٣١٧ - مسألة:
[اختلف العلماء]: إذا أخذ الإمام الزَّكاة ممّن يعلم أنّه لا يخرجها بغير اختياره، فقال مالك والشّافعيّ: تجز عنه، ورأيت مثله لأبي حنيفة [١٨/ب].
وروي عنه أن الإمام يحبسه ويلجئه إلى الإخراج، ولا يأخذها هو منه.
وحكي عن قوم: أنّها لا تجزئه؛ لأنّه لم ينوها كالصلاة.
٣١٨ - مسألة:
إذا لم يوص الميِّت بإخراج الزَّكاة، وقد علم ورثته بها، استحب لهم الإخراج عنه، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: يخرج من أصل ماله.
٣١٩ - مسألة:
إذا أوصى بزكاة ووصايا، فقال مالك: تبدأ الزَّكاة إذا ضاق الثلث.
وقال أبو حنيفة: هي والوصايا سواء.
٣٢٠ - مسألة:
[لأبي تمام]: وتوسم ماشية الزَّكاة؛ لتتميز عن غيرها، وبه قال الشّافعيّ.
وقال العراقي: لا توسم.
стр. 177
زكاة الحبوب والثمار
٣٢١ - [مسألة]:
لا يجب في الحبوب والثمار زكاة حتّى تبلغ خمسة أوسُق (١)، وبه قال الشّافعيّ وأبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: يجب العشر أو نصف العشر، من قليله وكثيره.
وقيل: إنّه خالف الإجماع.
٣٢٢ - مسألة:
لا زكاة في الفواكه، مثل: الرمان والتفاح والخوخ، وما أشبه ذلك كله، ولا البقول كلها، وبه قال الأوزاعي والشّافعيّ وأبو يوسف ومحمد وداود.
وقال أبو حنيفة: في قليل ذلك وكثيره الزَّكاة، ووافقه أبو يوسف ومحمد في الثمار دون الخضراوات.
٣٢٣ - مسألة:
ويؤخذ من زيت الزيتون الزَّكاة، إذا بلغ حبه خمسة أوسق، وبه قال أبو حنيفة، ويقول: يؤخذ من قليله وكثيره.
стр. 178
وبقولنا قال أبو يوسف ومحمد [في المقدار].
وقال الشّافعيّ في أحد قوليه: لا زكاة فيه.
٣٢٤ - مسألة:
يخرص (١) النخل والكرم حين يطيب، وبه قال الشّافعيّ.
وحكى [أصحابنا وأصحاب الشّافعيّ] عن أبي حنيفة: أنّه منع منه.
ورأيت لبعض [شيوخنا: لأبي حنيفة] (٢) - ممّن أثق بقوله - أنّه يقول: إن رأى الإمام الحظ في خرص ذلك حفظًا للمساكين عن أرباب المال، جاز ذلك.
٣٢٥ - مسألة:
لا زكاة في العسل، وهو أصح قولي الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: فيه العشر.
٣٢٦ - مسألة:
يجمع البرّ والشعير في الزَّكاة، إذا أخرجت أرضه وسقين قمحًا، وثلاثة شعيرًا وجبت الزَّكاة.
وقال الشّافعيّ: لا يجمع، وبه قال أبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: تجب في قليله وكثيره. وهما عندهم جنسان يجوز بيعهما متفاضلة بعضها ببعض، وهي عند مالك جنس واحد.
стр. 179
٣٢٧ - مسألة:
يجمع العشر والخراج على رجل واحد في أرض واحدة، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يجتمعان.
٣٢٨ - مسألة:
ومن اكترى أرضًا فزرعها، فزكاة ما تخرجه على المستأجر، وبه قال الشّافعيّ وأبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: على المؤاجر.
стр. 180
زكاة العين
٣٢٩ - مسألة:
[لأبي تمام]: إذا نقصت مائتا درهم (١) يسيرًا تجوز به جواز الوازِنة (٢) ففيها الزّكاة.
وحكى لنا الشّيخ [الأبهري] عن شيوخه أن معنى هذا: أنّها تنقص في ميزان وتصح في آخر، لم يضر اختلاف الموازين.
وحكي عن عمر بن عبد العزيز: إن نقصت ثلاثة دراهم، أو ثلاث دنانير في الدّينار (٣)، ففيها الزَّكاة، وهو قول محمّد بن مسلمة.
وقال الشّافعيّ وأبو حنيفة وأصحابهما: لا زكاة فيها.
وقال بعض الشّافعيّة: لو نقصت في ميزان واحد من موازين في درب عون كله حبة أو حبتين، فلا زكاة فيها.
стр. 181
٣٣٠ - مسألة:
وما زاد فبحسابه في الذهب والورق، فيخرج من الزيادة قليلًا كان أو كثيرًا الزَّكاة، وبه قال الشّافعيّ وأبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: لا شيء في الزيادة حتّى تبلغ أربعين درهمًا أو أربعة دنانير.
٣٣١ - مسألة:
ويضم [١٩/أ] الذهب إلى الورق في الزَّكاة، [فما كان له مائة درهم وعشرة دراهم، فعليه الزَّكاة]، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه.
وقال الشّافعيّ وأصحابه: لا يضم.
٣٣٢ - مسألة:
قال داود: يجب على الإمام إذا أخذ الزَّكاة أن يدعو لربها.
وقال جميع الفقهاء: لا تجب.
٣٣٣ - مسألة:
إذا نقص نصاب الذهب أو الورق في خلال الحول، ثمّ أفاد إلى الباقي فائدة فتم بها نصابًا، وليس من ربحه، فلا زكاة فيه حتّى يحول الحول من يوم الفائدةُ، وبه قال الشّافعيّ وزفر.
وقال أبو حنيفة وباقي أصحابه غير زفر: يعتبر طرفا الحول مع بقاء شيء من النصاب في وسطه.
٣٣٤ - مسألة:
لا زكاة في العلّي المتخذ للبس على الوجه المباح، وهو قول عمر وجابر وأنس وعائشة وأسماء وابن عبّاس ﵃، والشّافعيّ في أحد قوليه.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: فيه الزَّكاة.
стр. 182
٣٣٥ - مسألة:
تجب الزَّكاة في العروض إذا كان لها حول وبيعت بنصاب وهي للتجارة، وإن لم تبع قوّمت على وجه ما، وبه قال سائر الفقهاء.
وقال داود: لا تجب [الزَّكاة] في عروض التجارة؛ كعروض القنية.
٣٣٦ - مسألة:
إذا كانت العروض للتجارة مرصدة بها للنماء، لا تقوّم في كلّ عام للزكاة وإذا قامت سنين، حتّى تباع بعين، فتزكّى لحول واحد، إِلَّا أن يكون صاحبها مديرًا ولا يعرف حول ما يشتري فيه ويبيع، فيجعل لنفسه شهرًا في السنة يقوّم فيه ما عنده، ويزكّيه مع ناض (١) إن كان عنده.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: يقوّم في كلّ سنة، ويزكّي على القيمة مديرًا كان أو غيره.
٣٣٧ - مسألة:
إذا اشترى سلعة للتجارة، فنض ثمنها مع ربحه قبل الحول، زكّى الربح والأصل لحول الأصل، وبه قال أبو حنيفة.
وللشافعي قولان: أحدهما مثل قولنا، والآخر: يستأنف بالربح حولًا.
٣٣٨ - مسألة:
إِذَا أقام عنده نصاب من الدراهم أحد عشر شهرًا، فاشترى به عشرين دينارًا، أو تمّ الحول، أو كان عنده نصاب دنانير أحد عشر شهرًا، فاشترى به دراهم تجب في مثلها الزَّكاة، فإنّه يزكي لحول الأصل ولا يستأنف للثاني حولًا، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: يستأنف بالثّاني حولًا.
стр. 183
٣٣٩ - مسألة:
إذا نصّ ثمن العروض عند الحول، وكان نصابًا أو حال الحول، وهو مدير والسلعة باقية، فالزكاة واجبة وإن لم يكن في أول الحول وقت الشراء نصابًا، وبه قال الشّافعيّ، واختلف أصحابه على وجوه.
وقال أبو حنيفة: لا تجب الزَّكاة، إِلَّا أن يكون في أول الحول وآخره نصابًا، فاعتبر الطرفين جميعًا.
٣٤٠ - مسألة:
لا تصير العروض للتجارة لمجرد النية، حتّى تنقل من ملكه إلى ملك غيره بعوض، ينوي به التجارة حين ينتقل العرض الأوّل.
فلو اشترى عرضًا لا ينوي به التجارة، ثمّ نوى للتجارة وأعده للتصرف، لم تجب الزَّكاة بهذه النية، حتّى يبيعه ويشتري عرضًا آخر ينوي به التجارة، فتجب الزَّكاة في ثمنه إذا باعه، ويقومه إن كان مديرًا، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ وأحمد وإسحاق والحسين الكرابيسي (١).
وحكي عن أبي ثور أنّه يصير للتجارة بمجرد النية، قال: لأنّه إذا كان للتجارة ونوى به القنية وترك التصرف فيه سقطت الزَّكاة، فتجب إذا كان للقنية ونوى به التجارة أن يكون كذلك ولا فرق.
قالوا: ولأن النبيّ ﷺ قال: "وإنّما لكُلّ أمرىءٍ ما نَوَى" (٢).
стр. 184
وروى ابن عبد الحكم عن مالك أنّه قال: لا ينقل مال التجارة بمجرد النية للقنية، فإن باعه بنصاب زكاه مكانه، أو أضافه إلى ما تجب معه فيه الزَّكاة.
وروى [١٩/ب] ابن القاسم عنه أنّه يعود للقنية بمجرد النية، فيقول: إنّه لا يعود قنية بالنية دون الإمساك وترك تقليبه، وكذلك لا يصير للتجارة بالنية حتّى يحصل الشراء للتجارة وهو عمل يقارنه، وكذلك الآخر الإمساك وترك التقليب عملان يقارنه مع نيّة، والأمران سواء.
٣٤١ - مسألة:
لا تمنع زكاة التجارة في الرّقيق زكاة الفطر إذا كان مسلمًا، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: إذا كانوا مسلمين للتجارة والمالك مسلم، لم تجب فيهم زكاة الفطر.
واحتج بأن زكاة الفطر زكاة، وكذلك [زكاة] التجارة، ولا تجتمع زكاتان على مسلم في ملك واحد وهما من جنس واحد، كما أن زكاة التجارة في الماشية لا تجتمع مع زكاة الماشية في جنس واحد من الماشية.
وهذا غلط؛ لما رواه [مالك عن نافع (١) عن] ابن عمر ﵄[قال]: فَرَضَ النَّبيُّ ﷺ صَدَقَةَ الفِطرِ صاعًا مِن تمرٍ أو صاعًا مِن شَعِير عَلَى كُلّ مُسلِم حُرّ وعَبد ... كذا الحديث (٢). وهو عام لم يخص بعبد تجارة أو قنية.
стр. 185
٣٤٢ - مسألة:
إذا اشترى ماشية للتجارة فحال عليها الحول وهي نصاب، زكاها زكاة الماشية لا زكاة القيمة، وسواء كان مديرًا أو غير مدير.
وكذلك إذا اشترى نخلًا للتجارة فأثمرت، فإنّه يزكي الثمرة العشر أو نصف العشر من عين الثمرة، لا على قيمة الشجرة ولا قيمة الثمرة.
وكذلك كلّ ما يشتريه ممّا لو لم يكن للتجارة، لوجب فيه الزَّكاة في عينه إِذَا كان نصابًا، فإنّه يزكيه زكاة العين.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ في أحد قوليه -وهو الأضعف-: إنّه يزكي زكاة القيمة، لا زكاة عين. والآخر مثل قولنا، وهو الصّحيح عندهم.
٣٤٣ - مسألة:
ومن أخذ مالًا قراضًا فأقام بيده حولًا فربح فيه، فلا يزكيه حتّى يرده إلى ربه، فيتقرر له ربحه.
[وصورة المسألة: أن رجلًا دفع إلى رجل ألف درهم قراضًا، على أن يعمل فيها، فما كان من ربح فهو بينهما نصفين، ثمّ حالي الحول والمال ألفان؛ ألف منها رأس المال وألف ربح، فإنّه لا يخرج زكاة عن رب المال، ولا عن نفسه حتّى يدفعه إلى ربه]؛ لجواز أن يكون على ربه دين يغترقه على أصولنا في الدِّين.
ولا يزكي العامل نصيبه حتّى يقتسما، فإذا صار لرب المال من رأس ماله وربحه ما تجب فيه الزَّكاة، زكى ذلك وزكى العامل ما صار إليه من الربح، قليلًا كان أو كثيرًا للعام الّذي تفاصلا فيه، وما كان قبل ذلك من السنين، زكى رب المال على ما كان يزكي كلّ سنة.
وهذا يدلُّ على أن الزَّكاة في الأصل، والربح على رب المال إذا كان العامل قد أدى (١) المالى [والربح، ما تجب فيه الزَّكاة، زكى الجميع].
стр. 186
وقد روي عن مالك أنّه يراعي الجميع، فإذا كان رأس المال [والربح] ما تجب فيه الزَّكاة، زكى الجميع ثمّ اقتسما الربح بعد ذلك، فهذا إذا لم يكن في الماضي نصاب، وإنّما هو في وقت المفاصلة.
واختلف قول الشّافعيّ في نصيب العامل، فقال: يزكي رب المال عن رأس ماله، وعن نصيبه من الربح؛ لأنّ ذلك ملكه.
وهل يزكي على العامل؟ فيه قولان أحدهما: يلزمه، وهو اختيار المزني.
والآخر: لا يلزمه، ويلزم العامل زكاة نصيبه من الربح، وهو قول أهل العراق. وهذا على أصولهم أنّه يزكي في كلّ سنة، ولا يؤخر إلى المفاصلة.
غير أن مذهبنا ومذهب المزني سواء، وهو أن الزَّكاة في ماضي السنين على رأس المال، والربح على رب المال.
وهذه المسألة عندنا على أن العامل لا يملك الربح حتّى تقسم، فإذا قسم ملك، والزكاة في الماضي على رب المال؛ لأنّه مالك.
٣٤٤ - مسألة:
من معه مائتا درهم، وعليه مثلها دين، ولا عرض له يفي بما عليه، فلا زكاة عليه في العين والورق خاصّة.
وبه قال أبو حنيفة، والدين يمنع الزَّكاة في المال؛ عينًا كان أو عرضًا أو ماشية [٢٠/أ]، بخلاف الثمار والحبوب.
وبمثل هذا قال الشّافعيّ في القديم، وجعل الحبوب والثمار بمنزلة الماشية، وهو قول سليمان بن يسار (١) والحسن والليث والثوري وأحمد وإسحاق.
стр. 187
وقال الشّافعيّ في الجديد: لا يمنع الدّين الزَّكاة، وقال: لو كانت له مائتا درهم، وعليه دين عشرة آلاف، لم تسقط عنه الزَّكاة، وذهب إليه حماد ابن أبي سليمان وربيعة وابن أبي ليلى.
وبقول مالك قال الأوزاعي.
٣٤٥ - مسألة:
ومن له على إنسان دين، فلا زكاة عليه فيه وإن أقام سنين حتّى يقبضه، فيزكيه لسنة واحدة، هذا إذا كان أصله في يده ثمّ صار دينًا، وهو قول عطاء بن أبي رباح وعطاء الخراساني (١) وابن المسيَّب.
وقال قوم: ليس في الدِّين زكاة حتّى يقبض فيزكي لماضي السنين، إِلَّا قدر الزَّكاة في كلّ سنة، وهو قول الثّوريّ وأبي حنيفة وأصحابه.
وقال قوم: ليس في الدِّين زكاة، ويستأنف به الحول بعد قبضه، وحكي هذا عن عائشة وابن عمر ﵃، وعكرمة وعمرو بن دينار، وقال به الشّافعيّ في القديم.
وقال بعض أصحابه: معناه: إذا كان على غير مليء.
والصّحيح من قوله: إنّه يزكيه في كلّ سنة، وإن لم يقبضه إذا كان على مليء، وبه قال سحنون.
٣٤٦ - مسألة:
يكره أن يشتري الرَّجل صدقته ولا يفسخ إن وقع، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
وقال قوم: لا يجوز ويفسخ، واحتجوا بقول النبيّ ﷺ لعمر-
стр. 188
رضي الله عنه - لما تصدق بفرس [في سبيل الله، فوجده يباع]، وأراد شراءه: "لا تَفعَلْ، ولا تَعُد في صَدَقتِك" (١).
قالوا: وهو قياس الأضحية، لا يجوز بيع اللّحم؛ لعلّة أنّه أخرجها قربة إلى الله.
٣٤٧ - مسألة:
لا زكاة فيما يخرج من المعادن إِلَّا أن يكون ذهبًا أو فضة، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: كلّ ما ينطبع؛ كالنحاس، والرّصاص، والحديد، والذّهب، والفضّة، ففيه الخمس، و [أمّا] ما لا ينطبع؛ كالفَيْروزَج (٢)، والموميا (٣)، والعقيق (٤) وغيره، فلا شيء فيه.
٣٤٨ - مسألة:
وما خرج منها من الذهب والفضة بتعب ومؤنة، ففيه ربع العشر إذا كان نصابًا، وما خرج من النَّدرة (٥) والكلية (٦) بغير تعب، ففيه الخمس، وبه قال الشّافعيّ في أحد قوليه. وفي قول آخر: ربع العشر على كلّ حال، في قليله وكثيره، وبه قال أحمد وإسحاق.
وقال أبو حنيفة: فيه الخمس على كلّ حال، وحكي مثله عن الزّهريُّ.
وقد حكي عن المروزي وغيره من أصحاب الشّافعيّ: أن له قولًا آخر كقول أبي حنيفة أنّه ركاز.
стр. 189
٣٤٩ - مسألة:
وما خرج من البحر؛ مثل: اللؤلؤ والياقوت والعنبر والمسك والطير (١)، فلا زكاة فيه، إِلَّا أن يكون ذهبًا أو ورقًا غير مصوغ، ففيه الزَّكاة، وإن كان مصوغًا فهو ركاز، [فيه الخمس].
وقال أبو حنيفة: لا شيء فيما يخرج من البحر من الذهب والفضة.
وبما قلنا قال سائر الفقهاء فيما يخرج منه سوى الذهب والفضة.
وقال أبو يوسف: في اللؤلؤ [والجوهر] والياقوت والعنبر الخمس؛ لأنّه نماء معجّل فأشبه الركاز. [وهذا غلط].
٣٥٠ - مسألة:
[ولا تجب الزَّكاة فيما يجب فيه من المعدن، حتّى يبلغ نصابًا، وبه قال الشّافعيّ في كتبه كلّها.
وغلط عليه بعض أصحابه، فقال: يجب في قليله وكثيره.
وقد بيّنا أن الخمس لا يجب إِلَّا في الندرة منه، ومضى الكلام عليه].
ويزكي النصاب ممّا يخرج من المعدن في الحال، وبه قال أبو حنيفة وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي.
وللشافعي قولان: أحدهما: مثل قولنا، والآخر: يستقبل به الحول، وبه قال المزني.
٣٥١ - مسألة:
الزَّكاة تجب في المعدن تصرف مصرف [٢٠/ب] الزَّكاة.
وقد تقدّم القول في أنّها زكاة، وبه قال الشّافعيّ.
[وقال أبو حنيفة]: تصرف مصرف خمس الغنيمة.
стр. 190
مسائل زكاة الفطر
٣٥٢ - مسألة:
الأصل في زكاة الفطر قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى: ١٤، ١٥]. قال عمر بن عبد العزيز وسعيد بن المسيَّب: هي صدقة الفطر، وقال عطاء: هي الصدقات كلها. وقال عكرمة: معناه: قد أفلح من قالة لا إله إِلَّا الله، وقال ابن عبّاس ﵄: قد أفلح من تزكى من الشرك، وقال ابن مسعود ﵁: من إذا خرج من الصّلاة تصدق بشيء إن استطاع (١).
وقال مالك: هي داخلة في قولهْ ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣].
وروي عنه وعن أكابر الصّحابة: أنّها ممّا بيّن الرسول ﷺ وفرض، على ما جاء في الحديث (٢).
ومعنى هذا: أنّه ﷺ فرض مقدارها أي قدّره، وإلا فهي فرض، وبه قال الشّافعيّ، وكل فرض واجب.
وقال أبو حنيفة: هي واجبة وليست بفرض [وكل فرض عنده واجب، وليس كلّ واجب فرضًا، بل الفرض آكد من الواجب،، وكذلك الوتر، وكأنّه وافق في المعنى وخالف في الاسم، وقال: هي تجري مجرى المؤنة وليست بزكاة.
стр. 191
٣٥٣ - مسألة:
لم يختلف علماء الأمصار في أن السَّيِّد عليه أن يخرج عن عبيده المسلمين.
وحكى قوم من أهل الظّاهر: أن زكاة الفطر على العبد في نفسه، وعلى السَّيِّد أن يمكنه من اكتساب ذلك وإخراجه عن نفسه.
واستدل من صار إلى هذا بقوله ﷺ في الحديث: "صَاعًا مِنْ كَذا أَو صَاعًا مِنْ كَذا، عَلى كُلِّ حُرِّ أو عَبْدٍ"، وهذا يقتضي أن تكون على العبد في نفسه؛ لأنّها حقيقة الكلام كالحر؛ لأنّه لا يصلح أن يخاطب مثله.
٣٥٤ - مسألة:
إذا كان الولد صغيرًا موسرًا، فنفقته وزكاة فطره في ماله، وبه قال الشّافعيّ وأبو حنيفة.
وقال محمّد: نفقته في ماله، وزكاة الفطر على أبيه. وهذا غلط.
٦ - فصل:
[وأمّا الولد]؛ فإن كان بالغًا زَمِنًا فقيرًا، فلا خلاف عندنا وعند الشّافعيّ أن النفقة وزكاة الفطر تلزم الأب.
وقال أبو حنيفة: لا تلزم الأب زكاة عنه؛ لأنّه لا ولاية له عليه وهو كالأجنبي، فاعتبر الولاية. وهذا غلط.
٣٥٥ - مسألة:
وإذ لزمته نفقة زوجته المسلمة؛ لزمته زكاة الفطر عنها، وبه قال الشّافعيّ وأحمد وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة والثوري: زكاة فطرها عليها، وإن أخرج الزوج عنها بغير إذنها لم تجزها.
٣٥٦ - مسألة:
إذا كان له عبد آبق أو غائب قد أيس منه ولا يرجوه، لم تلزمه زكاة
стр. 192
الفطر عنه، وبه قال عطاء والثوري وأصحاب الرأي.
وقال الأوزاعي: يزكي عنه إذا كان في دار الإسلام.
وفي أحد قولي الشّافعيّ: يزكي عنه، وبه قال أبو ثور.
وقوله الآخر: لا يزكي عنه، وإذا وجده زكى عنه لما مضى.
٣٥٧ - مسألة:
لا يزكي عن عبده الكافر، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: يزكي عنه.
٣٥٨ - مسألة:
اختلف قول مالك في وقت وجوبها، فقال: تجب برؤية الهلال أو كمال عدة رمضان، فإذا دخل اللّيل وجبت.
وقال: تجب بطلوع الفجر من يوم الفطر، وبه قال أبو حنيفة.
وبالأول قال الشّافعيّ.
٣٥٩ - مسألة:
إذا كان عبد بين نفسين، زكى كلّ واحد عنه بقدر ملكه منه، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا زكاة عليهما فيه.
٣٦٠ - مسألة:
المُدّ: رطل (١) وثلث (٢)، والصاع: أربعة أمداد (٣)، فذلك [٢١/أ]
стр. 193
خمسة أرطال وثلث بالبغدادي، وهو صاع النّبيّ ﷺ وصاع المدينة، وبه قال الشّافعيّ وأبو يوسف.
وقال أبو حنيفة ومحمد: المُدّ: رطلان، والصاع: ثمانية أرطال.
٣٦١ - مسألة:
من ملك فضلًا عن قوت يومه أخرج زكاة الفطر، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا يخرج حتّى يملك مائتي درهم.
٣٦٢ - مسألة:
لا يجزئ في صدقة الفطر أقل من صاع حنطة؛ مثل: التّمر والشعير، وبه قال الشّافعيّ وأبو حنيفة في أحد روايتيه.
والأظهر من قوله: نصف صاع حنطة، ومن التّمر والشعير صاع.
٣٦٣ - مسألة:
إذا كان قوته وقوت بلده في الغالب حنطة، لم يجزه أن يخرج غيرها، إِلَّا ألَّا يمكنه فيخرج ممّا يأكل منه، وبه قال الشّافعيّ وأبو حنيفة.
وقال أصحابه: [لأنّ جميعه قوت يجوز في صدقة الفطر]، فأي جنس أخرج أجزأه؛ لأنّه إذا جاز أن يخرج البرّ مكان الشعير، جاز أن يخرج الشعير مكانه، ولأن النبيّ ﷺ خيّر في الجميع ولم يرتب وقال: "أَغنوهُم في هَذا اليَومِ" (١) ولم يفرّق.
стр. 194
قسم الصدقات
٣٦٤ - مسألة:
إذا كان الإمام عدلًا، فله أخذ الزكوات في الأموال الباطنة والظاهرة.
والباطنة إن زكاها ربها أجزأه.
وقيل: لا يجزئه، وبه قال أبو حنيفة، إن أخذ الجميع إلى الإمام، وأرباب الأموال الباطنة كالوكلاء للإمام في تفريقها.
وهذا عندي يوافق قولنا؛ لأنّ مالكًا شدّد في أن الأموال الباطنة لا يسع أربابها أن لا يدفعوها إلى الإمام، أإذا كان الإمام عدلًا].
واحتج بأن أبا بكر الصديق ﵁ كان يسأل أهل العطاء، هل عندهم شيء يؤدّون (١) زكاته ليحاسبهم به من أعطياتهم.
وقال الشّافعيّ: زكاة الأموال الباطنة إلى أربابها دون الإمام.
واختلف قوله في الظاهرة، فقال في القديم مثل قولنا: لا يفرّقها ربها، وبدفعها إلى الإمام، وإن تولى هو ذلك ضمن.
وقال في الجديد: له أن يفرّقها، والأحسن أن يدفعها إلى الإمام، وهو قول الحسن والنخعي.
стр. 195
٣٦٥ - مسألة:
إذا رأى الإمام صرف الزَّكاة إلى صنف واحد باجتهاده لشدة الحاجة، أجزأ ذلك ولم يضمن، وبه قال الحسن والثوري والشعبي وأبو حنيفة وأصحابه.
وقال الشّافعيّ: إن أخلّ بصنف من الثمانية المذكورة في الكتاب، ضمن إن كانوا موجودين، والعامل إن كان قد عمل، وذكر أنّه قول عكرمة وعمر بن عبد العزيز، وكذلك قال في صدقة الفطر.
٣٦٦ - مسألة:
الصَّدقة والزكاة بمعنى واحد وهما اسمان لمسمى، وبه قال الشّافعيّ فيما يؤخذ من الماشية والذهب والفضة والثمار والزرع.
وقال: وإن كان الغالب على أفراد النَّاس أنّه: العشر في الزّرع والثمار، والمأخوذ من الماشية زكاة، والمأخوذ من الرقة صدقة، غير أن الجميع زكاة وصدقة.
وقال أبو حنيفة: المأخوذ من الزّرع والمْار لا يسمى صدقة ولا زكاة، وإنّما هو العشر، فخالف في التّسمية.
٣٦٧ - مسألة:
وإذا وجد المستحقون للزكاة في البلد الّذي أخذت فيه، لم تنتقل إلى غيره، وإن فضلت فضلة، صرفت في أقرب المواضع إلى تلك البلد، وإن بلَغ الإمامَ عن بلد ما حاجةٌ، بعثت إليهم منها.
ولم يَبن لي من مذهبه أنّها إذا نقلت إلى بلد آخر وفرّقت فيه، أنّها لا تجزئ.
وقال القاضي ﵁: تجزئ. والاختيار غير ذلك.
стр. 196
ورأيت في كتاب ابن الموّاز (١) عن مالك: لو أن رجلًا رأى أن ينفذ زكاته للمدينة، كان ذلك صوابًا، ولو نفذها إلى العراق، لم أر به بأسًا [٢١/ب]، وإن كنت أحب أن يؤثر أهل بلده.
وقال أبو حنيفة: يجوز نقلها مع وجود الفقراء في البلد الّتي أخذت منه على كراهة.
وقال الشّافعيّ: لا يجوز نقلها لبلد آخر، فإن فعل ذلك، فهل يجزئ أم لا؟
على قولين. أحدهما: سقوط الفرض، والثّاني: لا وهو الصّحيح، وبه قال طاووس وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير (٢) وسفيان الثّوريّ.
وحكي أنّه قول مالك، ولم أجده منصوصًا.
٣٦٨ - مسألة:
[عند أصحابنا: أن] المسكين أشد حاجة من الفقير، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: الفقير أشد.
واختلف أهل اللُّغة في ذلك.
٣٦٩ - مسألة:
ومن كان قويًّا على الكسب جلدًا على القوت له ولعياله كلّ يوم، لم
стр. 197
أعرف لمالك ﵀ فيه نصًا، هل يجوز له أخذ الزَّكاة أم لا؟
[غير أنّه لا إشكال] عندي أن الزَّكاة تحل له؛ لقول مالك: ويعطى منها من له أربعون درهمًا. وهو أحسن حالًا ممّن يقدر على الكسب؛ لأنّه قبل العمل ليس معه أربعون فهو فقير [في الحال]، فيجوز له أخذها، وبه قال أبو حنيفة ومحمد.
وقال الشّافعيّ: لا يحل له أخذها، وبه قال أبو ثور وإسحاق، ومن الصّحابة: عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.
وقال أبو يوسف: قبيح دفع الزَّكاة إليه، ويجوز إن دفعت له ووقعت موقعها.
ونحن والجماعة: نكره له أخذها.
والشّافعيّ جوّزها للغني بماله، ومعناها من الغني بكسبه.
٣٧٠ - مسألة:
اختلف في قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠]
فقال مالك: يشتري بالمال رقابًا فيعتقهم، ولا يعطي المكاتبين.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا يشتري عبدًا ويعتقه ابتداءً.
وقال الشّافعيّ: إذا أراد الرَّجل أن يفرق صدقته، أعطى منها ثلاثًا من المكاتبين أقله.
وأبو حنيفة يقول: يجوز أن يعطيها لمكاتب واحد، ولا يجوز في ابتداءً عتق عبد عندهما جميعًا.
وروي عن مالك أنّه يجوز أن يعطي منها ما يتم به كتابة مكاتب فيعتق
وقد روي مثل قولنا عن ابن عبّاس ﵄، والحسن.
стр. 198
ومثل قول أبي حنيفة والشّافعيّ عن- علي ﵁، وسعيد بن جبير والنخعي.
وحكي عن الزّهريُّ [أن نصفه] (١) في المكاتبين، و [نصفه] شراء عبد للعتق.
٣٧١ - مسألة:
وكذلك قوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] هم الغزاة، لا الحاج، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
وحكي عن ابن عمر ﵄ أنّه قال: هم الحاج، وبه قال أحمد وإسحاق.
واستدلوا بما روي أن رجلًا أوقف ناقته في سبيل الله، فأرادت امرأة أن تحج، فقال لها النّبيّ ﷺ : "اِرْكَبِيها، فَإِنَّ الحَج مِن سَبيلِ الله " (٢).
٣٧٢ - مسألة:
لم يحدّ مالك ﵀ للغني الّذي يمنع أخذ الزَّكاة حدًّا، غير أنّه قال: يعطى (٣) منها من له المسكن والخادم والدابة الّذي لا غنى له عنه، ويعطى من له أربعون درهمًا.
стр. 199
فأمّا مقدار ما يعطى، فقال: يعطى كفايته وعياله، ولم يبيّن مقداره بمدّة معيّنة.
وعندي أنّه يعطيه ما يغنيه حتّى تجب عليه الزَّكاة؛ لأنّه في حال من أخذ الزَّكاة الكثيرة فقير، وإنّما يستغني بأخذها، فلا فرق بين أن يستغني بما يأخذه من المدة اليسيرة أو الطويلة.
وقال أبو حنيفة: من ملك مائتي درهم أو قيمة ذلك سوى ثياب بدنه، وما يختص بمنفعته، مثل: داره، لم يحل له أخذ الزَّكاة.
وقال الشّافعيّ: يعطى ما يبلغ به أدنى الغنى.
وأدنى الغنى عنده: ما يغنيه عن النَّاس، وليس له حد محدود؛ لأنّه يختلف باختلاف أحوال النَّاس في قلة الكفاية وكثرتها [٢٢/أ].
وبيان ذلك عنده: أن الرَّجل إذا كان عنده ألف درهم يتّجر بها، ويدخل عليه من ربحها كلّ يوم درهم ويكفيه وعياله، لم يحل له أخذ الصَّدقة؛ لأنّه مكفي، وإن كان يحتاج كلّ يوم إلى درهمين في الكفاية، زيدت له ألف درهم إلى ما عنده، حتّى يربح كلّ يوم درهمين كفايته وعياله.
وكذلك لو كانت مائة ألف درهم تجارة يربح فيها كلّ يوم خمسين درهمًا وكفايته كلّ يوم مائة درهم، أعطاه مائة ألف درهم أخرى، حتّى يربح كلّ يوم كفايته.
وعلى هذا يكون أبدًا من عنده مائة ألف، فقير يحل له أخذ الصَّدقة.
وقال سفيان الثّوريّ وأحمد وإسحاق: الغنى خمسون درهمًا، فإن لم يكن معه شيء أعطي خمسين، وإن كانت معه لم يعط شيئًا، وهو قول علي وابن مسعود ﵄، وينبغي إذا كانت معه أربعون، أن يعطى عشرة.
وقول مالك يوافقهم في أنّه إن كان عنده خمسون درهمًا، لم يعط؛ لأنّه قال: ويعطي من مَالُه أربعون درهمًا.
стр. 200
وقد ذكرت أنّه يعطى من يستحق، إلى أن يصير ممّن تجب عليه الزَّكاة.
٣٧٣ - مسألة:
[قال مالك]: ولا تعطي المرأة زوجها [شيئًا من] زكاتها.
وذكر شيوخنا أنّه على وجه الكراهة، ويجزئها إن فعلت، ويسقط به الفرض.
وجوّزه الشّافعيّ.
وحكي عن أبي حنيفة أنّه منع من ذلك.
وينبغي عندي أن يفصّل: فإن كان زوجها فقيرًا أعطته ما يكفيه دونها، إذا رضيت بالمقام معه.
ولا يجوز لها أن تدفع له ما يكفيه ويكفيها، وهو ذريعة إلى أن ترجع إليها زكاتها، وقد قال ﷺ لامرأة ابن مسعود ﵄: "لكِ أجْرانِ" (١).
٣٧٤ - مسألة:
إذا اجتمع في شخص واحد الفقر والمسكنة والغرم، لم يستحق بكل سبب، وإنّما يعطيه الإمام باجتهاده، وكذلك صاحب المال إذا تولاها، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ مثله في أحد قوليه، وفي الآخر: يعطى بكل سبب فيه من الأسباب الّتي ذكرها الله.
وهذه فرع للمسألة الّتي يقول فيها: إن أدى الإمام اجتهاده إلى صرفه الصَّدقة إلى نوع واحد من الأصناف المذكورة، جاز وإلى فقير واحد،
стр. 201
كذلك هاهنا إذا رأى الإمام أن يغنيه بوصف واحد فيه ففعل، جاز أن يغنيه إذا كانت فيه أوصاف كثيرة.
فإذا سلمت تلك المسألة، فلا معنى للكلام في هذه؛ لأنّها فرع عنها.
ويجوز أن يغير الكلام في هذه المسألة، فيقول: من أصلنا أن استحقاق الزَّكاة بالمعنى دون الاسم، والمعنى الّذي يستحق به الحاجة والفقر، وأيضًا لم ينقل عن النّبيّ ﷺ أنّه أعطى شخصًا واحدًا سهمين، ولا سأله عن اجتماع سنين فيه، مع علمنا بجواز وجود ذلك في الأصناف، فلو كان ذلك معتبرًا لنقل، وكانت الصّحابة تعتبره وتسأل عنه.
وأيضًا فإن المقصود من الآية: سد الخلة ودفع الحاجة، فإذا حصل من وجه، لم يعتبر غيره، واعتبارًا بنفقة الزوجة لمّا حصلت من وجه، لم تعتبر من وجه آخر.
٣٧٥ - سألة:
لا يجوز صرف زكاة الفطر إلى ذمي، وبه قال الشّافعيّ والليث وأبو ثور وأحمد بن حنبل.
وقال أبو حنيفة: يجوز ذلك، واستدل بقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ .....﴾
الآية [التوبة: ٦٠].
٣٧٦ - مسألة:
إن اجتهد فدفع لغني، قال ابن القاسم: يجزئه.
وقال أيضًا: لا يجزئه، وقول مالك يدلُّى على هذا؛ لأنّه قال في كفارة اليمين بالله: إن أطعم غنيًّا، لم يجزئه وإن اجتهد، فالزكاة أولى.
وقال أبو حنيفة ومحمد: يجزيه، وهو [٢٢/ب] أحد قولي الشّافعيّ، وروى الحسن مثل ذلك.
وقولى الشّافعيّ الآخر: إنّه لا يجزئ مثل ذلك، وبه قال سفيان وأبو يوسف.
стр. 202
واتفقوا على أنّه لو اجتهد، فأعطى كافرًا على أنّه مسلم لم يجزه، إِلَّا في صدقة الفطر على مذهب أبي حنيفة.
٣٧٧ - مسألة:
[لأبي تمام و] للعامل أن يأخذ من الصَّدقة وإن كان غنيًّا، وبه قال الشّافعيّ.
وقال العراقي: لا يجوز.
٣٧٨ - مسألة:
يجوز أن يكون العامل من ذوي القربى، وحكي عن المروزي مثله.
وقال بعض أصحاب الشّافعيّ: لا يجوز.
٣٧٩ - مسألة:
وتعطى المؤلفة إذا وجدوا في زماننا، وهو أحد قولي الشّافعيّ.
والآخر: لا يجوز.
٣٨٠ - مسألة:
ابن السبيل يدخل فيه المجتاز والمنقطع ومن أراد سفرًا، وبه قال الشّافعيّ.
وقال العراقي: لا يتناول إِلَّا المجتاز.
стр. 203
من كتاب الصِّيام
٣٨١ - مسألة:
لا يجوز صوم رمضان وغيره [عندنا] إِلَّا بنية، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والشّافعيّ وأصحابه.
وقال زفر وأصحابه: لا يفتقر صوم رمضان إلى نيّة، بخلاف غيره، اللَّهُمَّ إِلَّا أن يدركه صوم رمضان مسافرًا أو مريضًا، فلا يصح إِلَّا بنية، فأمّا الصّحيح المقيم لا يفتقر إلى نيّة، وبه قال مجاهد وعطاء.
وروي عن زفر: أنّه ينوي في أول رمضان، فلا يكرر النية في بقيته.
فإن أراد أنّه ينوي في أول صيامه، فهو موافق لمذهبنا.
٣٨٢ - مسألة:
من لم ينو الصِّيام قبل الفجر، لم يجزه فرضًا أو نفلًا معينًا أو مطلقًا، وبه قال الشّافعيّ في الفرض، وأحمد.
وقال أبو حنيفة: كلّ صوم يتعلّق بالذِّمَّة، لا يتعلّق بوقت معين، فلا بد فيه من النية من اللّيل، وكل صوم له وقت معين يسن في الذِّمَّة، يصح بنية من النهار، مثل: الفرض والنذر المعين، وبه قال إسحاق.
٣٨٣ - مسألة:
إذا نوى أول ليلة من رمضان صومه كله، أجزأه من غير تجديد في كلّ ليلة.
стр. 204
وقال أبو حنيفة و (١) الشّافعيّ: يجدد في كلّ ليلة نيّة.
٣٨٤ - مسألة:
تعيين النية واجب، ولو نوى الصوم فحسب أو التطوع في الفرض، لم يجزه حتّى يتعين، كان حاضرًا أو مسافرًا، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: رمضان لا يحتاج لتعيين نيّة، فإن كان حاضرًا فنوى النفل أو الكفارة أو أطلق، كانت نيته لرمضان وأجزأه، وإن كان مسافرًا فنوى النفل أو رمضان أجزأه، وإن نوى النَّذْر أو الكفارة، كان عنهما ولا يكون عن رمضان.
وقال أبو يوسف ومحمد: يكون عن رمضان. فسوّيا بين الحضر والسفر.
٣٨٥ - مسألة:
لا يصح التطوع إِلَّا بنية من اللّيل، وبه قال المزني.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: يصح بنية من النهار، وبه قال اللَّيث وابن أبي ذئب (٢) وأحمد وإسحاق وأبو ثور.
وروى حرملة (٣) عن الشّافعيّ: لو نوى بعد الزَّوال أجزأه، وبه قال ابن جرير الطّبريّ.
стр. 205
٣٨٦ - مسألة:
لا يجب صوم رمضان إِلَّا برؤية الهلال، أو كمال عدد شعبان ثلاثين يومًا، هذا مذهب كافة [أهل] العلم.
وقال قوم: يجب بهذا وشرط آخر: وهو أن يكون الإنسان منجمًا، فيعرف بالنجامة أن شعبان قد فرغ، أو يخبره رجلان من أهل التنجيم بذلك فيجب عليه أن يصوم، قالوا: لقوله: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ [النحل: ١٦] فأخبر أن النجم يهتدى به، ولم يفرّق بين أن يهتدى به الصوم أو غيره.
٣٨٧ - مسألة:
يجوز أن يصوم أَخر يوم من شعبان تطوعًا، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ ومحمد بن عبد (١) لا يجوز أن يصام يوم الشك تطوعًا إِلَّا أن يوافق صومًا كان يصومه من نذر، أو غيره من صوم [٣٣/أ] الدهر، أو صوم شعبان، أو صوم عوّد نفسه، وإن صامه خوفًا أن يكون من رمضان فلا مثل قولنا. ولكن الشّافعىِّ يكره صومه تطوعًا أصلًا، إِلَّا على ما ذكرناه، وهو قول عمر وعلي وعثمان [وعمّار، وابن مسعود ﵃، والشعبي والنخعي والأوزاعي.
وذهبت عائشة وأختها أسماء ﵄، إلى جواز صومه.
وقال ابن عمر ﵄: إن لم يكن في السَّماء غيم، فلا يصام، وإن كان غير جاز، وبه قال أحمد بن حنبل.
стр. 206
وقال الحسن وابن سيرين: الاعتبار بالإمام، فإن صام صام النَّاس، وإن لم يصم، فلا يصوموا.
٣٨٨ - مسألة:
إذا رئي الهلال يوم الشك أو يوم الثلاثين، فهو لليلة المستقبلة، ولا فرق بين أن يرى قبل الزَّوال أو بعده، وبه قال أبو حنيفة ومحمد والشّافعيّ.
وقال أبو يوسف: إن رئي قبل الزَّوال فهو للماضية، وإن كان بعده فهي للمستقبلة.
وقد حكي عنه مثل قول الجماعة.
وقال أحمد بن حنبل: إن كان في يوم الشك، فهو للماضية، وإن كان يوم الثلاثين من رمضان، فهو للمستقبلة احتياطًا.
٣٨٩ - مسألة:
لا يصام رمضان، ولا يفطر منه إِلَّا بشهادة عدلين.
واختلف قول الشّافعيّ: فوافقنا في أحد قوليه، وقال في الآخر: تقبل واحد، وبه قال أحمد بن حنبل.
وبقولنا قال الأوزاعي والليث.
وقال أبو حنيفة: ينظر في السَّماء، فإن كانت مصحية، لم يقبل فيها إِلَّا الإستفاضة والتواتر، وإن كان فيها غير قبل ذلك واحد.
واتفقوا على أنّه لا يقبل في الفطر واحد، إِلَّا أبا ثور، فإنّه يقبل في الصوم والفطر.
٣٩٠ - مسألة:
إذا أكل وعنده أن الفجر لم يطلع، ثمّ بأن له أن قد طلع، فعليه القضاء، وكذلك إذا كان عنده أن الشّمس قد غربت في يوم غير، [فأكل] عليه القضاء، وبه قال كافة الفقهاء.
стр. 207
وحكي عن جماعة أنّهم قالوا: لا قضاء عليه، وبه قال الحسن وعطاء وغيرهما.
وحكي عن أصحاب الظّاهر ذلك، ومنهم من فرق بين غروب الشّمس وطلوع الفجر.
٣٩١ - مسألة:
[لأبي تمام]: إذا أكل في رمضان عامدًا، فعليه القضاء والكفارة [قاله مالك]، وبه قال أبو ثور وأبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: لا كفارة عليه.
٣٩٢ - مسألة:
إذا قبّل امرأته في رمضان، فلا شيء عليه، إِلَّا أن ينزل.
وقال ابن شبرمة (١): عليه القضاء.
٣٩٣ - مسألة:
يجوز أن يكتحل الصائم.
وكرهه الحسن وقتادة وابن أبي ليلى.
٣٩٤ - مسألة:
[قال مالك]: المسافر مخيّر؛ إن شاء صام، وإن شاء أفطر.
وقال إسحاق وداود: لا يجوز إِلَّا الإفطار.
стр. 208
٣٩٥ - مسألة:
إذا تلذذ بالنظر فأنزل، أفطر.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا يفطر.
٣٩٦ - مسألة:
[قال مالك]: من استقاء في رمضان [عامدًا فقاء]، فعليه القضاء، وإن ذرعه فلا قضاء، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
وقال طاووس: لاقضاء فيهما.
وقال ربيعة: عليه القضاء فيهما.
٣٩٧ - مسألة:
قال مالك: ليلة القدر لا تنقطع إلى يوم القيامة.
خلافًا لمن قال ارتفعت بموت النّبيّ ﷺ .
وليس فيها تعبين ثابت، خلافًا لمن عيّن يومها.
٣٩٨ - مسألة:
إذا نوى يوم الشك أنّه إن كان من رمضان، فهو عن فرضه، وإن لم يكن (١) كان تطوعًا، فصادف رمضان لم يجزه؛ [لأنّ ابن القاسم ذكر عن مالك، قال: ومن صام يوم الشك حوطة، ثمّ تبين أنّه من رمضان، فليقضه]، وبه قال الشّافعيّ.
وحكي عن أبي حنيفة جوازه على أصله؛ لأنّه [لو] نوى مطلقًا، أو نوى التطوع، أجزأه عن رمضان.
وذكر عن المزني في مسألة الشك: أنّه يجزئه.
стр. 209
٣٩٩ - مسألة:
إذا عمل عمل قوم لوط في [يوم الصوم من] رمضان غير مكره، فعليه القضاء والكفارة، إذا أولج أنزل أم لا، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا كفارة عليه، أولج في دبر امرأة أو ذكر [٣٣/ب].
٤٠٠ - مسألة:
لا أعرف نصًا لأصحابنا فيمن طلع عليه الفجر مولجًا، فلبث قليلًا متعمدًا ثمّ أخرج.
وعندي: أن عليه الكفارة مع القضاء، وبه قال الشّافعيّ، وسواء حرّك أم لا.
وقال أبو حنيفة والمزني: عليه القضاء لا الكفارة.
٤٠١ - مسألة:
إذا جامع في رمضان طائعان [وهما صائمان] بغير عذر، فعلى كلّ واحد منهما الكفارة، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ في أحد قوليه، إِلَّا أن الزوج عنده يتحملها عنها.
وقال أيضًا: كفارة واحدة عنهما.
وعلى القولين: المرأة لا تخرج شيئًا.
وينبني الكلام في المسألة على وجوب الكفارة على المرأة.
٤٠٢ - مسألة:
إذا رأى هلال رمضان وحده فردّت شهادته، فعليه الصوم، وإن أفطر فعليه القضاء والكفارة.
أمّا الصوم فيه قاله مالك والشّافعيّ وأبو حنيفة وأحمد وغيرهم.
стр. 210
وقال الحسن البصري وعطاء وشريك (١) وإسحاق: لا يلزمه الصوم ولا الفطر برؤية نفسه [أصلًا، وإنّما يلزمه إذا صام الإمام والناس، ويلزمه الفطر إذا أفطروا].
٤٠٣ - مسألة:
من أفطر يومًا في قضاء رمضان، فلا كفارة عليه عند جميع الفقهاء. وحكي عن قتادة: أن عليه الكفارة، وأظن أنّه قول أحمد.
وهو خطأ؛ لأنّ الله تعالى قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ولم يوجب الكفارة.
٤٠٤ - مسألة:
من شك في طلوع الفجر فلا يأكل، فإن أكل فعليه القضاء وإن لم يتحقق، هكذا يجيء على أصولنا.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: إذا شك في طلوعه، فالأصل بقاء اللّيل، وإن شك في غروب الشّمس، فالأصل بقاء النهار، فإن أكل فعليه القضاء، واستدلوا بقوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾ الآية [البقرة: ١٨٧]، وهو أكل قبل أن يتبين.
وقال مالك: الصوم عليه بيقين، فلا يبرأ منه إِلَّا بيقين.
٤٠٥ - مسألة:
من أصبح جنبًا من جماع أو احتلام صح صومه، وبه قال فقهاء الأمصار.
وروي عن أبي هريرة ﵁، والحسن بن صالح، أنّه لا
стр. 211
صوم للجنب؛ لما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ أنّه قال "مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا في رَمَضَانَ فَقَدْ أَفْطَرَ" (١).
[قال أبو هريرة ﵁: ما قُلتُ: إِنَّه إِذَا أَصبَح جُنُبًا فقَد أَفطَرَ وَرَبِّ الكَعبَة، ولكن قَالَه محمّد ﷺ ، إنّه قال: "قَدْ أَفْطَرَ"، وربّ البيت] (٢).
٤٠٦ - مسألة:
[عند مالك]: كلّ إفطار في رمضان بمعصية فعليه الكفارة، ولا فرق بين أن يطأ في الفرج أو خارج [الفرج] فينزل، أو بتكرير القبلة والنظر حتّى ينزل، وكذلك إذا أكل متعمدًا.
وفرّق أبو حنيفة بين أعلى المأثم وأدونها، فأوجب الكفارة في الإيلاج في الفرج ﷺ والأكل متعمدًا.
وإن جامع فيما دون الفرج فأنزل، أو بلع حصاة أو لؤلؤة، أو قبّل أو تابع النظر فأنزل، فلا كفارة عليه، وقيل إنّه قول الزّهريُّ والأوزاعي والثوري.
وقال الشّافعيّ: لا تجب الكفارة بشيء سوى الجماع التام؟ إيلاج في قبل أو دبر.
٤٠٧ - مسألة:
وكفارة [الفطر] في رمضان [عند مالك] على التخيير.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: هي على التّرتيب، إن لم يجد العتق صام،
стр. 212
فإن لم يقدر أطعم، وحكي ذلك عن الأوزاعي والثوري.
٤٠٨ - مسألة:
ومن أكل أو جامع ناسيًا، فعليه القضاء، وبه قال ربيعة.
وقال أحمد: عليه في الوطء ناسيًا الكفارة مع القضاء.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا قضاء عليه، وبه قال الأوزاعي والثوري.
وقيل: روي عن علي وابن عمر وأبي هريرة ﵃ مثله.
٤٠٩ - مسألة:
والإطعام في كفارة الصوم مد لكل مسكين بمد النبيّ ﷺ ، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: نصف صاع من البرّ، ومن التّمر والشعير صاع.
٤١٠ - مسألة:
إذا تمضمض أو استنشق فوصل إلى جوفه الماء، [فإن كان ناسيًا لصومه، فقد تكلمنا عليه في الأكل ناسيًا، وإن كان ذاكرًا لصومه، فهو أولى] فعليه القضاء، وبه قال أبو حنيفة.
وللشافعي قولان: أحدهما مثل قولنا، والآخر: لا قضاء، وهذا عنده إذا لم يبالغ، فأمّا إذا بالغ، فعنده يفطر إذا لم يكن ناسيًا.
وقال الأوزاعي وأحمد وإسحاق: لا يفطر.
٤١١ - مسألة:
إذا وطى [٢٤/أ]، في يوم واحد مرارًا فكفارة واحدة، وبه قال فقهاء الأمصار.
وحكي عن أحمد أنّه إن كفر للوطء الأوّل، وجب أن يكفّر للثاني.
стр. 213
٤١٢ - مسألة:
إذا أفطر أيامًا من رمضان فطرًا يوجب الكفارة، فعليه لكل يوم كفارة، كفّر للأول أم لا، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: إن كفّر لليوم الأوّل، وجبت عليه لليوم الثّاني، وإن لم يكفّر لليوم الأوّل حتّى وطئ في جميع الشهر، لم تجب عليه إِلَّا كفارة واحدة.
وروى زفر عن أبي حنيفة أنّه ليس عليه إِلَّا كفارة واحدة في جميع الشهر، سواء كفر الأولى أم لا.
٤١٣ - مسألة:
إذا أصبح الرَّجل وامرأته صائمين، فأفطرا بجماع ثمّ مرضا أو حاضت، ومرض الرَّجل في بقية اليوم، فعليهما القضاء والكفارة، وبه قال الشّافعيّ في أحد قوليه، وابن أبي ليلى.
وقال أبو حنيفة: لا كفارة عليهما، وهو الثّاني للشافعي.
٤١٤ - مسألة:
إذا وطئها نائمة أو مكرهة، فقد أفطرا وعلى الزوج الكفارة عنه وعنها.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: هما مفطران جميعًا ولا كفارة على واحد منهما.
وروى عنه زفر أن النائمة غير مفطرة، [وبه أقول] (١).
وقال الشّافعيّ: النائمة والمكرهة غير مفطرتين، والرجل وحده مفطر، وعليه كفارة واحدة.
فالخلاف بيننا وبين أبي حنيفة في وجوب الكفارة، وبيننا وبين الشّافعيّ في موضعين: أحدهما: فطر المرأة، والآخر: في وجوب كفارة أخرى عنها.
стр. 214
٤١٥ - مسألة:
إذا أفطرت الحامل خوفًا على ما في بطنها والمرضع، فلا كفارة عليهما في رواية ابن عبد الحكم [عن مالك]، ووافقه ابن القاسم في الحامل.
وقال ابن وهب عن مالك: إن الحامل تطعم، وذكره عن ابن عمر ﵄.
وقال ابن القاسم في المرضع تخاف على ولدها، ولا يقبل غيرها: إنها [تفطر و] تطعم.
وقال أبو حنيفة: لا إطعام عليهما، كرواية ابن عبد الحكم، وهذا قول [الشّافعيّ] في الجديد، وبه قال مجاهد وأحمد.
وحكي عن ابن عبّاس وابن عمر ﵃ أن عليهما الفدية بلاقضاء.
واختلف قول الشّافعيّ: فروى عنه المزني والربيع (١) في القديم: أن عليهما الكفارة مدًّا عن كلّ يوم، وبه قال الأوزاعي والثوري.
وقال في البويطي (٢): لا كفارة عليهما إذا أفطرتا خوفًا على ولديهما.
٤١٦ - مسألة:
الشّيخ الكبير الّذي لا يستطيع الصوم لا كفارة عليه، وكذلك العجوز.
стр. 215
وقال الأوزاعي والثوري وإسحاق بن راهويه وأبو حنيفة والشّافعيّ: عليهما الإطعام واجب، إذا قدرا عليه.
إِلَّا أن أبا حنيفة يقول: صاع من تمر، أو نصف صاع من بر.
وعندنا وعند الباقين: مد لكل يوم، وروي عن الشّافعيّ في سنن حرملة مثل قولنا، وبه قال ربيعة.
٤١٧ - مسألة:
اختلف النَّاس في المجنون إذا بلغ مطبقًا، وبقي على ذلك سنين، وزال ذلك عنه فذهب مالك إلى أنّه يقضي صوم الماضي كله، وتابعه عليه ابن سريج (١).
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا قضاء عليه.
واختلفوا إذا أفاق في بعض رمضان، فذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنّه يصوم باقيه، ويقضي ماضيه.
وقال الشّافعيّ وأصحابه إِلَّا ابن سريج: لا يقضي ما مضى، ويصوم المستقبل.
٧ - فصل:
وليس يصح [لي] الفرق بين: أن يغمى عليه أول نهاره، أو أكثره على وجه يتقرر. وقد فرّق مالك بينهما في أظهر قوليه.
٤١٨ - مسألة:
ولا يجوز صوم غير رمضان في شهر رمضان، لا في حضر ولا سفر، وإن نوى غيره كان مفطرًا وعليه القضاء.