جَدِيدًا﴾ [الإسراء:٤٩]. والمقصود: إعادة خلقهم، كما كان أول مرة، وليس ابتداء خلقهم على غير مثال سابق.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي للتجديد:
لا امتراء في أن مصطلح التجديد قد وَرَدَ على لسان النبي ﷺ واسْتُعْمِلَتْ مادته في السنة النبوية، ومن أشهر ذلك: قوله ﷺ -فيما رواه أبو هريرة ﵁: "إن الله يَبْعَثُ لهذه الأمةِ على رأسِ كُلِّ مائةِ سنةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لها دِينَهَا" (١).
ولذا نجد أهلَ السنة -في كتب شروح الحديث- لا يعرفون من معنى التجديد سوى أنه: "إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة، والأمر بمقتضاهما، وإماتة ما ظهر من البدع والمحدثات" (٢).
ودور المجدد لا يخرج عن أنه "يحيي ما اندرس من أحكام الشريعة، وما ذهب من معالم السنن، وخَفِيَ من العلوم الدينية الظاهرة والباطنة" (٣).
وتجديد الدين يستلزم -بالضرورة- إظهار هدايته، وبيان حقيقته وأحقيته، ونفي ما يعرض لأهله من البدع والغلوِّ فيه، أو التفريط في
стр. 72
إقامته، ومراعاة مصالح الخلق، وسنن الاجتماع والعمران.
والمعاصرون من علماء الإِسلام ودعاته يقررون ذلك المعنى ويُجِلُّونه، فهو عند المودودي: "تنقية الإِسلام من كل جزء من أجزاء الجاهلية، ثم العمل على إحيائه خالصًا محضًا على قدر الإمكان" (١).
وهو عند القرضاوي: "يقتضي جملة أمور:
١ - الاحتفاظ بجوهر القديم، وإبراز طابعه وخصائصه.
٢ - ترميم ما بَلِي منه، وتقوية ما ضعف من أركانه.
٣ - إدخال تحسينات عليه، لا تُغَيِّرُ من صفته، ولا تُبَدِّلُ من طبيعته" (٢).
ويزيد البيانَ وضوحًا، فيقول: "ولا يعني تجديده: إظهارَ طبعةٍ جديدة منه، بل يعني: العودةَ به إلى حيث كان في عهد الرسول ﷺ وصحابته، ومن تبعهم بإحسان" (٣).
ومن هذا البيان الوافي لعلماء الإِسلام -قديمًا وحديثًا- نرى أن
стр. 73
التجديد يتضمن نفيًا وإضافةً؛ فالتجديد يحرس الدين بنفي كلِّ دخيل يمسُّ أصوله أو فروعه بالتبديد، أو التأويل الفاسد، والانتحال الباطل، وهذا معنى قوله ﷺ "يحمل هذا العلمَ من كل خلف عدولُهُ، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين" (١).
والتجديد يحرس الدين بإضافةٍ تقتضي تنزيل الأحكام الشرعية على ما يجدُّ من وقائع وأحداث، وهذا هو الاجتهاد الذي به تستنبط أحكام ما استجدَّ من الحوادث والواقعات.
ثالثًا: التجديد عند الفقهاء:
التجديد عند الفقهاء قريب من الاجتهاد، أو موازٍ له، وهو إضافة أحكام مستنبطة لنوازل مستجدة.
يقول السيوطي: "المجدِّد: هو المجتهد، وإذا حُمل تأويلُ الحديث على هذا الوجه كان أولى وأشبه بالحكمة" (٢).
ومقصد الإضافة هنا: إمداد التجربة الإنسانية النامية بما تحتاج
стр. 74
إليه من أحكام تتلاءم مع ما يستجد من أوضاعٍ، وفي هذا حفظٌ للدين من الجرأة عليه، بحجة توقُّفِ عطائه الحضاري، أو قصورِ أحكامه عن ملاحقة كلِّ جديد، وضبط الاستفادة من كل مفيد.
ومن هنا يُتَبيَّنُ -مثلًا- مأخذُ أبي بكر ﵁ في جمع القرآن، ويتجلَّى فقهُ عمر ﵁ في جمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان، ويَظْهَرُ -أيضًا- منزعُ عثمان ﵁ في نسخ المصاحف، واعتماد ما أرسله إلى الأمصار.
ولا حرج أن يدخل في الإضافة كُلُّ جديد من الوسائل والآليات التي تقدم المضمون بلا تحريف أو تبديل أو تأويل فاسد، والتي لا تصادم نصًّا شرعيًّا، وتحقق المقصود من أقرب سبيل، وأيسر طريق.
وهذه الإضافة لا حرج فيها ما دامت متجهة نحو الشكل، لا المضمون، وصَوْبَ الوسائل، لا المقاصد.
رابعًا: التجديد عند المتغربين، وأرباب العلمنة:
أما عن التجديد عند المتغرِّبين، وأرباب العلمنة والحداثة، وربائب الاستعمار، وصنائع الليبرالية فهو يتضمن زحزحةَ الإِسلامِ عن ضبطِ الحياةِ، وفَصْلَ الدين عن الدنيا؛ باسم المدنية تارةً، وباسم الحرية تارةً أخرى، وهذا عين الطمس والتحريف والتدمير والتبديد!
وهو في حقيقته: "نَبْذُ الشريعة والقيم والمعتقدات، والقضاء على الأخلاق والسلوك باسم التجديد، وتَجاوُزُ جميعِ ما هو قديم،
стр. 75
وقَطْعُ صلةِ الأمة به" (١).
وعلى ما سبق؛ فإن تجديد الدين يدور في فلكي النفي والإضافة، حتى يعودَ الدين -كما كان في الصدر الأول- التزامًا بالدين على أكمل ما يكون الالتزام، وتصدِّيًا لكل جديد بالاجتهاد الدائم الدؤوب الذي يضبط كلَّ جديد بضابط الإِسلام (٢).
وهذا النفي وتلك الإضافة ليست في الدين ونصوصه، ولا في أصوله أو معاقده، وإنما هي في علاقة الأمة بدينها، وفي سلوكها، وفكرها المتفاعل مع نصوصه وثوابته؛ إذ هذا الجانب هو ما تعتريه القوة والضعف، ويتنزل عليه التجديد، ويقبل الإصلاح، وفيه يقع التغير (٣).
قال ابن حزم ﵀: "واتفقوا أنه مذ مات النبي ﷺ فقد انقطع الوحي، وكمل الدين، واستقر، وأنه لا يحل لأحد أن يزيد شيئًا من رأيه بغير استدلال منه، ولا أن ينقص منه شيئًا، ولا أن يبدل شيئًا مكان شيء، ولا أن يُحْدِثَ شريعة" (٤).
стр. 76
"فالتجديد -عند الشرعيين- هو عملٌ لإحياء منارات الدين، ومواجهةٌ لتحريف المحرفين، وسعيٌ للتمكين، وحفظٌ لصلاحية الشريعة بالاجتهاد المحكم الرصين" (١).
"والتجديد مطلوب شرعًا وواقع قدرًا، أما وقوعه القدري ففيما أخبر عنه الله من حفظه الدين من التغيير إلى قيام الساعة، فقال عزَّ مِنْ قائلٍ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، وفي هذه الآية -إضافة إلى ذلك- البشرى العظيمة ببقاء هذه الأمة ظاهرةً على الحق وعدم هلاكها، حتى مع تغلُّبِ أعدائها عليها؛ إذ لا بد من بقاء طائفة حتى يظل القرآن -عن طريقها- محفوظًا، وهو ما دَلَّ عليه حديثُ الرسول ﷺ "لا تزالُ طائفةٌ من أمتي ظاهرينَ على الحقِّ، لا يَضرُّهم مَنْ خَذَلَهُمْ حتى يأتيَ أمرُ الله وهُم كذلك" (٢)، وأما طلبُهُ الشرعي ففيما جاء من التكليف بالعمل بما فيه، وتبليغه للناس، ونشره بينهم، كما دلت على ذلك الأدلة الكثيرة آمرةً بالتمسك بالدين، والعمل به، قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
стр. 77
[الزخرف:٤٣]، وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف:٣]، فكان الأمر بذلك متضمنًا للأمر بحفظه؛ إذ لا يتمكن المسلم من اتباع ما أَنزل الله والاستمساك بوحي الله تعالى إلا مع المحافظة عليه وحفظه.
خامسًا: الأدلة على الحاجة إلى التجديد:
قد دَلَّ على الحاجة إلى التجديد أدلةٌ كثيرة، منها:
١ - حديث التجديد السابق: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" (١)؛ فهذا وإن كان فيه البشرى بعدم خلو أمة المسلمين من المجددين إلا أنه تَضَمَّنَ في ثناياه الإشارةَ إلى ما يطرأ على حياة الناس بمرور الزمن في العصور المتعاقبة؛ مما يستدعي الحاجة إلى التجديد، فمن ذلك مثلًا:
أ- جهلُ أكثرِ الناس بلغة العرب الفصيحة وبأساليبها في البيان.
ب- ظهورُ كثير من المعاملات والتصرفات المحدثة، والتي تحتاج إلى بيان الوجه الشرعي الصحيح بإزائها.
ج- التقدمُ التقني الهائل الذي قَرَّبَ البعيدَ مما أوجد احتكاكاتٍ وتعاملاتٍ مع العالم بأسره لم تكن موجودة من قبل، فيحتاج الناس فيها إلى معرفة حدود تلك التعاملات، وتمييز ما يدخل من ذلك ضمن الولاء أو البراء وضبطه، حتى لا يَحْدُثَ
стр. 78
غلوٌّ أو جفاءٌ.
د- ظهورُ المنظمات والتنظيمات الإقليمية والدولية، والتي يحكمها قانون أو دستور مِنْ وَضْعِ تلك الدول نفسِهَا، فيحتاج الناس إلى معرفة حقيقة العلاقات الدولية وضوابط ذلك من الناحية الشرعية.
٢ - حديث قبض العلماء: إن نقصان العلم يتسبب في اندراس كثير من معالم الدين، ويؤدي إلى اختلاط غيره به، والعلم إنما ينقص بموت العلماء، كما قال ﷺ : "إنَّ اللهَ لا يَقبِضُ العلمَ انتزاعًا ينتزِعُهُ مِنَ العبادِ، ولكنْ يَقبِضُ العلمَ بَقَبْضِ العلماءِ، حتى إذا لم يُبْقِ عالمًا اتَّخَذَ الناسُ رؤوسًا جُهَّالًا؛ فَسُئِلُوا فأفتوا بغيرِ علمٍ، فَضَلُّوا وأَضَلُّوا" (١)، فكلما مات عالم قُبِضَ جزءٌ من العلم، حتى إن المرءَ لَيقطعُ المفاوزَ فلا يكاد يجد إلا أشباهَ العلماء، ولا يشكُّ أحدٌ أن نقص العلم مُوقِعٌ في الضلالات والجهالات، ومؤدٍّ إلى الهلكات، مما يستوجب التجديدَ الذي يحافظ على العلم في الأمة، وقد بيَّن ذلك عبدُ الله بنُ مسعود ﵁؛ حيث يقول: "لا يأتي عليكم عامٌ إلا وهو شرٌّ من الذي كان قبله، أما إني لست أعني عامًا أخصبَ من عام، ولا أميرًا خيرًا من أمير، ولكنَّ علماءَكم وخيارَكم وفقهاءَكم يذهبون، ثم لا تجدون منهم خَلَفًا، ويجيئ قوم يقيسون الأمر برأيهم" (٢).
٣ - حديثُ افتراقِ الأمةِ: وفيه قال رسول الله ﷺ : "افترقتِ
стр. 79
اليهودُ على إحدى وسبعينَ فِرقةً؛ فواحدةٌ في الجنةِ، وسبعونَ في النارِ، وافترقتِ النصارَى على ثنتينِ وسبعينَ فِرقةً؛ فإحدى وسبعونَ في النارِ، وواحدةٌ في الجنةِ، والذي نفسُ محمدٍ بيدِهِ لتَفْتَرِقَنَّ أمتي على ثلاثٍ وسبعينَ فِرقةً؛ واحدةٌ في الجنةِ، وثنتانِ وسبعونَ في النارِ، قيل: يا رسول الله، مَنْ هُمْ؟ قال: الجماعةُ" (١)؛ فوجود هذه الفِرَقِ المتعددة يدل على التباين الكبير في الفهم الصحيح؛ مما أخرج هذه الفِرَقَ المتعددةَ من نطاق الفِرقة الناجية، وهذا يدل على الحاجة للتجديد من ناحيتين؛ من ناحية الفِرقة الناجية حتى تظل على التمسك والمحافظة على الحق، ومن ناحية الفرق الضالة بقصد هدايتهم" (٢).
"وأخيرًا؛ فإنه قد يجد بعض الناس تناقضًا بين مدلولَي (التجديد) و (السلفية)؛ باعتبار أن الثانى يدل على القِدَمِ المنافي للجديد! والأمر ليس كذلك؛ فالتجديد الذي ننشده ليس انقلابًا، أو تغييرًا للثوابت، بل هو نوع من إعادة تفعيلها؛ لتؤدي دورَهَا، وتقتضي آثارها في الواقع؛ ذلك أن (الجمود) والتشبث برسوم محلية -اقتضتها مرحلة زمنية معينة- يعطل أداء النص، ويحجر على العقل أن يُعمله في النوازل والمستجدات؛ ولهذا صار يعْتَوِرُ الأمرَ محذوران:
стр. 80
أحدهما: الوقوع في أَسْرِ الجمود بدعوى المحافظة، والتمسك بالسنة واتباع السلف.
والثاني: الانفلات، والتمرد على النقل، وتسييد العقل، بدعوى التجديد، فلا بد من ضبط المعادلة، بما يحقق المصالح، ويدرأ المفاسد.
وحين نتقدم إلى المسلمين -خاصَّةً- وإلى الناس -كافَّةً- بدعوتنا، لا بد أن نصوغ خطابًا يجمع عناصر القبول المختلفة، التي حواها الخطاب القرآني والنبوي، واستعمله المجدِّدون الموفَّقون من سلف هذه الأمة، وإن من شأن هذا الخطاب -إذا اتضحت معالمه، واستبانت مقاصده- أن يُثْمِرَ ثمراتٍ عظيمةً، من أهمها:
١ - وحدة المسلمين؛ لاجتماع دعاتهم على كلمة سواء.
٢ - انتشار الإِسلام؛ لكونه يَرُدُّ الروحَ إلى الدعوة، ويُخَلِّصُها من آفاتها المتراكمة، فتعود غضةً طريةً، ذاتَ أَلقٍ، ووهجٍ، وجاذبيةٍ، كما كانت أوَّلَ مرةً" (١).
كان ما سبق حديثًا عن التجديد المقبول المشروع، أما التبديد المرفوض الممنوع؛ فإن له أغراضًا خبيثةً ومآربَ دنيئةً، تراوحت بين نَسْخِ الإِسلام كدين بدعوى تاريخيَّةِ النصوصِ المقدسة، أو تأويلها
стр. 81
تأويلًا عبثيًّا يُفَرِّغُهَا من خصائص الدين! وبين القبول بشعائر الإسلام في المسجد وإقصائه -بعد ذلك- برُمَّته عن الحياة بِرُمَّتِهَا!!
وإذا كان علماء الإسلام ودعاته قد تصدوا -بشراسة- لمن كشفوا عن عورة الإلحاد العلماني القائل (بتاريخية النص الإلهي) أو دعاوَى (أنسنة النص الإلهي)، وغيرها من الخبل الفكري الذي مَثَّلَهُ طائفة ممن يُنسبون إلى الفكر التقدُّمي والتنويري والعقلاني، ممن يحملون شهادات الدكتوراه في الآداب والفلسفة أحيانًا، وفي الدراسات الإسلامية أحيانًا أخرى! وشغلوا مناصب مهمة في كلياتٍ وجامعاتٍ وأكاديمياتٍ ممن نالوا شهرة واسعة بسبب كتاباتهم المغْرِقةِ في الضلال، والتي أدَّتْ ببعضهم إلى الزندقة والرِّدَّةِ (١)؛ فإنهم -أيضًا- لم يهادنوا أصحابَ فكرة علمنة الإسلام، وتحويله إلى دين مستأنس لا شوكةَ فيه!!
لقد استوعب علماء الإسلام المعاصرون هذه الخطة الماكرة، ووقفوا على دعاوَى أصحابها الفاجرةِ، وعلى مقولاتهم التي
стр. 82
أعلنوا فيها الحربَ بطريقة سافرة.
ولقد اتفقت كلمتهم على وَضْعِ تعريفٍ للإسلام المستهدَف بالحرب؛ فجاء في تقرير موسسة (راند) البحثية الاستخباراتية الأمريكية في تقريرها عام (٢٠٠٧ م) ما يلي:
"إن تعريفًا أضيق وأكثر فائدة لمن هو الإسلامي، وهو: كلُّ مَنْ يرفض الفصلَ بين السلطة الدينية، وسلطة الدولة، ويسعى الإسلامي إلى إقامة شكل من أشكال الدولة الإسلامية، أو على الأقل يدعو إلى الاعتراف بالشريعة كأساس للتشريع" (١).
وقد اعتبروا أن السبب في هذه العقلية، وتلك الشخصية هو: ما تلقته هذه الشخصيات من ثقافة تعليمية، وهذا يعني: أن المشكلة في المناهج التي يتلقاها هؤلاء الدارسون، وعليه؛ فيجب أن تُجْرَى عمليةُ تطويرٍ شاملة للمناهج!! ولا سيما الشرعية منها!!
وعليه؛ فإن يد التطوير يجب أن تطال التعليم في كل من: باكستان، والسعودية، ومصر، وقد كان! فصدرت الأوامر بتغييرات جذرية تناولت التعليم الديني؛ ليقف عند حدود الشعائر والنسك، وإلغاء ما يتناول الجوانبَ السياسيةَ، أو الجهاديةَ، أو السِّيَرَ والمغازيَ، مع اختصار حصص هذا التعليم الديني إلى أربع ساعات فقط، بدلًا من أربع وعشرين ساعة في
стр. 83
بعض الدول (١)؛ ذلك أن الحرب الحقيقية هي في المدارس!!
يقول توماس فريدمان: "إن الحرب الحقيقية في المنطقة الإسلامية هي في المدارس؛ ولذلك يجب أن نفرغ بسرعة من الحملات العسكرية، لنعود مسلحين بالكتب لا بالدبابات؛ لتكوين جيل إسلامي جديد، يقبل سياساتنا، كما يحب شطائرنا"!! (٢).
ولأجل هذه الحرب رُصدت الميزانيات الطائلة ترغيبًا، "فخصصت أمريكا لباكستان مائةَ مليونِ دولارٍ؛ لكي تُراجَعَ كتبُ الثقافة الإسلامية! " (٣).
وأما من لم يستجب فلا مانع من الترهيب! حيث أعلن الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح -في تصريح صحافي-: "أن بلاده هُدِّدت بالقصف الأمريكي، ما لم يَتمَّ إلحاقُ المعاهد الدينية بوزارة التعليم، وفَرْضُ الإشرافِ الحكوميِّ عليها" (٤).
стр. 84
إن السبب الرئيس لتجديد هذه الحرب يعود إلى هذا الدين في الحقيقة؛ ولذا تواتر عنهم قولهم:
"إن الدين الإِسلامي دينُ عنفٍ"، "والنظام الأخلاقي الذي يستند إليه الإِسلام مختلف عما هو في الحضارة اليهودية المسيحية (الغربية) "، "وآيات القرآن تصدق على ممارسة العنف ضد غير المسلمين"، "وإن هذه الحرب العالمية الجديدة هي حرب المدنية والحضارة (في الغرب) ضد البربرية (في الشرق) "، "وإن الغرب سيواصل تعميم حضارته، وفرض نفسه على الشعوب"، "وإنه لا حل مع الدول العربية والإِسلامية إلا أن تَفْرِضَ عليها أمريكا القيمَ والنظمَ والسياسات التي تراها ضرورية؛ فالشعارات التي أعلنتها أمريكا عند استقلالها لا تنتهي عند الحدود الأمريكية، بل تتعداها إلى الدول الأخرى".
وفي تحديد واضح لمن هم في بؤرة الصراع مع الغرب يقول الغربيون: "وإن المعركة -في حقيقتها- ليست ضد حفنة من الإرهابيين، ولا هي حتى ضد المسلمين الذين يتململون من السياسة الأمريكية والانحياز الأمريكي لإسرائيل، وإنما المعركة الحقيقية هي ضد الأصوليين الإِسلاميين، الذين يرفضون القيم الغربية، والحداثة الغربية،
стр. 85
والعلمانية الغربية، والمبدأ المسيحي (فصل الدين عن الدولة) وهذا هو التحدي الأيديولوجي الذي هو -في بعض جوانبه- أكثرُ أساسيةً من الخطر الذي شكلته الشيوعيةُ! ".
وإذا كانت الحروب والمواجهات العسكرية قد باءت بالفشل، ورجع أصحابها بِخفَّيْ حنينٍ؛ فإن ميدان الحرب على الإِسلام قد تَغَيَّرَ عند القومِ حين قالوا: "وإذا كانت الحرب على الإِسلام غيرَ ضرورية؛ فإن حربًا داخل الإِسلام هي ضرورية لتحويله إلى إسلام حداثي، ليبرالي، علماني، وإن الهدف من هذه الحرب داخل الإِسلام، هو تحويل التعليم الإِسلامي والخطاب الديني الإِسلامي إلى طريق (أتاتورك) (١٨٨١ - ١٩٣٨ م) الذي أجبر تركيا بإصرار شديد على أن تهجر ماضيَهَا! ". "فالمطلوب هو إحكام السيطرة على المدارس الدينية، وإعداد أئمة مستنيرين للمساجد؛ لترويج أفكار الغرب، وتشكيل الذهنية العربية لدى الجيل الجديد، وإعادة صياغته تجاه الصراع العربي الإسرائيلي! " (١).
"وبعد هذا (الإعلان) وعقب صدور هذه (الطلبات) و (الضغوط) و (الأوامر) الأمريكية، جاء دور العلماء الحضاريين من أبنائنا، الذين يَتَسَمَّوْن بأسمائنا، ويتكلمون لغتنا، والذين يمول الغرب
стр. 86
-علنًا- (دكاكينهم) التي يسمونها (منظمات المجتمع المدني)؛ ليصبحوا (صوت سيدهم)، وليتحولوا -بقدرة الدولارات الأمريكية- إلى خبراء في تجديد الخطاب الديني، وهم الذين لم يُعرف عن واحد منهم التخصص في العلوم الإِسلامية، ومن قرأ منهم شيئًا في هذه العلوم؛ فإنما قرأه ليفسر الإِسلام تفسيرًا ماركسيًّا، بمنهاج المادية الجدلية والمادية التاريخية؛ كي يصبح الإِسلام (بناء فوقيًّا) أفرزه صراع الطبقات.
لقد تجاهل هؤلاء المتمركسون والعلمانيون والحداثيون قضايا الأمة الرئيسة في تحرير الأرض، وإنقاذ المقدسات، ومقاومة الهيمنة الإمبريالية الأمريكية، والفريضة الغائبة في العدل الاجتماعي، والتشرذم القُطري لعالم الإِسلام، ... إلخ، تجاهل هؤلاء المتغربون من أحفاد (بونابارت) قضايا الأمة، وشرعوا في التركيز على (الإفتاء العلماني) في مفهومهم الأمريكيِّ لتجديد الخطاب الدينيِّ للإسلام والمسلمين! " (١).
ويكفي أن نقدم لدعاة علمنة الإِسلام وخطابه الديني في الشرق شهادةَ شاهدٍ من أهلها (من الغرب) شهادة القس الألماني وعالم الاجتماع (جوتفرايد كونزلن) التي يقول فيها: "لقد نبعت العلمانية من التنوير الغربي، وجاءت ثمرة لصراع العقل مع الدين، وانتصاره عليه، باعتباره مجردَ أثرٍ من حقب التاريخ
стр. 87
البشري، يتلاشى باطراد في مسار التطور الإنساني، ولقد مثلت العلمنة: تراجع المسيحية، وضياع أهميتها الدينية، وتحول معتقدات المسيحية إلى مفاهيم دنيوية، والفصل النهائي بين المعتقدات الدينية، والحقوق المدنية، وسيادة مبدأ: (دين بلا سياسة وسياسة بلا دين).
ومن نتائج العلمانية: فقدان المسيحية لأهميتها فقدانًا كاملًا، وزوال أهمية الدين كسلطة عامة؛ لإضفاء الشرعية على القانون والنظام والسياسة والتربية والتعليم، بل وزوال أهميته -أيضًا- كقوةٍ موجِّهَةٍ، فيما يتعلق بأسلوب الحياة الخاص للسواد الأعظم من الناس، وللحياة بشكل عام، فسلطة الدولة -وليس الحقيقة- هي التي تصنع القانون، وهي التي تمنح الحرية الدينية.
ولقد قدَّمت العلمانيةُ الحداثةَ باعتبارها دينًا حَلَّ محل الدين المسيحي، يفهم الوجود بقوانين دنيوية، هي العقل والعلم.
لكن -وبعد تلاشي المسيحية- سرعان ما عجزت العلمانية عن الإجابة على أسئلة الإنسانية التي كان الدين يقدِّم لها الإجابات، فالقناعات العقلية أصبحت مفتقرة إلى اليقين، وغَدَتِ الحداثةُ العلمانيةُ غيرَ واثقة من نفسها، بل وتُفَكِّكُ أنسَاقَهَا -العقلية والعلمية- عدميةُ ما بعد الحداثة، فدخلت الثقافة العلمانية في أزمة، بعد أن أدخلت الدينَ المسيحي في أزمة، فالإنهاك الذي أصاب المسيحية أعقبه إعياءٌ أصاب كلَّ العصر العلماني الحديث، وتحققت نبوءة (نيتشه) (١٨٤٤ - ١٩٠٠ م) عن
стр. 88
إفراز التطور الثقافي الغربي لأناس يفقدون (نجمهم) الذي فوقهم، ويحيون حياة تافهة، ذات بعد واحد، لا يعرف الواحد منهم شيئًا خارج نطاقه، وبعبارة (ماكس قيبر) (١٩٢٠ - ١٩٦٤ م): (لقد أصبح هناك أخصائيون لا روح لهم، وعلماء لا قلوب لهم).
ولأن الاهتمام الإنساني بالدين لم يتلاشَ، بل تزايد ... وفي ظل انحسار المسيحية، انفتح باب أوروبا لضروب من الروحانيات، وخليط من العقائد الدينية التي لا علاقة لها بالمسيحية -ولا بالكنيسة- من التنجيم، إلى عبادة القوى الخفية والخارقة، والاعتقاد بالأشباح، وطقوس الهنود الحمر، وروحانيات الديانات الآسيوية، والإِسلام، الذي أخذ يحقق نجاحًا متزايدًا في المجتمعات الغربية.
لقد أزالت العلمانيةُ السيادةَ الثقافية للمسيحية عن أوروبا ... ثم عجزت عن تحقيق سيادة دينها العلماني على الإنسان الأوروبي، عندما أصبح مَعْبدها العلمي عتيقًا! ... ففقد الناس (النجم) الذي كانوا به يهتدون: (وعد الخلاص المسيحي) ... ثم (وعد الخلاص العلماني)! " (١).
وعلى صعيدٍ آخَرَ؛ فقد سعت الإدارة الأمريكية إلى التنسيق مع طوائفَ من غلاة الطرق والفرق لمواجهة الخطاب السلفي
стр. 89
بخطاب طرقي فلسفي!! يمد أواصر التواصل مع أمريكا والغرب والعلمانية علانيةً ودونَ مواربةٍ!! ويقطع ما بينه وبين أهل الإِسلام والسنة!!
"ففي يونيو (٢٠٠٩ م) عُقد مؤتمر للصوفية بالقاهرة انتهى بإصدار بيان للطرق الصوفية المشاركة دعت فيه إلى: تشكيل لجان من علماء المسلمين؛ لبحث كيفية التقارب بين العالم الإِسلامي والولايات المتحدة!! ودراسة القيم المشتركة التي يمكن التعاون فيها!
"وفي آخر يونيو (٢٠٠٩ م) وجهت السفيرة الأمريكية بالقاهرة (مارجريت سكوبي) دعوةً إلى تسع طرق صوفية؛ لحضور حفل السفارة بعيد الاستقلال الأمريكي أول يوليو.
"وفي (٣/ ٨/ ٢٠١٠ م) نُشر في صحيفة الدستور المصرية خبرُ اجتماع شيوخ الطرق الصوفية مع ممثل الإدارة الأمريكية بحضور مندوبٍ من مباحث أمن الدولة!! وذلك بمقر الطرق العزمية بالسيدة زينب، ولمدة ساعتين؛ وذلك للتنسيق بين شيوخ الصوفية في مصر، وبين الإدارة الأمريكية؛ لنشر الإسلام الصوفي المعتدل بين المسلمين الأمريكيين، وتم الاتفاق على اختيار الشيخ
стр. 90
علاء الدين أبي العزايم (شيخ الطريقة العزمية) (١) -كمنسق بين الصوفية في مصر، والإدارة الأمريكية (٢).
"وعلى التزامن وفي نفس التوقيت أبرم شيخ مشايخ الطرق الصوفية عبد الهادي القصبي اتفاقًا مع مؤسسة الأهرام على تنظيم مؤتمر سنوي، يحضره أعضاء الطرق الصوفية من مصر والبلاد العربية والإِسلامية، بدعم من مؤسسة الأهرام الصحفية؛ لمواجهة المد السلفي والفكر الإخواني، كما تتولى المؤسسة أيضًا تنظيم مؤتمر مشابه لنقابة الأشراف بحضور جميع المنتسبين لآل البيت في مصر والعالم.
كما اتُّفِقَ على نشر سلسلة من الكتب والبحوث التي تتناول الفكر الصوفي المعتدل، وطرحها بأسعار تكون في متناول العامة (٣).
وبعد الثورة المصرية، دعا التيار الإِسلامي إلى مليونية الإرادة الشعبية في (١٩/ ٧/ ٢٠١١ م)، والتي طالبت فيها الجموع المصرية بتطبيق الشريعة الإِسلامية -أوعز الغرب إلى أبي العزايم للرد على هذه المليونية بمليونية يجتمع فيها بالنصارى واليساريين والعلمانيين وفلول الحزب الوطني المنحل، فكان معه نحو من ثلاثة أو أربعة آلاف في مقابل أربعة ملايين لمليونية التيار الإِسلامي!
стр. 91
وفي (٢٤/ ٩/ ٢٠١١ م) وبالقاهرة أقيم المؤتمر الدولي للصوفية برعاية شيخ الأزهر ووزير الأوقاف المصري ومفتي الديار وبحضورٍ صوفيٍّ دوليٍّ مكثف؛ وذلك للتسويق للخطاب الصوفي، والذي شهد انحسارًا ملحوظًا بعد الثورة المصرية، حيث شدَّدَ وزيرُ الأوقاف المصري د. محمَّد عبد الفضيل القوصي على تجديد الخطاب الصوفي، والمصطلح الصوفي، وفي لقاء مغلق عقده شيخ الأزهر مع ممثلي الصوفية في المؤتمر أشار د. أحمد الطيب إلى أهمية استعادة دور الصوفية في مصر والعالم بأسره، وذلك في مقابل المدِّ السلفيِّ!!
وفي تفسير لهذه الظاهرة المتنامية في الشرق الأوسط، يقول د. عمار علي حسن: "وفي الفترة الأخيرة في مصر ظهر جليًّا تَقَرُّبُ الحكومة من المتصوفة، وتَقَرُّبُ المتصوفة من الحكومة، بل والسعي من الطرفين للتقارب، فقد خلقت الظروف الملائمة للتحالف ضد الجماعات الإِسلامية أمام الرأي العام باعتبارها طرحًا دينيًّا له مكانته عند المصريين، بينما هي تحتمي بالنظام ضد ممارسات الجماعات السلفية، التي ترى تحريم رفع القباب على القبور، وتحريم الطواف بها وعبادتها، والتي تتعيش الجماعات الصوفية على بَثِّهَا بين الناس، والتي لولاها لتقوَّضَ ركنٌ ركينٌ من أركان التصوف!! " (١).
ويقول الفرنسي المسلم (إريك جيوفري) -المختص في الصوفية
стр. 92
بجامعة لوكسمبورج بشمال فرنسا في حوار صحفي عن هذا الشأن-: "وفي علاقتها بالحركات الإِسلامية بالذات نجد أن الأنظمة العربية عملت على إدماج الصوفية في الحكم؛ بهدف محاربة الظاهرة الإِسلامية، فوزير الأوقاف المغربي أحمد التوفيق صوفيٌّ، كما أن الشيخ أحمد الطيب في مصر -وهو خلوتي- أصبح رئيسَ جامعةِ الأزهر بعد أن كان مفتيًا للديار المصرية، وفي الجزائر نجد أن بوتفليقة قريبٌ جدًّا من الصوفية، وهو ما برز في حملته الأخيرة" (١).
وقد قام الرئيس الجزائري بوتفليقة بزيارة عدد من زوايا وأضرحة الأولياء؛ لزيادة شعبيته، ولنفي اتهاماتٍ وُجهت له بالتواطؤ مع التيار الإِسلامي السلفي، وذلك قبيل الانتخابات الرئاسية التي أقيمت في الثامن من إبريل عام (٢٠٠٤ م) (٢).
وهذا المنحى الغربي ليس بجديد، فقد صنع اللورد كرومر نفس الصنيع؛ فقد كان أوَّلَ مَنْ أسس مجلسًا أعلى للطرق الصوفية، واختار لرئاسته من سماه شيخَ مشايخ الطرقِ!! (٣)
стр. 93
الفصل الثالث عوائق واقعية ومشكلات سلبية في الخطاب السلفي المعاصر
стр. 94
عوائق واقعية، ومشكلات سلبية في الخطاب السلفي المعاصر
لقد سبق القولُ بأن التيارَ السلفيَّ المعاصر رقعةٌ متنامية ومترامية الأطراف، يكثر فيه الخلافُ والاختلافُ، وربما دخل فيه من ليس منه، وادَّعاه من لم يكن من أهله، وربما أدخل بعضُهم نفسَهُ وطائفتَهُ في هذا التيار بتعريف للسلفية يخصُّه، وعلى سبيل المثال: فقد قال الأستاذ عمر التلمساني ﵀: "نحن سلفيون على منهج الثلاثي: جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ومحمد رشيد رضا" (١)، ومن قبله قال الإِمام حسن البنا -عن دعوته بأنها-: "دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية" (٢).
وأما الأمريكان والغربيون -بوجهٍ عام- فيرون السلفيين هم كل من ينادي بمرجعية الشريعة! كما جاء ذلك في تقرير: (راند)، أو كل من يحمل أفكارًا مناهضة للغرب! (٣).
стр. 95
وبناءً على ما سبق؛ فإن الحديث عن عوائقَ وسلبياتٍ، ومشكلاتٍ ومفارقاتٍ داخلَ التيارِ السلفي لا يمكن -بحالٍ- أن يتوجَّه في كلِّ الأحوال إلى كلِّ من انتمى إلى هذا التيار! وفي كل البلاد شرقًا وغربًا، وإلا كان هذا ظلمًا وعسفًا.
ولا يلزم -أيضًا- أن تكون تلك الإشكالاتُ موجودةً بنفس النسبةِ لدى كلِّ طائفةٍ من طوائفه، أو فردٍ من أفراده، ومن الخطأ البيِّن: مؤاخذةُ فردٍ بخللٍ يُعْزَى إلى طائفته، أو الحكمُ على طائفةٍ من خلال خطأٍ لفردٍ منها.
ومن غير شك فإن المتأمل قد يجد داخلَ هذا التيار من تنبَّه إلى بعض تلك السلبيات فعالجها، ونظر إلى تلك المخالفات فأصلحها، ومنهم من هو بسبيله إلى ذلك أيضًا!
وغني عن البيان أن الواقع السلفي في اللحظة الراهنة يتغير بسرعةٍ خاطفةٍ، ويتفاعل مع المتغيرات باستجابةٍ ظاهرةٍ، ويسعى لإعادة إنتاج نفسه بشكلٍ معدَّل!!
وهذا من جهةٍ يحمل خيرًا كثيرًا، ومن جهةٍ أخرى يتطلب حذرًا كبيرًا، وضبطًا وإحكامًا رشيدًا.
ومن منهج رصد هذه المشكلات والمعوِّقات: التنبيهُ إلى
стр. 96
أصلها من غير دخول إلى تفاصيلها، والإعراض -في الغالب- عن أمثلتها في الطوائف أو الأشخاص.
ومن منهج الرصد -أيضًا-: الإشارة إلى جميع تلك السلبيات، وإن لم تُنسب إلى كلِّ طائفةٍ سلفيةٍ، أو فردٍ سلفيٍّ بأسرها أو بجملتها، والقصدُ المناصحةُ المشروعة، إذ الدين النصيحة، ولو اقتضت شيئًا من المُخاشَنَة التي تقي ضررَ المداهنة، أو كانت -على أقلِّ تقديرٍ- ضربًا من الوقاية قبل الحاجةِ إلى المعالجة.
وقبل التعرض لسرد بعض هذه السلبيات تجدر إشارة -أيضًا- إلى أن شيئًا من هذه الانتقادات قد تَرِدُ على ألسنة بعض المبالغين أو المغرضين! وفي بعض الأحيان نستطيع أن ننكر تضخيمها، إلا أننا لا ننكر أصل وجودها، وهذا لا يعفي من تبعة المسئولية عن تصحيحها، والاستغفار والتوبة من التسبب في وقوعها! ولو كان هذا عن غير قصدٍ، أو بحسن نية، وقد قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وفيما يلي رَصَدَاتٌ نقديةُ لإشكالاتٍ واقعيةٍ في الخطاب السلفي المعاصر:
стр. 97
المبحث الأول
ضعف أو غياب المرجعية العلمية الموحدة
في مرحلة زمنية قريبة كان التيار السلفي يحظى عالميًّا بمرجعيةٍ عامةٍ تمثلت في مجموعةٍ مباركةٍ من الشيوخ والعلماءِ، الذين اجتمعت بهم الكلمة، ورَكنت إلى فتاويهم الأمة، وتلقى عنهم الخاصةُ والعامةُ، وكان التفاوتُ والاختلافُ بين تلكَ المرجعيةِ العلميةِ قليلاً منضبطًا بضوابط الخلاف العلمية والأخلاقية، كما كان لبعضهمِ من المواقع الرسمية في الدولة ما قَوَّى في الأمة أثرهم، ونشر في الناس علومَهم وخيرَهم، مع ما حُمِدَ لهم من رصيدِ المواقفِ القويةِ في إنكارِ المنكراتِ، والتصدي للأخطارِ والملماتِ، ثم إن الله تعالى كتب لبعضهم طولًا في آجالهم، وكثرةً في تلاميذهم، فكان القول إذا خرج عن جميعهم، أو عن بعضهم لم تكد الأمة تلتفت إلى غيرهم!
ثم إن الله تعالى قبضهم في سنواتٍ متقاربةٍ، بل في أشهرٍ متعاقبة، فخلت الساحة من ذوي أقدارٍ كأقدارهم، وأصحاب سابقةٍ كسابقتهم.
وعلى الرغم من كون تلك المرجعيةِ العلميةِ عالميةً في قبولِها ونفوذِ كلمَتِهَا، فإن قطرًا عربيًّا واحداً -اليوم- لم تجتمع فيه المرجعيةُ السلفيةُ على أحدٍ بعينه، ولا على مجموعةٍ علمية أو مؤسسيَّةٍ بعينها!! وَغَدَتِ الفتيا الصادرة عن شيوخ السلفية المعاصرةِ -في كثير من الأحيان- لا
стр. 98
تتعدَّى حدودَ أتباعهم المتحَزِّبينَ معهم دون غيرِهِم! حتى تعدَّدت النسخ العلمية، والطبعات السلفية بتعدُّدِ المدارس -أحيانًا- وبتعدُّدِ الشيوخ أحيانًا أخرى!! ومما انتُقِدَ على كثير من المرجعيات العلمية والأكاديمية المعاصرة، وأَضْعَفَ أَثَرَهَا: انكفاؤُها على التعليم النَّمَطى، وانسحابُهَا من الشأن العامِّ، ومن صياغة المواقفِ من المستجدَّاتِ والنوازلِ العصريَّةِ؛ في حين تصدَّى لها بعضُ الدعاةِ والخطباءِ السلفيينَ وغيرِ السلفيينَ بغيرِ عُدَّةٍ، ولا مقوِّماتٍ إلا الشهرةَ أحيانًا! فرُبَّما تكلموا فأخطأوا! أو تكلموا فأساءوا وما أصابوا!! ومما وهَّنَ بناءَ المرجعيات: ما ابتُليَ به المسلمون من جماعةٍ -انتسبتْ إلى السلفية- لم تتحزَبْ على شيءٍ تحزُّبَهَا على النيلِ من العلماءِ والدعاةِ الأحياءِ والأمواتِ، فاشتغلَتْ بتتبع الزلَّاتِ، وتصيُّدِ الهفواتِ، وربَّما استباحَتِ اختلاقَ العثراتِ! وشقّتْ عن الصدورِ، ونَقَّبَتْ في النِّيَّاتِ!! وسامَتْ دعاةَ السلفية -في كلِّ مكانٍ وموقعٍ- خسفًا وبخسًا، وزادتهم عنتًا ورهقًا، وأوسعتهم شتمًا وسبًّا، إلا مَن كان على شاكلتهم، وسار على منوالهم! ومن عجبٍ -وعدلٍ معًا- أنَّ أصحاب هذه الفوضى غيرِ الأخلاقيةِ، وقع بعضُهُم في بعضٍ قدحًا وجرحًا! فصار إمامُ أهلِ السنة فيهم مبتدعًا!! والجزاءُ من جنس العمل! ولا يظلم ربك أحدًا!
стр. 99
المبحث الثاني
ندرة المراكز البحثية والدراسات الاستراتيجية
كان حَرِيًّا بالتيار السلفي -على ترامي رقعته محليًّا ودوليًّا- أن يُعْنَى بإدارة الحياة العلمية، وأن يُنَشِّطَ الدراساتِ الاستراتيجيةَ من خلال مراكزَ بحثيةٍ تخصصية، تتمتع بالاستقلالية عن الضغوط الحكومية والرسمية، وتقدِّمُ للأمة جديدًا مفيدًا في مجالات البحوث الارتيادية، وتديرُ الحربَ الفكرية والأيديولوجية، التي تقف جنبًا إلى جنب مع الحرب الاقتصادية والعسكرية، التي تشنها المنظومةُ الغربيةُ وحلفاؤها، والتي تُدارُ بشكلٍ علميٍّ مدروس.
ومع كون التيار السلفي هو خط المواجهةِ الأيديولوجيةِ الأول ضدَّ الغربِ وحلفائِهِ، إلا أنه لا توجدُ -ومع الأسفِ- مؤسساتٌ سلفيةٌ استراتيجية تقومُ بتخطيطٍ وتفكيرٍ إداريٍّ يحوِّل الصراع -في نظر أهل الإِسلام- إلى تكاليفَ شرعيةٍ، يقوم بها الأفرادُ، فضلاً عن الدول والحكومات، كما لا توجدُ في الواقع تلك الجهةُ أو الهيئةُ التي تديرُ وتتابعُ وتعدِّلُ وتصححُ مسيرة هذا الصراع، وتجلِّي طريقَ الأمةِ للخروجِ منه ظافرةً ومنصورةً.
وغنيٌّ عن البيان أن إدارةَ هذا الصراعِ، والتخطيط له -من الناحية الشرعية- تقع مسئوليته على أهل الحل والعقد في الأمة
стр. 100
مجتمعين في كياناتِهم العالميةِ، وهيئاتِهم الدوليةِ الرسميةِ، وغير الرسمية، فإن لم يمكن اجتماعُهم فبحسَب ما تَيَسَّرَ؛ إذ الميسورُ لا يسقطُ بالمعسور (١).
وبسببٍ من غَيابِ هذه المؤسساتِ المحليةِ ربما تضاربت الأولوياتُ، واختلطت الاهتماماتُ، واختلَّت القيمُ النسبيةُ للواجبات، وتعثر المضيُ في طريقِ نهضةٍ شاملةٍ تصلحُ الدنيا بالدين، ومما ينبغي أن يذكر هنا أن المخالف للتيار السلفي يشير كثيراً إلى هذا الملحظ وبه يتندر!! كما أن الموافق ينبِّه إلى خطورته، وعلى غيابه يتحسر!!
стр. 101
المبحث الثالث
التمحور حول مسائل الخلاف الاجتهادي
لقد نالَ العملَ الإِسلاميَّ والخطابَ السلفيَّ -بسبب عدم: ضبطِ الخلافِ العلميِ- أذًى كثيرٌ، وتطرَّق إليه خللٌ كبيرٌ, وانفتح بابٌ للطعن والانتقاد بحقِّ وبغير حقٍّ!
حتى قيل عن هذا التيار: إنه التيار الذي لا يعرف تعددًا في آرائه، ولا اختلافًا بين فقهائه، ولا يؤمن بحوار بين أعضائه، ولا يقبل بالتعدديةِ في طوائفه؛ كلُّ الخلافِ عنده تضادٌّ، وكلُّ تضادٍ لديه فهو غير سائغ!! لا فَرْقَ بين الثوابتِ القطعيةِ، والمتغيراتِ الاجتهاديةِ، ولا بين النصوصِ الشرعيةِ، والاجتهاداتِ البشرية.
ولا شك أن التعصب للاختياراتِ الاجتهاديةِ مع غرس سمت التعالم والتعالي عند الطالب والمتلقي يُنتجُ فوضى علمية وغير أخلاقيةٍ في آنٍ واحدٍ.
وصدق شيخ الإِسلام ﵀ حيث قال: "ولو كان كلما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا لم يَبْقَ بين المسلمين عصمة ولا أخوة" (١). وعن المعارك السلفية في المسائل الاجتهادية الجزئية الفروعية حدِّث ولا حرج!!
стр. 102
لقد استنزفتْ تلك المعاركُ المفتعلةُ من طاقات أهل الدين ما اللهُ به عليم، وكم فتنتْ هذه المصاولاتُ من العامَّة، وزَهَّدَتْهم في الدعوةِ وصدَّتْهُمْ عن السبيل!!
ورحم الله الشاطبي حيث قال: "وكل مسألة حدثت في الدين فأوجبت الفرقة بين المسلمين فليست من مسائل الشريعة" (١).
فلا بد -إذن- من التفريق بين مقام الدعوة إلى الأخذ بالعزائم، والاحتياط في الأحكام، والثبات على دين الله، وأخذه بقوة، وبين مقام التفريق بين المحكم والمتشابه من النصوص، والقطعي والظني من الأحكام.
والخلافُ على المسائلِ الاجتهادية لا سبيلَ إلى الاجتهادية لا سبيلَ إلى رفعِهِ، ولا طريق إلى حسمهِ، ولا تأثيمَ على المخالف مجهدًا كان أو مقلِّدًا, وقد يجوزُ العمل بالمرجوحِ، أو المفضولِ؟ لاعتباراتٍ شرعيةٍ، ولا إنكارَ فيه إلا ببيان الحق بدليلهِ وتعليلهِ، مع وجوبِ احتمالِهِ، وأن يسعَ المتأخرين ما وسع المتقدمين، ولا بدَّ من التأدبِ عمليًّا بآدابِهِ.
стр. 103
المبحث الرابع
خلل في ترتيب الأولويات
لا مرية أن اختلالاتٍ عديدةً قد وقعت في الخطاب السلفيِّ -لدى بعض تياراته ورموزه- في مراتبِ الأعمالِ الشرعيةِ العلميةِ والعمليةِ -على حدٍّ سواء- فتقدَّم ما حقُّهُ التأخيرُ -أحيانًا- وتأخَّرَ ما حقُّه التقديمُ -أحيانًا أخرى- ووقع تفاوتٌ في اعتبارِ المتغيراتِ الواقعيةِ في هذا الشأن أيضًا.
ولاشك أن الضرورات تلجئُ الدعاةَ في الساحة الدعويةِ إلى تدرُّج ومرحليةٍ في التغيير والإصلاح، فالفرائضُ قبلَ النوافلِ، والانتهاءُ عن المحرماتِ قبلَ المكروهاتِ، وما تعدَّتْ من الأعمال منفعَتُهُ أولى مما كان قاصرًا، والإحسانُ إلى الأبرار أولى من الإحسانِ إلى الفجار، والتيسيرُ أولى من التعسير، وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة ربِّ العباد أوَّلُ الأولويات، وخوضُ معركةِ الإصلاح والدعوة مقدمٌ على خوض معركة التغيير بالقتال والقوة! والأولويةُ لمجاهدة أهل الشرك وعبادة الأوثان بالحجة والبيان، وذلك قبل المجاهدة بالسيف والسنان.
ومن هنا؛ يُدْرَكُ حجمُ الخلل في ترتيب الأولويات، عند مَنْ جَعَلَ الهدفَ الأصيل من الدعوة إلى الله إقامةَ حكمِ الله في الأرض
стр. 104
وتغييرَ الأنظمة، فتتمحور دعوته حول هذا الهدف مباشرة باحثةً عن وسائله ومقدماته، ومتخليةً -في ذات الوقت- عن أهداف أخرى مهمة، ومختزلةً التغييرَ في محو نظام بعينه، وتمر السنون فلا الهدف تحقَّقَ ولا الواقعُ تغير! بل ويلحق بعضَ الدعاة فتورٌ حيث عالج الهدف مرارًا، فكان نصيبه الفشل، فتطرق إليه اليأسُ، وتَرَكَ العملَ! وهذا يُظْهِرُ خللَ الأولويات في أهداف الدعوة؛ حيث وقع إهمالُ تحقيقِ المتيسر، والاشتغالُ بالمتعسر.
ومن الخلل المرصود في فقه الأولويات: الإصرارُ على وسيلةٍ بعينها لمجرد أنها جُرِّبت مِنْ قِبَلِ رعيلٍ أول، أو شيخٍ مبجَّل، وذلك بغض النظر عن فعاليتها في اللحظة الحالية، وربما تحولت -مع هذا الفهم- الوسائلُ الاجتهاديةُ إلى مقاصدَ توقيفية!! لا تقبل تبديلاً ولا تغييرًا.
ومن خللِ ترتيبِ الأولويات في الخطابِ السلفي السياسي المعاصر: تقديم الانتماء الحزبي على الانتماء الشرعي! فالانتماءُ إلى الإِسلامِ والسنةِ هو انتماءُ غايةٍ, والانتماءُ إلى طوائفِ الدعوة المعاصرة والسنة هو انتماءُ وسيلةٍ، وربما تعارضت مصلحة الإسلام الشرعية مع مصلحة الانتماءات السياسية والحزبية،
стр. 105
فيستنكِفُ بعضُ العاملين عن تنسيقٍ واجبٍ في مجلسِ حكمٍ، أو برلمانٍ يمكِّن للإسلام وأهله بسبب مصلحةٍ حزبيةٍ، أو عداوةٍ ومحنةٍ شخصيةٍ! فتكون النتيجة خيبةً واقعيةً، ومعصيةً شرعيةً! وفي بعض فترات السَّعةِ والحريةِ قد تنساح بعضُ الدعواتِ السلفية لتكسب أنصارًا وأبواقًا, ولا تهتم أن تربي رجالاً، فيختلَّ ميزانُ الأولوية بين التوسعاتِ الأفقيةِ، والجهودِ التربوية، وتكثرُ العنايةُ بالجوانب الشكليةِ دون الجوهريةِ، وبالسَّمْتِ الظاهرِ والنوافلِ أكثرَ من أعمالِ القلوبِ والفرائضِ! وبسبب من ألوان الخلل في الأولويات تحولت دعواتٌ من عبادةٍ إلى مجرد فكرةٍ أو مذهب أو حزبٍ أو ثقافةٍ، وربما تحولت -عياذًا بالله- إلى تجارةٍ!! أو انقلبت إلى دعوات شخصيةٍ، وحظوظ نفسيةٍ، وتعصب للشخصِ أو الراية.
стр. 106
المبحث الخامس
جهود في الوسائل وضعف في الآليات
لا شَكَّ أن الاتباع في الدعوة مَعْلَمٌ أصيلٌ، ومنهجٌ جليلٌ، فقد "أُمِرْنَا أن نقتديَ ولا نبتديَ، ونتبعَ ولا نبتدعَ" (١)، ومع هذا فلا إثم، ولا حَجْرَ، ولا حرج على من تأهَّل للاجتهاد فيما لم يَرِدْ فيه نصٌّ قاطع للنزاع، أو تحقق فيه إجماع، وذلك بشرط البعد عن اتباع الهوى، والحذر من الزلات.
وفي جانب وسائل الدعوة اتباعٌ مطلوبٌ، فلاُ يُقَلَّدُ كافرٌ في وسيلةٍ من شعارِ دينهِ الباطلِ، ولا تستعملُ وسيلةٌ نهى الشارعُ عنها، أو نَفَّرَتِ الشريعةُ منها، وكلُّ وسيلةٍ بعد ذلك؛ فهي مباحة متى حققت مقصودَها, ولم تتضمنْ محرَّمًا، فليستِ الوسائلُ الدعويةُ توقيفيةً بإطلاق، ولا مطلقةً من كل قيد.
وقد انفتح في العصر الحاضر لأهل الإِسلام بابٌ واسع من خلال التقنية المتنوعة، وعلى قدر تباين الخَلق واختلاف مشاربهم- تتعدد المداخل إلى قلوبهم وعقولهم، وهذا يفرض على الدعاة وعيًا بواقعهم، وحرصًا على علوم عصرهم، واطلاعًا
стр. 107
واعيًا على الوسائل المتاحة والمباحة، واهتمامًا بالاستباق إلى الجديد المفيد، مع التنبه إلى ضوابط استعمالِهِ ومحاذيرِهِ، والاجتهادِ الشرعيِّ المنضبطِ في إدراكِ أحكامِهِ، والحذرِ من الجمودِ على لونٍ واحدٍ في التفكيرِ والتنفيذِ، والمعالجةِ والمبادأةِ؛ فلا بد من تغلُّبٍ على ضعفِ الآليات، والجمودِ على وسائلَ بالذاتِ، وألا تقتصرَ الوسائلُ على دعوةٍ جماعيةٍ عامةٍ، أو تنحصرَ في دعوةٍ فرديةٍ خاصة، وألا تختصر الدعوة في مؤسسات خيرية، أو هيئات إغاثية. والخطابُ السلفيُّ المعاصر مطالبٌ بألَّا يجمُدَ على أسلوبٍ، أو وسيلة لا يرى سواها؛ فإن من عالميةِ دعوتِهِ عالميةَ وسائلِهِ، فتستفيدُ دعوته من الوسائل والإمكانات المباحةِ المتاحةِ، بما يحققُ الأهدافَ، ويكثِّرُ الإيجابيات.
стр. 108
المبحث السادس
ميل إلى النظريات وقصور في العمليات
العناية بالقضايا والمسائل العلمية شعار يميز الدعوات السلفية المعاصرة، ولا شك أن العلم نبراس الدعوة، فالدعوة بلا علمٍ سعيٌ بلا هُدَى، وإذا أراد الله بدعوة خيرًا فقَّهَ رجالاتها في الدين، ولا شك أن هذه العناية العلمية تُذْكَرُ فَتُشْكَرُ، إلا أنه لا بد من تنبيهٍ وتذكيرٍ بأن العلمَ شجرةٌ، والعملَ ثمرةٌ، فإذا لم تثمرْ تلك الشجرةُ فلا خيرَ فيها, ولقد رُصِدَ في دائرةِ الخطابِ السلفيِ انشغالٌ أحيانًا بترفٍ فكريٍّ، وجدلٍ عقليٍّ، وخلافاتٍ لا ثمرةَ لها، وتشقيقٍ لمسائل لا مصلحة منها؛ إذ كل مسألة لا ينبني عليها عمل قلبي أو بدني، فالخوض فيها خوض فيما لا يستحسن شرعًا! وقد قال الشاطبي ﵀: "إن عامة المشتغلين بالعلوم التي لا تتعلق بها ثمرةٌ تكليفيةٌ تدخل عليهم فيها الفتنةُ والخروجُ عن الصراط المستقيم، ويثور بينهم الخلافُ والنزاعُ المؤدِّي إلى التقاطع والتدابر والتعصُّب، حتى تفرَّقوا شيعًا، وإذا فعلوا ذلك خرجوا عن السنةِ، ولم يكن أصل التفرقِ إلا بهذا" (١).
ومما تنبغي ملاحظته: أن في العلوم جوانبَ قد يطالُها الإهمالُ،
стр. 109
وهي بابٌ مهمٌ في إصلاح الأعمال، وضبطِ الأقوالِ والأفعالِ، وذلك بدراسة سننِ الله تعالى في التغيير والإصلاح، وأسبابِ التمكينِ والاستخلافِ، وسَننِ الاستبدالِ، وأسبابِ الضعفِ والهلاكِ.
ومما يُرْصَدُ في هذا الشأنِ أيضًا: ضعفٌ في العنايةِ بالنوازلِ المستجدَّةِ، والمسائلِ الحادثةِ مما له تعلقٌ بحياةِ الناسِ الواقعيةِ، سواءٌ في العباداتِ، أو المعاملاتِ، أو السياسةِ الشرعيةِ، أو الأحوالِ الشخصية.
ومن الظواهر السلبيةِ: انصرافُ الهممِ إلى تعظيمِ مسائل جزئيةٍ وفروعيةٍ عقديةٍ، أو فقهية، أو أصولية، وامتحانُ الناسِ بها، وجعلُها جزءًا من المنهج! وقدرًا مما تصحُّ به النسبةُ إلى السلف والسلفية في الواقع المعاصر، وأمثلة ذلك أظهرُ من أن تُذْكَرَ.
ومما يدخل في هذا الباب أيضًا: صرفُ عامةِ أبناءِ الدعوةِ أو الطائفةِ إلى قضيةٍ تخصُّصية لا تصلح للكافة، أو العامة من الشباب، أو الطلبة، وذلك على حسابِ ما لا يسع الداعيةَ جهلُهُ من العقائدِ، والعباداتِ، والمعاملاتِ، وأصول الدعوة إلى الله، وأهدافها وآدابها، وقد ترافق مع ذلك كلِهِ: عدَمُ قدرةٍ عند البعضِ على الإنجاز، والنزول في الميدان العملي؛ لوجود منكراتٍ تارةً، ولإيثار العزلةِ أخرى، ولانشغالٍ بأمورٍ نظريةٍ تارةً ثالثةً، مع عدمِ
стр. 110
القدر على تقديمِ بديلزملائم، وأسوأُ من هذا: القدحُ في أصحابِ التياراتِ العمليةِ بشدةٍ، ثم ربما سارَ التيارُ سيرَهم، ولو بعد مدة!! وهنا سوف تثور إشكالية عند الجمهور المتربي على هذه المعاني، وسيرون فيها تغييرًا للثوابت!! وتَنكُّرًا للمبادئ!! ومن بعض هذا قد تكون فتنة!! وقد تخسر الطائفةُ بعضَ أبنائها، ويتساقط في طريقها بعضُ رُوَّادِها!