وللشافعي قولان: في القديم والجديد: مستحب.
وفي الإملاء: واجب، وإن راجعها ولم يشهد لم يصح.
٧٧١ - مسألة:
الوطء المنهي عنه لا يحل المطلقة ثلاثًا للأول.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: يحلها مثل وطء الصائمة والحائض وما أشبه.
стр. 352
مسائل الإيلاء
٧٧٢ - مسألة:
الإيلاء في اللُّغة [٤٦/أ]: هو اليمين والقسم.
ثمّ اختلف النَّاس في الإيلاء الشرعي: وهو الّذي تتوجه به المطالبة بالفيء أو الطّلاق بعد أربعة أشهر، كقوله: والله لا أصيبك خمسة أشهر أو أكثر وما أشبه، فإن علّق اليمين على أربعة أشهر فما دون، فهو يمين لا مطالبة فيها، لكنه إن وطئ فيها لزمته الكفارة، وإن لم يطأ حتّى انقضت المدة، لم يلزمه شيء كسائر الأيمان، وبه قال الشّافعيّ وأحمد وأبو ثور.
وقال ابن عبّاس ﵄: لا يكون إيلاءً شرعيًّا، حتّى يكون يمينه على التّأبيد بعد التربص.
وقال أبو حنيفة والثوري: إذا علّق يمينه بأربعة أشهر فصاعدًا كان مواليًا شرعًا، وإن كان على أقل من أربعة أشهر كانت يمينًا.
٧٧٣ - مسألة:
إذا آلى وانقضت المدة المضروبة للإيلاء، [وهي: أربعة أشهر] لم تقع البينونة بانقضائها، بل تجب المطالبة بالفيء أو الطّلاق، فأيها فعل خرج به عن الإيلاء، فمن وطى في الأربعة الأشهر، فقد قدم الوطء قبل وقته، كمن عليه حق إلى أجل قدمه قبل محله، فمدة التربص مطلوبة لتحل المطالبة لا لوقوع البينونة، ووقت الفيء بعد مدة التربص لا فيها، وبه قال الشّافعيّ
стр. 353
وأحمد وأبو ثور، وجماعة من الصّحابة: عمر وعثمان وعلي وابن عمر وعائشة ﵃.
وقال سليمان بن يسار: أدركت بضعة عشر نفسًا من الصّحابة يوقفون المولي.
وقال سهيل بن أبي صالح (١): عن أبيه قال سألت اثني عشر من الصّحابة عن المولي؛ فقالوا: لا شيء عليه، حتّى يتربص أربعة أشهر، ثمّ يوقف ليفيء أو يطلق، وبه قال طاووس ومجاهد.
وقالت طائفة: المدة مضروبة لوقوع البينونة بانقضائها، ووقت الفيء في الأربعة الأشهر لا بعدها، وهو قول أهل الكوفة وابن أبي ليلى وسفيان وأبي حنيفة وأصحابه، ومن الصّحابة: ابن عبّاس وزيد بن ثابت ﵃، وحكي عن عثمان وابن مسعود ﵄: والصّحيح عنهما غيره.
وقال قوم: الفيء في المدة، فبانقضائها تقع طلقة رجعية، وإليه ذهب الزهريّ وسعيد بن المسيَّب.
٧٧٤ - مسألة:
إذا وقف المولي بعد انقضاء المدة، فلم يف وامتنع أن يطلق، طلّق عليه الحاكم.
واختلف قول الشّافعيّ، فقال مثل قولنا، وقال: لا يطلق عليه، ولكن
يحبسه حتّى يطلق.
стр. 354
٧٧٥ - مسألة:
إذا امتنع من الفيء وطلق، أو طلق عليه، فهي طلقة رجعية، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة وأبو ثور: هي بائنة، غير أن أبا حنيفة يقول: تقع بانقضاء المدة.
٧٧٦ - مسألة:
إيلاء العبد شهران؛ كانت زوجته حرة أو أمة.
وقال أبو حنيفة: إن كانت زوجته حرة فأربعة أشهر، وإن كانت أمة فشهران.
وقال الشّافعيّ: إيلاؤه أربعة أشهر مثل الحر؛ كانت تحته حرة أو أمة.
٧٧٧ - مسألة:
إذا طلق زوجته ثلاثًا، ثمّ تزوجها رجل ليحللها له، ودخل بها لم تحل للأول.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: تحل.
стр. 355
مسائل الظهار
٧٧٨ - مسألة:
إذا قال: "أنت علي كظهر أمي اليوم"، كان مظاهرًا تلزمه الكفارة بالعود في اليوم وبعده كمن لم يوقت، وهو أحد قولي الشّافعيّ والليث بن سعد وابن أبي ليلى.
وقال أبو حنيفة: يتأقت ويبطل الظهار بمضي اليوم، ولا كفارة عليه إن عاد، وهو الثّاني للشافعي.
٧٧٩ - مسألة:
الذمي لا يلزمه ظهار، وبه قال أبو حنيفة، وألزمه الطّلاق دون الظهار.
وقال الشّافعيّ: يلزم المشرك الطّلاق والظهار، فإن أمكنه أن يطلقها فلم يفعل فعليه الكفارة، فإن أعتق صح، وإن لم يقدر عليه لم يجز له الصوم، وأطعم ستين مسكينًا [٤٦/ب].
٧٨٠ - مسألة:
إذا كان المظاهر مضارًّا بترك الكفارة مع قدرته عليها، دخل عليه الإيلاء وضرب له الأجل من يوم ترفعه [امرأته] إلى الحاكم.
وروي عن مالك من يوم ظاهر، والأول أصح.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا يدخل عليه إيلاء، ولو أقام ما أقام لم يكفر.
стр. 356
٧٨١ - مسألة:
ومن ظاهر من أمته، لزمه الظهار فيها كالحرة، وكذلك أم ولده، وبه قال علي ابن أبي طالب وابن الزبير ﵃، وسفيان والثوري.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ وأحمد: لا ظهار من أمة ولا أم ولد، وإنّما الظهار من الزوجات حرائرا وإماء، وهو قوله ابن عمر ﵄.
٧٨٢ - مسألة:
اختلف النَّاس في كفارة الظهار بماذا تجب؟
فقال قوم: بمجرد الظهار، ولا يشترط العود، وبه قال مجاهد وسفيان الثّوريّ.
وقال جماعة: إنّما تجب بشرطين: الظهار والعود.
واختلفوا في العود على مذاهب، فقالى مالك: هو العزم على الوطء.
وروي عنه أنّه: الوطء نفسه، ولكن يقدم الكفارة عليه.
وروي عنه أنّه: العزم على الإمساك والوطء، [وإلى هذا ذهب وأشار في الموطَّأ، وتابعه أحمد على أنّه العزم على الوطء].
وقال الحسن وطاووس والزهري: هو الوطء نفسه، كما حكي عن مالك أيضًا.
وقال أبو حنيفة: الكفارة لا تجب بالظهار والعود، ولكن تحرم المرأة بالظهار، ولا يجوز وطؤها إِلَّا بالكفارة، فشرط استباحة الوطء الكفارة حسبُ، حتّى إنّه لو لم يختر وطأها أبدًا، لم تكن عليه كفارة.
وهو عنده مثل الطّهارة لصلاة النافلة، فلا تجب عليه إِلَّا أن يشاء، فإن أراد صلاة النافلة فشرطها الطّهارة مقدمة عليها.
وحكى الطحاوي عن أبي يوسف عنه أنّه قال: إذا وطئها قبل الكفارة وماتت أو مات، فلا كفارة عليه، وقد أن محرمًا في وطئها قبل الكفارة،
стр. 357
وإن أراد الوطء بعد ذلك، لم يجز له حتّى يكفر، وكذلك لو وطئها ألف مرّة قبل التكفير، وقيل: إنّه قول اللَّيث.
وقال الشّافعيّ: العود هو إمساكها، مع القدرة على طلاقها.
وقال أصحابه: العود هو أن يقدر على الطّلاق، فلا يفعل.
قال بعضهم: هذا يبطل بالرجعية إذا ظاهر منها، فإنّه قادر على طلاقها، ولا يكون عائدًا، فلا يفعل.
قال بعضهم: وقال داود هو إعادة اللّفظ.
٧٨٣ - مسألة:
إذا وطئ المظاهر قبل أن يكفر لم تسقط عنه، ولم تجب عليه إِلَّا كفارة واحدة غير أنّها تكون قضاءً.
وقال مجاهد: تلزمه بالوطء كفارة أخرى، فتجب عليه كفارتان.
وقال قوم: تسقط الكفارة أصلًا بالوطء قبلًا.
٧٨٤ - مسألة:
إذا وطئ المظاهر من ظاهر منها؛ نهارًا ناسيًا في خلال الصوم، أو ليلًا عامدًا، فقد قطع التتابع ويستأنف الصوم، وبه قال أبو حنيفة ومحمد وسفيان.
وقال الشّافعيّ وأبو يوسف وأبو ثور: لا ينقطع إِلَّا بالوطء نهارًا عامدًا.
وهو موضع إجماع.
٧٨٥ - مسألة:
إذا كان فرضه الإطعام، لم يجز له أن يطأ، حتّى يطعم ولا في خلال الإطعام كالصيام، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
وحكي عن الثّوريّ في بعض الروايات عنه: جواز الوطء قبل الإطعام.
стр. 358
٧٨٦ - مسألة:
لا يجوز في الظهار، إِلَّا رقبة مؤمنة، وكذلك كلّ رقبة واجبة، وبه قال الشّافعيّ والأوزاعي وأحمد وإسحاق والحسن.
وقال قوم: يجوز في الظهار المؤمنة والكافرة؛ منهم: عطاء والنخعي والثوري وأبو حنيفة.
٧٨٧ - مسألة:
لا يجزئ في الكفارة عتق مكاتب، سواء أدى من كتابته شيئًا أم لا، فإن أعتقه عن كفارته نفد عتقه ولم يجزه، وبه قال الشّافعيّ والأوزاعي والثوري وزفر.
وقال أبو حنيفة وأصحابه إِلَّا زفر: إن كان قد أدى من نجومه شيئًا لم يجزه، وإن لم يؤد شيئًا أجزأه استحبابًا.
٧٨٨ - مسألة:
من اشترى بعض من يعتق عليه من أقاربه، ونوى [٤٧/أ] بشرائه عتقه عن كفارته لم يجزه؛ كانت الكفارة من ظهار أو قتل أو يمين أو فطر رمضان، وبه قال الشّافعيّ وزفر.
وقال أبو حنيفة وصاحباه: يجزئه استحبابًا.
٧٨٩ - مسألة:
إذا كانت كفارات من جنس واحد كلها ظهار أو قتل أو عن يمين كلها، فأعتق بعددها رقابًا، فليس عليه تعبين كلّ رقبة عن الأولى والثّانية والثالثة، بلا خلاف.
وإن كانت مختلفة بعضها عن ظهار وعن قتل وعن يمين فأعتق بعددها رقابًا، ولم يعين لكل كفارة رقبة، فإنّه جائز عندنا كالجنس الواحد، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا بدَّ من التعين والنية، لكل واحدة رقبة تخصها،
стр. 359
فأمّا إن كانت عليه كفارات لا يدري هي عن ظهار أو قتل أو غيره، فلا خلاف أنّه إذا صام أو أطعم أو أعتق، ونوى به عن كفارته، أجزأه ولم يفتقر إلى التعيين.
٧٩٠ - مسألة:
من كان له مسكن يحتاج لسكنه، وثمنه يساوي رقبة ظهاره، لم يجزه الصوم، كذلك لو كانمت رقبته تخدمه، وكذلك دابة يركبها لم يجزه الصوم، وبه قال الأوزاعي.
وقال أبو حنيفة مثله في الرقبة محتاجها، فإن لم يجدها ووجد ثمنها أو قيمتها، وهو محتاج إليها لسكن أو ركوب، جاز له العدول إلى الصوم.
وقال الشّافعيّ: يجوز العدول إلى الصوم، مع وجود الرقبة والمسكن، مع الحاجة إليه.
٧٩١ - مسألة:
الاعتبار في الكفارة وقت الأداء، مثل أن يحلف وهو معسر، فحنث وهو موسر أو بالعكس، وبه قال أبو حنيفة.
قال: وإن ظاهر وعاود موسرًا ثمّ أعسر، فلم يقدر على العتق صام.
وللشافعي ثلاثة أقوال: أحدهما: إن العتق قد تقرر في ذمته؛ لأنّه عاد وهو موسر، فلا ينتقل عنه بعسره، وإن عاد وهو معسر، فقد تقرر الصوم عليه وإن أيسر، غير أنّه إن أعتق أجزأه.
والثّاني: مثل قولنا في اعتبار وقت التكفير.
وقول آخر: يعتبر أغلظ أحواله؛ أي: وقت قدر على العتق من حين الوجوب إلى حين الأداء، فإن كان عند الوجوب من أهل العتق، وأعسر عند التكفير لم يتغير الفرض على العتق، وإن كان معسرًا عند الوجوب وأيسر عند الأداء، ففرضه العتق لم يجزه الصوم.
стр. 360
٧٩٢ - مسألة:
أجمع الفقهاء على أن في الرقاب عيوبًا لا تجزئ معها؛ مثل: قطع اليدين والرجلين أو قطع جميعهما.
وقال داود: يجزئ ما يقع عليه اسم [رقبة] بأي عيب كان؛ لقوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣]، ولم يخص.
٧٩٣ - مسألة:
فأمّا قطع يد أو رجل فيجزئ عند أبي حنيفة، وكذلك يد ورجل إذا كان من خلاف، ولا يجوز مقطوع الإبهامين.
وقال مالك والشّافعيّ: لا يجزئ شيء من ذلك.
٧٩٤ - مسألة:
لو شرع في صوم الكفارة لعسر، ثمّ أيسر ووجد الرقبة، لم يجب عليه رجوع، ويستحب له أن يعتق إذا صام اليوم واليومين.
وقال الشّافعيّ مثل قولنا.
وقال أبو حنيفة والمزني: يلزمه العتق، ويترك الصوم.
[وعلى هذا أصولهم في التَّيمُّم: إذا عدم الماء ودخل في الصّلاة ثمّ طرأ عليه الماء، وقد مضت هذه المسألة في كتاب الطّهارة مستقصاة].
٧٩٥ - مسألة:
إذا كان من أهل الإطعام، فأطعم ستين مسكينًا أجزأ، بلا خلاف.
وإن أطعم الطّعام كله لمسكين واحد لم يجزه، وإن كان في ستين يومًا، وبه قال الشّافعيّ وزفر.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: يجزئه.
٧٩٦ - مسألة:
مقدار الإطعام عندنا نصف صاع لكل مسكين.
стр. 361
وقال أبو حنيفة: صاع.
وفيه خبران أحدهما يشهد لنا، والآخر يشهد له.
اختلف عن مالك في القدر.
فروي عنه في الأظهر عنه: مدّ بمدّ هشام بن إسماعيل (١)؛ وهو مدّ وثلثان بمدّ النبيّ ﷺ .
وروي عنه: مدّان، قيل: وهو قدر مد هشام.
وروي عنه: مدّ بمدّ النبيّ ﷺ ، وبه قال [٤٧/ب]، الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن كان برًّا، فنصف صاع بالحجاجي، وهو أربعة أرطال بالبغدادي، وإن كان تمرًا أو شعيرًا فصاع، وهو ثمانية أرطال بالبغدادي.
واختلف عنه في الزبيب، فقال: نصف، وقال: صاع.
٧٩٧ - مسألة:
إذا مرض المظاهر في صومه فأفطر ثمّ صح، بني على صيامه، وهو أحد قولي الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: يستأنف، وهو الثّاني للشافعي.
стр. 362
مسائل اللعان
٧٩٨ - مسألة:
إذا قذف الرَّجل زوجته بالزنا على الصِّفَة الّتي نبينها بعد هذا أو نفى حملها، وأكذبته وعدم البينة فله أن يلاعن، فإن نكل حد، وإن التعن ونكلت هي حدت، وبه قال الشّافعيّ.
غير أنّه يقول بنفس القذف قد فسق، ووجب الحدّ عليه، وله أن يسقطه باللعان، وكذلك يقول في المرأة إذا التعيين الزوج.
وهذا عندي ليس كذلك في الزوج، بل أمره مراعى، فإن عدم البينة ونكل عن اللعان وجب عليه الحدّ وإذا حد فسق، وإذا التعيين فيجب في الزوجة الحدّ كما ذكر، ولها أن تسقطه باللعان؛ لأنّ لعان الزوج كالبينة.
وقال أبو حنيفة: لا يجب الحدّ بالنكول عن اللعان، ولكن يحبس
الناكل منهما حتّى يحلف.
٧٩٩ - مسألة:
إذا قال لزوجته: يا زانية، وجب عليه الحدّ وإن لم يكن له بينة، وليس له أن يلاعن حتّى يدعي الرؤية.
وروي عن مالك: أن له أن يلاعن وإن لم يدع رؤية، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ، ويسقط عنه الحدّ باللعان.
стр. 363
٨٠٠ - مسألة:
[عندنا: أن] كلّ مسلم صح طلاقه صح لعانه؛ حرًّا كان أو عبدًا؛ عدلًا أو فاسقًا، وبه قال الشّافعيّ وأحمد وإسحاق.
غير أن الكافر عندهم يجوز طلاقه ولعانه.
والكفار عندنا لا يقع طلاقهم؛ لأنّ أنكحتهم فاسدة، وليسوا ممّن يقوم مقام الشهداء، فلم يصح لعانهم.
وقال قوم: إذا لم تقبل شهادة أحد الزوجين لم يصح لعانهما؛ مثل: أن يكون أحدهما مملوكًا أو كافرًا أو محدودًا، أو كلاهما كذلك، منهم: الزهريّ وحماد ابن أبي سليمان والثوري وأبو حنيفة.
وعند أبي حنيفة وأتباعه: أنّه شهادة لا تصح منهما إن لم يكونا من أهل الشّهادة.
٨٠١ - مسألة:
اختلفت [الرِّواية عن مالك] في حد القذف هل هو حق لله أو حق آدمي؟
فروي عن مالك: أنّه حق آدمي، يصح عفوه فيه؛ بلغ الإمام أم لا.
وروي عنه: أنّه حق لله تعالى يتعلّق به حق آدمي، فيجوز عفوه فيه قبل بلوغ الإمام، فإن بلغ لم يصح عفوه، إِلَّا أن يريد سترًا على نفسه؛ مثل: أن يخاف أن ينكشف فيكون مثل قول القاذف، ويسأل عنه الإمام سرًّا، فإن كان متهما أجاز عفوه، ويجوز أن يعفو الابن عن أبيه، على كلّ حال.
وقال أبو حنيفة: هو حق لله، وإن مات المقذوف لم يورث عنه.
وقال الشّافعيّ: هو حق لآدمي.
وفائدة ذلك: أنّه لا يستوفى إِلَّا بالمطالبة، فإن ثبت عليه باعترافه أو ببينة جاز عفوه عنه، وإن مات ورث عنه.
стр. 364
٨٠٢ - مسألة:
إذا عقل الأخرس الإشارة وفهم الكتابة، وعلم ذلك منه، صح قذفه ولعانه، وكذلك الخرساء، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا يصح قذفهما ولا لعانهما.
٨٠٣ - مسألة:
الحدّ موروث عندنا للأولياء، والعصبة يقدمون به، وبه قال الشّافعيّ.
غير أنّه تردد فيمن يرثه على ثلاثة أوجه:
أحدها: جميع الورثة رجالًا ونساءً.
والثّاني: أهل النسب دون السبب، فخرج منه الزوج والزوجة.
والثّالث: العصبة [٤٨/أ] دون النِّساء.
وقال أبو حنيفة: لا يورث ويسقط بموت المقذوفة.
وقال أحمد بن حنبل: لأنّ صاحب الحدّ قد مات.
٨٠٤ - مسألة:
إذا نكلت الزوجة عن اللعان رجمت إن كانت ثيبًا، أو جلدت إن كانت بكرًا، ولا تغريب على النِّساء.
واختلف قول الشّافعيّ في الأمة، وقال: تغرب الحرة قولًا واحدًا.
وقال أبو حنيفة: لا تغريب في الزِّنا.
٨٠٥ - مسألة:
[قال مالك]: إذا مات المنفي باللعان، ثمّ أقر [به] اللاعن لحق به وثبت النسب، كان للمنفي ولد أم لا، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: إن كان للمنفي ولد قبل قوله، وإلا لم يقبل.
стр. 365
٨٠٦ - مسألة:
إذا قذف الرَّجل زوجته بالزنا فالتعنا، ثمّ قذفها أجنبي بذلك الزِّنا، فعليه الحدّ كان الزوج قد نفى نسبا منها أم لا؛ كان ما نفاه حيًا أو ميتًا، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: إن كان الزوج نفى نسبًا، وهو حي حين قذفها الأجنبي فلا حد عليه، وإن كان الزوج نفى نسبًا وهو ميت، أو لم ينف نسبًا فعلى الأجنبي الحدّ في قذفها.
فالخلاف معه في وجوب الحدّ، إذا كان قد لاعن، ونفى نسبًا وهو حي.
٨٠٧ - مسألة:
إذا تزوج امرأة، وقال لها: زنيت على الصِّفَة الّتي يقول، قبل أن أتزوجك، فإن لم تقم بينة حُدَّ، ولم يلاعن كالأجنبي، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: يلاعن.
فاعتبرنا أن يكون الزِّنا في الزوجية، واعتبر هو أن يكون القذف في الزوجية لا الزِّنا.
٨٠٨ - مسألة:
إذا بانت منه بالثلاث أو الخلع، ثمّ رآها تزني في العدة فله أن يلاعن، وكذلك إن ظهر بها حمل، فقال: كنت استبرأتها بحيضة لاعن، وبه قال اللَّيث.
وقال الشّافعيّ: إن كان هناك حمل فله أن يلاعن، وإن لم يكن نسب فلا لعان.
وقال أبو حنيفة: لا يلاعن أصلًا؛ سواء كان نسب أم لا، وبه قال أحمد والأوزاعي.
стр. 366
٨٠٩ - مسألة:
إذا ظهر بزوجته حمل فنفاه وادعى استبراءها، فله أن يلاعن فيسقط عنه، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة وزفر: قوله: "ليس هذا العمل مني"، ليس بقذف؛ ادعى استبراء أم لا، ولو ولدت بعد ذلك لم يلاعن.
وقال أبو يوسف ومحمد: إن أتت به لأقل من ستة أشهر من يوم قوله لاعن.
٨١٠ - مسألة:
إذا قال لزوجته: "أصابك رجل في دبرك ورأيته"، فإن أقام البينة وإلا لاعن، فإن امتنع حد؛ لأنّه قذف [عندنا]، وكذا لو قال لرجل أو غلام: "وطئت في دبرك"، كان قاذفًا، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: ليس بقذف ولا لعان فيه.
بناءً على أصله أن لاحد على لائط.
٨١١ - مسألة:
إذا نكح نكاحًا فاسدًا ووطىء فحملت، فادعت أنّه منه وأنكره، فله أن يلاعن لنفي الولد؛ سواء قذفها بزنا رآه أو ادعى استبراء لم يطأ بعده، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: ليس له أن يلاعن في نكاح فاسد، والنسب ثابت، ويكون قاذفًا يحد بما رماها به.
واتفقنا على أنّه إذا وطئها في النِّكاح الفاسد صارت به فراشًا.
٨١٢ - مسألة:
إذا التعيين الزوجان وقعت الفرقة بينهما بانقضاء التعانهما من غير حاكم، وبه قال ربيعة وداود.
стр. 367
وقال عثمان البتي (١) ت لا تأثير للعان في الفرقة، وإنّما ينفي النسب والحد، وهما على الزوجية كما كانا.
وقال أبو حنيفة: لا يقع الفرقة بينهما إِلَّا بالحاكم، بأن يقول: "فرقت بينهما".
وقال الشّافعيّ: يقع الفرقة بلعان الزوج دون الزوجة، كما ينفي النسب بلعانه، وإنّما لعأنّها يسقط عنها الحدّ.
٨١٣ - مسألة:
فرقة المتلاعنين فسخ، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: هي طلقة بائنة.
وفائدته: إذا كانت طلاقًا لم يتأبد التّحريم، فإذا أكذب نفسه جاز له أن يتزوجها.
ونقول نحن والشّافعيّ: هو تحريم مؤبد كالرضاع، [وإن أكذب نفسه]، وبه قال من الصّحابة: عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر ﵃، وبعدهم: عطاء والزهري والأوزاعي [٤٨/ب] وسفيان الثّوريّ وأبو يوسف وأحمد وإسحاق.
[وقال أبو حنيفة: إذا أكذب نفسه، أو جلد بحدّ، أو أحدهما في القذف، فقد حلّت له، فيجوز أن يعقد عليها النِّكاح].
وبقول أبي حنيفة قال محمَّد بن الحسن وسعيد بن المسيَّب.
وقال سعيد بن جبير: إنّما يحرم باللعان الاستمتاع، ويرتفع بإكذاب نفسه، وتعود إليه إن كانت في العدة.
стр. 368
٨١٤ - مسألة:
لو قال لها: "يا زانية"، فقالت له: "بل أنت الزاني"، لاعنها وحدت، وبه قال الشّافعيّ.
وقال العراقي: لا حد ولا لعان.
٨١٥ - مسألة:
إذا بقي من اللعان الخامسة الّتي فيها اللعن لم تقع الفرقة، وإن حكم بها حاكم قبل كمال الأيمان نقض حكمه، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: إذا أتيا بأكثر اللعان، مثل: ثلاثة من الخمسة، فلا يحكم بالفرقة حاكم، ولا يسقط الحدّ والنسب بدون استيفاء الأيمان، وإن حكم الحاكم بذلك أساء، ولم ينقض حكمه ونفذ.
٨١٦ - مسألة:
إذا رماها بإنسان بعينه، فإن طالبته الزوجة باللعان، سقط عنه الحدّ إذا التعيين، وحد للأجنبي، وإن لم تطلب هي وطلب الأجنبي، حد له إن لم تقم البينة، وبه قال أبو حنيفة.
غير أنّه يقول: إن طلب الأجنبي أوَّلًا الحدّ وعدم الزوج البينة حد له، وسقط اللعان إن طلبته المرأة؛ لأنّه صار محدودًا في قذف.
بناء على أصله فيما تقدّم.
وقال الشّافعيّ: يلتعن ويقول في يمينه: "أشهد بالله أنّها زنت مع فلان"، فإذا التعيين سقط الحدان جميعًا؛ حدها وحد المرمي بها.
٨١٧ - مسألة:
إذا قذف زوجته فاعترفت بالزنا وصدقته فيه، فإن حصل اعترافها بعد التعانه تأكد الحدّ عليها وتحقق، والزوجية ثابتة بينهما، وإن كان اعترافها قبل لعانه، فقد وجب الحدّ باعترافها، وسقط الحدّ عنه، فإن كان ثمّ نسب أو حدث، فللزوج نفيه باللعان.
стр. 369
وقد روي عن مالك: أن النسب ينتفي عنه باعترافها، وسقط الحدّ عنه.
وقال أبو حنيفة: اعترافها لا يوجب عليها الحدّ، اعترفت قبل لعانه أو بعده أو بعد لعأنّها، وإن كان ثمّ نسب لم يكن للزوج نفيه باللعان، ولحق به مع اعترافها بالزنا.
٨١٨ - مسألة:
إذا أتت زوجته بتوأمين فقذفها، وقال: "رأيتك تزنين"، ونفاهما وادعى استبراءها قبل رؤيته الزِّنا، فله أن يلاعن وينتفيان عنه إن كانا حبين بلا خلاف، وكذلك إن ماتا فله نفيهما بعد الموت، أو مات أحدهما فله أن يلاعن لنفي الحي والميِّت، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: إذا مات قبل اللعان أحدهما، ثبت نسب الحي والميِّت، وليس له أن يلاعن؛ لأنّ نفي الميِّت لا يمكن، ولا يتأتى نفي الحي؛ لأنّه يؤدِّي إلى نفي بعض الحمل وذلك محال.
وقال من احتج له: إن اللعان يراد لنفي النسب، والنسب قد زال بالموت، فإن اللعان يكون تارة لقطع الزوجية، وتارة لنفي النسب، ولو قذفها فماتت بعده، لم يكن له أن يلاعن بعد موتها لقطع الزوجية، فكذلك النسب بعد موته.
واحتج لمالك: بأنّه محتاج إلى نفي الولد: إن كان حيا يلحق به نسب فاسد، وكذلك حاجته لنفيه بعد الموت؛ لأنّه ينسب إليه، فيقال: "هذا الميِّت ولد فلان" حقيقة كما ينسب إليه في حياته، ويقال: "هذا أبو فلان الميِّت" حقيقة، وأيضًا فلا يمكن نفي الحي دون الميِّت، وهذا بيّن.
٨١٩ - مسألة:
إذا انتفى من ولد بلعان فمات الولد، ثمّ أكذب نفسه واستلحقه فهو عندنا على وجهين:
إن ترك المستلحق مالًا ولم يترك ولدًا، لم يلحق به.
стр. 370
وإن كان له ولد لحق به، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: يلحق به على كلّ حال، ويرثه كان له ولد أم لا.
٨٢٠ - مسألة:
إذا وطئ زوجته، ثمّ قال: "رأيتها تزني، ولم أستبرئها بعد الوطء"، فله أن يلاعن.
فإن أتت بولد لستة أشهر فأكثر من يوم رآها تزني، فقد اختلف قول مالك فيه، فقال مرّة: ينتفي الولد، وقال مرّة: لا ينتفي إِلَّا بلعان يدعي فيه استبراء.
وبالأول قال عطاء والشّافعيّ [٤٩/أ] وأبو حنيفة.
٨٢١ - مسألة:
إذا قذف زوجته ثمّ زنت قبل التعانه، فلا حد عليه ولا لعان، إِلَّا أن يزيد نفي النسب ففيه خلاف، هل يلتعن وينتفي النسب، أم لا ينتفي حتّى يدعي استبراء، فيلاعن وينتفي عنه؟
وكذا إن قذف محصنًا أو محصنة أجانب، ثمّ زنيا بعد ذلك وثبت بالبينة أو اعترفا، فإن الحدّ يسقط، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ وأكثر أهل العلم.
وقال أبو ثور والمزني: لا يسقط الحدّ بزنا المقذوف بعد القذف، ولا يرفع حصانته المتقدمة.
واحتج على ذلك: فإن اعتبار الحصانة والعفة في حال القذف لا بعده، وزناه بعد ذلك لا يقدح في حق ثبت له، ألَّا ترى أن الزوج لو قال لزوجته: "زنيت قبل أن أتزوجك"، لم يلاعن؛ لأنّه أضاف القذف إلى حال لا يصح فيه لعان، ولو قذف مسلمًا فارتد المقذوف بعد القذف، وقبل حد القاذف لم يسقط الحدّ، ولو قذفه وهو محصن ثمّ زنى بعد قذفه، لم يسقط الحدّ عن القاذف.
стр. 371
وحجة مالك: أن الحدّ إنّما يقام على القاذف؛ لإزالة المعرة عن المقذوف؛ لأنّه حين رماه كان النَّاس فيه بين مصدّق ومكذب، فإذا زنى ثبتت المعرفة وسقط الحدّ، وحقق النَّاس صحة ما رماه به.
وأيضًا في دليل القياس: أنّه لما زنى الآن، فقد وقعت الشبهة أنّه زنى قبل هذا وقبل القذف.
ويدلُّ عليه ما روي عن عمر ﵁: إذا أراد أن يحد
رجلًا زنى، فقاأل: يا أمير المؤمنين، والله ما زنيت قط قبل هذه، فقال له عمر: "كَذبت، إنَّ الله تعالى أَكرَمُ مِن أَن يَفضَحَ عَبدًا بِأَوّل خَطِيئَة" (١). فأقام عليه الحدّ، ولسنا نقطع عليه بزنا قبل هذه.
٨٢٢ - مسألة:
إذا عرّض بقذف زوجته أو أجنبيًّا في غضب وسباب ومشاتمة، بشيء يفهم منه ما يفهم من التصريح على الوجه الّذي يقوله، ولم تقم البينة في الزوجة فإنّه يلاعن وإلا حُدَّ، وحُدَّ الأجنبي عندي من وجه؛ أنّه يعتبر المواجهة فيه والمشاتمة والسباب، ولا يعتبر هذا في الزوجة، فلو ابتدأها بتعريض يفهم منه ما يفهم من قوله: "رأيتك تزني"، لكان له أن يلاعنها؛ لنفي النسب.
وأمّا الأجنبي فيحتاج إلى شيء آخر، وهو أن يقول له الأجنبي: "يا زاني ابن الزانية"، فيحتد ويحقد ويغضب، فيقول: "بعمري ما أحسن عفتك وعفة أمك"، و"يسأل النَّاس عني وعنك ليعرف الزاني منا"، و"أنت تعلم من يزني منا، حتّى يعلم كلّ أحد ما ترتكبه أنت، فإنك معروف عند جيرانك، وعند كلّ أحد"، وما أشبه ذلك من الكلام، ومما لا يخفى على
стр. 372
أحد أنّه لا يريد مدحه، وأنّه لا فرق بينه وبين قوله: "أنت زان" أو"تزني" أو"زنيت" ... ونحوه، فإن المعرفة تحصل منه كما تحصل من الصريح، وليس فيه احتمال مدح.
هذا مذهبنا في التعريض، وبه قال أحمد وإسحاق.
وقال الثّوريّ وأبو حنيفة والشّافعيّ وأصحابهم: ليس هذا قذفًا حتّى يقول: "أردت به قذفًا"، وإن فهم من مشاتمتهم ما يفهم من صريح القذف.
٨٢٣ - مسألة:
إذا شهد أربعة على امرأة بالزنا، وأحدهم زوجها فله أن يلاعن، ويحد الشهود الثّلاثة، وهو أحد قولي الشّافعيّ.
والآخر: لا يحدون.
وقال أبو حنيفة: إذا شهد الزوج مع الثّلاثة ابتداءً، قبلت شهادتهم وحدت المرأة.
وإن كان الزوج قد قذفها أوَّلًا، ثمّ جاء مع الثّلاثة للشهادة، لم تقبل شهادتهم، وهو موضع اتفاق منا ومن الشّافعيّ.
والخلاف مع أبي حنيفة إذا شهد مع الشهود من غير أن يتقدم منه قذف، ثبتت الشّهادة عنده، ولا لعان على الزوج وتحد المرأة، وقال أيضًا: إذا جاء الشهود متفرقين، ولم يقم العدد بأربعة حد الثّلاثة.
واختلف قول [٤٩/ب] الشّافعيّ في حدهم.
٨٢٤ - مسألة:
إذا وطئ الرَّجل زوجته أو أمته كانت فراشًا، وكذا إن أقر بوطئها، فإن أتت بولد لستة أشهر من وطئه، ثبت نسبه وكانت له أم ولد، وله نفيه إن ادعى استبراء ولا تكون فراشًا بنفس الملك، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا تكون فراشًا بالوطء، ولا الإقرار بالوطء، ولو وطئها مائة سنة، وأتت بولد لم تلحقه وكان مملوكًا وأمه كذلك، وإنّما
стр. 373
يلحق به ولدها إذا أقر به، فحينئذ تفسير هي أم ولد باعترافه بولدها، وإن أتت بولد بعد ذلك الّذي أقر به لحق به؛ لكونها أم ولده له، إِلَّا أن ينكره، فينفيه مجرد قوله: "ليس بولدي" من غير ادعاء استبراء.
٨٢٥ - مسألة:
إذا تزوج امرأة وطلقها في مجلس العقد بحضرة الحاكم، ثمّ أتت بولده لستة أشهر من حين العقد، لم يلحق به، وبه قال الشّافعيّ.
كما لو أتت به لأقل من ستة أشهر أو أكثر منها، فلا خلاف في هذا أنّه لا يلحق به.
وقال أبو حنيفة في الصورة الأولى: يلحق به، وإن لم يكن إمكان وطء، ويعتبر أن تأتي به لستة أشهر فقط، لا أكثر منها ولا أقل؛ لأنّها إن أتت به لأكثر من ستة أشهر، يكون قد حدث بعد الطّلاق الثلاث فلا يلحقه، وإن أتت به لأقل من ستة أشهر كان الولد حادثًا قبل العقد.
وقال أيضًا: لو تزوج بامرأة غاب زوجها عنها سنين طويلة وأتاها خبر موته، فاعتدت أربعة أشهر وعشرًا، ثمّ تزوجت وولدت أولاد من الثّاني فقدم الأوّل، فإن الأولاد يلحقون به، وينتفون عن الثّاني.
وعندنا وعند الشّافعيّ أنّهم للثاني.
وقال أيضًا: لو تزوج مغربي بمشرقية فأتت بولد لستة أشهر، من يوم العقد لحق به الولد، وإن كان بينهما مسافة سنة، لا يمكن اجتماعهما لوجود العقد.
٨٢٦ - مسألة:
إذا ظهر بامرأته حمل، فنفاه وادعى استبراء فله أن يلاعن، فإن أخر ذلك إلى أن وضعت، فقال: "رجوت أن يكون ريحًا تنفش" لا يخلص من القذف واللعان، فهل له نفيه بعد الوضع أو بعد مدة، إذا انقضت يكون له نفيه بعدها أم لا؟
стр. 374
اختلف النَّاس فيه، فقلنا: إن لم يكن له عذر في سكوته، حتّى مضت ثلاثة أيّام فيما تبين لي، فهو راض ليس له نفيه، وبهذا قال الشّافعيّ.
وقال أيضًا: متى أمكنه نفيه على ما جرت عليه العادة من إمكان الحاكم فلم يفعل، لم يكن له نفيه بعد ذلك، وبهذا قال مالك في اليوم واليومين، إذا تركه لم يكن له نفيه.
وقال شريح ومجاهد: له نفيه أبدًا، واستدل بظاهر الكتاب والسُّنَّة؛ كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ...﴾ الآية [النور: ٦]، فإنّه يدل: أنّه متى نفاه، جاز ذلك والتعن، ولا حجة لمن قال: إنّه على الفور.
وظاهر السُّنَّة قوله ﷺ : "الوَلَدُ لِلْفِرَاش" (١)، فمتى نفاه صح.
وقال أبو حنيفة: لا أعتبر مدة ما.
وقال أبو يوسف ومحمد: يعتبر أربعون يومًا مدة النفاس.
ولا فرق عندنا بين أن تكون حاملًا أم لا، وكذا إذا علم بعد أن ولدت وسكت، لم يكن له نفيه.
٨٢٧ - مسألة:
إذا ظهر بامرأته حمل فلم يقذفها، وقال: "ليس الحمل مني؛ لأني ما وطئتها أصلًا"، أو قال: "استكرهت على الوطء، واستبرأتها"، فله أن يلاعنها لنفي النسب.
وقد ذكرنا عن أبي حنيفة: لا يلاعن عن الحمل أصلًا.
واختلف قول الشّافعيّ، فقال: لا يلاعن حتّى يقذفها بزنا.
وقال أيضًا مثل قولنا.
стр. 375
٨٢٨ - مسألة:
إذا قالت امرأة لزوجها أو لأجنبي، أو أجنبي لأجنبي: "يا زانية"، فلست أعرف لأصحابنا فيها نصًا.
وهو عندي: قذف، على قائله الحدّ، وقد زاد حرفًا، وبه قال الشّافعيّ ومحمد بن الحسن.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: ليس بقذف.
واتفقوا أنّه إذا قال لامرأته: [يا زان]، أنّه قذف.
стр. 376
مسائل العدّة
٨٢٩ - مسألة:
الأقراء: هي الأطهار، وبه قال الشّافعيّ والزهري وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة: هي الحيض، وبه قال [٥٠/أ]، الحسن والأوزاعي والثوري.
٨٣٠ - مسألة:
إذا مات صبي لا يولد لمثله، وزوجته من ذوات الأقراء، اعتدت بأربعة أشهر وعشرًا، سواء كانت حاملًا أم لا، ظهر الحمل قبل موته أو بعد موته، فعليها عدة الوفاة، وبه قال الشّافعيّ، وتكون حاملا من زنا.
وقال أبو حنيفة: إن ظهر حملها قبل موته، فإن عدتها تنقضي بوضع الحمل، وإن ظهر بعد موته فعليها عدة الوفاة. والولد غير لاحق في الوجهين، في قولنا وقول الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: القياس أن تعتد بالشهور؛ لكن الاستحسان إذا ظهر الحمل أن تعتد بوضعه.
٨٣١ - مسألة:
إذا ارتفعت حيضة المطلقة، وليس بها مرض ولا رضاع ولا تدري ما سبب ذلك، فهي مرتابة؛ فإن كانت تجد حسًّا في بطنها، قعدت أكثر مدة الحمل أربع سنين على أظهر ما روي عن مالك، إِلَّا أن يترفع الحس قبل
стр. 377
ذلك، وقد جاوزت السنة، فتكون قد خرجت من العدة، وإن رفعتها الحيضة من غير حس ولا مرض ولا رضاع، قعدت تسعة أشهر غالب مدة الحمل، ثمّ ثلاثة أشهر تمام السنة.
واختلف قول الشّافعيّ، فقال: تقعد حتّى تزول الريبة، ويعلم براءة رحمها، وتعتد ثلاثة أشهر.
وقال أيضًا: تقعد حتّى تبلغ سن من قد يئس، وتعتد ثلاثة أشهر، وبه قال ابن مسعود ﵁.
٨٣٢ - مسألة:
من طلق زوجته فأقرت بانقضاء العدة، ثمّ أتت بولد قبل أن تتزوج بآخر، وذكرت أنّه من الأوّل لحق به، وكذلك لو أتت به لأربع سنين، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: إذا أقرت بانقضاء عدتها، لم يلحق به إِلَّا أن يأتي به لأقل من ستة أشهر، من حين أقرت بانقضاء العدة.
٨٣٣ - مسألة:
إذا دخل بزوجته دخول بناء، واتفقا على عدم الوطء، فالعدة واجبة [عندنا]، وبه قال أبو حنيفة.
وبناه على أصله في الخلوة، وهو أحد قولي الشّافعيّ.
٨٣٤ - مسألة:
عدة الأمة الزوجة ناقصة عن الحرة، فإن كانت من ذوات الأقراء فعدتها قرآن، وبه قال الشّافعيّ وأبو حنيفة.
وقال داود وغيره: تعتد ثلاثة أقراء كالحرة.
٨٣٥ - مسألة:
إذا كانت الأمة ممّن تعتد بالشهور لا الأقراء ولا حمل بها، قعدت ثلاثة أشهر كالحرة.
стр. 378
وقال أبو حنيفة: شهر ونصف.
وللشافعي ثلاثة أقوال؛ أحدها: شهر ونصف، والثانى: شهران بدل قرأين، والثّالث: ثلاثة أشهر.
٨٣٦ - مسألة:
إذا طلقت الأمة ثمّ عتقت في العدة، بنت على عدة الأمة ولم تنتقل؛ كان الطّلاق رجعيًّا أو بائنًا.
وقال أبو حنيفة: تنتقل إلى عدة الحرة، إن كان الطّلاق رجعيًّا، ووافق في البائن.
وللشافعي أقوال؛ منها: أنّها تنتقل الرجعية والبائن.
٨٣٧ - مسألة:
إذا طلق طلاقًا رجعيًّا، ومضى بعض العدة، ثمّ راجع ولم يطلق ثمّ طلق، استأنفت العدة إِلَّا أن يريد برجعته التطويل عليها، فإنها تبني على الأولى.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ في أحد قوليه مثل قولنا، وبه قال المزني: إنها تستأنف.
والثّاني للشافعي: إنها تبني على الأولى، كما نقول نحن إذا أراد التطويل.
وقال داود: إن راجعها وطلقها قبل الوطء، سقطت العدة أصلًا، وحلت للزوج في وقتها.
٨٣٨ - مسألة:
العدّة عندنا وعند الشّافعيّ وأبي حنيفة: من وقت الفرقة لا من وقت السماع؛ سواء صحت الفرقة بالبينة أو بغيرها، إذا كان الزوج غائبًا فطلق أو مات، فلم تعلم حتّى انقضت العدة؛ كانت عدة وفاة، أو أقراء، أو شهور في اليائسة والتي لم تحض، فلا عدة عليها وقد حلت، وبه قال ابن عبّاس
стр. 379
وابن عمر وابن مسعود وعبد الله بن الزبير ﵃.
وقال علي ﵁[٥٠/ب]: العدة من وقت السماع، لا من وقت الفرقة.
وقال سعيد بن المسيَّب وعمر بن عبد العزيز: إن صحت بالبينة، فهي من حين الفرقة، وإلا فهي من حين السماع، وأظنه مذهب داود.
٨٣٩ - مسألة:
عدّة المتوفى عنها إذا كانت حاملًا وضعُ حملها، وإن لم تنقض أيّام نفاسها ولم تغتسل، وبه قال الشّافعيّ.
وقال حماد ابن أبي سليمان: لا تخرج من العدة حتّى تغتسل بانقضاء نفاسها.
وهو قياس قول أبي حنيفة؛ لأنّه يقول: الأقراء الحيض، فإذا مضت ثلاث حيض، لم تخرج من العدة.
٨٤٠ - مسألة:
عدّة المتوفى عنها إذا لم تكن حاملًا بالشهور، فإن كانت ممّن تحيض فارتفعت حيضتها أثناء المشهور، فإن أحست في بطنها قعدت حتّى تزول الريبة، ما لم تجاوز أربع سنين، فإن لم تحس شيئًا قعدت تمام تسعة أشهر وحلّت.
وخالفنا أبو حنيفة والشّافعيّ وقالا: تنقضي عدتها بأربعة أشهر وعشرًا، سواء حاضت في خلالها أم لا.
٨٤١ - مسألة:
للمطلّقة البائن؛ بالخلع أو ثلاث، السّكنى إذا كانت مدخولًا بها، حاملًا أو غير حامل، وبه قال ابن عمر وابن مسعود وعائشة ﵃، والفقهاء السبعة، وأبو حنيفة والشّافعيّ.
وقال قوم: لا سكنى لها، منهم: ابن عبّاس وجابر ﵃، وأحمد وإسحاق.
стр. 380
٨٤٢ - مسألة:
لا نفقة لبائن إِلَّا أن تكون حاملًا، فالنفقة للحمل، وبه قال: ابن عبّاس وجابر ﵃. وقالا أيضًا: لا سكنى لها إذا لم تكن حاملًا وبه قال الأوزاعي وابن أبي ليلى والشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة والثوري: لها النفقة والسكنى، ورووه عن عمر وابن مسعود ﵄.
٨٤٣ - مسألة:
للمتوفى عنها السكنى في عدتها، إذا كانت الدَّار ملك الميِّت، أو قدم كراءها، وإلا فالكراء عليها، وبه قال عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأم سلمة ﵃، ومن الفقهاء: الثّوريّ والشّافعيّ في أحد قوليه.
وقال أبو حنيفة وأصحابه والمزني: لا سكنى لها، وبه قال ابن عبّاس وعلي وعائشة ﵃، وهو الثّاني للشافعي.
وحجتنا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ ...﴾ الآية [البقرة: ٢٣٤].
٨٤٤ - مسألة:
على المتوفى عنها الإحداد، وبه قال الفقهاء، إِلَّا الحسن.
٨٤٥ - مسألة:
ولا إحداد على مطلّقة بوجه، وبه قال ربيعة وعطاء، واحد قولي الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: عليها الإحداد، وهو الثّاني للشافعي، وحكي عن سعيد بن المسيَّب.
٨٤٦ - مسألة:
على الصغيرة الإحداد كالكبيرة، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا إحداد عليها، وإنّما عليها العدة فحسب.
стр. 381
٨٤٧ - مسألة:
لا إحداد على الذمية، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: عليها.
٨٤٨ - مسألة:
في اجتماع العدتين، اختلف عن مالك في المرأة إذا تزوجت في العدة، ودخل بها الثّاني، فقال: تعتد بقية الأولى، وتستأنف من الثّانية، كانت بالأقراء أو المشهور.
وقال أيضًا: تعتد العدة من الثّاني، ويجزئها عن بقية الأولى، إِلَّا أن تكون حاملًا، فبالوضع تنقضي العدتان، كان الحمل للأول أو للثاني.
قال ابن الموّاز: قول مالك: الوضع يبرئها من الثّاني ضعيف، ولا بد أن تستأنف عدة.
وقال أبو حنيفة: عدة واحدة من الثّاني تجزئ عنهما، [وهذا إحدى الروايتين عن مالك].
وقال الشّافعيّ: تتم بقية الأولى، وتعتد للثاني.
٨٤٩ - مسألة:
من تزوج امرأة في عدة من غيره ودخل بها، فرق بينهما وحرمت عليه أبدًا، وبه قال الشّافعيّ في القديم.
وقال أبو حنيفة: لا تحرم عليه، وهو قول الشّافعيّ في الجديد.
وبقولنا قال عمر ﵁.
وقول أبي حنيفة قول علي ﵁.
وروي عن علي ﵁ مثل قول عمر ﵁.
[وروي عن مالك، مثل قول علي ﵁ الأوّل].
стр. 382
٨٥٠ - مسألة:
امرأة المفقود إذا طلبت الفرقة، فحص الحاكم عن خبره وبحث عن أمره، فإن لم يعرف له خبرًا، أضرب لها أجلًا أربع سنين، ثمّ اعتدت أربعة أشهر وعشرًا، وحلت بعد ذلك.
واختلف [٥١/أ] أصحاب أبي حنيفة، فقال بعضهم: لا يفرق بينهما حتّى تثبت وفاته أو طلاقه.
وقال بعضهم: يضرب له أجل مائة سنة.
وقال بعضهم: مائة وعشرين.
وللشافعي قولان فيه: أحدهما مثل قولنا، في القديم.
وقال في الجديد: لا يفرق بينهما أبدًا.
٨٥١ - مسألة:
إذا مات سيد أم الولد أو أعتقها فعدتها حيضة، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: عدتها ثلاث حيض في العتق والموت من السَّيِّد، [ووافقنا أنّه لا يجب عليها في وفاة سيدها عدة الوفاة: أربعة أشهر وعشرًا، وإنّما عليها ثلاثة قروء]، فإن عدمت الأقراء فثلاثة أشهر.
وروي عن عمرو بن العاص ﵁: أنّها تعتد في وفاة سيدها أربعة أشهر وعشرًا، وإليه ذهب أحمد.
٨٥٢ - مسألة:
إذا اشترى جارية قد وطئها البائع ولم يستبرئها، فلا خلاف مع أبي حنيفة أنّه لا يجوز وطؤها للمبتاع قبل الاستبراء.
ولا يجوز عندنا أن يزوجها حتّى يستبرئها، وكذلك إذا اشتراها فاستبرأها ثمّ وطئها، لم يجز له أن يزوجها، إِلَّا بعد الاستبراء، وكذلك إن وطئها البائع ثمّ باعها قبل الاستبراء، أو أعتقها المشتري قبل الاستبراء، لم يجز له أن يتزوج بها ولا يزوجها، وكذا أم الولد، وبه قال الشّافعيّ.
стр. 383
وقال أبو حنيفة في هذه المسائل: يجوز له أن يتزوجها، ويزوجها قبل
الاستبراء.
٨٥٣ - مسألة:
اختلف عن مالك في أكثر مدة الحمل. فروي أربع سنين.
وروي: خمس سنين.
وروي: سبع سنين.
وأظهرها عندي: خمس.
وقال أبو حنيفة: أكثرها سنتان.
وقال الشّافعيّ: أربع سنين.
٨٥٤ - مسألة:
إذا طلق المريض امرأته بائنًا، ثمّ توفي في العدة، لم تنتقل إلى عدة الوفاة، وبه قال الشّافعيّ وأبو يوسف.
وقال أبو حنيفة، إن كان ممّن ترثه، فعدتها أقصى الأجلين من الأقراء أو عدة الوفاة، وبه قال محمَّد.
٨٥٥ - مسألة:
[قال مالك]: إذا عجزت المكاتبة لم توطأ، إِلَّا بعد الاستبراء، وبه قال الشّافعيّ.
وجوّزه أبو حنيفة بغير استبراء.
стр. 384
مسائل الرّضاع
٨٥٦ - مسألة:
[ولبن الفحل يحرّم، و] حرمة الرضاع بين المرضع والفحل، كهي بين المرأة والمرضع؛ [وهو أن المرأة إذا أرضعت مولودًا]، فيصير أبًا له، وأخوه عمّا له، وأخته عمة له، كما تفسير المرضعة أمه، وأختها خالته، وأخوها خاله من الرضاع، فكذلك زوجها.
فإن كان المرضع أنثى، فلا يجوز للفحل أن يتزوجها، ولا لأخيه؛ لأنّه عمها من الرضاع، وإن كان له ابن، لم يجز له أن يتزوجها؛ لأنّها أخته من أمه وأبيه، وإن كان له ابن من غيرها، لم تحل له أيضًا؛ لأنّها أخته من أبيه.
وإن كان ذكرًا لم يحل له أن يتزوج بأم الفحل؛ لأنّها جدته من الرضاع، ولا بأخته؛ لأنّها عمته، ولا بابنة الفحل من غير المرضعة؛ لأنّها أخته من الرضاع من أبيه، وكلّ ما يحرم من النسب مثله، وبه قال من الصّحابة: علي وابن عبّاس ﵃، وهو قول عطاء وطاووس والأوزاعي وأبي حنيفة وأصحابه والشّافعيّ وأحمد وإسحاق وداود.
وذهبت طائفة: إلى أن لبن الفحل لا تحرم له، فلا تحرم على الفحل، فإن كان المرضع أنثى، فلا تحرم على الفحل، ولا على أولاده من غير المرضعة ولا أخته ولا أمه، إن كان المرضع ذكرًا، وإنّما يقع التّحريم من جهة المرضعة دون الفحل، وقال بهذا: عائشة وابن عمر وابن الزبير
стр. 385
-﵃، وهو قول ابن علية وابن كيسان الأصم.
٨٥٧ - مسألة:
[لأبي تمام، قال مالك]: لبن البهيمة لا تحريم له، وبه قال أهل العلم كافة.
وقال قوم: يحرم.
٨٥٨ - مسألة:
[قال مالك]: إذا أرضعت امرأته الكبيرة امرأته الصغيرة حرمتا عليه.
٨٥٩ - مسألة:
[قال مالك]: إذا طلبت الأم على الرضاع أجر مثلها، ووجد الأب من يرضعه بغير أجر فله ذلك، وبه قال الشّافعيّ في أحد قوليه.
وقال في الثّاني: الأم أحق به، وبه قال المزني.
٨٦٠ - مسألة:
لا يفتقر في تحريم الرضاع إلى عدد [عندنا]، وبه قال الأوزاعي والليث والثوري [٥١/ب] وأبو حنيفة وأصحابه، وتقع الحرمة بالجرعة الواحدة، والاعتبار حصوله في الجوف خالصًا أو غالبًا، وهو قول علي وابن عبّاس وابن عمر ﵃.
وقال الشّافعيّ: من شرطه العدد، ولا يحرم إِلَّا خمس رضعات مفترقات، وهو قول عائشة وابن الزبير وابن مسعود ﵃، وبه قال طاووس وسعيد بن جبير، وأحمد وإسحاق.
وقال أبو ثور وأصحاب الظّاهر: شرطه ثلاث رضعات.
٨٦١ - مسألة:
رضاع الكبير لا يحرم، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ وكافة الفقهاء.
إِلَّا داود فإنّه قال: يحرم، وهو قول عائشة ﵂.
стр. 386
وقولنا قول عمر وابنه وابن عبّاس وابن مسعود ﵃.
وروي أن رجلًا قال لعمر ﵁: إنَّ لِي زَوجَةً قَد أَرضَعَت جَارِيَتي، أَفَتَحْرُمُ عَلَيّ؟ فقال عمر: "عَزَمْتُ عَلَيْكَ لَوْ رَجَعتَ، فَأَوجِع ظَهرَ اِمرَأَتِكَ، وَوَاقِع جَارِيَتَكَ" (١).
٨٦٢ - مسألة:
اختلف في زمن الرضاعة، فعندنا والشّافعيّ وأبي يوسف ومحمد: أنّه حولان.
واستحسن مالك تحريم الشهر بعدهما، وليس بقياس.
وقال أبو حنيفة: حولان وستة أشهر.
وقال زفر ثلاثة أحوال.
٨٦٣ - مسألة:
إذا استغنى المولود بالغذاء قبل الحولين، وفطم ثمّ أرضعته امرأة، لم تنتشر الحرمة بينه وبينها.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: ينتشر ما لم تنقض المدة الّتي ذكرنا عنهما، كما لم يستغن.
٨٦٤ - مسألة:
الوَجور (٢) [عندنا] يحرم كما لو رضع، وبه قال سائر الفقهاء.
وقال عطاء وداود: لا يحرم.
стр. 387
٨٦٥ - مسألة:
إذا استهلك اللبن في الماء، إلى أن غلب عليه لم ينشر الحرمة [عندنا]، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه.
وقال الشّافعيّ: ينشر كما لو انفرد. وروي عن ابن الماجشون ومطرف مثله.
٨٦٦ - مسألة:
لبن الميّتة إذا سقي لصغير نشر الحرمة، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: لا يحرم.
٨٦٧ - مسألة:
شهادة النِّساء في الرضاع، وما لا يحل للرجال الاطلاع عليه في غير ذوي المحارم، كالولادة وعيوب النِّساء مقبولة منفردات، وإن كان تقبل شهادة الرجال، وبه قال الشّافعيّ والأوزاعي، وهو قول ابن عبّاس ﵄.
وقال أبو حنيفة وابن أبي ليلى: لا تقبل شهادتهن على الانفراد، وهو قول عمر بن الخطّاب ﵁.
٨٦٨ - مسألة:
ما تقبل فيه شهادة النِّساء، فلا تجزئ فيه أقل من امرأتين، وبه قال الحكم ابن عبينة وابن أبي ليلى وابن شبرمة.
وقال ابن عبّاس ﵄، والزهري والأوزاعي: يثبت الرضاع لشهادة امرأة واحدة.
وقال أبو حنيفة: يقبل في الولادة امرأة واحدة.
وقال الشّافعيّ: لا يثبت الرضاع والولادة بأقل من أربع نسوة، وبه قال عطاء.
стр. 388
مسائل النفقات
٨٦٩ - مسألة:
يفرض السلطان للزوجة مقدار كفايتها، على قدر ما يراه من قدرها، وقدر زوجها في اليسر والعسر، واعتبار حالها وحاله، وهكذا يحكى عن أبي حنيفة أنّها ليست مقدرة.
وقال الشّافعيّ: هي مقدّرة، لا اجتهاد فيها للحاكم، وهي معتبرة بحالى الزوج خاصّة، فيقول: إن كان الزوج موسرًا فمدان كلّ يوم، وإن كان متوسطًا فمد ونصف، وإن كان معسرًا فمد، فيجب لابنة الخليفة ما يجب لابنة الحارس.
٨٧٠ - مسألة:
إذا كانت الزوجة ممّن لا تخدم نفسها أخدمها الزوج بلا خلاف، إِلَّا داود حكي عنه أنّه قال: لا يجب عليه أن يخدمها.
٨٧١ - مسألة:
إذا احتاجت إلى أكثر من خادم، أخدمها خدمة مثلها.
وقال مالك: لا يفرض لها أكثر من خادم واحد في المدينة؛ لأنّ أهل المدينة فيهم القناعة، كما قال: لا يفرض لها الخز والوشي والعسل، وأمّا سائر الأمصار فعلى حسب أحوالهم كالنفقة.
стр. 389
فيظهر فيه أنّها إذا احتاجت إلى أكثر من خادم، لزمه ذلك إن كان وجدًا.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا يلزم أكثر من خادم واحد على كلّ حال.
٨٧٢ - مسألة:
إذا سلمت نفسها للزوج [٥٢/أ]، وهي صالحة للاستمتاع والزوج كذلك، ثمّ طلبته بعد مدة بنفقة ما مضى، وذكر أنّه أنفق عليها، فالقول قوله فيه، ويفرض لها الحاكم من يوم ترفعه.
وقال أبو حنيفة: لا تجب لها نفقة بعد العقد، إِلَّا بفرض الحاكم، فعلى هذا الزوج مصدق، ولو صدقها لم يكن شيء؛ لأنّ الحاكم لم يفرض لها بعد.
وقال الشّافعيّ: القول قولها مع يمينها أنّه لم ينفق عليها.
٨٧٣ - مسألة:
إذا أعسر بنفقة زوجته، فهي بالخيار بين أن تقيم معه ولا نفقة لها في ذمته إِلَّا برضاه، وبين طلب الفراق، فيفرق الحاكم بينهما، وبه قال الشّافعيّ، ومن الصّحابة: عمر وعلي وأبو هريرة ﵃، ومن التابعين: سعيد بن المسيَّب والحسن، ومن الفقهاء: أحمد وإسحاق.
وقال عطاء والزهري وأبو حنيفة وصاحباه: لا خيار لها أصلًا، ويلزمها الصبر عليه، وتتعلّق بذمته النفقة بحكم الحاكم.
٨٧٤ - مسألة:
إذا كان الزوج صغيرًا لا يطأ مثله، والمرأة كبيرة وسلمت نفسها، فلا نفقة لها، وهو أحد قولي الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لها النفقة، وهو الآخر للشافعي.
стр. 390
٨٧٥ - مسألة:
[لأبي تمام، قال مالك]: للمملوك نفقة بالمعروف.
وقال قوم: يطعمه ممّا يطعم، ويلبسه ممّا يلبس.
٨٧٦ - مسألة:
[قال مالك]: نفقة الولد على الأب دون الأم.
وقال محمَّد: على قدر الميراث.
٨٧٧ - مسألة:
لا تلزم الجد نفقة ابن ابنه، ولا ابن الابن لجده.
وقال الشّافعيّ: في الطرفين كالأب.
وقال أبو حنيفة: هي لكل ذي رحم محرم على رحمه.
٨٧٨ - مسألة:
على المرأة رضاع ولدها إن كانت تحت زوج وهو منه، إِلَّا أن لا يرضع مثلها فيكون على الزوج.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا يلزمها، وهو على الزوج بكل حال.
وقال أبو ثور: ذلك عليها بكل حال.
٨٧٩ - مسألة:
الأم أحق بحضانة ولدها، ما لم تتزوج ويدخل بها.
واختلف عن مالك في حضانة الغلام، فقال: حتّى يثغر، وقال: حتّى يبلغ.
ولا خلاف في الأنثى عنه: أنّها حتّى تتزوج ويدخل بها، إِلَّا أن يكون منزل أبيها أحفظ، فيختار لها الوضع الأحفظ، بخلاف الذكر.
وقال أبو حنيفة: حد الأنثى حتّى تبلغ، وحد الذكر حتّى يقوم بنفسه