الفصل الرابع
.............
أولويات الخطاب
السلفي المعاصر
стр. 142
أولويات الخطاب السلفي المعاصر إنَّ إصلاحَ كلِّ خللٍ وقع في الخطاب السلفي المعاصر هو بذاتهِ أولويةٌ حاضرة، وواجب حالٌّ لا يحتمل تأجيلا، كما أن كل تطوير مطلوب، أو تجديد مشروع هو أيضًا أولويةٌ لا يمكن تجاهُلُهَا، أو التغافلُ عن القيام بها، والتحديات الضخمة التي تواجه الخطابَ السلفيَّ اليوم تَحمِلُهُ حملا على أن يعيد النظر في أولوياته، فيؤكد على ما يجب التزامه من ثوابته، ويرفع درجة الاهتمام بمعاقده، وأخيرًا فإن الواقع المعاصر - بخصائصه ومميزاته، بل وتعقيداته وسلبياته - له وظيفته في تنسيق وتنظيم أولويات الخطاب السلفيِّ المعاصر، وفيما يأتي محاولة للتأكيد على الثوابت والمنطلقات مع رعاية ما في الواقع المعاصر من متغيرات لها أثرها على هذه الأولوياتِ، وهذا ما سنعرض له في المباحث التالية:
стр. 143
المبحث الأول
أولوية الرد إلى الأمر الأول
مهما اجتهد الباحثون في إدراك الأولويات، وعرك المصلحون طريق التجارب والخبرات، وعانَى الدعاة في درب الإصلاح، وتنوعت بهم المسالك والاجتهادات - فسيبقى أن أَوْلَى الأولوياتِ، ورأسَ المهماتِ، وبدايةَ المنطلقات هي الردُّ إلى الأمر الأوَّلِ؛ ذلك أنه لن يُصلح آخِرَ هذه الأمة إلاَّ ما أصلح أولَهَا (١)، وما لم يكن يومئذٍ دينًا فلن يكون اليوم دينًا (٢).
فالأمر الأول "ما أذا عليه اليومَ وأصحابي" (٣)، فلزومُ سبيلِ الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ، هو منهج النجاة، وسبيل الفلاح، وطريق النجاح، و"إذا كانت سعادة الدنيا والآخرة هي باتِّبَاعِ المرسلين، فمن المعلوم أن أَحَقَّ الناس بذلك هم: أَعْلَمُهُم بآثار المرسلين، وأَتْبَعُهُم لذلك، فالعالمون بأقوالهم وأفعالهم المتبعون لها هم أهل السعادة في كل زمان ومكان، وهم الطائفة الناجية من كل ملَّةٍ، وهم أهل السنة والحديث من هذه الأمة" (٤)؛ "فطوبَى للغرباء" (٥)، الذين يستمسكون بالهدي الأول، ويتبعون
стр. 144
الرعيلَ الأول، ويرابطون على المنهج بعد تحريرِهِ وتنقيحِهِ، والتفريقِ بين وسائله وغاياته، وبرامجه وأهدافه، فيستمسكون بالغايات والأهداف والثوابت، وينضبطون في الوسائل والبرامج، ولا شكَّ أن الثباتَ الدعويَّ المنهجيَّ خصيصةٌ يجب حفظُها، وأولوية لا يجوز الإخلالُ بها, لا لممارسةٍ سياسيةٍ، ولا لمسألةٍ مصلحيةٍ.
وقد تجد الدعواتُ والاتجاهات السلفية المعاصرة نفسَهَا اليومَ بحاجةٍ ماسَّةٍ إلى وضعِ رُؤًى واضحةٍ، تحكم المواقفَ، وتضبطُ العلاقاتِ، وهي رُؤًى تقوم على أصولها الشرعية، قبل المواقف والمناورات السياسية، ومن الخير: إحكامُ هذه الرؤى، وإعجام عُوْدِهَا -من مثل: "الموقف من الغرب بفئاته المختلفة، والأقليات داخل الديار الإسلامية، والأنظمة العربية والإقليمية"- وذلك قبل الولوج إلى المعتركات العامة، وكما لا يَصلحُ أن تُسْتَعْدَى القوى المخالفةُ كافَّةً، ولا أن تُسْتَدْعَى لمنازلاتٍ يمكن تأجيلُهَا، فكذلك لا تَصلح المواقفُ المتميِّعَةُ، ولا الرُّؤَى الغائمةُ، وما من شكٍّ أن حربًا فكريَّةً أيديولوجية غربية أمريكية قامت، ولسوف تجعل السلفيين في بؤرتها، وسوف يخوضها نيابةً عن الغرب وكلاءُ رسميُّون، بأسماء متعددة، وأشكال متنوعة!
стр. 145
المبحث الثاني أولوية إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد
إذا كانت الأولوية الأول هي الرَّد إلى الأمر الأول؛ فإن أَوَّلَ الأمرِ، ورأسَ العملِ هو إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وهذا قَبْلَ كلِّ أولوية؛ فأوَّلُ المأمورات وأولاها بالدعوة: توحيد الله تعالى، وأول المنهيات وأولاها بالإنكار: الشرك بالله.
فَخَوْضُ المعركة العقدية في الإصلاح والتأثير مقدَّمٌ على خوض المعركة العسكرية في القتال والتغيير، فضلًا عن المعارك السياسية أو غيرها، فلا يجاهَدُ أهلُ الشرك والطغيان باليد والسنان، إلاَّ بعد جهادِهِم بالدعوة والحجة والبرهان.
والأولويةُ للقضايا الكبار أمرًا ونهيًا، قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢]، وقد قال ﷺ : "قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا" (١)، وقال ﷺ : "إنه لن
стр. 146
تدخل الجنةَ إلاَّ نفسٌ مؤمنة" (١).
وفي ظل الظروف الراهنة فإن التركيز على هذه الأولوية سيمدُّ العملَ السلفيَّ بمصدرِ قوتِهِ، ومكمنِ فاعليتهِ، وهم الجمهورُ المستجيبُ لدعوته، المقبلُ على منهجيَّتِهِ، وإذا كان الاشتغال بهذه الأولوية هو الذي أعطى السلفيين هذا الحضورَ القويَّ؛ فإن مواصلةَ هذا السبيلِ وعدمَ التشاغلِ عنه بالكلية، أو الالتفاتِ إلى غيره سيبقى -بإذن الله تعالى- حرزًا من الضعف، وسببًا لبقاء الذِّكْرِ، وشرفًا لأصحاب هذه الدعوة، فوقَ أنه قد يكون العملَ الأَرْجَى والأنفعَ في ظل واقعٍ متلاطمِ الأمواج، متداخلِ التأثيراتِ، وأخيرًا؛ فإن هذا يزيل الوحشة من قلوب العامة، وَيصِلُهُمْ بأهل الدعوة، ويَقطَعُ قالةَ السوء، ولسانَ الفتنة، ويحفظ التوازنَ السلفيَّ، وقد يدفع اللهُ به عن السلفيين غائلةَ مؤامرات كثيرة، ويصون قدرةَ السلفيين على الحشد الجماهيري، كضمانةٍ لتحقيق الأهداف، وسبيلٍ لمنع الالتفاف.
стр. 147
المبحث الثالث أولوية الجهاد التربوي قبل الجهاد العسكري
بالنظر إلى حال السَّعة والاختيار، وفي واقع التدافع الحضاريِّ والفكريِّ والأخلاقيِّ والاجتماعيِّ يأتي الجهادُ التربويُّ متقدمًا -في سُلَّم الأولويات- على جهاد الطلب العسكري، فمَنْ خان (حيَّ على الصلاة) خان -ولا بد- (حيَّ على الجهاد)، ومن سقط أمام المعاصي والموبقات، جدير بأن يسقط أمام الأعداء وفي المواجهات؛ قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧].
وطريق التمكين لهذا الدين، وإقامة دولة الإِسلام على الأرض يَمُرُّ -ولا بد- بإقامتها أولًا من خلال إقامة النفل بعد الفرض؛ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: ٤١].
وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥].
стр. 148
المبحث الرابع أولوية الانتماء إلى أهل السنة قبل الانتماء لطائفة من طوائف الدعوة
فالانتماءُ إلى الإِسلام أولًا، وقَبْلَ كلِّ شيءٍ، قال تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، ثم الانتماءُ إلى السنة والنسبة إليها قَبْلَ كلِّ نسبةٍ، وفوقَ كُلِّ رايةٍ؛ قال مالك ﵀: "أهل السنة الذين ليس لهم لقبٌ يُعْرَفون به، لا جهميٌّ، ولا قَدَريٌّ، ولا رافضيٌّ" (١)؛ فالولاء معقود على أساس الإِسلام والسنة، وهو: انتماءُ غايةٍ، وليس على انتسابٍ إلى طوائفِ الدعوة؛ إذ هو انتماءُ وسيلةٍ، والمقصِدُ والغايةُ يُقَدَّمَان على الوسيلةِ، فعلى أهلِ الدعواتِ السلفيةِ خاصةً، والإسلاميين عامةً، أن يجتمعوا متحالِفِينَ، أو -على الأقل- منسقِينَ ومتكامِلِينَ لنصرة قضيتهم، والتصدي لعدوِّهِمْ، سواء أكان من بني جلدتهم، أم من غيرهم، وفي هذا الصدد، فإنه لا يَبْعُدُ القولُ بحرمة الرغبة عن الوحدة والاجتماع على منهج الاتباع، في هذه المرحلة الدقيقة من مسيرة الدعوة الإسلامية المعاصرة؛
стр. 149
فَلْيُحْذَرْ -إذن- من هيجان الحظوظ النفسية، أو الطائفية، وقيام حجاب الأثرة والأنانية، والإعجاب بالنفس، أو العمل؛ فإنه حجاب عن التمكين، بل سبب للهلاك، والعذاب الأليم.
وبالنظر الخاص إلى واقع الدعوات السلفية بعد الثورات العربية؛ فإن المرحلة الراهنة ينبغي أن تشهد محاولاتٍ جادَّةً لتقوية التحالفات، وإيجادًا حقيقيًّا لتكتلات سلفيةٍ، أو -على الأقل- تكتلاتٍ بقيادةٍ سلفية، ومن الجدير بالملاحظة: أن التكتلات سوف تكون هي سِمةَ المرحلةِ المقبلة في العالم بأَسْرِهِ؛ ذلك أن أجواء الصراع بعد مرحلة القطب الواحد ستفرِضُ هذه الظاهرة، وبقدر ما يطلب من التيار السلفي -بطوائفه وأطيافه- أن يَعتنيَ بالاجتماع والتنسيق والتحالفات، يُطْلَبُ منه -أيضًا- أن ينأى بنفسه عن الاستعراضات التي تُذْعِرُ الأعداءَ، وتُعَجِّلُ بالتكالبِ على القصعة السلفية من كل حَدَبٍ وصوبٍ، وقد يلتحق بذلك -أيضًا- الحرصُ على مواقعَ متقدمةٍ، أو حقائبَ سياسيةٍ مهمةٍ، فضلًا عن التَّرَشُّحِ لمناصبَ رئاسيةٍ.
стр. 150
المبحث الخامس أولوية التأصيل والأصاله مع التجديد والمعاصرة
إن العودة إلى الأصلين المعصومين هو منطلق كل دعوة صحيحة، والصدورُ عن عقيدة أهل السنة هو رأسُ كلِّ منهجيةٍ سديدةٍ، ونَقْلُ مصدريةِ الأحكامِ ومرجعيَّتِهَا من الوحي المعصوم إلى الهوى المشئوم نقضٌ لعقيدة الألوهية ورِدّةٌ إلى الجاهلية.
ومواجهةُ الانحرافات المعاصرة بتلك المنطلَقَاتِ الثابتةِ أولويةٌ دعوية؛ فلا فرق بين انحراف بدائيٍّ وآخَرَ حضاريٍّ، وكما تُنْكَرُ منكراتُ القبورِ تُنْكَرُ منكراتُ القصورِ، وتُوَاجَهُ تياراتُ الإلحاد والتغريب والعلمنة.
وتنبغي العناية بالتجديد والمعاصرة في وسائل الدعوة، مع الانضباط بضابط المشروعية، بعد تأكيد أنها اجتهادية.
ولا ينبغي الاقتصارُ على وسيلةٍ عامَّةٍ دونَ خاصَّةٍ، كما لا تُخْتَصَرُ الدعوةُ في مؤسساتٍ خيرية، أو هيئات اجتماعية فحسب.
وبكلِّ حالٍ؛ فإن التجديد في الوسائل لا يَعني انفصالًا عن التأصيل، ولا تحرُّرًا من الثوابت والأهداف والغايات، ولا عبثًا
стр. 151
بالأصول والمبادئ والمنطلقات، وإنما المراد أن يُقْبَلَ من الوسائل كل جديدٍ إن كان نافعًا, ولا يسْتَوْحَش من كل غريب إن كان صالحًا، وعلى الدعوات السلفية اليومَ أن تجمعَ بين تراث السلفِ، وما أجاد فيه الخلفُ، وأن يُبْنَى الخطابُ السلفي المعاصر على اتصالٍ بالأصلِ، وعنايةٍ بروحِ العصرِ، وأن يكون الخطابُ واعيًا، فيستحوذ على التجديدِ المفيد، وَيتَحَاشَى الهدمَ والتبديد.
والإحسانُ روح هذا الدين الساريةُ في كلِّ أعماله ووظائفه، قال تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، فمن لم يَعْتَنِ في دعوته -مثلًا- بالاستفادة القصوى من العلوم الحديثة، والتقنيات المعاصرة، فقد فاته الإحسانُ والإتقان المأمورُ به شرعًا في دعوته!
стр. 152
المبحث السادس أولوية الكيف المنظم على الكم المبعثر
لم تُمدح كثرة لذاتها، بل ذُمَّتْ؛ إذ كان أصحابها لا يفلحون، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، وقال تعالى: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٣] وقد مُدِحَتِ القِلَّةُ المؤمنةُ حيث كانت شاكرةً، قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]، ومُكِّنَ لها؛ إذ كانت مستضعفةً، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٦]، وغَلَبَتْ عدوَّهَا بإذن ربها، قال تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩].
والقلَّة المنظمة المحكمة لأمرها تنتصر -بإذن الله- على الكثرة المبعثرة في عملها، وأولوية الدعوات مع التركيز في جذور البناء، قبل التوسع والانتشار في الفضاء،
стр. 153
"ولن يُغلَب اثنا عشر ألفًا مِن قلَّة" (١).
والتعاونُ لنصرة دين الله، والاجتماعُ عليه واجبٌ شرعيٌّ، ولا ينبغي أن يكون محلًّا للخِلاف، وإن جرى الخلاف سائغًا في حكم الانتماءِ لطائفة متحزِّبةٍ من طوائف الدعوة إلى الله تعالى في الواقع المعاصر.
وقد دلَّت على وجوب التعاون والاجتماع جملةٌ من النصوص الشرعية العامة والخاصة، والقواعد الفقهية والمقاصدية والأصولية، كما أنه حاجة واقعيَّةٌ، ومسألة فِطْرِيَّةٌ اجتماعيَّةٌ، وتَشْهَدُ لهذا وقائعُ السيرة النبوية، وعهود السلف الصالح قولًا وعملًا.
وحقيقة التجمعات الدعوية أنها وسيلةٌ شرعية لإقامة الواجبات الكفائية.
ولا شك أن هذه التجمعات تتفاوت في طريقة إدارتها، وأسلوب توجيهها، وأسماء الوظائف فيها، إلا أنها -وعلى الجملة- لا تخرج عن قاعدةٍ وقيادةٍ، من خلال تناصُحٍ وتشاوُرٍ، ثم التزامٍ بطاعةٍ في حدودِ ما قامت لأجله هذه التجمعات، يكون هذا بين الشيخ والتلاميذ في
стр. 154
التجمعات العلمية، كما يكون في مؤسسات الدعوة الرسمية، وجماعاتها الأهلية والشعبية.
والأصل أن تتكامل هذه الجهود الجماعية، وأن تتطاوع هذه الفئات الدعوية؛ لتنتهي إلى إخراج أهل الحل والعقد في الأمة، والذين يُفوَّض إليهم عمومُ النظر في التحديات العامة، والمصالح الكلية للأمة الإسلامية.
فلا غِنًى بالدعوات عن عِلْمِ الإدارة المعاصر، وعلم السياسة الشرعية؛ لتكثير المصالح الدعوية، من انتظام الأعمال، والإفادة القصوى من الرجال، وترشيد الجهود، وتنسيق المواقف العملية، وإقامة الشورى الإيمانية، وضمان انتقال الخبرات، وتراكم التجارب، واستمرار العطاء، وتحصيل أسباب النجاح والتمكين، وتَوَقِّي المعاطب، واجتناب المفاسد.
وكل دعوة راشدة تقوم على: ركيزة عملٍ جماعيٍّ، وتتمتع بقبولٍ وإقبال جماهيريٍّ -لا بد لها من تخطيط دعوي، وتدريبٍ عملي، ثم يأتي العمل التنفيذي، ليأتي معه وبعده التقويم القياسي، والذي يعين على التطوير الذاتي.
والخطوة الرئيسة في الإدارة: هي التنفيذ الذي سبقه تخطيط وتدريب.
ومن معالم التنفيذ المهمة: التنظيم وحُسْنُ الإدارة، والدعوة التي تدير أعمالها بطريقة منظمة هي أحرى الدعوات بحسن استثمار
стр. 155
الطاقات، وتوجيه الجهود لتحقيق الأهداف في أقل وقت وبأكمل أداء، ذلك أن النجاح قرينُ النظام، وأن الفشل ربيبُ الفوضى.
وكل عملٍ ناجحٍ تقف خلفه إدارةٌ تُحْسِنُ تحديد الأهداف، وتحويلها إلى خطة تُرْسَمُ بدقة، وتضع لها برامج، يقوم بها رجال مؤهلون ومدربون، وتتابعهم إدارة واعية تعلِّم وتُشجع، وتُحاسب وتُشاور، وتُشارك في حَلِّ المشكلات وتجَاوُزِ العقبات.
وحقيقة الإدارة التنظيمية أنها وسيلةٌ ناجحةٌ، وأداةٌ ناجعةٌ في تحصيل المقاصد، وإحراز النتائج، وكما هي موهبةٌ، فهي علمٌ، وخبرةٌ، وفنٌ، ودُرْبَةٌ.
والإدارة الدعوية مطلوبة شرعًا طلبَ الوسائلِ، لا الغاياتِ، وهي مسئولية، وتكليفٌ، لا غُنْمَ فيها, ولا تشريف، وهي مطلوبةٌ سياسةً طَلَبَ الذرائعِ، لا المقاصدِ، وكما تحتاجها الطائفةُ فلا يَستغنِي عنها الداعية الفرد، في تنظيم وقته، وإدارة جهده لاتخاذ المواقف المناسبة.
والقائدُ الإداري هو: من جمع بين القوة والأمانة، وبين الكفاءة والديانة، قال تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦].
واستئجار الأقوى أولى، والقوة في كل ولاية بحسَبها، فالقوة في إمارة الحرب ترجع إلى شجاعة القلب، والدُّرْبَةُ على الطعن والضرب،
стр. 156
والكَرِّ والفَرِّ، والقوة في الحكم بين الناس ترجعُ إلى العلم بالعدلِ الذي دل عليه الكتاب والسنة، والقدرة على تنفيذ الأحكام، والأمانة ترجع إلى خشية الله، وألَّا يشتريَ بآياته ثمنًا قليلًا، وتَرْك خشية الناس (١).
وفي العمل الدعوي الإداري حقوق وواجبات؛ إذ كل حقٍّ يقابله واجب، ولا تصلح مطالبةٌ بالواجب قَبْلَ أداء الحق.
وفي العمل الإداري شورى تُسَدِّدُ الرأي وتقوِّم العمل، وقد قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وبهذا عَمِلَ النبيُّ ﷺ مع الصحابة في المهمات كافَّةً، حتى قال أبو هريرة ﵁: "ما رأيت أحدًا أكثرَ مشورةً لأصحابه من رسول الله ﷺ " (٢).
وفي العمل الإداري نفحة إيمانية، تُقَدِّمُ القدوةَ، وتُعَلِّمُ الأسوةَ، وتحارب الهوى، وتُحقق العدل، وترعى الأمانة، وتملأ الدعوةَ ربانيَّةً.
وفي العمل الإداري تقويمٌ دوري على أسس من الربانية والموضوعية؛ لاكتشاف الخطأ، وإصلاح الخلل، وضمان النمو،
стр. 157
واستمرار العمل، وممارسة النقد الذاتي.
والتقويمُ القياسيُّ علامةُ صحةٍ وعافية في حق الأفراد والتجمعات كافَّةً.
وأخيرًا؛ فإذا قال قائل: إن أزمةَ كثيرٍ من الدعوات المعاصرة -والسلفية بشكل أخص- هي أزمةٌ إدارية فلن يكون قولُه هذا بعيدًا عن الصواب، ومجانبًا للحقيقة.
ولعلَّ توسيعًا في دائرة الكفاءاتِ القيادية المتخصصة تربويًّا واجتماعيًّا وعلميًّا، وعمليًّا يحقق انفراجًا لهذه الدعوات، التي ربما أُصيبت بعقم إنتاجي، وضمورٍ جماهيري.
ولعلَّ مراجعةَ آلياتِ صناعة القرار داخل مؤسسات الدعوة إلى الله، وتعميق مبدأ الشورى، وتقويةَ التواصل بين القاعدة والقيادة، يُسهم في صناعة المواقف، بطريقةٍ أصوبَ وأحكمَ وأسلمَ.
ولعلَّ التركيزَ على صناعة المؤسسات السلفية الدعوية والإعلامية، بدلًا من بناء الرموز الفردية يكون أنفعَ للأمة من الاحتشاد خلف شخص، أو رمز، مهما كان أثره أو حجمه!
стр. 158
المبحث السابع أولوية التدرج والمرحلية
المرحلية والتدرج سنة كونية اجتماعية في الخلق والأمر والتغيير سواء بسواء، ولا شك أن بالساحة الدعوية ضروراتٍ تُلْجِئُ إلى مرحلية، وبالتشريع سوابق وشواهد تنبِّه إلى أهمية التدرج، وبالمجتمعات مخالفاتٌ مستحكمة، وأهواء متمكنة، تقتضي في إزالتها فقهًا يُقدِّم ويُؤخر، وقد عَلَّمَ النبيُّ ﷺ في سنته بقوله وفعله أن الفرائض قَبْلَ النوافل، وأن العقيدةَ قَبْلَ غيرِها، وأنَّ المنكرات الكبار والبدع المغلَّطة تُنْكَرُ أولًا، وأن التربية الربانية تمرُّ بمراحلَ متعددةٍ، لكلٍّ منها ما يميَّزها في أهدافها ومناشطها، وأن كل مرحلة تُطْوَى في وقتها، من غير تعجُّلٍ أو اعتسافٍ في طيِّها، أو تثاقُلٍ وتباطُؤٍ في إنجازها.
فالتدرُّج في التنفيذ والعمل من شأنه أن يحفظ مكتسباتِ الدعوات، ويكثِّرَ في المستقبل المنجزات، وبإهمال هذه الأولوية وقعتِ الدعواتُ في مآزقَ عمليةٍ فمرتْ بها السنون؛ فلا هدفَ تحقق، ولا واقعَ تغير،
стр. 159
وربما دَبَّ الفتور وتسلل اليأس والملل.
وما أحسنَ مقالةَ عمرَ بنِ عبد العزيز لابنه حين قال له: "لا تعجل يا بني فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين، وحَرَّمها في الثالثة، وإني أخاف أن أحمل الناس على الحقِّ جملةً، فيدعوه جملة، ويكون من ذا فتنة" (١).
стр. 160
المبحث الثامن أولوية تأهيل الصفوف الثانية وتدريب الكفاءات الواعدة
سبق القول بأنه قد تعرضت كثير من التجمعات السلفية إلى ما يشبه العقمَ الإنتاجيَّ للصفوف البديلة، وعانت من ضعف في تصعيد الكفاءاتِ الواعدة، ولذلك أسباب كثيرة من المهم الوقوف عليها:
فمن هذه الأسباب: التحول إلى جهة محو الأمية العلمية، دون العناية بالعمق المنهجي، والتأصيل العلمي لدى كثيرٍ من الممارسين للدعوة والتعليم، وقد يدخل في هذا انتقاءُ كتبٍ معاصرةٍ تمتاز بالسهولة، وربما السطحية أحيانًا، وعدمُ تعليمِ منهجيةٍ تُحَرِّرُ مسائلَ الخلافِ، وتُحْسِنُ عَرْضَهَا وطَرْحَهَا بطريقةٍ تُربي الملكةَ الفقهية.
ومن الأسباب: الملاحقةُ والتضييقُ الأمني الذي أفضى إلى إغلاقِ معاهدِ إعدادِ الدعاة في بلاد كثيرةٍ؛ كمصرَ، والمغرب، وسوريا، وتحويلِ عددٍ منها إلى إدارات الأوقاف، التي عملت على تغييبِ قيمتها، وفضِّ الناس عنها، أو تدريسِ مناهجَ ومقرراتٍ تؤصل لمذهبياتٍ مخالفة.
ومن الأسباب: قِلَّةُ العناية بالجوانب التربوية داخلَ المحاضن العلمية، مما أضعف التربية على العمل بالعلم، والتحلي بالفضائل،
стр. 161
والتخلي عن الرذائل، والتأسي بالمثل الكامل.
ومن الأسباب: انصرافُ عددٍ من المشايخ السلفيين عن المساجد والمحاضن إلى الفضائيات -اختيارًا، أو اضطرارًا- وهو أمر ترتب عليه ضعفُ ما يُقَدَّمُ لطلبة العلم في المساجد والفضائيات معًا.
ومن الأسباب: اتساعُ نطاقِ العمل الدعوي، وتنوعُ المجالات، وتعدُّدُ التخصصات، وتعطُّشُ الجموع لمزيد من الزاد والعطاء.
وبناءً على ما تقدم؛ فإنه لا يصح ولا يصلح الاعتمادُ -بعد الاتساع- على شخصياتٍ آسِرَةٍ، وقياداتٍ كبرى فحسب، ولا شك أن التعليم والتربية يقتضيان مخالطةً طويلةً، وعلاقاتٍ ممتدةً، فلا بد من همزةِ وصلٍ بين الأجيال، وهم أفراد تلك الصفوف الثانية من طلبة العلم والدعاة النابهين، الذين قد يعتمد عليهم في متابعة التعليم، واستمرار التقويم.
ولا شك أن ما مضى يمثِّل تجريفًا علميًّا، وتدهورًا تربويًّا، وضعفًا في الصفوف الثانية غير المؤهلة.
ثم تبرز قضية أخرى وهي: قضية التدريب في العمل السلفي، والتدريب في ساحة الدعوة هو الذي يسدُّ الثغرة بين الدراسة النظرية في الكليات والمعاهد الشرعية، وبين الممارسة العملية في المساجد والمراكز الدعوية، والمدارس والمحاضن التربوية والأعمال الإعلامية.
стр. 162
ولا شك أن انفصال الجانب العلمي عن العملي مكمنٌ من مكامن الداء، وسبب من أسباب الخلل في الواقع المعاصر.
ولقد كان أسلافنا الصالحون يدرِّبون ناشئتهم بين أيديهم في ساحة التلقي الأولى (المساجد) ففيها تُتَلقَّى العلومُ النظرية، وتُرى وتُسمع وتُمارس التطبيقات العملية، فكان علمُ الدعوة تأصيلًا وتنظيرًا يُتلقَّى مع عملها ممارسةً وتطبيقًا بمشافهةِ الشيوخِ، ومخالطة العلماء، وبالممارسة بحضرة الكبار، وبالتقويم الحاضر، والتوجيه الناجز.
ومع تقدمٍ في الزمان وتبدلٍ في الأحوال انفصل التعليم عن التدريب، وافتقر التنفيذ إلى التأهيل.
والداعيةُ المؤهَّل هو: الذي تلقَّى تدريبًا يُمكِّنه من مواجهة الناس في المسجد إمامًا معلمًا، وفي الدرس مُرَبِّيًا مرشدًا، وفي مراكز الدعوة والتأثير إداريًّا ناجحًا، وقائدًا ميدانيًّا موفَّقًا.
وبسببٍ من ضعف العناية بالتدريب يتحمل خمسةُ بالمائة من الدعاة عبَء الدعوةِ ويبقى أغلبهم في مقاعدِ المتفرِّجين أو المعطَّلين، ولأجل هذا القصور تنكفيء الدعوات على نفسها أكثر من انفتاحها على غيرها، بحيث يصير الخطاب داخليًّا في معظمه.
إن الدعواتِ السلفيةَ الناجحةَ هي التي تحمل أبناءها على التأهُّلِ
стр. 163
العلمي، وتضم إلى ذلك العنايةَ بالصلاحِ الذاتي والممارسةَ العملية والوعيَ بالتراتيب والسياساتِ الإداريةِ والتنظيمية.
ومن اللافت للنظر: أن كلَّ أمرٍ ذِي بالٍ لا بُدَّ من تدريبٍ ومِرانٍ عليه، وتأهيلٍ لممارسته، فسياسةُ الخلق وهدايةُ الأنام قد تبدأ من رعي الأغنام، فـ "ما بَعَثَ اللهُ نبيًّا إِلَّا رَعَى الغَنَمَ" (١).
قال ابن حجر: "قال العلماء: الحكمة في إلهام الأنبياء رَعْيَ الغنم قبل النبوة أن يحصل لهم التمرُّنُ برعيها على ما يُكَلَّفونه من القيام بأمر أمتهم" (٢).
ومن قَبْلُ لمَّا مضى قَدَرُ الله في موسى ﵇ بالتصدِّي لفرعونَ الطاغية جرى تدريبُهُ تدريبًا ربانيًّا، وتأهيلُهُ تأهيلًا إلهيًّا، قال تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩]، فلما حانت ساعة البعثة، جاء خطاب التكليف متدرجًا من جهة، ومدرِّبًا من جهة أخرى، فيؤمر بإلقاء العصا، ثم تنقلبُ أمام عينه حيةً تسعى، ثم يأخذُها بيمينه، فتنقلبُ إلى عصا تارةً أخرى، ثم ينزع يدهُ فتخرجُ بيضاءَ من غير سوءٍ آيةً أخرى، كل ذلك قبل أن يَقَعَ أمامَ الخلق؛ لئلا تبهرَ روعةُ الآيةِ موسى نفسَهُ.
وفي سيرة النبي المصطفى ﷺ تدريبٌ لأصحابه على الدعوة
стр. 164
بين يديه وبعيدًا -أيضًا- عن ناظريه (١)، فربما قضى بعضُ أصحابه أمامَهُ، وبإذنه (٢)، وربما عبَّر بعضهم الرؤيا بين يديه وبأمره (٣).
وبين يدي عمرَ تدرَّب أبو موسى على القضاء، وتحت ناظري عمرَ تعلَّمَ وتدرَّبَ شريحٌ القاضي على أصولِ التقاضي، والفصلِ بين الخصومات.
ودَرَّبَ أبو الدرداء أهلَ جامعِ دمشق على تلاوة وتجويد القرآن، وكان أهل حلقته في المسجد يزيدون عن ألفٍ وسِتِّمِائَةٍ! (٤).
وعلى هذا دَرَجَ السلف الصالح فَعُرِفَ في حلقاتهم العَرِيْفُ والمعيد، وهو الذي تدرَّب على إعادة درس الشيخ بعدَه للطلبة، وقد عُنِيَ المربُّون سلفًا بتدريبِ من يربونهم بالمخالطة والمشاركة،
стр. 165
فتارةً تكون التربية على القيام، وأخرى على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وثالثةً على الدعوة والخطابة.
وهناك تدريب على المحاسبة والمساءَلَةِ، وتدريبٌ آخَرُ على انتهاز الفرص واهتبالها في ساحة الدعوة والنصح، وإذا كان للدعاة تدريبٌ علمي ودعوي وعملي، فلا يمنع هذا من أن يكون لهم تدريبٌ بدنيٌ وإعدادٌ جسماني بالفروسية تارةً، وبالعَدْوِ أخرى، وبالرَّمْي والسباحة تاراتٍ، وهكذا لا يقوم عمل جليلٌ إلا ويسبقه تدريبٌ وتأهيل.
стр. 166
المبحث التاسع أولوية الواقعية في الخطاب السلفي الدعوي والسياسي
بين التنظير والتطبيق مسافةٌ تحتاج حتى تُقْطَعَ إلى جهد جهيد، وعمل أكيد، ولربما بَقِيَ فارقٌ بين الواقع والمثال.
واستغناءُ الدعوة بالتنظير عن التطبيق، يجعلها تعمل في إطار الصفوة والنخبة فحسب، ومثل هذا لا يحقق مقصودَ الدعوة من تعبيد الناس جميعًا لله تعالى.
وبالشرع الإلهي توجيهٌ للكمال، وبالفطرة الإنسانية نزعةٌ إلى المثال، وبالنفس البشرية غرائزُ وشهواتٌ تجعل الناس على أقسام؛ فمنهم: الظالمُ لنفسه، ومنهم: السابقُ بالخيرات، وقد فتح الإِسلام بابَ النجاة لكلٍّ، فاعترف بضعف البشرية، كما حَفَزَ الهممَ للمنافسة في الرُّتَبِ العليَّةِ!
فمن الواقعية في الخطاب السلفي: إدراكُ السننِ الربانيةِ في التغيير، والتعامل بها في الإصلاح؛ فإن الدعوة تنتصرُ بالسنن الجاريةِ لا الخارقةِ، وإن الابتلاءَ سنةٌ جاريةٌ في المؤمنين، وإن العاقبة في الدنيا والآخرةِ للمتقين، وإن زوال الظلم والظالمين بأجلٍ وقدرٍ محتوم.
стр. 167
ومن الواقعية في الخطاب السلفي: التسديدُ والمقاربةُ عند التطبيق والمباشرة لأعمال الدعوة، وعند التقويم لنتائجها ومناشطها، وعند التخطيط لمستقبلها واستشراف آفاقها ورسم أهدافها.
وبمراعاة الواقعية في أهداف الدعوة ووسائلها وأساليبها تنضبط سيرتها، وتنتظم المصالح في مسالكها، ويتحقق الرشاد، وينتفي الاضطراب في مراحلها، والتعثر في مسيرتها.
على أن الواقعية ليس منها: الانحرافُ عن منهج الأمر الأول، تحت ضغط الواقع وثِقَلِ وطأته.
وليس من الواقعية: التنازلُ عن الثوابت، أو الأهداف، أو الغايات الشرعية، أو اليأس من تحقيقها، تحت مطارق الواقع الأليم.
وليس من الواقعية: الإخلالُ بمنهج الاستقامة الشخصية، والإزورارُ عن الربانية في الدعوة، أو تبريرُ الانحرافِ، بدعوى فقهِ الواقع والواقعية.
وليس من الواقعية: الافتتانُ بالبَهْرَجِ والزيفِ، والجنوحُ بالدعوة عن مسارِها الأصيل، لتأخذ طابعَ الكفاحِ السياسيِّ، أو الثورةِ الوطنيةِ، أو المعاركِ الحزبية، وغلبةِ الخطابِ بذلك، أو الاقتصارِ عليه، وذبولِ الجانبِ الاعتقاديِّ التربويِّ العلميِّ المنهجيِّ الرَّصينِ.
стр. 168
المبحث العاشر أولوية إيجاد التيار السلفي قطريا (أولوية الأولويات)
سبقَ أن موقفَ التيارِ السلفيِّ تَذَبْذَبَ من العمل الجماعيِّ بمفهومه الحزبي، ما بين مبدِّعٍ له، ومتوقفٍ فيه، وقائلٍ بمشروعيته، ولقد أسهمتْ عواملُ كثير جدًّا في عدمِ اجتماعِ تلك المجموعاتِ السلفية، أو ائتلافهاِ بشكل يوحِّدُ توجُّهاتِها، ويجمعُ أشتاتَه, ولما حاولت بعضُ المجموعاتِ أن تمارسَ قناعاتِها بمشروعيةِ العملِ الجماعيِّ الحزبيِّ، واجهَهَا بعضُهم بسلاحِ المصادرةِ، أو التجريم، أو الاتِّهام بالتعصُّب بعد التحزب.
إلا أن الملحوظةَ الجديرةَ بالذكر في -هذا السياقِ- كانت ما جرى للأسماءِ الشرعيةِ التي تُطلق على النجاة، وسالكي سبيلها، كأهل الحديث، والسلفيين، ونحوهما من امتهان حزبيٍّ، أو تحكُّمٍ فيها، أو احتكارٍ لها بلسان الحال، أو بلسان المقال!
ولا يزال -وإلى وقت كتابة هذه الكلمات- النقاشُ محتدًّا بين فصائل التيار ذاته؛ حيث تلقى هذه المجموعات المنظمة عنتًا داخليًّا، ومحاولاتٍ لسحبِ بساطِ المشروعيةِ من هذه الأعمال السلفية، هذا بالإضافة إلى شخصياتٍ اعتباريةٍ داخل التيار السلفيِّ تُحْجِمُ عن تعاونٍ وتنسيقٍ مع مثل هذه المجموعات.
وعلى صعيدٍ آخَرَ؛ فإن التحزبَ التنظيميَّ يُغْرِي أعداءَ الداخلِ والخارجِ بمحاولاتِ تفتيتِ هذه الهياكِلِ والبِنَى التحتيَّةِ للأعمال
стр. 169
السلفية التي قد تبدو الأخطرَ والأقدرَ على الفعل في الظرفِ الراهن.
علاوةً على أن الوجود على شكلٍ هيكلٍ تنظيميٍّ هرميٍّ، أو غيرِ هرميٍّ قد يتضمن سلبياتٍ إداريةً، ويحملُ تعقيداتٍ تنظيمية.
وأخيرًا؛ فإن بعض المحلِّلين قد يقول: لقد فات وقت الجماعاتِ، ونحن في مرحلة ما بعد الجماعات، من الصور والأنماط الجماعية -أيضًا- كبناء تيار سلفيٍّ منظم! تجتمع فيه المجموعات المنظمة والمبعثرة، وتلتقي فيه الشخصياتُ السلفيةُ الآسِرَةُ، وتَصُبُّ في نهره الواسعِ الجماهيرُ الهادرةُ المتابعةُ لخطباءِ السلفية المرموقين، وعلمائِهَا المعتبرين، وفقهائِهَا ومحدِّثِيهَا البارعين! بحيث يُوْلَدُ هذا التيارُ محتضنًا بين جنباتِهِ ائتلافًا سلفيًّا يلتقِي أصحابُهُ على المشتركاتِ المنهجيةِ، والقواسمِ الفكريةِ والعمليةِ التي يجتمع عليها السلفيونَ، من غير اشتراطِ ذوبانِ بعضِ الكيانات في بعض، أو تحلُّلِ بعضِ البِنَى التنظيميةِ لحسابِ بعضٍ، أو تغير قناعات من لا يقبل بالعمل الجماعي من خلال حزب أو طائفة دعوية، بحيث يجد الجميع ما يكثر المصالح في الوحدة والألفة، ويدفع المفاسد الناجمة عن الاختلاف والفرقة.
وبإيجادِ هذا التيارِ السلفي مترامي الأطرافِ ومتعددِ الأطيافِ من خلال هيئةٍ تديرُ ملفات التنسيق، وتتبنَّى جمعَ الطاقات، وتهيئةَ الأسبابِ والظروفِ، واستثمارَ الإمكاناتِ والمقدَّراتِ والمواردِ البشرية، وبناء المؤسسات العلميةِ والدعوية والاقتصادية، وترشيد الأحزاب السياسية السلفية، وتوفير الإمكاناتِ المالية
стр. 170
لهذا التيارِ -تتهيأ الأُمَّةُ لإفراز أهلِ الحَلِّ والعَقْدِ في الجانب الأكبرِ والأهمِّ منهم، وهو جانب العلماء، أو الولاية الشرعية، ويمثل رؤوسُ هذه المجموعات جزءًا من أصحابِ الشوكةِ والقوةِ في الأمة، وذلك في الجانب الآخَرِ من أهل الحلِّ والعَقْدِ، وهو جانب الولاية العملية والتنفيذية.
إن تدشين وجود هذا التيار السلفيِّ سيهيئ -بقوةٍ- للالتحام بالجماهير، ويُسَهِّلُ طريقَ توجيهِهَا، وتشكيل الرأي العامِّ في كل قُطْرٍ، كما يعينُ على توقي الاستهداف الأمني الداخلي، والاستعماري الأجنبي، ويفوِّتُ الفرصةَ على ضربِ الهيكل التنظيمي، ويخفِّفُ من حَّدةِ التوترِ والحساسيةِ بين هذه المجموعاتِ السلفيةِ، ويُمَكِّنُ من التعاون فيما بينها بلا حساسيةٍ، ويُقَدِّمُ هذا التيارُ -الذي يُوْلَدُ قُطْرِيًّا هنا أو هناك- أنموذجًا يقبل التكرار في باقي الديارِ والأقطارِ.
ثم بائتلافِ التيارِ السلفيِّ قُطْرِيًّا، ثم دوليًّا ينشأ الائتلافُ السلفيُّ العالميُّ، والذي يَعْبُرُ بالجميع نحو العالميةِ بأعلى قَدْرٍ من مصداقيةٍ، وهو ما سيأتي ذِكْرُهُ في الأولوية التاليةِ.
стр. 171
المبحث الحادي عشر أولوية العالمية في الخطاب السلفي
عالميةُ الخطاب السلفيِّ مستمدةٌ -في الأصل- من عالمية هذا الدين -عقيدةً وشريعة- ومن عالمية كتابه، ومن عالمية بعثةِ نَبِيِّهِ ﷺ إلى العالمين، ومن عالمية حاجة البشرية إليه.
فكان حقًّا على كل داعٍ أن يتأسَّى بالداعية الأول ﷺ ، حيث خرج بدعوته إلى خارج حدود الجزيرة، وكَاتَبَ الملوكَ والقياصرةَ والأكاسرةَ يَدْعُوهم بدعاية الإسلام، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١].
ولقد تجددت العالمية في دعوة الصحابة ﵃ من بعد نبيهم ﷺ ، حيث قام خطيبهم ربعيُّ بن عامر ﵁؛ ليعلن هذا المبدأ في الدعوة، فقال: "ابْتَعَثنا اللهُ لِنُخْرِجَ الناسَ مِنْ عبادةِ العبادِ إلى عبادةِ الله، ومِنْ ضِيْقِ الدنيا إلى سعةِ الدنيا والآخِرَةِ، ومِنْ جَوْرِ الأديانِ إلى عدلِ الإسلامِ" (١).
ومما يؤكد معنى العالمية -شرعًا-: إقامةُ آصِرَةِ الاجتماع على أصل التوحيد دون غيره من الأواصر، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ
стр. 172
إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠].
ومما يثبته في الواقع بشارةُ النبيِّ ﷺ بدخول الناس في دين الله أفواجًا، وببلوغِ دعوةِ الإسلامِ ما بَلَغَ الليلُ والنهارُ، وبامتدادِ مُلْكِ أُمَّةِ الإسلامِ في مشارق الأرض ومغارِبِهَا، مما وقعَ بالفعلِ أو يُنْتَظَرُ وقوعُهُ.
ومما يبرهن على عالمية الدعوة إلى الإِسلام: تلك السعة في شريعته، التي تؤكد على رفع الحرج، ونفي الجناح، وجَلْبِ التيسير عند المشقة، وتغيُّرِ الفتوى بتغيُّرِ معطياتها زمانًا ومكانًا، وهذا الذي على مثله يُؤمِنُ الناسُ بالإِسلام؛ فتتحققُ مصالِحُهم في العاجل والآجل، ليس فقط بحفظ الضروريات، وإنما برعاية الحاجيات، والتحسينيات -أيضًا- مع تشريع الرُّخص المبيحة للمحرمات عند وجودِ المشَقَّاتِ البالغةِ، أو الضروراتِ.
ومن أظهر ما يدلل على العالمية في الدعوة ويرشحها: عالميةُ الصراع بين الإِسلام وملَلِ الكفر قاطبةً, وتحالفُ قوى الباطل على الإِسلام وأهله، مَنْ كانوا وحيث كانوا، قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠]، وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦].
ومن أسفٍ أن تفتقدَ كثيرٌ من الدعوات السلفية في عملها اليوم
стр. 173
سمةَ العالمية، في الوقت الذي ترتفع فيه راياتٌ ومرجعياتٌ دوليةٌ عالميةٌ لليهود والنصارى، وللرافضة الباطنية، وأخيرًا للخرافيين والمنحرفين.
وربما انْتُقِدَ الخطابُ السلفي المعاصر بأنه خطابٌ تغلبُ عليه المنازعُ القُطْرِّيةُ، في حين انطلق غيرُهُ عالميًّا على المستوين الدعويِّ والسياسيِّ.
ومن عالمية الخطاب السلفي: تجاوزُ حدودِ المكانِ؛ فإن الدعوة العالمية هي التي تتجاوز حدودَ المكان، فلا تستغرق داخلَ مكانٍ، لا تخرج عنه، ولا تغفل عن الإفادة من أماكنَ أخرى، ولا تتقاعدُ عن نصرة قضايا المسلمين في مواطنها المختلفة؛ ذلك أن أهدافها عالميةٌ، وهي متوزِّعَةٌ على العالم بحسب أوضاعه المختلفة، وهذا -بطبيعة الحال- لا يمنع من أن يكون لكل بيئة خصوصياتُهَا، ومتعلقاتُهَا الظرفيةُ، فلا بد من موازنة بين الخصوصية، والكونية العالمية في خطاب الدعوات السلفية.
ومن عالمية الخطاب السلفي: رعايةُ الثوابتِ، والسَّعَةُ في موارد الاجتهاد؛ فالدعوة العالمية هي التي ترعى الثوابتَ والمحكماتِ في كل ميدان، وتتعامل مع قضايا ومسائل الاجتهاد بحسب معطياتها ومقدماتها، فلا تَقِفُ على رأي لا يتغير في هذا الباب، أو ذاك، ولا تجمد على أسلوب، أو وسيلة لا ترى سواها، كما لا تتبنى مذهبًا فقهيًّا ناسب مكان نشأة الدعوة، ثم ترفعه إلى منزلة المحكماتِ والقطعياتِ في كل مسائله وفروعه، فتخلط بين الموروث الفقهيِّ والأصولِ العقديةِ، أو
стр. 174
بين الثابتِ والمتغيرِ في الشريعة الإسلامية، ولا شَكَّ أن الرُّشْدَ -في ممارسة هذه الاختياراتِ، أو الدعوةِ إليها- يبدأ من الاعتراف بما انتهى إليه أهلُ كُلِّ بلدٍ ومَحِلَّةٍ، وما أحسنَ فقهَ الإمامِ مالكٍ حين نهى عن أن يُحْمَلَ الناسُ على فقهِ موطَّئِهِ.
ومن عالمية الخطاب السلفي: عالميةُ الوسائلِ، فتستفيد الدعوة من الوسائل والإمكانات المتاحة في كل مكان، بما يحقق الأهدافَ، ويُكَثِّرُ المنجزاتِ، فمكانٌ للجهود العلمية، وآخَرُ للإعلامية، وثالثٌ للسياسية، ورابعٌ للاقتصادية ... وهكذا ينتفعُ أربابُ الدعوة العالمية بالتكامل التخصصيِّ بعد الاتفاقِ المنهجيِّ.
ومن عالمية الخطاب السلفي: عالميةُ الروابط والمؤسسات؛ فينبغي السعيُ في إيجاد هيئاتٍ ومؤسساتٍ مرجعيةٍ عالميةٍ متخصصةٍ في أدائها علميًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا وإعلاميًّا، تخدم قضايا التيارِ السلفيِّ، كما تعملُ على توحيد كيانات أهل السنة والجماعة، والتقريب بينها، والتنسيق بين مواقفها، ونصرة قضاياها المشتركة، مع التأكيد على أنه لا يمكن في الواقع أن تستقلَّ طائفةٌ -مهما عَظُمَتْ إمكاناتُها- بالتغيير الشامل، أو تنفردَ بالإصلاح الكامل.
ومن عالمية الخطاب السلفي: عالميةُ منافحَتِهِ عن القضايا الإسلامية، وما يُطْرَحُ في الساحة العالمية من توجُّهاتٍ ورؤًى حولَ ما يُسَمَّى بـ: (صراع الحضارات)، أو (الأديان)، وما يسوَّق له عالميًّا من: (تقارب الأديان)، و (وحدة الأديان)، و (العولمة الغربية).
ومن عالمية الخطاب السلفي: العنايةُ بدعوة أُمَّةِ الدعوة، وأُمَّةِ الإجابة معًا، وينبغي أن يكون لكلٍّ مستوًى ومضمونٌ يخصُّهُ في الخطاب السلفي.
стр. 175
المبحث الثاني عشر أولوية خطاب النهضة الشاملة
تشتد الحاجة إلى الحديث عن النهضة، ولا سيما في أعقاب الثورات وبدايات الانطلاقات.
ولقد شهد العالم الإِسلامي ثورة إصلاحية قادها مَنْ عُرفوا برواد المدرسة الإصلاحية في العصر الحديث، حيث عُنِيَتْ هذه المدرسةُ بطرح سؤالات النهضة، بعد البحث عن أسباب التخلف والضعف في مسيرة المجتمع الإسلامي.
كما عُنِيَ أصحابُ تلك المدرسةِ الإصلاحيةِ بعمل تجديدي، وإصلاحٍ فكريٍّ، وترسيمٍ نوعيٍّ للعلاقة بمشاريعِ النهضة في العالم الغربي الأوروبي، وبغضِّ النظرِ عن تقويمِ ذلك العملِ التجديديِّ، ورصدِ النقد المنهجيِّ الموجِّهِ له، فإن هذا النوع من الخطاب الذي يستلهم روحَ الإسلام؛ لِيُنْهِضَ الأمةَ لتستعيد عِزَّتَها وريادتَها من خلال تمكينٍ وترسيخٍ لأدوات التغيير والإصلاح -يعتبر رُكنًا ركينًا في بناء الحضارة، وتحصيل الصدارة، وإقامة الأمة المسلمة في مقام التمكين عن جدارة.
وإذا كان الشيخ محمد عبده، ومِنْ بعدِهِ الشيخ محمد رشيد رضا، ثم الأمير شكيب أرسلان ﵏ يمثلون سلسلةً متصلةَ الحلقات في مسيرة إصلاحية نهضوية ذات توجهاتٍ سلفيةٍ عامةٍ؛
стр. 176
فإن هذا الخطاب قد ضعف كثيرًا في النصف الثاني من القرن العشرين، وذلك باستثناء مبادراتٍ فرديةٍ، كمثل مالك بن بني، حيث غلبَ على الخطابِ الإِسلاميِّ عمومًا الاهتمامُ بالهوية والمرجعية، وإدارة السجالات حولها، ومحاولات إقامة الدولة الإسلامية، ومن ثم الثبات في وجه الصدامات السياسية، أو التعقيدات الأمنية، أو الحملات الإعلامية، أو مقاومة التغريب والتشكيك.
ومع التسليم الكامل بأهمية هذه الخطابات، إلاَّ أنه يجب أن نُسَلِّمَ -أيضًا- باستنزافها لكثير من الطاقات، وتضخم تلك الاهتمامات على حساب المهمات الاجتماعية الضارية، ذات الصلة بنهضة تلك المجتمعات، وهي قضايا لا يصلح، ولا يكفي فيها إجابةٌ مبشرة عن أسئلة النهضة من غير تفصيل، ولا تدليل، ولا تعليل؛ استغناءً بالجوابِ المُجْمَلِ: (الإسلام هو الحل!) أو: (الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة!).
ومن نافلة القول: أن الدعوات السلفية -وهي تلج في عالم اليوم إلى آفاق رحبة، وتدخل في مشاركات مجتمعية واسعة- مطالَبَةٌ بأن تتجاوز مرحلةَ الشعاراتِ البرَّاقَةِ، والمطالبات التي تشبه مطالب المعارضة؛ لتنتقل بالأمة إلى برامجَ عمليةٍ تبني من خلالها نهضةَ الأمةِ، وذلك عملٌ يحدوه أملٌ في التغيير الإيجابي، والتحول العملي جهةَ صناعة الحياة في تحديات كثيرة، وهنا يجب التنبه إلى أن التيارات السلفية خاصَّةً عليها أن تنحى منحًى
стр. 177
عمليًّا؛ لتواجه الجهل، والفقر، والتخلف، والمرض، والاستبداد، واستلاب المقدرات، والعجز التقني، وقلة الموارد البشرية المؤهَّلَةِ والمدرَّبةِ عمليًّا، وهذه عوائقُ حقيقيةٌ مهمٌ اجتيازُهَا؛ لنعبر بالأمة إلى ميدان الثقة بالأطروحات النظرية، والشعارات الدعوية، والتوجهات السلفية ذاتها.
وفي هذا السبيل: لا بد من
تخفيف غلواءِ المواجهات النظرية، والمعارك الجانبية، سواءٌ في ذلك الآخَرُ غيرُ الإِسلامي، أو الإِسلامي، ومحاولة حشد الجميع في إطار من العمل الإيجابي المشترك.
مع ملاحظة: أن المواجهة مع العدو العلماني، أو العقلاني، أو الليبرالي، لا تنبغي أن تكون نظريةً، أو انعزالية، بل لا بد أن تكون عملية؛ ليحقق الإسلاميون أنموذجًا عمليًّا، يمثل بديلًا تطبيقيًّا مقبولًا، يمكن اعتماده، ويسهل على الناس الانحياز إليه، عوضًا عن النماذجِ والتطبيقاتِ المرفوضةِ دينيًّا، أو المشوَّهَةِ حضاريًّا!
فلا يصلح لنا بحال أن يبقى أملُ النهضة حلمًا تاريخيًّا، نستدعيه من الذاكرة لنستروحَ به، أو لندغدغ المشاعرَ فحسب!
وإنما علينا أن نتحول مِنْ ذَرْفِ الدموع إلى إيقادِ الشموعِ، وهذا لا يتأتَّى إلا بترجمة أهدافِ النهضةِ المرجوَّةِ إلى مشاريعَ
стр. 178
عمليةٍ، وبرامجَ تنفيذيةٍ، يرابط من خلالها صُنَّاعُ الحياة على ثغورِ الأمة، وجبهاتها المتنوعة، وهنا تأتي مصطلحات مهمة؛ كالإصلاح السياسي، وتحقيق التنمية المستدامة، وبسط العدالة الاجتماعية، والقضاء على البطالة، ومعالجة البيئة من التلوث، وإصحاح الأبدان، واللحاق بركب التقدم التقني والفني، ومحاربة الفساد، وتجفيف منابعه، وأسلمة الحياة بشكل عام، وكل ذلك من خلال برامجَ عمليةٍ، وتفاصيلَ تنفيذيةٍ، وحلولٍ ناجعةٍ، وبدائلَ ناجحةٍ، ومعالجاتٍ واقعية للمشكلات المجتمعية المعاصرة!
стр. 179
المبحث الثالث عشر أولوية ضبط الخطاب السلفي الموجه للحضارة الغربية
تراوح الموقف الإسلامي من الحضارة الغربية بين انبهارٍ، وانخداعٍ، واستخذاءٍ، وشعورٍ بالدونية، ووقوعٍ في أَسْرِ الهزيمة النفسية والفكرية، أمام إنجازات الحضارة الغربية، وجوانبها المادية من جهة، وبين رفضٍ مطلقٍ وانكفاءٍ على الذات ومعاداةٍ مع انعزالٍ وارتحالٍ إلى الماضي والتراثِ، وانسحابٍ من المواجهة الفكرية، أو الحضارية، وهذا من جهة أخرى.
ويبدو أن كِلا الموقفين غيرُ حميدٍ، فأصحابُ الموقفِ الأول واقعون بالكامل في أَسْرِ الحضارة الغربية مولعونَ بتقليد أصحابها في الصالح والطالح، وأصحابُ الموقفِ الثاني لا يرون من علاقةٍ إلَّا المواجهة الحاسمة، أو الانعزال حتى تتهيأ المنازلة الفاصلة!
ومن أسفٍ أن كثيرًا من السلفيين يلحقون بأرباب الموقف الثاني! ويبدو أن هذا غيرُ سديد؛ فعامة السلفيين اليومَ يرون التعامل الانتخابي مع هذه الحضارة التي تموج بما يُقبل وما يُرَدُّ، وما يصلح وما لا يصلح، وعليه؛ فإن المعطيات النافعة لهذه الحضارة لا بد من رعايتها، وسلبياتها لا مناصَ من اجتنابها، وهذه الطريقة الوسطية لا تُغْفِلُ قول الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠]، وقوله تعالى:
стр. 180
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩].
كما أنها تتفهمُ النظرةَ السلبية عن الإسلام والدين بشكل عامٍّ لدى الغربيين، وتقف على أسبابها، وعلى محاولات الإبادة والتهميش والإقصاء التي تُمَارَسُ ضد المسلمين في بقاع كثيرة، وفي قضايا المسلمين الكبرى بشكل عام.
والخطاب السلفي المعاصر حين يتوجه إلى الغرب ينطلق من مبادئ حاكمةٍ، ويتوخى الانضباطَ بقواعدَ أصيلةٍ في الخطاب والعلاقة بالغرب، فلا بد من التأكيد على عالمية الخطاب الإسلامي، فلا يتقيد هنا الخطاب بجنس، ولا لون، ولا لغة، ولا ينكفى على صفوة من الناس، بل هو خطاب لأمة الدعوة، كما هو خطاب لأمة الإجابة.
وهو خطاب إنسانيُّ المنطلق، يبحث عن التعارف والتآلف، ويتجه إلى الناس جميعًا، وبني آدم بأَسْرِهِمْ، ويتعاون معهم على البِرِّ والتقوى، ويُنْشِئُ علاقاتٍ من الأخذ والإعطاء، والاتصال الحضاري، والعطاء الإنساني.
وهو خطاب علميٌّ مستقلٌّ مبدعٌ، يُرَاعِي اختلافَ الظرف الزماني والمكاني، ويُفَرِّقُ بين الثابتِ والمتغيرِ، والمبدئيِّ والمرحليِّ، لا يقنعُ بالدونيَّةِ، ولا يرضى بالتبعيَّةِ للحضارة الغربية، وإنما ينفتح عليها بشكل نقديٍّ واعٍ، ولا يقبل باستيرادِ الإجابات