Полный текст (185 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
فتحُ المعبود فِي الرَّد على ابْن مَحْمُود
تأليف
الشَّيْخ حمود بن عبد اللهِ التويجري الْمُتَوفَّى ١٤١٣ هـ
مطبعة الْمَدِينَة
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم
للشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
فقد اطلعت على ما كتبه أخونا العلامة فضيلة الشيخ حمود بن عبد الله التويجري وفقه الله من التعقيب على ما كتبه فضيلة الشيخ عبد الله بن زيد بن محمود في الإيمان بالقدر وفي بيان الفرق بين الرسول والنبي وأنه ليس كل نبي رسولا، وفي الذب عن أبي ذر ﵁، وفي الفرق بين الإسلام والإيمان فألفيته قد أجاد وأفاد وأوضح الأخطاء التي وقع فيها فضيلة الشيخ عبد الله المذكور بالأدلة الواضحة من الكتاب والسنة.
ومن ذلك خطأه في تأويل كتابة القدر بأنها نفس العلم. والصواب أنها غير العلم بل مرتبة ثانية بعد العلم، ومن ذلك زعمه أن كل نبي رسول, والصواب ما أوضحه فضيلة الشيخ حمود من الفرق بينهما بالأدلة الصحيحة الصريحة من الكتاب
стр. 3
والسنة. وهو أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولا كما يتضح ذلك جليا لكل من راجع الأدلة التي أوضحها الشيخ حمود المذكور وبينها أهل العلم قبله، وهكذا ما أوضحه فضيلة الشيخ حمود من الفرق بين الإسلام والإيمان عند الاقتران وأنه ليس كل مسلم مؤمنا على الكمال؛ بل كل مؤمن مسلم ولا ينعكس للأدلة التي أوضحها فضيلته وبسطها قبله أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ ابن كثير والحافظ ابن رجب وغيرهم.
فجزاه الله خيرا وشكر له سعيه وأجزل مثوبته.
كما نسأله سبحانه أن يوفق أخانا فضيلة الشيخ عبد الله بن زيد لمراجعة الحق فإن ذلك خير من التمادي في الخطأ وكل إنسان يخطئ ويصيب إلا الرسل عليهم الصلاة والسلام فقد عصمهم الله من الخطأ فيما يبلغونه عنه من الرسالات ومن نبل العالم وفضله أن يرجع إلى الحق متى نُبه على خطئه.
والله أسأل أن يوفقنا جميعا للفقه في الدين والثبات عليه وأن يعيذنا جميعا من مضلات الفتن وأن يرينا الحق حقا ويرزقنا ابتاعه ويرينا الباطل باطلا ويمن علينا باجتنابه, إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه ...
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الرئيس العام
لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم
للشيخ عبد الله بن محمد بن حميد
رئيس مجلس القضاء الأعلى
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن والاه. وبعد:
فقد قرأ عليَّ فضيلة الشيخ حمود بن عبد الله التويجري مؤلفه القيم الذي سماه (فتح المعبود في الرد على ابن محمود).
أجاد فيه وأفاد وأوضح فيه مذهب أهل السنة والجماعة في القضاء والقدر وما عليه المحققون من الفرق بين الإيمان والإسلام وبين النبي والرسول بالبراهين الواضحة، وبين غلط الشيخ ابن محمود في القضاء والقدر حيث زعم ابن محمود أن الكتابة في قوله ﷺ : إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض, هي عبارة عن العلم القائم بذات الله وهو معنى قول أحدنا قدر الله وما شاء فعل وهذا خطأ بين فإن كتابة الشيء غير سابق علم الله فقد جاءت الأحاديث الكثيرة بأن أول ما خلق الله القلم ف له: أكتب فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة. ولم يقل أحد من أهل السنة فيما علمت أن كتابة المقادير هي العلم القائم بذاته ، فعلى هذا لا معنى لقوله ﷺ : «إن الله كتب مقادير الخلائق
стр. 5
قبل أن يخلق السموات والأرض ...» الحديث لكونه فسر الكتابة بسابق علم الله, ولا يخفى فساد هذا.
قال ابن القيم ما معناه مراتب القضاء والقدر أربع مراتب:
الأولى: علم الرب سبحانه بالأشياء قبل كونها.
الثانية: كتابة ذلك عنده في الأزل قبل خلق السموات والأرض.
الثالثة: مشيئة المتناولة لكل موجود, فلا خروج لكائن كما لا خروج له عن علمه.
الرابعة: خلقه لها, وإيجاده وتكوينه؛ فالله خالق كل شيء وما سواه مخلوق.
ثانيا: زعم ابن محمود أن القدر هو خلقه للأشياء بنظام واتقان ثابت لا يتغير بتغير الزمان كل شيء بحسبه, وهذا مخالف لما في الأحاديث الصحيحة.
فتقدير الله للأشياء هو علمه بمقاديرها وأحوالها وأزمانها قبل إيجادها ثم أوجد منها ما سبق في علمه أنه يوجده على نحو ما سبق في علمه, فلا محدث في العالم العلوي والسفلي إلا هو صادر عن علمه تعالى وقدرته وإرادته هذا هو المعلوم من دين السلف الماضين الذين دلت عليه البراهين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: مذهب أهل السنة في هذا الباب وغيره ما دل عليه الكتاب والسنة, وما عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان, وهو أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه, وقد دخل في ذلك جميع الأعيان القائمة بأنفسها وصفاتها القائمة بها من أفعال العباد وغير أفعال العباد, وأنه سبحانه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن, فلا يكون في الوجود شيء إلا بمشيئته وقدرته لا يمتنع
стр. 6
عليه شيء شاءه, بل هو قادر على كل شيء, ولا يشاء شيئا إلا وهو قادر عليه, وأنه سبحانه يعلم ما كان, وما يكون, وما لم يكون لو كان كيف يكون, فقد دخل في ذلك أفعال العباد وغيرها, وقد قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم, قدر أرزاقهم وآجالهم وأعمالهم, وكتب ذلك, وكتب ما يصيرون إليه من سعادة وشقاوة, فهم يؤمنون بخلقه لكل شيء وقدرته على كل شيء ومشيئته لكل ما كان وعلمه بالأشياء قبل أن تكون وتقديره لها وكتابته إياها قبل أن تكون.
ولابن محمود عدة أخطاء في رسالته المردود عليها التي سماها الإيمان بالقضاء والقدر على طريقة أهل السنة والأثر كما أشار إلى ذلك الشيخ حمود جزاه الله خيرا, وبارك فيه وفي علومه.
والذي نحبه لأخينا الشيخ ابن محمود أن تكون كتاباته معالجة لمشاكل العصر. والرد على فرق الضلال المنتشرة في كل مكان؛ كالماسونية والبهائية والشيوعية وأمثالها.
وتحذير المسلمين من هذه الموجة الإلحادية التي طار شررها, وعظم خطرها دون الكتابة في الفرق بين النبي والرسول وأمثال ذلك.
نسأل الله للجميع الهداية والتوفيق.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه, وسلم ..
رئيس مجلس القضاء الأعلى
عبد الله بن محمد بن حميد.
стр. 7
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيراً.
أما بعد: فقد اطلعت على رسالتين للشيخ عبد الله بن زيد بن محمود رئيس المحاكم القطرية، سمى إحداهما (الإيمان بالقضاء والقدر على طريقة أهل السنة والأثر)، وسمى الأخرى (إتحاف الأحفياء برسالة الأنبياء) وقد رأيت في هاتين الرسالتين عدة مواضع أخطأ فيها فرأيت من الواجب التنبيه عليها لعل الله يمن على الكاتب بالرجوع إلى الصواب فإن الرجوع إلى الصواب نبل وفضيلة، كما أن التعصب للأخطاء نقص ورذيلة.
وقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قام على المنبر فنهى الناس عن المغالاة في مهور النساء فقامت امرأة فعارضته واحتجت عليه بآية من القرآن فرجع إلى قولها, وقال وهو على المنبر: «إن امرأة خاصمت عمر فخصمته» رواه ابن المنذر بإسناد حسن، ورواه الزبير بن بكار وقال فيه: فقال عمر ﵁: «امرأة أصابت ورجل أخطأ» ورواه أبو يعلى الموصلي وقال فيه فقال: «اللهم غفرا كل الناس أفقه من عمر» قال ابن كثير: إسناده جيد قوي.
стр. 8
ولم ينقص اعتراف عمر ﵁ بالخطأ على رءوس الملأ من قدره بل زاده ذلك شرفا ورفعة. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة وابن حبان في صحيحة والحاكم في مستدركه من حديث حذيفة بن اليمان ﵄ وقال الترمذي: هذا حديث حسن وصححه الحاكم ووافقه الذهبي على تصحيحه.
وروى ابن عبد البر في كتاب (جامع بيان العلم وفضله) عن محمد بن كعب القرظي قال: سأل رجل عليا ﵁ عن مسألة فقال فيها، فقال: ليس كذلك يا أمير المؤمنين، ولكن كذا وكذا، فقال علي ﵁: أصبتَ وأخطأتُ ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾.
قال ابن عبد البر: وروى سفيان بن عيينة عن ابن أبي حسين قال: اختلف ابن عباس وزيد في الحائض تنفر, فقال زيد: لا تنفر حتى يكون آخر عهدها الطواف بالبيت, فقال ابن عباس: سل نسياتك أم سليمان وصويحباتها، فذهب زيد فسألهن ثم جاء وهو يضحك، فقال: القول ما قلت.
وروى ابن عبد البر أيضا عن عبد الرحمن بن مهدي قال: ذاكرت عبيد الله بن الحسن القاضي بحديث وهو يومئذ قاص فخالفني فيه فدخلت عليه وعنده الناس سماطين, فقال لي ذلك الحديث كما قلت أنت وأرجع أنا صاغرا.
قال ابن عبد البر وأخبرني غير واحد عن أبي محمد قاسم بن أصبغ قال لما رحلت إلى المشرق نزلت القيروان فأخذت على بكر بن حماد حديث مسدد، ثم رحلت إلى بغداد ولقيت الناس فلما انصرفت عدت إليه لتمام حديث مسدد فقرأت عليه فيه يوما حديث النبي ﷺ أنه قدم قوم من مضر
стр. 9
مجتابي النمار فقال لي: إنما هو مجتابي الثمار، فقلت له: إنما هو مجتابي النمار هكذا قرأته على كل من قرأته عليه بالأندلس وبالعراق فقال لي: بدخولك العراق تعارضنا وتفخر علينا أو نحو هذا، ثم قال لي: قم بنا إلى ذلك الشيخ، لشيخ كان بالمسجد فإن له بمثل هذا علما فقمنا إليه وسألناه عن ذلك فقال: إنما هو مجتابي النمار كما قلت، وهم قوم كانوا يلبسون الثياب مشققة جيوبهم أمامهم، والنمار جمع نمرة، فقال بكر بن حماد وأخذ أنفه: رغم أنفي للحق، رغم أنفي للحق. وانصرف.
قال ابن عبد البر: وذكر الحسين بن أبي سعيد في كتابه (المعرب عن المغرب) قال: حدثنا عبد الله بن سعيد بن محمد الحداد عن أبيه قال: سمعت سحنون يقول: سمعت عبد الرحمن ابن القاسم قال لمالك: ما أعلم أحدا أعلم بالبيوع من أهل مصر فقال له مالك: وبم ذلك؟ قال: بك, قال: فأنا لا أعرف البيوع فكيف يعرفونها بي؟!
قال ابن عبد البر: وروينا عن الشعبي أنه قال: ما رأيت مثلي ما أشاء أن أرى أعلم مني إلا وجدته.
قال ابن عبد البر: من بركة العلم وآدابه؛ الإنصاف فيه ومن لم ينصف لم يفهم ولم يتفهم.
وقال أيضا: ومن أفضل آداب العالم تواضعه وترك الإعجاب بعلمه ونبذ حب الرياسة عنه، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة فتواضعوا يرفعكم الله». انتهى.
وقد ذكر الشيخ محمد بن يوسف الكافي التونسي في كتابه (المسائل الكافية) قصة عجيبة في التواضع والاعتراف بالخطأ على رءوس الملأ وبالفضل لمن حصل منه التنبيه على الخطأ, فقال ما نصه: (المسألة السابعة والخمسون) ينبغي
стр. 10
لأهل الفضل أن يقدروا قدر من له قدر ويعرفوا الفضل لأهله ولا يبخسوا الناس مقاماتهم ويترفعوا عليهم بالإفك والبهتان, انظر هذه المسألة وتأمل فيها تعرف الفرق بين أهل زماننا وبين من مضي زمنهم.
قال العلامة ابن العربي في أحكامه: أخبرني محمد بن قاسم العثماني غير مرة, قال: وصلت الفسطاط فجئت مجلس أبي الفضل الجوهري فكان مما قال أن النبي ﷺ طلق وظاهر وآلى, فلما خرج تبعته حتى بلغ منزله في جماعة فجلس معنا في الدهليز وعرفهم غيري فإنه رأى شارة الغربة فلما انفض عنه أكثرهم, قال لي: أراك غريبا, هل لك من كلام؟ قلت: نعم, قال لجلسائه: أفرجوا له عن كلامه, فقاموا فقلت له: حضرت المجلس متبركا بك وسمعتك تقول: آلى رسول الله ﷺ وصدقت وطلق وصدقت وظاهر ولم يكن ولا يصح أن يكون لأن الظهار منكر من القول وزور, وذلك لا يجوز أن يقع من النبي ﷺ فضمني إلى نفسه وقبَّل رأسي, وقال: أنا تائب من ذلك, جزاك الله من معلم خيراً، ثم انقلبت عنه وبكرت في الغد إليه فألفيته قد جلس على المنبر فلما دخلت الجامع ورآني ناداني بأعلى صوته مرحبا بمعلمي, أفسحوا لمعلمي, فتطاولت الأعناق إليَّ وتحدقت الأبصار نحوي - وتعرفني يا أبا بكر؟ يشير إلى عظيم حيائه فإنه كان إذا سلم عليه أحد أو فاجأه بكلام خجل وأحمر كأن وجهه طُلي بجلنار - قال: وتبادر الناس إلي يرفعونني على الأيدي ويتدافعونني حتى بلغت المنبر وأنا لعظيم الحياء لا أعلم في أي بقعة أنا والجامع غاص بأهله وأسال الحياء بدني عرقا وأقبل الشيخ على الخلق فقال لهم: أنا معلمكم, وهذا معلمي، لما كان بالأمس قلت لكم كذا وكذا فما كان أحد منكم فقه عني ولا رد علي فاتبعني إلى منزلي وقال لي: كذا وأعاد ما جرى بيني وبينه، وأنا تائب من قولي بالأمس راجع عنه
стр. 11
إلى الحق فمن سمعه ممن حضر فلا يعود إليه ومن غاب فليبلغه من حضر فجزاه الله خيرا وجعل يحتفل لي في الدعاء والخلق يؤمنون.
فانظروا رحمكم الله إلى هذا الدين المتين والاعتراف بالعلم لأهله على رءوس الملأ من رجل ظهرت رياسته واشتهرت نفاسته لغريب مجهول العين لا يعرف من هو؟ ولا من أين؟ واقتدوا به ترشدوا. انتهى.
وما أعظم الفرق بين ما فعله أبو الفضل الجوهري مع الرجل الذي نبهه على خطئه وبين ما يفعله بعض المنتسبين إلى العلم في زماننا، فإن بعضهم إذا نبهه بعض العلماء على أخطائه اشمأز وتحامل على الذي نبهه ورماه بالجهل والتعصب, وغير ذلك مما يرى أنه يشينه، ولا شك أن هذا من الكبر الذي قال فيه رسول الله ﷺ : «الكبر بطر الحق وغمط الناس» بطر الحق رده وغمط الناس احتقارهم.
ومن أعظم ما يبتلى به المرء إعجابه بنفسه وترفعه على أقرانه وبني جنسه، قال ابن عبد البر: وقال ابن عبدوس: كلما توقر العالم وارتفع كان العجب إليه أسرع إلا من عصمه الله بتوفيقه وطرح حب الرياسة عن نفسه.
وروى ابن عبد البر عن كعب أنه قال لرجل رآه يتتبع الأحاديث: اتق الله وارض بالدون من المجلس ولا تؤذ أحدا فإنه لو ملأ علمك ما بين السماء والأرض مع العجب ما زادك الله به إلا سفالا ونقصانا.
وروى ابن عبد البر أيضا عن عمر ﵁ أنه قال: «أخوف ما أخاف عليكم أن تهلكوا فيه ثلاث خلال: شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه».
стр. 12
وروى ابن عبد البر أيضا عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث مهلكات وثلاث منجيات، فأما المهلكات: فشح مطاع, وهوى متبع, وإعجاب المرء بنفسه، والثلاث المنجيات: تقوى الله في السر والعلانية ,وكلمة الحق في الرضا والسخط, والاقتصاد في الغنى والفقر».
قال ابن عبد البر: وقال إبراهيم بن الأشعث: سألت الفضيل بن عياض عن التواضع, فقال: أن تخضع للحق وتنقاد له ممن سمعته ولو كان أجهل الناس لزمك أن تقبله منه.
وروى ابن عبد البر أيضا عن مسروق أنه قال: كفى بالمرء علما أن يخشى الله, وكفى بالمرء جهلا أن يعجب بعلمه، قال أبو عمر: إنما أعرفه بعمله، قال: وقال أبو الدرداء: علامة الجهل ثلاث: العجب, وكثرة المنطق فيما لا يعنيه, وأن ينهي عن الشيء ويأتيه. وقالوا العجب يهدم المحاسن، وعن علي ﵁ أنه قال: الإعجاب آفة الألباب، وقال غيره: إعجاب المرء بنفسه دليل على ضعف عقله، ولقد أحسن علي بن ثابت حيث يقول:
المال آفته التبذير والنهب ... والعلم آفته الإعجاب والغضب
وقالوا: من أعجب برأيه ضل, ومن استغنى بعقله زل، ومن تكبر على الناس ذل، ومن خالط الأنذال حقر، ومن جالس العلماء وقر.
وقال الفضيل بن عياض: ما من أحد أحبَّ الرياسة إلا حسد وبغى وتبع عيوب الناس وكره أن يذكر أحد بخير، وقال أبو نعيم: والله ما هلك من هلك إلا بحب الرياسة، وقال آخر:
حب الرياسة داء لا دواء له ... وقلَّ ما تجد الراضين بالقسم
стр. 13
وروى ابن عبد البر أيضا عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: (إن من العلم أن تقول لما لا تعلم: الله أعلم, قال الله ﵎ لنبيه ﷺ : «قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين».
وروى أيضا عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: (أي سماء تظلني وأي أرض تقلني؛ إذا قلت في كتاب الله بغير علم).
وروى أيضا عن علي بن أبي طالب ﵁ نحوه.
وروي أيضا عن نافع عن ابن عمر ﵄ أنه سئل عن شيء فقال: لا أدري فلما ولى الرجل قال نعما قال عبد الله بن عمر: سئل عما لا يعلم فقال لا علم لي به، قال وقال وهب: سمعت مالكا يحدث عن عبد الله بن زيد بن هرمز قال: إني لأحب أن يكون من بقايا العالم بعده لا أدري ليأخذ به من بعده.
وروى أيضا عن مجاهد قال: سئل ابن عمر ﵄ عن فريضة من الصلب فقال لا أدري: فقيل له ما يمنعك أن تجيبه فقال: سئل ابن عمر عما لا يدري فقال: لا أدري.
وروي أيضا عن أيوب قال: تكاثروا على القاسم بن محمد يوما بمنى فجعلوا يسألونه فيقول: لا أدري ثم قال: إنا والله ما نعلم كل ما يسألونا عنه ولو علمنا ما كتمناكم ولا حل لنا أن نكتمكم.
وروى أيضا عن عبد الملك بن أبي سليمان قال: سئل سعيد ابن جبير عن شيء فقال لا أعلم ثم قال: ويل للذي يقول: لما لا يعلم إني أعلم.
стр. 14
قال وذكر الشعبي عن علي ﵁ أنه خرج عليهم وهو يقول: ما أردها على الكبد, فقيل له: وما ذلك؟ قال: أن تقول للشيء لا تعلمه الله أعلم.
قال وذكر الحسن بن علي الحلواني وساق بإسناده عن القاسم قال: يا أهل العراق أنا والله لا نعلم كثيرا مما تسألونا عنه ولأن يعيش المرء جاهلا لا يعلم ما افترض عليه خير له من أن يقول على الله ورسوله مالا يعلم.
قال وقال الحسن: حدثنا نعيم بن حماد, قال: سمعت بعض أصحاب ابن عون أظنه حسين بن حسين عن ابن عون, قال: كنت عند القاسم بن محمد إذ جاءه رجل فسأله عن شيء فقال القاسم: لا أحسنه فجعل الرجل يقول: إني دفعت إليك لا أعرف غيرك فقال القاسم: لا تنظر إلى طول لحيتي؛ وكثرة الناس حولي؛ والله ما أحسنه, فقال شيخ من قريش جالس إلى جنبه: يا ابن أخي الزمها فوالله ما رأيتك في مجلس أنبل منك اليوم فقال القاسم: والله لأن يقطع لساني أحب إلي من أن أتكلم بما لا علم لي به.
وروي أيضا عن مالك قال: سأل عبد الله بن نافع أيوب السختياني عن شيء فلم يجبه فقال له لا أراك فهمت ما سألتك عنه قال: بلى, قال: فلم لا تجيبني, قال: لا أعلمه.
وروى أيضا عن عبد الرحمن بن مهدي قال: كنا عند مالك بن أنس, فجاءه رجل فقال له: يا أبا عبد الله جئتك من مسيرة ستة أشهر حملني أهل بلدي مسألة أسالك عنها، قال: سل فسأله الرجل عن المسألة, فقال: لا أحسنها، قال: فبهت الرجل كأنه قد جاء إلى من يعلم كل شيء فقال: أي شيء أقول لأهل بلدي إذا رجعت إليهم, قال: تقول لهم: قال مالك: لا أحسن.
قال: وذكر ابن وهب في كتاب المجالس, قال: سمعت مالكا يقول: ينبغي للعالم أن يألف فيما أُشْكِل قول لا أدري فإنه عسى
стр. 15
أن يهيأ له خير، قال ابن وهب: وكنت أسمعه كثيرا ما يقول لا أدري، وقال في موضع آخر: لو كتبنا عن مالك لا أدري لملأنا الألواح، قال ابن وهب: وسمعت مالكا وذكر قول القاسم بن محمد لأن يعيش الرجل جاهلا خير من أن يقول على الله مالا يعلم، ثم قال: هذا أبو بكر الصديق وقد خصه الله بما خصه به من الفضل يقول لا أدري.
قال ابن وهب: وحدثني مالك قال: كان رسول الله ﷺ إمام المسلمين وسيد العالمين يسأل عن الشيء فلا يجيب حتى يأتيه الوحي. وذكر عبد الرحمن بن مهدي عن مالك بعض هذا، وفي روايته هذه الملائكة قد قالت: (لا علم لنا).
قال: وذكر أبو داود في تصنيفه لحديث مالك حدثنا عباس العنبري, قال: حدثنا عبد الرزاق, قال: قال مالك: كان ابن عباس ﵄ يقول إذا أخطأ العالم لا أدري أصيبت مقاتله، وفي رواية إذا ترك العالم لا أعلم فقد أصيبت مقاتله.
وقال: وحدثنا أحمد بن حنبل, قال: حدثنا محمد بن إدريس، قال: سمعت مالكا يقول: سمعت ابن عجلان يقول: إذا أخطأ العالم لا أدري أصيبت مقاتله.
وروى ابن عبد البر عن عقبة بن مسلم قال: صحبت ابن عمر ﵄ أربعة وثلاثين شهراً فكان كثيراً ما يسأل فيقول لا أدري ثم يلتفت إليَّ فيقول: أتدري ما يريد هؤلاء؟ يريدون أن يجعلوا ظهورنا جسراً إلى جهنم.
قال: وقال أبو الدرداء ﵁: قول الرجل فيما لا يعلم لا أعلم نصف العالم.
стр. 16
وقال الراجز:
فإن جهلت ما سُئلت عنه ... ولم يكن عندك علم منه
فلا تقل فيه بغير فهم ... إن الخطأ مزرٍ بأهل العلم
وقل إذا أعياك ذاك الأمر ... مالي بما تسأل عنه خبر
فذاك شطر العلم عند العلما ... كذاك ما زالت تقول الحكما
وقال غيره:
إذا ما قتلت الأمر علما فقل به
... وإياك والأمر الذي أنت جاهله
وروي أيضا عن أبي الذيال قال: تعلم لا أدري ولا تعلم أدري فإنك إن قلت لا أدري علموك حتى تدري، وإن قلت أدري سألوك حتى لا تدري.
وروي أيضا عن الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: (أن من يفتي الناس في كل ما يستفتونه لمجنون) قال الأعمش فذكرت ذلك للحكم بن عتيبة فقال: لو سمعت هذا منك قبل اليوم ما كنت أفتي في كل ما أفتي.
وروي أيضا عن نعيم بن حماد قال: سمعت ابن عينية يقول: أجسر الناس على الفتيا أقلهم علما.
وروى أيضا عن يزيد بن أبي حبيب قال: إن من فتنة العالم أن يكون الكلام أحب إليه من الاستماع، قال: وفي الاستماع سلامة وزيادة في العلم والمستمع شريك المتكلم، وفي الكلام
стр. 17
تهون وتزين وزيادة ونقصان، قال: ومن العلماء من يرى أنه أحق بالكلام من غيره ومنهم من يزدري المساكن ولا يراهم لذلك موضعا، ومنهم من يخزن علمه ويرى أن تعليمه ضعة، ومنهم من يحب أن لا يوجد العلم إلا عنده، ومنهم من يأخذ في علمه مأخذ السلطان حتى يغضب أن يرد عليه شيء من قوله أو يغفل عن شيء من حقه، ومنهم من ينصب نفسه للفتيا فلعله يؤتي بأمر لا علم له به فيستحي أن يقول لا علم لي فيرجم فيكتب من المتكلفين، ومنهم من يروي كل ما سمع حتى يروي كلام اليهود والنصارى إرادة أن يغزر علمه.
قال أبو عمر: روي مثل قول يزيد بن أبي حبيب هذا كله من أوله إلى آخره عن معاذ بن جبل ﵁ من وجوه منقطعة يذم فيها كل من كان في هذه الطبقات من العلماء ويتوعدهم على ذالك بالنار انتهى ما ذكره ابن عبد البر مخلصا.
فليتأمل ما ذكره عن أهل الورع من الإحجام عن القول بغير علم، والابتعاد عن التكلف الذي قد وقع فيه كثير من الناس في زماننا حتى آل الأمر ببعضهم إلى قبول البدع والضلالات، والإكثار من التخرصات والجهالات، ومخالفة أهل السنة والجماعة في بعض المعتقدات، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 18
(فصل)
وقد جعلت التنبيهات على رسالتي ابن محمود في فصلين.
الأول: فيما يتعلق بالقضاء والقدر.
والثاني: فيما يتعلق بالرسالة والنبوة، فأما ما يتعلق بالقضاء والقدر فالتنبيه عليه يتلخص في خمسة أشياء: الأول في بيانه لمعنى القضاء والقدر، والثاني في تغليطه للمفسرين الذين قالوا في قول الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ أنها نزلت في القضاء والقدر.
والثالث في نفيه لكتابة المقادير وزعمه أنها عبارة عن سبق علم الله.
والرابع في زعمه أن الحديث في احتجاج آدم وموسى من مشكل الآثار، والخامس في تخليطه في الكلام على حديث ابن مسعود ﵁ في كتابة ما يتعلق بالجنين وهو في بطن أمه.
فأما الأول: فقال في صفحة ٩ ما ملخصه:
(حقيقة القدر) ونحن وإن قلنا: إن القدر يرجع إلى تقدير الله للأشياء بنظام وأنه يرجع إلى قدرة الله وأنه على كل شيء قدير وفعال لما يريد، أو أنه يرجع إلى سبق علم الله بالأشياء قبل وقوعها، وأنه يعلم ما كان وما سيكون كيف يكون فكل هذه من الصفات الداخلة في قدر الله، وحسب الشخص أن يؤمن بكل ما أخبر الله به من صنع خلقه وسبق علمه بكل شيء وأنه على كل شيء قدير وفعال لما يريد، ولما سئل الإمام أحمد عن القدر أجاب قائلا: (القدر قدرة الرحمن).
وأقول أما القدر الذي جاء ذكره في سؤال جبريل للنبي ﷺ وفي غيره من الأحاديث التي يذكر فيها
стр. 19
وجوب الإيمان بالقدر وأنه ركن من أركان الإيمان، فالمراد به ما قدره الله وقضاه وسبق به علمه وإرادته وفرغ من كتابته قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وقد جاء ذلك في أحاديث كثيرة، منها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قدر الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة» رواه الأمام أحمد والترمذي وعبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح غريب، وقد رواه مسلم في صحيحه ولفظه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء».
ورواه أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة بإسناد صحيح ولفظه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «فرغ الله من مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء» ورواه أيضا بنحو رواية مسلم وإسناده صحيح أيضا.
وروى الإمام أحمد ومسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: جاء سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن فيم العمل اليوم أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أم فيما نستقبل؟ قال: «لا بل جفت به الأقلام وجرت به المقادير» قال: ففيم العمل؟ فقال: «اعملوا فكل ميسر» وقد رواه أبو داود الطياليسي، وابن حبان في صحيحه، وعبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة، وأبو بكر الآجري في كتاب الشريعة بنحوه، وزاد ابن حبان قال سراقة: فلا أكون أبدا أشد اجتهادا في العمل مني الآن.
стр. 20
وروي الإمام أحمد أيضا بإسناد صحيح عن عمران بن حصين ﵄ أن رجلا من جهينة أو من مزينة أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه شيء قضى عليهم ومضى عليهم في قدر قد سبق، أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم ﷺ واتخذت عليهم به الحجة قال: «بل شيء قضى عليهم ومضى عليهم» قال: فلمَ يعملون إذا يا رسول الله؟ قال: «من كان الله خلقه لواحدة من المنزلتين بهيئة لعملها وتصديق ذلك في كتاب الله ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾» وقد رواه أبو داود الطيالسي بإسناد صحيح، ومسلم بنحوه وفيه عند مسلم قصة لأبي الأسود الدؤلي مع عمران بن حصين ﵄ وسيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى.
وروي الإمام أحمد أيضا وأبو داود من حديث ابن عمر ﵄ نحوه.
قال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى في تفسير سورة (والشمس وضحاها) بعد إيراده لحديث عمران بن حصين ﵄: فبين النبي ﷺ أن تصديق ما أخبر به من القضاء قوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ والذي في الحديث هو القدر السابق من علم الله وكتابه وكلامه، وهذا إنما تنكره غالية القدرية. وأما الذي في القرآن فهو خلق الله أفعال العباد وهذا أبلغ فإن القدرية المجوسية تنكره، فالذي في القرآن يدل على ما في الحديث وزيادة ولهذا جعله النبي ﷺ مصدقا له انتهى المقصود من كلامه رحمه الله تعالى صفحة ٢٣٢ ج ١٦ مجموع الفتاوى.
стр. 21
وروي الإمام أحمد أيضا والطبراني عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لكل شيء حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه» قال الهيثمي: رجاله ثقات.
وروي الطبراني أيضا عن أبي الأسود الدؤلي أنه سأل عمران بن حصين، وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب عن القدر فقال: إني قد خاصمت أهل القدر حتى أحرجوني فهل عندكم من علم فتحدثوني؟ فقالوا: (لو أن الله عذب أهل السماء والأرض عذبهم وهو غير ظالم، ولو أدخلهم في رحمته كانت رحمته أوسع من ذنوبهم، ولكنه كما قضى يعذب من يشاء ويرحم من يشاء، فمن عذب فهو الحق ومن رحم فهو الحق، ولو كان لك مثل أحد ذهبا تنفقه في سبيل الله ما قبل منك حتى تؤمن بالقدر خيره وشره) ثم قال عمران: لأبي الأسود حين حدثه الحديث سمعت ذلك من رسول الله ﷺ وسمعه معي عبد الله - يعني ابن مسعود - وأبي بن كعب فسألهما أبو الأسود فحدثاه عن رسول الله ﷺ ، قال الهيثمي: رواه الطبراني بإسنادين ورجال هذه الطريق ثقات.
وروي الترمذي عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه» قال الترمذي: هذا حديث غريب، قال: وفي الباب عن عبادة وجابر وعبد الله بن عمرو ﵃.
وروي الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجة واللفظ له عن ابن الديلمي قال: وقع في نفسي شيء من هذا القدر خشيت أن يفسد علي ديني وأمري فأتيت أبي بن كعب فقلت: أبا المنذر إنه قد وقع في نفسي شيء من هذا القدر فخشيت علي ديني
стр. 22
وأمري فحدثني من ذلك بشيء لعل الله أن ينفعني به فقال: «لو أن الله عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم ولو كان لك مثل جبل أحد ذهبا تنفقه في سبيل الله ما قبل منك حتى تؤمن بالقدر فتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وإنك أن مت على غير هذا دخلت النار» ولا عليك أن تأتي أخي عبد الله بن مسعود فتسأله فأتيت عبد الله فسألته فذكر مثل ما قال أبي وقال لي: ولا عليك أن تأتي حذيفة فأتيت حذيفة فسألته فقال مثل ما قالا, وقال: ائت زيد بن ثابت فاسأله فأتيت زيد بن ثابت فسألته فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لو أن الله عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم، ولو كان لك مثل أحد ذهبا أو مثل جبل أحد ذهبا تنفقه في سبيل الله ما قبله منك حتى تؤمن بالقدر كله، فتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك وأنك إن مت على غير هذا دخلت النار» وقد رواه ابن حبان في صحيحه مختصراً.
وسيأتي نحو ذلك في حديث عبادة بن الصامت ﵁.
وروي مالك في الموطأ، وأحمد في مسنده، ومسلم في صحيحه، وعبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة، وأبو بكر الآجري في كتاب الشريعة، والبغوي في تفسيره عن طاوس أنه قال: أدركت ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: (كل شيء بقدر) قال: وسمعت عبد الله بن عمر ﵄ يقول: قال رسول الله ﷺ : «كل شيء بقدر حتى العجز والكيس».
стр. 23
وروي البخاري في تاريخه وأبو بكر الآجري بإسناد حسن عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (كل شيء بقدر حتى وضعك يدك على خدك).
وروي عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة، وأبو بكر الآجري في كتاب الشريعة عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه ذكر عنده القدر يوما؛ فأدخل أصبعيه السبابة والوسطى في فيه وأخذ بهما من ريقه فرقم بهما في ذراعه ثم قال: «أشهد أن هاتين الرقمتين كانتا في أم الكتاب».
وسيأتي ذكر الأحاديث في القلم الذي كتبت به المقادير في التنبيه الثالث إن شاء الله تعالى.
ومما تقدم ذكره من الأحاديث وما سيأتي في التنبيه الثالث يعلم ما في تعريف ابن محمود لحقيقة القدر من التخليط بالنقص والزيادة، فأما النقص ففي إعراضه عن إثبات كتابة المقادير في اللوح المحفوظ، وهذا في الحقيقة إعراض عن الإيمان ببعض مراتب القدر إذ لابد في الإيمان به من الإيمان بعلم الله تعالى بجميع الكائنات بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلا، ثم كتابته لها في اللوح المحفوظ قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وسيأتي ذكر الأدلة على ذلك قريبا إن شاء الله تعالى وبيان أن من لم يؤمن بكتابة القدر في اللوح المحفوظ فقد وافق غلاة القدرية.
وأما الزيادة ففي قوله: إن القدر يرجع إلى تقدير الله للأشياء بنظام وإتقان، وقوله أيضا: وحسب الشخص أن يؤمن بكل ما أخبر الله به من صنع خلقه.
فلم يفرق بين صنع المخلوقات بنظام وإتقان وبين تقدير المقادير وكتابتها قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وجعل الجميع شيئا واحدا، وهذا في الحقيقة تخليط وتلبيس.
стр. 24
وأما الإيمان بأن الله على كل شيء قدير وفعال لما يريد وأنه يعلم ما كان وما سيكون كيف يكون؛ فهو من الإيمان بالقدر؛ ولكن لا يكفي عن الإيمان بتقدير الله لجميع الأشياء وكتابته لها في اللوح المحفوظ قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة فالكل يجب الإيمان به.
وكذلك الإيمان بما أخبر الله به من صنع خلقه وتقديره للأشياء بنظام وإتقان هو من الإيمان بأن الله تعالى هو الخالق الذي أوجد جميع الكائنات وأتقنها، ولا يكفي الإيمان بذلك عن الإيمان بكتابة المقادير قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة.
وقد كان مشركو قريش مقرين بأن الله تعالى هو الخالق لجميع الأشياء كما أخبر الله بذلك عنهم في قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ إلى غير ذلك من الآيات في هذا المعنى. وكانوا مع إيمانهم بأن الله تعالى هو الخالق لجميع الأشياء يخاصمون رسول الله ﷺ في القدر كما سيأتي بيان ذلك في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁، وقد توعدهم الله على تكذيبهم بالقدر بأنهم سيسحبون في النار على وجوههم ويقال لهم: ذوقوا مس سقر، ولم ينفعهم إيمانهم بالخلق وإتقان الأشياء وتنظيمها عن الإيمان بالقدر السابق.
وأما قول الإمام أحمد رحمه الله تعالى (القدر قدرة الله) فمعناه أن تقدير الرب ﵎ لكل ما هو كائن قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ثم إيجاده للكائنات على وفق ما قدره وقضاه يدل على قدرته العظيمة، فمن أثبت
стр. 25
قضاء الله وقدره السابق فقد أثبت قدرة الله ومن أنكر قضاء الله وقدره السابق فقد أنكر قدرة الله، فهذا معنى قول الإمام أحمد رحمه الله تعالى القدر قدرة الله.
قال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى في رسالة الاحتجاج بالقدر: والقدر هو قدرة الله كما قال الإمام أحمد: وهو المقدر لكل ما هو كائن. انتهى.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه (شفاء العليل):وقال الإمام أحمد القدر قدرة الله واستحسن ابن عقيل هذا الكلام جدا وقال: هذا يدل على دقة علم أحمد وتبحره في معرفة أصول الدين، وهو كما قال أبو الوفاء, فإن إنكار القدر إنكار لقدرة الرب على خلق أعمال العباد وكتابتها وتقديرها، وسلف القدرية كانوا ينكرون علمه بها وهم الذين اتفق سلف الأمة على تكفيرهم. انتهى.
وقد أورد ابن محمود في الصفحة التي أشرنا إليها قول الشاعر:
لو كنت أعجب من شيء لأعجبني ... سعي الفتي وهو مخبوء له القدر
ونسبه لزهير وقد غلط في ذلك فإن هذا البيت لابنه كعب بن زهير ﵁ ولا خلاف في ذلك عند أهل السير والأخبار، وقد ذكروا مع هذا البيت بيتين وهما:
يسعى الفتى لأمور ليس يدركها ... فالنفس واحدة والهم منتشر
والمرء ما عاش ممدود له أمل ... لا تنتهي العين حتى ينتهي الأثر
وقد صرح كعب ﵁ في هذه الأبيات الحسان بالإيمان بالقدر وأن المرء قد يسعى في الأمور فلا يدركها لأنها
стр. 26
لم تقدر له، وهذا كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ وقول النبي ﷺ : «ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك».
وقال ابن محمود في صفحة ١١ و ١٢ و ١٣ ما ملخصه:
أن القدر يدل بمنطوقه ومفهومه على قدرة الرب سبحانه وعلى تقديره للأشياء بنظام وإتقان وإحكام، وكل من تتبع نصوص القرآن يجدها تدور على هذا البيان، فالقضاء في سائر استعمالاته هو بمعنى الفراغ من الشيء، فالقضاء والقدر معناهما أن الله سبحانه قد أوجد هذا العالم مقدرا بمقادير متقنة مضبوطة محكومة بسنن لا تقبل التغيير ولا التبديل وأنه قد فرغ من ذلك فراغا لا يعقبه تعديل ولا تبديل ولا زيادة ولا نقص ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾.
يقول الله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ أي جعله ذا مقادير منظمة متقنة محكمة كقوله: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ ومنه قوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ أي بتقدير ونظام متقن كل شيء بحسبه فلم يخلق شيئا بطريق الصدفة ولا الطبيعة، ونظير هذه الآية قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾ أي بقدر حاجة الناس ليس بالكثير المنهمر المستمر فيهلك حرثهم ومواشيهم ولا قطعة واحدة فيضر البنيان، ونظيره قوله: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾، وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾ هو نظير قوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ لفظا ومعنى، وهو يرجع إلى قوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ أي جعله ذا مقادير متناسبة ثابتة: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، نظيره قوله: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ أي جعلناه ذا مقادير ينزل كل
стр. 27
ليلة منزلة منها لا يتخطاها ولا يقصر عنها، ومنه قوله: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ أي على موعد قدرنا مجيئك فيه، ومثله قوله: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ * فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ وقرئ قدّرنا بالتشديد، أي قدرنا ذلك تقديراً متقنا فنعم القادرون، وقرئ بالتخفيف من القدرة أي قدرنا على خلقه وتصويره في أحسن صورة فنعم القادرون، فهذا حقيقة القدر المذكور في القرآن، ومنه قول الشاعر:
قدر لرجلك قبل الخطو موضعها
فمن علا زلقا عن غرة زلجا
وأما القضاء فإنه الفراغ من صنع هذه المخلوقات وقد اجتمعا في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ فذكر القضاء في قوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ كما ذكر القدر في قوله: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا ... ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ فهذا معنى حقيقة القضاء والقدر وأنه خلق الأشياء بنظام وإتقان ثابت لا يتغير بتغير الزمان كل شيء بحسبه، وهذا معنى ما في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض» وهذه الكتابة هي عبارة عن العلم القائم بذات الله وهو معنى قول أحدنا، قدر الله وما شاء فعل، قدر الله أي وسابق علم الله.
стр. 28
هذا كلام ابن محمود في القضاء والقدر وقد صرح أن معناهما إيجاد هذا العالم مقدرا بمقادير متقنة مضبوطة محكومة بسنن لا تقبل التغيير ولا التبديل وأن الله قد فرغ من ذلك فراغا لا يعقبه تعديل ولا تبديل ولا زيادة ولا نقص ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، وكلامه على الآيات التي تقدم ذكرها كله من باب واحد وهو أن القضاء والقدر معناهما خلق الأشياء بنظام وإتقان ثابت لا يتغير بتغير الزمان كل شيء بحسبه. وقد صرح أيضا في أول صفحة ١٣ أن القضاء هو الفراغ من صنع هذه المخلوقات وأن القدر هو ما ذكر في قوله: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ وفي قوله: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ثم قال: فهذا معنى حقيقة القضاء والقدر وأنه خلق الأشياء بنظام وإتقان ثابت لا يتغير بتغير الزمان كل شيء بحسبه.
وأقول: إن كلام ابن محمود الذي ذكرنا ليس فيه إيمان بالقضاء والقدر على طريقة أهل السنة والأثر وإنما فيه الإيمان بخلق الله للأشياء بنظام وإتقان ثابت لا يتغير.
وهذا القول موافق لقول الكافر القصيمي في أغلاله فإنه قال في صفحة ٢٥٢ من كتابه الأغلال ما نصه وقوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾، القضاء هنا هو القضاء الذي يقرن مع القدر.
قال الشيخ عبد الله بن علي بن يابس رحمه الله تعالى في الرد عليه:
الجواب: كلا، فإن القضاء هاهنا هو التمام والفراغ ولا معنى لأن يكون هو الكتابة.
ثم قال الملحد الخبيث في صفحة ٢٥٣ ما نصه: (وإذا فالأقدار هي النظام).
стр. 29
قال الشيخ عبد الله بن علي بن يابس رحمه الله تعالى في الرد عليه:
الجواب: أنه يرى أن القدر الذي هو ركن من أركان الإيمان هو النظام وهذا مخالف للأديان وللكتاب والسنة والإجماع فإن القدر هو تقدير الله للأشياء قبل وجودها، وهذا ما يعرفه المسلمون. انتهى.
وليعلم المطلع على كلام ابن محمود الذي تقدم ذكره في تعريف القضاء والقدر أن ابن محمود قد اعتمد على كلام عدو الله القصيمي في كتابه الأغلال ونقل بعضه بالنص وبعضه ببعض التصرف، وأنا أذكر هاهنا ملخص كلام القصيمي لتعرف مطابقته لكلام ابن محمود:
قال القصيمي في صفحة ٢٤٧ من كتابه الاغلال ما نصه: (أما القدر فهو في مادته مأخوذ من التقدير أي جعل الشيء ذا مقادير أي ذا حدود يقال هذا الشيء قدر هذا أي محدود بحدوده).
ثم استدل القصيمي بآيات من القرآن منها قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾، وقد استدل ابن محمود بهذه الآيات الثلاث على نحو ما قاله القصيمي فقال في قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ أي بتقدير ونظام متقن كل شيء بحسبه وقال في قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ أي جعله ذا مقادير منظمة متقنة محكمة. وقال في قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾،أي جعلناه ذا مقادير، ثم قال بعد سياقه لهذه الآيات وغيرها ما نصه: (فهذا حقيقة القدر المذكور في القرآن) وقال القصيمي في أول كلامه: (أما القدر فهو في مادته مأخوذ من التقدير أي
стр. 30
جعل الشيء ذا مقادير) فانظر إلى مطابقة كلام ابن محمود لكلام القصيمي. وقد استشهد القصيمي على ما ذهب إليه بقول الشاعر:
قدر لرجلك قبل الخطو موضعها
فمن علا زلقا عن غرة زلجا
وقد استشهد به ابن محمود تبعا للقصيمي.
وقال القصيمي أيضا في صفحة ٢٤٩ من كتاب الأغلال ما نصه: (فالقدر بجملته وجملة استعمالاته يراد به التقدير أي جعل الشيء ذا مقادير معلومة، أي يراد به جعل الشيء منظما في كمه وكيفه، فقدر الله معناه أن الله جلت قدرته قد أوجد هذا الوجود، السماويات منه والأرضيات مقدرا بمقادير محكمة - إلى أن قال - ولهذا جاء هذا العالم منظما صالحاً للانتفاع وللحياة وللاستقرار فيه وعليه).
وقد استدل القصيمي في صفحة ٢٥٠ من كتاب الأغلال على ما ذهب إليه في معنى القدر بقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ وقد استدل بها ابن محمود تبعا للقصيمي.
واستدل القصيمي أيضا في صفحة ٢٥١ من كتاب الأغلال بقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾، ثم قال ما نصه، فقوله: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ وقوله: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ يراد به القدر الذي ضل فيه الناس
стр. 31
وصيروه عامل ركود وانحطاط مع أنه هو القوة والوثوب والنشاط).
وقال في صفحة ٢٥٩ من كتاب الأغلال ما نصه: (فالقضاء والقدر معناهما أن الله قد أوجد هذا العالم مقدرا بمقادير مضبوطة محكوما بسنن لا تقبل التغيير وأنه تعالى قد فرغ من ذلك فراغا لا يعقبه تبديل ولا تعديل ولا زيادة أو نقصان) وقد نقل ابن محمود هذا الكلام بعينه في تعريفه للقضاء والقدر كما تقدم ذكره في أول كلامه.
ومن جعل أقوال عدو الله القصيمي وأمثاله من الزنادقة عمدة له في باب القضاء والقدر فغير مستبعد منه أن يتأثر بهم فيما سوى ذلك من أقوالهم الباطلة وآرائهم الفاسدة، نعوذ بالله من زيغ القلوب وانتكاسها، وقد قال الشاعر وأحسن فيما قال:
ومن يكن الغراب له دليلا
يمر به على جيف الكلاب
وقد رد الشيخ إبراهيم بن عبد العزيز السويح رحمه الله تعالى على صالح الأغلال ردا وافيا في كتابه (بيان الهدى من الضلال، في الرد على صاحب الأغلال) فليراجع فإنه مهم جدا، وكذلك قد رد عليه الشيخ عبد الله بن علي بن يابس والشيخ محمد عبد الرزاق حمزة والشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ورده مختصر جدا، وكل منهم قد أجاد وأفاد رحمهم الله تعالى.
وإذا علم ما ذكرنا من انحراف ابن محمود في باب القضاء والقدر فليعلم أيضا أن أهل السنة والجماعة يؤمنون بأن الله تعالى قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، كما جاء ذلك في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ ، وقد تقدم ذكره قريبا.
стр. 32
ويؤمنون أن الله تعالى أوجد الخلائق بعد كتابة المقادير بخمسين ألف سنة على وفق ما قدره وقضاه وكتبه في اللوح المحفوظ -وهو أم الكتاب-، وكذلك كل كائن إلى يوم القيامة فهو مما قدره وقضاه وكتبه في اللوح المحفوظ.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه (شفاء العليل) في الكلام على قول الله تعالى: ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾:قال ابن عباس ﵄ في اللوح المحفوظ المقري عندنا، قال مقاتل: إن نسخته في أصل الكتاب وهو اللوح المحفوظ. وأم الكتاب أصل الكتاب، وأم كل شيء أصله. والقرآن كتبه الله في اللوح المحفوظ قبل خلق السموات والأرض كما قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾.
وأجمع الصحابة والتابعون وجميع أهل السنة والحديث أن كل كائن إلى يوم القيامة فهو مكتوب في أم الكتاب وقد دل القرآن على أن الرب تعالى كتب في أم الكتاب ما يفعله وما يقوله، فكتب في اللوح أفعاله وكلامه، فتبت يدا أبي لهب في اللوح المحفوظ قبل وجود أبي لهب انتهي.
وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في (العقيدة الواسطية): وتؤمن الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة بالقدر خيره وشره، والإيمان بالقدر على درجتين، كل درجة تتضمن شيئين:
فالدرجة الأولى الإيمان بأن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلا، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق. فأول ما خلق الله القلم قال له: اكتب قال: ما أكتب، قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة،
стр. 33
فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه جفت الأقلام وطويت الصحف كما قال : ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ وقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾.
وهذا التقدير التابع لعلمه سبحانه يكون في مواضع جملة وتفصيلا فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء، وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملكا فيؤمر بأربع كلمات فيقال له: اكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ونحو ذلك، فهذا القدر قد كان ينكره غلاة القدرية قديما ومنكروه اليوم قليل.
وأما الدرجة الثانية فهو مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه ما في السموات والأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه ولا يكون في ملكه مالا يريد، وأنه على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات، فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه لا خالق غيره ولا رب سواه، ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسله ونهاهم عن معصيته.
وهو سبحانه يحب المتقين والمحسنين والمقسطين ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا يحب الكافرين ولا يرضى عن القوم الفاسقين ولا يأمر بالفحشاء ولا يرضى لعباده الكفر ولا يحب الفساد.
والعباد فاعلون حقيقة والله خالقهم وخالق أفعالهم، والعبد هو المؤمن والكافر والبر والفاجر والمصلي والصائم، وللعباد قدرة على أعمالهم ولهم إرادة والله خالقهم وخالق
стр. 34
قدرتهم وإرادتهم كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ وهذه الدرجة من القدر يكذب بها عامة القدرية الذين سماهم النبي ﷺ مجوس هذه الأمة، ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات حتى سلبوا العبد قدرته واختياره، ويخرجون عن أفعال الله وأحكامه حكمها ومصالحها. انتهى.
وقال ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابة (جامع العلوم والحكم): الإيمان بالقدر على درجتين إحداهما الإيمان بأن الله تعالى سبق في علمه ما يعمله العباد من خير وشر وطاعة ومعصية قبل خلقهم وإيجادهم، ومن هو منهم من أهل الجنة ومن هو منهم من هل النار، وأعد لهم الثواب والعقاب جزاء لأعمالهم قبل خلقهم وتكوينهم، وأنه كتب ذلك عنده وأحصاه وأن أعمال العباد تجري على ما سبق في علمه وكتابه.
والدرجة الثانية أن الله خلق أفعال العباد كلها من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان وشاءها منهم، فهذه الدرجة يثبتها أهل السنة والجماعة وتنكرها القدرية، والدرجة الأولى أثبتها كثير من القدرية ونفاها غلاتهم كمعبد الجهني الذي سئل ابن عمر عن مقالته وكعمرو بن عبيد وغيره، وقد قال كثير من أئمة السلف: ناظروا القدرية بالعلم فإن أقروا به خصموا وإن جحدوا فقد كفروا، يريدون أن من أنكر العلم القديم السابق بأفعال العباد وأن الله تعالى قسمهم قبل خلقهم إلى شقي وسعيد وكتب ذلك عنده في كتاب حفيظ فقد كذب بالقرآن فيكفر بذلك، وإن أقروا بذلك وأنكروا أن الله خلق أفعال العباد وشاءها وأرادها منهم إرادة كونية قدرية فقد خصموا لأن ما أقروا به حجة عليهم فيما أنكروه، وفي تكفير هؤلاء نزاع مشهور بين العلماء، وأما من أنكر العلم القديم فنص الشافعي وأحمد على تكفيره وكذلك غيرهما من أئمة الإسلام. انتهى.
стр. 35
وأما قول ابن محمود في بيان معنى حقيقة القضاء والقدر أنه خلق الأشياء بنظام وإتقان ثابت لا يتغير بتغير الزمان كل شيء بحسبه، وأن هذا معنى ما في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن بخلق السموات والأرض».
ففيه خطأ من وجهين أحدهما في نسبته الحديث إلى الصحيحين وإنما هو من أفراد مسلم ولم يخرجه البخاري.
والثاني زعمه أن خلق الأشياء بنظام وإتقان ثابت هو معنى كتابة المقادير، وهذا يقتضي أن تكون كتابة المقادير وخلق الأشياء شيئا واحدا، ولا يخفي ما في هذا القول من إلغاء نص الحديث على أن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وفي هذا النص الصريح أبلغ رد على ما زعمه ابن محمود في بيان معنى حقيقة القضاء والقدر أنه خلق الأشياء بنظام وإتقان ثابت.
وأما قوله: إن هذه الكتابة عبارة عن العلم القائم بذات الله، فهو خطأ ظاهر وسيأتي بيان ذلك في التنبيه الثالث إن شاء الله تعالى.
التنبيه الثاني: قال ابن محمود في صفحة ١٢ ما نصه:
ومنه قوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ أي بتقدير ونظام متقن، كل شيء بحسبه فلم يخلق شيئا بطريق الصدفة ولا الطبيعة، قال ابن جرير في التفسير: إنا كل شيء خلقناه بمقدار قدرناه وقضيناه، وبعض المفسرين يغلطون في تفسير هذه الآية حيث يحملون تفسيرها على القضاء والقدر ثم يتوسعون في سياق الآثار الواردة في القضاء والقدر كأن الآية سيقت لذلك وهو خطأ فانه لا تعلق للآية بالقضاء والقدر الذي يعنونه.
стр. 36
وأقول قد ثبت عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله ﷺ في القدر فنزلت ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ رواه الإمام أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه وابن جرير وعبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة والبغوي في تفسيره وقال الترمذي: هذا حديث صحيح.
قال النووي في شرح مسلم: المراد بالقدر هنا القدر المعروف وهو ما قدره الله وقضاه وسبق به علمه وإرادته، وفي هذه الآية الكريمة والحديث تصريح بإثبات القدر وإنه عام في كل شيء فكل ذلك مقدر في الأزل معلوم لله مراد له. انتهى.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه (شفاء العليل): والمخاصمون في القدر نوعان أحدهما من يبطل أمر الله ونهيه بقضائه وقدره كالذين قالوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا، والثاني من ينكر قضاءه وقدره السابق، والطائفتان خصماء الله، قال عوف: من كذب بالقدر فقد كذب بالإسلام إن الله ﵎ قدر أقدارا وخلق الخلق بقدر وقسم الآجال بقدر وقسم الأرزاق بقدر وقسم البلاء بقدر وقسم العافية بقدر وأمر ونهى. انتهى.
وروي ابن أبي حاتم عن الحسن أنه قال: من كذب بالقدر فقد كذب بالحق خلق الله خلقا وأجل أجلا وقدر رزقا وقدر مصيبة وقدر بلاء وقدر عافية، فمن كفر بالقدر فقد كفر بالقرآن.
وروى ابن أبي حاتم أيضا بإسناد حسن عن عطاء بن أبي رباح قال: أتيت ابن عباس وهو ينزع من زمزم وقد ابتلت
стр. 37
أسافل ثيابه فقلت له: قد تكلم في القدر, فقال: أو قد فعلوها، قلت: نعم، قال: فو الله ما نزلت هذه الآية إلا فيهم ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ أولئك شرار هذه الأمة فلا تعودوا مرضاهم ولا تصلوا على موتاهم، إن رأيت أحدا منهم فقأت عينيه بأصبعي هاتين، ورواه ابن المنذر وابن مردويه بنحوه ذكره السيوطي في الدر المنثور.
قال: وأخرج الطبراني وابن مردويه من طرق عن ابن عباس ﵄ قال: نزلت هذه الآية في القدرية ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾.
قال: وأخرج البزار وابن المنذر بسند جيد من طريق عمر بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ قال: ما أنزلت هذه الآية ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ إلا في أهل القدر.
قال: وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه وابن شاهين وابن منده والخطيب في تالي التلخيص وابن عساكر عن زرارة ﵁ عن النبي ﷺ «أنه تلا هذه الآية ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ قال: في أناس من أمتي في آخر الزمان يكذبون بقدر الله».
وروى ابن جرير عن ابن عباس ﵄ أنه كان يقول: (إني أجد في كتاب الله قوما يسحبون في النار على وجوههم، يقال لهم ذوقوا مس سقر لأنهم كانوا يكذبون بالقدر، وأني لا أراهم فلا أدري أشيء كان قبلنا أم شيء فيما بقي).
стр. 38
وروي عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة بإسناد حسن عن محمد بن كعب القرظي قال: نزلت هذه الآية ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ في أهل القدر، وفي رواية قال: نزلت تعييرا لأهل القدر ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ وقد رواه ابن جرير وأبو بكر الآجري في كتاب الشريعة من طرق عن محمد بن كعب القرظي.
وروى ابن جرير أيضا بإسناد صحيح على شرط الشيخين عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: لما نزلت هذه الآية ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ قال رجل: يا رسول الله ففيم العمل أفي شيء نستأنفه أو في شيء قد فرغ منه؟ قال: فقال رسول الله ﷺ : «اعملوا فكل ميسر لما خلق له، سنيسره لليسرى، وسنيسره للعسرى».
قال ابن جرير وقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ يقول تعالى ذكره: أنا خلقنا كل شيء بمقدار قدرناه وقضيناه، وفي هذا بيان أن الله جل ثناؤه توعد هؤلاء المجرمين على تكذيبهم بالقدر مع كفرهم به، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، ثم ساق الأحاديث الواردة في ذلك، وقد اختصر ابن محمود كلام ابن جرير ليوهم أنه موافق لقوله في القدر.
وقال الرازي في تفسيره: أكثر المفسرين اتفقوا على أنها نازلة في القدرية. انتهى.
وقال الزجاج: معنى (بقدر) أي كل شيء خلقناه بقدر مكتوب في اللوح المحفوظ قبل وقوعه، ذكره ابن الجوزي في تفسيره.
وقال البغوي في تفسيره قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ أي ما خلقناه فمقدور ومكتوب في اللوح المحفوظ. انتهى.
стр. 39
وقال ابن كثير في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ كقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ وكقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ أي قدر قدرا وهدى الخلائق إليه، ولهذا يستدل بهذه الآية الكريمة أئمة السنة على إثبات قدر الله السابق لخلقه وهو علمه الأشياء قبل كونها وكتابته لها قبل برئها، وردوا بهذه الآية وبما شاكلها من الآيات وما ورد في معناها من الأحاديث الثابتات على الفرقة القدرية الذين نبعوا في أواخر عصر الصحابة. انتهى.
ومما ذكرته من الأحاديث في هذا التنبيه يعلم أن المفسرين لم يغلطوا ولم يخطئوا في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ حيث قالوا: إنها نزلت في إثبات القدر السابق والوعيد الشديد للقدرية، ومن زعم أنهم قد غلطوا وأخطئوا فهو الغالط المخطئ في الحقيقة، وما أبشع القول الذي يتضمن تغليط أبي هريرة وابن عباس وعبد الله بن عمرو ﵃، وما أسوأ القول الذي يتضمن تخطئتهم.
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة
وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
وهل يظن الذي يغلطهم ويخطئهم أنه أعلم بكتاب الله من أبي هريرة وابن عباس وعبد الله بن عمرو ﵃، أو أنه أعلم من الإمام أحمد ومسلم والترمذي وغيرهم من الأئمة الذين خرجوا أحاديثهم واعتمدوا عليها، أو أنه أعلم بالتفسير من محمد بن كعب القرظي وابن جرير الطبري والبغوي وابن الجوزي وابن كثير وأمثالهم من الأئمة المعروفين بالتقدم في علم التفسير، كلا فليس المتخرصون مثل الجهابذة الحفاظ، ولا شك أن ما جاء عن هؤلاء الأئمة في
стр. 40
تفسير الآية من سورة القمر هو المقبول وما خالفه من أقوال المتخرصين فهو مردود، ولقد أحسن الشاعر حيث يقول:
وليس من الإنصاف أن يدفع الفتى ... يد النقص عنه بانتقاص الأفاضل
التنبيه الثالث: قال ابن محمود في صفحة ١٣ بعد سياقه للحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: «إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض» قال: وهذه الكتابة هي عبارة عن العلم القائم بذات الله وهو معنى قول أحدنا، قدر الله وما شاء فعل، قدر الله أي وسابق علم الله.
وقال في صفحة ١٥ ما نصه (كتابة المقادير) ثبت في الكتاب والسنة كتابه المقادير كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ وقوله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ وقوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ وفي الصحيح أن النبي ﷺ قال: «الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسمائة عام».
هكذا قال ابن محمود بخمسمائة عام وهو غلط، والصواب بخمسين ألف سنة كما تقدم بيانه في حديث عبد الله ابن عمرو ﵄.
ثم قال ابن محمود وحديث «أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة».
следующие страницы →