فقال: له أن يأخذ [٧٣/ب] مقدار حقه كله إن لم يكن له على غريمه غير دينه، وإن كان عليه دين أخذ مقدار ما يخصه في الحصاص، ورد باقيه.
وروي عنه: أنّه ليس له ذلك على وجه، ويدفع ما في يده ثمّ يطالب بحقه، وسواء كان من جنس ماله أو من غيره، وبالأول قال الشّافعيّ.
واختلف أصحابه في وجه، فقالوا: إن تعذر أخذ ماله عليه بكل وجه، ولا يقدر عليه الحاكم ولا غيره، فله أخذ حقه ممّا حصل في يده، وإن تعذر لعدم رفعه للحاكم، ويوصله الحاكم إلى حقه فهو على وجهين: أحدهما: ليس له الأخذ، والآخر له.
وقال أبو حنيفة: ليس له أن يأخذ من غير جنس حقه على هذا الوجه، وبالله التوفيق.
١٢٦٣ - مسألة:
الأيمان داخلة في جميع الدعاوى، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا تدخل في النِّكاح، ولا في القتل، ولا في الأشياء الّتي لا يجوز إباحتها، وقاسها على حد الزِّنا.
١٢٦٤ - مسألة:
يحلف الحالف عند منبر النبيّ ﷺ ، على ربع دينار فصاعدًا.
وقال الشّافعيّ: لا يحلف على أقل من مائتي درهم، أو عشرين دينارًا.
وقال داود: يحلف على القليل والكثير.
وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يحلف عند المنبر بوجه.
١٢٦٥ - مسألة:
تحلف اليهود والنصارى حيث يعظمون، وبه قال الشّافعيّ.
стр. 527
وقال العراقي: لا يحلفون في الكنائس، ولا بعد العصر.
١٢٦٦ - مسألة:
إذا ادعى رجل على آخر أنّه سرق منه كبشًا، وشهد له شاهدان، فقال أحدهما: إنّه أسود، وقال الآخر: هو أبيض، لم تقبل شهادتهما، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: تقبل.
١٢٦٧ - مسألة:
في القافة وإثبات الحكم بها.
عند مالك والشّافعيّ والأوزاعي وأحمد وغيرهم ممّن تابعهم: أن الحكم بالقَافَة واجب، وبه قال أنس -رضى الله عنه -. وهو أصح الروايتين عن عمر -رضى الله عنه -، وبه قال عطاء.
وروي عن علي -رضى الله عنه - أنّه قال: يقرع بين الرجلين إذا ادعيا، فأيهما خرجت قرعته لحق الولد به.
وروي عنه رضى الله عنه أنّه لما بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن، تنازع إليه ثلاثة في مولود واختصموا إليه، فأقرع بينهم وألحق الولد بمن خرجت قرعته (١).
وقال الثّوريّ وأبو حنيفة ومحمد وأبو يوسف: الحكم بالقافة في الشّريعة لا يجوز.
стр. 528
وإنّما أجاز مالك القول بالقافة في ولد الأمة، إذا وطئها رجلان في طهر واحد، وأتت به لما يشبهه أن يكون منهما جميعًا.
واختلف قوله في ولد الحرة، والظاهر من قوله: أنّه لا يحكم فيه بالقافة.
وحكى أبو بكر الأبهري: أنّه سمع أبا يعقوب إسحاق بن أحمد الرازي (١) يقول: إن ابن وهب روى عن مالك: أن الحكم بالقافة في ولد الزوجة، كهو في ولد الأمة.
قال أبو بكر: ولست أحفظه عن مالك.
ولم يفرق الشّافعيّ بين الحرة والأمة في الحكم بها.
стр. 529
مسائل الرَّهْن
١٢٦٨ - مسألة:
الرَّهْن [عندنا] جائز في الحضر والسفر، وبه قال جميع الفقهاء.
وحكي عن مجاهد أنّه قال: لا يصح الرَّهْن إِلَّا في السَّفر، وبه قال داود.
١٢٦٩ - مسألة:
إذا قال: "قد رهنتك عبيدي، على أن تقرضني ألف درهم"، أو"على أن تبيعني هذا الثّوب اليوم"، أو قال: "غدًا"، فالرهن [عندنا] صحيح وإن تقدّم على وجوب الحق، فإن أقرضه [٧٤/أ] أو باعه، لزمه الرَّهْن ووجب تسليمه إليه، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: يمضي القرض والبيع، ولا يكون العبد رهنًا.
١٢٧٠ - مسألة:
يصح عقد الرَّهْن بالقول ويلزم، وليس من شرط صحته القبض لدى العقد، لكن يجبر الراهن على التسليم.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: من شرط صحته القبض، فإذا قال: "رهنتك هذا الشيء على دينك الّذي علي"، فهو بالخيار إن شاء سلم إليه الرَّهْن، فحينئذ يكون رهنًا، وإن شاء لم يسلمه، فلا يكون رهنًا ولا يجبر على تسليمه.
стр. 530
١٢٧١ - مسألة:
رهن المشاع جائز؛ كان فيما ينقسم من العقار وغيره، أو لا ينقسم كعبد بين رجلين، يجوز أن يرهن أحدهما حصته، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا يصح.
١٢٧٢ - مسألة:
[عندنا أن] استدامة القبض شرط في صحة الرَّهْن بعد قبضه، فمتى خرجِ عن يد المرتهن إلى الراهن، على أي وجه كان، بطل وخرج عن كونه رهنًا، وبه قال أبو حنيفة.
غير أن أبا حنيفة يقول: إن رجع إلى الراهن بعارية أو وديعة لم يبطل.
وقال الشّافعيّ: ليس استدامة القبض شرطا، حتّى لو استخدمه كلّ يوم نهارًا إن كان عبدًا، ورده إلى المرتهن ليلًا، وإن كانت دابة وكان يركبها نهارًا ويردها ليلًا، لم يبطل وهو على حاله.
١٢٧٣ - مسألة:
إذا كان الشيء المغصوب عند الغاصب فهو مضمون عليه (١)، فإذا رهنه ربه عند الغاصب قبل قبضه صح رهنه، ولكنه ضامن له ضمان الرَّهْن، إذا كان ممّا يغاب عليه، وزال ضمان الغصب، وبه قال أبو حنيفة والمزني.
وقال الشّافعيّ: يكون رهنًا، ولكنه مضمون بالغصب على ما كان من قبل، والرهن عنده غير مضمون.
١٢٧٤ - مسألة:
إذا عتق الراهن عبده المرهون وكان موسرًا نفذ عتقه، وإن كان معسرًا لم ينفذ، غير أنّه إن طرأ له مال، أو قضى المرتهن دينه نفذ عتقه.
وقال أبو حنيفة: يعتق في اليسر والعسر، و [أظنه في الإعسار] يستسعي العبد في قيمته للمرتهن في غير سيده للمعتق.
стр. 531
وقال أحمد: ينفذ عتقه على كلّ حال.
واختلف قول الشّافعيّ، فتارة قال: ينفذ في اليسار، والإعسار فيه قولان.
وتارة قال: ينفذ في العسر واليسر.
وقال بعض أصحابه إن المسألة على ثلاثة أقوال: أحدها: أن عتقه ينفذ؛ سواء كان موسرًا أو معسرًا، وكذلك إذا كانت أمة فوطئها، فحملت بغير إذن المرتهن قولًا واحدًا.
والثّاني: لا ينفذ، ولا تفسير أم ولد؛ كان موسرًا أو معسرًا.
والثّالث: إن كان موسرًا نفذ عتقه، وكانت أم ولد قولًا واحدًا، وإن كان معسرًا لم ينفذ، ولم تصر أم ولد قولًا واحدًا.
١٢٧٥ - مسألة:
إذا رهن رهنًا على مبلغ معلوم، ثمّ استزاده شيئًا على ذلك الرَّهْن، جاز وكان جميعه في الرَّهْن دينه الأوّل والزيادة، وبه قال الشّافعيّ في القديم وأبو يوسف.
وقال أبو حنيفة: لا يكون رهنًا إِلَّا في الدِّين الأوّل دون الثّاني، وبه قال محمّد، وهو قول الشّافعيّ الثّاني.
١٢٧٦ - مسألة:
إذا رهن عنده عبدًا فقبضه المرتهن، ثمّ أقر الراهن أن العبد جنى جناية تتعلّق برقبته، لم يقبل إقراره؛ لأنّه يبطل الرَّهْن، إِلَّا أن يكون موسرًا فيقضي الدِّين، أو يجعل رهنًا مكانه إن أسلمه، ولم يفتده إذا رضي المرتهن برهن غيره، وبه قال أبو حنيفة.
واختلف [٧٤/ب] قول الشّافعيّ، فقال: يقبل إقراره إذا صدقه المجني عليه، ويبطل الرَّهْن، وقال: لا يقبل إقراره كقولنا.
ولم يخالف في أنّه لو أقر بجناية عمدًا، أنّه لا يقبل إقراره.
стр. 532
١٢٧٧ - مسألة:
إذا رهنه عصيرًا فصار خمرًا، ثمّ انقلب فصار خلًّا، فإنّه يبقى رهنًا، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
وحكى بعض أصحابنا عن أبي حنيفة: أنّه ينفسخ الرَّهْن إذا صار خمرًا، وإذا صار خلًّا لم يعد رهنًا، إِلَّا بعقد مستأنف. وليس الأمر كذلك.
وحكي عن قوم مثل ذلك.
١٢٧٨ - مسألة:
تخليل الخّمْرِ مكروه، وإن خللت فصارت خلًّا، فهي طاهرة.
وكره عبد الملك وسحنون أكله.
وقال أبو حنيفة: لا يكره تخليلها وهو مباح، وصار خلًّا طاهرًا.
وقال الشّافعيّ: لا يجوز تخليلها وهو محرم، فإن خللها صار خلًّا نجسًا، وزالت أحكام الخّمْرِ كلها عنه؛ من الحدّ والفسق ونجاسة الخّمْرِ، وحكمه حكم الخل النجس.
١٢٧٩ - مسألة:
إذا شرط الراهن للمرتهن أنّه إذا حل الحق ولم يدفع له، أن يبيعه ويأخذ منه حقه جاز ذلك، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: لا يجوز أن يبيعه لنفسه، إِلَّا بحضرة الحاكم، فإن امتنع الراهن خيره الحاكم،
واستحب مالك ألَّا يبيعه حتّى يرفعه إلى الحاكم، وإن لم يفعل جاز ذلك.
١٢٨٠ - مسألة:
إذا وكل الراهن عدلًا، خير الموضوع على يده الرَّهْن في بيعه عند الأجل، فليس له فسخ الوكالة، وبه قال أبو حنيفة.
стр. 533
وقال الشّافعيّ: هي صحيحة، وإن فسخها الراهن انفسخت وانعزل الراهن.
ورأيت للقاضي إسماعيل مثل هذا.
١٢٨١ - مسألة:
إذا وضع الراهن والمرتهن الرَّهْن على يد عدل رضيا به، وشرط الراهن للعدل بيع الرَّهْن عند الأجل، فحل الأجل وباعه العدل، وتلف الثّمن قبل قبض المرتهن، فهو من الراهن، وبه قال أبو حنيفة.
غير أن أبا حنيفة: يجعل تلف الرَّهْن في يد العدل من المرتهن، كما لو كان في يده، ونحن نجعله من الراهن، بخلاف كونه في يد المرتهن.
وقال الشّافعيّ: تلف الرَّهْن والثّمن إذا بيع من الراهن، والرهن عنده غير مضمون.
١٢٨٢ - مسألة:
إذا باع العدل الرَّهْن وقبض الثّمن، ثمّ استحق المبيع فلا عهدة على العدل [عندنا]، وبأخذ المستحق المبيع من المشتري، ويرجع بالثّمن على من وكل العدل وهو المرتهن؛ لأنّه بيع له ولا ضمان [عندنا] على الوكيل والوصي والأب، فيما باعه من مال ولده، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: العهدة على العدل، يغرم المشتري ثمّ يرجع على من وكله، وكذلك يقول في الوصي والأب.
ووافقنا في الحاكم وأمينه، أن لا عهدة عليهما، ويرجع على من باعًا عليه، إن كان مفلسًا أو يتيمًا.
١٢٨٣ - مسألة:
إذا استحق الرَّهْن بعد بيعه، رجع المشتري بالثّمن على المرتهن، لا على الراهن ودين المرتهن في ذمة الراهن، وبه قال أبو حنيفة، كما لو تلف الرَّهْن.
стр. 534
وقال الشّافعيّ: مرجع على الراهن، والرهن عليه بيع، لا على المرتهن.
وقولنا في المفلس: إذا باع الحاكم أو الأمين أو الوصي التركة للغرماء بمطالبتهم، وأخذوا الثّمن فاستحق، المبيع رجع [٧٥/أ] المشتري على الغرماء، ورجع الغرماء على المفلس، وهو قول أبي حنيفة، إِلَّا في العدل إذا باعه، فإنّه يقول العهدة عليه.
والباب كله عند الشّافعيّ واحد، في أنّه يرجع على الراهن والمديان الّذي بيع متاعه.
١٢٨٤ - مسألة:
إذا شرط المشتري للبائع رهنًا أو كفيلًا، ولم يعين له الرَّهْن والكفيل فالبيع جائز، وعلى المبتاع أن يدفع رهن مثله على مبلغ الدِّين، وكذا يأتي بضمين ثقة.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: البيع باطل، [والرهن كذلك].
قال المزني: هذا غلط، البيع جائز والرهن فاسد؛ للجهل به، والخيار للبائع؛ إن شاء أتم البيع بلا رهن، وإن شاء فسخ لبطلان الوثيقة.
١٢٨٥ - مسألة:
إذا اختلف الراهن والمرتهن في مبلغ الرّهن [الذين الّذي جُعِلَ به]، فقال الراهن: "رهنتك بمائة"، وقال المرتهن: "بألف"، وقيمة الرّهن تساوي آلاف أو زيادة على المائة، فالقول قول المرتهن مع يمينه، فإن حلف وكان قيمة الرَّهْن ألفًا فالراهن بالخيار؛ بين أن يعطيه ألفًا ويأخذ الرَّهْن، أو يترك الرَّهْن للمرتهن في حقه، وإن كان قيمة الرَّهْن أكثر من مائة، حلف المرتهن على دينه، وأعطاه الراهن قيمة الرَّهْن، وحلف أنّه ما يستحق عليه إِلَّا ما ذكره، وتسقط عنه الزيادة على قيمة الرَّهْن.
ولابن القاسم في المستخرجة: إن كانت قيمة الرَّهْن أكثر ممّا قال الراهن، وأقل ممّا قاله المرتهن لم يكن للراهن أن يأخذ الرَّهْن، إِلَّا بالكل
стр. 535
الّذي حلف عليه المرتهن، وإن شاء سلم الرَّهْن.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: القول قول الراهن فيما يذكره مع يمينه، فإذا حلف دفع للمرتهن ما حلف عليه وأخذ رهنه.
١٢٨٦ - مسألة:
إذا اختلفا في الدِّين، كان الرَّهْن شاهدًا للمرتهن فيما يدعيه، إن كان شاهدًا لم يفت، وإن فات فهو ممّا لا ضمان فيه، لم يكن شاهدًا له؛ لأنّه لا يكون شاهدًا على ذمة الراهن.
واختلف إذا كان على يد عدل، هل يكون شاهدًا أم لا؟
وفي كتاب محمّد: أنّه شاهد؛ كان على يد المرتهن أو غيره.
١٢٨٧ - مسألة:
إذا رهن شيئًا له نماء يحدث، فأنمى المتميز ملكًا للراهن، فما كان منه من ولد، فهو داخل في الرَّهْن، وما كان من ثمن أو صوف أو وبر وغير ذلك، فلا يدخل في الرَّهْن.
واختلف في نماء الرَّهْن على خمسة مذاهب:
فمذهبنا ما تقدّم.
وقال أبو حنيفة: يدخل النماء كله في الرَّهْن من الأصل؛ ولدا كان أو غيره.
وقال الشّافعيّ: جميع النماء خارج عن الرَّهْن؛ ولدًا كان أو غيره.
وقال أحمد: هو ملك للمرتهن دون الراهن.
وقال غيره من أصحاب الحديث: إن كان الراهن هو الّذي ينفق على الرَّهْن فالنماء له، وإن كان المرتهن ينفق فالنماء له.
١٢٨٨ - مسألة:
الرَّهْن [عند مالك] ينقسم قسمين؛ فما كان يظهر هلاكه كالربع
стр. 536
والحيوان، فهو غير مضمون على المرتهن، يقبل قوله في هلاكه مع يمينه.
وما يخفى هلاكه ويغاب عليه، لم يقبل فيه قوله، إِلَّا أن يصدقه الراهن.
واختلف قوله فيما إذا قامت البينة على هلاكه، فروى ابن القاسم وغيره عنه: أنّه لا يضمن ويأخذ دينه من الراهن.
وروى أشهب وابن عبد الحكم: أنّه ضامن لقيمته، وإن علم هلاكه.
واختلف النَّاس في الرَّهْن، هل هو مضمون أم لا؟ على خمسة [٧٥/ب] أقوال:
فقولنا ما سبق، وأنّه إذا ضمن، فهو مضمون بقيمته؛ قلت أو كثرت، ويتراد الراهن والمرتهن الفضل، فإن فضل للراهن من القيمة شيء على مبلغ الحق، أخذه من المرتهن، وإن فضل للمرتهن شيء من حقه على قيمة الرَّهْن، أخذه من الراهن، وبه قال علي ابن أبي طالب -رضى الله عنه -، وعطاء وإسحاق.
وقال النخعي وسفيان وأبو حنيفة: الرَّهْن على كلّ حال مضمون بأقل الأمرين؛ من قيمته أو من الحق، إن كان قيمة الرَّهْن مائتين والحق مائة، ضمن قدر الحق ولم يضمن الزيادة، وتلافه من الراهن، وإن كان قيمة الرَّهْن مائة والحق مائتين، ضمن قيمة الرَّهْن وسقط من دينه، وأخذ باقي حقه.
ويقول صاحب هذا القول: لو ارتهن دارًا فانهدمت من غير صنع المرتهن ضمنها.
وقال الشّافعيّ: هو أمانة في يد المرتهن كسائر الأمانات، لا يضمن إِلَّا بالتعدي، وبه قال أحمد وأبو ثور.
وقال شريح والحسن والشعبي: إن الرَّهْن مضمون بالحق كله، إن كان قيمة الرَّهْن درهمًا والحق ألفًا، سقط الحق كله بتلاف الرَّهْن.
стр. 537
١٢٨٩ - مسألة:
إذا ادعى المرتهن هلاك الرَّهْن، وهو ممّا يخفى فأردنا معرفة قيمته، فإن اتفق الراهن والمرتهن على قيمته فلا كلام، وإن اتفقا في صفته واختلفا في قيمته، سئل أهل الخبرة عن قيمة ما هذه صفته، وعمل عليها.
وقال أبو حنيفة: يعمل بقول المرتهن في قيمته مع يمينه، ولا يحتاج أن يصفه.
١٢٩٠ - مسألة:
لو شرط المبتاع والبائع أن يكون المبيع رهنًا، لم يصح وصح البيع.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: ينفسخ البيع، وهو ظاهر قول مالك.
وهو عندي: على طريق الكراهة، وقول مالك يدلُّ عليه.
١٢٩١ - مسألة:
[اختلفت الرِّواية عن مالك] إذا اشترى الكافر عبدًا مسلمًا، فقال مالك: يصح ويباع.
وقال: لا يصح عقده.
وبالأول قال أبو حنيفة.
وأظن قول الشّافعيّ قد اختلف في ذلك.
стр. 538
مسائل التفليس والحجر
١٢٩٢ - مسألة:
إذا باع شيئًا [بثمن] في ذمته معجل أو مؤجل وقبض المبيع، ثمّ فلس المبتاع، ومعنى قولنا: "فلس": هو أن ما في يده عاجز عما عليه من الديون ولا يوفي بها.
فإذا ظهر حاله واجتمع غرماؤه، وطلبوا من الحاكم الحجر عليه، فللحاكم أن يحجر عليه، وإذا حجر عليه انقطع تصرفه في ماله، وأخذ البائع منه عين ماله، وإن اختار تركه ومحاصة الغرماء في ثمنه فذلك له، إِلَّا أن يختار الغرماء دفع الثّمن إليه، ويتحاصوا في ثمن السلعة فذلك لهم، وبه قال عثمان وعلي وابن مسعود -رضى الله عنهم-، وعروة بن الزبير والأوزاعي والشّافعيّ وأحمد.
وقال الشّافعيّ أيضًا: ليس للغرماء خيار في إمساك السلعة، والبائع يأخذها على كلّ حال، وهو أحق بها منهم، ولو دفعوا له ثمنها.
وقال النخعي والحسن وأبو حنيفة وأصحابه: إن الرَّجل إذا فلس، لم يكن للحاكم أن يحجر عليه، بل يحبسه ليوفي ديونه، ولا ينقطع تصرفه في ماله، وليس للبائع أن يأخذ عين سلعته؛ لأنّ ذلك يستفاد بالحجر ولا حجر عليه، ولو رأى الحاكم الحجر عليه، لم يكن للبائع أن يأخذ عين ماله، وكذلك إذا مات مفلسًا.
وهذا وفاق منا ومنهم في الموت، وخلاف مع الشّافعيّ وحده.
стр. 539
١٢٩٣ - مسألة:
إذا طلب [٧٦/أ] الغرماء الحجر على المفلس، لزم الحاكم أن يحجر عليه، وبه قال الشّافعيّ وأبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة وزفر: لا يحجر عليه، ويطالبه بقضاء الدِّين حتّى يبيع ويقضي دينه، ولا يباع عقار المفلس في الدِّين ويحبسه، ويباع في نفقة الزوجة.
١٢٩٤ - مسألة:
إذا ثبت عسر المفلس خلي سبيله إلى ميسرته، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: للغرماء ملازمته، لا على معنى أنّهم يطالبوه، ولكن يدورون معه حيث دار.
١٢٩٥ - مسألة:
إذا بلغ اليتيم وهو ضابط لماله، حسن التصرف غير مبذر، سلم إليه ماله وإن كان غير مرضي في دينه، وإن كان غير مصلح لماله ولا ضابط له، وهو عدل في دينه لم يسلم إليه ماله، وبه قال أبو حنيفة.
ولكنه يقول: إذا بلغ خمسًا وعشرين سنة، دفع إليه ماله وإن كان غير ضابط له؛ لأنّه لا يرى الحجر على البالغ وإن كان مفسدًا لماله، وتبعه زفر.
وقال أبو يوسف ومحمد [وأحمد] بقولنا، وكذلك إسحاق.
وقال الشّافعيّ: لا يدفع إليه ماله، إِلَّا أن يكون عدلًا في دينه غير فاسق، ويكون ضابطًا لماله غير مبذر.
١٢٩٦ - مسألة:
فأمّا الجارية، فلا ينفك حجرها حتّى تبلغ وتتزوج ويدخل بها، ويعلم أنّها ضابطة لمالها.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: يدفع إليها مالها وينفك حجرها وإن لم تتزوج، إذا كانت ضابطة له.
стр. 540
١٢٩٧ - مسألة:
حد البلوغ في الذكر: الاحتلام والإنبات، أو أن يبلغ من السن ما يعلم أن مثله بالغ، وهو: سبع عشرة سنة، أو ثمان عشرة.
وفي الإناث: هذه الأوصاف، والحيض والحبل.
وقال أبو حنيفة: الإنبات لا يدلُّ على البلوغ.
واختلف قول الشّافعيّ فيه في المسلمين، فقال: هو فيهم بلوغ، وقال: ليس ببلوغ.
ولم يختلف قوله أنّه بلوغ محكوم به في الكفار.
وإذا عدم الاحتلام والإنبات، اعتبر الشّافعيّ خمس عشرة سنة في المذكور والإناث، وبه قال محمّد وأبو يوسف.
وقال أبو حنيفة: في الذكور تسع عشرة سنة، وفي الإناث سبع عشرة.
فالخلاف بيننا وبين أبي حنيفة والشّافعيّ في أحد قوليه في المسلمين في الإنبات، وبيننا وبين الشّافعيّ في اعتبار خمس عشرة سنة.
١٢٩٨ - مسألة:
لا يجوز لامرأة ذات زوج أن تتصرف في أكثر من ثلثها في غير معاوضة، إِلَّا بإذن زوجها.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لها أن تهب جميع مالها وتتصرف، ولا اعتراض له عليها.
١٢٩٩ - مسألة:
إذا بذر البالغ ماله لا يكون محجورًا عليه، إِلَّا بحكم الحاكم، وبه قال الشّافعيّ وأبو يوسف.
وقال محمّد: يصير محجورًا عليه قبل الحكم بحجره.
стр. 541
١٣٠٠ - مسألة:
يصح طلاق السفيه المحجور عليه وخلعه، وهو مذهب العلماء.
إِلَّا ابن أبي ليلى وأبا يوسف، قالا: لا يصح خلعه (١).
١٣٠١ - مسألة:
يجوز للوصي أو الأمين إذا كان فقيرًا، أن يأكل مال اليتيم قدر حاجة وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يتناول شيئًا من ماله.
١٣٠٢ - مسألة:
من حجر عليه بحكم أو بغيره، فلا ينفك [٧٦/ب] حجره إِلَّا بحكم.
واختلف قول الشّافعيّ في الصبي إذا بلغ رشيدًا، فقال: ينفك حجره بغير حكم، وقال مثل قولنا.
وكذلك اختلف قوله في ولاء الحجر على المفلس، وقال فى المجنون قولًا واحدًا: إنّه إذا عقل انفك حجره من غير حكم.
وقال فى السفيه مثل قولنا: إذا ضبط ماله، لا ينفك حجره إِلَّا بحكم.
والباب كله عندنا واحد؛ لأنّ الاختبار فيهم عند دفع المال إليهم لابدَّ منه.
стр. 542
مسائل الصلح
١٣٠٣ - مسألة:
الصلح على الإنكار جائز، وصورته: أن يدعي إنسان على غيره مالًا فينكر، وليس للمدير بينة، فيصالحه المدعى عليه على شيء يعطيه إياه، فيصح [عندنا] أخذه ويملكه المدعي، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وبه قال جابر بن زيد والشعبي والحسن.
وقال الشّافعيّ: الصلح باطل، ولا يملك المدعى ما يأخذه، ويجب عليه رده، وبه قال ابن أبي ليلى.
١٣٠٤ - مسألة:
إذا كان حائط بين دارين لرجلين، ولأحدهما عليه جذوع، وادعى كلّ واحد منهما أن جميعه له، فهو لصاحب الجذوع مع يمينه، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: الجذوع لصاحبها مقرة على ما هي عليه، والحائط بينهما مع أيمانهما.
١٣٠٥ - مسألة:
إذا كان حائط بين اثنين أو لواحد، لم يجز للشريك أو للجار أن يضع عليه خشبة، إِلَّا بإذن شريكه أو إذن صاحب الحائط، ويستحب له ألَّا يمنعه ولا يقضى عليه [بذلك]، وبه قال أبو حنيفة وأحد قولي الشّافعيّ.
стр. 543
وقال فى الآخر: ليس للشريك ولا للجار منع جاره من وضع خشبة على جداره.
١٣٠٦ - مسألة:
إذا سقط الحائط الّذي بين الدارين لرجلين، فأراد أحدهم بناءه، فاختلف في إجبار الآخر، وللشافعي فيه قولان.
١٣٠٧ - مسألة:
إذا كان بيت [مسقّف] لرجل، وعلوه مملوك لآخر، فتداعيا السقف الّذي على السفل تحت العلّو، فهو لصاحب السفل، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: هو بينهما جميعًا.
١٣٠٨ - مسألة:
إذا انهدم العلّو والسفل، وأراد صاحب العلّو بناءه، أجبر صاحب السفل على البناء والسقف، حتّى يتمكن صاحب العلّو، وإن اختار صاحب العلّو بناء السقف من ماله، ومنع صاحب السفل من الانتفاع به، حتّى يعطيه ما أنفق فله ذلك، وبه قال أبو حنيفة.
واختلف قول الشّافعيّ، فقال مثلنا، وفي الآخر قال: لا يجبر صاحب السفل على البناء، وإن أنفق صاحب العلّو كان متطوعًا، ولم يكن له منع صاحب السفل من الانتفاع.
وكذلك النهر بين الشركاء والدُّولاب (١) والعين والبئر، من أنفق منهم فله منع شريكه من الانتفاع، حتّى يعطيه قسطه من النفقة.
واختلف قول الشّافعيّ فيه أيضًا.
стр. 544
مسائل الحوالة
١٣٠٩ - مسألة:
إذا كان لرجل حق على غيره، فأحاله من هو عليه على من له عليه فليس بواجب على صاحب الحق أن يقبل الحوالة، واستحب مالك قبولها، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
وقال داود [٧٧/أ]: يلزمه أن يقبل، وينتقل الحق من ذمة من هو عليه، إلى ذمة المحال عليه.
١٣١٠ - مسألة:
لا يعتبر رضي من أحيل عليه، وليس له أن يمتنع من قبولها، إِلَّا أن يكون الّذي دفعت له عدوا للمحال عليه، فلا يجبر على ذلك.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: يلزمه قبولها، ولم يفصّلوا في ذلك.
وقال الإصطخري من أصحاب الشّافعيّ: لا يلزمه قبولها، ولم يفصّل، وقيل: إنّه مذهب داود.
١٣١١ - مسألة:
إذا قبل صاحب الحق الحوالة على مليء، فقد برئ المحيل على كلّ وجه، وبه قال جماعة الفقهاء.
وقال زفر: لا يبرأ.
стр. 545
١٣١٢ - مسألة:
اختلف النَّاس في رجوع المحال على المحيل، إذا لم يصل إلى حقه من جهة المحال عليه.
فقولنا: إنّه إن غره المحيل بفلس يعلمه من المحال عليه أو عدم، فإن المحال يرجع على المحيل بحقه، ولا رجوع له في غير هذا.
وقال الشّافعيّ: لا يرجع على المحيل بوجه؛ سواء غرّه بفلس، أو طرأ التفليس، أو أنكر، أو تغيرت حاله؛ لأنّه في معنى من قبض عوضه، وبه قال اللَّيث وأحمد وإسحاق.
وحكي عن أبي حنيفة: أنّه إن أنكر المحال عليه، وحلف بعد قبول الحوالة، فللمحال الرجوع على المحيل.
وقال أبو يوسف ومحمد: يرجع المحال على المحيل في ثلاثة مواضع: إذا أنكر المحال عليه الحق وحلف عليه، وإذا مات مفلسًا، وإذا فلس وحجر عليه الحاكم؛ لأنّهما يريان الحجر على المفلس، وأبو حنيفة لا يراه.
ولست أحقه عن أبي يوسف ومحمد، بل لا أشك أنّه يرجع إذا مات المحال عليه مفلسًا، كقول أبي حنيفة.
стр. 546
مسائل الضمان
١٣١٣ - مسألة:
الدين باق في ذمة المضمون عنه، لا يسقط عنه بالضمان، وبه قال أبو حنيفة (١) والشّافعيّ.
وحكي عن ابن أبي ليلى وابن شبرمة وأبي ثور وداود: أن الحق يسقط بالضمان عن ذمة المضمون [عنه].
١٣١٤ - مسألة:
يجوز ضمان المجهول، كقوله: "أنا ضامن من مالك على فلان"، وهو لا يعرف مبلغ ما عليه، ويضمن ما يجده في دفتره ثابتًا عليه، وكذلك يضمن ما لم يجب، كقوله: "داين فلانًا"، أو: "ما حصل لك عليه فأنا ضامن له" فيجوز، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: لا يجوز.
وذكر ابن سريج: أن في ضمان ما لم يجب قولًا آخر للشافعي.
وبقول الشّافعيّ قال ابن أبي ليلى والثوري والليث: إنّه لا يجوز.
стр. 547
١٣١٥ - مسألة:
إذا مات إنسان وعليه دين، فإن خلف وفاء صح ضمان الّذي عليه بعد موته، بلا خلاف.
وإن لم يخلف وفاء فقد اختلف في صحة ضمان الدين عنه.
فذهب مالك والشّافعيّ وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد إلى أنّه يجوز.
وقال أبو حنيفة: إذا لم يخلف وفاء، لم يجز الضمان عنه بعد موته.
стр. 548
مسائل الكفالة
١٣١٦ - مسألة:
الكفالة بالنفس جائزة إِلَّا في الحدود، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي والثوري والليث وأحمد وشريح، وهو الصّحيح عن الشّافعيّ.
وذكر المزني: أن له قولًا آخر ضعيفًا في القياس.
ووجوه أصحابه يقولون: ليس له إِلَّا قول واحد في جوازها.
١٣١٧ - مسألة [ ٧٧/ ب]:
ضمان الدَّرَك (١) في البيع جائز، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وهو الأصح للشافعي.
وحكي عن ابن سريج: أن له قولًا آخر في أنّه لا يصح؛ لأنّه ضمان ما لم يجب.
وقد تكلمنا على جواز ضمان المجهول وما لم يجب، غير أن هاهنا هو ضمان ما قد وجب.
١٣١٨ - مسألة:
اختلف عن مالك في المضمون له، هل هو غير في أن يطالب
стр. 549
الضامن أو المضمون عنه، إن كان المضمون عنه معسرًا، وهذا قول أبي حنيفة والشّافعيّ.
وقال أيضًا: ليس له مطالبة الضامن، إِلَّا بعد تعذر وصوله إلى الحق من جهة المضمون عنه.
стр. 550
مسائل الشركة
١٣١٩ - مسألة:
شركة المفاوضة عندنا جائزة، وعند أبي حنيفة.
غير أنّه يخالف في صورتها، فيقول: هي أن يشترك الرجلان في جميع ما يملكانه من ذهب أو ورق، ولا يبقى لواحد منهما شيء من هذين النوعين إِلَّا اشتركا فيه، فيكون لكل واحد منهما من هذين الشيئين مثل صاحبه، وإن زاد مال أحدهما على مال الآخر، لم تصح شركتهما، وكل ما ربحه أحدهما؛ كان شركة بينهما، وكل ما ضمن أحدهما من غصب وغيره؛ ضمنه الآخر، فإن ورث أحدهما مالًا بطلت الشركة؛ لأنّه زاد ماله على مال صاحبه.
ونحن: نجوز أن يزيد ماله على مال صاحبه، ويكون الربح على قدر المالين، ويكون كلّ ما ضمن أحدهما لتجارتهما فهو بينهما، فأمّا الغصب وغيره فلا.
وحقيقة المفاوضة عندنا: هو أن يفوض كلّ واحد منهما لصاحبه في شراء أو ما يراه لتجارتهما، وأن يبيع ما يرى، ويضمن، ويوكل، ويقارض، بعد أن يكون كله لتجارتهما، وما يتعلّق بها؛ سواء كان رأس المال الّذي بينهما عرضًا أو عينًا، وسواء كانا شريكين فيما يملكانه كله في التجارة، أو في بعض مالهما ويفوض أحدهما للآخر ما ذكرناه، وسواء اختلط مالهما حتّى لا يتميز أحدهما من الآخر، أو كان متميزا بعد أن يجمعاه، وتصير أيديهما جميعًا عليه في الشركة.
стр. 551
وتصح عند أبي حنيفة، وإن لم يجمعاه.
وقال الشّافعيّ: لا تجوز الشركة في العروض، ولا تجوز إِلَّا في الدنانير والدراهم، وأن يخلطا ذلك حتّى لا يتميز أحدهما من الآخر، ولا يعرف عينه.
ويجوز عنده: أن يفضل أحدهما في رأس المال والربح قدر مال كلّ واحد، ثمّ إذا حصلا عنده شريكين على ما شرطا، لم يكن لأحدهما أن يتصرف في الكل، إِلَّا بإذن شريكه.
والشّافعيّ وأصحابه: يسمون هذه شركة عنان، وما ضمنه كلّ واحد منهما، ففي خاصته.
وقد سئل مالك عن شركة العنان، فقال: ما أعرفها.
١٣٢٠ - مسألة:
لا تصح الشركة مع افتراق ماليهما حتّى يجمعاه، ويكون أيديهما جميعًا عليه.
وقال أبو حنيفة: تصح وإن كان مال كلّ واحد في يده؛ لأنّ الشركة عنده جائزة بالقول، وإن لم يحضر المال.
وقال الشّافعيّ: لا تصح الشركة حتّى يكون رأس ماليهما جنسًا واحدًا، ويخلط ولا يتميز ولا يعرف أحدهما من الآخر.
١٣٢١ - مسألة [ ٧٨/أ]:
إذا استويا في رأس المال، واشترط أحدهما أن يكون له من الربح أكثر ممّا لصاحبه، مثل قوله: "أنا أحذق منك بالبيع والشراء"، فإن الشركة فاسدة، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: يصح ذلك إذا كان الّذي اشترط زيادة، أحذق في التجارة وأكثر عملًا، ولا يجوز أن يشترط من كان عمله أنقص.
стр. 552
١٣٢٢ - مسألة:
شركة الأبدان [عندنا] جائزة في الصنائع، إذا كانت الصنعة واحدة، والعمل في موضع واحد.
وقال أبو حنيفة: تجوز وإن اختلفت صناعتهما، وافترقت مواضعهما.
وجوّزها أحمد وإسحاق في كلّ شيء.
وقال الشّافعيّ: لا تجوز شركة الأبدان على حال.
١٣٢٣ - مسألة:
شركة الوجوه باطلة [عندنا]، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: هي جائزة.
وصورتها: أن لا يكون لأحد منهما رأس مال، ويقول كلّ واحد لصاحبه: "اشتركنا على أن ما يشتري كلّ واحد منا على ذمته، فهو شركة بيننا".
стр. 553
مسائل الوكالة
١٣٢٤ - مسألة:
تجوز وكالة الحاضر وإن لم يرض خصمه، إذا لم يكن الوكيل عدوًّا للخصم.
وقال الشّافعيّ وأبو يوسف ومحمد: تجوز وكالته وإن كان الوكيل عدوًّا للخصم، وبه قال ابن أبي ليلى.
وقال أبو حنيفة: لا تجوز وكالة الحاضر، إِلَّا برضى خصمه، إِلَّا أن يكون الموكل مريضًا، أو على سفر ثلاثة أيّام فتجوز.
١٣٢٥ - مسألة:
إذا أراد إنسان أن يوكل غيره في استيفاء حقوقه؛ فإما أن يوكله بحضرة الحاكم، أو في غير مجلس الحكم، ثمّ يثبت الوكيل وكالته عند الحاكم بالبينة، فإن وكله بحضرة الحاكم فله ذلك، وسواء وكله في استيفاء حقوقه من رجل بعينه، أو من جماعة من النَّاس، وليس حضور الموكل عليه شرطًا في صحة توكيله، وإن وكله في غير مجلس الحكم؛ كان وكيلًا إذا أثبت وكالته بالبينة عند الحاكم، فيدعي على من يطالبه بحقوق الموكل بحضرة الحاكم، وبه قال الشّافعيّ وابن أبي ليلى.
وقال أبو حنيفة: إذا أراد الرَّجل أن يوكل وكيلًا في استيفاء حقوقه عند الحاكم، فإن كان الخصم الّذي وكل عليه واحدًا، فحضوره شرط في
стр. 554
صحة الوكالة، وإن وكله على جماعة في استيفاء حقوق، فحضور واحد منهم شرط صحة الوكالة، وإن وكل رجلًا في غير مجلس الحكم، وأراد الوكيل أن يثبت وكالته عند الحاكم، فإنّه يحضر الخصم ويدعي عليه الحق عند الحاكم، فإن اعترف قيل للوكيل: "تثبت وكالتك فاستوف الحق"، وإن أنكر أُمر الوكيل بإثبات وكالته وتجديد الدعوى.
١٣٢٦ - مسألة:
يجوز للوكيل الثابت الوكالة أن يعزل نفسه، بحضرة الموكل وغيبته، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: ليس له فسخ الوكالة، إِلَّا بحضور الموكل.
١٣٢٧ - مسألة:
للموكل أن يعزل الوكيل وإن لم يعلم الوكيل بذلك، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا ينعزل إِلَّا أن يعلم بها.
١٣٢٨ - مسألة:
إذا نهى الموكل وكيله عن الإقرار عليه، أو أطلق له الوكالة ولم يذكر نهيًا، لم يجز إقرار الوكيل، ولم يقبل على الموكل، وبه قال الشّافعيّ وزفر.
وقال [٧٨/ ب] العراقيون: إقراره مقبول.
وقال أبو حنيفة: إن أقر عليه في مجلس الحكم، قبل إقراره ولا يقبل إقراره عليه في غيره.
١٣٢٩ - مسألة:
يجوز للأب والوصي أن يشتريا من مال اليتيم لأنفسهما، وأن يبيعا مال أنفسهما بمال اليتيم، إذا لم يحابيا أنفسهما، فإن حابيا اليتيم؛ كشرائهما من ماله ما يساوي مائة بألف، أو مثل: ما يشتري الأجنبي، جاز وإن كنا نكره فعل ذلك، وكذلك إن اشتريا له من مالهما ما يساوي مائة بأقل منها، وبه قال أبو حنيفة والأوزاعي، وكذلك في الوكيل.
стр. 555
وأبو حنيفة يمنع من الوكيل.
وقال الشّافعيّ: لا يجوز ذلك لواحد منهم، وهو مردود.
١٣٣٠ - مسألة:
إذا وكله في البيع مطلقًا ولم يحد ثمنًا، اقتضى ذلك البيع بثمن المثل، نقدًا بنقد البلد، فإن باع بما لا يتغابن النَّاس بمثله، أو نساء، أو بغير نقد البلد لم يلزمه، إِلَّا برضاه، وبه قال الشّافعيّ وأبو يوسف ومحمد وأحمد وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة: يجوز أن يبيع كيف شاء؟ نقدًا، أو نساء، وبنقد غير البلد، ودون ثمن المثل، وما لا يتغابن بمثله.
وأمّا إذا وكل في شراء عبد، فقد وافق أبو حنيفة، أنّه لا يجوز أن يشتريه بأكثر من ثمن مثله، ولا إلى أجل.
١٣٣١ - مسألة:
من كان عليه حق لرجل؛ كان دينًا في ذمته، أو عينًا قائمة في يده كالعارية والوديعة، فجاءه رجل فقال له: "قد وكلني صاحب الحق على قبض ذلك منك"، وصدقه من عليه الحق في الوكالة، وليس له بينة على الوكالة، فهل يجبر من عليه الحق على دفعه للوكيل؟ ولا أعرفها منصوصة.
والصّحيح عندي: أنّه لا يجبر على تسليم ذلك إلى الوكيل، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: يجبر على تسليم ما في ذمته.
وأمّا الأعيان القائمة، فعند أبي حنيفة وأبي يوسف: أنّه لا يجبر على تسليمها.
وقال محمَّد: يجبر على تسليم الأعيان كتسليم ما في الذِّمَّة.
стр. 556
مسائل الإقرار
١٣٣٢ - مسألة:
الإقرار بالدين في الصِّحَّة والمرض سواء، في المحاصة على قدر حقوقهم، فأمّا إذا كانت التركة تفي الجميع، فلا خلاف أنّهم جميعًا يستوفون ديونهم، وأمّا إذا لم تف التركة بالجميع، فإنهم يتحاصون عندنا وعند الشّافعيّ على قدر ديونهم.
وقال أبو حنيفة: غريم الصِّحَّة مقدم على غريم المرض، فيبدأ باستيفاء دينه، فإن فضل عنه شيء صرف لغريم المرض، وإن لم يفضل شيء فلا شيء له.
وهذا عندنا إذا كان الإقرار لمن لا يتهم فيه، فإن كان ممّن يتهم فيه، كإقراره لزوجته أو لبنيه أو لمن يتهم فيه بدين، فإقراره غير مقبول.
وعند أبي حنيفة: لا يقبل إقراره لوارث أصلًا.
وللشافعي في إقراره في المرض لوارث قولان.
١٣٣٣ - مسألة:
إذا أقر في مرضه لوارث لا يتهم فيه، قبل إقراره؛ مثل: أن تكون له بنت وابن عم، فيقر لابن عمه بدين فيقبل، ولو أقر لابنته لم يقبل؛ لاتهامه في أن يزيدها على حقها وينقص ميراث ابن عمه، [ولا يتهم أن يفضل ابن عمه على ابنته، فقبل إقراره له].
стр. 557
وقال أبو حنيفة: لا يقبل إقراره لوارث بحال.
واختلف أصحاب [٧٩/ أ] الشّافعيّ، فقال بعضهم: يجيء على قولين، ومنهم من قال: يلزم، قولًا واحدًا.
١٣٣٤ - مسألة:
إذا مات رجل وخلف ابنن أو ثلاثة أو أكثر، فأقر أحدهم بأخ آخر وأنكره الباقون، لم يثبت نسبه، ولا عند أبي حنيفة والشّافعيّ.
لكنه عندنا وعند أبي حنيفة يشاركه فيما يزيديه؛ لإقراره أنّه أخ مثله وابن للميت، كما أنّه وابن فيعطيه المقر ممّا يزيده مقدار نصيبه من الميراث بقدر قسطه، ممّا يصير إليه.
وصورة المسألة: رجل مات وخلف ابنين، فأقر أحدهما بثالث، فإن المقر يعطيه ثلث ما بيده، وهو نصيبه من جهته لو أقر الأخ الآخر، أو قامت له بينة.
وقال أبو حنيفة: يعطيه نصف ما بيده.
وقال الشّافعيّ: ليس له شيء من الميراث؛ لأنّ نسبه لم يثبت.
١٣٣٥ - مسألة:
إذا مات رجل وخلف ولدًا واحدًا فأقر بأخ، لم يثبت نسبه وأعطاه نصف ما بيده، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: يثبت نسبه.
١٣٣٦ - مسألة:
إذا قال لرجل: "لك علي مال"، ولم يذكر مبلغه، فليس فيها لمالك نص.
стр. 558
وكان شيخنا أبو بكر يقول له: "سمّ ما شئت ممّا يتمول"، فإن ذكر قيراطًا (١) أو حبَّة قبل ذلك منه، وحلف عليه أنّه لا يستحق أكثر من ذلك، إن لم يصدقه على مبلغه وادعى أكثر، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
وروي عن ابن الموّاز أنّه قال: يلزمه مائتا درهم، إن كان من أهل الورق، أو عشرون دينارًا، إن كان من أهل الذهب؛ لأنّه أولى مال تجب فيه الزَّكاة.
ويجيء عندي على مذهب مالك: أن يلزمه ربع دينار، وإن كان من أهل الورق فثلاثة دراهم.
١٣٣٧ - مسألة:
إذا قال: "له علي مال عظيم"، اختلف فيه.
فقال أبو حنيفة: يلزمه مائتا درهم إن كان من أهل الورق، أو عشرون دينارًا إن كان من أهل الذهب.
وقال الشّافعيّ: لا فرق بين قوله: "مال"، أو"مال عظيم" أنّه لا يتقدر، ويقال له: "سمّ ما شئت"، [فإن سمّى فلْسًا] (٢) أو حبّة، قبل منه].
وليس لمالك فيه نصّ، وكان الأبهري يقول يقول الشّافعيّ.
والذي يقوى في نفسي: قوله أبي حنيفة.
١٣٣٨ - مسألة:
إذا قال: "له علي دراهم كثيرة"، ليس لمالك فيها نصّ ولا لأصحابه، غير محمَّد بن عبد الحكم، قال: يلزمه ما زاد على ثلاثة دراهم كثيرة.
стр. 559
وقد قال: يلزمه سبعة دراهم.
وقال أبو حنيفة: تلزمه عشرة دراهم، إِلَّا أن يقر بأكثر منها، وإن قال: "أقل من عشرة"، لم يقبل منه.
وقال أبو يوسف ومحمد: يلزمه مائتا درهم.
وقال الشّافعيّ: يلزمه ثلاثة دراهم، كما لو قال: "علي دراهم".
قال القاضي: والذي يقوى في نفسي أن القول بثلاثة دراهم ممكن،
وكذلك مائتي درهم؛ لأنّ القولين نهاية في الكثرة بدليل الشّرع؛ لأنّ الثّلاثة مقدرة في القطع والنِّكاح، والمائتين مقدرة في نصاب الزَّكاة.
والذي يقوى في نفسي: قول أبي يوسف ومحمد.
١٣٣٩ - مسألة:
إذا أقرّ فقال: "له علي ألف ودرهم"، ولم يسمّ الألف من أي جنس هي، ولم يكن الدرهم الزائد تفسيرًا للألف، بل يكون الدرهم المعطوف على الألف مفسرًا، والألف هو موكول إلى تفسيره فيها وبيانه، فيقال له: "سمّ أي جنس [٧٩/ ب] شئت"، فإن قال: "أردت ألف جوزة"، أو"ألف بيضة"، قبل قوله، وقيل له: "احلف على ذلك"، وإن خالفه المدعي، وقال: "كلها دراهم"، لم يلزمه ذلك بقوله من أجل الدرهم المعطوف.
وكذلك لو قال له: "علي ألف وكر حنطة"، أو"ألف وجوزة"، أو "ألف وبيضة"، أو "ألف وعبد"، أو "ألف وثوب"، لم يكن في جميع هذا العطف تفسيرًا للمعطوف عليه عندنا وعند الشّافعيّ، وسواء كان العطف من جنس ما يكال أو يوزن أو يعد، أو من جنس ما لا يكال ولا يوزن ولا يعد؛ كالثياب والعبيد.
وقال أبو حنيفة: إذا كان العطف من جنس ما يكال أو يوزن أو يعد، فهو تفسير للمعطوف عليه المجمل، فتلزمه الدراهم إذا قال: "ألف
стр. 560
ودرهم"، وفي الجوز: "ألف وجوزة"، والحنطة: "ألف وكُرّ (١) حنطة"، كُرًّا زائد على الألف، وإذا كان معطوفًا من جنس ما لا يكال ولا يوزن ولا يعد، فإنّه لا يكون تفسيرًا للمعطوف عليه، وهو وفاق من الجميع فيما لا يعد ولا يوزن ولا يكال، وخالفنا فيما سوى ذلك.
وقال أبو ثور: يكون العطف تفسيرًا للمعطوف عليه على كلّ حال؛ سواء كان المعطوف ممّا يكال أو يوزن أو يعد أو لا.
١٣٤٠ - مسألة:
الاستثناء في الإقرار على ثلاثة أضرب:
- استثناء القليل من الكثير، وهذا ما لا خلاف فيه.
- وكذلك أيضًا استثناء النّصف، وهو ضرب آخر.
- والضرب الثّالث: الكثير من القليل، وهو جائز عندنا وعند الشّافعيّ وأبي حنيفة وغيرهما.
وقال عبد المالك بن الماجشون: لا يجوز.
١٣٤١ - مسألة:
الاستثناء من غير الجنس المستثنى منه، يجوز عندنا وعند الشّافعيّ؛ سواء كان الاستثناء ممّا يكال أو يوزن أو يعد.
ووافقنا أبو حنيفة عليه، إذا كان ممّا يكال أو يوزن أو يعد في أنّه يصح؛ مثل أن يقول: "له علي ألف درهم إِلَّا كر حنطة"، أو "إِلَّا عشرين جوزة"، أو "إِلَّا دينارًا".
وخالفنا فيه إذا كانت ممّا لا يكال ولا يوزن ولا يعد، أنّه لا يصح عنده.
стр. 561
وقال محمَّد بن الحسن وزفر: الاستثناء من غير الجنس لا يصح أصلًا؛ سواء كان ممّا يكال أو ممّا يوزن أو ممّا يعد أو لا.
١٣٤٢ - مسألة:
إذا قال: "لفلان علي ألف درهم في كيس"، أو "مائة رطل تمر في جراب"، أو "ثوب في منديل"، كان هذا إقرارًا عندنا بالدراهم والتّمر والثوب، دون الأوعية، فإنها للمقر مع يمينه، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أهل العراق: الأوعية مع ما أقر به فيها للمقر له.
١٣٤٣ - مسألة:
إذا أقر فقال: "له علي كذا كذا درهمًا"، قال محمَّد بن عبد الحكم: إنّه يلزمه أحد عشر درهمًا، وإذا قال: "له علي كذا وكذا درهمًا"، لزمه أحد وعشرون درهمًا، وبه قال أبو حنيفة في المشهور عنه.
وقال الشّافعيّ: إذا قال: "له كذا درهمًا"، لزمه درهم واحد، فإن قال أيضًا: "له كذا كذا درهمًا، لزمه درهم واحد أيضًا، وإذا قال: "له كذا وكذا درهمًا"، لزمه درهمان.
وقال المزني في موضع: يلزمه درهم أو أكثر.
واختلف أصحاب الشّافعيّ على طرق ووجوه. والصّحيح ما ذكر.
١٣٤٤ - مسألة:
إذا أقر العبد الّذي ليس بمأذون له في التجارة، بإقرار يتعلّق بالعقوبة في بدنه جاز إقراره؛ مثل: قتل العمد، والزنا، والسّرقة، والقذف، وشرب الخّمْرِ، قبل ذلك منه، وأقيم عليه حد ما أقر به، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ [٨٠/ أ].
وقال المزني ومحمد بن الحسن وداود: لا يقبل منه هذا الإقرار، كما لا يقبل في المال وما يتعلّق بالرقبة.
ووافقونا في الزِّنا والردة، أنّه يقبل إقراره فيهما.
стр. 562
١٣٤٥ - مسألة:
إذا أقر العبد المأذون له في التجارة بحقوق تتعلّق بالتجارة؛ مثل أن يقول: "داينت فلانًا، فله علي ألف درهم ثمن مبيع"، أو "مائة درهم أرش عيب"، أو "من قرض"، فإنّه يقبل منه كما يقبل في الجنايات الّتي تتعلّق بالعقوبة، وكل ما كان في دين ليس متضمن التجارة، فإنّه يكون في ذمته، ولا يؤخذ من المال الّذي في يديه ولا يؤخذ منه؛ مثل: أن تقوم البينة بإقراره أنّه غصب من فلان شيئًا، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: يؤخذ من المال الّذي في يديه، كما يؤخذ منه ما يتضمن التجارة.
١٣٤٦ - مسألة:
إذا أقر يوم السبت بدرهم لشخص، ثمّ أقر يوم الأحد بدرهم، فهو درهم واحد عندنا وعند الشّافعيّ ومحمد وأبي يوسف.
ولا فرق عندنا وعندهم بين المجلس الواحد والمجالس.
وقال أبو حنيفة: إن كان في مجلس واحد، كان إقرارًا بدرهم واحد، وإن كان الإقرار في مجالس، كان إقرارًا مستأنفًا.
١٣٤٧ - مسألة:
إذا قال: "لزيد علي مائة ثمن مبيع، لم يسلم إلى ومنعني منه"، سئل المقر له، فإن قال: "نعم، المائة الّتي بعته بها شيئًا، لم أسلمه إليه"؛ فإما أن يسلم البائع المبيع ويقبض المائة، أو يسلم إليه المقر المائة ويأخذ المبيع، على خلاف النَّاس فيمن يبدأ بالتسليم، وإن قال المقر له: "هذه المائة لي عندك، وليس لك عندي مبيع، وإنّما هي من شيء آخر أستحقه عليك، وليس لك عندي مبيع"، فإن القول قوله إنّه لم يبعه شيئًا ويحلف، فإذا حلف سقطت المائة الّتي أقر بها المقر، ولم يستحق عليه شيئًا، ومثل ذلك قال الشّافعيّ.
وقال أبو يوسف ومحمد: هو مقر بالمائة لزيد مدع عليه المبيع،
стр. 563
فالقول قول المقر له وإن أنكر أنّه لم يبعه شيئًا، واستحق المائة.
وقال أبو حنيفة: إن ادعى أن المائة ثمن مبيع معين؛ مثل أن يقول: "هي ثمن هذا العبد، ولم يسلمه إلي"، فإن أقر له بذلك، قلنا لهما: يسلم كلّ واحد منكما للآخر، وإن أنكر المقر له المبيع، حلف أنّه لم يبعه شيئًا وسقطت المائة عن المقر، كقولنا.
وإن ادعى المقر أن المائة ثمن مبيع غير معين؛ مثل أن يقول: "هي ثمن عبد لم يسلمه إلي"، أو "ثمن ثوب منعني منه"، وأنكر ذلك المقر، حلف المقر له ولزمت المقر المائة.
١٣٤٨ - مسألة:
لو شهد شاهد لزيد على عمرو بألف، وشهد له شاهد آخر عليه بألفين، فإن أبهما ولم ينسباها إلى جهة صح.
وكذلك إن نسباها إلى جهة جاز؛ مثل أن يقولا: "ثمن عبد"، أو نسبها أحدهما إلى ثمن عبد، ولم ينسبها الآخر إلى شيء، أو نسبها الآخر إلى شيء بخلاف ما نسبها إليه الأوّل، جاز وقبل ذلك وتثبت له ألف بشهادتهما, وله أن يحلف مع الشّاهد الّذي زاد ألفًا أخرى إن اختار ويأخذها، وبه قال الشّافعيّ.
ووافقنا أبو يوسف ومحمد في أنّه يقضى له بألف بشهادتهما.
وقال أبو حنيفة: لا يثبت له بهذه الشّهادة شيء أصلًا. وهو أيضًا لا يقول بالشّاهد واليمين.
стр. 564
مسائل العارية والوديعة
١٣٤٩ - مسألة:
إذا ثبت هلاك العارية لم يضمنها المستعير؛ سواء كان حيوانًا أو حليًا أو ثيابًا، ممّا يظهر أو يخفى، إِلَّا أن يتعدى فيها. هذه أظهر الروايات عن مالك.
وروى عنه ابن عبد الحكم وأشهب: فيما يخفى هلاكه ممّا يغاب عليه؛ مثل: الحلي والثياب والسلاح، أنّه مضمون وإن ثبت هلاكه.
وليس العمل على هذا بل على الرِّواية الأولى: أنّه لا يقبل قول المستعير في هلاك ما يغاب عليه؛ مثل: الحلي والثياب والسلاح، إِلَّا أن تقوم له بينة، ويقبل قوله فيما لا يغاب عليه؛ مثل: الحيوان والدكاكين والدور، هذا فيما يظهر هلاكه وتلفه للناس.
وقالت طائفة: إنها أمانة من كلّ وجه، ولا يضمن بالتلف، إِلَّا أن يتعدى المستعير، ويقبل قوله في تلفها، ذهب إليه الحسن البصري والنخعي والأوزاعي والثوري [٨٠/ ب] وأبو حنيفة وأصحابه.
وذهب الشّافعيّ: إلى أنّها مضمونة على المستعير على كلّ وجه؛ سواء ثبت هلاكها أو ادعاه، كما لو تعدى فأتلفها, لا فرق عنده بين ما يغاب عليه أو لا يغاب عليه، وبه قال عطاء وأحمد بن حنبل.
وذهب قتادة والحسن وعبيد الله بن الحسن: إلى أنّه إذا اشترط المعير
стр. 565
على المستعير الضمان، صارت مضمونة عليه بالشرط، وإن لم يشترط الضمان عليه لم يضمن.
وبه قال أشهب فيما لا يغاب عليه، وقال فيما يغاب عليه: إنّه مضمون وإن قامت بينة على هلاكه، على الرِّواية الأخرى عن مالك، الّتي رواها هو وابن عبد الحكم عنه، ويقول في هذه: إن المستعير إن شرط أن لا ضمان عليه نفعه ذلك، ولم يكن عليه ضمان.
١٣٥٠ - مسألة:
إذا أعاره بقعة ليبني فيها أو يغرس، فبالقول والقبول يلزمه ذلك، وليس له في ذلك رجوع وإن لم يوقت له مدة، وكان للمستعير مدةٌ ينتفع في مثلها بمثل ما استعارها له، ثمّ للمعير عند تمام ذلك أن يطالبه برد أرضه عليه.
فإن كان قد غرس أو بنى، فللمعير أن يعطيه قيمة غرسه مقلوعًا، أو يأمره بالقلع إذا كان ينتفع بما يقلعه، وإن لم ينتفع بما يقعله لم يكن له ذلك؛ مثل: حك التزاويق، أو قلع تراب قد ردم.
[وإن كان له مدة فليس له أن يرجع قبل انقضائها، ثمّ ينظر؛ فإن كان المستعير قد بنى وغرس فيها، فسواء اشترط عليه قلع ذلك أو لم يشترطه، فإن الخيار للمعير في دفع قيمة ذلك إليه مقلوعًا، أو يأمره بالقلع إذا انتفع، لما ضرّ به] حفرا أو ما أشبه ذلك.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: للمعير أن يرجع في العارية، ما لم يحدث فيها من أعيرت له حدثا، فإن أحدث فيه ابناء أو غرسًا، فقال أبو حنيفة: إن لم يكن وقت لها وقتا، فله أن يجبره على قلع ذلك؛ سواء مضت له مدة، له فيها انتفاع بذلك أو لا، وإن كان وقت لها مدة، فليس له أن يجبره على قلعه قبل انقضائها، وعليه قيمة البناء والغرس للمستعير.
وقال الشّافعيّ: إن كان شرط عليه القلع، فلا فرق بين أن يوقت له مدة أو لا يوقت، فإن له أن يجبره على قلعه أي وقت اختار، وإن أطلق