدم له وراجعه ولخص أحكامه فضيلة الشيخ أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني وقدم له فضيلة الشيخ الدكتور حسن محمد مقبولي الأهدل الجزء الأوّل دار العاصمة للنشر والتوزيع

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

الرّوض الباسم في تراجم شيوخ الحاكم (١)

стр. 4

ح - دار العاصمة للنشر والتوزيع، ١٤٣١ هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية اثناء النشر المنصوري، نايف صلاح علي الروض الباسم في تراجم شيوخ الحاكم./ نايف صلاح علي المنصوري- الرياض، ١٤٣١ هـ ٢ مج ردمك ٨ - ١٤ - ٨٠٥٧ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مجموعة) ٥ - ١٥ - ٨٠٥٧ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (ج١) ١ - الحديث- تراجم الرواة ٢ - الإِسلام- تراجم أ- العنوان ديوي ١، ٩٢٢ ٢٧١٣١/ ١٤٣١ رقم الإيداع: ٢٧١٣/ ١٤٣١ ردمك: ٨ - ١٤ - ٨٠٥ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مجموعة) ٥ - ١٥ - ٨٠٥٧ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (ج ١) جمَيع الحقوق مِحفوظَة الطبْعَةُ الأولى ١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م دار العاصمة المملكة العربية السعودية الرياض - صَ ب: ٤٢٠٧ - الرّمز البريدي: ١١٥٥١ المركزُ: الرّئيسى: شارع السويدي العام هَاتف:٤٤٩٧٢٢٤/ فاكس: ٤٤٩٧٢٢٥

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين؛ نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه والتابعين، أما بعد: فقد كنت قدَّمت سابقًا لكتاب صدر مؤخَّرًا بعنوان "إرشاد القاصي والداني إلي تراجم شيوخ الطبراني" لأخينا الفاضل نايف بن صلاح بن علي المنصوري؛ الذي جمع فيه شيوخ الحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني جمعًا لا أعلم أحدًا سبقه إلى مثله، واستفاد منه أهل العلم فائدة لا تنكر؛ لأن رجال طبقة شيوخ الطبراني يصعب في بعض الأحيان العثور على ترجمة بعضهم كما لا يخفى، فجزاه الله خيرًا. ثم إن الأخ نايف بن صلاح لمس عظم فائدة هذا العمل، وشرح الله صدره له، وأصبح عنده معرفة برجال هذه الطبقات المتأخِّرة، فجدَّ وشدَّ العزم على مواصلة هذا العمل في شيوخ بعض الأئمة المشاهير؛ كالدارقطني، وأبي عبد الله الحاكم، والبيهقي، فجمع شيوخ الدارقطني في كتاب سمَّاه "الدليل المغني إلي تراجم شيوخ الدارقطني"، وجمع شيوخ أبي عبد الله الحاكم في كتاب سمَّاه "الروض الباسم في تراجم شيوخ الحاكم"، وجمع شيوخ البيهقي في كتاب سمَّاه "السلسبيل النقي في تراجم شيوخ البيهقي"، وترجم لكل شيخ من شيوخ هؤلاء الأئمة وفق منهج بيَّنه في مقدمة كل كتاب، وقد فرغ بحمد الله من هذه الكتب جميعها، وهي مُعَدَّة للطباعة، وقد أطلعني عليها واقتنيت نسخة من كلٍّ منها. وهو الآن يعمل في عدة مشاريع أخرى؛ كالجمع والترجمة لشيوخ أبي

стр. 6

نعيم الأصبهاني وشيوخ شيوخه، وإكمال بقية معاجم المشيخات في القرن الرابع والخامس، بل وأواخر القرن الثالث. كما أنه يعمل على مشروع كبير في الترجمة لمن ليس في "تهذيب التهذيب" من الرواة، وهو على قسمين: ١) من ليس له ترجمة في "التهذيب" من رواة الكتب المذكورة في "إتحاف المهرة" للحافظ ابن حجر، وسمَّى هذا الكتاب: "إتحاف الخيرة بمن ليس في تهذيب التهذيب من رواة كتب إتحاف المهرة". ٢) من ليس له ترجمة في "التهذيب" من رواة كتب "المسانيد" المطبوعة والمذكورة في "إتحاف الخيرة" للبوصيري "والمطالب العالية" للحافظ ابن حجر، وسمَّى هذا الكتاب: "الجامع الفريد لمن ليس في تهذيب التهذيب من رواة المسانيد". وقد عنون لهذا المشروع الذي يضم هذه الكتب بعنوان "سلسلة تقريب رواة السنة بين يدي الأمة"، فنسأل الله تعالي بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى أن يجزي أخانا نايفًا خير الجزاء على هذه الأعمال التي كم كنا نتمناها منذ سنين، وها نحن نجد من شباب الأمة من تعلو همَّته للنهوض بهذا العمل، وصلى الله وسلم على نبينا محمَّد. كتبه: سعد بن عبد الله بن عبد العزيز الحميِّد

стр. 7

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذي اصطفى، أما بعد: فها هو الإنجاز الثالث الفذُّ لأخينا أبي الطيب نايف بن صلاح المنصوري -حفظه الله- ضمن سلسلته المباركة: "تقريب رواة السنة بين يدي الأمة"، ألا وهو السِّفْر العظيم الذي ترجم فيه لشيوخ الحاكم النَّيْسابُوري ﵀ تعالي - بعد أن نفع الله بكتابه الأول: في تراجم شيوخ الإِمام الطَّبَراني، وكتابه الثاني في تراجم شيوخ الإِمام الدّارقُطْني، وكم هي فرحة طلاب العلم عندما تُساق إليهم هذه الفوائد؛ أسيرةً بين أيديهم، بعد أن ظفر بها قنّاص ماهر، وفارس مثابر، إنها والله فرحة عظيمة، وخدمة جليلة، وجهود مشكورة من أخينا أبي الطيب -طيَّب الله ذكره في الدارين-. وسبق أن ذكرت أنه لا يَعْرِف قدْر الجهود إلا طلاب العلوم الذين أهدرتْ عليهم أوقات كثيرة في البحث عن الرجال النازلين، وطالما تمنَّوْا وجود صاحب همة يطوي لهم الطريق طيًّا؛ ويزيدهم من العلوم شبعًا وريًّا، فكان هذا الفضل مدَّخرًا للمنصوري -نصره الله وأيده-، فأدام النظر في الكتب، وأطال البحث بين جوانب المكتبة، وأسْهر ليله، وحفظ وقته، وأشغل نفسه بما لا غنى لطلبة العلم عنه؛ فكان سعيًا مشكورًا، وعملًا مبرورًا، زاده الله توفيقًا وسدادًا وسرورًا. وكالعادة فقد راجعتُ له هذا الكتاب، فانتفعت بغزارة مادته، وأعجبْتُ بحسن تصنيفه وترتيبه، وتشرفْتُ بتلخيص أحكامه، تسهيلًا لطالب العلم حصوله على الفائدة، وانتفاع بالكتاب، وقد أُسْهب في بعض الأحكام لأبين دليلي عند من قد يخالفني، وليتمرس طالب العلم على كيفية الجمع بين كلام أهل العلم الذي ظاهره التعارض، ويليق بي أن أشير إلى بعض القواعد

стр. 8

والفوائد التي بنيت عليها بعض أحكامي، سواء في هذا الكتاب أو غيره، وقد أكون وقعت في بعض المخالفة لبعضها، فالعمدة على ما أقرره هنا، فمن ذلك: ١ - الراوي إذا ظهر من ترجمته أنه مكثر؛ فهو ثقة، وكثرة الرواية دليل الاجتهاد في الطلب، وهذا يفضي إلى الاعتناء بالرواية وضبطها، فما لم يجرح -مع شهرته وكثرة روايته-، فهو عدل ضابط، وتظهر كثرة روايته بالتنصيص على ذلك، أو بوصفه بأنه رحالة أو جوال، أو طوّف في بلاد كذا وكذا وكذا، أو بكّر بالطلب، واستمر طلبه سنوات كثيرة، أو صاحب فوائد، أو خرَّج أو خُرِّجت له فوائد أو انتخب عليه، أو مُصنِّف، فإنه لا يصنف إلا المكثر، والتصنيف رتبة عالية، فليس كل مكثر يحسن التصنيف، فمن ذُكر في ترجمته ما يدل على إكثاره وسعة حصيلته فهو ثقة، وقد يكون من الحفاظ، وطالما أنه لم يجُرَّح. ٢ - من ذُكر في ترجمته أنه حدَّث إملاءً، أو من أصل كتابه، أو من أصل سماعه، أو عُقد له مجلس في الجامع، أو دار السنة بنيسابور -مثلًا-، فإن هذا يدل على ضبطه وإتقانه تحرزه، فاذا لم يجرَّح فهو ممن يحتج به، مرضيٌّ عنه. ٣ - من وصف بأنه فقيه، أو شيخ الشافعية -مثلًا- في خراسان، أو قاضٍ، أو من بيوت العلم، أو أديب، أو مقرئ، أو معدَّل، أو المزكي، أو الشاهد، أو الصُّوفي، أو الواعظ، أو المذكَّر، أو الكاتب، أو الزاهد، أو الصالح، أو خطيب الجامع الكبير أو نحوه، أو العارف، أو القائد، أو المجاهد، أو الغزاء، أو مؤذن الجامع الكبير، أو مؤذن فلان من العلماء المشاهير، أو نحو ذلك مما يدل على عدالة الراوي، وصدقه، فإذا لم يجُرَّح، مع كونه من رواة الحديث، فالأصل أنه صدوق يحتج به، وقد يكون ثقة؛ لأن سلامته من الجرح، مع شهرته، وتوافر الدواعي للطعن فيه لو كان

стр. 9

ثَمَّ قادحٌ؛ دليل على أنه مرضيٌّ عنه عند المتكلم، والله أعلم. لكن يجب التنبه إلى أن بعضه هذه الأوصاف قد تطلق في الراوي على أنها نسبته، وبها تعرف عائلته فقط، فعند ذلك لا يدل -إذا ظهرت قرائن تدل عليه- على عدالته، كما نجد في بعض التراجم؛ فلان بن فلان بن فلان الأَنْصاري وليس هو من الأنصار، إنما أبوه أو جده الأدنى أو الأعلى هو الأَنْصاري، وأما المترجم فهو من بيت هذا الأَنْصاري، فتأمل. ٤ - اشتهر أن الراوي يحُكم عليه بجهالة العين إذا انفرد بالرواية عنه واحد، لكن إذا ذكر هذا التلميذ أن شيخه حدثه في البلد الفلاني، أو في عام كذا، أو أنه تُوفي في سنة كذا، أو وصفه بما يدل على تأكده من وجوده عينه؛ فالذي أميل إليه أن هذا يرفع جهالة العين، ويبقى في حيِّز جهالة الحال، هذا هو الأصل في ذلك، والله أعلم. ٥ - ظهر لي أن الحاكم ﵀ ناقد جبل، وإمام فحْل في الكلام على الرواة، وأنه يسير في ذلك على سنن من تقدمه من أهل العلم، وهذا بخلاف ما اشتهر عنه من التساهل في تصحيح كثير من الروايات في "المستدرك"، وتعديل كثير من الرواة من رجاله في "المستدرك"، والذي يظهر أنه يُفرَّق بين صنيع الحاكم تصحيحًا وتعديلًا وتجريحًا في "المستدرك" وبين صنيعه في تراجمه لمشايخه والرجال في "التاريخ" وغيره، فإذا وُجد من كلامي وأحكامي ما يدل على إطلاق القول بتساهل الحاكم فلا يُعوَّل عليه، والله أعلم. ٦ - الراوي إذا وثقه من قد يتساهل في التوثيق -كالذهبي مثلًا-، وروى عنه عدد من المشاهير، ولم يجرَّح؛ فالنفس تميل إلى الاحتجاج به، ومعلوم أن الحكم على الراوي يُنظر فيه من خلال عدة قرائن، والأمر

стр. 10

بآحاده، ليس كالأمر بمجموعه وهيئته الكلية، والله أعلم. هذا، وهناك أمور أخرى ستظهر للقارئ -إن شاء الله تعالي- تستحق التنبيه عليها، وفي كثير منها قد نبهت عليها، وفي مواضع -أيضًا-، سواء فيما ذكرتُ من تنبيهات أو فيما بقي قد لا أنبّه اكتفاء بما سبق التنبيه عليه، ولعل في هذا التنبيه ما يكون عذرًا لي، والله تعالي أعلم. هذا وقد أسْدى الحاكم بكلامه على شيوخه في "تاريخه" خدمة جليلة للإسلام والمسلمين، ولشيوخه أنفسهم، فكم من رجل لو لم نقف على كلام الحاكم فيه لكان في عداد المجاهيل، فوالله لقد كان الحاكم أبرَّ بهم من أبنائهم وأحفادهم، وهكذا يكون طلاب العلم البررة الأوفياء، فإن الخير يأتي منهم لمشايخهم ربما أكثر من ذرياتهم. نسأل الله أن يصلح لنا أولادنا وذرياتنا، ويبارك لنا في طلابنا وإخواننا، وأن يجعلنا وإياهم مفاتيح خير مغاليق شر، وأن يدفع عنا وعنهم مصارع السوء والهلكة، ويسد عنا وعنهم أبواب الفتن والمشاغل والمشاكل، والعلائق والعوائق، وأسباب محق البركة في المال والولد، والعمر والوقت، أنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير. وصلى الله وسلم على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه كتبه الفقير إلى عفو ربه، الغني بجوده وكرمه العزيز بلطفه وستره وعزه وتمكينه أبوالمحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني القائم على دار الحديث بمأرب غفر الله له ولوالديه وأهله وذريته وإخوانه ٢٦/ شعبان / ١٤٢٩ هـ

стр. 11

تقديم: أ. د حسن محمد مقبولي الأهدل -حفظه الله تعالى - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فقد اطلعت على كتاب "الروض الباسم في تراجم شيوخ الحاكم" تأليف الشيخ العلامة: أبي الطيب نايف بن صلاح بن علي المنصوري، فوجدته كتابًا قيمًا في بابه، مفيدًا لطلابه، مهمًا في موضوعه، فقد أجاد وأفاد مؤلفه في جمعه وتحصيله، وخاصة في الشيوخ المتأخرين من أهل الحديث في القرن الرابع الهجري، فقد جمع الكاتب شيوخ الحاكم في هذا الكتاب الذي سهل به كثيرًا من التراجم وأعلام الحديث ورواته لطلاب العلم والباحثين فأكثر الباحثين قد لا يجدون تراجم هؤلاء الأعلام من الرواة، فجاء هذا الكتاب جامعًا ميسرًا على الباحثين، وفي منال الطالبين، من دون عناء ولا جهد، وقد بيَّن الباحث مصادر تراجم هؤلاء الأعلام بالتوثيق العلمي، وذكر أقوال أهل العلم في من ذكرهم في هذا السفر الحافل تسهيلًا لمن أراد الاطلاع على مصادر الترجمة لمن بعده، فهو جهد عظيم؛ نفع الله به، وأجزل لمؤلفه الأجر والثواب على ما قدم، وهو أهل لمثل هذه الأبحاث القيمة المفيدة لما يتمتع به الباحث من التأني والجدية في البحث والتثبيت من جمع المعلومات وتدوينها والصبر والدقة في جمعها زاده الله خيرًا ونفع به الإسلام والمسلمين وحقًا أنه يذكرنا بأعلام

стр. 12

المحدثين ممن كان له السابقة الأولى واليد الطولى في علم الحديث وتاريخ الرجال وكتابة التراجم، ونقد الرواة والبحث عن العلل وعن النكت الحديثية واللطائف الإسنادية ومعرفة الرواة وألقابهم وأنسابهم ومواليدهم ووفياتهم وطبقاتهم ومراتبهم التي يتميزون بها عن غيرهم من الرواة وخاصة عند علماء الحديث وعلم الرجال وقد حوى هذا السفر كثيرًا من هذه المصطلحات العلمية في علم الحديث، فجزى الله كاتبه خير الجزاء وسدد على طريق الخير خطاه وعمله. وصلى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم. كتبه: أ. د/حسن محمَّد مقبولي الأهدل كلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء قسم أصول الفقه والحديث ١٩ جمادى الأولى ١٤٢٨ هـ

стр. 13

المقدّمَة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمَّد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. وبعد: فهذه هي المجموعة الثالثة من "سلسلة تقريب رواة السنة بين يدي الأمة"، والتي ظلت أصولها حبيسة الأدراج أكثر من خمس سنوات، وها أنا اليوم أتشرف بتقديمها خدمة لأهل العلم وطلابه، وراجيًا من الله تعالي أن أكون بذلك ممن قد ساهم وضرب بسهم في سبيل حفظ السنة الغراء، وتقريب ما تناثر وتباعد من حملتها ورواتها الفضلاء، الذين سلكوا محجة الصالحين، واتبعوا آثار السلف الماضين، ودمغوا أهل البدع والمخالفين، بحفظهم سنن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. والذين آثروا قطع المفاوز والقِفَار، على التنعم في الدمن والأوطار،

стр. 14

وتنعموا بالبؤس في الأسفار، مع مُساكنة العلم والأخبار، وقنعوا عند جَمْع الأحاديث والآثار، بوجود الكسر والأطمار، رفضوا الإلحاد الذي تتوق إليه النفوس الشهوانية، وتوابع ذلك من البدع والأهواء والمقاييس والآراء الشيطانية، جعلوا المساجد بيوتهم، وأساطينها تكاءهم، وبَوَاريها فرشهم، أصحاب الحديث وحملته، وصيارفته وحفظته، خير الناس، نبذوا الدنيا بأسرها وراءهم، وجعلوا غذاءهم الكتابة، وسمرهم المعارضة، واسترواحهم المذاكرة، وخلوقهم المِدار، ونومهم السهاد، واصطلاءهم الضياء، وتوسدهم الحصى، فالشدائد مع وجود الأسانيد العالية عندهم رخاء، ووجود الرخاء مع فقد ما طلبوه عندهم بؤس، فعقولهم بلذاذة السنة غامرة، وقلوبهم بالرضا في الأحوال عامرة، تَعلُّم السُّنن سرورهم، ومجالس العلم حبورهم (١)، ولله در القائل فيهم: علم الحديث أجلَّ علم يُذكرُ ... وله خصائصُ فضلُها لا يُنكرُ ورجالُه أهل الزَّهادة والتُّقى ... وهم بتحقيق المناقب أجدرُ وقفوا نفوسهم عليه فحدُّهم ... لاينثني ودؤوبهم لايَفْتُرُ ينفون عنه إفك كلِّ معاند ... بدلائل متلألئاتٍ تُزهِرُ ويميزون صحيحه وسقيمه ... بمقالةٍ تبيانها لا يُقْصَرُ لله درُّهم رجالًا ما لهم ... في هذه الدنيا مبان تُعمرُ في الله محياهم وفيه مماتهم ... وهم على كلف المشقَّة صُبَّرُ قنعوا بِمُجْزئ قوتهم من دارهم ... ورضوا بأطمارٍ رثاثٍ تسترُ ماضرهم مافات من دنياهم ... فلذيذ عيشهمُ الهنيء مؤخرُ

стр. 15

ولذا فقد اهتم العلماء بذكر بيان أهمية معرفة مراتب الرواة وعلم الرجال، فاستعملوا في تمييز أحوالهم الفكر والبال، ليوضحوا سبيل المتحمل، ويبينوا وسيلة التوصل، حتى قال إمام العلل في زمانه علي بن المديني كما في "المحدث الفاصل" (١)، بإسناد صحيح: "معرفة الرجال نصف العلم"، وقال الفضل بن دكين: لا ينبغي أن يؤخذ الحديث إلا عن حافظ له، أمين عليه، عارف بالرجال (٢). وقال أبو الحسين ابن الدمياطي (ت ٧٤٩ هـ): علم الحديث من أشرف العلوم قدرًا، وأكملها شرفًا وذُخرًا، لا سيما معرفة تراجم العلماء، وأحوال الفضلاء (٣). وقال السخاوي (ت ٩٠٢ هـ): من المعلوم المقرر عند أولي العقول "الصحيحة" وثاقب الفهوم، أن الاشتغال بنشر أخبار الأخيار ولو بتواريخهم، من علامات سعادات الدارين لأولي العرفان والاختبار، بل يرجى إسعافهم للمقصر الذاكر لهم بالشفاعة، وإتحافهم من المولي بمرافقة أهل السنة والجماعة، إلى غير هذا مما يرغب فيه، ويحبب للتوجه إليه كل وجيه. (٤) وقال بعضهم: دراسة حياة الأجداد تربي أخلاق الأبناء والأحفاد، لما فيها من الحكمة البالغة الحسنة، والموعظة المستحسنة. (٥) وقال الشيخ العباد -حفظه الله تعالى-: علم الرجال يشتغل فيه الرجال،

стр. 16

وليس كل أحد يصبرُ على هذا الفن. (١) وقد أحببت أن يكون لي سهمٌ في هذا المضمار، الذي يحبب للتوجه إليه كل وجيه، فشمرت عن ساق الجد، واستعنت بالله فإنه خير معين وممد، وقلَّ من جدَّ في أمر يحاوله ... فاستعمل الصبر إلا فاز بالظفر وإن لم اكن أرى نفسي أهلًا لما هنالك، ولا من فرسان ميادين تلك المسالك، فلا يمنعني ذلك من أن أجود بقليِّ وموجودي، ورحم الله القائل: (٢) أسير وراء الركب ذا عرج ... مؤملًا جبر ما لاقيت من عرج فإن لحقت بهم من بعد ما سبقوا ... فكم لرب الورى في الناس من فرج وإن ضللت بقفر الأرض منقطعًا ... فما على أعرج في ذاك من حرج فتشبهًا بطريقة هؤلاء الأخيار، في جمع رواة الأخبار، من الأجزاء والمشيخات وبطون كتب الأحبار، فقد جمعت في هذه المجموعة الثالثة -والتي أسميتها "الروض الباسم في تراجم شيوخ الحاكم"- مشيخة أحد شيوخ الإِسلام، واحد الأئمة الأعلام؛ الذابين عن سنة خير الأنام، عليه وعلى آله أفضل صلاة وأتم سلام، ذاك العَلَم الشامخ الهمام، أبو عبد الله محمَّد بن عبد الله الحاكم بن البيِّع الإِمام، قمت بجمع ذلك من جميع كتبه المطبوعة، والتي هي: "المستدرك على الصحيحين"، و"معرفة علوم الحديث"، و"المدخل إلي معرفة الإكليل"، و"المدخل إلي الصحيح"، و"تسمية من أخرج لهم البخاري ومسلم"، و"أجوبته على سؤالات البغاددة

стр. 17

والسِّجْزِي"، و"أسئلته لأبي الحسن الدارقطني". كما أني قمت -أيضًا- بنسخ جميع شيوخه -من "مختصر تاريخ نيسابور" للخليفة النيسابوري- الذين ذكرهم في آخر الطبقة السادسة من "تاريخ نيسابور"، ممن أدركهم ورزق السماع منهم بنيسابور. كما قمت -أيضًا- بجمع شيوخه من كتب راويته أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي (ت ٤٥٨ هـ) ﵀ تعالي-، والتي بلغت سبعًا وعشرين مصنفًا، وهي: "السنن الكبرى" الطبعة الحجرية، و"السنن الصغرى" مع شرح الأعظمي مكتبة الرشد، و"الجامع لشعب الإيمان" مكتبة الرشد، و"مناقب الشافعي" دار التراث القاهرة، و"معرفة السنن والآثار" دار الكتب العلمية، و"الزهد الكبير" مؤسسة الكتب الثقافية، و"القضاء والقدر" مكتبة الرشد، و"الاعتقاد" دار الفضيلة، و"الأسماء والصفات" مكتبة السوادي للتوزيع، و" فضائل الأوقات" مكتبة المنارة، و"الآداب" مؤسسة الكتب الثقافية، و"بيان خطأ من أخطأ على الشافعي" مؤسسة الرسالة، و"الخلافيات" دار الصميعي، و "دلائل النبوة" دار الكتب العلمية، و"المدخل إلي السنن" أضواء السلف، و"إثبات عذاب القبر" مكتبة التراث الإِسلامي، و"المدخل إلي دلائل النبوة" مطبوع ضمن "الدلائل"، و"البعث والنشور" مؤسسة الكتب الثقافية، و"القراءة خلف الإِمام" دار الكتب العلمية، و"أحكام القرآن" دار إحياء العلوم، و"الدعوات الكبير" منشورات مركز المخطوطات والتراث والوثائق، و"رسالة إلى أبي محمَّد الجويني"، و"رسالة إلى عميد الملك" وهما ضمن ترجمته من

стр. 18

"طبقات الشافعية الكبرى"، و"حياة الأنبياء في قبورهم" مكتبة العلوم والحكم، و"جز الجويباري في مسائل عبد الله بن سلام" ضمن أجزاء حديثية تحقيق مشهور، و"الرد على الانتقاد على الشافعية في اللغة". أودعت كل ذلك هذه المجموعة من هذه السلسلة المباركة -إن شاء الله تعالي-، وذكرت بين يدي ذلك ترجمة موسعة، لصاحب هذه "المشيخة" أبي عبد الله الحاكم ﵀ تعالي-، ذكرت فيها: اسمه، ونسبه، وكنيته، وبلده، ولقبه، ومولده، وصفاته الخُلُقية، وأسرته، وطلبه للعلم ونشأته فيه، ورحلاته، وبعض الفوائد المتعلقة بشيوخه، من ذكر عددهم، وذكر من أفردهم أو ترجم لهم، وبعض تلامذته، وعقيدته، ومذهبه الفقهي، وتوليه القضاء، وثناء أهل العلم عليه، والمآخذ التي أخذت عليه مع مناقشة ذلك، ومؤلفاته، ومرضه، ووفاته، ومكانها، وسببها، والمنامات التي رؤيت له بعد موته. ﵀ تعالي-. وأما عن طريقتي التي سلكتها، ومنهجي الذي انتهجته في هذا الكتاب، فهو على النحو التالي: ١) رتبته على ترتيب حروف المعجم، اقتداءً بأول من رتب الأسماء على الحروف من المحدثين، وهو أبو عبد الله البخاري شيخ إلإسلام والمسلمين (١)، وراعيت في ترتيبه الأول فالأول ثم الثاني وهكذا، ليقود الطالب إلى مطلوبه من غير مشقة وكلال، ويسوق الراغب إلى مرغوبه دون تعسر وملال (٢).

стр. 19

٢) أذكر اسم الشيخ حسب وقوعه في الإسناد الذي ذكر فيه مصحفًا كان أو منسوبًا إلى جدٍ. ٣) ثم أشير إلى الموضع الذي ترجمت له فيه، ويكون ذلك في الموضع الذي ذكرت فيه نسبه كاملًا حسب وقوعه لدي، وذلك مأخوذ إما من ترجمته، أو ترجمة أبيه، أو ابنه، أو أحد أقاربه، وما ذكرت من أني أترجم له عند ذكري لنسبه الكامل هذا في الغالب وإلا فقد لا أترجم له فيه، ولكن مع التنبيه على ذلك، والله المستعان. ٤) تصحيح ما وقع من تحريف أو تصحيف في اسمه أو اسم أبيه أو جده أو كنيته أو نسبته قدر الإمكان، مستعينًا في ذلك بأمور منها: أ - بالرجوع إلى "إتحاف المهرة" وذلك فيمن كان مذكورًا في "المستدرك". ب- بالرجوع إلى من أخرج الحديث من طريق الحاكم، أو ذكره عنه. ج- بالرجوع إلى موضع آخر أخرج فيه الحاكم حديثه هذا. د- بالرجوع إلى ترجمة شيخه الذي ذكر أنه يروي عنه. هـ - بجمع طرق الحديث. و- بالنظر إلى الترجمة نفسها. ٥) ثم أذكر كنيته، فإن كان له أكثر من كنية ذكرتها أيضًا. ٦) ثم أذكر نسبته، فإن كان إلى قبيلة أو حرفة أو خِلْقة أو نحو ذلك قدمتها على النسبة إلى البلد غالبًا، فإن نسب إلى بلدتين قدمت أعمها، وكذا إن كانت إلى قبيلتين، قال الإِمام النووي ﵀ تعالي- في "تهذيب الأسماء واللغات" (١/ ١٣): عادة الأئمة الحذاق المصنفين في الأسماء

стр. 20

والإنساب؛ أن ينسبوا الرجل النسب العام ثم الخاص؛ ليحصل في الثاني فائدة لم تكن في الأول اهـ، فإن كانت إلى بلدتين مختلفتين كأن يقال له مثلًا: البغدادي والنيسابوري معًا، ففي هذه الحالة غالبًا ما أقدم أقدمها حسب ظهور ذلك لي، والله أعلم. ٧) ثم أذكر لقبه إن كان له لقب. ٨) ثم أشير إلى مذهبه الفقهي إن ذكر، وذلك بقولي مثلًا: الفقيه الشافعي، أو الحنفي ... ويكون ذلك ماخوذًا إما من ترجمته، وإما اعتمادًا على ذكره في كتب طبقات أصحاب المذاهب، وقد لا يُنَص فيها على كونه فقيهًا فأذكره بذلك، وقد أقول فيمن كان من هذا القبيل، الشافعي، أو الحنفي ... دون ذكري له بالفقيه، فإن نسب إلى أكثر من مذهب نظرت في آخر أمره وأشهره فصدرت به ترجمته، فإن كان ذكره بأحد الأمرين كان على جهة الوهم، بينت ذلك في أثناء ترجمته، وصدرتها بما كان هو المحفوظ عنه. ٩) ثم أذكر جميع شيوخه الذين ذكروا في كتب الحاكم ممن وقفت عليه في كتبه، وكذا كتب راويته البيهقي في الغالب إلا إذا كان هذا الشيخ ممن أكثر عنه الحاكم فإني -والحالة هذه- أكتفي في ذلك بالتنصيص على كونه أكثر عنه، وأرجئ ذلك -إن شاء الله تعالي- إلى كتابي "إتحاف الخيرة بمن ليس في تهذيب التهذيب من رواة كتب إتحاف المهرة" يسر الله إتمامه. ١٠) ثم أذكر بعض تلامذته مبتدئًا في ذلك بذكر الحاكم -رحمه الله تعالى-. ١١) ثم أشير إلى كتابه الذي أخرج له فيه الحاكم من كتبه مكتفيًا غالبًا بذكر مصدر واحد، فإن خُرِّج له في كتب البيهقي ذكرت ذلك غالبًا كذلك.

стр. 21

١٢) ثم أذكر ما قيل فيه من ثناء ومدح، وجرح وقدح (١)، مراعيًا في ذلك ما يلي: أ- تقديم كلام الحاكم لأنه أعرف بشيوخه من غيره خاصة النيسابوريين منهم، قال ابن نفطة في "التقييد" (١٠٥) ترجمة محمد بن عيسى بن عمرويه بن منصور: رأيت نسبه بخط غير واحد من الحفاظ: محمَّد بن عيسى بن عمرويه بن منصور، وقاله الحاكم بخلافهم، وهو أعرف به اهـ. وقال الحافظ ابن حجر في "اللسان" (٤/ ٢٠٢): الحاكم أعلمُ بأهل بلده. وقال الخليلي في "الإرشاد" (٣/ ٨٥٣): وكنت أسأله -يعني الحاكم- عن الضعفاء الذين نشأوا بعد الثلاثمائة بنيسابور وغيرها من شيوخ خراسان، وكان يبين من غير محاباة. ب- نقل ترجمة هذا الشيخ إن كان نيسابوريًا أو نزلها من "تاريخ نيسابور" بنصها، إن ذكرت كذلك في أحد مصادر ترجمته، وإن لم تذكر بنصها كاملة جمعت ما تناثر وتبعثر وتفرق منها وسقتها مساقًا واحدًا، وهذا كله في الغالب. ج- جمع ما تفرق من كلام الحاكم في شيوخه مما هو مبثوث في أسانيده أو كتبه الأخرى كـ "المستدرك"، و"المعرفة" وغيرهما، فقد كان أهل العلم ممن صنف في الرجال يعتنون بذلك، كما لا يخفى على من طالع في ذلك، ومن ذلك ما جاء في "تاريخ الإِسلام" (٢٥/ ٤٥٤) ترجمة

стр. 22

هبة الله بن محمَّد، قال الذهبي: روى عنه الحاكم وقال: إنه مقرئ. وغالبًا أذكر ما كان من هذا القبيل عند ذكري لرواية الحاكم عنه، وما لم يذكر من ذلك في هذا الموضع ذكرته في أثناء ترجمته، مقدمًا في ذلك الصريح منه على الضمني، ومن كان مشهورًا منهم اكتفيت بكلامه الصريح فيه. د- نقل تصحيحه لمن لم أقف فيهم على شيء من كلام أهل العلم، أو أني وقفت على ذلك إلا أنهم قد اختلفوا فيه بين موثق له ومضعف قال الخليلي في "الإرشاد" (٣/ ٨٥٥) ترجمه الأصم: وأدخله الحاكم في "الصحيح"، وقال الحافظ في "اللسان" (٨/ ٢٥٣): ترجمه نجدة بن عامر الحَرُوْري: وقد أخرج حديثه المذكور الحاكم في "المستدرك" ومقتضاه أنه عنده ثقة. ١٣) ذكرت ما ظفرت به من عبارات الباحثين والمحققين في عدم العثور على هذا الشيخ، وليس ما أذكره من باب الغمز لهم حاشا وكلا، كما أن ذلك -أيضًا- ليس بمزحزحهم عن مُنيف مقامهم، وذلك لمن استفرغ وسعه في البحث عنهم. ١٤) اعتنيت في ترجمتي لهم بذكر أمور منها: أ- موضع السماع، وذلك كأن يقول الحاكم مثلًا: حدثنا فلان ببخارى أو بغداد أو نحو ذلك، قال ابن نقطة في "تكملته" (٦/ ٢٥): جَناح بن نَذِيْر حدَّث عنه البيهقي، وذكر أنه سمع منه بالكوفة. ب- تاريخ السماع، وذلك كأن يقول الحاكم مثلًا: حدثنا فلان في سنة

стр. 23

كذا وكذا. (١) ج- كيفية السماع، وذلك كأن يقول الحاكم مثلًا: حدثنا فلان إملاءً، أو من أصله أو من كتابه ونحو ذلك، فقد كان أهل العلم يعتنون بذلك، ففي "النبلاء" (٥/ ٣٨١) ترجمة محمَّد بن حاتم الكشي قال الذهبي: روى عنه الحاكم وكذبه، وقال: حدثنا إملاءً من كتابه. وفي "الإنساب" ترجمة أبي الطيب المناديلي: روى عنه الحاكم أبو عبد الله، وذكر أنه كتب عنه إملاءً. وأذكر ما كان من هذا القبيل كله عند ذكري لرواية الحاكم عنه. ١٥) جمع ما تناثر من كلام الحافظ الذهبي فيهم، سواء المذكور منه في موضع ترجمته لهم، أوكان في غير مظنته، مستعينًا في ذلك بما جمعه الشيخ خليل بن محمَّد العربي -حفظه الله تعالى- في كتاب "الجرح والتعديل" للإمام الذهبي. ١٦) ذكر ما وقفت عليه من كلام محدث العصر الألباني -رحمه الله تعالى- فيهم، مستعينًا في ذلك بفهارس كتبه، وبما جمعه أحمد بن إسماعيل شكوكاني وصالح بن عثمان اللحام -حفظهما الله تعالي- في "معجم أسامي الرواة الذين ترجم لهم العلامة محمَّد ناصر الدين الألباني"، وقد رجعت فيما استفدته مما جمع في هذين الكتابين إلى الأصول التي عُزي إليها النقل، سواء كان ذلك من كلام الذهبي أو الألباني، فإن كان ما ذكر مجرد نقل كلام من تقدم فإني أكتفي -في مثل هذه الحالة- بنقل كلام من تقدم، وأشير في مصادر ترجمته إلى المصدر الذي نقل فيه كلام

стр. 24

المتقدم، وهذا في الغالب. ١٧) ثم أختم الترجمة بذكر وفاته، فإن سبق لها ذكر في أثناء الترجمة اكتفيت بذلك غالبًا، والمتأمل في هذه الفقرة في تراجم رواة كتابنا هذا، ورواة كتابنا الآخر"شيوخ الطبراني" يجد حقًا ما يقوله الحافظ الذهبي في مقدمة "تاريخ الإِسلام" (١/ ١٦): لم يعتن القدماء بضبط الوفيات كما ينبغي، بل اتَّكلوا على حفظهم، فذهبت وفيات خلقٍ من الأعيان من الصحابة ومن تبعهم إلى قريب زمان أبي عبد الله الشافعي، ثم اعتنى المتأخرون بضبط وفيات العلماء وغيرهم، حتى ضبطوا جماعة فيهم جهالة بالنسبة إلى معرفتها لهم، فلهذا حفظت وفيات خلْقٍ من المجهولين، وجُهلت وفيات أئمة من المعروفين. ١٨) وأخيرًا أذكر المصادر التي ترجم له فيها، مرتبًا لها على الوفيات، إلا ما كان من "مختصر نيسابور" فإني أنزلته منزلة أصله، وكذا إذا كان للكتاب مختصرات أو تهذيبات فإني أنزلها منزلة أصلها فأذكرها عقبه. ١٩) الأصل أن العزو إذا كان إلى كتاب ذي جزئين فأكثر يكون إلى الجزء والصحيفة، فإن كان إلى كتاب ذي جزء واحد فإلى الرقم إن كان مرقمًا، وإلا فإلى الصحيفة، وكذا إن ذكر ضمن ترجمة أخرى يكون العزو إلى الصحيفة. ٢٠) وأختم هذه الفقرات ببعض التنبيهات: ١ - قولي مثلًا: روى عنه الحاكم في "المستدرك"، ووصفه بكذا، أو ذكر أنه حدثه في المكان الفلاني، أو ما أشبه ذلك، لا يلزم منه أن يكون ما ذكر يكون في المصدر المذكور.

стр. 25

ب- إذا أطلقت لفظ "الحافظ" فالمراد الحافظ ابن حجر العسقلاني. ج- وكذا إذا أطلقت "شيخنا" فالمراد علامة اليمن ودُرّتها مقبل بن هادي الوادعي ﵀ تعالي-. د- لا أذكر في سرد المصادر جميع المصادر التي ذكر فيها شيوخ هذا المترجم له، من كتب الحاكم، أو راويته البيهقي. هـ - إذا كان الشيخ مترجم له في الكتاب الآخر "شيوخ الدارقطني"، فإني أكتفي بالإحالة إليه مع نقل حكم شيخنا أبي الحسن السليماني -حفظه الله تعالى-. هذا ما تيسر بيانه في هذه المقدمة، وقد حاولت قدر الإمكان أن يكون كتابي هذا يكفي بنفسه في موضوعه عن الرجوع إلى غيره، ومع ذلك فلا أبيعه بشرط البراءة من كل عيب، فإن الإنسان عرضة للسهو والنقصان، وكماله في أن يزيد صوابه على خطئه، ولم يجعل الله العصمة لغير أنبيائه، وليس المخطئ من أخطأ الصواب فحسب، بل أن أكبر الخطأ في أن يعتقد الإنسان أن أحدًا من الناس لا يخطئ، وقد اجتهدت وما علي وراء الاجتهاد من سبيل، والله حسبي ونعم الوكيل، فإن صادف سعيي من ينظر إليه بعين الرضا فسيجد فيه ما يستفيد منه، ولعله يرضى، وإن كانت الأخرى وهي أن ينظر إليه بعين السخط فينزل منه منزلة المسْخِطِ وما عليه أَئِلُّ، ولا على مثله أشجى وأُوَلول، ولكن يقول من سبقني لحاله أتمثل: تركت هوى سعدى ولبنى بمعزل ... وعدت إلى مصحوب أول منزل ونادتني الأشواق مهلًا فهذه ... منازل من تهوى رويدك فأنزل

стр. 26

غزلت لهم غزلًا رقيقًا فلم أجد ... لغزلي نساجًا فكسرت مغزلي (١) فرحم الله امرأً أنصف أخاه، ودعا له بخير على ما بذله وأسداه، فإن الجزاء من جنس العمل، والله الذي يحقق لطالب الخير الأمل، وفيه الرَّجاء وعليه المُعَوَّل، وإني لأرجو أن ينفعني به من هو مطلع على سري وعلانيتي، ومدى تعبي فيه، وأن يرزقني الإخلاص في العمل كله، والرغبة في فضله وكرمه دون غيره، وأن يجعله لي ذخرًا أنتفع به عند القدوم عليه، وذكرًا لي بعد الموت يدعو لي من نظر فيه، وأن يعينني على تتمة هذه السلسلة المباركة -إن شاء الله تعالي- إنه خير معين، ويبده أزمة الأمور، وإليه المصير يوم الدين وصلى الله على محمَّد وآله وصحبه وسلم (٢). كتبه العبد الفقير إلى عفو ربه: أبو الطبب نايف بن صلاح بن علي المنصوري قبيل أذان الفجر الأول ٢٧/ ٢/ ١٤٢٨ هـ بمكتبة دار الحديث الخيرية بمأرب حرسها الله، والقائمين عليها من كل سوء ومكروه

стр. 27

كلمة شكر ولا يسعني في هذا المقام بعد حمد الله -تعالي- وشكره، إلا أن أشكر مشايخي الأجلاء -حفظهم الله تعالى-. - فضيلة الشيخ أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السُّلَيْماني، الذي تفضل بمراجعة البحث كاملًا ولخص أحكامه -فجزاه الله خيرًا-، فكم نفعني الله تعالي به من علومه وفهومه، ونصائحه، وكم فتح لي صدره، وبيته، وبذل لي من وقته ونَفْسِه، حتى تمت هذه التلخيصات النافعة، بتوفيق الله سبحانه. - فضيلة الشيخ الدكتور سعد بن عبد الله الحميّد، فله مني جزيل الشكر والاحترام، فكم له عليّ من إفضال، ونصح وتوجيه بال، وإكرام بوقته النفيس والمال. - فضيلة الشيخ الدكتور حسن مقبولي الأهدل، ذاكم الرجل المتواضع الخدوم لإخوانه وطلابه. فجزاهم الله جميعًا خيرًا على ما بذلوا من أوقات نَفِيْسَة لهم، في مراجعةٍ وتقديم لهذا العدد وغيره من أعداد هذه السلسلة المباركة -إن شاء الله تعالى-. فالله أسأل أن يبارك لنا فيهم، ويبارك لهم في أعمارهم وأوقاتهم ويجعلها عامرة بالعلم والتعليم والعمل، وأن يزيدهم من فضله، وأن يرفع قَدْرهم في الدنيا والآخرة، وأن يخفظهم بحفظه الذي لا يُرام، ويكلؤهم بعينه التي لا تنام، آمين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 28

ترجمة أبي عبد الله الحاكم ** اسمه ونسبه، وكنيته وبلده ولقبه: هو محمَّد بن عبد الله بن محمد بن حَمْدُوْيه (١) بن نُعَيْم بن الحكم، أبوعبد الله الحاكم (٢)، ...............................

стр. 29

النُّعَيْمِي (١)، الضَّبِّي (٢)، الطَّهْماني، النَّيْسابُوري (٣)، ابن البَيِّع - ويقال:

стр. 30

البَيَّاع. (١) قال مقيده -عفا الله عنه -: يكثر الخطيب البغدادي في "تاريخه" وغيره من ذكره باسم "محمَّد بن نعيم الضبي" دون أن يبين أنه الحاكم النيسابوري نفسه، وقد أوضح ذلك الحافظ ابن حجر في كتابه "اللسان" (٧/ ٥٥٠) فقال: محمَّد بن نعيم هو الحافظ الشهير أبو عبد الله محمَّد بن عبد الله بن نعيم الحاكم النيسابوري، هكذا يقول الخطيب إذا أخرج عنه، في "تاريخه" وفي غيره. ** مولده: ولد بنيسابور صبيحة يوم الإثنين الثالث من شهر ربيع الأولى سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، نص على ذلك الحاكم نفسه في "تاريخه" فقال في ترجمة محمَّد بن عبد الله بن زكريا الجورقي: وقد كنت أسمع أبا بكر بن أبي الحسن الجورقي غير مرة في قديم الأيام يذكر أن أول سماعه للحديث سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، وكنت أقول: السنة التي ولدت فيها (٢).

стр. 31

** صفاته الخُلُقيَّة: قال الحافظ ابن كثير في "البداية" (١٥/ ٥٦١): كان من أهل الأمانة والديانة والصيانة والتحرز والورع ﵀ تعالي-. وقال أبو حازم العبدوي كما في "التبيين" ص (٢٢٩): كان الأمير أبو الحسن يستعين برأيه، وينفذه للسفارة بينهم وبين البويهية. وقال عبد الغافر الفارسي في "السياق" كما في "المنتخب" ص (١٦)، و"النبلاء" (١٧/ ١٧٠): كان الإِمام أبو إسحاق الصِّبغي قد اختصه بالصحبة واعتماده، وأوصى إليه في أمور مدرسته دار السنة، وفوض إليه تولية أوقافه في ذلك، واستضاء برأيه في أموره اعتمادًا على حسن ديانته ووفر أمانته. * أسرته: قال أبو الحسن عبد الغافر الفارسي في "المنتخب": وبيته بيت الصلاح والورع والتأذين. (١) ومن أسرته التي أتحفتنا بها المصادر، والده، وابنه أو ابن أخيه، وأخوه، وابن أخيه، وخاله وابن خاله، وابن خال أمه، وصهره. (١) أبوه: روى عنه بعض الحكايات، وذكر الذهبي في "التذكرة" (٣/ ١٠٣٩)، و"النبلاء" (١٧/ ١٦٣): أنه كان ممن قد رأى الإِمام مسلم صاحب "الصحيح"، وقد كان الحاكم يستعين به في السماع ممن يمتنع من التحديث، ففي "تاريخ نيسابور" ترجمة أبي الطيب الصعلوكي أحمد بن

стр. 32

محمَّد بن سليمان ذكر الحاكم أنه أمسك عن الرواية والتحديث بعد أن عُمِّر، قال: وكنا نراه حسرة، وسألته غير مرة أن يحدثني فأبى، وكان صديق أبي، فمشى معي إليه، فسأله فأجاب، ثم قصدته بعد ذلك غير مرة فقال: أنا أستحي من أبيك أن أرده إذا سألني، فأما التحديث فليس لي إليه سبيل (١). (٢) ابنه أو ابن أخيه محمَّد: عبد الله بن محمَّد بن عبد الله بن محمَّد بن حمدويه بن نعيم، أبو الحسن، الضَّبّي، النَّيْسابُوري، هكذا ذكره الحاكم في "تاريخه" ضمن شيوخه الذين رزق السماع منهم بنيسابور. (٣) أخوه: قال الحاكم في "تاريخه" ترجمة جعفر بن أحمد بن نصر الحَصِيْري كما في "النبلاء" (١٤/ ٢١٨): سمع منه أخي محمَّد الكثير، وهو جدُّه. (٤) ابن أخيه: محمَّد بن محمَّد بن عبد الله بن محمَّد بن حمدويه بن نعيم، أبو سهل، الضَّبّي، ترجم له الحاكم في "لاحقة تاريخه" فقال: سمع الكثير قبلي ومعي، وكتب بخطه جملة، وحدَّث، وكان أكبر مني بخمس عشرة سنة. "تاريخ الإِسلام" (٢٧/ ٢٧٥).

стр. 33

(٥) خاله: محمَّد بن علي بن نصرويه، ترجمه الحاكم في "تاريخه"، وذكر أنه عاش مائة وثلاث سنين، وانظر ترجمته في قسم التراجم. (٦) ابن خاله: محمَّد بن عبد الله بن حمشاذ الحاسب، ترجمه الحاكم في "تاريخه" كما في "الإنساب" (٢/ ١٨٨)، فقال: أبو سعد الحاسب، هو ابن خالي، طلب الحديث معنا في صباه، ورحل معي إلى أبي النَّضْر ودخل بغداد قبلي. (٧) ابن خال أمه: محمَّد بن عيسى أبو صالح العارض النيسابوري، ترجمه في "تاريخه" وروى عنه كما سيأتي -إن شاء الله تعالي-، وقال: كان أحد مشايخ خراسان، ومعتمد أولياء السلطان، وكان من العقلاء الأدباء المحبين للعلماء والصالحين، المتفضلين عليهم بماله وجاهه، وكان يرشح للوزارة فيأبى عليهم، وكان لنا به اختصاص القرابة والصحبة، فكان ابن خال أمي، وكتبت عنه بنيسابور غير مرة، ثم كتبنا عنه بمرو ... الخ. (٨) صهره (١): العباس بن محمَّد بن علي بن معاوية، أبو جعفر بن أبي الحسن، صهر الحاكم المصنف النَّيْسابُوري. هكذا ذكر في "اللاحقة" فقد خلَّف ذكرًا حميدًا، ونشر علمًا غزيرًا، وألف كتبًا هي ولده المخلد، وذكره الذي لا

стр. 34

ينقطع، وقد أنشد بعضهم (١): يموت قوم فيُحي العلم ذكرهم ... والجهل يلحق أمواتًا بأموات ويقول أبو الفتح البستي (٢): يقولون ذكر المرء يبقى بنسله ... وليس له ذكر إذا لم يبق له نسل فقلت لهم نسلي بدائع حكمتي ... فمن سره نسل فإنا بذا نسلو وقال أبو بكر بن الأنباري (٣): ما مات من كان مذكورًا روايته ... قد مات قوم وهم في الناس أحياء وعاش قوم ولم تذكر مآثرهم ... فمات ذكرهمُ والقوم أحياء ** طلبه للعلم ونشأته فيه: نشأ -رحمه الله تعالى- في بيئة مباركة؛ علا نجمها وانتشر صيتها، وامتلأت بالعلم والعلماء والمحدثين خاصة، بيئة أنجبت الفحول من أئمة المنقول والمعقول، بيئة ذات مكانة سامية مرموقة بين بلدان العالم الإِسلامي آنذاك، قال السبكي في "طبقاته" (١/ ٣٢٤): كانت نيسابور من أجل البلاد وأعظمها، لم يكن بعد بغداد مثلها. وكيف لا تكون بهذه المنزلة الشامخة، وقد ساهم وساعد وشجع في تأسيسها وبنائها الصحيح العلماء والأمراء السامانيين الذين حكموها حقبة طويلة من الزمن، وانتشرت فيها المدارس الحديثية كمدرسة ابن فُورك، ومدرسة أبي إسحاق الإسفراييني، ومدرسة أبي إسحاق الصبغي، وكلهم شيوخه، بل كان من المقربين لديهم،

стр. 35

وممن له اختصاص بهم، فساعده هذا كله في تكوينه العلمي، وتضلعه الحديثي، إضافة إلى ما أكرمه الله تعالي به من صلاح أسرته وأهل بيته؛ الذين ترعرع ونشأ منذ نعومة أظفاره بين أوساطهم وهم يوجهونه إلى العلم، قال عبد الغافر في "السياق" كما في "المنتخب" ص (١٦): وبيته بيت الصلاح والورع والتأذين. فحرصوا عليه غاية الحرص، واعتنوا به غاية العناية، فبكروا به إلى مجالس العلم والعلماء صغيرًا، فكان أول سماعه للحديث سنة ثلاثين وثلاثمائة ٣٣٠ هـ أي وعمره لم يتجاوز سن التاسعة، ففي "معرفة علوم الحديث" ص (١٢٨): نشأت وطلبت الحديث بعد وفاة محمَّد بن إسحاق بعشرين سنة. وقال الخطيب في "تاريخه" (٥/ ٤٧٣): ولد سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، وأول سماعه في سنة ثلاثين وثلاثمائة. وقال الذهبي في "النبلاء" (١٧/ ١٦٣): طلب هذا الشأن في صغره بعناية والده وخاله، وأول سماعه كان في سنة ثلاثين. واستمر ﵀ على هذه الحال من الانكباب والتحصيل للعلم، ولم تثنه عن ذلك طفولته، وما تُغري به من اللهو واللعب والدعة والكسل عن الجد والاجتهاد في طلب معالي الأمور. فقل لمُرَجِّي معالي الأمور ... بغير اجتهاد رجوت المحالا! ولنباهته منذ حداثته ونبوغه وحدة ذكائه، وتوفر علائم النجابة عليه، جعله ابن حبان -صاحب الصحيح- حين قدم نيسابور سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة مستمليًا عليه، وهو ابن ثلاث عشرة سنة، مع وجود من هو أكبر منه سنًا، وأشهر منه ذكرًا، فقد قال متحدثًا عن ذلك في "تاريخ نيسابور" ترجمة ابن حبان: "ثم ورد نيسابور سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، وحضرناه

стр. 36

يوم الجمعة بعد الصلاة، فلما سألناه الحديث نظر إلى الناس وأنا أصغرهم سنًا، فقال: استمل، فقلت: نعم، فاستمليت، ثم أقام ... " (١). وقال الذهبي في "النبلاء" (١٧/ ١٦٣): استملى علي أبي حاتم بن حبان في سنة أربع وثلاثين وهو ابن ثلاث عشرة سنة. وقرأ القرآن بنيسابور على: أبي عبد الله محمَّد بن أبي منصور الصوام، وأحمد بن العباس بن الإِمام، وعلي بن سهل الأشناني وغيرهم. وبالعراق على: أبي علي بن النقار الكوفي بها، وأبي عيسى محمَّد بن بكار البغدادي بها، وغيرهما. قال عبد الغافر في "السياق" كما في "المنتخب": قرأ القرآن بخراسان والعراق على قراء وقته. وتفقه على: علي بن أبي هريرة، وأبي الوليد حسان بن محمَّد القرشي، وأبي سهل محمَّد بن سليمان الصعلوكي، وغيرهم. هذا شيء من نشأته وحياته العلمية ﵀ تعالي-، ولم تمنعه هذه المكانة الرفيعة التي تبوءها منذ صغره وفاق بها أقرانه، عن المضي قدمًا في تحصيل العلم والعلو والارتفاع فيه، فإنه ما إن رحل الإمام ابن حبان من نيسابور إلا وأنشأ رحلة طويلة إلى مدينة العلم وموسم العلماء والفضلاء مدينة السلام. ** رحلاته: بعد أن سمع الإِمام الحاكم ﵀ تعالي- من شيوخ بلدته "نيسابور" والراحلين إليها كما سبق، وأمعن في ذلك، حتى ذكر بعضهم أنه

стр. 37

سمع من نحو ألف شيخ بها، فيالها من همة عالية، ونفس أبية، يصدق فيها قول ابن طباطبا العلوي: له همة إن قست فرط علوِّها ... حسبت الثريَّا في قرار قليب وقول الآخر: همتي همة الأسود ونفسي ... نفس حر ترى الشهادة مغنم ومن كانت هذه همته لا يرضى بالدون، ولا يقنع بالقليل، وكما قيل: "ذو الهمة إن حُطَّ فنفسه تأبى إلا علوًّا، كالشعلة في النار يصوبها صاحبها وتأبى إلا ارتفاعًا". (١) وكذا الإِمام الحاكم ﵀ تعالي- لم يقنع بالمنزلة التي سبق بيانها، بل رحل في تحصيل العلوم، فسمع الكثير كما يقوله الحافظ ابن كثير (٢)، وشمر عن ساق الجد والاجتهاد. بهمة في الثريا إثر أخمصها ... وعزمةٍ ليس من عادتها السأمُ فطاف البلاد، واستوطن السهاد، وآثر قطع المفاوز والقفار، على التنعم في الدمن والأوطار، ورفض ما تتوق إليه النفوس الشهوانية، في سبيل طلبه للأحاديث النبوية، فرحل إلى العراق والحجاز، وبلاد خراسان، وبلاد الجبل، وبلاد ما وراء النهر، وبلاد خوزستان، قال السمعاني في "الإنساب" (١/ ٤٥٥): له رحلة إلى العراق، والحجاز، ومرو، وما وراء النهر. فأما رحلته إلى العراق والحجاز فلعلها أول رحلاته وأشهرها، قال أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (٣/ ٨٥٢): وله إلى العراق والحجاز رحلتان. وقال الإسنوي في "طبقاته" (١/ ١٩٥): رحل إلى الحجاز

стр. 38

والعراق مرتين. * رحلته الأولى إلى العراق والحجاز: قال الحاكم في "تاريخه" ترجمة أبي بكر محمَّد بن المؤمل بن الحسن الماسرجسي: كنت معه ببغداد والحرمين سنة إحدى وأربعين فتحير أهل تلك الديار من فصاحته وحسن بيانه. (١) وقال في ترجمة عبد الصمد بن محمَّد بن عبد الله البخاري: انصرف إلى بغداد سنة أربعين، ودخلتها وهو بها سنة إحدى وأربعين (٢). وقال في ترجمة سعيد بن نصر بن عمر الأندلسي: التقينا ببغداد في شوال من سنة إحدى وأربعين. (٣) وقال عبد الغافر الفارسي في "السياق" كما في "المنتخب" ص (١٧): رحل إلى العراق أولًا سنة إحدى وأربعين وثلائمائة. وقال الذهبي في "النبلاء" (١٧/ ١٦٣): ارتحل إلى العراق وهو ابن عشرين سنة، فقدم بعد موت إسماعيل الصفار بيسير، وفي "التذكرة" (٣/ ١٠٣٩): رحل إلى العراق وهو ابن عشرون وحج. وقال الصفدي في "الوافي بالوفيات" (٣/ ٣٢٠): ووصل إلي العراق سنة إحدى وأربعين. وقال السبكي في "طبقاته" (٤/ ١٠٦): ورحل إلى العراق سنة إحدى وأربعين وئلاثمائة، بعد موت إسماعيل الصفار بأشهر، وحج. ويعبر بعضهم عن هذه الرحلة بقوله: ورد بغداد قديمًا. (٤)

стр. 39

وقد سمع في هذه الرحلة المباركة من جماعة من الأئمة والعلماء والفضلاء، كأبي إسحاق الأصبهاني القصار، ففي "تاريخ بغداد" (٦/ ١٢٧) يقول الحاكم: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن عبد الله العدل الأصبهاني ببغداد سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة. وفي "تاريخ نيسابور": حج معنا أبو إسحاق ومعه ابنه أبو سعيد، سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة. (١) وكأبي طاهر عبد الواحد بن علي النجار البغدادي ففي "ذيل تاريخ بغداد" (١٦/ ٢٦٩) قال أبو عبد الله الحاكم في "معجمه": حدثني أبو طاهر عبد الواحد بن علي بن محمَّد بن ثابت النجار ببغداد في شوال سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة. قال الخطيب في "تاريخه" (٥/ ٤٧١): ورد أبو عبد الله الحاكم بغداد في شيبته فكتب بها عن أبي عمرو بن السماك، وأحمد بن سلمان النجار، وأبي سهل بن زياد، ودعلج بن أحمد، ونحوهم من الشيوخ. وفي رحلته هذه دخل الكوفة فقد جاء في كتاب "المعرفة" ص (٥٣٤) قال الحاكم: ودخلت الكوفة أول ما دخلتها سنة إحدى وأربعين، وكان أبو الحسن بن عقبة الشيباني يدلني على مساجد الصحابة، فذهبت إلى مساجد كثيرة منها، وهي إذ ذاك عامرة، وكنا نأوي إلى مسجد جرير بن عبد الله في بَجيلة. وفي "تاريخ نيسابور" ترجمة أبي الأصبغ عبد العزيز بن عبد الملك ذكر الحاكم أنه التقى به بالكوفة سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة. (٢)

стр. 40

وقد سمع بها من جماعة منهم: أحمد بن محمَّد بن عمرو الأحمسي (١)، وأحمد بن سعد بن نصر بن بكار البخاري (٢)، وأبو علي الحسن بن الحسين بن محمَّد النيسابوري (٣)، والحسن بن محمَّد بن الحسن بن إسماعيل السكوني الكوفي (٤)، والحسين بن الحسن بن عامر الكندي (٥)، وعبد الله بن محمَّد الطلحي (٦)، وغيرهم. قال مقيده -عفا الله عنه-: سبق وأن ذكرنا أن هذه الرحلة أُولى رحلاته، ولعل من الدوافع التي جعلته يختار ذلك أولًا: ما جاء في كتابه "المعرفة" ص (٥٤١)، قال الحاكم: ومدينة السلام هي مدينة العلم وموسم العلماء والأفاضل عمرها الله. وثانيًا: أنه بذلك يتمكن من أداء ركن من أركان الإِسلام وهو فريضة الحج، والله أعلم. رحلته الثانية إلى العراق والحجاز: قال الخليلي في "الإرشاد" (٣/ ٨٥٢): ارتحل إلى العراق والحجاز سنة ثمان وستين في الرحلة الثانية. وفي ترجمة أبي منصور أحمد بن محمَّد بن عبد الله العنبري من "تاريخ بغداد" (٥/ ٤٧)، يقول الحاكم: آخر عهدي به ببغداد في قطيعة الربيع في داره سنة ثمان وستين وثلاثمائة.
следующие страницы →