← Фикх малики

Фикх малики · id 14467

عيون المسائل للقاضي عبد الوهاب المالكي

القاضي عبد الوهاب

Полный текст (659 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

صوم للجنب؛ لما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ أنّه قال "مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا في رَمَضَانَ فَقَدْ أَفْطَرَ" (١). [قال أبو هريرة ﵁: ما قُلتُ: إِنَّه إِذَا أَصبَح جُنُبًا فقَد أَفطَرَ وَرَبِّ الكَعبَة، ولكن قَالَه محمّد ﷺ ، إنّه قال: "قَدْ أَفْطَرَ"، وربّ البيت] (٢). ٤٠٦ - مسألة: [عند مالك]: كلّ إفطار في رمضان بمعصية فعليه الكفارة، ولا فرق بين أن يطأ في الفرج أو خارج [الفرج] فينزل، أو بتكرير القبلة والنظر حتّى ينزل، وكذلك إذا أكل متعمدًا. وفرّق أبو حنيفة بين أعلى المأثم وأدونها، فأوجب الكفارة في الإيلاج في الفرج ﷺ والأكل متعمدًا. وإن جامع فيما دون الفرج فأنزل، أو بلع حصاة أو لؤلؤة، أو قبّل أو تابع النظر فأنزل، فلا كفارة عليه، وقيل إنّه قول الزّهريُّ والأوزاعي والثوري. وقال الشّافعيّ: لا تجب الكفارة بشيء سوى الجماع التام؟ إيلاج في قبل أو دبر. ٤٠٧ - مسألة: وكفارة [الفطر] في رمضان [عند مالك] على التخيير. وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: هي على التّرتيب، إن لم يجد العتق صام،

стр. 212

فإن لم يقدر أطعم، وحكي ذلك عن الأوزاعي والثوري. ٤٠٨ - مسألة: ومن أكل أو جامع ناسيًا، فعليه القضاء، وبه قال ربيعة. وقال أحمد: عليه في الوطء ناسيًا الكفارة مع القضاء. وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا قضاء عليه، وبه قال الأوزاعي والثوري. وقيل: روي عن علي وابن عمر وأبي هريرة ﵃ مثله. ٤٠٩ - مسألة: والإطعام في كفارة الصوم مد لكل مسكين بمد النبيّ ﷺ ، وبه قال الشّافعيّ. وقال أبو حنيفة: نصف صاع من البرّ، ومن التّمر والشعير صاع. ٤١٠ - مسألة: إذا تمضمض أو استنشق فوصل إلى جوفه الماء، [فإن كان ناسيًا لصومه، فقد تكلمنا عليه في الأكل ناسيًا، وإن كان ذاكرًا لصومه، فهو أولى] فعليه القضاء، وبه قال أبو حنيفة. وللشافعي قولان: أحدهما مثل قولنا، والآخر: لا قضاء، وهذا عنده إذا لم يبالغ، فأمّا إذا بالغ، فعنده يفطر إذا لم يكن ناسيًا. وقال الأوزاعي وأحمد وإسحاق: لا يفطر. ٤١١ - مسألة: إذا وطى [٢٤/أ]، في يوم واحد مرارًا فكفارة واحدة، وبه قال فقهاء الأمصار. وحكي عن أحمد أنّه إن كفر للوطء الأوّل، وجب أن يكفّر للثاني.

стр. 213

٤١٢ - مسألة: إذا أفطر أيامًا من رمضان فطرًا يوجب الكفارة، فعليه لكل يوم كفارة، كفّر للأول أم لا، وبه قال الشّافعيّ. وقال أبو حنيفة: إن كفّر لليوم الأوّل، وجبت عليه لليوم الثّاني، وإن لم يكفّر لليوم الأوّل حتّى وطئ في جميع الشهر، لم تجب عليه إِلَّا كفارة واحدة. وروى زفر عن أبي حنيفة أنّه ليس عليه إِلَّا كفارة واحدة في جميع الشهر، سواء كفر الأولى أم لا. ٤١٣ - مسألة: إذا أصبح الرَّجل وامرأته صائمين، فأفطرا بجماع ثمّ مرضا أو حاضت، ومرض الرَّجل في بقية اليوم، فعليهما القضاء والكفارة، وبه قال الشّافعيّ في أحد قوليه، وابن أبي ليلى. وقال أبو حنيفة: لا كفارة عليهما، وهو الثّاني للشافعي. ٤١٤ - مسألة: إذا وطئها نائمة أو مكرهة، فقد أفطرا وعلى الزوج الكفارة عنه وعنها. وقال أبو حنيفة وأصحابه: هما مفطران جميعًا ولا كفارة على واحد منهما. وروى عنه زفر أن النائمة غير مفطرة، [وبه أقول] (١). وقال الشّافعيّ: النائمة والمكرهة غير مفطرتين، والرجل وحده مفطر، وعليه كفارة واحدة. فالخلاف بيننا وبين أبي حنيفة في وجوب الكفارة، وبيننا وبين الشّافعيّ في موضعين: أحدهما: فطر المرأة، والآخر: في وجوب كفارة أخرى عنها.

стр. 214

٤١٥ - مسألة: إذا أفطرت الحامل خوفًا على ما في بطنها والمرضع، فلا كفارة عليهما في رواية ابن عبد الحكم [عن مالك]، ووافقه ابن القاسم في الحامل. وقال ابن وهب عن مالك: إن الحامل تطعم، وذكره عن ابن عمر ﵄. وقال ابن القاسم في المرضع تخاف على ولدها، ولا يقبل غيرها: إنها [تفطر و] تطعم. وقال أبو حنيفة: لا إطعام عليهما، كرواية ابن عبد الحكم، وهذا قول [الشّافعيّ] في الجديد، وبه قال مجاهد وأحمد. وحكي عن ابن عبّاس وابن عمر ﵃ أن عليهما الفدية بلاقضاء. واختلف قول الشّافعيّ: فروى عنه المزني والربيع (١) في القديم: أن عليهما الكفارة مدًّا عن كلّ يوم، وبه قال الأوزاعي والثوري. وقال في البويطي (٢): لا كفارة عليهما إذا أفطرتا خوفًا على ولديهما. ٤١٦ - مسألة: الشّيخ الكبير الّذي لا يستطيع الصوم لا كفارة عليه، وكذلك العجوز.

стр. 215

وقال الأوزاعي والثوري وإسحاق بن راهويه وأبو حنيفة والشّافعيّ: عليهما الإطعام واجب، إذا قدرا عليه. إِلَّا أن أبا حنيفة يقول: صاع من تمر، أو نصف صاع من بر. وعندنا وعند الباقين: مد لكل يوم، وروي عن الشّافعيّ في سنن حرملة مثل قولنا، وبه قال ربيعة. ٤١٧ - مسألة: اختلف النَّاس في المجنون إذا بلغ مطبقًا، وبقي على ذلك سنين، وزال ذلك عنه فذهب مالك إلى أنّه يقضي صوم الماضي كله، وتابعه عليه ابن سريج (١). وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا قضاء عليه. واختلفوا إذا أفاق في بعض رمضان، فذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنّه يصوم باقيه، ويقضي ماضيه. وقال الشّافعيّ وأصحابه إِلَّا ابن سريج: لا يقضي ما مضى، ويصوم المستقبل. ٧ - فصل: وليس يصح [لي] الفرق بين: أن يغمى عليه أول نهاره، أو أكثره على وجه يتقرر. وقد فرّق مالك بينهما في أظهر قوليه. ٤١٨ - مسألة: ولا يجوز صوم غير رمضان في شهر رمضان، لا في حضر ولا سفر، وإن نوى غيره كان مفطرًا وعليه القضاء.

стр. 216

وقال [٢٤/ب]، أبو حنيفة وأصحابه: إن كان في حضر نوى التطوع كان عن فرضه. واختلفوا إذا كان مسافرًا فنوى به التطوع، فقال أبو حنيفة: يجزيه، وعن النَّذْر والكفارة في أحد الروايتين عنه. وقال محمَّد وأبو يوسف: إن نوى به التطوع كان عن فرضه مثل الحضر، وفي رواية لأبي حنيفة أيضًا: كذلك يكون عن فرضه. وقال الشّافعيّ مثل قولنا. وقال القاضي: رأيت لبعض العراقبين أن المريض إذا أبيح له الفطر، وتكلف صومًا ينوي به نفلًا صح عما نواه. ٤١٩ - مسألة: إذا أفطر المسافر وقدم في بقية يومه، فليس عليه كف بقيته عن الفطر، وكذلك إن أكل وهو مريض ثمّ صح، والحائض إذا طهرت، والمجنون إذا أفاق، والصبي إذا بلغ، والكافر إذا أسلم، ووافقنا الشّافعيّ. وخالف أبو حنيفة في جميع ذلك، وقال: يمسكوا بقية يومهم. ٤٢٠ - مسألة: ولو أن مقيمًا نوى الصِّيام قبل الفجر، ثمّ خرج بعده مسافرًا، لم يفطر يومه؛ لأنّه دخل فيه مقيمًا، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ. وقال المزني وأحمد وإسحاق وجماعة من التابعين: له أن يفطر. ٤٢١ - مسألة: إذا نوى [الصِّيام] وهو مقيم، ثمّ سافر فأفطر، فلا كفارة عليه، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشّافعيّ في أحد قوليه: إن أفطر بجماع فعليه الكفارة، وهو

стр. 217

قول المخزومي وابن كنانة (١)، واحتجوا بأن الصوم قد تحتم عليه قبل دخوله ٤٢٢ - مسألة: إذا أفطر [في رمضان] لمرض أو سفر أو حيض أو غير ذلك، فزال العذر وأمكن القضاء فلم يقض، حتّى دخل رمضان آخر فقد عصى بتأخير القضاء، وأخرجه عن وقته، ويصوم رمضان الّذي حصل فيه، ويقضي بعد مضيه ما كان عليه، وعليه مد عن كلّ يوم، وبه قال أكثر العلماء: الزّهريُّ والأوزاعي والثوري والشّافعىِّ وأحمد وإسحاق، وهو عندنا إجماع [الصّحابة ﵃". وقال أبو حنيفة وأصحابه: ليس عليه إِلَّا القضاء من غير إطعام. ٤٢٣ - مسألة: من مات وعليه صوم رمضان، لم يقضه عنه وليه، ولا يصوم أحد عن أحد، ويطعم عنه إن أوصى به، أو تطوع ورثته به، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ. وذكر بعض أصحاب الشّافعيّ: أنّه قال في القديم: يصام عنه، ورأيت المحققين منهم ينكرون ذلك، وهو إجماع عندنا من الصّحابة. وقال أحمد وإسحاق وأبو ثور وأهل الظّاهر: يصوم عنه وليه، وإن أحب أن يكتري من يصوم عنه أجزأه. ٤٢٤ - مسألة: ويقضي رمضان متفرقًا، ومتتابعًا أحب إلينا، وبه قال الفقهاء بأسرهم، إِلَّا أصحاب الظّاهر، فإنهم أوجبوا متابعته.

стр. 218

واختلفت الصّحابة في ذلك: فقال ابن عبّاس وأبو هريرة وأنس ومعاذ بن جبل ﵃ مثل قولنا، وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي والشّافعيّ. وقال علي وابن عمر وعائشة ﵃: لا يجوز متفرقًا، وبه قال داود. ٤٢٥ - مسألة: لا يصام يوم الفطر ولا يوم النَّحر فرضًا ولا نفلًا ولا نذرًا ولا غيره، وهما كزمان اللّيل، وإن نذر صومهما، لم ينعقد ولم يلزم النَّذْر، وبه قال الشّافعيّ وزفر. وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يصاما، إِلَّا أن نذرهما ينعقد، ويصوم غيرهما، وإن صامهما سقط نذره بهما. ٨ - فصل: فأمّا أيّام التّشريق؛ [وهي أيّام مني، وهي: الحادي عشر والثّاني عشر والثّالث عشر من ذي الحجة،، فإنّه يجوز صومها للمتمتع الّذي لم يجد هديًا؛ لأنّها في الحجِّ، وهذا إذا لم يصمها في العشر. وقال أبو حنيفة: لا يصام عن واجب، وهو أحد قولي الشّافعيّ، والثّاني مثلنا. ٤٢٦ - مسألة: إذا [٢٥/أ]، احتقن (١) الصائم أو استعط (٢) فوصل إلى جوفه، أو داوى جرحه بدواء رطب أو يابس، وعلم أنّه يصل إلى موضع الغداء من جوفه،

стр. 219

أو بلع حصاة أو لؤلؤة أو جوزة، فقد أفطر بهذا كله فعليه القضاء، وإن تعمده بغير عذر، فعليه الكفارة. وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: يكون مفطرًا. غير أن أصل الشّافعيّ لا يوجب الكفارة في غير الجماع. وقال أبو ثور مثل قولنا. وكان بعض شيوخنا يقول: إن الكفارة استحبابًا في بلع الحصاة. وهو عندي واجب إذا تعمد ذلك؛ لأنّه مفطر منتهك، وإذا جعلناه مفطرًا، فقد مضى الكلام في كفارة الأكل عامدًا، وإن كان لعذر فهو كالمريض. وقال الحسن بن صالح: لا يفطر إِلَّا المأكول والمشروب دون غيرهما، وبه قال أبو طلحة في البَرَد أنّه لا يفطر؛ لأنّه غير مطعوم ولا مشروب، وإليه ذهب أهل الظّاهر. وفرّق أبو حنيفة بين الجوزة الرطبة واللوزة، إذا ابتعلهما عامدًا، فقال: عليه الكفارة في اللوزة الرطبة، ولا كفارة عليه في الجوزة، وقال: لأنّ الجوز لا يؤكل بقشره. ٤٢٧ - مسألة: الأسير إذا حبس والتبست عليه المشهور، فتحرى وصام شهرًا على أنّه رمضان، فوافقه أو ما بعده أجزأه، وإن كان ما قبله لم يجزه، وبه قال أبو حنيفة. واختلف أصحاب الشّافعيّ عنه على قولين: أحدهما: أنّه يجزيه، والآخر: لا يجزيه. وقيل: إنّه قول واحد: لا يجزيه، كقولنا إذا كان قبله. وقال الحسن بن صالح ومن تابعه من أهل الظّاهر: إنّه لا يجزيه على كلّ حال، سواء وافقه أو ما قبله أو بعده. [وهذا خلاف الفقهاء كلّهم].

стр. 220

٤٢٨ - مسألة: يحتجم الصائم ولا يفطره، وبه قال من الصّحابة: ابن مسعود وابن عبّاس وأنس وأبو سعيد الخدري وابن عمر وزيد بن أرقم والحسن بن علي ﵃، ومن التابعين: سعيد بن المسيَّب وسعيد بن جبير والشعبي والنخعي، و [من الفقهاء]: الثّوريّ وأبو حنيفة والشّافعيّ وداود. وقال قوم: إنها تفطر، وذهب إليه من الصّحابة: علي وأبو هريرة وعائشة ﵃، ومن التابعين: عطاء والحسن، و [من الفقهاء]: الأوزاعي وأحمد وإسحاق، ومتأخري أهل الحديث [ابن] خزيمة وغيره. ٤٢٩ - مسألة: ويجب على الصائم أن ينزه صيامه عن اللّفظ القبيح والشتم والسباب، فإن شتم أو سب أو أحرج إلى ما لا ينبغي، فليقل: "إنِّي صائم". فإنّه يكره له الكلام بما لا ينبغي في الصوم، وإن كان مكروهًا في غير الصوم، ففي الصوم أشد؛ لأنّه فرض من فرائض الله، كما قال في الحجِّ: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، والفسوق محرم في غير الحجِّ، وإن فعل شيئًا من ذلك أو كذب لم يفطر. وقال الأوزاعي: يكون مفطرًا. ٤٣٠ - مسألة: يستاك في أي ساعات النهار شاء ولا يكره له ذلك، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وهو قول ابن عبّاس وعائشة وابن عمر -رضي الله عنهم-. وقال الشّافعيّ: أكرهه بعد الزَّوال إلى آخر النهار، وقيل: إنّه مذهب علي وابن عمر ﵃. والصّحيح عنه مثل قولنا، و [هو مذهب] الأوزاعي وأحمد وإسحاق.

стр. 221

٤٣١ - مسألة: ومن وطئ في رمضان عامدًا فعليه القضاء والكفارة إذا لم يكن له عذر، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ وأهل الكوفة. إِلَّا النخعي والشعبي، ومثله عن سعيد بن المسيَّب وسعيد بن جبير والأوزاعي أنّهم قالوا: لا كفارة عليه. ٤٣٢ - مسألة: إذا شرع في صوم التطوع لزمه إتمامه، فإن خرج منه بغير عذر لزمه القضاء، وإن كان لعذر فلا قضاء، وبه قال أبو حنيفة في وجوب إتمامه، وقال: عليه القضاء [٢٥/ب]، وإن خرج منه لعذر. وقال الشّافعيّ: لا يجب إتمامه ولا قضاء على من خرج منه على كلّ حال، ومثله صلاة التطوع. فالخلاف بيننا وبين أبي حنيفة في القضاء إذا كان الفطر لعذر، وبيننا وبين الشّافعيّ في وجوب الإتمام، ووجوب القضاء إذا أفطر بغير عذر. ٤٣٣ - مسألة: ومن دخل في صيام الشهرين المتتابعين فمرض، أو أفطر في يوم غير فظن أن الشّمس قد غربت فإنّه يبني، إذا (١) أصح من مرض ولا يبتدئ، وبه قال الشّافعيّ. وخالف أبو حنيفة.

стр. 222

مسائل الاعتكاف ٤٣٤ - مسألة: [قال مالك]: لا اعتكاف إِلَّا بصوم، وبه قال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي وسائر الفقهاء، إِلَّا الشّافعيّ، فإنّه قال: ليس من شرطه الصوم، واشترط الصوم من الصّحابة: ابن عبّاس وابن عمر وعائشة ﵃، [وجماعة من التابعين. وقد حكي عن علي وابن مسعود ﵄: أنّه يصح بغير صوم]، ومن التابعين: الحسن البصري. وروي عن علي ﵁ أنّه قال: لا اعتكاف إِلَّا بصوم. وحكى ابن جرير عن الشّافعيّ أنّه كان يقول ببغداد: من شرط الاعتكاف الصوم، وهم يغلطونه ويقولون: إنّما نصّ في القديم أن الصوم مستحب فيه. ٤٣٥ - مسألة: ولا يجوز الاعتكاف إِلَّا في مسجد، وبه قال الشّافعيّ. وخالف أبو حنيفة في المرأة، فقال: تعتكف في بيتها. [وقول الشّافعيّ مثل قولنا: لا فرق بين الرَّجل والمرأة في ذلك]. ولا فرق عندنا بين الجامع وغيره من المساجد، إِلَّا أن يعتكف أيّام الجمعة، فلا يعتكف [إِلَّا] في الجامع.

стр. 223

فأمّا المرأة فلا جمعة عليها، فليس عليها أن تعتكف في الجامع، وتعتكف في أي مسجد شاءت. وروي عن حذيفة ﵁ أنّه قال: "لا يَصِحُّ الاِعتِكَافُ إلَّا في ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: المسجِدِ الحَرَامِ ومَسجِدِ المدِينَةِ ومَسجِدِ إِبرَاهِيمَ" (١). وقال الزّهريُّ: لا يصح إِلَّا في الجامع. وهذا غلط. ٤٣٦ - مسألة: إن نذر اعتكاف شهر، فلم يقل: متتابعًا، لزمه متابعته، كما لو نصّ عن التتابع، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشّافعيّ: لا يلزمه التتابع، إِلَّا أن ينص عليه أو ينويه، وبه قال زفر. والمسألة مبنية على أن اسم الشهر يتناول الأيَّام والليالي، ولو حلف لا يكلم فلانًا شهرًا، كان اللّيل والنهار في ذلك سواء. ٤٣٧ - مسألة: من وطئ في اعتكافه فسد، ولم تجب عليه كفارة بلا خلاف بين من أوجب الصوم فيه ومن لم يوجبه. وحكي عن قوم وجوب الكفارة. وهو فاسد. ٤٣٨ - مسألة: ومن جامع فيما دون الفرج فأنزل، بطل اعتكافه، وبه قال أبو حنيفة واحد قولي الشّافعيّ، وقال: إن باشر أو قبّل فلم ينزل، فلا شيء عليه. وعندنا يبطل اعتكافه، وفي القول الآخر: لا يبطل.

стр. 224

٤٣٩ - مسألة: السِّباب والغِيبة لا نصّ عندنا فيه أنّه يبطل الاعتكاف أم لا. غير أنّه إن كان قذفًا يجري مجرى الكبائر، فعندي: أنّه ينقض، كما قال: إذا سكر المعتكف في اللّيل ينتقض اعتكافه. وقال قوم: ينتقض اعتكافه بالسباب والغيبة. ٤٤٠ - مسألة: لا يجوز أن يشترط إن عرض له شيء، خرج من اعتكافه، ولم يعد إليه. وهذا ينبغي أن يرتب: فإن دخل بهذا الشرط، لزمه المضي فيه، ولا يخرج منه إِلَّا لضرورة، ويبني على اعتكافه، وإن خرج بغير ضرورة، انتقض ولزمه ابتداءه. وإن نذر اعتكافًا على هذه الصِّفَة، لم يلزمه الدخول فيه، فإن دخل فيه لزمه إتمامه ولم يخرج منه إِلَّا لضرورة، وصار مثل من دخل في اعتكاف من غير نذر، فإنّه يجب عليه إتمامه بالدخول فيه.

стр. 225

كتاب الجهاد ٤٤١ - مسألة: قال القاضي ﵀: فرض الله الجهاد على الكفاية منذ ابتدئ الإسلام. وقيل: إنّه كان على الأعيان لقلّة [٢٦/ أ] الإسلام. ٤٤٢ - مسألة: لا يستحق القاتل سلب قتيله من الكفار، إِلَّا أن يرى الإمام ذلك بحضرة القتال، فينادي به أن يجعله مخصوصًا لإنسان إذا كان جهده، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشّافعيّ: يستحق ما يقع عليه اسم سلب، من دابته وسلاحه وثيابه، ويأخذه من رأس الغنيمة، قتله مقبلًا أو مدبرًا إذا كانت الحرب قائمة. المعروف للشافعي أن القاتل لا يستحق السلب، إِلَّا إذا قتله مقبلًا. ٤٤٣ - مسألة: [قال مالك: أمّا] من قربت دورهم منا، لا ندعوهم لعلّمهم بالدعوة ونلتمس غرتهم، ومن بعدت دارهم وخيف أن لا يكونوا كهولًا، فالدعوة قطع للشك.

стр. 226

وأمّا القِبط فلا يقاتلوا ولا يبيتوا (١)، حتّى يدعوا بخلاف الروم، ولم ير مالك أن الدّعوة بلغتهم، وكذلك القرازنة، صنف من الحبش. وقال أبو حنيفة: إن بلغتهم الدّعوة، فحسن أن يدعوهم الإمام إلى الإسلام وأداء الجزية قبل القتال، وإن لم تبلغهم، فلا ينبغي للإمام أن يبتدئهم. وقال الشّافعيّ: لا أعلم أحدًا من المشركين لم تبلغهم الدّعوة اليوم، إِلَّا أن يكون خلف الذين يقاتلونا قوم من المشركين، [مثل]: الخزر والترك لم تبلغهم الدّعوة، فلا يقاتلوا حتّى يدعوا، فإن قتل منهم أحدًا قبل ذلك، فعلى عاقلة القاتل الدية. وقال أبو حنيفة: لا شيء عليه. ولست أعرف لمالك نصًا فيها، والذي عندي: أنّه لا شيء عليه كأبي حنيفة. ٤٤٤ - مسألة: وتقسم الغنيمة في دار الحرب، ويكره تأخيرها إذا لم يكن هناك عذر، وبه قال الشّافعيّ وقال أبو حنيفة: لا تقسّم حتّى تفسير في دار الإسلام، وإن قسّمت في دار الحرب، مضت كحكم حاكم لا ينقض. ٩ - فصل: والغنيمة لا يستقر ملك الغانمين عليها بنفس المغنم، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشّافعيّ: يملكون بنفس المغنم.

стр. 227

٤٤٥ - مسألة: ومن دخل دار الحرب وحده متلصصًا فغنم، أخذ منه الخمس. ولم يفصّل مالك بين دخوله بإذن الإمام أو بغير إذن، وبه قال الشّافعيّ. ومن أصحابه من قال: إن دخلها بغير إذن، لم يخمس. وقال أبو حنيفة: لا خمس فيه حتّى يكون جماعة لهم منعة. وقال أبو يوسف: إن كانوا سبعة ففيه الخمس. ٤٤٦ - مسألة: والذين يستحقون الغنيمة هم: الذين شهدوا الواقعة، وحضروا قبل حصول الغنيمة. وكل من جاء قبل أن تقضي الحرب وقبل حيازة الغنيمة، شارك فيها. ومن جاء بعد إنقضاء الحرب وحيازة الغنيمة، لم يستحق شيئًا سواء كانت في دار الحرب، أو نقلت إلى دار الإسلام [وهذا مذهبنا]، وبه قال الشّافعيّ والليث والأوزاعي وأحمد وأبو ثور، وهو مذهب أبي بكر وعمر ﵄. وقال أبو حنيفة: إذا لحقهم المدد بعد إنقضاء الحرب وإجازة الغنيمة، شاركوهم إذا كانت في دار الحرب ولم تقسَّم. ٤٤٧ - مسألة: ولا يقتل الرهبان وأهل الصوامع، وهذا فيمن اشتغل عن قتال المسلمين بعبادته، ولا قوة فيه، ولا بطش، ولا تدبير، ولا مضرّة على المسلمين في بقائه، والشيخ الفاني، وبه قال أبو حنيفة. وللشافعي قولان أحدهما: مثل قولنا، والآخر: يجوز قتلهم، وهو أصح قوليه.

стр. 228

٤٤٨ - مسألة: وتقام الحدود في دار الحرب على من وجبت عليه، بكل فعل يرتكبه المسلم في دار الإسلام، فيلزمه به الحدّ؛ سواء كان من حقوق الله، أو من حقوق الآدميين كالزنا والسّرقة وشرب الخّمْرِ والقذف، وبه قال الشّافعيّ. وقال أبو حنيفة: [كلّ حد لله تعالى إذا ارتكبه المسلم، أعني: إذا ارتكب ما يوجب الحدّ في دار الحرب، فإنّه لا يجب عليه؛ إن زنى فلا حد، وإن سرق فلا قطع، وكذلك إذا شرب الخّمْرِ أو قذف]. [ولكن] إن كان الإمام بنفسه فيها أقام الحدّ، وإن لم يكن إمام لم يقم. ٤٤٩ - مسألة: ولا يستعان بالمشركين على قتال العدو، ولا يعاونوا على قتال عدوهم. وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: يجوز ذلك. ٤٥٠ - مسألة: وما أحرزه المشركون من أموال المسلمين، ثمّ غنمه المسلمون فإن وجده صاحبه قبل القسم، فهو أولى به بغير ثمن، وإن وجده بعده فهو أولى به [٢٦/ ب] بقيمته، وبه قال النخعي وسفيان وأبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي. غير أن أبا حنيفة يقول: إن المشركين إذا غنموا بدار الإسلام، لم يملكوه حتّى يصل إلى دار الشرك. ومالك لم يفرق. وقال القاضي: لا فرق عندي في ذلك، فإنّه يحصل لهم شبهة ملك بذلك سواء. وقال الشّافعيّ: لا يملكون شيئًا، سواء حصل في أيديهم في دار

стр. 229

الإسلام وحصل في دار الحرب أم لا، فإذا غنمه المسلمون بعد ذلك، فصاحبه أحق به قبل القسم وبعده، يأخذه من يد من صار في يده من الغانمين، ويدفع السلطان للغانم قيمته من مال المصالح. وحكي أنّه قول أبي بكر وعلي وعبادة بن الصامت ﵃، ومن التابعين: عطاء، و [من الفقهاء]: ربيعة. وروي عن عمر ﵁ أن صاحبه أحق به قبل القسم، ولا حق له فيه بعد القسم، وهو لمن حصل في يده. وقال عمرو بن دينار والزهريْ إنّه للغانمين قبل القسمة وبعدها. وقال أبو حنيفة: إذا دخل مسلم إليهم تلصصًا، وأخذ مال المسلم الّذي حصل في أيديهم، فإنّه يكون أولى به، إِلَّا أن يعطيه صاحبه قيمته، فيكون أولى به. وهذا نتفق فيه نحن والشّافعيّ؛ لأنّه عندنا إذا حصل في يده بغير عوض، نهبه أو سرقه أو غيره، فصاحبه أولى به بلا ثمن. ونحن وأبو حنيفة نقول: إن المشرك إذا أسلم ومال المسلم في يده، فهو له، ولا سبيل لصاحبه إليه. وقال الشّافعيّ: صاحبه أولى به بغير ثمن. فالخلاف بيننا وبين الشّافعيّ في موضعين: أحدهما: أن للمشرك يدًا وشبهة ملك على ما أحرز. والموضع الآخر: أن صاحبه بعد القسم يأخذه بالقيمة. ويقول أيضًا: إنهم إذا أسلموا وهو في أيديهم فهو لهم. ويقول الشّافعيّ: هو لصاحبه. والخلاف بيننا وبين أبي حنيفة: أن المسلم إذا أخذ من أيدي الكفار شيئًا لمسلم بغير عوض، فنحن نقول: يأخذه صاحبه بلا شيء، ويقول أبو حنيفة: بالثّمن.

стр. 230

٤٥١ - مسألة: للفارس (١) [عندنا] ثلاثة أسهم؛ سهم له وسهمان لفرسه، وبه قال عمر بن الخطّاب وعلي ﵄، ولا مخالف لهما في الصّحابة، ومن التابعين: عمر بن عبد العزيز والحسن وابن سيرين ومن أهل المدينة، الأوزاعي ومن أهل الشّام، اللَّيث وأهل مصر، سفيان والشّافعيّ وأهل العراق، أبو ثور وأبو يوسف ومحمد وأحمد. وقيل: إنّه لم يخالف في هذه المسألة غير أبي حنيفة وحده، ولم يقل بقوله أحد، قال للفارس سهمان؛ سهم له وسهم لفرسه. وحكي عنه أنّه قال: أكره أن أفضّل بهيمة على مسلم. ٤٥٢ - مسألة: الهجن والبراذين بمنزلة الخيل إذا أجازها الوالي. و [الفرس من] الخيل: هي العراب. والبراذين: هي النبطية أبًا وأمًا. والهجن: أمه عربيّة وأبوه نبطي. والمعرب: الّذي أبوه عربي وأمه نبطية. وجميع ذلك سواء عندنا وعند أبي حنيفة والشّافعيّ. وقال أحمد: للخيل العراب سهمان، وللبرذون سهم. وقال مكحول (٢) والأوزاعي: لا يسهم إِلَّا لعربي، ولا يسهم لبرذون.

стр. 231

٤٥٣ - مسألة: لا يسهم إِلَّا لفرس واحد، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ. و [قال] الأوزاعي وأحمد وإسحاق: يسهم لفرسين، ولا يسهم لأكثر من ذلك، وبه قال أبو يوسف. وخالف أبو بكر ابن الجهم (١) مالكًا، وقال: أنا بريء من هذا القول، فإني رأيت من انتهى إليّ من الفقهاء وأهل الثغور والمجاهدين، يقولون: يسهم لفرسين، وإن صاحب الفرس الواحد شبه بالرجل؛ لأنّ الفرس الواحد لا تؤمن عليه الحوادث، وهي من الاثنين أبعد. قال أبو بكر: ومالك ﵀ لم يجاهد فيشاهد الأمر، ولعلّه ذهب عنه ذلك. ٤٥٤ - مسألة: إذا دخل دار الحرب فارسًا ثمّ مات فرسه قبل القتال، فلا سهم لفرسه كما لو مات هو قبل القتال، فأمّا إن مات فرسه [٢٧/أ]، في القتال أو بعده، أسهم له كما لو مات هو وقد شهد الوقعة، وبه قال الشّافعيّ. وقال أبو حنيفة: إذا دخل دار الحرب فارسًا، ثمّ مات فرسه قبل القتال (٢) أسهم له [من الغنيمة إذا حيزت]. ٤٥٥ - مسألة: اختلف النَّاس في فتح مكّة، فذهب مالك وأبو حنيفة، وجماعة من الفقهاء المتقدمين والمتأخرين، وأهل الأخبار والسير: إلى أنّها فتحت عنوة. وقال الشّافعيّ وحده: فتحت صلحًا.

стр. 232

٤٥٦ - مسألة: ومن غلّ عاقبه الإمام، ولم يحرق رحله ولم يحرم سهمه، وبه قال أهل العلم. وقال أهل الحديث: يحرق رحله ويحرم سهمه. ٤٥٧ - مسألة: وإذا ظهر منه التخذيل للمسلمين (١) لم يسهم له، وبه قال الشّافعيّ. وقال العراقي: يسهم له. ٤٥٨ - مسألة: إذا غنم المسلمون مواشي الكفار ودوابهم، وخافوا من كرّة العدو، وأخذها من أيديهم، فإنها تعقر؛ لئلا ينتفعوا بها، وكذلك إذا لم يتمكن من أخذها، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشّافعيّ: لا تقتل ولا تعقر، وتخلى. ٤٥٩ - مسألة: لم أجد نصًا لمالك في أمان العبد لمشرك، ولكنه قال: وأمان المرأة جائز، والصبي إذا عقل الأمان (٢). وكذلك عندي: أمان العبد؛ لأنّه احتج بقول [النبيّ] ﷺ : "يُجيرُ على القَومِ أَدْناهُم" (٣)، والعبد للرقال في فيه من الأدنى.

стр. 233

وقال عنه ابن القاسم: لم يجعل ذلك أمرًا يكون بيد أدناهم، لا مدخل للإمام فيه، و [لكن] الإمام ينظر فيما فعل باجتهاده. وقال الشّافعيّ: يجوز أمان العبد، ولا يجوز أمان الصبي؛ لأنّ الصبي لا تصح عقوده، فإن فعل رد المشرك إلى أمانه ولم يخفر أمانه؛ لأنّه دخل على أمان. وقال أبو حنيفة: لا يجوز أمان العبد، إِلَّا أن يأذن له سيده في القتال. ٤٦٠ - مسألة: ويجوز للإمام أن يمنّ على الأسرى الذين في أيدينا من الكفار؛ يطلقهم بغير شيء، وله أن يفادي بهم على مال، أو بمن في أيديهم من المسلمين. فأمّا قتلهم واسترقاقهم وإطلاقهم على أداء الجزية ويكونون أحرارًا، فلا خلاف فيه، والخلاف في المن والفداء. وقال الشّافعيّ والأوزاعي وأحمد وأبو ثور مثل قولنا. وقال أبو يوسف ومحمد: هو بالخيار بين القتل والاسترقاق والمفاداة بالمسلمين وبالأموال، وليس له أن يمن. وقال أبو حنيفة: ليس له المفاداة ولا المنن وهو أعم خلافًا. ٤٦١ - مسألة: إذا دخل الحربيّ إلينا بأمان، فأودع وباع وترك مالًا، ثمّ قتل بدار الحرب أو مات، فإنّه يردّ ماله وودائعه إلى ورثته، ولا يكون مغنومًا.

стр. 234

ولا خلاف في أمان ماله ما دام حيًّا، وكذلك نقول فيه بعد الموت عندنا، وبه قال الشّافعيّ في أحد قوليه، والآخر مثل أبي حنيفة. وقال أبو حنيفة: هو غنيمة. ٤٦٢ - مسألة: إذا سبي الزوجان معًا، فأحد قولي مالك: إنهما على نكاحهما، وبه قال ابن القاسم وإن سبي أحدهما دون إلآخر. وقال ابن القاسم في الرِّواية الأخرى [عند مالك]: إن السبي يهدم النِّكاح، سبيا جميعًا أو مفترقين. وقال في موضع آخر: إن سبيت قبل الزوج، انفسخ النِّكاح وحلت لمالكها؛ إذ لا عهد لزوجها. وهذا يدلُّ على أن سبي الزوج واسترقاقه، يحصل له عهدًا تبقى به - إذا سبيت بعده - معه على النِّكاح. وعند الشّافعيّ: إذا سبيا انفسخ النِّكاح سبيا معًا، أو أحدهما قبل الآخر، وهو مذهب سفيان وأبو ثور. وقال أبو حنيفة: لا ينفسخ نكاحهما إذا سبيا معًا، وينفسخ إذا سبي أحدهما قبل صاحبه، وهذا كله معناه: إذا استرقهم الإمام؛ لأنّ له أن يمن ويقتل أو يفادي على ما بيَّنَّا، فإذا استرق الرجال فوقعوا؛ حصل منه ما ذكرنا من الفرقة والبقاء. ٤٦٣ - مسألة: وإذا تعين فرض الجهاد على أهل بلد؛ لقرب العدو منهم، وكان فيهم من يجد الزّاد ويقوى به على المشي، لزمه فرض الجهاد وإن لم يكن له راحلة، وهو عندنا كالحج. وقال أبو حنيفة والشّافعيّ [٢٧/ب]: من شرطه الراحلة، إذا كان بينه وبين العدو قدر ما تقصر فيه الصّلاة.

стр. 235

٤٦٤ - مسألة: قال مالك: لا بأس بالجعائل في الثغور، يجعل القاعد للخارج، مضى النَّاس على ذلك، إن كانا من أهل ديوان واحد؛ لأنّ عليهم سد الثغور، وقد أدى القاعد إلى الخارج مائة دينار في أيّام عمر ﵁. وأصحاب أبي حنيفة يكرهون ذلك ما كان بالمسلمين قوة، أو في بيت المال ما بقي بذلك، فإن لم يكن بهم قوة ولا مال، فلا بأس أن يجهز بعضهم بعضًا، ويجعل القاعد للشاخص. وحاصل مذهبهم في ذلك: أن الجعالة له تكره إذا كانت على وجه البدل في الغزو في جميع الأحوال، وإذا كانت على جهة المعونة لم يكره. وهذا ينبغي أن لا يكون فيه خلاف. وقال الشّافعيّ: لا تصح النِّيابة في الجهاد أصلًا، بعوض ولا بغير عوض، فإن تطوع على إنسان وقع الجهاد عن نفسه. وهذا أيضًا ينبغي أن لا يكون فيه خلاف. قال: وإن جاهد بعقد [الجعالة] لم يصح، وكأنّه قال: إن جاهدت ذلك علي كذا وكذا، فإن جاهد لم يستحق عليه شيئًا. وهو موضع الخلاف. ٤٦٥ - مسألة: [قال مالك]: ويسهم للتاجر والأجير إذا قاتلوا، وهذا ينبغي أن يفصّل: فإن كان التاجر نوى الجهاد مع التجارة، أسهم له إذا حضر الوقعة قاتل أم لا، ولا أعلم فيه اختلافًا، وهو كالحاج ينوي التجارة، يسقط عنه الفرض وله الثّواب، قال الله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ [الحجِّ: ٢٨]، وقال [ابن عبّاس ﵄]: المنافع: التجارة والربح. وقيل: الثّواب. وإن قصد التجارة لا غير إِلَّا أنّه حضر، فإن قاتل أسهم له، وإن لم

стр. 236

يقاتل لم يسهم له؛ لأنّه بالقتال لا بالدخول حصل ناويًا وفاعلًا. والأجير أيضًا فيه تفصيل: فإن كان أجيرًا على فعل شيء بعينه؟ مثل: خياطة القميص، والأمر المعين الّذي لا يحتاج إلى ضرب مدة، وليس عليه إِلَّا ذلك العمل، فإن كان نيته مع ذلك الجهاد، وحضر الوقعة أسهم له قاتل أم لا. وإن كان مستأجرًا للخدمة مدة معينة، فخروجه لذلك الزّمان مستحق عليه، فإن حضر الوقعة لم يسهم له، فإن قاتل وانتفع به المنفعة التامة أسهم له. وأختلف قول الشّافعيّ فيهما معًا، فقال: سواء قاتلا أم لا، فإنّه يسهم لهما. وقال أيضًا: لا يسهم لهما، إِلَّا أن يقاتلا فيرضخ لهما. وعلى قوله: يسهم لهما، لم يفرق بين أن ينوي التاجر الجهاد أم لا. فالخلاف بيننا وبينه في موضعين: أحدهما: فيما إذا لم يقاتل وحضر ولم ينو الجهاد، ولا يسهم له عندنا، وعنده يسهم له على أحد القولين. والموضع الآخر: أنّه يسهم له عندنا إذا قاتل، ولا يسهم له عنده وإن قاتل على القول الآخر. ٤٦٦ - مسألة: ومن لم يبلغ الحلم وأطاق القتال فقاتل، أسهم له إذا كان ذكرًا مسلمًا [حرًّا]. وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا يسهم له. ٤٦٧ - مسألة: إذا أسلم الحربيّ وخرج إلينا، أو خرج ثمّ أسلم وترك ماله وولده بدار الحرب، فلا خلاف أنّه أحرز ذمته ونفسه.

стр. 237

واختلف في ماله وولده الّذي تركه، فاختلف مالك وأصحابه فيه: فقال أشهب وسحنون: قد أحرزه. وقال مالك: هو فيء إذا غنمه المسلمون. وقال غيره: يكون ماله وولده، إِلَّا أن يقسم ماله، فيكون له بالثّمن. وقال الشّافعيّ: قد أحرز جميع ماله وولده وأرضه. وقال أبو حنيفة: قد أحرز ما ينقل من ماله ويحول، وأرضه وعقاره إذا ظهر عليه المسلمون [٢٨/أ]، فهو غنيمة. وإن سبيت منه زوجته وهي حامل منه، استرقت وحملها، وإن كان منفصلًا فهو حر لاحق [به]. وأمّا أرضه؛ فقد أطلق مالك ولم يفرق، وقال: أحرز ماله، وقال أيضًا: يكون ماله فيئًا ولم يفرق. ٤٦٨ - مسألة: ومن سرق من الغنيمة حرًّا كان أو عبدًا ما يجب فيه القطع، قطع سواء كان من الغانمين أم لا، هذا قول مالك وابن القاسم ﵄. وقال غيرهما من أصحاب مالك: إن سرق مقدار حقه منها لم يقطع، وإن زاد مقدار ربع دينار (١) قطع. قال سحنون: من المسروق نفسه. وقال الشّافعيّ مثل هذا. وقال: إن زاد ما سرقه مقدار ربع دينار، فعلى وجهين: أحدهما: يقطع، والآخر: لا يقطع.

стр. 238

٤٦٩ - مسألة: إذا أسر العدو حرًّا مسلمًا، فاشتراه رجل من المسلمين بغير أمره، كان له أن يرجع عليه بما اشتراه به. وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا يرجع عليه بشيء منه. ٤٧٠ - مسألة: لا يجوز الرِّبَا بين مسلم وحربي في دار الحرب كدار الإسلام، وبه قال الشّافعيّ وأبو يوسف. وقال أبو حنيفة ومحمد: يجوز. ٤٧١ - مسألة: وإذا رأى الإمام أن يعطي القاتل سلب القتيل، أعطاه إياه من الخمس، لا من أصل الغنيمة. وقال الشّافعيّ: يعطيه إياه من أصلها. ٤٧٢ - مسألة: إذا وقع صبي وأمه في السبي، لم يفرق بينهما بالقسم، ولا في البيع حتّى يثغر. وروي أيضًا عن مالك: حتّى يبلغ. واختلف عن الشّافعيّ، فقال في أحد قوليه: حتّى يبلغ سبعًا أو ثمان سنين. وقال أبو حنيفة: حتّى يبلغ. ولم يختلف أبو حنيفة والشّافعيّ في ولد الحرّة، أنّه يخير إذا بلغ سبعًا أو ثمان سنين. واختلف قول مالك فيه أيضًا مثل ولد الأمة.

стр. 239

وحكي عن أحمد: أنّه لا يفرق بينهما وإن بلغ، هذا في ولد المسبية، وفي ولد الأُمَّة تكون لإنسان وإن لم تكن مسبية. والخلاف بيننا وبين أبي حنيفة والشّافعيّ قريب؛ لأنا نقول مثل قول كلّ واحد منهما، والخلاف البيّن بين الفقهاء وأحمد. ١٠ - فصل: فأمّا التفرقة بين الولد وأبيه، فتجوز عند مالك. ولا يجوز عند أبي حنيفة واحد قولي الشّافعيّ. ٤٧٣ - مسألة: قال مالك: إذا بيع الولد فسخ البيع، إِلَّا أن تختار الأم ذلك. وقال الشّافعيّ: البيع فاسد. وقال أبو حنيفة: البيع صحيح، والنهي عن التفرقة كراهة. ٤٧٤ - مسألة: لا يكون الولد مسلمًا بإسلام أمه دون أبيه، ويكون مسلمًا بإسلام أبيه دون أمه. وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: يكون مسلمًا بإسلام أمه مثل أبيه. ووجدته لكثير من أصحاب مالك وأظنه عن مالك [ولست أحققه الآن]. واختلف قول مالك إذا سبي صبي، فقال: لا يكون على دين السابي، وهو على دين أبويه في الكفر، إِلَّا أن يعقل ويجيب إلى الإسلام. وقال ابن القاسم: يكون على دين السابي. إِلَّا أني رأيته ذكر كذلك في المجوس، ولا ينبغي أن يكون بينهم وبين غيرهم فرق من طريق القياس، وعلى هذا القول يقول الشّافعيّ: إذا سبي الصبي مع أمه لا يكون [على دين] السابي، ويكون على دين أمه.

стр. 240

وينبغي أن يكون على قولنا الثّاني على دين السابي، إِلَّا أن يسبى مع أبيه، فيكون على دينه. ٤٧٥ - مسألة: لا يتوارث الحملاء، إِلَّا أن تقوم على أنسابهم بيّنة. [وفقه المسألة]: مثل: أن يخرج قوم من دار الحرب ثلاثة أو أربعة، فيسلمون أو يحصل من السبي شيء في ملك مسلم، ثمّ يعتقه المسلم فيصير حرًّا، وقد أسلم فيقر بنسب، فيكون مولاه الّذي أعتقه أحق بميراثه إن مات، إِلَّا أن تقوم بينة على صحة نسب فيورث به. وإن أقر بولد فينبغي عندي: أن ينظر في حال الولد، فإن كان ممّا جاء معه، وفي جملته [٢٨/ب] لم يقبل إقراره به، وإن أقام في بلد الإسلام مدة، يمكنه أن يتزوج أو يتسرى بعد عتقه، ويولد له، فإذا أقر به على هذا الوجه قبل. ولم يفصّل مالك هذا التفصيل من حيث أعلم. وبقولنا قال الشّافعيّ، وله في الولد أقاويل. ولا أعرْف الخلاف في هذه المسألة، وإنّما ذكرتها لئلا يكون فيها خلاف.

стр. 241

في أرض السواد ٤٧٦ - مسألة: كلّ ما افتتح أو يفتتح [عنوة]، فإن مالكًا ﵀ لا يرى قسمته بين الغانمين، ويكون وقفا يصرف خراجها في مصالح المسلمين أبدًا، وهو الّذي لا يسعه القليل من أرزاق المقاتلة والجند في أمصار المسلمين الذابين عن حريمهم وأموالهم وإصلاح سبيلهم، وبناء مساجدهم وإصلاح شربهم، وما لا تملك الإحاطة به ممّا لا بدَّ للمسلمين منه، ولولا ذلك فسد الأمر، ولم يمكن إصلاح ما لا بدَّ منه، إِلَّا بالمال الجسيم، ولا يقيمه (١) إِلَّا الخراج الّذي ترده الأرض المفتتحة. و [قال]: إن رأى الإمام العدل في وقت (٢) قسمة الأرض، إذا افتتحها الغانمون بينهم، فعل ذلك ومضى على ما يراه من المصلحة، ووافقنا أبو حنيفة والشّافعيّ على أن أرض السواد فتحت عنوة. وقال أبو حنيفة: إن عمر ﵁ لم يقسمها بين الغانمين، وأقر سكانها فيها، وضرب عليها الخراج الّذي هو الجزية، وهي ملك لأصحابها. وفرق بين المتاع وغيره من الأراضي، وقال: إذا غنمت الأراضي،

стр. 242

فالإمام بالخيار بين قسمتها بين الغانمين، و [بين] أن يملكها سكانها الذين هم فيها، ويضرب عليها الخراج وهي الجزية، [وبين أن يجلي سكانها عنها، ويأتي بقوم كفار غيرهم، فيسكنهم فيها ويملكهم إياها، ويضرب عليها الخراج، وهو الجزية]. فوافقنا في أرض السواد وما فعله عمر ﵁ فيها، وخالف فيما سواه من الخيار، وقال: إن عمر ﵁ أقرها على أملاكهم، وضرب عليهم الخراج. وقال الشّافعيّ مثل قولنا، إنها فتحت عنوة، ولكن عمر ﵁ قسمها بين الغانمين، لأهل الخمس خمسها، وأربعة أخماسها للغانمين، ثمّ رأى المصلحة في نقض القسمة فنقضها، وأن الإمام إذا غنم أراض، فلا يجوز له إِلَّا قسمتها بين الغانمين، وأن حكم الأراضي حكم المتاع وغيره. وبقولنا قال الأوزاعي. ٤٧٧ - مسألة: إذا صالح الإمام قومًا من الكفار على أن أرضهم لهم، وجعل عليها شيئًا، فهو كما يصالحهم على أن يؤدوا جزية رقابهم، فإن أسلموا سقط عنهم ما جعل على أرضهم، كما تسقط الجزية، وكذلك إذا اشترى مسلم منهم أرضهم، ثمّ أسلموا يسقط الخراج عن المسلم، على خلاف بين أصحابنا في بيع الأرض، وكون الخراج على المسلم. وبمثل قولنا قال الشّافعيّ. وقال أبو حنيفة: إن الصلحي إذا أسلم لا يسقط عنه خراج أرضه، الّتي صالح عليها، وكذلك لو اشتراها منه مسلم. ٤٧٨ - مسألة: إذا أسر مسلم فأحلفه المشركون أن لا يخرج من دارهم ولا يهرب، على أن يخلوه يذهب وينصرف، فإنّه يقيم ولا يهرب.

стр. 243

وقال الشّافعيّ: لا يسعه أن يقيم، وعليه أن يهرب ويمينه يمين مكره. ٤٧٩ - مسألة: الفيء و [خمس] الغنيمة لا يخمّسان، ويجريان مجرى الجزية والخراج، فينصرف الجميع في مصالح المسلمين، وكان النّبيّ ﷺ يأخذ من ذلك قوته وقوت عياله، لا سهم له معين، وكذلك كان يفعل الأئمة بعده. وقال أبو حنيفة: أربعة أخماس الفيء للغانمين، والخمس مثل قولنا. وحكى عنه الطحاوي مثل قولنا في الفيء كله. وقال الشّافعيّ [٢٩/أ]: يخمّس الفيء، فيكون لمن ذكر الله تعالى في كتابه؛ مثل خمس الغنيمة لله وللرسول ولذي القربى، وأربعة أخماسه يصرفه النبيّ ﷺ حيث شاء، وبعد موته على قولين: أحدهما: أنّه يصرف في المصالح، فيبدأ بالأهم فالأهم. والثّاني: أنّه يصرف في المقاتلة، ولم يختلف قوله في خمس الغنائم وخمس الفيء أنّه يخمس، فيستحقه من ذكر الله تعالى في كتابه: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١]. ١١ - فصل: وليس في الخمس سهم لله مفرد يصرف لعمارة الكعبة. وقال طاووس وغيره من التابعين: إنّه يصرف إلى الكعبة، وهو مذهب أبي العالية (١). وهو غلط. ولم يقله مالك وأبو حنيفة والشّافعيّ.

стр. 244

٤٨٠ - مسألة: قال الشّافعيّ: ويعطى القرابة للذكر مثل حظ الأنثبين. وخالفه المزني وأبو ثور [فقالا]: الذكر والأنثى سواء. وقال مالك وأبو حنيفة: إنّما يعطون بالفقر. ٤٨١ - مسألة: [عندنا: أن] الأنبياء لا يورثون، وكل ما تركوه يكون صدقة يصرف في مصالح المسلمين، وبه قال أهل العلم كافة. وقالت الشيعة: يورثون، فإن فاطمة والعباس وزوجات النّبيّ ﷺ ﵃ ظلموا حيث منعوا الميراث.

стр. 245

كتاب الجزية ٤٨٢ - مسألة: وتؤخذ الجزية من كلّ مشرك عربيًا كان أو أعجميًا، [من] أهل الكتاب وغيرهم، إِلَّا المرتدين، وهو قول الأوزاعي. وقال أبو حنيفة: تؤخذ من عجم عبدة الأوثان، كما تؤخذ من أهل الكتاب، ولا تؤخذ من عربهم. وقال الشّافعيّ: لا تؤخذ إِلَّا من أهل الكتاب، أو من له شبهة كتاب. ١٢ - فصل: ورأيت أن أتكلم على المجوس في أنّهم لا كتاب لهم. واختلف قول الشّافعيّ: فقال: لهم كتاب. ورجع فقال بقولنا. ٤٨٣ - مسألة: استرقاق القرشي [عندنا] جائز، وكذلك العرب إذا سبوا استرقوا كالعجم، ووافقنا الشّافعيّ على القرشي، وخالفه أبو حنيفة. واختلف قول الشّافعيّ في العرب إذا سبوا: فقال مثل قولنا، وقال أيضًا: لا يسترقون. ٤٨٤ - مسألة: أكثر الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير، وأهل الورق أربعون

стр. 246

درهمًا، ومن لم يطق منهم هذا المقدار، أخذ منه على قدر طاقته، ومن لم يجد شيئًا لم يطالب. وقال أبو حنيفة: على الموسر منهم ثمانية وأربعون درهمًا، وعلى المتوسط أربعة وعشرون درهمًا، وعلى الفقير المكتسب اثنا عشر درهمًا. وقال الشّافعيّ: يطالب كلّ واحد منهم بقدر طاقته وحاله، فالمتحمل الّذي معه شيء يسير يطالب بدينار، والمتوسط بدينارين، والموسر بأربعة، ولا يجوز أن يحقن دمهم بأقل من هذا. قال: فإن امتنعوا وقالوا ما نعطي أكثر من دينار، حرم قتالهم ببذل الدّينار، سواء كان الباذل (١)، موسرًا أو متوسطًا أو متحملًا. وقال الثّوريّ: هو إلى اجتهاد الإمام، إن شاء حقن دماءهم بدانق (٢)، أو بعشرة دنانير. ١٣ - فصل: ولا تجب الجزية على الفقير عندنا وعند أبي حنيفة. واختلف قول الشّافعيّ: فقال مثل قولنا، وقال أيضًا: تجب عليه وتعقد معه وتضرب عليه، وإن لم يكن معه ما يؤدي. ٤٨٥ - مسألة: إذا أسلم وعليه جزية أو مات، سقطت عنه، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشّافعيّ: لا تسقط. ٤٨٦ - مسألة: إذا حلّت على الذمي جزية سنة، وأمكنه أداؤها فتأخرت عنه حتّى حلّت سنة أخرى، وهو موسر قادر على أدائها، أخذت [٢٩/ ب] منه، وبه قال الشّافعيّ.

стр. 247

وقال أبو حنيفة: يؤخذ بالسنة الثّانية، ولا يطالب بالماضية. وقال أبو يوسف ومحمد مثل قولنا. ٤٨٧ - مسألة: حدّ الحجاز: مكّة والمدينة واليمامة. وأمّا جزيرة العرب: فأكثر من هذا. وحكي عن الأصمعي (١) أنّه قال: حدّ جزيرة العرب: من عدن إلى ريف العراق طولًا، ومن جدة (٢) وما وراءها إلى أطراف الشّام عرضًا. والكلام بعد هذا وهو: أن الكفار لا يقيمون بجزيرة العرب، ولا يسكنونها، بل يدخلونها بالميرة (٣) والتجارة وغير ذلك. وحكي عن أبي حنيفة: أنّه يجوز أن يسكنوا الحرم. وما أحقه عنه. وبقولنا قال الشّافعيّ، في أنّهم لا يسكنون الحجاز، واختلف قوله فيما زاد على ذلك من جزيرة العرب، فقال: لا يجوز، وقال: يجوز. ولم يختلف قوله في أنّهم لا يدخلون (٤) الحرم أصلًا، لا للتجارة والميرة ولا الحطب ولا غيره. ٤٨٨ - مسألة: إذا عاقد الإمام المشركين وهادنهم، على أن من جاءنا منهم مسلمًا

стр. 248

رددناه إليهم، فإنّه يردّ إليهم إِلَّا النِّساء المسلمات، فلا يردهن، وكذلك يرد عليهم رهائنهم من الرجال إذا أسلموا. وقال قوم: لا يردّ الرجال ولا النِّساء. وبمثل قولنا قال الشّافعيّ، غير أنّه قال: إنّما يجب ردهم، إذا كان لرهنهم وهي وعشرة يمنعون من قتله. وعندنا لا فضل. وحكي عن قوم: أن الرجال والنساء يردون. ٤٨٩ - مسألة: ومن اختلف من أهل الذِّمَّة بالتجارة إلى غير أفقه، أخذ منه العشر كلما اختلف وباع، فإن كان مرّة أخذ منه مرّة، وإن كان مرارًا، فكل مرّة عشر، ولا يقتصر على عشر واحد لكل سنة، وكذلك تجار أهل الحرب. وقد قال مالك ﵀: يؤخذ منهم ما صولحوا عليه. وحكي عن أبي حنيفة: أنا نعمل بهم كما يعملون بنا، إذا دخلنا إليهم بالتجارات، فإن عشرونا عشرناهم، وإن خمسونا خمسناهم، وإن أخذوا مرّة في السنة أخذنا كذلك، يعني. تجار الحرب. وحكي عن الشّافعيّ: العشر، وقال: إذا دخلوا الحجاز، لم يؤخذ منهم إِلَّا مرّة في السنة، وفي غير الحجاز ينظر؛ فإن صالحهم الإمام على مرّة في السُّنَّة فذلك، وإن كان على كلّ مرّة جاز، وإن لم يشارطهم، أخذ منهم العشر مرّة واحدة في السُّنَّة، وإن تجروا مرارًا.

стр. 249

من كتاب المناسك ٤٩٠ - مسألة: ومن قدر على الوصول إلى البيت ببدنه، لزمه فرض الحجِّ وإن لم يجد الراحلة، وهو بمنزلة من وجدها ولا يقوى على المشي، وقال بذلك الضحاك وعكرمة. وقال أبو حنيفة والثوري والشّافعيّ وأحمد وإسحاق: وجود الراحلة شرط، [فمن] لم يجدها لم يجب عليه فرض الحجِّ. ٤٩١ - مسألة: المعضوب الّذي لا يثبت على الراحلة؛ إمّا لكبر أو ضعف أو زمانة أو غيره، لا يلزمه عندنا الحجِّ، وإن وجد المال وأمكنه أن يحج غيره عنه. وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: هو مستطيع بالمال، يلزمه أن يحج غيره يؤدِّي عنه فرض الحجِّ. وقال الشّافعيّ: إذا بذل له ابنه الطّاعة في أن يحج عنه وهو غير واجد للمال، لزمه فرضه. وخالفه أبو حنيفة، فقال: لا يلزمه إِلَّا أن يكون واجدًا [للمال، يمكن أن] يحمل غيره عنه. ٤٩٢ - مسألة: الأعمى إذا وجد من يهديه الطريق قائدًا يقوده أو غير ذلك، وهو يقدر

стр. 250

على الوصول بنفسه، وجب عليه الحجِّ، وبه قال الشّافعيّ. وقال أبو حنيفة [٣٠/أ]،: له أن يحج غيره عنه إن كان له مال، وإلا لم يجب عليه، كما [قال] في المعضوب الّذي لا يثبت على الراحلة. ٤٩٣ - مسألة: إذا مات ولم يحج سقط عنه، ولم يخرج من ماله إِلَّا أن يوصي بذلك، فيكون من ثلثه، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشّافعيّ: إذا مات بعد وجوب الحجِّ عليه، قضى عنه من رأس ماله، وإن لم يترك شيئًا، وتطوع عنه إنسان، سقط عنه الفرض الّذي كان عليه. ٤٩٤ - مسألة: يجوز أن يحج عن غيره قبل أداء فرضه، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشّافعيّ: لا يجوز، وإن أحرم عن غيره، صار عن نفسه كان قادرًا على الحجِّ أم لا. قال: وكذلك لا يجوز أن يتطوع قبل أداء فرضه، وإن أحرم بالتطوع صار عن فرضه، وبه قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق، وهو مذهب ابن عبّاس ﵄ فيما حكي. وقال أبو حنيفة: يتطوع قبل أداء فرضه. وعندي: أنّه لا يجوز؛ لأنّ الحجِّ عندنا على الفور (١)، فهو مضيق مثل وقت الصّلاة إذا ضاق، فلا يجوز التطوع قبل الأداء، غير أنّه إذا أحرم به لزمه، ولم يكن عن فرضه؛ لخلاف النَّاس في ذلك. هذا إذا كان قادرًا على الحجِّ، فإن لم يكن قادرًا ببدنه، ولم يقدر على الراحلة، جاز له أن يحج عن غيره إذا أعطي ما يحج به.
следующие страницы →