واتفق أبو حنيفة والشّافعيّ على تحريم الضفدع، واختلفا فيما سواه.
وأبو حنيفة لا يجيز أكل ما سوى السمك.
وللشافعي قولان، ووجه آخر يفصّل فيها تفصيلات.
١١٦٢ - مسألة:
لا يؤكل من الجراد ما مات بغير سبب يضع فيه، أو سبب يكون قتله منه، فإن قطعت رؤوسه أكل، وكذلك لو وقع في نار وهو حي فاحترق أكل، أو وقع في قدر فطبخ، فإذا خلا موته من سبب لم يؤكل، وهو عندنا كطافي السمك.
وعند أبي حنيفة وغيره: أن الميِّت من السمك كميت الجراد عندنا.
واتفق هو والشّافعيّ على أكل الجراد ميتًا على كلّ حال.
١١٦٣ - مسألة:
يؤكل الطير كله؛ ما كان ذا مخلب [وغيره، لا يحرم منه شيء.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: ما كان ذا مخلب] لم يؤكل.
١١٦٤ - مسألة:
[قال مالك]: يكره أكل السِّباع كلها.
وأبو حنيفة يحرمها.
والشّافعيّ يحلل منها الضبع والثعلب.
١١٦٥ - مسألة:
يكره أكل لحم الخيل، وبه قال أبو حنيفة.
وأباحه الشّافعيّ، وبه قال أبو يوسف ومحمد.
١١٦٦ - مسألة:
إذا اضطر إلى أكل طعام غيره فأكله، ضمن قيمته في إحدى الروايتين عن مالك.
стр. 492
وقال أحمد وأبو عبيد وابن جرير: لا يضمن.
١١٦٧ - مسألة:
يأكل الحجام كسبه، وإن كان عبدًا جاز لسيده أكل كسبه، وإن كنا لا نحبه؛ لأنّها صناعة دنيئة، ويستحب للرجل الكامل تبرئة نفسه عن الصنعة الدنيئة، وهو غير محرم، وبه قال جماعة من الفقهاء.
إِلَّا أحمد وغيره من أهل الحديث، فإنهم يحرمونه على الأحرار ويحلونه للعبيد، ولا يجوز للحر أن يحترف بالحجامة، فإن كان غلامه حجّامًا، لم ينفق على نفسه من كسبه، وأنفقه على عبيده وبهائمه.
والكلام في الّذي يحجم ليس المُزَيِّن.
١١٦٨ - مسألة:
إذا وقعت فأرة في السمن أو الزيت وكان ذائبًا، لم يجز بيعه، وجاز الاستصباح به، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: يجوز بيعه والاستصباح به.
وقال داود: لا يجوز بيع السمن ولا الانتفاع به، ويجوز في الزيت؛ لأنّ النّهي ورد في السمن دون الزيت.
وقال قوم: لا يجوز الاستصباح بالزيت.
١١٦٩ - مسألة:
من اضطر إلى أكل الميِّتة أكل شِبَعَه، وتزود قدر ما يغلب على ظنه أنّه يبلغه الطيب. واختلف أصحابنا في الشِّبَع، فقال بعضهم: يشبع.
وقال بعضهم: يأكل ما يسد رمقه.
وقال مالك: يأكل ما يحمله. وهذا كلام محتمل.
قال القاضي: وأنا أختار جواز شبعه وتزوده منها، وبه قال ابن شهاب وربيعة ومالك.
стр. 493
واختلف قول الشّافعيّ كما اختلف أصحابنا.
وقال أبو حنيفة: لا يزيد على سد رمقه شيئًا.
١١٧٠ - مسألة:
كره مالك شحوم اليهود الّتي حرمت عليهم إذا أذابوها (١).
وقال ابن القاسم وأشهب: هي حرام.
ولم يكرهها أبو حنيفة والشّافعيّ.
١١٧١ - مسألة:
إذا ذبحت ناقة أو بقرة أو شاة، فخرج منها جنين ميّت؛ قد تم خلقه ونبت شعره أكل.
وقال الشّافعيّ: يجوز أكله وإن لم ينبت شعره.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز أكله.
стр. 494
مسائل الأيمان والنذور
١١٧٢ - مسألة:
من قال: "أنا يهودي أو نصراني أو مجوسي إن فعلت كذا" ثمّ حنث، فلا كفارة عليه، وكذا لو قال: "أنا بريء من الله أو الإسلام، أو من دين الإسلام"، أو قال: "أنا بريء من النّبيّ ﷺ "، أو: "أنا مبتدع"، فلا كفارة، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: عليه الكفارة متى حنث في شيء من ذلك.
١١٧٣ - مسألة:
يمين الغموس لا كفارة فيها؛ مثل: أن يحلف ما فعل شيئًا وقد فعله، أو قد فعلت وما فعل، وهو متعمد للكذب بيمينه، وبه قال الأوزاعي وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق.
وقال الشّافعيّ: عليه الكفارة، وبه قال الحكم، كما لو حلف على مستقبل.
١١٧٤ - مسألة:
إذا قال: "أقسم"، لم يكن يمينًا حتّى يقول [٦٨/أ]: "بالله"، أو ينويه.
وقال أبو حنيفة: هي يمين؛ سواء نوى اليمين أم لا.
وقال الشّافعيّ: ليس بيمين؛ سواء قصد اليمين أم لا.
стр. 495
١١٧٥ - مسألة:
إذا قال: "علي عهد الله وميثاقه إن فعلت، أو لأفعلن"، ثمّ حنث فعليه الكفارة؛ سواء نوى اليمين أم لا، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: ليس بيمين، إِلَّا أن ينوي اليمين.
وذكر المروزي من أصحابه: أن ظاهر ذلك يمين تلزم فيه الكفارة.
١١٧٦ - مسألة:
يصح الثنيا في اليمين ما لم ينقطع عنه، فإن قطع كلامه فلا ثنيا بعد ذلك، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ وغيرهما.
وذهب طاووس والحسن إلى أن ذلك يصح ما دام في المجلس، فأمّا إذا قام من مجلسه فلا.
وذهب ابن عبّاس رضى الله عنهما إلى: أنّه يصح ولو بعد حين، فقيل: أراد سنة، وقيل: أبدًا.
١١٧٧ - مسألة:
لغو اليمين عندنا هو: أن يحلف على شخص يراه مقبلًا: "إنّه فلان"، ثمّ ينكشف له أنّه غيره، فهذا ومثله لا كفارة فيه، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: في هذا وشبهه الكفارة، واللغو عنده: ما لم يقصده الحالف، ولكنه سبق على لسانه يريد أن يتكلم بشيء، فيبدو منه اليمين؛ سواء كانت على ماض أو مستقبل.
وقد بيَّنَّا أن اليمين على الماضي لا كفارة فيه، واللغو: أن تكون يمينه على شيء يظن أنّه كما حلف عليه، ثمّ يتبين أنّه غيره.
فأمَّا إن حلف على مستقبل، فقد علّق يمينه بشيء يدخله الحنث والبر؛ فسواء قصد أو سبق على لسانه، فإن عليه الكفارة إذا حنث، وبه قال أبو حنيفة.
стр. 496
١١٧٨ - مسألة:
من قدم الكفارة بعد اليمين؛ قبل الحنث أو بعده فذلك جائز.
وروى أشهب أنّها لا تجوز قبل الحنث، فحمل ذلك بعض أصحابه على الاستحباب، وبه قال الشّافعيّ وأحمد وإسحاق، وهو قول عمر بن الخطّاب [وابن عمر] وابن عبّاس وعائشة -رضى الله عنهم-، والحسن وابن سيرين وربيعة وأشهب والأوزاعي -رضى الله عنهم-.
ولكن الشّافعيّ: لا يجوز تقديم صيام الكفارة على الحنث أصلًا.
وذهب أبو حنيفة إلى: أنّه لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث أصلًا.
ولا نعرف له سلفًا في ذلك.
١١٧٩ - مسألة:
لا فرق [عندنا] في تقديم أنواع الكفارة من العتق والكسوة والطعام والصيام.
وقال الشّافعيّ: لا يجوز تقديم الصِّيام خاصّة.
١١٨٠ - مسألة:
لو حلف ليتزوجن على امرأته، فتزوج نظيرتها ومن هي فوقها، ثمّ طلقها قبل أن يدخل بها لم يخرج من يمينه، وكذلك لو تزوج عليها أمة ودخل بها أو لم يدخل لم يبر.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: يبر في الوجهين جميعًا.
١١٨١ - مسألة:
[وقال مالك]: إذا اختار أن يطعم عشرة مساكين في كفارة اليمين، أطعم كلّ مسكين مدا بمد المدينة، وفي الأمصار وسطًا من الشبع غداء وعشاء.
وقال الشّافعيّ: مدا مدا في كلّ موضع.
стр. 497
وقال أبو حنيفة: إن كان حنطة فنصف صاع، وإن كان تمرًا أو شعيرًا فصاع، وفي الزبيب روايتان.
١١٨٢ - مسألة:
لا تخرج القيمة في الكفارة، ويخرج ما نصّ عليه من الثّلاثة الأشياء، وبه قال الشّافعيّ.
وجوّز أبو حنيفة: إخراج القيمة.
١١٨٣ - مسألة:
إذا اختار العتق فقال لرجل: "اعتق عبدك عني"، فأعتقه عنه أجزأه عن كفارته، وسواء كان ذلك الجعل جعله، كقوله: "اعتق عبدك عني، ولك ألف درهم" أو بغير جعل، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: إن كان بجعل جاز، وإن كان بغير جعل لم يجزه.
١١٨٤ - مسألة:
[قال مالك]: إذا أعتق عنه غيره بغير إذنه، وكان ذلك عن فرض أو تطوع أجزأه.
وقال أشهب: لا يجوز، وبه قال أبو حنيفة.
وللشافعي: تفصيلات إن كان عن تطوع لم يجزه، وإن كان عن فرض وهو [٦٨/ب] عن أجنبي لم يجزه أيضًا، وإن كان عن أبويه بعد الموت وكانت عن كفارة فيها تخيير، فإن أطعم أو كسا عنهما جاز، فإن أعتق فعلى وجهين، وإن كانت من كفارة مرتبة، والواجب فيها العتق، فإن كان العتق قد وجب عليهما، فيجوز أن يفعله عنهما، وإن لم يأذن له أبواه.
١١٨٥ - مسألة:
والذي يجزئ من الكسوة في الكفارة ما يستر عورة المصلّي، فالرجل يستره القميص، والمرأة الحرة قميص ومقنعة؛ لأنّها [كلها] عورة ولا ينكشف منها في الصّلاة إِلَّا وجهها وكفاها.
стр. 498
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: يجزئ ما يقع عليه اسم كسوة.
١١٨٦ - مسألة:
إذا عدم العتق والإطعام والكسوة في كفارة اليمين، فوجب عليه الصوم استحب له تتابع الثّلاثة الأيَّام، وإن فرق أجزأه.
وقال أبو حنيفة: لا يجزيه، وهو أحد قولي الشّافعيّ.
والآخر مثل قولنا.
١١٨٧ - مسألة:
إذا وجب على العبد صيام في الكفارة، فصام بغير إذن سيده، أو استأذنه فلم يأذن، فخالفه فصام أجزأه، وبه قال جماعة من أهل العلم.
وحكي عن قوم من أهل الظّاهر منهم داود: أنّه لا يجزيه؛ بناء على أصلهم في الوضوء بالماء المغصوب، والذبح بسكين مغصوب، والصلاة في الدَّار المغصوبة.
١١٨٨ - مسألة:
لا يجوز تبعيض الكفارة بالإطعام والكسوة، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: يجوز بالقيمة.
١١٨٩ - مسألة:
إذا حلف لا يساكن فلانًا في دار، أو كان في دار فحلف لا يسكنها، فإن خرج منها ولم يخرج أهله ولا رحله فهو حانث، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: الاعتبار بخروجه ببدنه، فإن خرج وحده بر، وكذلك إذا قال: "إن سكنتها"، فسكنها بنفسه دون عياله ورحله برئ.
وعندنا وعند أبي حنيفة: لا يبرأ حتّى يسكنها بعياله ورحله، إن كان في بلد واحد.
وعندي: أنّه إن خرج، وترك في الدَّار الّتي حلف لا يسكنها، الشيء
стр. 499
من رحله الّذي لا يسكن بمثله لم يحنث؛ لأنّ مالكًا قال: إذا بقي الشيء اليسير، مثل: الوتد وغيره من السقاطات لم يحنث.
وقال بعض أصحابه أكثر من ذلك، وحكي عن أبي حنيفة مثل هذا.
١١٩٠ - مسألة:
لو حلف لا يدخل دار فلان أو هذه الدَّار، فرقى السطح حنث، وبه قال أبو حنيفة.
واختلف أصحاب الشّافعيّ.
١١٩١ - مسألة:
لو حلف لا يأكل طعامًا يشتريه فلان، فأكل طعامًا اشتراه وآخر معه، ولم تكن له نيّة حنث، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: لا يحنث.
١١٩٢ - مسألة:
لو حلف لا يلبس ثوبًا يشتريه فلان، فاشتراه وآخر معه؛ يحنث إن لم يكن له نيّة.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا يحنث.
١١٩٣ - مسألة:
إذا كان رجل تفضل على رجل بالطعام والكسوة والدراهم، فمنّ عليه بأنّه يأكل ويلبس وينفق من عنده دائمًا، فقال: "والله لا شربت منك بعد هذا ماءً من عطش"، فإن انتفع منه بعد ذلك بماء أو طعام أو كسوة أو دراهم، وغير ذلك حنث في يمينه.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا يحنث إِلَّا بشرب الماء الّذي علّق به يمينه.
وكذلك لو وهب له شاة، ثمّ من بها عليه، فحلف لا يأكل من لحمها
стр. 500
ولا يشرب من لبنها، فإنّه إن أكل من ثمنها أو ما اشتري به أو اكتسي منه حنث، وإن أعطاه من غير ثمنها أو شاة سواها لم يحنث، إِلَّا أن ينوي ألَّا ينتفع منه بشيء، فيحنث متى انتفع بأي شيء كان؛ مثل: [٦٩/أ] قوله: "لا شربت لك ماء".
١١٩٤ - مسألة:
لو حلف لا يدخل دار فلان، فدخل دارًا هو فيها بكراء، حنث إن لم ينو الملك، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: لا يحنث إِلَّا بملكه، إِلَّا أن ينوي الّتي يسكنها.
١١٩٥ - مسألة:
ومن حلف لا يفعل شيئًا، ففعله ناسيًا حنث، وكذلك لو حلف ليفعلنه غدًا فلم يفعله ناسيًا، وبه قال أبو حنيفة.
واختلف قول الشّافعيّ، فقال: لا يحنث، وقال: مثل قولنا.
١١٩٦ - مسألة:
إذا حلف لا يبيع عبده، أو لا يشتري عبدًا، أو لا يطلق امرأته، ولا
يعتق عبده، فأمر من فعل ذلك، حنث إِلَّا أن ينوي الفعل بنفسه، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: لا يحنث إذا لم يفعل هو ذلك، إِلَّا أن تكون له نيّة، وإن كان سلطانًا أو من هو مثله لا يتولى ذلك بنفسه في العادة، حنث بأمر غيره إِلَّا في الطّلاق والعتاق، فإنّه لا يحنث إِلَّا إن تولاه بنفسه.
وذكر أصحابه: أن ذلك كله على قولين.
١١٩٧ - مسألة:
إذا حلف لا يأكل رغيفين معينين عنده، فأكل أحدهما حنث، إِلَّا أن يكون له نيّة في أكلهما جميعًا، وكذلك إذا قال: "والله لا أكلت هذا الرغيف"، فأكل بعضه، ولو قال: "والله لآكلن هذين الرغيفين"، فأكل
стр. 501
أحدهما لم يبر حتّى يأكلهما، وكذلك "لآكلن هذا الرغيف" لم يبر إِلَّا بأكل جميعه.
وقال الشّافعيّ: لا يحنث إِلَّا بأكلهما جميعًا.
ووافقنا في أنّه إذا حلف ليأكلن هذين الرغيفين، فأكل أحدهما أنّه حانث ولا يبر إِلَّا بأكلهما.
١١٩٨ - مسألة:
إذا حلف لا يدخل دار فلان أو هذه الدَّار، فانهدمت وصارت طريقًا فدخلها لم يحنث، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: يحنث.
ولا خلاف أنّه لو حلف لا يدخل دارًا غير معينة، فدخل خربة كانت دارًا، أنّه لا يحنث.
١١٩٩ - مسألة:
[إذا قال: "والله لأقضينك حقك غدًا"، فقضاه اليوم، لم يحنث.
وقال الشّافعيّ: يحنث].
١٢٠٠ - مسألة:
اختلف النَّاس في قوله: "والله لأقضينك إلى حين"، فعندنا أنّه سنة.
وعند أبي حنيفة: ستة أشهر.
وعند الشّافعيّ: أبدًا، وإن مات كان حانثًا قبل موته بساعة، إلى أن يقضيه.
١٢٠١ - مسألة:
إذا قال لزوجته: "إن خرجت بغير إذني، فأنت طالق"، ثمّ أذن لها ولم تعلم، فخرجت قبل علمها بإذنه، طلقت عليه، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: لا تطلق.
стр. 502
١٢٠٢ - مسألة:
إذا حلف لا يأكل رؤوسًا، فأكل رؤوس سمك أو جراد أو طير وما يؤكل لحمه، حنث إن لم يكن له نيّة تخص، ولم يخرج كلامه على سبب يعلم منه قصده في بعض الرؤوس دون بعض.
وقال أبو حنيفة: لا يحنث إِلَّا برؤوس الغنم والبقر، دون الجمال وغيرها ممّا له رأس يؤكل.
وقال أبو يوسف: لا يحنث إِلَّا برؤوس الغنم حسب.
وقال الشّافعيّ: لا يحنث إِلَّا في أكل رؤوس الأنعام؛ الإبل والبقر والغنم، دون غيره من الحيوان، وبه قال أشهب.
وكل واحد منهم يعتبر العرف والعادة بين النَّاس، ولا ينظر إلى الإطلاق.
وحكي عن الشّافعيّ في الحالف لا يأكل لحمًا: أنّه يحنث بأكل كلّ لحم سوى الحيتان.
وكذلك إذا قال: "لا آكل لحمًا"، كلّ واحد منهم يعتبر العرف بين النَّاس.
١٢٠٣ - مسألة:
لو حلف ليضربن عبده مائة سوط، فضربه بضغث فيه مائة سوط ضربة واحدة، لم يبر وإن علم أنّها كلها أصابته.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: بر في يمينه.
١٢٠٤ - مسألة:
لو حلف لا يأكل فاكهة أو ثمرة، حنث بأكل الرطب والعنب والرمان والسفرجل وغير ذلك، وبه قال الشّافعيّ ومحمد وأبو يوسف.
وقال أبو حنيفة: يحنث به كله، إِلَّا الرطب والعنب والرمان.
стр. 503
١٢٠٥ - مسألة:
من حلف لا يأكل أُدمًا فأكل لحمًا أو شواء حنث، كالأكل زيتًا وخلًّا، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: الأدُم: هو ما يصطبغ فيه؛ كالخل والعسل والزيت، فأمّا اللّحم والشواء، وما لا يصطبغ به فليس بأدم.
واختلف قول أبي يوسف.
وقال محمّد: ما كان الغالب أكله بالخبز فهو أدم.
١٢٠٦ - مسألة:
من قال: "إن كلمت فلانًا أو دخلت الدَّار، فمالي صدقة"، ففعل ذلك؛ لزمه إخراج ثلث ماله [٦٩/ب]، وكذلك إذا قال: "مالي في المساكين"أو"صدقة"، على غير وجه الحلف، وكذلك لو قال: "علي نذر أن أتصدق بمالي"، أو"إن شفى الله مريضي"، أو"قدم غائبي فمالي صدقة"، أو "في المساكين"، أو "هدي"، فشفى الله مريضه أو قدم غائبه، لزمه صدقة ثلث ماله، ولا يجزئ من ذلك كفارة يمين.
وقال أبو حنيفة: في النَّذْر المعلق بشرط، إذا كان في ماله، مثل أن يقول: "إن شفى الله مريضي فمالي صدقة"، أو "إن كلمت فلانًا ودخلت الدَّار"، ففعل ذلك، أن القياس: إلزامه إخراج ماله كله، واستحسن أن يتصدق بالأموال الّتي تجب فيها الزَّكاة.
واختلف عنه إذا كان على وجه الحلف، فحكي عنه: أنّه يتصدق بماله كله، حسب ما تقدّم ذكره من ذلك ومن الاستحسان.
وحكي عنه: أنّه عليه كفارة يمين، وهو قول محمّد. والأول هو الصّحيح.
وقال الشّافعيّ: كلّ ما كان على وجه البرّ والنذر، فإنّه يلزمه الوفاء به، ويخرج جميع ماله، وما كان على وجه اليمين في لجاج أو غضب،
стр. 504
مثل: أن يقول: "إن كلمت فلانًا أو دخلت دارًا، فمالي صدقة" وفعل ذلك، فهو مخير أن يكفر كفارة يمين، وإن شاء أن يفي بما ذكره من إخراج ماله كله.
قال القاضي أبو الحسن: فحصل الخلاف في موضعين: أحدهما: أنّه لا تجزيه كفارة يمين إذا كان على وجه الحلف.
والآخر: أنّه يجزيه عندنا إخراج ثلث ماله.
فوافق الشّافعيّ في قوله: كفارة إذا كان على وجه الحلف ففيه كفارة يمين.
وذهب النخعي والحكم وحماد إلى أنّه لا يلزمه شيء.
وذهب عثمان البتي إلى أنّه يلزمه التصدق بجميع ماله.
وقال ربيعة: يلزمه زكاة ماله من العين والماشية والورق ربع عشرها.
واختلف الصّحابة في ذلك أيضًا على ما حكي.
١٢٠٧ - مسألة:
إذا نذر المشي إلى بقعة من بقاع الحرم، ولم ينو حجًّا ولا عمرة لم يلزمه شيء، إِلَّا إن قال: "إلى الكعبة"، أو "الحِجر"، أو "الحَطيم" (١)، أو "مكّة"، أو "المسجد الحرام"، أو "الرُّكن"، أو "الحَجر"، أو "إلى بيت الله " ولا نيّة.
فإن قال: "إلى الصفا"، أو"إلى المروة"، أو "الحرم"، أو "بعض جباله"، أو "بعض مواضع مكّة"، أو "مني"، أو "عرفة"، أو "المزدلفة"؛ فلا شيء عليه، هذا قول ابن القاسم.
وقال أشهب: من حلف بالمشي إلى الصفا، أو المروة، أو ذي
стр. 505
طوى، أو عرفة لزمه، إِلَّا أن ينوي الموضع المسمى بعينه، فلا شيء عليه، وبه قال الشّافعيّ، إِلَّا في عرفة وما كان من الحل.
وقال أبو حنيفة: لا يلزمه في القياس شيء من هذا كله، واستحسن إذا قال: "إلى بيت الله"، أو "الكعبة ومكة"؛ لجري العادة بذلك.
١٢٠٨ - مسألة:
إذا قال فى يمين: "لله علي أن أنحر ولدي في مقام إبراهيم" ثمّ حنث؛ نحر جزورًا؛ لما روي عن ابن عبّاس وابن عمر -رضى الله عنهم-.
وقال أبو حنيفة: عليه كبش استحسانا.
وقال الشّافعيّ: لا شيء عليه.
وشيوخنا يقولون: قول مالك ﵀ استحسان واستحباب لا واجبًا، والله أعلم.
стр. 506
مسائل الأقضية والشهادات
١٢٠٩ - مسألة:
لا تلي المرأة القضاء، وكذلك العبد، غير أن العبد لا خلاف فيه، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: يصح أن تحكم المرأة في كلّ شيء تقبل فيه شهادة النِّساء.
وقال ابن جرير: تقضي في كلّ شيء.
وتقبل عند أبي حنيفة شهادة النِّساء في كلّ شيء، إِلَّا الحدود والجراح، وتقضي عنده المرأة في كلّ شيء، إِلَّا في الجراح والحدود.
١٢١٠ - مسألة:
إذا لم يعلم القاضي لسان الخصم لاختلاف لغتهما، فلا بد من ترجمان عن الخصم.
و [عندي: أنّه] لا يكفي فيه أقل من عدلين يشهدان أنّه قال: كذا وكذا، فيما كان إقرارًا يثبت به عليه حكم؛ لأنّ من أصل مالك: أنّه لو أقر عنده بما يفهمه القاضي، لم يحكم عليه بعلمه حتّى يشهد به عنده شاهدان، ففيما لا يفهمه أحرى وأولى، وبه قال الشّافعيّ، أنّه لا بدَّ من اثنين.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: يقبل في ذلك واحد؛ رجل أو امرأة، ووافق أنّه لا يقبل من عبد.
стр. 507
وقال محمّد: لا يقبل إِلَّا من رجلين، [أو رجل] وامرأتين.
وعندي: أنّه إن تضمن إقراره مالًا وما يجري مجراه [٧٠/أ]، قبل فيه رجل وامرأتان دون ما سواه، ممّا لا تقبل فيه شهادة النِّساء.
١٢١١ - مسألة:
يجوز للقاضي أخذ الرزق على القضاء.
وقال قوم: لا يجوز ذلك.
١٢١٢ - مسألة:
لا يجوز للحاكم أن يقبل هدية لأجل خصومة حضرت، وهو أحد أقاويل الشّافعيّ.
١٢١٣ - مسألة:
إذا لم يعرف الحاكم عدالة رجلين مع علمه بأنّهما مسلمان، لم يحكم بشهادتهما حتّى يبحث عنهما، ولم يكتف بظاهر الإسلام، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: يحكم بظاهر إسلامهما، ولا يحتاج إلى بحث، إلى أن يجرحهما الخصم فيما سوى الحدود والقصاص.
وقال أبو يوسف: يسأل عنهم في السر والعلانيّة، وإن لم يطعن فيهم الخصم كقولنا.
١٢١٤ - مسألة:
لا يجوز للحاكم أن يحكم لابنه.
وحكي عن أبي ثور وداود: جواز الحكم له.
١٢١٥ - مسألة:
يقضي القاضي للحاضر على الغائب، إذا قامت البينة وسأله الحاكم، وبه قال اللَّيث والشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف وابن أبي ليلى وشريح: لا يقضى على
стр. 508
غائب، ولا من هرب قبل الحكم وبعد إقامة البينة، ولا على من استتر في البلد، ولكن يأتي من عند القاضي بيته إلى بابه يدعوه إلى الحاكم، فإن جاء (١) وإلا فتح عليه بابه.
وقد حكي عن أبي يوسف: أنّه يحكم عليه.
ووافقنا أبو حنيفة أن القاضي يسمع الدعوى، ويقبل الشّهادة على الغائب، وإنّما الخلاف في القضاء والحكم.
وقال أبو حنيفة: إذا جاء المدعي إلى الحاكم ومعه رجل، وذكر أن له على فلان الغائب مالًا وهذا كفيله، واعترف الرَّجل بالكفالة، إِلَّا أنّه قال: لا شيء له عليه، قال: يحكم الحاكم على الغائب، وإن ثبت حكمه عليه أخذ من الكفيل الحق.
وكذلك عنده إذا ادعت امرأة على رجل غائب الزوجية، وأن هذا الولد منه، وأن لها عليه نفقة، وأن له مالًا بيد فلان الحاضر، وأقامت البينة بذلك، فإنّه يحكم على الغائب، ويلزم هذا الحاضر تسليم النفقة إليها.
وكذا عنده لو ادعى مدع على جماعة، مثل أن يقول: "قتلوا عبدي"، وما أشبهه، فحضر منهم واحد حكم الحاكم عليه وعلى الغائب، فيعتبر أن تتوجه الدعوى على شخص حاضر.
١٢١٦ - مسألة:
إذا حكم الرجلان رجلًا ورضيا بحكمه، لزمهما حكمه وإن خالف رأي حاكم البلد.
وقال أبو حنيفة: إن وافق رأي قاضي البلد، وإلا لم ينفذ.
واختلف قول الشّافعيّ، فقال: مثل قولنا.
وقال: لا يلزمهما حكمه، وهو كالفتوى منه، وبه قال شريح.
стр. 509
١٢١٧ - مسألة:
اختلف النَّاس في القاضي، هل يقضي بعلمه أم لا؟ على مذاهب:
فقولنا (١): إنّه لا يقضي بعلمه أصلًا؛ علم قبل القضاء أو بعده أو في مجلسه؛ في حقوق الله تعالى أو في حقوق الآدمبين، وبه قال شريح والشعبي وابن أبي ليلى والأوزاعي وأحمد وإسحاق.
وقال ابن الماجشون من أصحابنا: يقضي بما علمه في مجلسه، إذا حضر الخصم واعترف لخصمه بحق.
وقال أبو حنيفة: الّذي يشاهده الحاكم من الأفعال الموجبة للحدود قبل القضاء وبعده، لا يحكم فيها بعلمه، وما علمه من حقوق النَّاس قبل القضاء، فلا يحكم فيه بعلمه، وماعلم منها بعد القضاء حكم به.
وقال أبو يوسف: يحكم في حقوق النَّاس بما علمه قبل القضاء وبعده.
واختلف قول الشّافعيّ، فقال: لا يحكم بعلمه في حق الله وحق الآدمي على وجه، كقولنا.
وقال: يحكم في الجميع. وهو الصّحيح عنده.
١٢١٨ - مسألة:
إذا نسي الحاكم ما حكم به، فشهد عنده شاهدان (٢) أنّه حكم بذلك، قبل شهادتهما وأمضاه، وبه قال أبو يوسف وابن أبي ليلى.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا يلتفت [٧٠/ب] إليهما إذا لم يذكر ذلك.
стр. 510
١٢١٩ - مسألة:
إذا كتب قاض إلى قاض كتابًا بما ثبت عنده، أو بما حكم به وأشهد على كتابه شاهدين، ولم يقرأه عليهما جاز ذلك، ولزم القاضي المكتوب إليه قبوله بقول الشّاهدين: "شاهدان هذا كتاب فلان القاضي، دفعه إلينا مختومًا".
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: إذا لم يقرأه عليهما لم يجز لمن وصل إليه أن يعمل به، وروي عن مالك مثل ذلك.
١٢٢٠ - مسألة:
[وعندنا أن] حكم الحاكم لا يخرج الأمر في الباطن عما هو عليه، وإنّما ينفذ في الظّاهر، فإذا شهد شاهدان أن لرجل على رجل بحق، وحكم الحاكم بشهادتهما، فإن كانا صادقين حل الشيء للمشهود له ظاهرًا وباطنًا، وإن شهدا بزور حل في ظاهر الحكم، ولم يحل فيما بينه وبين الله تعالى، وهو على ملك من شهد عليه؛ كان ذلك في الفروج أو الأموال، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: حكم الحاكم يجعل الأمر في الباطن كالظاهر.
فالخلاف بيننا وبينه في مسائل منها:
أن يدعي رجل على أجنبية أنّها زوجته، وشهد له ويحكم الحاكم بالزوجية، فتحل عند أبي حنيفة باطنًا وظاهرًا.
ومثل: أن تدعي امرأة أن زوجها طلقها طلاقًا بائنًا، وتقيم بذلك شاهدي زور، فيحكم الحاكم بفرقتهما، فتقع عندنا الفرقة ظاهرًا، وعنده ظاهرًا وباطنًا، ويجوز لأحد الشّاهدين أن يتزوجها.
ومثل: أن تدعي أمة على مولاها أنّها ابنته، وتقيم شاهدي زور.
ووافقنا أبو حنيفة في الأموال وذوات المحارم، أن حكم الحاكم لا يؤثر في باطنها.
стр. 511
وقال أبو يوسف في الزوجة: إن حكم الحاكم يحرمها على الأوّل، ولا يحلها للغير.
وقال: لو أن امرأة ادعت طلاق زوجها بتاتًا، وأقامت بينة زور وحكم الحاكم بها، فإنها تحرم عليه، ولا تحل لغيره.
وجملة ذلك: أن أبا يوسف ومحمدًا يقولان بقول مالك من الشهادات.
١٢٢١ - مسألة:
يصح عقد البيع بغير شهادة، ولا يجب فيه الإشهاد، وبه قال فقهاء الأمصار.
إِلَّا داود وسعيد بن المسيَّب، قالا: لا يصح إِلَّا بشهادة.
١٢٢٢ - مسألة:
لا تجوز شهادة النِّساء في غير الأموال وما يتعلّق بها، وما كان المقصود منه المال وعيوب النِّساء والمواضع الّتي لا يطلع عليها غيرهن، وما سوى ذلك ممّا ليس المقصود منه المال؛ كالنِّكاح، والطلاق، والعتق، والرجعة، والنسب، والتعديل، والجرح، والوصية إذا كان فيها عتق، والدم والجراح، ولا غير ذلك، وبه قال الشّافعيّ والنخعي والحسن وأحمد وإسحاق.
وقال أبو حنيفة: يقبل في جميع ذلك شاهد وامرأتان، إِلَّا في الجراح الموجبة للقود في النفس والأطراف.
١٢٢٣ - مسألة:
تقبل شهادة الشاعر إذا كان عدلًا.
وقال قوم: لا تقبل.
١٢٢٤ - مسألة:
ويقبل في القصاص شاهدين.
стр. 512
وقال الحسن: هو مقيس على الزِّنا؛ بعلة أنّه: إماتة نفس.
١٢٢٥ - مسألة:
تقبل شهادة القاذف بعد الحدّ إذا تاب، وشهد بعد ذلك، وبه قال عطاء وطاووس والأوزاعي وربيعة والشّافعيّ وأحمد وإسحاق.
وقال شريح والحسن البصري والنخعي وسفيان وأبو حنيفة وأصحابه: إذا حد فسق، وإن تاب زال فسقه ولا تقبل شهادته.
١٢٢٦ - مسألة:
تقبل شهادة الأعمى فيما طريقه الصوت؛ سواء تحملها قبل العمى أو بعده.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا تقبل إِلَّا أن يكون أثبت ذلك معاينة وسمعًا ثمّ عمي، فيصح أداؤها منه عند الشّافعيّ وحده، وعند أبي يوسف والحسن والنخعي.
وبقولنا قال عطاء والزهري [٧١/أ] وابن أبي ليلى.
وتصح عند أبي حنيفة شهادته في النِّكاح والنسب والموت.
وعند الشّافعيّ: في الموت والنسب والترجمة والمضبوط.
فالترجمة: هو أن يكون عند الحاكم، فيتكلم إنسان بشيء لا يعرفه، فيسأل الحاكم الأعمى عما يقول، فيقول له الأعمى أنّه قال: كذا وكذا.
والمضبوط: هو أن يعترف إنسان عند أعمى بشيء، يجعل فاه على أذن الأعمى، ويضبطه إلى نفسه ويضع يده على رأس المقر ورقبته، ويشهد عند الحاكم بما سمع منه، فتقبل شهادته.
стр. 513
١٢٢٧ - مسألة:
اختلف النَّاس في شهادة العبد على مذاهب:
فقلنا نحن [وأبو حنيفة] والشّافعيّ: لا تقبل في شيء أصلًا، وبه قال ابن عمر -رضى الله عنهما-، ومجاهد وعطاء والحسن والأوزاعي وسفيان.
وقال علي وأنس -رضى الله عنهما-، وشريح وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود: تقبل في جميع الأشياء كالحر.
وقال النخعي والشعبي: تقبل في الشيء التافه القليل، ولا تقبل في الكثير.
١٢٢٨ - مسألة:
شهادة الصبيان جائزة فيما بينهم من الجراح والقتل، إذا كان قبل افتراقهم وتخبيبهم (١)، أو يشهد على شهادتهم قبل أن يفترقوا، ولا يلتفت إلى رجوعهم بعد ذلك، وهو قول علي وابن الزبير -رضى الله عنهم-، وقيل إنّه قول عمر -رضى الله عنه -، وبه قال معاوية -رضى الله عنه -، وعمر بن عبد العزيز.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا تقبل أصلًا، وبه قال أحمد وإسحاق،
وهو قول ابن عبّاس رضى الله عنهما، وعطاء والحسن والزهري.
١٢٢٩ - مسألة:
شهادة أهل الذِّمَّة غير مقبولة على كلّ حال، وبه قال الحسن والشّافعيّ وأحمد وأبو ثور.
وقالت طائفة: تقبل على الكفار دون المسلمين، وهو قول شريح وحماد ابن [أبي] سليمان وعمر بن عبد العزيز وسفيان وأبو حنيفة وأصحابه.
стр. 514
وحكي عن قتادة والزهري والشعبي: أن شهادة اليهود مقبولة في جنسهم دون النصارى، كذلك النصارى على النصارى دون غيرهم.
١٢٣٠ - مسألة:
ولا تقبل شهادة الأخ لأخيه، إذا كان منقطعا إليه يناله بره وصلته، وكذلك الصديق الملاطف الّذي هذه حاله.
وقبلها أبو حنيفة والشّافعيّ.
وقال الأوزاعي: لا تجوز شهادة الأخ لأخيه أصلًا.
١٢٣١ - مسألة:
ولا تجوز شهادة أحد الزوجين للآخر، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: تقبل، وبه قال الحسن وأبو ثور.
وقال النخعي وابن أبي ليلى: تقبل شهادة الزوج لها، ولا تقبل شهادتها له.
١٢٣٢ - مسألة:
لا تقبل شهادة عدو على عدوه، [والخصم على خصمه]، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: تقبل شهادة العدو على عدوه، والخصم على خصمه.
١٢٣٣ - مسألة:
يحكم بشاهد مع يمين الطالب في الأموال خاصّة، إذا ادعى بمال وأقام شاهدًا على صحة دعواه، حلف معه واستحق المال، وحكمه [عندنا] كحكم الشّاهد والمرأتين، فكل موضع قبل فيه شاهد وامرأتين قبل فيه شاهد ويمين، وبه قال الشّافعيّ وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود وأصحابه، وهو قول أبي بكر وعمر وعلي وأبيّ بن كعب -رضى الله عنهم-، والفقهاء
стр. 515
السبعة وشريح وعمر بن عبد العزيز وإياس بن معاوية (١) وأبو سلمة ابن عبد الرّحمن وأبي الزِّناد (٢) وربيعة.
وقال النخعي وابن أبي ليلى والأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه: لا يحكم بشاهد ويمين، وإن حكم به حاكم نقض، وهو بدعة، وهو قول الزّهريُّ والحكم. وأول من حكم بذلك معاوية -رضى الله عنه -.
١٢٣٤ - مسألة:
إذا نكل المدعي على اليمين مع شاهده، ردت اليمين على المدعى عليه، فإن حلف [٧١/ب] برئ، وإن نكل غرم المال؛ لأنّ المدعي قد اجتمع معه شيئان: شاهد ونكول المدعى عليه.
وقال الشّافعيّ: لا يغرم بنكوله شيئًا، ولا يلزمه شيء.
١٢٣٥ - مسألة:
لا تجوز شهادة الوالد لولده، وبه قال فقهاء الأمصار.
وحكي عن عمر بن الخطّاب -رضى الله عنه -، وشريح وأبي ثور والمزني: جوازها، وهو قول داود وأصحابه.
١٢٣٦ - مسألة:
لا تقبل شهادة شارب النبيّذ المختلف فيه ويحد ويفسق، خلافًا لأبي حنيفة في ذلك كله.
стр. 516
وقال الشّافعيّ: إن شربه من يعتقد تحريمه شافعي أو غيره؛ حد وفسق، وإن شربه حنفي متأول؛ حد ولم يفسق وقبلت شهادته.
١٢٣٧ - مسألة:
لا تقبل شهادة ولد الزِّنا في الزِّنا، وتجوز في غيره.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: تجوز في الزِّنا وغيره.
وقال الحسن: لا تجوز شهادته في شيء أصلًا.
١٢٣٨ - مسألة:
لا تقبل شهادة بدوي على قروي، إِلَّا في الجراح والقتل؛ لوقوعه في الخلوات، وحيث لا يمكن الاحتراز بالشهود.
ومعناه عندنا: ألَّا يكون البدوي قاطنا مع المتداعيين، فيدعي المدعي شيئًا يمكن فيه إشهاد أهل القرية، فيتركهم ويدعي شهادة البدوي فيتهم؛ لأنّ النَّاس في الأغلب لا يتركون شهادة أهل بلدهم وجيرانهم، ويخرجون يُشهدون أهل البادية.
١٢٣٩ - مسألة:
إذا شهد الصبي والعبد والكافر بشيء، فردت عند الحاكم، فبلغ الصبي وعتق العبد وأسلم الكافر، فشهدوا بها ثانية لم تقبل في تلك الشّهادة؛ كالفاسق إذا ردت شهادته، ثمّ صلحت حاله لم يقبل في تلك الشّهادة.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: يقبل شهادة الثّلاثة، إِلَّا الفاسق.
وقال داود: تقبل شهادة الفاسق إذا صلحت حاله.
١٢٤٠ - مسألة:
الشّهادة على الشّهادة جائزة في كلّ حق لله وللآدميين، كان ذلك في مال أو حد أو قصاص، وبه قال الشّافعيّ، في حقوق الآدميين؛ من الأموال والقصاص، وله في حقوق الله تعالى قولان.
стр. 517
وقال أبو حنيفة: تقبل في حقوق الآدميين سوى القصاص وحقوق الله تعالى والحدود، ولا تقبل في كتاب قاض إلى قاض؛ لأنّه كالشهادة على الشّهادة.
١٢٤١ - مسألة:
شهود الفرع إذا زكت شهود الأصل، وأثنت عليهم وعدلتهم، ولم يذكر أسماءهما ونسبهما للقاضي لم تقبل شهادتهم، وبه قال الفقهاء.
وحكي عن ابن جرير أنّه: جاز ذلك؛ مثل: أن يقولا: "نشهد أن رجلًا عدلًا رضي، شهد وأشهدنا على شهادته بشيء ما".
١٢٤٢ - مسألة:
إذا شهد شاهدان على كلّ واحد من شاهدىِ الأصل قبلت شهادتهما،
وبه قال أبو حنيفة وقال الشّافعيّ في أحد قوليه.
وقال فى الآخر: لا بدَّ في شهود الفرع من أربعة؛ على كلّ واحد اثنان، غير الّذي على الآخر،
ورأيت لعبد الملك مثله.
١٢٤٣ - مسألة:
يحكم بشهادة امرأتين مع يمين الطالب في المال، كالشّاهد واليمين.
ومنع من ذلك الشّافعيّ.
١٢٤٤ - مسألة:
إذا رجع الشهود بعد الأداء وقبل الحكم، صح رجوعهم ووقف الحكم فيما شهدوا به، وبه قال سائر الفقهاء.
إِلَّا أبا ثور، فإنّه قال: يحكم ولا يراعى رجوعهم.
стр. 518
١٢٤٥ - مسألة:
إذا رجع الشهود بعد الحكم واستيفاء الحق لم ينقض، وبه قال سائر الفقهاء.
إِلَّا سعيد [٧٢/أ] بن المسيَّب والأوزاعي، قالا: ينقض الحكم ويرد.
١٢٤٦ - مسألة:
إذا رجع الشهود في القتل بعد حكم الحاكم واستيفاء القود، لم تقتل الشهود وعليهم الدية في أموالهم ولو تعمدوا القتل، وبه قال أبو حنيفة.
وروي عن مالك أيضًا: أنّهم يقتلون، وبه قال الشّافعيّ، وهو اختياري إذا تعمدوا ذلك.
١٢٤٧ - مسألة:
إذا شهد شاهدان بطلاق امرأة بعد الدخول، وحكم بالفرقة ثمّ رجعا لم يغرما المهر، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: يغرمان مهر المثل دون المسمى.
١٢٤٨ - مسألة:
إذا تكافأت البينتان، حكم بأعدلهما في مواضع.
ولم يعتبر أبو حنيفة والشّافعيّ ذلك، ولا جعلا لأعدلهما ميزة على الأخرى.
стр. 519
مسائل القسم والدعاوى والأيمان
١٢٤٩ - مسألة:
إذا دعى بعض الشركاء إلى قسم ما ينقسم، قسم له وإن لم ينتفع كلّ واحد بما صار له.
وقال ابن القاسم: لا يجبر على القسم، إِلَّا أن يحصل لكل واحد ما ينتفع به، أو لأحدهم ما ينتفع به وإن لم ينتفع الآخر، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: إن كان الضرر يلحق جماعتهم لم يجبروا، وإن كان بعضهم ينتفع وبعضهم لا ينتفع، والذي ينتفع بحقه هو الطالب، أجبر الباقون على القسم، وإن طلب من لا ينتفع لم يجبر شركاؤه.
وقال أبو ثور: لا يجبروا على القسمة في الضرر أيضًا.
وقال ابن أبي ليلى: يباع الشيء ويقسم ثمنه بينهم على قدر حصصهم، إن كان جميعهم لا ينتفعون، أو إن كان بعضهم ينتفع، وبعضهم لاينتفع.
١٢٥٠ - مسألة:
أجرة القاسم على عدد الرؤوس دون الأنصباء، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: على قدر الأنصباء.
وقال أبو يوسف: القياس أن تكون على الرؤوس، واستحسن أنّها على قدر الأنصباء، وبه قال محمّد.
стр. 520
١٢٥١ - مسألة:
إذا كان للشركاء دور وضياع ودكاكين، فما كانت مواضعه متقاربة، والرغبة فيه واحدة، وطلب كلّ واحد قسمة كلّ دار ودكان على حدة، وطلب بعضهم أن تقسم على العدد بالقيمة؛ ليقع لكل واحد دارًا ودكانًا كاملة، فذلك لطالب هذا دون الآخر.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: القول قول من ادعى قسمة كلّ شيء على حدة.
وقال أبو يوسف: إن كانت مختلفة قسم كلّ شيء وحده، وإن كانت جنسًا واحدًا عمل على ما هو الأحظ من ذلك.
١٢٥٢ - مسألة:
[قال مالك]: لا يحلف المدعى عليه حتّى تثبت الخلطة بينه وبين المدعي، واختلف شيوخنا على ذلك، فقال بعضهم: ينظر في الدعوى، فإن كانت يشبه أن يدعى مثلها على المدعى عليه أحلف.
وقال بعضهم: ينظر في المتداعيين، فإن كان المدعى عليه يشبه مثله أن يعامل المدعي أحلف.
ولم يفرق مالك.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: يحلفه على كلّ حال، ولم يعتبر معاملته ولا مخالطته.
١٢٥٣ - مسألة:
إذا ادعى إنسان على إنسان حقًّا، ولا بينة له فاليمين على المدعى عليه، فإن حلف برئ، وان نكل ردت اليمين على المدعي، فإن حلف استحق، وإن نكل فلا شيء له، ولا يحكم على المدعى عليه بنكوله، وبه قال شريح والشعبي والنخعي وابن سيرين والشّافعيّ وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن كان الدعوى في مال، ونكل المنكر عن
стр. 521
اليمين، كرر عليه ثلاثًا فإن لم يحلف لزمه الحق، ولا ترد اليمين على المدعي، وإن كانت في قتل عمد أو جراح عمد توجب القود، فلا خلاف بينهم أنّه لا يحكم بالقود بنكوله.
واختلفوا فيما يجب فيه، فقال أبو حنيفة: يحبس حتّى يحلف أو يعترف.
وقال أبو يوسف: يقضى عليه بالدية.
وقال ابن أبي ليلى: يحبس في جميع ذلك حتّى يحلف.
١٢٥٤ - مسألة:
الدعوى في النِّكاح [٧٢/ب] والطلاق والنسب والعتق لا توجب اليمين على المنكر، وبه قال أبو حنيفة، ويقول: لا يردّ اليمين - في المواضع الّتي تجب فيها اليمين - على المنكر.
ونحن نقول: كلّ موضع يقبل فيه شاهد ويمين، أو شاهد وامرأتان يحكم فيه برد اليمين، إذا نكل المدعى عليه في مثل: الأموال.
وكل موضع لا يقبل فيه شاهد ويمين، ولا شاهد وامرأتان، لم يحكم فيه برد اليمين؛ كالنِّكاح وشبهه، وإنّما يعتبر فيه شاهدان، وكذلك قال أبو حنيفة.
والشّافعيّ يحلف المدعى عليه، فإن نكل حلف المدعي في جميع المواضع.
١٢٥٥ - مسألة:
إذا حلف المدعى عليه، وأراد المدعي إقامة البينة بعد ذلك، [قال مالك]: فإن كانت بيّنة غائبة أو حاضرة، ولم يعلم بها ثمّ علم، فله أن يقيمها وإن كانت حاضرة عالمًا بها فاختار اليمين، لم تسمع منه بعد اليمين.
وقد نقل عنه: أن له ذلك أيضًا، وهو أجود وأصح، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ وشريح والشعبي والفقهاء.
стр. 522
إِلَّا ابن أبي ليلى وداود قالا: ليس له ذلك.
١٢٥٦ - مسألة:
إذا مات رجل وخلف ابنين ومالًا، فادعى رجل أن له على الميِّت دينًا، فشهد له به أحد الولدين واْنكر الآخر، فإن كان الشّاهد عدلًا حلف المدعي معه وأخذ حقه، وإن لم تقبل شهادته لزمه نصف الدِّين في حصته، وهو ما يخصه من الدِّين لو قامت البينة، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: يؤخذ الدِّين كله من مال المقر، وحكى مثل هذا أبو عبيد بن حربويه عن الشّافعيّ. والصّحيح عنه مثل قولنا.
١٢٥٧ - مسألة:
إذا ادعى إنسان شيئًا في يد غيره، وأقام به بينة وأقام الّذي في يده الشيء بينة بأنّه ملكه، فبينة صاحب اليد أولى من بينة الخارج، إن كانت أعدل أو تكافأتا في العدالة.
وسواء كانت الدعوى والشهادة بملك مطلق غير مضاف إلى سبب، كقوله: "هي ملكي"، أو مضاف إلى سبب، كقوله: "هذا ثوب نسجته في ملكي"، "والدابة ولدت في ملكي"، كان السبب الّذي يضاف إليه الملك ممّا يتكرر في الملك كالخز؛ لأنّه ينسج دفعة بعد دفعة، وكالغراس؛ لأنّه يمكن أن يغرس النخل وغيره في موضع، ثمّ يقلع ويغرس في مكان آخر، وكان ممّا لا يوجد إِلَّا دفعة واحدة؛ كالولادة ونسج الثّوب القطني، وبه قال شريح والشعبي والشّافعيّ.
وقال أحمد وإسحاق: بينة الخارج أولى في جميع ذلك، ولا تقبل بينة المدعى عليه أصلًا.
وقال أبو حنيفة: إن قامت البينة للمدعي على ملك مطلق، فهو أولى من بينة صاحب اليد، الّذي هو الداخل، وإن كانت على ملك مضاف إلى سبب، وكان السبب ممّا يتكرر في الملك؛ مثل: ثوب الخز أو الصوف، فقال: "كلّ واحد نسجته [في ملكي] "، أو في غراس، [وقال: "كلّ واحد
стр. 523
منهما غرسته في ملكي"]، فبينة المدعي أولى من بينة المدعى عليه؛ لأنّه يمكن وقوع كلّ واحد من الأمرين.
وإن كان السبب لا يتكرر في الملك؛ كالولادة، فادعى كلّ واحد منهما أن العبد ولد في ملكه، وقامت له بينة بذلك، فبينة صاحب اليد أولى.
١٢٥٨ - مسألة:
إذا ادعى على امرأة أنّه تزوجها تزويجًا صحيحًا سمعت دعواه، وبه قال أبو حنيفة.
واختلف قول الشّافعيّ، فقال فى أحد قوليه مثلنا، وقال فى الآخر: لا تسمع دعواه حتّى يصرح، فيقول: "تزوجتها بولي وشهود عدول، ورضى منها" إن كانت [٧٣/أ] ممّن يعتبر رضاها.
١٢٥٩ - مسألة:
اختلف قول مالك في المتداعيين دارًا ليست في أيديهما، وأقام كلّ واحد بينة أن جميع الدَّار له، فقال: تقسم الدَّار بينهما بعد أيمانهما، وبه قال عبد الله بن عمر -رضى الله عنهما-، وبه قال أبو حنيفة.
وقال أيضًا: لا تقسم ويوقف الحكم فيها، حتّى يقوم دليل على تقديم أحدهما على الأخرى، هذا إذا تساوت البينتان في العدالة، وهو أحد قولي الشّافعيّ.
وله قولان آخران: أحدهما مثل الأوّل لمالك.
والآخر: في كيفية استعمال البينتين؛ [فقالوا: هو على ثلاثة أقوال:
أحدها]: وهو أن يقرع بينهما، فأيهآخرجت قرعته قدمت بينته.
قالوا: وبه قال علي -رضى الله عنه -.
[والثّاني: إنها توقف حتّى تقوم دلالة على تقديم البينة على الأخرى.
стр. 524
والثّالث: أن الدَّار تقسم بينهما (١).
١٢٦٠ - مسألة:
إذا مات رجل وترك ابنين أحدهما مسلم والآخر كافر، فقال كلّ واحد منهما: "مات على ديني وأرثه دونك"، نظر:
فإن لم يعلم دين الأب ولا ثبت، فقد تساويا في الدعوى، فإن أقاما بينة [من] مسلمين وتكافأتا، فالميراث بينهما بعد أيمانهما، وكذا إن لم تكن لهما بينة.
وإن ثبت أن الميِّت كان نصرانيًّا، وادعى المسلم أنّه مات مسلمًا أسلم قبل موته، وقامت بينة بذلك فهو أولى، وإلا فالنصراني أولى.
وكذا إذا تقدّم العلم بأنّه كان مسلمًا فالمسلم أولى، وإن علم أنّه كان نصرانيًّا ثمّ مات، وأقاما بينة فبينة الإسلام مقدمة؛ لأنّها قد أثبتت زيادة وهي إسلامه بعد كفره.
وقال أبو حنيفة: بينة المسلم مقدمة على كلّ وجه، وكذلك دعواه مقدمة مع عدم البينة.
ولأصحاب الشّافعيّ: أقوال وتفصيل.
١٢٦١ - مسألة:
إذا اختلف الزوجان في متاع البيت قبل الفرقة أو بعدها، والدار لهما أو لأحدهما أو ماتا أو أحدهما، أو اختلف الورثة، فما كان من متاع النِّساء فهو للمرأة مع يمينها، وما كان من متاع الرجال فهو له مع يمينه أو يمين الورثة، وما صلح لهما جميعًا فهو للرجل مع يمينه.
стр. 525
فالذي يصلح للمرأة: كالحلي وثياب النِّساء والجهاز.
وما يصلح للرجل: كالدرع والسيف والسلاح.
والذي يصلح لهما: كالدنانير والدراهم، وسواء كانت لهما عليه يد مشاهدة، أو يكونا قابضين على الشيء، أو كانت يد حكمية؛ مثل كون ذلك الشيء في الدَّار حسب، وبه قال أبو حنيفة ومحمد.
ولكنه قال: ما يصلح لهما فهو للرجل إن كان حيًّا، وإن كان ميتًا فهو للمرأة، في قول أبي حنيفة.
وقال محمَّد: هو لورثة الزوج، كقولنا.
وقال أبو يوسف: يعطى جهاز مثلها، وما بقي فللرجل.
وقال زفر: جميع ما في البيت بينهما نصفين.
وقال الشّافعيّ: من أقام بينة على شيء فهو له، وما بقي فهو بينهما بعد أيمانهما.
١٢٦٢ - مسألة:
من كان له على رجل دين، وحصل لذلك الرَّجل في يده شيء بوديعة أو عارية أو غصب، نظر؛ فإن كان الّذي عليه الحق غير ممتنع، فليس لصاحب الحق أن يأخذ ممّا حصل في يده شيئًا؛ كان ذلك من جنس حقه أو غير جنسه؛ لأنّ الّذي عليه الحق غير في أن يدفع من أي نوع شاء إذا أجاز ذلك، وقد يكون له غرض في أن يؤدِّي عرضًا إن كان عليه عين، أو عينًا إن كان عليه عرض، وقد لا يريد دفع ما حصل في يد صاحبه، ولا يريد فوته ولا ذوات عينه لحاجته، فإذا أخذه صاحب الحق أفات عليه غرضه.
وإن كان الّذي عليه الحق ممتنعًا من أدائه، فقد اختلف عن مالك،
стр. 526
فقال: له أن يأخذ [٧٣/ب] مقدار حقه كله إن لم يكن له على غريمه غير دينه، وإن كان عليه دين أخذ مقدار ما يخصه في الحصاص، ورد باقيه.
وروي عنه: أنّه ليس له ذلك على وجه، ويدفع ما في يده ثمّ يطالب بحقه، وسواء كان من جنس ماله أو من غيره، وبالأول قال الشّافعيّ.
واختلف أصحابه في وجه، فقالوا: إن تعذر أخذ ماله عليه بكل وجه، ولا يقدر عليه الحاكم ولا غيره، فله أخذ حقه ممّا حصل في يده، وإن تعذر لعدم رفعه للحاكم، ويوصله الحاكم إلى حقه فهو على وجهين: أحدهما: ليس له الأخذ، والآخر له.
وقال أبو حنيفة: ليس له أن يأخذ من غير جنس حقه على هذا الوجه، وبالله التوفيق.
١٢٦٣ - مسألة:
الأيمان داخلة في جميع الدعاوى، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا تدخل في النِّكاح، ولا في القتل، ولا في الأشياء الّتي لا يجوز إباحتها، وقاسها على حد الزِّنا.
١٢٦٤ - مسألة:
يحلف الحالف عند منبر النبيّ ﷺ ، على ربع دينار فصاعدًا.
وقال الشّافعيّ: لا يحلف على أقل من مائتي درهم، أو عشرين دينارًا.
وقال داود: يحلف على القليل والكثير.
وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يحلف عند المنبر بوجه.
١٢٦٥ - مسألة:
تحلف اليهود والنصارى حيث يعظمون، وبه قال الشّافعيّ.
стр. 527
وقال العراقي: لا يحلفون في الكنائس، ولا بعد العصر.
١٢٦٦ - مسألة:
إذا ادعى رجل على آخر أنّه سرق منه كبشًا، وشهد له شاهدان، فقال أحدهما: إنّه أسود، وقال الآخر: هو أبيض، لم تقبل شهادتهما، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: تقبل.
١٢٦٧ - مسألة:
في القافة وإثبات الحكم بها.
عند مالك والشّافعيّ والأوزاعي وأحمد وغيرهم ممّن تابعهم: أن الحكم بالقَافَة واجب، وبه قال أنس -رضى الله عنه -. وهو أصح الروايتين عن عمر -رضى الله عنه -، وبه قال عطاء.
وروي عن علي -رضى الله عنه - أنّه قال: يقرع بين الرجلين إذا ادعيا، فأيهما خرجت قرعته لحق الولد به.
وروي عنه رضى الله عنه أنّه لما بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن، تنازع إليه ثلاثة في مولود واختصموا إليه، فأقرع بينهم وألحق الولد بمن خرجت قرعته (١).
وقال الثّوريّ وأبو حنيفة ومحمد وأبو يوسف: الحكم بالقافة في الشّريعة لا يجوز.
стр. 528
وإنّما أجاز مالك القول بالقافة في ولد الأمة، إذا وطئها رجلان في طهر واحد، وأتت به لما يشبهه أن يكون منهما جميعًا.
واختلف قوله في ولد الحرة، والظاهر من قوله: أنّه لا يحكم فيه بالقافة.
وحكى أبو بكر الأبهري: أنّه سمع أبا يعقوب إسحاق بن أحمد الرازي (١) يقول: إن ابن وهب روى عن مالك: أن الحكم بالقافة في ولد الزوجة، كهو في ولد الأمة.
قال أبو بكر: ولست أحفظه عن مالك.
ولم يفرق الشّافعيّ بين الحرة والأمة في الحكم بها.
стр. 529
مسائل الرَّهْن
١٢٦٨ - مسألة:
الرَّهْن [عندنا] جائز في الحضر والسفر، وبه قال جميع الفقهاء.
وحكي عن مجاهد أنّه قال: لا يصح الرَّهْن إِلَّا في السَّفر، وبه قال داود.
١٢٦٩ - مسألة:
إذا قال: "قد رهنتك عبيدي، على أن تقرضني ألف درهم"، أو"على أن تبيعني هذا الثّوب اليوم"، أو قال: "غدًا"، فالرهن [عندنا] صحيح وإن تقدّم على وجوب الحق، فإن أقرضه [٧٤/أ] أو باعه، لزمه الرَّهْن ووجب تسليمه إليه، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: يمضي القرض والبيع، ولا يكون العبد رهنًا.
١٢٧٠ - مسألة:
يصح عقد الرَّهْن بالقول ويلزم، وليس من شرط صحته القبض لدى العقد، لكن يجبر الراهن على التسليم.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: من شرط صحته القبض، فإذا قال: "رهنتك هذا الشيء على دينك الّذي علي"، فهو بالخيار إن شاء سلم إليه الرَّهْن، فحينئذ يكون رهنًا، وإن شاء لم يسلمه، فلا يكون رهنًا ولا يجبر على تسليمه.
стр. 530
١٢٧١ - مسألة:
رهن المشاع جائز؛ كان فيما ينقسم من العقار وغيره، أو لا ينقسم كعبد بين رجلين، يجوز أن يرهن أحدهما حصته، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا يصح.
١٢٧٢ - مسألة:
[عندنا أن] استدامة القبض شرط في صحة الرَّهْن بعد قبضه، فمتى خرجِ عن يد المرتهن إلى الراهن، على أي وجه كان، بطل وخرج عن كونه رهنًا، وبه قال أبو حنيفة.
غير أن أبا حنيفة يقول: إن رجع إلى الراهن بعارية أو وديعة لم يبطل.
وقال الشّافعيّ: ليس استدامة القبض شرطا، حتّى لو استخدمه كلّ يوم نهارًا إن كان عبدًا، ورده إلى المرتهن ليلًا، وإن كانت دابة وكان يركبها نهارًا ويردها ليلًا، لم يبطل وهو على حاله.
١٢٧٣ - مسألة:
إذا كان الشيء المغصوب عند الغاصب فهو مضمون عليه (١)، فإذا رهنه ربه عند الغاصب قبل قبضه صح رهنه، ولكنه ضامن له ضمان الرَّهْن، إذا كان ممّا يغاب عليه، وزال ضمان الغصب، وبه قال أبو حنيفة والمزني.
وقال الشّافعيّ: يكون رهنًا، ولكنه مضمون بالغصب على ما كان من قبل، والرهن عنده غير مضمون.
١٢٧٤ - مسألة:
إذا عتق الراهن عبده المرهون وكان موسرًا نفذ عتقه، وإن كان معسرًا لم ينفذ، غير أنّه إن طرأ له مال، أو قضى المرتهن دينه نفذ عتقه.
وقال أبو حنيفة: يعتق في اليسر والعسر، و [أظنه في الإعسار] يستسعي العبد في قيمته للمرتهن في غير سيده للمعتق.