← Общие книги

Общие книги · id 14468

فقه الأولويات في الخطاب السلفي المعاصر بعد الثورة

محمد يسري إبراهيم

Полный текст (195 стр.). Показаны 176–195 · переход к 181.

стр. 176

فإن هذا الخطاب قد ضعف كثيرًا في النصف الثاني من القرن العشرين، وذلك باستثناء مبادراتٍ فرديةٍ، كمثل مالك بن بني، حيث غلبَ على الخطابِ الإِسلاميِّ عمومًا الاهتمامُ بالهوية والمرجعية، وإدارة السجالات حولها، ومحاولات إقامة الدولة الإسلامية، ومن ثم الثبات في وجه الصدامات السياسية، أو التعقيدات الأمنية، أو الحملات الإعلامية، أو مقاومة التغريب والتشكيك. ومع التسليم الكامل بأهمية هذه الخطابات، إلاَّ أنه يجب أن نُسَلِّمَ -أيضًا- باستنزافها لكثير من الطاقات، وتضخم تلك الاهتمامات على حساب المهمات الاجتماعية الضارية، ذات الصلة بنهضة تلك المجتمعات، وهي قضايا لا يصلح، ولا يكفي فيها إجابةٌ مبشرة عن أسئلة النهضة من غير تفصيل، ولا تدليل، ولا تعليل؛ استغناءً بالجوابِ المُجْمَلِ: (الإسلام هو الحل!) أو: (الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة!). ومن نافلة القول: أن الدعوات السلفية -وهي تلج في عالم اليوم إلى آفاق رحبة، وتدخل في مشاركات مجتمعية واسعة- مطالَبَةٌ بأن تتجاوز مرحلةَ الشعاراتِ البرَّاقَةِ، والمطالبات التي تشبه مطالب المعارضة؛ لتنتقل بالأمة إلى برامجَ عمليةٍ تبني من خلالها نهضةَ الأمةِ، وذلك عملٌ يحدوه أملٌ في التغيير الإيجابي، والتحول العملي جهةَ صناعة الحياة في تحديات كثيرة، وهنا يجب التنبه إلى أن التيارات السلفية خاصَّةً عليها أن تنحى منحًى

стр. 177

عمليًّا؛ لتواجه الجهل، والفقر، والتخلف، والمرض، والاستبداد، واستلاب المقدرات، والعجز التقني، وقلة الموارد البشرية المؤهَّلَةِ والمدرَّبةِ عمليًّا، وهذه عوائقُ حقيقيةٌ مهمٌ اجتيازُهَا؛ لنعبر بالأمة إلى ميدان الثقة بالأطروحات النظرية، والشعارات الدعوية، والتوجهات السلفية ذاتها. وفي هذا السبيل: لا بد من تخفيف غلواءِ المواجهات النظرية، والمعارك الجانبية، سواءٌ في ذلك الآخَرُ غيرُ الإِسلامي، أو الإِسلامي، ومحاولة حشد الجميع في إطار من العمل الإيجابي المشترك. مع ملاحظة: أن المواجهة مع العدو العلماني، أو العقلاني، أو الليبرالي، لا تنبغي أن تكون نظريةً، أو انعزالية، بل لا بد أن تكون عملية؛ ليحقق الإسلاميون أنموذجًا عمليًّا، يمثل بديلًا تطبيقيًّا مقبولًا، يمكن اعتماده، ويسهل على الناس الانحياز إليه، عوضًا عن النماذجِ والتطبيقاتِ المرفوضةِ دينيًّا، أو المشوَّهَةِ حضاريًّا! فلا يصلح لنا بحال أن يبقى أملُ النهضة حلمًا تاريخيًّا، نستدعيه من الذاكرة لنستروحَ به، أو لندغدغ المشاعرَ فحسب! وإنما علينا أن نتحول مِنْ ذَرْفِ الدموع إلى إيقادِ الشموعِ، وهذا لا يتأتَّى إلا بترجمة أهدافِ النهضةِ المرجوَّةِ إلى مشاريعَ

стр. 178

عمليةٍ، وبرامجَ تنفيذيةٍ، يرابط من خلالها صُنَّاعُ الحياة على ثغورِ الأمة، وجبهاتها المتنوعة، وهنا تأتي مصطلحات مهمة؛ كالإصلاح السياسي، وتحقيق التنمية المستدامة، وبسط العدالة الاجتماعية، والقضاء على البطالة، ومعالجة البيئة من التلوث، وإصحاح الأبدان، واللحاق بركب التقدم التقني والفني، ومحاربة الفساد، وتجفيف منابعه، وأسلمة الحياة بشكل عام، وكل ذلك من خلال برامجَ عمليةٍ، وتفاصيلَ تنفيذيةٍ، وحلولٍ ناجعةٍ، وبدائلَ ناجحةٍ، ومعالجاتٍ واقعية للمشكلات المجتمعية المعاصرة!

стр. 179

المبحث الثالث عشر أولوية ضبط الخطاب السلفي الموجه للحضارة الغربية تراوح الموقف الإسلامي من الحضارة الغربية بين انبهارٍ، وانخداعٍ، واستخذاءٍ، وشعورٍ بالدونية، ووقوعٍ في أَسْرِ الهزيمة النفسية والفكرية، أمام إنجازات الحضارة الغربية، وجوانبها المادية من جهة، وبين رفضٍ مطلقٍ وانكفاءٍ على الذات ومعاداةٍ مع انعزالٍ وارتحالٍ إلى الماضي والتراثِ، وانسحابٍ من المواجهة الفكرية، أو الحضارية، وهذا من جهة أخرى. ويبدو أن كِلا الموقفين غيرُ حميدٍ، فأصحابُ الموقفِ الأول واقعون بالكامل في أَسْرِ الحضارة الغربية مولعونَ بتقليد أصحابها في الصالح والطالح، وأصحابُ الموقفِ الثاني لا يرون من علاقةٍ إلَّا المواجهة الحاسمة، أو الانعزال حتى تتهيأ المنازلة الفاصلة! ومن أسفٍ أن كثيرًا من السلفيين يلحقون بأرباب الموقف الثاني! ويبدو أن هذا غيرُ سديد؛ فعامة السلفيين اليومَ يرون التعامل الانتخابي مع هذه الحضارة التي تموج بما يُقبل وما يُرَدُّ، وما يصلح وما لا يصلح، وعليه؛ فإن المعطيات النافعة لهذه الحضارة لا بد من رعايتها، وسلبياتها لا مناصَ من اجتنابها، وهذه الطريقة الوسطية لا تُغْفِلُ قول الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠]، وقوله تعالى:

стр. 180

﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩]. كما أنها تتفهمُ النظرةَ السلبية عن الإسلام والدين بشكل عامٍّ لدى الغربيين، وتقف على أسبابها، وعلى محاولات الإبادة والتهميش والإقصاء التي تُمَارَسُ ضد المسلمين في بقاع كثيرة، وفي قضايا المسلمين الكبرى بشكل عام. والخطاب السلفي المعاصر حين يتوجه إلى الغرب ينطلق من مبادئ حاكمةٍ، ويتوخى الانضباطَ بقواعدَ أصيلةٍ في الخطاب والعلاقة بالغرب، فلا بد من التأكيد على عالمية الخطاب الإسلامي، فلا يتقيد هنا الخطاب بجنس، ولا لون، ولا لغة، ولا ينكفى على صفوة من الناس، بل هو خطاب لأمة الدعوة، كما هو خطاب لأمة الإجابة. وهو خطاب إنسانيُّ المنطلق، يبحث عن التعارف والتآلف، ويتجه إلى الناس جميعًا، وبني آدم بأَسْرِهِمْ، ويتعاون معهم على البِرِّ والتقوى، ويُنْشِئُ علاقاتٍ من الأخذ والإعطاء، والاتصال الحضاري، والعطاء الإنساني. وهو خطاب علميٌّ مستقلٌّ مبدعٌ، يُرَاعِي اختلافَ الظرف الزماني والمكاني، ويُفَرِّقُ بين الثابتِ والمتغيرِ، والمبدئيِّ والمرحليِّ، لا يقنعُ بالدونيَّةِ، ولا يرضى بالتبعيَّةِ للحضارة الغربية، وإنما ينفتح عليها بشكل نقديٍّ واعٍ، ولا يقبل باستيرادِ الإجابات

стр. 181

الغربية على الأسئلة الحضارية، وإنما يناقشها في ضوء: أن الإسلام منهج حياة، فلا هو ينفتحُ انفتاحًا سلبيًّا, ولا يرفضها رفضًا كليًّا! ومن خلال هذه الرؤية يتعين على الخطاب السلفيِّ أن يُحَرِّرَ اليوم -قبل الغد- الأسسَ الشرعيَّةَ للعلاقة بين المسلمين وغيرهم، خارج ديار الإسلام، بصورة تركز على البعد الإنسانيِّ والدعويِّ، مع مراعاة جانب المصالحِ المشتركَةِ، وتقوية جانب الإعلام الإِسلاميِّ؛ ليقوم بدور السفارة لدى الغرب بمختلف أطيافه ومؤسساته، وإبراز العطاء الحاضريِّ العالميِّ للمسلمين عبر تاريخهم المجيد. ولا بد في هذا السياق من تعريجٍ على خصوصيةِ علاقةِ المسلمين بغيرهم، داخلَ بلادِ الإسلامِ، والتي تقوم على التسامحِ والإحسانِ والبِرِّ، وحُسْنِ المعاشرة، وتحقيقِ العدلِ وإقامة القسط، قال الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨]. فلا يكون اختلافُ الدين مبررًا لظلمٍ، أو دافعًا لبغيٍ، كما أن الإقرار بوجود الأديان لا يعني إقرارًا بصحتها جميعًا.

стр. 182

والاشتراك في الوطن يُنْشِئُ اشتراكًا في تحقيقِ مصالِحِهِ من قِبَل أبنائه جميعًا، مهما اختلفت عقائدهم، والانتماءُ الوطنيُّ عاطفة جِبِلِّيَّةٌ، لا اعتراض عليها، ما لم تتحوَّلْ إلى عصبيَّةٍ وحميَّةٍ جاهليَّةٍ. والتقريبُ بين الأديان مصطلحٌ مُجْمَلٌ، فإن قُصِدَ به الدعوةُ إلى الله تعالى، وإقامةُ الحُجَّةِ على عباده، أو قُصِدَ به التعايشُ الآمِنُ بين أصحاب الأديان المشتركة في الوطن، بما يَحْقِنُ الدماءَ ويُسَكِّنُ الثائرة؛ فلا إشكال فيه، وإن قُصد به خَلْطُ الأديانِ ودَمْجُ المللِ والنِّحَلِ بالإِسلام؛ فذلك عمل محظورٌ، وسعيٌ غيرُ مشكورٍ، والمشارِكُ فيه مأزورٌ غيرُ مأجورٍ، بإجماع المسلمين، ولا كرامة له، ولا لصاحبه!

стр. 183

المبحث الرابع عشر أولوية المشاركة المجتمعية والسياسية الواسعة يفهم السلفيون السياسة على أنها: ما كان من الأفعال بحيث يكون الناس معها أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يشرعها النبي ﷺ ، ولا نزل بها وحي خاصٌّ (١)، وأن الإمامة رتبة دينية موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين، وسياسة الدنيا (٢). كما أنهم جميعًا يعتقدون الإسلامَ دينًا ودولة، فإذا أقيم الدين استقامت الدولة، وبإقامة الدين واستقامة الدولة تنطلق الأمة في مجالات رحبة من الدعوة والتعليم والحسبة، وباختلال الدولة تختل واجبات دينية جماعية، كالجهاد والقضاء وجمع الزكاة، وغيرها. فكلمة أهل العلم متفقة على أن "ولاية أمرِ الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها" (٣). كما أجمع المسلمون على أن الولايات من أفضل الطاعات، فإن الولاة المقسطين أعظم أجرًا، وأجل قدرًا من غيرهم، لكثرة ما يجري على أيديهم من إقامة الحق، ودرء الباطل ... وعلى الجملة

стр. 184

فالعادل من الأئمة والولاة والحكام أعظم أجرًا من جميع الأنام، بإجماع أهل الإسلام (١). وأهداف العمل السياسي المعاصر لا تخرج عن الحكم والتحاكم إلى الشرع المطهر، وامتداد الإصلاح ليشمل الشأن السياسي، فتعدل دساتير البلاد الإسلامية بما يوافق الشريعة الإلهية، وتُحرَّرُ الدعوة من قيود الممارسة، وتوسَّع رقعة الحرية في المشاركة المجتمعية، ويؤكَّد استقلال المؤسسة الدينية الرسمية، والقضاء والإفتاء عن التسلط والتوظيف لتحقيق مصالحَ فئوية، أو شخصية. والتيار السلفي يتقدم اليوم إلى معترك الحياة السياسية؛ ليقدم ممارسة شرعية منضبطة، أو أنموذجًا حضاريًّا رائدًا، ينبغي أن يُذَكِّرَ بسالف العهود الزاهرة، يوم كانت الأمة تأخذ بسلطانها، فتراجع ولاتها، وتحاسب حكامها، في ممارسة راقية لواجب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وهذه الممارسة السياسية المعاصرة مع كونها أولوية، إلا أنها تكتنفها تحديات، وتواجهها صعوبات واقعية، منها: أن الممارسة السياسية المعاصرة تقوم على الديمقراطية فلسفةً وآليةً، والمقبول

стр. 185

سلفيًّا من ذلك إنما هو الآلية، والأمور الإجرائية، كما أن الممارسة السياسية تقوم على التعددية، وربما المخالفة في الرؤى السياسية، كما تكثر التحالفات والتوافقات السياسية بين الفرقاء أحيانًا، والمختلفين منهجيًّا أحيانًا أخرى. وهذا أمرٌ يجعل الممارسةَ السياسية المعاصرة طريقًا محفوفًا بمخاطرَ كثيرةٍ، وفي هذا الصدد يتعين على التيار السلفيِّ المعاصرِ أن يبني خبرة سياسية تَستند إلى فقه التعارض بين المصالح والمفاسد والترجيح المنضبط، ومحاولة تقديم خطابٍ سياسيٍّ يعبر عن آمال الشعوب الإسلامية، ويُرَقِّيها في مدارج الكرامة الإنسانية، ويُنهِضُها في مواجهة التحديات الحضارية المختلفة. وهنا تبدو ضرورة التنبه للعوامل الخارجية، وتأثيراتها على الساحة الداخلية، وأهمية التحول من الرؤى البسيطة إلى رؤًى مركَّبَةٍ عميقة، عبرَ ما تنتجه مراكزُ البحوث والدراسات الاستراتيجية، ولا شكَّ أن سياسة الدول تختلف عن سياسة الجماعات، وأن هناك مسافة بين فقه الدعوة وفقه الأحزاب، كل هذا مع التأكيد على أن بناء الأحزاب السياسية ليس غايةً في ذاته، وأن معاقِدَ الولاء والبراء إنما تكون على المبادئ الشرعية، لا على الرايات الحزبية الدعوية، فضلًا عن الحزبية السياسية! وكما تمتلك التوجهات السياسية السلفية من عوامل النجاح ما يغري بالمواصلة والمتابعة؛ فإنه لا بد من لفت النظر إلى عواملِ إخفاقٍ ظاهرةٍ وواضحةٍ؛ منها -على سبيل المثال-: ضعفُ

стр. 186

الخبرة، وقلَّةُ الكوادر المدربة على المشاركة السياسية، وغيابُ الرؤية المتكاملة للتغيير السياسي، في المرحلة الراهنة والمراحل المستقبلية، وغلبة العواطف على المواقف، والسياسة إنما تقوم على الدراساتِ، والصرامةِ في اختيار الكفاءات، وضبطِ التصرفات، وتوقُّعِ النتائج، والنظرِ في المآلاتِ، ومراعاةِ التدرج، وفقهِ الضرورات. كما تجدر التفاتة إلى الإعلام السياسي المعبِّرِ عن هذه التيارات، وأهمية إنشاء وسائل تأثير إسلامية على الرأي العام، في مقابل الوسائل التغريبية والعلمانية. وأخيرًا فلا بد من بناء المؤسسات الاقتصادية، والمشاريع الإنتاجية التي تحقِّقُ مصلحةً مزدوجةً للمجتمع، ولهذه الأحزاب في نفس الوقت، دعمًا لها، وتحريرًا من كل تبعية تقيد مسيرتها، أو تؤثر في فعاليتها، وإقامةً لبرهان ساطع، ودليل ناصع على انتماء هذه الأحزاب لمجتمعاتها، وحرصها على نهضة بلادها، وتحقيق الكفاية والرفاهية لمواطنيها.

стр. 187

المبحث الخامس عشر أولوية صناعة الإعلام وصياغة الرأي العام لا يستطيع منصف أن يتجاهل حقائق الأرقام حول صناعة الإعلام، ففي آخر إحصائية رسمية مسجلة بنهاية عام ٢٠١٠ م، بلغ عدد الهيئات العربية التي تبث، أو تعيد بث قنوات فضائية على شبكاتها ٤٧٠ هيئة، منها: ٢٦ هيئة حكومية، ٤٤٤ هيئة خاصة، وهي تبث، أو تعيد بث ٧٣٣ قناة متعددة الأهداف، ومختلفة الأصناف والأطياف، مستعملة في ذلك سبعة عشر قمرًا صناعيًّا (١). وأن الجمهور المصري من عام ٢٠٠١ م تبلغ نسبة متابعته للقنوات الفضائية بشكل إجمالي ٩٩.٥ %، منهم: ٥٠.٢ % بصفة منتظمة، وأن هذه الشريحة في ازدياد منذ ذلك العام، إلى أن وصلت إلى ٧٥ % هذا العام ٢٠١١ م (٢). كما أن نسبة المشتركين العرب في موقع: (face book) بلغ قبل الثورات العربية مباشرة، وبنهاية ديسمبر ٢٠١٠ م، نحو: ٢١.٣ مليون مشترك، وتضاعف هذا العدد بنهاية عام ٢٠١١ م (٣).

стр. 188

والإِسلاميون بشكل عام، والسلفيون منهم بشكل أخص، يجب أن تتغير نظرتهم إلى الإعلام؛ إذ الدعوة إلى الله تعالى إعلام بشرعه، ودلالة على دينه وهديه، وقد قال أحد كبار السلفيين في العصر الحديث، وهو الشيخ ابن باز ﵀: "أنجح الطرق في هذا العصر، وأنفعها: استعمال وسائل الإعلام؛ لأنها ناجحة، وهي سلام ذو حدين" (١). والإعلام في الإسلام عبادة جليلة محكومة في غايتها ووسيلتها بأحكام الشريعة المعظمة، ومقاصدها المكرمة، شعاره النطق بالكلمة الطيبة، ورعاية قضايا الأمة المسلمة، فهو خيِّر في صناعته، خيِّر في أهدافه ومراميه، خيِّر في غاياته ومساعيه، والفضل ما شهدت به الأعداء. لقد أعدت جامعة: (تل أبيب) دراسة موسعة عن الفضائيات الإسلامية، ونشرت منها مقتطفات مجلة: (لوبون) الفرنسية، ونقلها موقع الاتحاد الإسلامي للمنظمات الطلابية في إبريل ٢٠٠٧ م، جاء فيها: "إن الفضائيات الإسلامية تأتي في مقدمة الأسباب التي تؤدي إلى التدين عند الشباب المسلم، حيث أكدت تلك الدراسة أنه بسبب هذه الفضائيات أصبح أكثر من

стр. 189

٨٥ % من الفتيات المصريات يرتدين الحجاب، و٦٠ % من الشباب يحملون في حقائبهم القرآن الكريم!! وهذا خلاف ما كانوا عليه قبل عشر سنوات!! وهذا ما يهدد أمن إسرائيل!! ". لقد تخطى الإعلام دور المؤثر على الرأي العام، ليتحول إلى صانع مهم له، وأصبح أخطر الأدوات التي تشكل الخريطة الفكرية والثقافية -على حد سواء- مع الخريطة السياسية، والاقتصادية، والعسكرية التي تسود العالم (١). ومن يملك الآلة الإعلامية المناسبة في عالم اليوم هو من يفرض على الناس كيف يفكرون، وماذا يختارون، عن طريق كل وسائل الإبهار، والخداع البصري والسمعي، وغيرها. ولقد عانى السلفيون في الفترة الأخيرة من الإعلام في العالم بأسره، وداخل البلاد العربية معاناةً شديدة، حيث عمل الإعلام -الممول غربيًّا ومن أصحاب المصالح- على تشويه صورة السلفيين لدى المجتمع بأسره، واستعملت في هذا السبيل كل وسائل الخداع والتضليل، وأثَّر ذلك على الحياة السياسية، بحيث ساهم في إسقاط مرشحين سياسيين، وتشويه وجه الأحزاب

стр. 190

الإسلامية، ونبذ التوجه السلفي بتهم الإقصاء، والعنف، والظلامية، وغيرها من الإفك المفترى. وفي نفس الوقت دارتِ الآلةُ الإعلامية التغريبية لتروِّج بطريقةٍ دعائيةٍ هجومية للتيارات السياسية الليبرالية واليسارية على حدٍّ سواء، حتى غدت البرامج الانتخابية التي تتبناها تلك الأحزاب من رسم محترفي وسائل الإعلام (١). وعلى حد قول (جيرالد زالتمان): إذا لم يكن الغزو الإعلامي أداةً لنا فسيكون حتمًا أداةً علينا (٢). كما يجب أن نتحول من دائرة ردِّ الفعل إلى الفعل، ذلك أن صاحب الكلمة الأولى إعلاميًّا هو صاحب الكلمة العليا والمؤثرة غالبًا. والإسلاميون يتعين عليهم أن يكون بنيانهم الإعلامي حاضرًا في القضايا التي تجدُّ، وإلا تلقَّى الناس عن غيرهم، فالإسراع في بيان الرأي يفيد كثيرًا في التأثير على الناس (٣). وكما أن الفضائيات، ووسائل الإعلام الإلكترونية، وسيلة

стр. 191

فعالة في صياغة الرأي العام، فهي أيضًا خيار معرفي، وبديل دعوي، يقوم على عولمة الثقافة الإسلامية، وإشاعة الفكرة والممارسة الإيمانية، وليس يبعد التأمل في دور الفضائيات الإسلامية المعاصرة في تحريك الشعب المسلم إيمانيًّا وعمليًّا نحو التغيير الإيجابي الذي يعم بلادًا عربية كثيرة في عالمنا اليوم. وبالجملة فإنه بقدر تملُّك التيار السلفي لناصية الإعلام، وأخذه: الإعلام، وأخذه بمجامع المبادرات الإعلامية، يكون حضوره فاعلًا، ومشاركته المجتمعية مقبولةً ومتقَبَّلَةً، ولا بد للإعلام الإسلامي اليوم أن يخرج إلى آفاق مجتمعية واسعة، في المجالات الاقتصادية، والسياسية، والثقافية، كما هو في المجالات الدينية، أو التعليمية. وتبقى تحديات مهمة في هذا الصدد الإعلامي، منها: القدرةُ على تقديم إعلامٍ احترافي جذَّاب، ومنضبط في نفس الوقت، والخروج إلى فضاء الأمة، بدلًا من التقوقع في بوتقة الجماعة، أو الحزب، وتقوية جانب التخطيط الارتيادي للأعمال، والمؤسسات الإعلامية الإسلامية، وتفعيل هذه المؤسسات، لاستعادة المبادرة، والريادة الحضارية للأمة الإسلامية.

стр. 192

المبحث السادس عشر أولوية إيجاد وسيلة فعالة للتنسيق وحل الخلافات السلفية التنسيق بين الطوائف والجماعات السلفية ضرورة دعوية، ومرحلة مهمة، وذلك بعد التسليم بأن الاختلاف بين الناس طبيعة بشرية، وسنة كونية، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨، ١١٩]. وفي ضوء الواقع المعاصر فإن النوازل الأخيرة بالشرق قد جرَّت إلى خلافات سلفية -سلفية، حول التوصيف الشرعي لما حدث في المنطقة العربية من ثورات وتحولات! وهل هي أقرب إلى الخروج، أم إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟! وإذا كان خروجًا، فهل يُشرع، أم يُمنع؟ وما تبع هذه الثورات ورافقها من مظاهرات، أو احتجاجات سلمية، هل تدخل في حد المباح، أم المحظور، أم تتغير أحكامها تبعًا لتغير مقاصدها وأهدافها؟ وما ترتب على هذه الثورات من تعدد الأحزاب، والمشاركة في الانتخابات، وموقف المرأة منها، وحكم الديمقراطية،

стр. 193

وشرعية تأسيس أحزاب على غير أساس إسلامي، ومشاركة غير المسلمين في العملية السياسية، على أساس من التعددية، وكذلك حكم الاستعانة بالكافرين على إزالة الحاكم الظالم والطاغية الجبار -كما حدث في ليبيا- وكيفية تطبيق قواعد المصالح والمفاسد عند التزاحم، وكذلك اختلافهم حول أنجع السبل للتعامل مع الجهات الخارجية، والاتفاقيات الدولية، وهل يسع المسلمين خروج عنها، أم يجب عليهم التزامٌ بها؟ وما هي المخارج العملية من المشاكل الاقتصادية، والاجتماعية المحدقة بمجتمعات المسلمين اليوم، بعد ارتفاع سقف الحرية، وسقوط الأنظمة الديكتاتورية؟ وكل ذلك من المسائل المتعلقة بالسياسة الشرعية تحتاج إلى معالجة منهجية، ومن خلال وسائل عملية، وبحوث مؤسسية. فلا بد من تأسيس هيئة: فلا بد من تأسيس هيئة شرعية قُطرية، يتجرد لحمل مسئوليتها العلماء من كل اتجاه؛ لتوكل لهم مهمةُ استنباط الأحكام في هذه النوازل، على أساس من الشورى، وعدم الاستبداد بالرأي في الأمور الاجتهادية، مع الاستعانة بأهل الخبرة والاختصاص في كل أمرٍ بحسبه، ووضع الخلاف الاجتهادي في حجمه، من غير تهوين، ولا تهويل، مع

стр. 194

التماسِ الأعذار، والذَّبِ عن الأعراض، والنأيِ عن المواقف الفردية والتفرُّدَاتِ الشاذَّةِ، وتأجيلِ ما لا يمكن حسمه، إلى مزيد بحث وتواصل، والتأكيد على معانٍ مهمة من أن الخروج من الخلاف مستحب، وأولوية التمييز بين الخلاف بأنواعه، واحترام المخالف من أهل السنة، والتعاون مع المخالف في القدر المتفق عليه، وأن الظلم لا يبيح الظلم، ونحو ذلك من المعاني المهمة.

стр. 195

الخاتمة القلوب مفعمةٌ بالأمل، ويحدوها الرجاء نحو صالح العمل، ردا إلى الأمر الأول، وإخراجًا للعباد من طور الفساد والاستبداد إلى جادَّة الهدى وسبيل الرشاد، وجمعًا للكمة ووحدة للصف، واعتناءً بمشروع النهضة في مختلف تجلياتها ومجالاتها، وتبقى التحديات صعبة بحجم الطموحات الضخمة، والنجاحات التي تتحقق على الأرض وبين الخلق هي التي ستكتب شهادة ميلادٍ حضاري جديد لغدٍ مشرقٍ ومستقبلٍ واعدٍ بخيري الدنيا والآخرة، وعلى الله تعالى قصد السبيل، وهو وحده المستعان، وعليه التكلان. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين