وقولنا قول عمر وابنه وابن عبّاس وابن مسعود ﵃.
وروي أن رجلًا قال لعمر ﵁: إنَّ لِي زَوجَةً قَد أَرضَعَت جَارِيَتي، أَفَتَحْرُمُ عَلَيّ؟ فقال عمر: "عَزَمْتُ عَلَيْكَ لَوْ رَجَعتَ، فَأَوجِع ظَهرَ اِمرَأَتِكَ، وَوَاقِع جَارِيَتَكَ" (١).
٨٦٢ - مسألة:
اختلف في زمن الرضاعة، فعندنا والشّافعيّ وأبي يوسف ومحمد: أنّه حولان.
واستحسن مالك تحريم الشهر بعدهما، وليس بقياس.
وقال أبو حنيفة: حولان وستة أشهر.
وقال زفر ثلاثة أحوال.
٨٦٣ - مسألة:
إذا استغنى المولود بالغذاء قبل الحولين، وفطم ثمّ أرضعته امرأة، لم تنتشر الحرمة بينه وبينها.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: ينتشر ما لم تنقض المدة الّتي ذكرنا عنهما، كما لم يستغن.
٨٦٤ - مسألة:
الوَجور (٢) [عندنا] يحرم كما لو رضع، وبه قال سائر الفقهاء.
وقال عطاء وداود: لا يحرم.
стр. 387
٨٦٥ - مسألة:
إذا استهلك اللبن في الماء، إلى أن غلب عليه لم ينشر الحرمة [عندنا]، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه.
وقال الشّافعيّ: ينشر كما لو انفرد. وروي عن ابن الماجشون ومطرف مثله.
٨٦٦ - مسألة:
لبن الميّتة إذا سقي لصغير نشر الحرمة، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: لا يحرم.
٨٦٧ - مسألة:
شهادة النِّساء في الرضاع، وما لا يحل للرجال الاطلاع عليه في غير ذوي المحارم، كالولادة وعيوب النِّساء مقبولة منفردات، وإن كان تقبل شهادة الرجال، وبه قال الشّافعيّ والأوزاعي، وهو قول ابن عبّاس ﵄.
وقال أبو حنيفة وابن أبي ليلى: لا تقبل شهادتهن على الانفراد، وهو قول عمر بن الخطّاب ﵁.
٨٦٨ - مسألة:
ما تقبل فيه شهادة النِّساء، فلا تجزئ فيه أقل من امرأتين، وبه قال الحكم ابن عبينة وابن أبي ليلى وابن شبرمة.
وقال ابن عبّاس ﵄، والزهري والأوزاعي: يثبت الرضاع لشهادة امرأة واحدة.
وقال أبو حنيفة: يقبل في الولادة امرأة واحدة.
وقال الشّافعيّ: لا يثبت الرضاع والولادة بأقل من أربع نسوة، وبه قال عطاء.
стр. 388
مسائل النفقات
٨٦٩ - مسألة:
يفرض السلطان للزوجة مقدار كفايتها، على قدر ما يراه من قدرها، وقدر زوجها في اليسر والعسر، واعتبار حالها وحاله، وهكذا يحكى عن أبي حنيفة أنّها ليست مقدرة.
وقال الشّافعيّ: هي مقدّرة، لا اجتهاد فيها للحاكم، وهي معتبرة بحالى الزوج خاصّة، فيقول: إن كان الزوج موسرًا فمدان كلّ يوم، وإن كان متوسطًا فمد ونصف، وإن كان معسرًا فمد، فيجب لابنة الخليفة ما يجب لابنة الحارس.
٨٧٠ - مسألة:
إذا كانت الزوجة ممّن لا تخدم نفسها أخدمها الزوج بلا خلاف، إِلَّا داود حكي عنه أنّه قال: لا يجب عليه أن يخدمها.
٨٧١ - مسألة:
إذا احتاجت إلى أكثر من خادم، أخدمها خدمة مثلها.
وقال مالك: لا يفرض لها أكثر من خادم واحد في المدينة؛ لأنّ أهل المدينة فيهم القناعة، كما قال: لا يفرض لها الخز والوشي والعسل، وأمّا سائر الأمصار فعلى حسب أحوالهم كالنفقة.
стр. 389
فيظهر فيه أنّها إذا احتاجت إلى أكثر من خادم، لزمه ذلك إن كان وجدًا.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا يلزم أكثر من خادم واحد على كلّ حال.
٨٧٢ - مسألة:
إذا سلمت نفسها للزوج [٥٢/أ]، وهي صالحة للاستمتاع والزوج كذلك، ثمّ طلبته بعد مدة بنفقة ما مضى، وذكر أنّه أنفق عليها، فالقول قوله فيه، ويفرض لها الحاكم من يوم ترفعه.
وقال أبو حنيفة: لا تجب لها نفقة بعد العقد، إِلَّا بفرض الحاكم، فعلى هذا الزوج مصدق، ولو صدقها لم يكن شيء؛ لأنّ الحاكم لم يفرض لها بعد.
وقال الشّافعيّ: القول قولها مع يمينها أنّه لم ينفق عليها.
٨٧٣ - مسألة:
إذا أعسر بنفقة زوجته، فهي بالخيار بين أن تقيم معه ولا نفقة لها في ذمته إِلَّا برضاه، وبين طلب الفراق، فيفرق الحاكم بينهما، وبه قال الشّافعيّ، ومن الصّحابة: عمر وعلي وأبو هريرة ﵃، ومن التابعين: سعيد بن المسيَّب والحسن، ومن الفقهاء: أحمد وإسحاق.
وقال عطاء والزهري وأبو حنيفة وصاحباه: لا خيار لها أصلًا، ويلزمها الصبر عليه، وتتعلّق بذمته النفقة بحكم الحاكم.
٨٧٤ - مسألة:
إذا كان الزوج صغيرًا لا يطأ مثله، والمرأة كبيرة وسلمت نفسها، فلا نفقة لها، وهو أحد قولي الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لها النفقة، وهو الآخر للشافعي.
стр. 390
٨٧٥ - مسألة:
[لأبي تمام، قال مالك]: للمملوك نفقة بالمعروف.
وقال قوم: يطعمه ممّا يطعم، ويلبسه ممّا يلبس.
٨٧٦ - مسألة:
[قال مالك]: نفقة الولد على الأب دون الأم.
وقال محمَّد: على قدر الميراث.
٨٧٧ - مسألة:
لا تلزم الجد نفقة ابن ابنه، ولا ابن الابن لجده.
وقال الشّافعيّ: في الطرفين كالأب.
وقال أبو حنيفة: هي لكل ذي رحم محرم على رحمه.
٨٧٨ - مسألة:
على المرأة رضاع ولدها إن كانت تحت زوج وهو منه، إِلَّا أن لا يرضع مثلها فيكون على الزوج.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا يلزمها، وهو على الزوج بكل حال.
وقال أبو ثور: ذلك عليها بكل حال.
٨٧٩ - مسألة:
الأم أحق بحضانة ولدها، ما لم تتزوج ويدخل بها.
واختلف عن مالك في حضانة الغلام، فقال: حتّى يثغر، وقال: حتّى يبلغ.
ولا خلاف في الأنثى عنه: أنّها حتّى تتزوج ويدخل بها، إِلَّا أن يكون منزل أبيها أحفظ، فيختار لها الوضع الأحفظ، بخلاف الذكر.
وقال أبو حنيفة: حد الأنثى حتّى تبلغ، وحد الذكر حتّى يقوم بنفسه
стр. 391
ويستغني عن حضانة، فتزول الحضانة ويكون الأب أحق به حتّى يبلغ.
وقال الشّافعيّ: إذا بلغ الولد سبع سنين أو ثمان، خيّر بين أبويه؛ فمن اختار منهما كانت الحضانة له.
٨٨٠ - مسألة:
إذا سافر الأب سفرًا ينقطع فيه عن الولد سفر استيطان، فهو أحق بولده على كلّ حالى، وكذلك إذا سافرت الأم سفرًا تنقطع عن الأب، فالأب أحق بولده، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: إن سافر الأب على هذا الوجه فالأم أحق به، وإن سافرت الأم نظر؛ فإن سافرت من قرية إلى مصر فهي أحق به، وإن كان من مصر إلى قرية فالأب أحق به.
٨٨١ - مسألة:
إذا تزوجت الأم ودخل بها سقطت حضانتها، فإذا أخذه الأب ثمّ طلقها الزوج، لم ترجع إليها الحضانة.
وقال أبو حنيفة [والشّافعيّ]: يعود حقها في الحضانة.
стр. 392
مسائل البيع
٨٨٢ - مسألة:
[قال مالك]: يجوز بيع الأعيان الغائبة على صفة يضبطها المتبايعان، كقوله: بعتك دارًا لي بواسط صفتها: كيت وكيت، وكذلك العبد، وكذلك ما في العدل والجراب، وما في البيت، فإن جاء على الصِّفَة لزم البعير بغير خيار، إِلَّا أن لا توافق الصِّفَة المذكورة، وبه قال أبو حنيفة، غير أنّه جعل الخيار للمشتري وإن وافق الصِّفَة.
وأجاز هو بيع ما لا يوسف أصلًا، وللمبتاع الخيار إذا رآه.
وقد روي عن مالك قريب منه؛ لأنّه قال: من ابتاع ما لم يره، فهو بالخيار إذا رآه، فإن كان على الصِّفَة فلا خيار له إذا وافقها.
دلّ على أنّه يكون بالخيار إذا لم يره ولم يوصف له، وهو في [٥٢/ب] معنى البيع الموقوف.
واختلف قوله الشّافعيّ في البيع على الصِّفَة، فأجازه وجعل للمشتري الخيار كأبي حنيفة، ومنع منه في الثّاني.
٨٨٣ - مسألة:
[وعند مالك: أن] عقد البيع يتم بالقولى من غير افتراق عن المجلس، ولا خيار لهما في فسخه إِلَّا [أن] يشترط فيه، وبه قال أبو حنيفة.
стр. 393
وقال الشّافعيّ: ثبت خيار المجلس، ولا يلزم البيع إِلَّا بافتراقهما، وبه قال الأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق.
٨٨٤ - مسألة:
يجوز اشتراط أكثر من الثلاث في الخيار، إذا كان المبيع يختبر في مثلها ويحتاج إليها، وبه قال ابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد.
وقالوا: يجوز زيادة ما شاء في المدة، إذا كان أجلًا معلومًا، والمبيع ممّا يختبر في أقل من ذلك.
وقال أبو حنيفة والثوري وزفر والشّافعيّ: لا يجوز الزيادة على الثلاث، إِلَّا بقيام دليل.
٨٨٥ - مسألة:
إذا عقدًا بيعًا وشرطًا فيه الخيار، وأراد من له الخيار أن يفسخ فله ذلك [عند مالك]؛ حضر صاحبه أو غاب، ويشهد على ذلك، وكذا الوكيل له أن يعزل نفسه؛ حضر موكله أم لا، وبه قال الشّافعيّ وأبو يوسف.
وقال أبو حنيفة ومحمد: لا يجوز لأحدهما الفسخ في مدة الخيار، إِلَّا بعضور الآخر، ولا يعتبر رضاه، وكذلك الوكيل مثله.
٨٨٦ - مسألة:
إذا مات من له الخيار في أيّام الخيار قام ورثته مقامه، وهو موروث [عندنا]، وبه قال الشّافعيّ وأبو ثور.
وكذلك نقول في الشُّفعَةِ: إنها تورث، وكذا الموصى له إذا مات بعد موت الموصي، ولم يكن قبل الوصيَّة، قام ورثته مقامه في قبولها.
وقال قوم: لا يورث الخيار، وينقطع بالموت ويلزم البيع، وهو قول الثّوريّ وأبي حنيفة وأحمد.
ويقول أبو حنيفة: تبطل الشُّفعَةِ والوصية بالموت.
стр. 394
٨٨٧ - مسألة:
إذا ظهر في البيع غبن كثير نظر؛ فإن كان من أهل النظر والبصيرة بتلك السلعة وأسعارها في وقت البيع لم يثبت الفسخ، وإن كانا أو أحدهما جاهلًا بتقلب السعر وتغيره عند العقد، وتفاوت الغبن فيما عقدًا عليه ثبت له الفسخ، ومن أصحابنا من اعتبر الثلث في القيمة.
ولم يحد مالك فيه حدًّا، إِلَّا في وجه عن تغابن النَّاس في مثل تلك السلعة.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا يثبت الفسخ بالغبن؛ أكثر أم قلّ الغبن قليلًا أو كثيرًا.
٨٨٨ - مسألة:
الرِّبَا في الأصناف الستة، وهي: الذهب والفضة والبر والشعير والتّمر والملح، لا يجوز التفاضل فيها نقدًا ولا نساء [عند مالك]، إذا كانت جنسًا [واحدًا]؛ كدرهم بدرهمين، أو دينارًا بدينارين، أو مدا بمدين [وهو قولنا]، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ وأحمد، وجماعة من الصّحابة: ثلاثة عشر نفسًا، قال مجاهد: سمعتهم يحرمونه، وهو قول أهل المدينة، والأوزاعي وأهل الشّام، والليث وأهل مصر، والثوري وأهل الكوفة.
وذهب من الصّحابة أربعة: ابن عبّاس وابن الزبير وزيد بن أرقم وأسامة بن زيد الليثي ﵃ إلى جواز الفضل دينار بدينارين، ومد بمدين نقدًا، وحكي أنّه قول أهل الظّاهر.
ولا خلاف في ربا النِّساء.
٨٨٩ - مسألة:
[وذهب فقهاء الأمصار إلى أن] الرِّبَا يتعلّق بمعاني هذه الأشياء، ويجاوزها إلى غيرها.
وقال نفاة القياس؛ داود ومن تابعه: يتعلّق الرِّبَا بأسمائها، ولا يجاوزها إلى غيرها.
стр. 395
٨٩٠ - مسألة:
اختلف أرباب القياس في المعنى الّذي يتعلّق به حكم الرِّبَا.
فأمّا النقود فلها علة تخصها، وهي كونها ثمنًا جنسًا، أو ثمن قيم للمتلفات جنسًا، وبه قال الشّافعيّ.
وأمّا الأربعة [المأكولة، فقد اختلف النَّاس فيها، فالذي نقول نحن]: فالعلّة فيها كونها مأكولة مدخرة، جنسًا أصلًا للمعاش غالبًا، وقيل: إنها مأكولة جنسًا على وجه تمس الحاجة إليه من القوت، وما يصلحه من المدخرات.
وأشار مالك إلى هذه العلّة حيث قال: لا يباع ما ييبس ويدخر من الفاكهة، اثنان بواحد إذا كان جنسًا، وما يؤكل رطبًا ولا يدخر؛ كالبطيخ والقثاء والجزر والخوخ والأترج والتفاح، فلا بأس به اثنان بواحد، وليس ما ادخر من هذا بالذي يحرم تفاضله، فإنّه خفيف وليس بأصل للمعاش.
وقال أبو حنيفة [٥٣/أ]: علته كونه مكيلًا جنسًا، أو موزونًا جنسًا.
وقال الشّافعيّ في القديم: العلّة كونه مأكولًا مكيلًا جنسًا، أو مأكولًا موزونًا جنسًا.
وقال في الجديد: كونه مطعومًا جنسًا، [وهذا الّذي يعوّل عليه].
وقال ربيعة: كونه جنسًا تجب فيه الزَّكاة، ونفى ما عداه.
وقال سعيد بن جبير: العلّة تقارب المنفعة في الجنس الواحد أو الجنسين.
٨٩١ - مسألة:
ما كان من أموال الرِّبَا، إذا بيع بعضه ببعض متماثلًا من جنس واحد أو متفاضلًا من جنسين، فالتقابض فيه واجب، والتفرق فيه قبل القبض يبطل البيع فيه جميعه، [هذا مذهبنا]، وبه قال الشّافعيّ.
وبه قال أبو حنيفة في الذهب والفضة، وجوّز التفرق قبل القبض في الأشياء الأربعة مع صحة البيع.
стр. 396
٨٩٢ - مسألة:
وما عدا المأكول أو المشروب والنقود، فلا بأس به متفاضلًا جنسًا كان أو جنسين يدًا بيد، فأمّا إلى أجل؛ فإن كان من جنس واحد لم يجز، ويجوز في الجنسين التفاضل إلى أجل.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز فيه النِّساء على كلّ حال إذا كان جنسًا؛ كان متفاضلًا أو متماثلًا.
فوافق في التفاضل وخالف في النِّساء.
وقال الشّافعيّ: يجوز فيه النِّساء على كلّ حال؛ جنسًا كان أو جنسين؛ لأنّه ممّا لا ربا فيه؛ كالحيوان والثياب والخشب والقطن والصوف والحديد، ونحوها.
٨٩٣ - مسألة:
اختلف عن مالك في بيع الحنطة بالدقيق، فقال: يجوز متماثلا، وقال: لا يجوز.
وقال القاضي أبو الحسن: معنى جوازه عنده بالوزن، ولا يجوز إذا كان كيلًا، فيكون الاختلاف في الحالين لا في حال واحدة.
وجملة أصحابنا على الاختلاف في حال واحدة، ولم يفصّلوا، وبه قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق، إنّه يجوز وزنا بوزن.
[وعندي. أن هذا قول مالك في جوازه].
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا يجوز بحال لا كيلًا ولا وزنًا.
وقال أبو ثور: يجوز بكل حال متماثلًا ومتفاضلًا.
٨٩٤ - مسألة:
يجوز بيع الدقيق بالدقيق مثلًا بمثل، وبه قال أبو حنيفة، إذا كان على صفة واحدة في النعومة والخشونة، فإن اختلفا لم يجز.
стр. 397
ومنع منه الشّافعيّ مطلقًا.
٨٩٥ - مسألة:
يجوز بيع الدقيق بالسَّوِيق مثلًا بمثل ومتفاضلًا، وبه قال أبو حنيفة في إحدى الروايتين، وأبو يوسف.
وقال الشّافعيّ: لا يجوز بحال.
٨٩٦ - مسألة:
اختلف عن مالك في جواز بيع اللّحم باللحم، والخبر بالخبز على التّحرِّي من غير وزن، فأجازه في البوادي والسفر، حيث يتعذر الوزن استحبابًا.
وروي عنه المنع منه، وهو الأصح عنه.
وقال الشّافعيّ: لا يجوز في الخبز واللحم الطري، ويجوز في اللّحم اليابس.
وروى محمَّد عن أبي حنيفة: أنّه يجوز اللّحم باللحم، والخبر بالخبز؛ متماثلًا رطبًا ويابسًا.
٨٩٧ - مسألة:
كره مالك بيع الدنانير بالدراهم [جزافًا، وأجازه] في النقر والحلي المكسور.
وأجاز ذلك كله أبو حنيفة والشّافعيّ.
٨٩٨ - مسألة:
[عند مالك: أن] خل العنب وخل التّمر جنس واحد، لا يجوز التفاضل فيه.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: جنسان يجوز التفاضل فيهما.
стр. 398
٨٩٩ - مسألة:
لا يجوز بيع تمر برطب، وبه قال اللَّيث والشّافعيّ وأبو يوسف ومحمد وأحمد، وبه قال ابن عبّاس وسعد ابن أبي وقّاص ﵃، وسعيد بن المسيَّب وإبراهيم والحكم.
وانفرد أبو حنيفة بجواز بيعه كيلًا، وكذلك العنب بالزبيب، والحنطة الرطبة باليابسة، والمبلولة باليابسة.
٩٠٠ - مسألة:
يجوز بيع الرطب بالرطب متماثلًا، وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والمزني.
ومنع منه ابن الماجشون والشّافعيّ.
٩٠١ - مسألة:
العقد في البيع وغيره يصح ويلزم بالقول، ولا يشترط قبض المبيع فيها، ومنه الرَّهْن والهِبَة والنِّكاح والإجارة، غير أن منها ما إذا تفرقا قبل القبض بطل العقد فيه [٥٣/ب]؛ لأنّ العقد في نفسه لم يتم بالقول، وهو كالنِّكاح يتم بالقول ويطرأ عليه ما يفسده كالردة، فمن اشترى شيئًا ليس فيه حق توفية؛ من مكيل أو موزون أو معدود، فلم يقبضه حتّى تلف فضمانه من المشتري، وبه قال أحمد وإسحاق.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: ضمان المبيع قبل القبض من البائع.
غير أن أبا حنيفة يخصه بما ينقل، فأمّا العقار عنده فيصح بيعه من غيرقبض.
قال النخعي: ينظر؛ فإن طلب المبتاع البائع بالقبض، ولم يفعل كان ضامنًا، وإن عرض البائع على المبتاع القبض، فلم يقبض فهو من المبتاع.
قال القاضي: هذا عندي ينبغي أن يفصّل على مذهب مالك؛ فإن كان البائع أمسكها ليقبض الثّمن فتلفت، فهي كالرهن يكلف البينة على تلفها،
стр. 399
وإن كان حبسها لغير ذلك فتلفت، فعلى البائع قيمتها، وإن امتنع من قبضها أو لم يطلب واحد منهم الآخر، فهي من المشتري.
٩٠٢ - مسألة:
ظاهر قول مالك: إن النقود لا تتعين، فلو باع دنانير بدراهم حاضرة، جاز أن يدفع له مثلها كلّ واحد منهما، ولم يجبر على عينها.
وذكر ابن القاسم: أنّها تتعين، ويجبر على تسليم ما عينه.
وبالأول قال أبو حنيفة.
وبالآخر قال الشّافعيّ، وحكي مثله عن الكرخي.
٩٠٣ - مسألة:
إذا تبايعا مال الرِّبَا بعضه ببعض، لم يجز أن يكون مع أحدهما أو معهما جنس من غيره بحال، فلا يجوز مد ودرهم بمد ودرهم ولا بمدين، وبه قال الشّافعيّ.
وجوّزه أبو حنيفة.
ويجوز بيع درهم صحيح ودرهم غلته بدرهمين صحاح، مثل: الّذي معه الغلة، وبه قال أبو حنيفة.
ومنعه الشّافعيّ.
٩٠٤ - مسألة:
اللحوم [عند مالك] ثلاثة أجناس:
- فلحم النعم والوحش كله صنف واحد، لا يجوز فيه التفاضل.
- ولحم الطير كله صنف، لا يباع بعضه ببعض متفاضلًا، والنعام من الطير الوحشي.
- والسمك كله صنف واحد، لا يباع متفاضلًا.
ويباع لحم النعم والوحش بلحم الطير والسمك متفاضلًا.
стр. 400
وقال أبو حنيفة: اللّحم أصناف مختلفة كأصله؛ فلحم الغنم صنف، ولحم البقر صنف، وكذلك الإبل، وكذلك لحم الوحش مختلف، والطير مختلف، والسمك كذلك، وهو أحد قولي الشّافعيّ.
والقول الآخر: إن الجميع من النعم والحش والطير والسمك صنف واحد لا يجوز فيه التفاضل، وما كان من صنف واحد عند الشّافعيّ، لم يجز بيع بعضه ببعض رطبًا حتّى ييبس، كما منع من بيع الرطب بالرطب.
فالكلام مع أبي حنيفة في منع بيع لحم الغنم بلحم البقر والإبل متفاضلًا، وهو يجيزه.
٩٠٥ - مسألة:
[وقال مالك]: لا يجوز بيع الحي باللحم، ومعناه عند شيوخنا: إذا كان الحي لا يصلح [في الأغلب] إِلَّا اللّحم، مثل: الكباش والبقر المعلوفة للذبح، فلا تباع باللحم، فتصير كالتّمر بالرطب؛ لأجل المزابنة.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: يجوز على كلّ حال.
وقال محمَّد: لا يجوز إِلَّا أن يكون اللّحم أكثر من الّذي في الحي، فتكون الزيادة في مقابلة الجلد وغيره، وإن كان مثله أو أقل منه لم يجز.
وقال الشّافعيّ: لا يجوز بحال، من غير تفصيل عندنا وعند محمَّد.
٩٠٦ - مسألة:
من باع نخلًا فيها تمر لم يؤبر، فهي للمبتاع متابعة للأصل من غير شرط، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: هي للبائع، إِلَّا أن يشترطها المبتاع؛ كما لو كانت مؤبرة سواء.
٩٠٧ - مسألة:
وإذا كانت التّمرة مؤبرة، فهي للبائع وله تبقيتها حتّى يبلغ الجذاذ، وبه قال الشّافعيّ.
стр. 401
وقال أبو حنيفة: هي للبائع أبّرت أم لا، وللمبتاع أن يطالبه بقطعها في الحال ولا يلزمه بقاؤها.
٩٠٨ - مسألة:
من باع ثمرة قبل بدو صلاحها، ولم يشترط القطع بطل البيع [عندنا]، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: يصح البيع، ويلزم المشتري بقطعها في الحال.
فالكلام معه في فصلّين؛ أحدهما: صحة البيع أم لا، والثّاني: هل تقتضي ذلك القطع في الوقت؟
فعندنا يقتضي ذلك التبقية كما لو [٥٤/أ]، شرطها، وعنده يقتضي القطع في الحال.
٩٠٩ - مسألة:
إذا بدا صلاح جنس من الثمار في بستان، كنخلة واحدة منه، أو بعضه ولو عِذق (١) في نخلة؛ جاز بيعه كله، وجاز بيع البساتين حوله في ذلك البلد وإن لم يطلب فيها غيره، إِلَّا أن يكون من جنس مبكر يتقدم، فلا يباع غيره.
ووافق الشّافعيّ في بيع البستان كله، وخالف فيما حوله، إِلَّا أن يطيب في كلّ بستان بعضه، وإن لم يبع بطيب غيره من البساتين.
وقال اللَّيث: تباع الثمار كلها؛ جنسًا أو أجناسًا بطيب جنس منها، [أو مخالف لها].
٩١٠ - مسألة:
يجوز بيع القثاء والخيار والباذنجان والبطيخ، وما أشبه إلى آخر لقاطه، إذا بدا صلاحه وطاب أوّله.
стр. 402
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا يجوز بيع بطن منه، إِلَّا بعد طيبه كالبطن الأوّل.
٩١١ - مسألة:
يجوز بيع الباقلاء في قشره الأخضر، وكذلك الجوز الرطب واللوز والشاة المذبوحة في جلدها، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: لا يجوز إِلَّا في القشر الأسفل؛ لأنّه يحفظه من الفساد.
٩١٢ - مسألة:
يجوز بيع الحنطة في سنبلها مع السنبل إذا يبس، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ في القديم.
ومنع في الجديد.
٩١٣ - مسألة:
ومن باع ثمرة حائط، واستثنى منه كيلًا معلومًا قدر ثلاثة جاز، ولا يجوز ما زاد عليه.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ وغيرهما: لا يجوز استثناء شيء بالكيل على حال.
٩١٤ - مسألة:
إذا باع ثمرة قد بدا صلاحها، وخلا بين المبتاع وبينها، فأصابتها جائحة (١) أذهبت الثلث فأكثر، وضع عنه قدر ذلك من الثّمن، وإن ذهب دون الثلث، فلا شيء له.
стр. 403
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ في الجديد: ذلك من المشتري، وبه قال اللَّيث بن سعد.
وقال في القديم: هو من البائع قليله وكثيره، وبه قال أحمد والقاسم بن سلام.
ولا فرق عندنا في الجائحة بين أن تكون من قبل آدمي، أو من قبل الله تعالى، وكل ما كان من العطش قلّ أو كثر، فهو من البائع عندنا وعند الشّافعيّ.
٩١٥ - مسألة:
[عندنا] يجوز بيع العرايا بخرصها تمرًا من المعري خاصّة، ويجوز من المعري وغيره بالدنانير والدراهم وغيرها، في خمسة أوسق فأكثر.
وأمّا بالتّمر فلا يجوز إِلَّا فيما دون خمسة أوسق من المعري، وقيل: خمسة أوسق أيضًا، ولا يجوز اشتراط تقديم التّمر عند البيع، ولكن عند الجذاذ.
والعَرِيَّة: اسم للنخلة يوهب ثمرها لرجل، وليس هي: اسم العقد، وبه قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق.
وقال الشّافعيّ: يعطيه الثمر في الحال، ويجوز هذا عنده من المعري وغيره.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز بيع ثمرة العرية؛ لأنّه بيع الرطب في النخل بتمر على الأرض، ولو كان على الأرض صح البيع.
٩١٦ - مسألة:
يجوز بيع الطّعام جزافًا قبل قبضه.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا يجوز قبل تحويله عن البائع.
وجوّز أبو حنيفة بيع العقار وما لا يمكن نقله قبل قبضه.
ولا يجيز الشّافعيّ: بيع شيء ما قبل قبضه بما قد اشتري.
стр. 404
٩١٧ - مسألة:
من اشترى مُصَرَّاة، وهي: الشاة يجمع لبنها اليوم واليومين في ضرعها، وتسمى المحُفّلة أيضًا، فهو بالخيار في ردها؛ لأنّه غرر وتدليس بعيب، وبه قال الشّافعيّ وجماعة الفقهاء.
إِلَّا أبا حنيفة، فإنّه قال: ليس [له الخيار في الرَّدِّ، وليس] ذلك عيبًا.
٩١٨ - مسألة:
إذا ابتاع جارية فاستخدمها واستغلّها زمانًا وولدت عنده، ثمّ وجد [٥٤/ب] بها عيبًا ردها ورد ولدها، ولم يردّ الغلة ولا قيمة الخدمة.
ولو ابتاع نخلًا فاستغل ثمرها، ثمّ وجد عيبًا لم يردّ الثمرة، وهي خراج بمنزلة الغلة.
و [به] قال أبو حنيفة: إذا أثمر النخل وولدت الجارية، امتنع الرَّدِّ وكان له الأرش (١).
وقال الشّافعيّ: يردّ النخل والجارية، ولا يردّ الغلة ولا الولد ولا قيمة.
وفرّق أبو حنيفة بين الكسب والغلة والاستخدام، فقال في هذا: له أن يردّ المبيع، ولا يردّ الغلة ولا قيمة الخدمة في العبد والجارية، بخلاف الولد وثمرة النخل، فإن الرَّدِّ عنده يمتنع فيهما ويتعين الأرش.
فاتفق أبو حنيفة والشّافعيّ على رد المبيع دون الغلة والكسب والخدمة.
واختلفا في النخل إذا أثمرت ونتاج المبيع والولد، فأبو حنيفة لا يردّ المبيع في الولد والثمرة، والشّافعيّ يردّ ولا يردّ الولد ولا الثمرة.
ومالك يردّ المبيع الولد.
стр. 405
٩١٩ - مسألة:
وطء الثيب لا يمنع الرَّدِّ بالعيب، ولا يوجب رد شيء بدلًا عنه، [ولكن يأخذ أرش العيب]، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: يمنع الرَّدِّ وله الأرش، وكذا وقع لابن وهب وابن نافع وأصبغ؛ أنّه فوت يوجب الأرش ويمنع الرَّدِّ.
وقال ابن أبي ليلى: يردها ويرد معها مهر المثل.
٩٢٠ - مسألة:
إذا ابتاع رجلان جارية أو عبدًا صفقة فوجدا عيبًا، فإن أراد أحدهما الرَّدِّ والآخر الإمساك، فاختلف عن مالك في ذلك فروي عنه أنّه: لمن أراد الرَّدِّ أن يردّ، وبه قال أبو يوسف والشّافعيّ ومحمد بن الحسن.
وروي عنه أنّه: لا يردّ، وبه قال أبو حنيفة.
وكذلك لو اشترى عبدين في صفقة واحدة.
٩٢١ - مسألة:
إذا ابتاع سلعة فحدث عنده عيب، ثمّ وجد بها عيبًا كان قبل البيع ولم يرده، فهو بالخيار بين أن يمسك ويأخذ الأرش، أو يردها وبدفع المعيب أرشًا، وسواء حدث العيب عنده بفعله أو بفعل غيره.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: ليس له رد بعد حدوث العيب.
٩٢٢ - مسألة:
إذا اشترى عبدًا بشرط أن يعتقه، صح البيع والعتق، وبه قال الشّافعيّ في أظهر قوليه.
وقال أبو حنيفة: هو باطل، إِلَّا أن المبتاع إذا قبضه وأعتقه، فقد عتقه وكان مضمونًا عليه بالثّمن.
стр. 406
وأصله في البيع الفاسد أن يكون مضمونًا بالقيمة، مثل مالك في البيع الفاسد.
ومضى أبو يوسف ومحمد على القياس أنّه مضمون بالقيمة.
٩٢٣ - مسألة:
إذا تلفت السلعة قبل القبض فضمانها من المشتري.
وقال العراقي والشّافعيّ: يبطل البيع.
٩٢٤ - مسألة:
إذا ابتاع شيئًا فوجد به عيبًا، فقال: "فسخت البيع" انفسخ؛ كان قبل القبض أو بعده، حكم به حاكم أم لا، وبه قال الشّافعيّ.
ووافق أبو حنيفة فيما قبل القبض، وقال: لا يفسخ بعد القبض، إِلَّا بأحد أمرين: إمّا أن يثبت ذلك عند الحاكم فيحكم به، أو يتراضيا على الفسخ.
٩٢٥ - مسألة:
[عندنا: أن] العبد يملك ملكًا غير مستقر لا يساوي فيه الحر؛ لأنّ لسيده انتزاعه منه أيّ وقت شاء، وبه قال الشّافعيّ في القديم، [وهو قول أهل الظّاهر].
وقال العراقي: الرق ينافي الملك، وهو الجديد للشافعي.
٩٢٦ - مسألة:
إذا باع حيوانًا رقيقًا أو غيره بالبراءة، وكان فيه عيب يعلمه، وعيب لا يعلمه، ولم يبينها للمبتاع، برئ ممّا لم يعلمه، ولم يبرأ ممّا علم، وبه قال الشّافعيّ.
واختلف أصحابه؛ فقال بعضهم: ليس له إِلَّا هذا القول.
وقال بعضهم: له في الحيوان ثلاثة أقوال؛ أحدها: هذا.
стр. 407
والثّاني: ألَّا يبرأ من شيء، وإن كان باطنًا أو ظاهرًا، علمه أو لم يعلمه.
والقول الثّالث: أن يبرأ من كلّ عيب ظاهر أو باطن، علمه أم لا.
وغير [٥٥/أ]، الحيوان على قولين؛ أحدهما: إنّه لا يبرأ على كلّ وجه، والآخر: إنّه يبرأ على كلّ وجه.
وقال أهل العراق: يبرأ من كلّ عيب؛ علمه أو لم يعلمه؛ في الحيوان وغيره.
وقال أحمد وإسحاق: لا يبرأ من عيب علمه أو لم يعلمه.
٩٢٧ - مسألة:
إذا علم المبتاع الكيل ولم يعلم البائع، فمن أصحابنا من قال: هما سواء؛ لأنّ البائع دخل على أن المبتاع لا يعلم، فهو عنده مثل نفسه.
ومنهم من قال: إذا لم يعلم المبتاع وعلم البائع، فهو بمثابة عيب علمه فكتمه، فإذا ظهر ذلك للمشتري فله الخيار، وإن علم المشتري بالسلعة عيبًا ولم يعلمه البائع، فقد دخل على بصيرة ورضي بالعيب.
فكل ما علم صاحبه كيله، فلا يبعه جزافًا حتّى يعلم المشتري ما علم من ذلك، فإن باعه ولم يعلمه فهو بالخيار، على ما قال ابن القاسم.
وكان الأبهري يقول: هذا يجري مجرى المدلسة والغرور والغش، الّذي إذا وقع فسخ البيع وإن رضي المشتري.
وإنّما قال ابن عبد الحكم: إن شاء أن يردّ رد، إبطالًا لقول من يقول: ليس له رد، وما أراد أنّه يجري مجرى سائر العيوب، الّتي للمشتري الرضا بها أو الرَّدِّ.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: ذلك جائز.
٩٢٨ - مسألة:
إذا باع جارية يوطؤ مثلها، وجب الاستبراء على المبتاع، وهي على ملك البائع، لا يثبت ملك المشتري حتّى يخرج من الاستبراء.
стр. 408
واختلف في هذا على ثلاثة مذاهب.
وبقولنا قال عثمان البتي.
وقال الحسن والنخعي وسفيان: الاستبراء يجب على البائع والمشتري جميعًا؛ حيضة عند البائع وحيضة عند المبتاع.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: يجب على المشتري في ملكه، لا في ملك البائع.
٣١ - فصل:
إذا باعه جارية جاز أن يأتمن البائع المبتاع عليها، ويسلمها إليه تحيض عنده، فإن شح البائع أوقفها عند ثقة لتحيض.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: يلزم تسليمها للمبتاع.
٣٢ - فصل:
إذا كانت في أول حيضها أجزت تلك الحيضة، وإن مضى أكثر حيضها استأنفت حيضة أخرى.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا بدَّ من حيضة مؤتنفة عند المبتاع، ولا يجزي ما كان عند البائع أصلها.
٩٢٩ - مسألة:
لا يجوز أن يبيع سلعة بثمن إلى أجل، ثمّ يشتريها من المبتاع بأقل من ذلك نقدًا، وبه قال أبو حنيفة.
وأجاز ذلك الشّافعيّ.
٩٣٠ - مسألة:
إذا جمعت الصفقة حلالًا وحرامًا، فهي كلها باطلة، إذا كان التّحريم لحق الله، مثل: بيع حر وعبد، أو سلعة وخمر أو خنزير في صفقة، وهذا ظاهر قول مالك.
стр. 409
وذكر ابن القاسم في مواضع: أن من اشترى عشرة شياه مذكاة صفقة، فظهر فيها شاة ميتة، أن له أن يردها بقسطها، ويصح البيع في الباقي، وهو خلاف قول مالك.
وبقول مالك قال أبو حنيفة.
واختلف قول الشّافعيّ، فقال: مثل قولى ابن القاسم.
وقال أيضًا: مثل قولى مالك وأبي حنيفة.
وإن كان ما لا يجوز لحق آدمي، مثل: بيع عبده وعبد غيره في صفقة، صح البيع في حقه، ووقف في حق غيره، فإن أجازه صح، وإن منع منه بطل حق الغير خاصّة، وبه قال أبو حنيفة.
واختلف قول الشّافعيّ، فقال: مثل قولنا.
وقال: يبطل الجميع.
٩٣١ - مسألة:
إذا اختلف المتبايعان في مقدار الثّمن، فقال البائع: بألف، وقال المشتري: بثمانمائة، أو اتفقا في الثّمن واختلفا في المثمن، فقال البائع: بعتك هذا الثّوب بمائة، وقال المبتاع: هذا وثوب آخر بمائة.
وكذا إذا اختلفا في الأجل، فقال البائع: نقدًا، وقال المبتاع: مؤجلًا.
وكذا إذا قال البائع: بغير خيار، وقال المبتاع: بالخيار، أو قال: بعتك برهن، وقال المبتاع: بغير رهن، أو بشرط ضامن، وقال المبتاع: بلا ضامن.
فالكلام في جميع المسائل واحد، بلا خلاف بيننا وبين أبي حنيفة والشّافعيّ في أنّهما يتحالفان ويفسخ العقد، [إذا كانت السلعة في يد البائع.
وأمّا إذا كانت قائمة في يد المشتري، فاختلف قول مالك، فقال: يتحالفان، ويفسخ البيع بينهما]، كما لو كانت في يد البائع، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
стр. 410
وقال مالك أيضًا: القول قول المشتري [٥٥/ب] مع يمينه، ويكون له بما حلف عليه.
وإن تلفت في يد المبتاع، فالأظهر من الرِّواية عنه أن يحلف المبتاع على ما يقول، وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف.
وروي عن مالك أيضًا: أنّهما يتحالفان ويرجعان إلى القيمة، وبه قال الشّافعيّ ومحمد.
وقال أبو ثور وغيره من نفاة القياس: القول قول المشتري على كلّ حال؛ سواء كانت قائمة في يدي البائع أو المبتاع أو تالفة.
وأبو حنيفة يخالفنا ويخالف الشّافعيّ: في الخيار والأجل والرهن والضمان، فقال: لا يتحالفان أصلًا وإن كانت قائمة.
ويجيء هذا على القول الّذي يقول فيه مالك: إن القول قول المشتري في الثّمن، إذا كانت السلعة في يده قائمة، أو تلفت في يده.
٩٣٢ - مسألة:
وإذا وجب التحالف بدئ بيمين البائع قبل المشتري.
وقال أبو حنيفة: يبدأ بيمين المشتري.
واختلف أصحاب الشّافعيّ، فقال بعضهم: إنّه على ثلاثة أقوال: أحدها: كقولنا. والآخر: كقول أبي حنيفة.
والثّالث: إن الحاكم بالخيار في تبدئة من شاء منهما.
٩٣٣ - مسألة:
وإذا تشاحّا في القبض، فقال البائع: لا أدفعه حتّى أقبض، وقال المبتاع: لا أدفع حتّى أقبض.
قال القاضي: فالذي يقوى عندي على المذهب أحد أمرين؛ إمّا جبر المبتاع على التسليم، ويؤخذ من البائع المبيع، أو يقال لهما: "أنتما
стр. 411
بالخيار؛ إمّا تطوع أحدكما على الآخر فيبذل، أو تكونا على ما كنتما عليه"، وأن يجبر المبتاع أقوى.
وقال أبو حنيفة. يجبر المبتاع أوّلًا على التسليم.
واختلف قول الشّافعيّ، فقال: يجبر البائع ثمّ المشتري، وقال: لا يجبر واحد منهما.
وقد حكي عن قوم: أن كلّ واحد منهما يحضر ماله عند الحاكم أو عدل، فيضعه على يديه (١)، يسلم لكل واحد منهما ماله، وحكي أنّه قول الشّافعيّ أيضًا.
وإنّما قلت: إن المبتاع يجبر على التسليم؛ لظاهر قول مالك: إن البائع يتمسك بما باع، حتّى يقبض ثمنه.
٩٣٤ - مسألة:
البيع الفاسد إذا فات بعد قبضه؛ بهبة أو عتق أو بيع، ويعد تصرفه فيه بشبهة الملك، ولزمته القيمة؛ لأنّه مضمون عليه بالعقد الّذي هو تسليط من البائع.
وقال أبو حنيفة: يملكه المبتاع بالقبض.
وقال الشّافعيّ: لا يحصل به ملك ولا شبهة ملك.
٩٣٥ - [مسألة (٢):
إن ابتاع جارية أو عبدًا على أنّه لا يبيع ولا يعتق أو لا يستخدم، وما أشبه من الشروط الّتي ليست من مقتضى العقد ولا من مصلحته، بطل العقد والشرط جميعًا.
قال القاضي: واختلف النَّاس في هذه المسألة على مذاهب:
стр. 412
[فقال] أبو حنيفة: العقد باطل، والشرط باطل، وهو قول الشّافعيّ، وروي أنّه قول ابن عمر ﵄.
وقال ابن شبرمة وحماد ابن أبي سليمان: العقد صحيح، والشرط صحيح.
وحكي عن الحسن والنخعي وابن أبي ليلى: أن العقد صحيح، والشرط باطل.
وحجة مالك: أن البائع سلط المبتاع على ملكه، ألَّا ترى أنّه إذا فات عنه، وجبت عليه القيمة.
وبه يستدل أبو حنيفة، فإن في النِّكاح الفاسد إذا مكنت (١) المرأة من نفسها فوطئت، فقد (٢) سقط الحدّ، ووجب المهر، وثبت النسب.
٩٣٦ - مسألة:
إذا باع دارًا واشترط سكناها مدة معلومة، [أو باع جملا واشترط أن يركبه، صح عندنا، ولكنه يشترط في الحيوان مدة يسيرة، فيشترط ركوب البعير اليومين والثلاثة، من جهة سرعة التغيير للحيوان، والدار مأمونة، وبه قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: البيع باطل.
٩٣٧ - مسألة:
يجوز مقارنة البيع الإجارة في عقد؛ كشراء زرع وحصاده على البائع، أو يبيع عبده ويؤجر داره بألف في عقد.
ولا يجوز بيع ونكاح، ولا بيع وصرف، ولا بيع وكتابة.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز مقارنة عقد لشيء غيره على وجه.
стр. 413
واختلف قول الشّافعيّ في جميع ذلك [٥٦/أ] فقال: مثل قولنا، وقال: لا يجوز.
وما سوى البيع والإجارة عندنا لا يجوز.
٩٣٨ - مسألة:
يصح [عندنا] البيع الموقوف على إجازة مالكه؛ كبيع رجل مال رجل بغير أمره، وكذلك المشتري لغيره بغير إذنه، ويقف على إذنه.
ووافقنا أبو حنيفة في البيع دون الشراء.
وخالف الشّافعيّ في الأمرين.
٩٣٩ - مسألة:
يجوز [عندنا] كراء الفحل مدة معلومة؛ لينزو على الإناث.
ومنع منه أبو حنيفة والشّافعيّ.
٩٤٠ - مسألة:
يجوز بيع الصوف على ظهور الغنم، وبه قال أبو يوسف.
ومنع منه أبو حنيفة والشّافعيّ ومحمد بن الحسن.
٩٤١ - مسألة:
المسك طاهر يجوز بيعه [عندنا]، وبه قال جميع الفقهاء.
وحكي عن بعض النَّاس أنّه قال: نجس، لا يجوز بيعه.
٩٤٢ - مسألة:
بيع الأعمى وشراؤه جائز، وبه قال أبو حنيفة.
ومنع منه الشّافعيّ إذا ولد أعمى، و [أمّا] إن كان بصيرًا ثمّ عمي، جاز بيعه وشراؤه لما كان شاهده، وما للغالب أنّه لا يتغير كالحديد وغيره.
٩٤٣ - مسألة:
إذا كان لرجل على رجل دين حال، وأخره عليه مدة فليس له الرجوع
стр. 414
في ذلك، ولزمه تأخيره إليها، وكذا لو كان عليه دين مؤجل فزاده في الأجل، وبه قال أبو حنيفة، إِلَّا في الجناية والقرض، فإنّه لا يلزمه.
وقال الشّافعيّ: لا يلزمه شيء من جميع ذلك، [وله المطالبة قبل الأجل].
٩٤٤ - مسألة:
يجوز قرض الحيوان سوى الإماء اللواتي يجوز للمقترض وطؤهن.
وقال أبو حنيفة: لا يصح قرض شيء من الحيوان؛ لأنّه لا تضبط صفته.
وبقولنا قال الشّافعيّ، وزاد المزني وابن جرير الطّبريّ: جواز قرض اللاتي يجوز وطؤهن.
٩٤٥ - مسألة:
إذا أذن السَّيِّد لعبده في التجارة، فما لحقه من دين تعلّق بذمته لا برقبته ولا بكسبه ولا ذمة سيده، إِلَّا أن يضمنه السَّيِّد، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: يتعلّق الدِّين برقبته، وتباع رقبته فيه.
٩٤٦ - مسألة:
ما أقر به العبد ممّا يوجب عقوبة في بدنه، قُبل إقراره؛ كإقراره بسرقة فيها، أو قود يلزمه، أو قتل في الحرابة، أو زنا [يوجب جلده] أو غيره ممّا تعلّق بالبدن، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
وقال المزني وزفر وأهل الظّاهر: لا يقبل إقراره.
٩٤٧ - مسألة:
إذا أقر العبد بسرقة معينة أو غير معينة؟ كان المسروق في يده أو في يد غيره فإنّه يقطع، وإن لم يدع سيده المال، ولا قال: إنها بعبده، فإنها ترد على المقر له، فإن أنكر المولى ذلك قطع العبد، ولم يدفع للذي أقر له شيء.
стр. 415
وقال أبو حنيفة: إذا كان شيئًا بعينه قطر، ودفع المسروق على من سرق منه.
وقال أبو يوسف: يقطع، ويكون المال للمولى إن ادعاه، كقولنا.
وقال محمَّد: إن أقر بمال معين لم يقطع.
واختلف قول الشّافعيّ، فقال: يقبل إقراره في المال أيضًا، وتباع رقبته إن لم توجد السّرقة.
وقال: لا يباع، ولكن يكون دينًا في ذمته إذا أعتق.
٩٤٨ - مسألة:
يكره بيع الكلاب، فإن بيعت لم يفسخ العقد، وكل كلب أمكن الانتفاع به، فبيعه جائز على كراهة، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: لا يجوز بيعه أصلًا، ولا قيمته إن قتل وأتلف على صاحبه، وبه قال أحمد.
٩٤٩ - مسألة:
لا يجوز البيع يوم الجمعة وقت النِّداء، وذلك لمن يجب عليه استماع الخطبة والصلاة، وهو من قرب من الجامع، وهو الوقت الّذي يكون فيه الإمام على المنبر.
وأمّا من بعد، فإنّما يحرم عليه في الوقت الّذي لو سعى فيه لحق الإمام على المنبر.
وإذا تبايعا والجمعة لازمة لهما أو لأحدهما، فسخ البيع.
وروي عن مالك أنّه: لا يفسخ.
والأظهر [٥٦/ب] الفسخ.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ وغيرهما: يمنع من البيع والشراء، فإن تبايعا لم يفسخ.
стр. 416
مسائل السَّلَم
٩٥٠ - مسألة:
لا يجوز السلم الحال، ولا بد له من أجل وإن كان أيامًا يسيرة، على ما روى ابن عبد الحكم.
وقال ابن القاسم: معناه إذا كانت أيامًا، تتغير في مثلها الأسواق.
قال القاضي: وهو عندي كما قال ابن القاسم.
وبقولنا قال أبو حنيفة، ولم يفرق بين البعيد والقريب.
وقال الشّافعيّ: يجوز بغير أجل.
٩٥١ - مسألة:
يجوز السلم فيما هو معدوم عند العقد، إذا كان مأمون الوجود عند محله، وبه قال الشّافعيّ [وأحمد] وإسحاق.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز، إِلَّا إذا كان جنسه موجودًا [حال العقد إلى وقت المحل، فإن كان معدومًا عند العقد، موجودًا عند المحل، أو موجودًا] حين العقد وحين المحل، إِلَّا أنّه ينقطع في خلال ذلك، لم يجز.
فيجوز السلم في الرطب في شهرين؛ لأنّه أكثر ما يستدام بقاؤه هذه المدة، وبه قال سفيان والأوزاعي.
стр. 417
٩٥٢ - مسألة:
اختلف في رأس مال السلم، فقال أبو حنيفة: لا يجوز السلم، إِلَّا بعد معرفة مقدار رأس المال في المكيل والموزون [والمعدود].
وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز العقد على ما كان معينًا، وإن لم يعرف قدره، وبه قال الشّافعيّ في أحد قوليه. والآخر مثل قول أبي حنيفة.
وقال القاضي أبو الحسن: لا أعرف فيه نصًّا في مذهبنا، غير أن مالكًا يجوّز بيع المكيل والموزون والمعدود الّذي لا يكثر فيه الخطر جزافًا.
ولا يباع شيء له بال [يعد عدّا] جزافًا؛ مثل الثِّياب والرّقيق والدواب.
وقال: لا تباع الدنانير والدراهم جزافًا، على طريق الكراهة.
قال: وعندي الرّقيق وغيره مثله، مكروه.
وهو يجوّز تأخير رأس مال السلم بغير شرط، وبالشرط اليومين والثلاثة.
وإن حضر رأس المال عند العقد، جاز عندي أن يكون جزافًا، فإن أخره بشرط قريب أو بغير شرط، فلا بد أن يكون معلومًا، كالمسلم فيه؛ ليعلم بما تقع المطالبة فيه، فيجوز على هذا أن يكون رأس المال؛ تارة جزافًا، وتارة معلومًا.
٩٥٣ - مسألة:
يجوز السلم في الحيوان؛ من الرّقيق والبهائم والطيور، وكذلك القرض، إِلَّا الجوراي، وبه قال من الصّحابة: علي وابن عبّاس وابن عمر ﵃، ومن التابعين: ابن المسيَّب والحسن والنخعي، والفقهاء: الشّافعيّ وأحمد وإسحاق.
وقال أبو حنيفة: لا يصلح سلم الحيوان ولا قرضه، وذكر أنّه قول ابن مسعود ﵁، ورواية عن ابن عمر ﵄، و [به قال] الأوزاعي وسفيان.
стр. 418
٩٥٤ - مسألة:
إذا أسلم في شيء ونقد الثّمن، وبقيا مقدار ما ينتفع المسلم إليه بالثّمن، لم يجز أن يقيله من بعض المسلم فيه ويرد قسطه؛ لأنّه يصير بيعًا وقرضًا؛ [كأنّه باعه ما لم تقع الإقالة فيه]؛ لأنّه انتفع بقسط ما أقاله فيه ثمّ رده إليه، وقد نهي عن بيع وسلف (١).
وجوّزه أبو حنيفة والشّافعيّ، كما لو أقاله في الكل.
وهو مبني على أصولنا.
٩٥٥ - مسألة:
يجوز [عندنا] البيع إلى الحصاد والجذاذ والنَّيرُوز والمِهْرَجان (٢)، يريد وقت وجوب القضاء.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز ذلك؛ لأنّه مجهول.
وقال الشّافعيّ: لا يجوز إلى الحصاد والجذاذ، فأمّا وقت وجوب القضاء فيجوز، وإن كان وقت النيروز والمهرجان وفصح النصارى، يعرف من جهة الحساب جاز، كقولنا.
٩٥٦ - مسألة:
إذا حلب لبن المرأة في إناء جاز بيعه، وبه قال الشّافعيّ.
ومنع منه أبو حنيفة.
стр. 419
٩٥٧ - مسألة:
الإقالة بيع لا فسخ.
وقال أبو حنيفة: هي فسخ.
وقال أبو يوسف: هي قبل القبض فسخ، وبعده بيع، إِلَّا في العقار، فإنها بيع قبل وبعد.
وقال محمَّد: هي فسخ، إذا كان بجنس [٥٧/أ] الثّمن الأوّل، وإن كان بغيره فهي بيع.
وقال الشّافعيّ: هي فسخ، واختلف أصحابه في ذلك.
٩٥٨ - مسألة:
تجوز الشركة والتولية في السلم، كما تجوز فيه الإقالة.
ومنع منه أبو حنيفة والشّافعيّ؛ لأنّ الشركة والتولية بيع الشيء قبل قبضه، والإقالة عندهم فسخ.
٩٥٩ - مسألة:
لا يجوز التسعير على أهل الأسواق، ولكن من حط سعرًا، أمر بأن يلحق بأهل السوق، أو ينعزل عنهم.
واختلف أصحابنا في معنى ذلك، فقال البغداديون: من باع خمسة أرطال بدرهم، والناس يبيعون ثمانية [بدرهم].
وقال بعض البصربين: هو من باع ثمانية، والناس يبيعون خمسة.
وعندي: أن الأمرين ممنوعان.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا يجوز التسعير على المخالف لأهل السوق في البيع ولا غيره.
٩٦٠ - مسألة:
يكره بيع بيوت مكّة، وبه قال أبو حنيفة، وكذلك تكره إجارتهم.
стр. 420
وأجازه الشّافعيّ من غير كراهة.
٩٦١ - مسألة:
لا يجوز بيع الزيت النجس، ويجوز الاستصباح به، وبه قال الشّافعيّ.
وجوّز بيعه أبو حنيفة.
٩٦٢ - مسألة:
عهدة الرّقيق في البيع ثلاثة أيّام بلياليها، فما أصابه في هذه المدة، فضمانه إن مات فيها من بائعه ونفقته عليه، ثمّ عليه عهدة السنة؛ من الجنون والجذام والبرص، فما حدث من ذلك في السنة رده به، وإن انقضت السنة ولم يظهر ذلك فلا عهدة على البائع، وإن كانت جارية ممّا توضع للحيضة، فحتى تخرج من حيضتها، وتدخل عهدة الثلاث، ثمّ تبقى عهدة السنة كالعبد.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: كلّ ما حدث من عيب بعد قبض المشتري، فهو من المبتاع على كلّ وجه.
٩٦٣ - مسألة:
إذا تقابضا بعض ثمن الصّرف، ثمّ تفرقا قبل قبض بقيته، بطل الصّرف كله؟ ما قبض وما لم يقبض، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: يجوز فيما قبض، ويبطل ما لم يقبض.
стр. 421
مسائل الجنايات
٩٦٤ - مسألة:
لا يقتل مسلم بكافر على وجه القصاص؛ ذميًا كان أو معاهدًا أو مستأمنًا، وبه قال من الصّحابة: عمر وعلي وعثمان وزيد بن ثابت ﵃، ولا مخالف لهم من الصّحابة، وقال به [جماعة من التابعين منهم]: عطاء وعكرمة والحسن، [ومن الفقهاء: مالك، والأوزاعي والشّافعيّ والثوري وأبو ثور وأحمد وإسحاق.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: يقتل المسلم بالذمي دون غيره، وبه قال النخعي والشعبي، وحكم المعاهد والمستأمن عنده حكم أهل الحرب.
٩٦٥ - مسألة:
لا يقتل حر بعبد؛ عبد نفسه أو عبد غيره، وبه قال الشّافعيّ، وهو قول أبي بكر وعمر وزيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وعلي ﵃.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: يقتل بعبد غيره دون عبد نفسه، ووافقنا على ألَّا قصاص بينهما في الأطراف.
وقال النخعي: يقتل بعبد نفسه وعبد غيره.
وحكي أنّه قال: بينهما قصاص الأطراف. وما أظنه صحيحًا.
стр. 422
٩٦٦ - مسألة:
إذا قتل حر عبدًا عمدًا أو خطأً، فعليه قيمته بالغة ما بلغت، وإن زادت على دية الحر أضعافا؛ لأنّه سلعة من السلع، وبه قال الثّوريّ والشّافعيّ وأحمد وإسحاق.
وقال أبو حنيفة ومحمد: لا يبلغ به دية الحر، ولا بد أن ينقص منها عشرة دراهم.
وحكى أصحابنا عنهم أنّه ينقص في الأمة خمسة دراهم.
وهو خطأ، والأمة والعبد سواء، وهو عند أبي حنيفة في الخطأ، وأمّا العمد فيقتل الحر عبده بالعبد.
وبقولنا قال [الشّعبيّ و] النخعي وأبو يوسف.
٩٦٧ - مسألة:
يقتل الوالد بولده، إذا [٥٧/ب] تعمد قتله، ومثله حكي عن داود.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ والشعبي وأشهب: لا يقتل به مطلقًا، وبه قال عطاء ومجاهد وأحمد وإسحاق.
٩٦٨ - مسألة:
الرَّجل يقتل بالمرأة والمرأة به، إذا كانا مسلمين حرين، أو عبدين مسلمين، ويقتص كذلك بكل واحد من صاحبه في الأطراف، ولم يختلف قول مالك فيه.
فأمّا إن كان يقتص لأحدهما من الآخر، ولا يقتص الآخر منه في النفس، فقال مالك: لا يقتص منه في الأطراف، وإن كان يقتص في النفس، كالعبد يقتل الحر، والكافر يقتل المسلم، فلأولياء المقتول الحر أن يقتلوا العبد والكافر، ولو قطع العبد والكافر يد الحر المسلم، لم يكن له أن يقتص منهم في الأطراف.
وروي عنه: أنّه يقتص. وهو القياس، وبهذا قال الشّافعيّ.
стр. 423
وقال أبو حنيفة: لا قصاص بينهما في الأطراف، وإن وقع بينهما في النفس، إِلَّا أن يتساويا في الدية المقدرة، فيقتل الرَّجل بالمرأة والمرأة به، ولا يؤخذ طرف الرَّجل بالمرأة، ولا طرف المرأة بالرجل؛ لأنّ ديتهما مختلفة في النفس، وكذا عندهم يقتل الحر بالعبد، ولا يؤخذ طرفه بطرفه، ويقتل العبد بالعبد، ولا يؤخذ طرفه بطرفه؛ لاختلاف قيمتهما، وإن جاز أن يتساويا فالتساوي بطريق الاجتهاد، لا بطريق اليقين.
٩٦٩ - مسألة:
تقتل الجماعة بالواحد، كالواحد لو انفرد، وبه قال [من الصّحابة]: عمر وعلي وابن عبّاس والمغيرة بن شعبة ﵃، و [من التابعين]: سعيد بن المسيَّب وعطاء والحسن، [ومن الفقهاء: مالك] والشّافعيّ وأبو حنيفة والثوري وإسحاق وأحمد.
وقال ابن الزبير ومعاذ ﵃: إن لولي المقتول أن يقتل واحدًا من الجماعة، من شاء منهم ويأخذ (١) الدية من الباقين، مثل: أن يقتل عشرة واحدًا، فيقتل منهم واحدًا، ويأخذ تسعة أعشار الدية من الباقين، وبه قال الزّهريُّ وابن سيرين.
وقال داود: لا قود على واحد منهم، وعليهم الدية.
وهو خلاف ما اجتمعت عليه الصّحابة.
٩٧٠ - مسألة:
يقطع الجماعة إذا اشتركوا في قطع طرف رجل دفعة واحدة، كما لو قتلوه، وبه قال الشّافعيّ وأحمد وإسحاق.
وقال الزّهريُّ والثوري وأبو حنيفة: لا تقطع الأطراف بطرف.
стр. 424
٩٧١ - مسألة:
يقاد من المثقل كما يقاد من المحدد، ولا فرق بين أن يكون بحديد، أو حجر، أو عصا، أو يغرقه في الماء، أو يحرقه، أو يخنقه، أو يمنعه الطّعام والشراب حتّى يموت، أو يضغطه، أو يهدم عليه شيئًا، أو يبني عليه بيتًا لا يمكنه الخروج منه، وإن قتله بآلة قتل بمثلها، وبه قال الشّافعيّ وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد وغيرهم.
وقال أبو حنيفة: لا قود عليه في هذه الأشياء، إِلَّا في المحدد والنار، وكذلك المحدد من الخشب والحجر والليطة (١)، فأمّا لو غرقه أو قتله بحجر البرز أو بمِدَقَّة الجَصَّ، فلا قود، وبه قال الشّعبيّ (٢) والحسن والنخعي، وقالوا: لا قود إِلَّا بحديدة.
٩٧٢ - مسألة:
يُقتل المُكرِه والمُكرَه على القتل ظلمًا، وبه قال الشّافعيّ في المكرِه، واختلف قوله في المكرَه.
وقال زفر: مثل قولنا.
وقال أبو حنيفة: يقتل الآمر دون المأمور، وهو قول محمَّد.
وقال أبو يوسف: لا قصاص على واحد منهما.
٩٧٣ - مسألة:
إذا أمسك رجل رجلًا لإنسان، فقتله ظلمًا والممسك عالم بذلك، قتلا جميعًا، وبه قال النخعي، وزاد فقال: يقتل الممسك؛ علم أو لم يعلم.
وقال أبو حنيفة [٥٨/أ] والشّافعيّ وأبو ثور وغيرهم: يقتل القاتل دون غيره، ويعزر الممسك إن كان عالمًا.
стр. 425
٩٧٤ - مسألة:
الواجب في قتل العمد القود حسب، ولا تجب الدية إِلَّا برضى القاتل، هذا الأظهر ممّا روي عن مالك.
وروي عنه: أن الولي بالخيار في القصاص أو الدية، وإن كره القاتل.
وبالأول قال أبو حنيفة.
وبالثّاني قال الشّافعيّ وأحمد وإسحاق وسعيد بن المسيَّب والحسن وعطاء.
٩٧٥ - مسألة:
اختلف عن مالك في النِّساء، هل لهن مدخل في القود والعفو؟
فقال: ذلك للذكور دون النِّساء.
وروي عنه: أن الإناث والذكور فيه سواء، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
وبالأول قال الزّهريُّ.
فعلى القول بأن القود متعين ولا خيار لهم في الدية، إذا عفا الذكور سقط القود، ولم يجب شيء، وعلى القول بأن لهم الخيار، وإن اختاروا الدية وصالحوا عليها، دخل النِّساء فيها.
٩٧٦ - مسألة:
إذا كان القود لصغار وكبار فللكبار أن يستبدوا، ولا يلزم انتظار بلوغ الأصاغر، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ وأبو يوسف ومحمد: ليس للكبار ذلك شيء حتّى يبلغ الأصاغر.
وقيل: رجع محمَّد إلى قولى أبي حنيفة.