← Общие книги

Общие книги · id 14468

فقه الأولويات في الخطاب السلفي المعاصر بعد الثورة

محمد يسري إبراهيم

Полный текст (195 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

المبحث الخامس جهود في الوسائل وضعف في الآليات لا شَكَّ أن الاتباع في الدعوة مَعْلَمٌ أصيلٌ، ومنهجٌ جليلٌ، فقد "أُمِرْنَا أن نقتديَ ولا نبتديَ، ونتبعَ ولا نبتدعَ" (١)، ومع هذا فلا إثم، ولا حَجْرَ، ولا حرج على من تأهَّل للاجتهاد فيما لم يَرِدْ فيه نصٌّ قاطع للنزاع، أو تحقق فيه إجماع، وذلك بشرط البعد عن اتباع الهوى، والحذر من الزلات. وفي جانب وسائل الدعوة اتباعٌ مطلوبٌ، فلاُ يُقَلَّدُ كافرٌ في وسيلةٍ من شعارِ دينهِ الباطلِ، ولا تستعملُ وسيلةٌ نهى الشارعُ عنها، أو نَفَّرَتِ الشريعةُ منها، وكلُّ وسيلةٍ بعد ذلك؛ فهي مباحة متى حققت مقصودَها, ولم تتضمنْ محرَّمًا، فليستِ الوسائلُ الدعويةُ توقيفيةً بإطلاق، ولا مطلقةً من كل قيد. وقد انفتح في العصر الحاضر لأهل الإِسلام بابٌ واسع من خلال التقنية المتنوعة، وعلى قدر تباين الخَلق واختلاف مشاربهم- تتعدد المداخل إلى قلوبهم وعقولهم، وهذا يفرض على الدعاة وعيًا بواقعهم، وحرصًا على علوم عصرهم، واطلاعًا

стр. 107

واعيًا على الوسائل المتاحة والمباحة، واهتمامًا بالاستباق إلى الجديد المفيد، مع التنبه إلى ضوابط استعمالِهِ ومحاذيرِهِ، والاجتهادِ الشرعيِّ المنضبطِ في إدراكِ أحكامِهِ، والحذرِ من الجمودِ على لونٍ واحدٍ في التفكيرِ والتنفيذِ، والمعالجةِ والمبادأةِ؛ فلا بد من تغلُّبٍ على ضعفِ الآليات، والجمودِ على وسائلَ بالذاتِ، وألا تقتصرَ الوسائلُ على دعوةٍ جماعيةٍ عامةٍ، أو تنحصرَ في دعوةٍ فرديةٍ خاصة، وألا تختصر الدعوة في مؤسسات خيرية، أو هيئات إغاثية. والخطابُ السلفيُّ المعاصر مطالبٌ بألَّا يجمُدَ على أسلوبٍ، أو وسيلة لا يرى سواها؛ فإن من عالميةِ دعوتِهِ عالميةَ وسائلِهِ، فتستفيدُ دعوته من الوسائل والإمكانات المباحةِ المتاحةِ، بما يحققُ الأهدافَ، ويكثِّرُ الإيجابيات.

стр. 108

المبحث السادس ميل إلى النظريات وقصور في العمليات العناية بالقضايا والمسائل العلمية شعار يميز الدعوات السلفية المعاصرة، ولا شك أن العلم نبراس الدعوة، فالدعوة بلا علمٍ سعيٌ بلا هُدَى، وإذا أراد الله بدعوة خيرًا فقَّهَ رجالاتها في الدين، ولا شك أن هذه العناية العلمية تُذْكَرُ فَتُشْكَرُ، إلا أنه لا بد من تنبيهٍ وتذكيرٍ بأن العلمَ شجرةٌ، والعملَ ثمرةٌ، فإذا لم تثمرْ تلك الشجرةُ فلا خيرَ فيها, ولقد رُصِدَ في دائرةِ الخطابِ السلفيِ انشغالٌ أحيانًا بترفٍ فكريٍّ، وجدلٍ عقليٍّ، وخلافاتٍ لا ثمرةَ لها، وتشقيقٍ لمسائل لا مصلحة منها؛ إذ كل مسألة لا ينبني عليها عمل قلبي أو بدني، فالخوض فيها خوض فيما لا يستحسن شرعًا! وقد قال الشاطبي ﵀: "إن عامة المشتغلين بالعلوم التي لا تتعلق بها ثمرةٌ تكليفيةٌ تدخل عليهم فيها الفتنةُ والخروجُ عن الصراط المستقيم، ويثور بينهم الخلافُ والنزاعُ المؤدِّي إلى التقاطع والتدابر والتعصُّب، حتى تفرَّقوا شيعًا، وإذا فعلوا ذلك خرجوا عن السنةِ، ولم يكن أصل التفرقِ إلا بهذا" (١). ومما تنبغي ملاحظته: أن في العلوم جوانبَ قد يطالُها الإهمالُ،

стр. 109

وهي بابٌ مهمٌ في إصلاح الأعمال، وضبطِ الأقوالِ والأفعالِ، وذلك بدراسة سننِ الله تعالى في التغيير والإصلاح، وأسبابِ التمكينِ والاستخلافِ، وسَننِ الاستبدالِ، وأسبابِ الضعفِ والهلاكِ. ومما يُرْصَدُ في هذا الشأنِ أيضًا: ضعفٌ في العنايةِ بالنوازلِ المستجدَّةِ، والمسائلِ الحادثةِ مما له تعلقٌ بحياةِ الناسِ الواقعيةِ، سواءٌ في العباداتِ، أو المعاملاتِ، أو السياسةِ الشرعيةِ، أو الأحوالِ الشخصية. ومن الظواهر السلبيةِ: انصرافُ الهممِ إلى تعظيمِ مسائل جزئيةٍ وفروعيةٍ عقديةٍ، أو فقهية، أو أصولية، وامتحانُ الناسِ بها، وجعلُها جزءًا من المنهج! وقدرًا مما تصحُّ به النسبةُ إلى السلف والسلفية في الواقع المعاصر، وأمثلة ذلك أظهرُ من أن تُذْكَرَ. ومما يدخل في هذا الباب أيضًا: صرفُ عامةِ أبناءِ الدعوةِ أو الطائفةِ إلى قضيةٍ تخصُّصية لا تصلح للكافة، أو العامة من الشباب، أو الطلبة، وذلك على حسابِ ما لا يسع الداعيةَ جهلُهُ من العقائدِ، والعباداتِ، والمعاملاتِ، وأصول الدعوة إلى الله، وأهدافها وآدابها، وقد ترافق مع ذلك كلِهِ: عدَمُ قدرةٍ عند البعضِ على الإنجاز، والنزول في الميدان العملي؛ لوجود منكراتٍ تارةً، ولإيثار العزلةِ أخرى، ولانشغالٍ بأمورٍ نظريةٍ تارةً ثالثةً، مع عدمِ

стр. 110

القدر على تقديمِ بديلزملائم، وأسوأُ من هذا: القدحُ في أصحابِ التياراتِ العمليةِ بشدةٍ، ثم ربما سارَ التيارُ سيرَهم، ولو بعد مدة!! وهنا سوف تثور إشكالية عند الجمهور المتربي على هذه المعاني، وسيرون فيها تغييرًا للثوابت!! وتَنكُّرًا للمبادئ!! ومن بعض هذا قد تكون فتنة!! وقد تخسر الطائفةُ بعضَ أبنائها، ويتساقط في طريقها بعضُ رُوَّادِها!

стр. 111

المبحث السابع افتقاد أو ضعف المؤسسات ما من شكٍّ أن الموقفَ المتذبذبَ من العملِ الجماعي قد أخَّرَ ظهور المؤسسات في رحاب العمل السلفي المعاصر، وإن وُجدت فقد وُجدت متأخرةً نسبيًّا عن المشاركين في الساحة الدعوية، كما أن الإحجام عن الممارسة السياسية -والحزبية خاصَّة- قد وَهَّنَ من فرص كثيرة كان استثمارُها من خلال هذا الوجود السياسي، علاوةً على الجوانب التربوية التي تُغَذِّي جانبَ العزلةِ عن التأثيرِ الإصلاحيِّ بنسبةٍ من النسب، مع ما لوحظ من تشدُّدِ البعضِ في خياراتٍ فقهيةٍ، أو اختياراتٍ علميةٍ أفضى إلى وقوعِ صداماتٍ وعداواتٍ قلَّلَتْ من التأثيرِ العامِّ، فإذا أضيف إلى ذلك كله التضييقُ الأمنيُ، والذي تمثَّل مؤخرًا في وقف الفضائياتِ الإِسلاميةِ بمصر، وتأميمِ المساجد لصالح المؤسسة الدينية الرسمية، وإيقافِ تراخيصِ إنشاءِ الجمعياتِ الخيريةِ والاجتماعيةِ للسلفيين بشكل أخص، فإن ذلك كلَّه كان سببًا مؤثِّرًا في افتقادِ أو ضعفِ عملِ المؤسساتِ السلفيةِ في الأمةِ، سواء في ذلك المؤسسات العلمية، أو الإعلامية، أو التربوية، أو الاجتماعية. وكما ضَعُفَتِ المؤسساتُ المحلية داخل التيار السلفي في القطْر؛ فقد غابتِ المؤسسات والكيانات السلفية العالمية علميًّا، وإعلاميًّا، ودعويًّا، هذا في مقابل كيانات ومؤسسات واتحادات دولية وُجدت للرافضة، وغلاة أهل البدع.

стр. 112

المبحث الثامن ضعف الأداء السياسي إن الضعف السياسي للسلفيين يعود إلى أسبابٍ داخلية، وأخرى خارجيةٍ محلِّيةٍ ودولية، ولا تكاد توجدُ تجاربُ سياسيةٌ كبرى، ذاتُ توجُّه سلفيٍّ يشارُ إليها بالبنان، ولا شكَّ أن غياب المظلَّةِ السياسيةِ السلفيةِ جعلت التيارَ عرضةً لتغولاتِ السلطةِ من جهة، وتعمدِ التهميشِ الإعلاميِ والاجتماعيِ من جهةٍ أخرى، وإخضاعِ التيارِ للابتزازِ الأمنيِّ المستمرِّ من جهةٍ ثالثةٍ. وما من شكٍّ أن الانطباعاتِ السلبيةَ التي خرجت بها التياراتُ السلفيةُ عن تجاربِ الحركاتِ الإِسلامية، وما تمخض عنها من مهالِكَ واضطراباتٍ سياسيةٍ وملاحقات أمنيةٍ -كما وقع في مصر وسوريا- كانت تُلْقِي بظلالٍ من القلقِ والتخوفِ والتردُّدِ. علاوةً على أن الأصل الذي بدأ منه الفكر السلفي هو حرمةُ دخول هذه البرلمانات التي تشرِّعُ من دون الله مطلقًا (١)، ثم تحوَّل هذا الموقف تدريجيًّا -عند البعض- حتى أصبح الجوازُ مُناطًا بالمصالح وكثرتها، والمفاسد وندرتها, ولعل مما عوَّق الحضورَ السياسيَّ السلفي ما أثاره بعض المحسوبين على هذا التيار من أنَّ مطلق المشاركةِ السياسيةِ لدفع شرٍّ أو تحصيل خيرٍ يمثِّل خروجًا على ولي الأمر الذي يحكم بالعلمانية!!

стр. 113

ثم إن ضعفَ هامشِ الحرياتِ العامة في أكثر تلك الدول العربية، مع حساسية حكوماتها المفرطةِ من اشتغال الشعب بالسياسة- جعل كثيراً من السلفيين يبتعدون مسافاتٍ شاسعةً عن العمل السياسي؛ اتِّقاءً لغضبِ السلطة، أو حفاظًا على المكاسب الحاضرة، أو إيثارًا للسلامة!! وحتى بعد الثورات العربية، ودخول قطاعات من السلفيين إلى حلبة المعترك السياسيِّ فقد بقيتْ بعضُ الرموز القديمة بمنأًى عن هذه الممارسة، أو القبولِ بها على المستوى النظري! على أن العمل السياسي لنصرة الدين أسلوبٌ معاصرٌ من أساليب التأثير في الواقع إيجابيًّا، وهو يدور في فلك قضايا السياسة الشرعية، والموازنة بين مصالحه ومفاسده، وتختلفُ فيه الفتيا باختلافِ الزمانِ والمكانِ والأحوالِ، وهو كغيره من الأعمالِ لا بدَّ لمشروعيتِهِ من ضوابطَ تُلْتَزَمُ، ومحاذيرَ تُجْتَنَبُ، وعلى أهلِ الدعوةِ أن يدخلوا هذا المضمارَ مجتمِعِينَ ومتَّفِقِينَ، لا متعارِضِينَ ولا متخالِفِينَ، وإلَّا لن يتأتَّى من ذلك إعزازٌ للدين، ولا نصرٌ لشريعةِ رَبِّ العالمين! وقد ينتقل داء المعارك من المسائل الاجتهادية العلمية إلى المجالات السياسية!

стр. 114

المبحث التاسع ضعف العلم التأصيلي أو الفهم الأصولي بعد التسليمِ بأن التيارَ السلفيَّ تيارٌ علميٌ يُعْنَى بنشرِ العلمِ الشرعيِّ ومحاربةِ الجهلِ، والانحرافِ الفكريِّ، ويجاهدُ في ميدانِ نشرِ السنةِ، وقمعِ البدعةِ ومحاربةِ الخرافةِ، ومقاومةِ تياراتِ الغزوِ الفكريِّ، وقد حقَّقَ في ذلك إنجازاتٍ مشهودةً ومشاركاتٍ مشكورةً، إلاَّ أن هناك مأخذًا معتبرًا وملحظًا يُخْشَى أن يكون له ضررٌ، ألا وهو: افتقاد العلم التأصيلي، أو الفهم الأصولي، الذي يمكن في ضوئه الاهتداءُ إلى الموقف الشرعي في النوازل المستجدة. لقد وُصفت بعض المحاضن العلمية السلفية من خلال أسلوب المعلِّمين التلقينيِّ بأنها إنما تخرِّج من يحمل شهادة هو الأمية الدينية، وليس طلبة علم بالمعنى الصحيح، فإن مُجَرَّدَ حفظِ الأحكامِ في الظروفِ العاديةِ لا يُخَرِّجُ فقيهًا قادرًا على الاستنباط في الظروف الاستثنائية عامةً، وفي مسائلِ السياسةِ الشرعيةِ المعاصرةِ خاصةً. فلا بدَّ من مناهجَ ومسالكَ تُعْنَى ببناءِ الملكةِ الأصوليةِ التي تهيئُ للتعاملِ مع المسائلِ المستحدثةِ، واستنباطِ أحكامِهَا الشرعيةِ المعاصِرَةِ.

стр. 115

ولقد كانت همةُ العلماء -من قبلُ- إلى العنايةِ بالتأصيلِ مصروفةً، ومن ذلكَ: قولُ شيخِ الإِسلامِ ابن تيمية ﵀ -في مجلسٍ للتفقه-: "أما بعد فقد كنا في مجلس التفقه في الدين، والنظر في مدارك الأحكام الشرعية تصويرًا وتقريرًا، وتأصيلًا وتفصيلاً، فوقع الكلام في ... فأقول -ولا حول ولا قوة إلا بالله-: هذا مبنيٌّ على أصل وفصلين ... " (١). ولا يفوت هنا أن يقال: إنه في بعض المواقع الجغرافية على الخريطة السلفية المعاصرة قد تعرضت الجماعات السلفية إلى تضييقات أمنية، أفسدت بناء المحاضن العلمية والتربوية، وعَوَّقَتِ الحركةَ العلميَّةَ السلفية، وذلك لحساب توجهات كلامية، أو مسلكية مخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة.

стр. 116

المبحث العاشر افتقاد الرؤية المتكاملة والموحدة للتغيير سُمِعَ من كثيرٍ من دعاةِ هذا التيار أنهم لا يملكون رؤيةً متكاملةً لإقامةِ الدين علميًّا وعمليًّا، سوى ممارسةِ الدعوة إلى الله، أو تعليم العلم، ونحو ذلك فقط، وربما أنكر بعضُهم السؤالَ إذا وُجِّهَ إليه حولَ رؤيته للتغيير العام، أو خطَّتِهِ للإصلاح، أو مما هو التصورُ السلفي للخطوة التالية، وكيفية الانتقال إليها؟ وربما صرَّح بعضُ المشايخِ بأن إيجادَ الدولةِ الإِسلاميةِ مسألةٌ هامشيةٌ، والتصورُ المرحليُّ لإيجادها غيرُ مطلوبٍ، أو مرغوبٍ، وقد يُفْهَمُ هذا في سياقِ الملاحقاتِ الأمنيةِ والتصريحاتِ العامةِ، إلا أن تدريسَهُ وتعميمَهُ على الطلابِ، وإشماعةَ هذا الفهم بين الأصحابِ، هو أَمْر يحتاج إلى مراجعة ونظر!! ومما قد يُذْكَرُ الآن كطرفةٍ أو قصةٍ مسلِّية، إلا أنها في واقع الأمر مسألةٌ دامية، أن بعض من حاول أن يُفَكِّرَ في الخطوة السلفية التالية -بعد أن أنشأ المدارسَ العلميةَ المنهجيةَ الواعِدةَ- بمجرد أن بدأ يحاولُ أن يخطو الخطوةَ التالية وُجِّهت إليه أصابع الاتهام بالخروج عن السلفية!! والوقوع في أسر المناهج البدعية!! وهُدِّد بنزع غطاء السلفية عن شخصيته، ورفعِهِ عن دعوتِهِ، وربما كان السببُ في ذلك ضعفَ الروحِ الجماعيةِ من جهةٍ، والنشأةَ التي

стр. 117

لم تَقُمْ على التربيةِ الفكريةِ الواعيةِ، وفهمِ قضيةِ إقامةِ الدينِ وعلاقَتِهَا بالتمكينِ بشكلٍ صحيحٍ من جهةٍ أخرى. ولا شكَّ أنه بعدَ الثورةِ المصريةِ والليبيةِ وقَعَ بعضُ الدعاةِ والطوائف في مأزقٍ حيثُ لم يكن متهيئًا لخطوةٍ تاليةٍ، ولا مستعدًّا في فكرِهِ أو ممارسته لشيءٍ من ذلك التغييرِ الهائل! فقد اختصر الأمر لديه في ممارسة دعوية شخصية، أو دروس علمية تخصصية أو عناية بعبادات بدنية!

стр. 118

المبحث الحادي عشر وجود خلل في إصدر الأحكام كثيراً ما يُتَّهم التيارُ السلفيُ -في جملته، أو في بعض طوائفه- بالتسرعِ في إصدارِ الأحكام، سواءً بالتكفيرِ، أو التفسيق، أو التبديع! ولقد عَرفتْ مرحلةُ الثمانينيات سرعةَ إصدارِ الأشرطةِ الصوتية، والكتبِ السريعةِ في الهجومِ على شخصياتٍ، أو إصدارِ حكمٍ على المجتمعات، أو دخولٍ في الضمائرِ، ومكنونِ النياتِ!! وما يزال سيفُ ملاحقةِ الناس جميعًا بالأحكام مُشهرًا!! بل ويرفُعه السلفيون ضدَّ بعضهم البعض بشكلٍ لافتٍ للنظر، ومثيرٍ للعجب معًا، بين أفراد التيار الواحد، وإلى يوم الناس هذا لم تهدأ هذه الظاهرة المشينة، والتي لا يرضى أصحابُهَا بالوقوف عند الترجيحِ بين الآراء مثلاً، أو تقويةِ القويِّ منها، وتضعيفِ الضعيفِ وتخطئَتِهِ، حتى يمتدَّ الأمرُ إلى التقاذف بالمناكر، والاتهام بالطوامِّ!! وكما يُنتقدُ التسرُّعُ، يُنتقدُ أيضا التعميم والإطلاقُ في إلقاء الأحكام، ويُفْتَقَدُ كثيرًا الورعُ، وضبط اللسان، والتحفظُّ من المجازفةِ بالحكم بالظِّنةِ والتهمةِ، ولا سيما في حق أهلِ السنةِ وعلماءِ الأمةِ الذين وقعت من بعضهم زلةٌ أو فلتةٌ؛ فلا يشنَّع عليهم، ولا يُقْدَحُ فيهم بالجملة؛ إذ لحومُ العلماءِ

стр. 119

مسمومةٌ، وعادةُ الله في هتكِ أستارِ منتقصيهم معلومة، وإذا بلغ الماءُ قلتينِ لم يَحْمِلِ الخَبَثُ. مَنْ ذَا الَّذِي تُرْضَى سَجَايَاهُ كُلُّهَا. . . كَفَى الْمَرْءَ نُبْلًا أَنْ تُعَدَّ مَعَايِبُهْ ومن الغريب: أن بعض المشايخ حاول أن ينضبط في خضم هذا الموج الهادر فيتثبت في الأحكام، ويَستفصل عند الإجمال، وُيوازن بين الإصابات والأخطاء، وَيستعمل منهج الأسلاف في رعاية أقدار العلماء وبيان عظيم حرمتهم، فألَّفوا في ذلك وتكلموا، فما كان من أمرهم إلا أن رُمُوا بالتميع تارةً، وبالانحراف عن السلفية أخرى، ومُوْرِسَ إرهابٌ داخليٌّ بإنتاجٍ سلفيٍّ!! وربما مارس ذلك التلميذُ على أستاذِهِ، والطالبُ على شيخِهِ! ولا حول ولا قوة إلا بالله!

стр. 120

المبحث الثاني عشر تذبذب الموقف من العمل الجماعي مرَّ الموقف السلفي المعاصر بتطورات وتذبذبات في الموقف من العمل الجماعيِّ، بدأ بتبديعِ وتحريمِ تكوينِ الجماعاتِ، وانتهى بالقول بما هو أكثر من مشروعيتها، وذلك عبر مسيرةٍ بلغت ثلاثين سنة، انتهى بعدها التيارُ السلفيُّ إلى مشروعية الاجتماع والتعاقد على أعمال الخير، والتزام الطاعة في غير معصية، وأن هذا العمل مما تدعمه الأصولُ الشرعية، والأدلة النقلية والعقلية، على أن يتنزَّهَ أصحابُ هذه الأعمال عن التعصب الحزبي، وعَقْدِ الولاءِ على أساس الانتماء الدعوي، وانتهى النظر أيضاً إلى اعتبار هذه التجمُّعات بمثابةِ اللَّبناتِ في بنيان جماعة المسلمين العملية، وقَبِلَ التيارُ التعدديةَ القائمة على التخصص والتكامل، مع الاتفاق على الأصول الاعتقادية، والتغافرِ في المسائل الاجتهادية. وبعد الثورات العربية، وانفتاحِ بابِ المشاركة السياسة لم يعد يُسمع صوتُ من كان لا يرى مشروعيةَ الأعمال الجماعية، أو يراها تفريقًا للأمة، وكان من حجة بعض أولئك الذين كانوا رافضين لإنشاء الجماعات في مرحلة الثلاثين عامًا الماضية: أنه لا يصلح أن نُخْلِيَ الساحةَ للعلمانيين؛ ليكونوا أحزابًا سياسية!! وبنفس المنطق كان ينبغي أن تُعَامَلَ قضيةَ تكوينِ الجماعات

стр. 121

في ظل العلمانية التي كانت تحكم المنطقة، ولا تزال!! ولعل بعض من استدبر طريق العمل الجماعي، أو حاربه، يراجعُ الآنَ مواقفَهُ ويضبطُ اجتهاداتِهِ، ويستدرِكُ ما فاته، فإن بعض من وهَّى مشروعيةَ العملِ الجماعيِّ حين أراد أن يُكَوِّنَ حزبًا- لم يجد من يدعمه، أو يقوي جانبه على وجه مقبول. وبدلًا من أن يكون أصحابُ الحزب على فكرة واحدة، اجتمع له أخلاطٌ من الناس لا تجانس بينهم! ومن اشترط منهم التجانس عجز عن التأسيس!

стр. 122

المبحث الثالث عشر الإهمال التربوي لا ينبغي الخلافُ في أن أولى الناس برعايةِ الأخلاق النبوية، وتمثُّلِ الآدابِ المصطفوية هم أهل السنة والجماعة من السلفيين، وغيرهم؛ إذ الأخلاقُ الحسنةُ ثمرةٌ مباركةٌ لشجرة الإيمان الباسقة، وفرعٌ مباشرٌ لأصلٍ ظاهرٍ ألا وهو العبودية لربِّ البرية، والتربية عمل الأنبياء، وسبيل الأصفياء والأولياء، وعمل ضخم لا يتم بدونه تغيير، ولا تنجح بغيره دعوة، وليس له غاية ينتهي عندها, ولا يستغني عنها الكبير، فضلاً عن الصغير, ولا المنتهي فضلاً عن المبتدي. إلا أن الحقيقة الصادمة أن أكثر التيار السلفي المعاصر لا عناية لدى أكثريته بالتربية، ولا اهتمام لدى أفراده بالتَّزْكِيَةِ، فهو يفتقد المربِّينَ، ويعاني نقصًا في الرَّبَّانيين، وربما وُجِدَتِ التربية لدى بعض الطوائف المنضوية تحت راية السنة والجماعة بشكل أكمل مما هي عند المعاصرين من السلفيين!! ومما يرصده بعض المراقبين تغيُّرُ حالِ قلِّةٍ من رموز التيار من بعد خطاب الزهد والافتقار إلى حال جمع الدنيا والاستكثار، وانْتُقِدَتْ عليهم سلوكياتٌ خرجت عن حال الذِّلَّة علي المؤمنين والتواضع لرَّبِّ العالمين، إلى مخالفة أخلاق الرَّبَّانيين من الحرص على الجاه والمصلحة، ولو أدَّى ذلك إلى تحوُّلاتٍ منهجيَّةٍ، أو

стр. 123

التورطِ في إشكالياتٍ مالية، ونزاعاتٍ دنيوية. وبغض النظر عن الأحكام الشرعية لتلك المؤاخذات أو الملحوظات التربوية؛ فإنه قد لا يُحتمل من القدوة الربانية ما يُحتمل من غيرها! وإذا كان الحديث عن خلل تربويٍّ يُرَدُّ إليه الفشلُ الدعوي، فلا شك أن عمدة الأسباب هو ضعف التربية الناشئ تارةً عن عدم تكاملها، أو تدرُّجها، أو توازنها، أو انضباطها، أو استمرارها ودوامها، أو الشعور بالاستغناء عنها. ومع اتساع نطاق العمل السلفي اليوم فإن أهمية التربية تتأكدُ، وسبيل التنشئة والتزكية تتحدَّدُ، عبر ربانية تُقِيم في قلب المربي فرقانًا بين الحق والباطل، وتُنشئ حاجزًا بينه وبين مُضِلَّات الفتن، وتُحقق صلةً وثيقة بالطاعة ظاهرًا وباطنًا؛ فإن في ذلك ضمانةً من العناية بالشكل على حساب المضمون، أو رعايةً للظاهر على حساب الباطن، أو تجمل بالعلم على حساب سوء العمل!

стр. 124

المبحث الرابع عشر ضعف العناية بالسياسة الشرعية في التصرفات الدعوية للسياسة الشرعية فقه يقوم على المدافعة بين المصالح والمفاسد، والموازنة بين المنافع والمضارِّ، وهو فقه شرعي واقعي يَرْعَى الضروراتِ والحاجاتِ، ويدفعُ المشقَّاتِ، وينظر إلى المآلاتِ، ونتائج التصرفات، ولا يُغْفِلُ المقاصدَ الباعثةَ على الأعمال، ولقد انتُقِدَتْ بعضُ المواقف السلفية من منظور السياسة الشرعية، سواء في ممارسة العمل السياسي، أو في مواقف السلفيين من الحكومات العلمانية، أو في منهج إنكار المنكر، وعلى سبيل المثال: فقد وقع خَلْطٌ بين اعتبار السكوت على الخطأ أو المنكر إقرارًا، وبين ارتكابِ أخفِّ الضررين، ودفعِ الضرر الأشدِّ بالضرر الأخفِّ؛ فقد سُمع قبل فترة من الزمان القولُ بأن العمل السياسيَّ يتضمن الإقرار بالتشريع الوضعي؛ كون المشارك لا يُنكره ولا يُحاربه، مع أن القائل نفسه لا يقول بأن الالتحاق بالجامعات المختلطة إقرارٌ للاختلاط! فَيَنْهَى عن الأول ويأمرُ بالثاني!! ومن ذلك -أيضًا-: تحميل مقولة: "كلمة التوحيد قبل توحيد الكلمة" ما لا تحتمل، ولايمكن أن تحتمل، فضلاً عن وضعها في غير موضعها، سواء بالنسبة لطبيعة المسألة، أو طبيعة المرحلة، وهي مرحلة دفعٍ ورفعٍ، وبناءً على فهمٍ سقيمٍ لتلك المقولة جرى التأكيد -بشكل عمليٍّ- على استحالة التعاون بين الجماعات والطوائف

стр. 125

الدعوية المنضوية تحت راية أهل السنة!! ولو أن مراجعةً علميةً ومنهجيةً لفقه السياسة الشرعية عند السلف ﵏ تمت لوقف الجميع على قول شيخ الإِسلام في بيان كيف ساغ ليوسف ﵇ والنجاشي تولي الولايات في دولة غير مسلمة، وحكم تولي ولاياتِ المكوسِ أو الضرائبِ تخفيفًا للمظالمِ. وأن العالِمَ الربانيَّ تارةً يأمرُ، وتارةً يَنْهَى، وتارة يسكت، وفي كلٍّ يكون موافقًا لأمر الله تعالى، محقِّقًا لمقتضى السياسة الشرعية، وأنه قد يُدفع الكافرُ بالمبتدع، والأشدُّ بدعةً بالأخفِّ، وحكم ترك الإنكار والسكوت لمصلحة شرعية أكبر. ولو طالع بعضهم كلام ابن القيم والشاطبي والعز ابن عبد السلام ﵏ لتحرَّرت فروق كثيرة، وتبينت أخطاء شرعية في مواقفَ لم تكن برشيدةٍ (١). إلا أنه مع تنامي الحس السياسي في بعض المواقع، والدخول إلى جوانب عملية ومعتركات واقعية بدا التيار السلفي بمجموعاته أكثر تفهمًا لحاجة أن يتعامل كتيار، وليس كجماعة متحزِّبة؛ حتى يستوعب جميع الطاقات السلفية، وإن لم تكن منضويةً تحت نفس الراية الحزبية، وهذا -بحمد الله- من معالم التوفيق وأمارات النجاح.

стр. 126

المبحث الخامس عشر الغفلة عن فقه المقاصد يتُهم بعض السلفيين بالحرفية الظاهرية تارةً، وبالانحراف عن النظرة المقاصدية تارةً أخرى، ولا شكَّ أن الأصل هو الجمع بين النصوص الجزئيَّةِ، والمقاصد الكلية عند استنباطِ حكمٍ، أو تحريرِ معنًى شرعيٍّ، فلا بد من إدراكٍ لمقصد النصِّ، مع فهمٍ له في سياقه وسباقة ولحاقه. والأصل في الشرعيات التوقيفُ والاتباع، وفي الدنيويات الاجتهادُ والإبداع! فالأصل في العبادات النصُّ دون العلةِ والمعنَى، والأصل في العادات العلَّةُ والمقصِدُ، ومن لم يُحَكِّمِ الأصولَ والكليات يَضطرب، ولا يُحْسِنُ علاج الجزئيات، والنصوص محدودة ومعدودة، والوقائع متجددة وممدودة، وما أحسنَ كلمةَ ابن تيمية ﵏: "لابد أن يكون مع الإنسان أصول كلية يَرُدُّ إليها الجزئيات، ليتكلم بعلمٍ وعدلٍ، ثم يعرف الجزئياتِ كيف وقعتْ، وإلا فيبقى في كذبٍ وجهلٍ في الجزئيات، وجهلٍ وظلمٍ في الكليات فيتولَّدُ فسادٌ عظيم" (١). وما أحسنَ قولَ ابن القيم ﵀: "الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَمِ ومصالحِ العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها،

стр. 127

ورحمة كلها، ومصالحُ كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدِّها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإنْ أُدخلتْ فيها بالتأويل" (١). فلا يصلح بحال عند استنباط الأحكام أن تنفصل عن غاياتها، وأن تنفكَّ عن مقاصدها، أو منافعها، أو مصالحها، وكلُّ أَمْرٍ تقاعدَ عن تحصيل مقصوده فهو رَدٌّ، وتكاليف الشريعة راجعة إلى تحقيق مقاصدها في الخلق ولا بُدَّ. وإنما يضيع الدين بين جامدٍ وجاحدٍ؛ ذاك يُنَفِّرُ الناسَ بجموده، والآخَرُ يُضِلُّهم بجحوده! ومرةً أخرى لا بُدَّ من تفريقٍ بين الأصلي والفرعي، والقطعي والظني، والمحكم والمتشابه، في محاولة جادة لمنع غلوٍّ في متشابهٍ ظنيٍّ، أو تفريط في محكم قطعيٍّ، أو ممارسة للاجتهاد من غير أهله أو في غير محلِّهِ!

стр. 128

المبحث السادس عشر الجنوح نحو التشديد والتعسير فالخطاب السلفي قد يَضِيقُ -أحيانًا- بالحريات الفردية والجماعية، ويعمل على تضييقها، أو مصادرتها بالكلية، ولو تأملوا لرأوا الإِسلامَ يزدهر حيث تزدهر الحرية، وتتقلص الدعوة في ظل الاستبداد واستشراءِ الفساد، ولقد كانت مواقفُ كثيرين من مسائلَ معاصرةٍ جنحت إلى التشديد أو المنع، مع ما فيها من المصالح التي تربو على مفاسدها عند التأمل المنصف! كما يجنحُ بعضُ السلفيين إلى تنزيل المستحب منزلةَ الواجب، وفي هذا توسُّعٌ في إيجاب الواجبات، وقد يصحبه تضييقٌ في إباحة المباحات، أو توسيع لدائرة المحرمات، وربَّما ترافق مع هذا غلوٌّ في الاختيارات الفقهية الفروعية الاجتهادية، فنُزِّلَتْ منزلةَ الثوابت والقطعيات، وتحوَّلَتْ الاجتهاداتُ إلى مناهجَ تُنسب إلى السلف والسلفية معًا!! وربما صار الخطابُ الخاصُّ أو الداخليُّ هو الرؤيةَ التي يُطْرَحُ من خلالها الدِّينُ بأَسْرِهِ، ويُدْعَى إليها الخلق بجملتهم، إن طريق السلف وطريقتهم منقولة بالتواتر حينًا وبالإجماع حينًا آخر، أما ما وقع فيه الاختلاف بينهم سائغًا ومبرَّرًا فلا مجال عندئذٍ إلى أخذِ اختيارٍ أو رأيٍ وتحويلِهِ إلى منهجٍ! فلا يوجد ما يدعو -إذنْ- للمصادر على بعض أقوالِهِم، أو احتكارِهَا، أو إطلاقِهَا شعارًا للمنهج السلفي.

стр. 129

ومن التشديد في الدعوة: محاولةُ إلزام الناس بالمثال، وطلب الكمال، والإنكار البالغ عند ترك نافلةٍ، أو ارتكاب ما لا يحرم، ومن التشدد التعصبُ للرأي أو المذهب، أو الجماعة أو الحزب، ومحاولة صَكِّ الناس في قالب واحد، أو صَبِّهم في منحًى عمليٍّ محدد. ثم تأتي دعاوَى عريضةٌ، ربما صدرت بها كتبٌ جماهيرية في حسمِ الخلافات الفقهية، أو اتِّباعِ الأدلة المُرْضية، وهي صادرة عن شخصيات سلفية، فإذا بها تَنْحَى منحَىَ الإعناتِ بدءًا من عنوانها، وانتهاءً بمضمونها! وقد يرتدي التشديد ثوبًا عقديًّا؛ فيُبدَّعُ من الأقوال أو الأفعال ما ليس ببدعة أصلاً، وقد يرتدي ثوبًا أصوليًّا؛ فَيُتَّخَذُ من سدِّ الذرائع منهجًا في الفتيا الحاظرة، ويُهْمَلُ فتحُ الذرائعِ! أو يُغَلَّبُ جانبُ الأخذِ بالأعنتِ؛ ظنًّا أنه الأحوط! وقد يرتدي ثوبًا فقهيًّا، وآخَرَ دعويًّا ... وهكذا. ولعل التشديدَ هو الاجتهادُ الأسهلُ، وليس الأفضلَ؛ إذ التشديد يُحْسِنُهُ كلُّ أحد! وإنما العلم الرخصة من ثقة، كما قال سفيان الثوري ﵀ (١).

стр. 130

والذي يبدو جليًّا للمراقب أن الخطاب السلفيَّ المعاصِرَ يُحاول -في مطلع الألفية الجديدة- إنتاجَ نفسِهِ مجدَّدًا من خلال مواقفَ مفصَّلَةٍ حولَ قضايا كان التعاملُ معها جُمليًّا، كالتفريقِ بين آلياتِ الديمقراطية، وفلسفَتِهَا العلمانية، وضبط الموقفِ من الليبرالية بعد تحديد مستوياتها بدقة، والموقف من الأنشطة السياسية البرلمانية، وغير البرلمانية، والتمييزِ بين البدع ومراتِبِهَا، وتفاوُتِ معاملة أهلِهَا بتفاوتِ مراتِبِهِمْ، كما انضبط لدى الكثيرين الموقفُ من العمل الجماعي، ولم يَعُدِ التبديعُ هو الحكم المرفوع في وجهه، ووقع تسامُحٌ ظاهرٌ في الموقف من التصوير الفوتوغرافي، وغدا هناك تفريقٌ بين ما يَحِلُّ منه وما يَحْرُمُ، ورُصد شيءٌ من تجنبِ الاستفزازِ في الخطاب الدعوي، وتفريقٌ بين واقع الاستضعاف، وواقع الاستخلاف، وقبولٌ بالتعدُّدية الدعوية السلفية، وغير السلفية!

стр. 131

المبحث السابع عشر غلبة خطاب الترهيب على الترغيب كان الغالب في السبعينيات على خطاب الوعظ السلفي هو التخويف الترهيب الشديد، وربما حمل على ذلك حالةُ الأمة من غلبة الغفلة، وانتشارُ الجهالة والبدعة، وتسلُّلُ الخرافة إلى العقول والأفئدة، وانتشرت في تلك الآونة -حول النار ونكالِها، وعن القيامة وأهوالِها، وعن القبور وعذابِها- كتبٌ وخطبٌ ومحاضراتٌ، وصار لونًا غالبًا على الخطاب السلفي بتجلِّياته المختلفة، وقد أثْمَرَ هذا الخطابُ في إقامةِ تلك الجموعِ، وإحداثِ صحوةٍ بين الشباب الجموح! إلا أن هذا الخطابَ سرعانَ ما انتُقِدَ من المراقبين تارةً، ومن الناقمين تارةً أخرى، وقد تعرَّضتْ رموز سلفية لحملات إعلامية صحفية جائرةٍ، وظالمة ومتهكمة!! لا سيما مع ارتفاع وتيرة المطالبة بإصلاح الخطاب المديني، وتجديد الطرح الإسلامي. ولا شكَّ أن للتبشير والترغيب مجالَهُ، كما أن للترهيب والتخويف مجالَهُ، وقد صار الخطاب السلفي في التسعينيات أكثرَ تنوُّعًا وتوازُنًا بين بناءِ الإيمان, وإحياءِ الرَّبَّانية والتعليم والتربية، مع الترغيب والبشارة، والترهيب والنذارة.

стр. 132

المبحث الثامن عشر تفاقم الانقسام السلفي السلفيون أصحاب دعوة عريضة للوحدةِ والاجتماع، والألفة والاتفاق، ومع هذا فإن التفرُّقَ والانقسام على أشُدِّهِ بين المجموعات السلفية المتفقة أصوليًّا وعقديًّا المختلفة جزئيًّا واجتهاديًّا! ويُعْتبَرُ نفيُ السلفية عن الآخرين، والغلوُّ في النظرة إلى الطائفة، أو المجموعة المتحزِّبة، من أظهر هذه الأسباب والمظاهر التي تدل على هذه السلبية، وتشير إليها. وينضاف إلى ذلك تعصُّبٌ للرأي تارةً، وإعجابٌ به أخرى، مع حُبِّ الظهور الذي يَقْصِمُ الظهورَ أحيانًا ثالثة! ويَشْتَدُّ الأمرُ إذا صَاحَبَ هذه الحالةَ سوءُ ظنٍّ بالآخَرِ (السلفيِّ)، أو إلقاءٌ للتهم جزافًا، ورفعٌ لسيف التبديع، وشهرٌ لسلاح التفسيق والتجريح، تحت دعوى النصيحة، أو استعلانًا بالتشهير والفضيحة! فإذا قَلَّ حظُّ الخائضين في هذه الشئون من العلم، والحلم، والتثبت في النقل، انقلبت الأمورُ إلى فوضى تُغْرِي بالانفراد، وتحثُّ على الاعتزال داخل البيت السلفيِّ، طلبًا للبراءة، واغتنامًا للسلامة.

стр. 133

ومن أسباب ومظاهر هذا الانفلات والانقسام: اختلافُ وجهاتِ النظرِ حول النوازلِ والمستجدَّاتِ، والمبادراتِ ذات الطابع السياسي في واقعنا المعاصر، وهذا قد يرجع إلى تحقيق المناطاتِ للأحكام في الواقعِ، والعقولُ في إدراكها متفاوتةٌ، والمرجعياتُ العلمية العامة التي يتوحَّدُ عليها التيار قد تكون في هذه المواضع غائبةً. وللتقنيات والوسائل الإعلامية الحديثة اليومَ عملُهَا في زيادةِ الترويجِ لشائعةٍ عبرَ صفحاتٍ إلكترونية، ومواقعَ حواريةٍ، وقنواتٍ فضائيةٍ، بحيث غَدَا التمييزُ بين الصحيح والفاسد، والصدق والكذب أمرًا عسيرًا على المدقِّقِ فضلاً عن غيره. وهذا -بأسره- أضعفَ روحَ المبادرة لجمعِ الكلمةِ، ووحدةِ الرَّايةِ، والتوافُقِ العامِّ، وأزكى روحَ الانفرادِ والانقسام، وأضعفَ القدرةَ على التآلُفِ والاجتماع داخل التيار الواحد، إلا أن الظروف اليوم مواتيةٌ جدًّا -بإذن الله تعالى- للوحدة والائتلاف، ونبذِ الفُرْقَةِ والاختلاف، وتصافحِ الأيدي، واجتماع القلوب من كل حدبٍ سلفيٍّ وصوبٍ.

стр. 134

المبحث التاسع عشر ضعف الخطاب السلفي الإعلامي الفضائي دلف السلفيون إلى الفضائيات مشاركينَ في برامجَ لبعض القنوات الفضائية العامة، فكان من نتائج ذلك: تحوُّلُ القنواتِ إلى الوجهة الإِسلامية. ثم أُنشئَتْ -بعد ذلك- قنواتٌ إسلامية خالصة، وقد أنهتْ هذه التجربةُ الناشئةُ اليوم عقدَهَا الأول، ومن حقِّها أن تُدعَمَ برأي ناصح ونقدٍ بنَّاءٍ، وغنيٌّ عن البيان أن هذه القنوات التي غلب عليها جانبُ التوجُّهِ السلفي قد قامتْ بجهدٍ مشكور، وعملٍ صالح مبرور، وهذا أمرٌ لا يمنعُ المراجعةَ، بل يؤكِّدُ واجبَ المناصحة. والذي يبدو جليًّا أن الرؤية الاستراتيجية والتخطيطية لهذه القنوات تَفْتَقِرُ إلى الوضوح والانضباط، وأن مَنْ عُنِيَ بتدوينها في البدايات لم يتقيد بها عندما تشعَّبَتْ به المساراتُ، وتعدَّدَتْ أمامه الاختياراتُ، أو زادت عليه الضغوطات، وهذا بدوره أحدثَ خُروقاتٍ منهجيَّةً، وأضعفَ أثَرَهَا، وقلَّلَ من قيمتها، فلا ينبغي أن يغيب عن أرباب هذا الخطابِ الإِسلاميِّ أن هذه القنوات وسيلةٌ لاستعادة المبادرةِ الحضاريةِ، والريادة العالمية للأمة الإسلامية، وأن رؤيةَ القناة السلفية تنطلق من عقيدة الإسلامِ قلبًا وقالبًا، وأن رسالتها منضبطةٌ بتحقيق العبودية، متجَنِّبَةٌ لكل مظاهر العبثية، ولو كان ذلك في الترويج أو الترفيه! فلا بد من تبصيرٍ بعالمية الإسلام،

стр. 135

وصلاحيةِ شريعَتِهِ لكل زمان ومكان، وأصالَةِ واجبِ المسلمين في هذه الحياة، وإذكاءِ روحِ المبادرة الإيجابية، والعزَّةِ الإيمانية، والعملِ على ترميم الواقع الثقافي والأخلاقي للأمة، وتوثيقِ أواصرِ المودةِ والرحمة بين المسلمين جميعًا، وتبني قضايا الأمة، وخاصة في بلاد الأقليات، ومناطق الصراع. وبناءً على خطوط الرؤية والرسالة تُعَدُّ تلك البرامجُ، وتُتَّخَذُ تلك الوسائلُ التي تنضبط بضوابط الشرعِ المطهَّرِ، حيث لا تنفصل الوسيلةُ عن الغاية، ولا تَقْبَلُ الثوابتُ الشرعية مساومةً منهجية، أو انحرافًا في باب الوسائل والأساليب الإعلامية. ومما يُرْصَدُ في هذا الباب: ضعف البرامج الفضائية، من حيث المضمون، وهشاشة المحتوى، وسطحية الطرح، علاوةً على تهميشِ قضايا مهمةٍ، مثل الولاءِ والبراءِ، ومفهومِ الاحتسابِ، وبناءِ مرجعيةِ الشريعةِ، وتعظيمِهَا في النفوس والمجتمعات. كما رُصِدَ في بعض القنوات السلفية: تحوُّلٌ في أساليب ووسائل وأدوات العمل الإعلامي، فَمِنْ رفضٍ لفكرة (الدراما) إلى اعتمادِهَا في البرامج، ومن رفضٍ لفكرة الإعلامِ المختلطِ إلى تطبيقه، ومن استبعادٍ للموسيقى إلى إشراكٍ لها, لكنَّ الأخطرَ من هذا نسبةُ هذه التحولات إلى صحيح الدين!

стр. 136

ومن السلبيات المؤسفة: الاهتمامُ بصناعةِ النجوم بدلاً من صناعة الأمة! فلقد عُنِيَتْ بعضُ الفضائيات بإخراج الأحداث الشخصيَّةِ لشيخٍ أو داعية، بدلاً من إخراج الإنسان المسلم والأمة المسلمة، وكم هو مؤسفٌ أن يبحثَ بعضُ الدعاة عن كيف تَصنع منه الفضائياتُ نجمًا، عوضًا عن أن يَبحثَ هو عن كيف يخرج من ورطاتِ الشهرة، وحُبِّ قيامِ الجاه في قلوب الخلق! وقد يُرْصَدُ تأرْجُحٌ إعلاميٌّ بين الجوانب الرسالية في خطاب تلك القنوات الفضائية، وبين أغراضٍ أخرى، فتارةً تأتي الإعلاناتُ التجارية بطريقة مبتذلة في فاصلٍ إعلاني لبرامجَ شرعيَّةٍ، وتارةً يُسَوَّقُ الغِشُّ والكذبُ من خلالِ بعض تلك الدعايات، وتارةً تتنوع الإشكالات في الأشرطة التحتية، ومن خلال الرسائل القصيرة، وهو أمرٌ يُوجبُ رقابةً أمينةً على هذه الوسائلِ. وقد تَلْجَأ بعض هذه القنواتِ لفتح بابِ التبرعات، وطلب أموال الزكاة والصدقات، ثم يُكتشف أن الأمر قد ينطوي على مخالفات تبلغ حد الانحرافات! وربما جاء التأرْجُحُ بين الرسالة والإثارة في أعمال فضائية، فلربما تأثَّرت قناةٌ بثقافة الرأي والرأي الآخر، لدرجةٍ وصلت إلى المساس بثوابتِ الدِّينِ ومُسَلَّمَاتِ العقيدة، ولربما أُقيمت برامجُ حواريةٌ خُذِلَ فيها الحقُّ بضعفِ حجةِ صاحبِهِ وعجزِهِ، وتسلُّطِ المذيعِ وجهلِهِ، وتَجَرُّؤِ المُبْطِلِ وجَلَدِهِ، بحيثُ تلتبِسُ على

стр. 137

المستمعين الدُّروبُ، ويكفي أن يُسْتَفْتَى المشاهدونَ في قضية من القضايا الأصولية لتتزلزلَ في حسِّ البعضِ. وأحيانًا يكون التأرجُحُ بين الرسالةِ وأهواءِ الساسةِ فتتحوَّلُ القناةُ الدينية إلى تحقيقِ مصالحَ سياسيةٍ، بعيدًا عن الأهدافِ الرساليةِ. وأحيانًا يكون التأرجُحُ بين الرسالةِ والترفيهِ، فَتُنْسَى الضوابطُ، وتنحَدِرُ المعاني، وتَهبِطُ الممارساتُ، ويَظهرُ الإسفافُ، ويتحول الترفيهُ المشروعُ إلى لغوٍ ممنوعٍ. ولا شك أن التوصياتِ والتنبيهاتِ كثيرةٌ، وسيبقى -بإذن الله- الإعلامُ الإِسلاميُّ عامَّةً والسلفيُّ خاصَّةً جهادَ دعوةٍ، ومنبرَ تعليمٍ، ومنتدى تثقيفٍ، ومركزَ تنميةٍ وتدريبٍ، وحائطَ صدٍّ رساليٍّ.

стр. 138

المبحث العشرون أخطاء إدارية منهجية لن تسلم دعوة أو حركة بشرية من الخطأ، بوصفها جهدًا بشريًّا غيرَ معصوم، والوقوع في الخطأ بحدِّ ذاته لا يمثل مشكلة، وإنما المشكلة في عدم رؤيته، أو عدم الاعتراف به، أو تَرْكِ تصحيحه, وقد وقعت أخطاء عديدة أثناء الممارسات الدعوية، والمناشط التربوية، وهي أخطاء جماعية، تنسب إلى التوجهات بجملتها, وليس إلى الأفراد بخصوصهم، وإذا كانت المعاصي الفردية تقف حائلاً دون تَنَزُّلِ النصر، فإن الأخطاء الجماعية لن تَقِلَّ في آثارها وشؤمِ عاقبتها عن الأخطاء الفردية! وهذه بعضُ أمثلةٍ لأخطاء إدارية منهجية، وقعت من بعض التجمعات الدعوية السلفية في عدة دول. من بين تلك الأخطاء الإدارية المنهجية: تضخيمُ بعض رموزها، والغلوُّ في تَقَبُّلِ كلِّ ما يَرِدُ منها، وتركِ مناقشتها أو محاورتها، أو الإنكار عليها عند الاقتضاء، مما أوهن حقَّ التداولِ العلميِّ الرصين بالحجة والبرهان، والتشاورِ في القضايا والنوازل، وتقديمِ ممارسةٍ صحيحةٍ لنقاءِ المنهجِ وواقعيَّتِهِ؛ إذ

стр. 139

ينبغي أَلَّا يحابيَ حاملوه في الحقِّ أحدًا, ولو كان مَنْ تجافى عن الحق رمزًا من رموزهم، ولعل تلك الممارسة لو وُجدت مبكرًا لحمَتْ هذا الرمزَ أو ذاك من تقلُّبٍ أو انفلاتٍ أو تحوُّلٍ من الضدِّ إلى الضدِّ، وقد وقع هذا مع الأسف!! ولما جمعتْ بعضُ تلك الرموزِ بين القيادة العلمية والتنفيذية، أو بين رسمِ السياسات، وتنفيذ القرارات، وقع تراجعٌ ملحوظٌ في الأمرين معًا، وتقصيرٌ منهجي إداري متزامِنٌ؛ فنشأ عن ذلك فراغٌ قياديٌّ على المستوى العلمي بشكلٍ أظهرَ؛ وذلك نظرًا للانشغال بالشأن التنفيذي الإداري. وأما من تفرَّغ للشأن العلميِّ من قيادات الجيل الأول فقد وُجدَتْ بينه وبين رجالات الجيل الثاني فجوةٌ عملية، ومع امتداد الزمان اتَّسَعَ الخرقُ على الراقعِ، فانفرد بعض رموز الجيل الثاني -من القيادات العملية- بالدعوة بعيدًا عن آراءِ ومشورةِ الجيلِ الأولِ! ومع الأحداث العالمية الكبرى التي بدأت في سبتمبر ٢٠٠١ م وانتهاءً بالثورات العربية في ٢٠١١ م صعُبَ على كثير من القيادات السلفية استيعابُ المستجدَّاتِ، وتعرَّضَ أصحاب منهجِ التغيير التربويِّ والدعوي مع مشروعهم للمحكِّ العمليِّ؛ فَحَدَثَ ارتباكٌ ظاهر وتخلخُلٌ واضحٌ، وهو نتيجة حتمية للاختلالات الإدارية، والأخطاء المنهجية، ومع إصرارِ بعضِ القيادات القاصرة على الخوض في الشأن العام، والجمع بين ألقاب رجل الدعوة، والدولة، والحسبة معًا! تفاقمت أخطارٌ، وتعاظمت

стр. 140

مخالفات؛ إذ قضايا الدولة والشأن العام تحتاج إلى دُرْبَةٍ وخبرةٍ وقدرةٍ، وكفاءاتٍ مؤهَّلَةٍ لخوض هذا الغمار، على أنه قد يُحسَبُ للبعضِ اعتزالُهُ هذا الشأنَ الذي قد لا يُحسنه، فلم يكن هذا الموقفُ لينتقص من مكانته، وإن وَصَمَ بعضُهُم هذا الموقفَ بأنه تكريسٌ وتضخيمٌ للمسئولية والتبعة الفردية، ونسيان للمسئولية الجماعية! ومن الإشكالات الإدارية المنهجية: صناعةُ المواهب، ثم تكبيلُهَا! وذلك أن الأجواءَ التربوية والعلمية تزخَرُ بإمكانيات قوية لا يُستفاد منها -غالبًا- بطاقتها الكاملة، وقد تأتي مواقفُ ومناسبات ما لم تستغلَّهَا الدعوات في إطلاق طاقات أبنائها فإنها سوف تخسرهم؛ ولهذا فإن الدعواتِ السلفيةَ التي وُفِّقَتْ لتوظيف أبنائها في النافع المفيد من المجالات في أوقات الثورات العربية المعاصرة قد استفادت من أخطاء غيرها، واستوعبت درسَهَا، فانطلقت إعلاميًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا موظِّفَةً لمواهبِ أبنائِهَا، في حينِ أن دعواتٍ سلفيةً أخرى -في مواقفَ متعددةٍ دون هذه الأحداث الكبرى- لم تسعَ إلى توسيع دائرة تأثيرِهَا بارتيادِ شبابِهَا لمجالات إيجابية كثيرة، في حين بقيَتْ غيرَ قادرةٍ على حسمِ موقفٍ من المشاركات السياسية، أو مراجعةِ الموقفِ من الأوضاع القانونية والإدارية بالمجتمع الدعويِّ، أو مواجهةِ التقصيرِ، واستعادَةِ ثقةِ الشبابِ والجماهير، أو التركيزِ على صناعة المؤسسات بدلاً من الرموز! وهكذا تتعدد الإشكالاتُ والأخطاء الإدارية المنهجية لتنتهي بالدعوة وأصحابها إلى أزمة تُقلِّلُ العطاءَ؛ بل قد تُهَدِّدُ

стр. 141

الفصل الرابع ............. أولويات الخطاب السلفي المعاصر

стр. 142

أولويات الخطاب السلفي المعاصر إنَّ إصلاحَ كلِّ خللٍ وقع في الخطاب السلفي المعاصر هو بذاتهِ أولويةٌ حاضرة، وواجب حالٌّ لا يحتمل تأجيلا، كما أن كل تطوير مطلوب، أو تجديد مشروع هو أيضًا أولويةٌ لا يمكن تجاهُلُهَا، أو التغافلُ عن القيام بها، والتحديات الضخمة التي تواجه الخطابَ السلفيَّ اليوم تَحمِلُهُ حملا على أن يعيد النظر في أولوياته، فيؤكد على ما يجب التزامه من ثوابته، ويرفع درجة الاهتمام بمعاقده، وأخيرًا فإن الواقع المعاصر - بخصائصه ومميزاته، بل وتعقيداته وسلبياته - له وظيفته في تنسيق وتنظيم أولويات الخطاب السلفيِّ المعاصر، وفيما يأتي محاولة للتأكيد على الثوابت والمنطلقات مع رعاية ما في الواقع المعاصر من متغيرات لها أثرها على هذه الأولوياتِ، وهذا ما سنعرض له في المباحث التالية:

стр. 143

المبحث الأول أولوية الرد إلى الأمر الأول مهما اجتهد الباحثون في إدراك الأولويات، وعرك المصلحون طريق التجارب والخبرات، وعانَى الدعاة في درب الإصلاح، وتنوعت بهم المسالك والاجتهادات - فسيبقى أن أَوْلَى الأولوياتِ، ورأسَ المهماتِ، وبدايةَ المنطلقات هي الردُّ إلى الأمر الأوَّلِ؛ ذلك أنه لن يُصلح آخِرَ هذه الأمة إلاَّ ما أصلح أولَهَا (١)، وما لم يكن يومئذٍ دينًا فلن يكون اليوم دينًا (٢). فالأمر الأول "ما أذا عليه اليومَ وأصحابي" (٣)، فلزومُ سبيلِ الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ، هو منهج النجاة، وسبيل الفلاح، وطريق النجاح، و"إذا كانت سعادة الدنيا والآخرة هي باتِّبَاعِ المرسلين، فمن المعلوم أن أَحَقَّ الناس بذلك هم: أَعْلَمُهُم بآثار المرسلين، وأَتْبَعُهُم لذلك، فالعالمون بأقوالهم وأفعالهم المتبعون لها هم أهل السعادة في كل زمان ومكان، وهم الطائفة الناجية من كل ملَّةٍ، وهم أهل السنة والحديث من هذه الأمة" (٤)؛ "فطوبَى للغرباء" (٥)، الذين يستمسكون بالهدي الأول، ويتبعون

стр. 144

الرعيلَ الأول، ويرابطون على المنهج بعد تحريرِهِ وتنقيحِهِ، والتفريقِ بين وسائله وغاياته، وبرامجه وأهدافه، فيستمسكون بالغايات والأهداف والثوابت، وينضبطون في الوسائل والبرامج، ولا شكَّ أن الثباتَ الدعويَّ المنهجيَّ خصيصةٌ يجب حفظُها، وأولوية لا يجوز الإخلالُ بها, لا لممارسةٍ سياسيةٍ، ولا لمسألةٍ مصلحيةٍ. وقد تجد الدعواتُ والاتجاهات السلفية المعاصرة نفسَهَا اليومَ بحاجةٍ ماسَّةٍ إلى وضعِ رُؤًى واضحةٍ، تحكم المواقفَ، وتضبطُ العلاقاتِ، وهي رُؤًى تقوم على أصولها الشرعية، قبل المواقف والمناورات السياسية، ومن الخير: إحكامُ هذه الرؤى، وإعجام عُوْدِهَا -من مثل: "الموقف من الغرب بفئاته المختلفة، والأقليات داخل الديار الإسلامية، والأنظمة العربية والإقليمية"- وذلك قبل الولوج إلى المعتركات العامة، وكما لا يَصلحُ أن تُسْتَعْدَى القوى المخالفةُ كافَّةً، ولا أن تُسْتَدْعَى لمنازلاتٍ يمكن تأجيلُهَا، فكذلك لا تَصلح المواقفُ المتميِّعَةُ، ولا الرُّؤَى الغائمةُ، وما من شكٍّ أن حربًا فكريَّةً أيديولوجية غربية أمريكية قامت، ولسوف تجعل السلفيين في بؤرتها، وسوف يخوضها نيابةً عن الغرب وكلاءُ رسميُّون، بأسماء متعددة، وأشكال متنوعة!

стр. 145

المبحث الثاني أولوية إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد إذا كانت الأولوية الأول هي الرَّد إلى الأمر الأول؛ فإن أَوَّلَ الأمرِ، ورأسَ العملِ هو إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وهذا قَبْلَ كلِّ أولوية؛ فأوَّلُ المأمورات وأولاها بالدعوة: توحيد الله تعالى، وأول المنهيات وأولاها بالإنكار: الشرك بالله. فَخَوْضُ المعركة العقدية في الإصلاح والتأثير مقدَّمٌ على خوض المعركة العسكرية في القتال والتغيير، فضلًا عن المعارك السياسية أو غيرها، فلا يجاهَدُ أهلُ الشرك والطغيان باليد والسنان، إلاَّ بعد جهادِهِم بالدعوة والحجة والبرهان. والأولويةُ للقضايا الكبار أمرًا ونهيًا، قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢]، وقد قال ﷺ : "قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا" (١)، وقال ﷺ : "إنه لن
следующие страницы →