← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 14471

فتح المعبود في الرد على ابن محمود

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (185 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وأقول قد ثبت عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله ﷺ في القدر فنزلت ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ رواه الإمام أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه وابن جرير وعبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة والبغوي في تفسيره وقال الترمذي: هذا حديث صحيح. قال النووي في شرح مسلم: المراد بالقدر هنا القدر المعروف وهو ما قدره الله وقضاه وسبق به علمه وإرادته، وفي هذه الآية الكريمة والحديث تصريح بإثبات القدر وإنه عام في كل شيء فكل ذلك مقدر في الأزل معلوم لله مراد له. انتهى. وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه (شفاء العليل): والمخاصمون في القدر نوعان أحدهما من يبطل أمر الله ونهيه بقضائه وقدره كالذين قالوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا، والثاني من ينكر قضاءه وقدره السابق، والطائفتان خصماء الله، قال عوف: من كذب بالقدر فقد كذب بالإسلام إن الله ﵎ قدر أقدارا وخلق الخلق بقدر وقسم الآجال بقدر وقسم الأرزاق بقدر وقسم البلاء بقدر وقسم العافية بقدر وأمر ونهى. انتهى. وروي ابن أبي حاتم عن الحسن أنه قال: من كذب بالقدر فقد كذب بالحق خلق الله خلقا وأجل أجلا وقدر رزقا وقدر مصيبة وقدر بلاء وقدر عافية، فمن كفر بالقدر فقد كفر بالقرآن. وروى ابن أبي حاتم أيضا بإسناد حسن عن عطاء بن أبي رباح قال: أتيت ابن عباس وهو ينزع من زمزم وقد ابتلت

стр. 37

أسافل ثيابه فقلت له: قد تكلم في القدر, فقال: أو قد فعلوها، قلت: نعم، قال: فو الله ما نزلت هذه الآية إلا فيهم ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ أولئك شرار هذه الأمة فلا تعودوا مرضاهم ولا تصلوا على موتاهم، إن رأيت أحدا منهم فقأت عينيه بأصبعي هاتين، ورواه ابن المنذر وابن مردويه بنحوه ذكره السيوطي في الدر المنثور. قال: وأخرج الطبراني وابن مردويه من طرق عن ابن عباس ﵄ قال: نزلت هذه الآية في القدرية ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾. قال: وأخرج البزار وابن المنذر بسند جيد من طريق عمر بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ قال: ما أنزلت هذه الآية ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ إلا في أهل القدر. قال: وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه وابن شاهين وابن منده والخطيب في تالي التلخيص وابن عساكر عن زرارة ﵁ عن النبي ﷺ «أنه تلا هذه الآية ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ قال: في أناس من أمتي في آخر الزمان يكذبون بقدر الله». وروى ابن جرير عن ابن عباس ﵄ أنه كان يقول: (إني أجد في كتاب الله قوما يسحبون في النار على وجوههم، يقال لهم ذوقوا مس سقر لأنهم كانوا يكذبون بالقدر، وأني لا أراهم فلا أدري أشيء كان قبلنا أم شيء فيما بقي).

стр. 38

وروي عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة بإسناد حسن عن محمد بن كعب القرظي قال: نزلت هذه الآية ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ في أهل القدر، وفي رواية قال: نزلت تعييرا لأهل القدر ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ وقد رواه ابن جرير وأبو بكر الآجري في كتاب الشريعة من طرق عن محمد بن كعب القرظي. وروى ابن جرير أيضا بإسناد صحيح على شرط الشيخين عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: لما نزلت هذه الآية ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ قال رجل: يا رسول الله ففيم العمل أفي شيء نستأنفه أو في شيء قد فرغ منه؟ قال: فقال رسول الله ﷺ : «اعملوا فكل ميسر لما خلق له، سنيسره لليسرى، وسنيسره للعسرى». قال ابن جرير وقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ يقول تعالى ذكره: أنا خلقنا كل شيء بمقدار قدرناه وقضيناه، وفي هذا بيان أن الله جل ثناؤه توعد هؤلاء المجرمين على تكذيبهم بالقدر مع كفرهم به، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، ثم ساق الأحاديث الواردة في ذلك، وقد اختصر ابن محمود كلام ابن جرير ليوهم أنه موافق لقوله في القدر. وقال الرازي في تفسيره: أكثر المفسرين اتفقوا على أنها نازلة في القدرية. انتهى. وقال الزجاج: معنى (بقدر) أي كل شيء خلقناه بقدر مكتوب في اللوح المحفوظ قبل وقوعه، ذكره ابن الجوزي في تفسيره. وقال البغوي في تفسيره قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ أي ما خلقناه فمقدور ومكتوب في اللوح المحفوظ. انتهى.

стр. 39

وقال ابن كثير في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ كقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ وكقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ أي قدر قدرا وهدى الخلائق إليه، ولهذا يستدل بهذه الآية الكريمة أئمة السنة على إثبات قدر الله السابق لخلقه وهو علمه الأشياء قبل كونها وكتابته لها قبل برئها، وردوا بهذه الآية وبما شاكلها من الآيات وما ورد في معناها من الأحاديث الثابتات على الفرقة القدرية الذين نبعوا في أواخر عصر الصحابة. انتهى. ومما ذكرته من الأحاديث في هذا التنبيه يعلم أن المفسرين لم يغلطوا ولم يخطئوا في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ حيث قالوا: إنها نزلت في إثبات القدر السابق والوعيد الشديد للقدرية، ومن زعم أنهم قد غلطوا وأخطئوا فهو الغالط المخطئ في الحقيقة، وما أبشع القول الذي يتضمن تغليط أبي هريرة وابن عباس وعبد الله بن عمرو ﵃، وما أسوأ القول الذي يتضمن تخطئتهم. فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم وهل يظن الذي يغلطهم ويخطئهم أنه أعلم بكتاب الله من أبي هريرة وابن عباس وعبد الله بن عمرو ﵃، أو أنه أعلم من الإمام أحمد ومسلم والترمذي وغيرهم من الأئمة الذين خرجوا أحاديثهم واعتمدوا عليها، أو أنه أعلم بالتفسير من محمد بن كعب القرظي وابن جرير الطبري والبغوي وابن الجوزي وابن كثير وأمثالهم من الأئمة المعروفين بالتقدم في علم التفسير، كلا فليس المتخرصون مثل الجهابذة الحفاظ، ولا شك أن ما جاء عن هؤلاء الأئمة في

стр. 40

تفسير الآية من سورة القمر هو المقبول وما خالفه من أقوال المتخرصين فهو مردود، ولقد أحسن الشاعر حيث يقول: وليس من الإنصاف أن يدفع الفتى ... يد النقص عنه بانتقاص الأفاضل التنبيه الثالث: قال ابن محمود في صفحة ١٣ بعد سياقه للحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: «إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض» قال: وهذه الكتابة هي عبارة عن العلم القائم بذات الله وهو معنى قول أحدنا، قدر الله وما شاء فعل، قدر الله أي وسابق علم الله. وقال في صفحة ١٥ ما نصه (كتابة المقادير) ثبت في الكتاب والسنة كتابه المقادير كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ وقوله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ وقوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ وفي الصحيح أن النبي ﷺ قال: «الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسمائة عام». هكذا قال ابن محمود بخمسمائة عام وهو غلط، والصواب بخمسين ألف سنة كما تقدم بيانه في حديث عبد الله ابن عمرو ﵄. ثم قال ابن محمود وحديث «أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة».

стр. 41

وإننا عندما نقرأ أو نسمع ما ثبت عن الله ورسوله في كتابة المقادير يجب أن نفهم بأن هذه الكتابة هي من عالم الغيب، فلا ينبغي أن نقيسها على الكتابة التي نكتبها بأيدينا ولا على القلم الذي نكتب به، بل هي عبارة عن سبق علم الله بالأشياء قبل وقوعها فانه سبحانه يعلم ما كان وما سيكون كيف يكون، فهي بمثابة المكتوب المضبوط في علم الله عبر عنها سبحانه بالكتابة كما يقول الرجل لصاحبه حاجتك مكتوبة في صدري إذا أراد الاعتناء بها - إلى أن قال - وكتابته للأشياء إشارة إلى علمه بسائر المعلومات لا تخفي عليه خافية من أمر خلقه، فهي كالمكتوب المضبوط في علمه إذ ليس عندنا وصف الكتابة ولا القلم المكتوب به ولا المكتوب فيه - إلى أن قال في صفحة ١٦ - وإنما ذكرت هذا لتقريب الأذهان إلى الإذعان بالإيمان بالقرآن فهو سبحانه يعلم بالمصيبة قبل وقوعها، وعلمه سبحانه بها ليس هو الذي أوقع المصاب في المصيبة وإنما وقعت بالأسباب المترتبة على وقوعها. وأقول: إن في كلام ابن محمود عدة أخطاء، أحدها التناقض وذلك أنه أثبت كتابة المقادير في أول كلامه واستدل لذلك بثلاث آيات من القرآن وحديثين صحيحين، وقال: إن هذه الكتابة من عالم الغيب فلا ينبغي أن نقيسها على الكتابة التي نكتبها بأيدينا ولا على القلم الذي نكتب به، ثم رجع فنقض قوله وزعم أن الكتابة عبارة عن العلم القائم بذات الله وسبق علمه بالأشياء قبل وقوعها وأن ذلك بمثابة المكتوب المضبوط في علم الله، وهذا في الحقيقة نفي للكتابة بالكلية، وحاصل قوله: إن الكتابة اسم لا مسمى له ولفظ لا معنى له. الخطأ الثاني: زعمه أن الله تعالى عبر عن علمه بالكتابة وهذا من القول على الله بغير علم، ويلزم على هذا القول إلغاء ما جاء في القرآن من النصوص الدالة على كتابة المقادير وعلى

стр. 42

اللوح المحفوظ - وهو أم الكتاب، والإمام المبين، والكتاب المبين - وإلغاء النصوص ليس بالأمر الهين، ومن ألغى نصا من نصوص القرآن فهو على شفا هلكة. الخطأ الثالث: القول على الرسول ﷺ بما لم يقل فإن النبي ﷺ نص على كتابة المقادير وعلى القلم الذي كتبت به المقادير في أحاديث كثيرة وهي نصوص صريحة لا تحتمل التأويل، ومن زعم أن هذه النصوص عبارة عن العلم القائم بذات الله تعالى وعلى سبق علمه بالأشياء قبل وقوعها، وأن ذلك بمثابة المكتوب المضبوط في علم الله فقد صرف النصوص عن ظاهرها، وقال على الرسول ﷺ ما لم يقل. وقد ورد الوعيد الشديد لمن قال على الرسول ﷺ ما لم يقل. الخطأ الرابع: تحريف الكلم عن مواضعه فإن من صرف نصوص القرآن والأحاديث الصحيحة عن ظاهرها وتأولها على غير ما يراد بها فقد حرف الكلم عن مواضعه وتشبه بالأمة المغضوب عليها. الخطأ الخامس: ما وقع منه من التغيير في متن حديث عبد الله بن عمرو ﵄ وقد تقدم التنبيه عليه. الخطأ السادس: ضربه المثل لعلم الله تعالى بالمقادير وكتابتها بقول الرجل لصاحبه حاجتك مكتوبة في صدري، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ثم أن المثل الذي ذكره - أو على الأصح ابتكره - ليس بصحيح في نفس الأمر فان الصدر ليس بمحل للكتابة حتى يضرب المثل بالكتابة فيه وإنما هو محل للحفظ كما قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾.

стр. 43

وقد ذكر ابن محمود السبب الحامل له على ضرب هذا المثل المبتكر وهو أنه ليس عنده وصف الكتابة ولا القلم المكتوب به ولا المكتوب فيه. وأقول كان ينبغي أن يسعه ما وسع الصحابة والتابعين وجميع أهل السنة والجماعة من الإيمان بما جاء في نصوص الكتاب والسنة من إثبات كتابة المقادير، وإثبات القلم الذي كتبت به المقادير، وإثبات اللوح المحفوظ الذي كتبت فيه المقادير وإمرار النصوص كما جاءت وترك البحث والتنقيب عما أخفى علمه من الأمور الغيبة وأن لا يتعرض لها بالتأويل وضرب الأمثال. الخطأ السابع: ما يلزم على قوله في كتابة المقادير إنها عبارة عن سبق علم الله بالأشياء قبل وقوعها مع إيراده لحديث «إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض» أن يكون الله غير عالم بالأشياء في الأزل وإنما علم بها قبل خلق السموات والأرض بخمسمائة على حد ما جاء في تعبير ابن محمود. وهذا موافق لقول غلاة القدرية الذين نبغوا في آخر عصر الصحابة ورد عليهم ابن عمر وابن عباس وغيرهما من الصحابة ﵃ وتبرؤا منهم، ومن اعتقد هذا المعتقد الباطل فقد وصف الرب ﵎ بالجهل قبل كتابته للمقادير، وهذا من أقبح الأقوال وأشنعها وقد ذكر شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمة الله تعالى في جواب له أن هذا القول مهجور باطل مما اتفق على بطلان السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر علماء المسلمين، بل كفّروا من قاله، والكتاب والسنة مع الأدلة العقلية تبين فساده انتهى من مجموع الفتاوى ج ٨ صفحة ٤٩١.

стр. 44

فإن قال ابن محمود: إنه يعتقد أن علم الله قديم وأن الله لم يزل عالما بجميع الأشياء في الأزل. قيل له يلزمك على هذا القول مع قولك أن كتابة المقادير عبارة عن العلم القائم بذات الله وسبق علمه بالأشياء قبل وقوعها أن تكون الكتابة أزلية أيضا، ويلزم على هذا تكذيب ما جاء في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة» وتكذيب ما جاء في حديث عمران بن حصين ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السموات والأرض» وتكذيب الأحاديث الثابتة في خلق القلم وأمره بكتابة المقادير من حين خلقه الله، وسيأتي ذكر الأحاديث في ذلك في التنبيه الثالث إن شاء الله تعالى. ويلزم أيضا على القول بأن الكتابة أزلية أن يكون القلم واللوح المحفوظ أزليين وهذا موافق لقول الفلاسفة القائلين بقدم العالم، والقول بقدم العالم كفر بلا نزاع. والمقصود هنا بيان أن أحد الأمرين لازم لابن محمود، أما أن يقول: إن علم الله حادث وكائن وقت كتابة المقادير، أو أن يقول: إن كتابة المقادير قديمة أزلية، وكل من الأمرين باطل وخطير. وقد ذكر شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في جواب له في الجزء الثامن من الفتاوى أن غلاة القدرية أنكروا علم الله القديم وكتابه السابق، قال: وهؤلاء هم أول من حدث من القدرية في هذه الأمة ورد عليهم الصحابة وسلف الأمة وتبرؤا منهم انتهى من صفحة ٥٩.

стр. 45

وقال شيخ الإسلام أيضا في جواب آخر في صفحة ٤٤٩ من المجلد الثامن: مذهب أهل السنة والجماعة ما دل عليه الكتاب والسنة وكان عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان؛ وهو أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، وقد دخل في ذلك جميع الأعيان القائمة بأنفسها وصفاتها القائمة بها من أفعال العباد وغير أفعال العباد، وأنه سبحانه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فلا يكون في الوجود شيء ألا بمشيئته وقدرته، لا يمتنع عليه شيء شاءه، بل هو قادر على كل شيء، ولا يشاء شيئا إلا وهو قادر عليه، وأنه سبحانه يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، وقد دخل في ذلك أفعال العباد وغيرها. وقد قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم، قدر آجالهم وأرزاقهم وأعمالهم وكتب ذلك وكتب ما يصيرون إليه من سعادة وشقاوة، فهم يؤمنون بخلقه لكل شيء وقدرته على كل شيء ومشيئته لكل ما كان، وعلمه بالأشياء قبل أن تكون وتقديره لها وكتابته إياها قبل أن تكون. وغلاة القدرية ينكرون علمه المتقدم وكتابته السابقة، ويزعمون أنه أمر ونهي وهو لا يعلم من يطيعه ممن يعصيه بل الأمر أنف أي مستأنف. وهذا القول أول ما حدث في الإسلام بعد انقراض عصر الخلفاء الراشدين وبعد إمارة معاوية بن أبي سفيان في زمن الفتنة التي كانت بين ابن الزبير وبين بني أمية في أواخر عصر عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وغيرهما من الصحابة، وكان أول من ظهر ذلك عنه بالبصرة معبد الجهني فلما بلغ الصحابة قول هؤلاء تبرؤا منهم وأنكروا مقالتهم كما قال عبد الله بن عمر لما أخبر عنهم، إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني

стр. 46

برئ منهم وأنهم برءاء مني، وكذلك كلام ابن عباس وجابر بن عبد الله وواثلة بن الأسقع وغيرهم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين فيهم كثير حتى قال فيهم الأئمة كمالك والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم أن المنكرين لعل الله المتقدم يكفرون انتهى المقصود من كلامه ﵀. وقال شيخ الإسلام أيضا في جواب آخر: والقرآن والسنة تثبت القدر وتقدير الأمور قبل أن يخلقها وأن ذلك في كتاب وهذا أصل عظيم يثبت العلم والإرادة لكل ما سيكون ويزيل إشكالات كثيرة ضل بسببها طوائف في مسائل العلم والإرادة، فالإيمان بالقدر من أصول الإيمان كما ذكره النبي ﷺ في حديث جبريل، قال: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث بعد الموت وتؤمن بالقدر خيره وشره»، وقد تبرأ ابن عمر وغيره من الصحابة من المكذبين بالقدر. انتهى. وقال شيخ الإسلام أيضا في تفسيره لسورة (سبح اسم ربك الأعلى): وإنما نازع في التقدير السابق والكتاب أولئك الذين تبرأ منهم الصحابة كابن عمر وابن عباس وغيرهما. انتهى. وقد تضافرت النصوص من الكتاب والسنة على إثبات كتابة والمقادير وأجمع الصحابة والتابعون وجميع أهل السنة والحديث على ذلك، وأنا أذكر من النصوص ما تيسر وبالله المستعان. فأما النصوص من القرآن ففي آيات كثيرة، منها قوله تعالى في سورة الحج: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير﴾ قال ابن

стр. 47

الجوزي في تفسيره: (أن ذلك) يعني ما يجري في السماوات والأرض (في كتاب) يعني اللوح المحفوظ، وقال البغوي: (في كتاب) يعني اللوح المحفوظ، وقال ابن كثير في الكلام على هذه الآية: يخبر تعالى عن كمال علمه بخلقه أنه محيط بما في السموات وما في الأرض فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، وأنه تعالى علم الكائنات كلها قبل وجودها وكتب ذلك في كتابه اللوح المحفوظ - ثم ذكر حديث «إن الله قدر مقادير الخلائق» وحديث «أول ما خلق الله القلم» وسيأتي ذكرهما مع الأحاديث إن شاء الله تعالى، وذكر أيضا ما رواه ابن أبي حاتم عن أبن عباس ﵄ أنه قال: «خلق الله اللوح المحفوظ كمسيرة مائة عام وقال للقلم قبل أن يخلق الخلق وهو على العرش ﵎: اكتب، فقال القلم: وما أكتب، قال علمي في خلقي إلى يوم تقوم الساعة فجرى القلم بما هو كائن في علم الله إلى يوم القيامة فذلك قوله للنبي ﷺ : «ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض» قال ابن كثير: وهذا من تمام علمه تعالى أنه علم الأشياء قبل كونها وقدرها وكتبها أيضا، فما العباد عاملون قد علمه تعالى قبل ذلك على الوجه الذي يفعلونه، فيعلم قبل الخلق أن هذا يطيع باختياره وهذا يعصي باختياره، وكتب ذلك عنده وأحاط بكل شيء علما وهو سهل عليه يسير لديه ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. انتهى. وقد فرق الله تعالى في هذه الآية الكريمة بين العلم والكتابة فقال: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ فهذه الجملة فيها إثبات العلم، ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ هذه الجملة فيها إثبات الكتابة، وفي هذه الآية أبلغ رد على ابن محمود حيث جمع بين ما فرق الله بينه فزعم أن الكتابة عبارة عن العلم القائم بذات الله.

стр. 48

الآية الثانية قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْ لَا تَاسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ قال ابن الجوزي في تفسيره قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ﴾:يعني قحط المطر وقلة النبات ونقص الثمار ﴿ولا في أنفسكم﴾ من الأمراض وفقد الأولاد ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ وهو اللوح المحفوظ ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ أي: نخلقها يعني الأنفس ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أي: إثبات ذلك على كثرته هين على الله انتهى، وفي تفسير البغوي وابن كثير نحو ذلك. وقال ابن جرير: حدثني يعقوب حدثنا ابن علية عن منصور بن عبد الرحمن قال: كنت جالسا مع الحسن فقال رجل سله عن قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ فسألته عنها فقال: سبحان الله ومن يشك في هذا كل مصيبة بين السماء والأرض ففي كتاب الله من قبل أن يبرأ النسمة. قال ابن كثير: وهذه الآية العظيمة من أدل دليل على القدرية نفاة العلم السابق قبحهم الله، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أي أن علمه تعالى الأشياء قبل كونها وكتابته لها طبق ما يوجد في حينها سهل على الله لأنه يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، وقوله تعالى: ﴿لِكَيْ لَا تَاسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ﴾ أي: أعلمناكم بتقدم علمنا وسبق كتابتنا للأشياء قبل كونها وتقديرنا الكائنات قبل وجودها لتعلموا أن ما أصابكم لم يكن ليخطئكم وما أخطأكم لم يكن ليصيبكم فلا تأسوا على ما فاتكم لأنه لو قدر شيء لكان ﴿وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ﴾ أي أعطاكم، أي لا تفخروا على الناس بما أنعم الله به عليكم فإن

стр. 49

ذلك ليس بسعيكم ولا كدكم وإنما هو عن قدر الله ورزقه لكم فلا تتخذوا نعم الله أشرا وبطرا تفخرون بها على الناس، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾. انتهى. الآية الثالثة قوله تعالى في سورة النمل: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ قال ابن الجوزي في تفسيره ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ﴾: أي وما من جملة غائبة ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ يعني: اللوح المحفوظ. انتهى. وقال البغوي في تفسيره ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ﴾: أي جملة غائبة من مكتوم سر وخفي أمر وشيء غائب ﴿فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ أي: في اللوح المحفوظ. انتهى. وقال القرطبي في الكلام على هذه الآية: أي ما من خصلة غائبة عن الخلق إلا والله عالم بها قد أثبتها في أم الكتاب عنده فكيف يخفي عليه ما يسر هؤلاء وما يعلنونه، وقيل أي كل شي هو مثبت في أم الكتاب يخرجه للأجل المؤجل له فالذي يستعجلونه من العذاب له أجل مضروب لا يتأخر عنه ولا يتقدم عليه، والكتاب اللوح المحفوظ أثبت الله فيه ما أراد ليعلم بذلك من يشاء من ملائكته. انتهى. الآية الرابعة قوله تعالى في سورة هود: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ قال البغوي: أي كل مثبت في اللوح المحفوظ قبل خلقها، قال ابن الجوزي: وهذا قول المفسرين. الآية الخامسة قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ قال: ابن جرير يقول: ولا شيء مما هو موجود أو مما سيوجد ولم يوجد بعد إلا وهو مثبت في اللوح

стр. 50

المحفوظ مكتوب ذلك فيه ومرسوم عدده ومبلغه والوقت الذي يوجد فيه والحال التي يفني عليها، وقال البغوي: يعني الكل مكتوب في اللوح المحفوظ. الآية السادسة قوله تعالى في سورة يونس: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَانٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ قال ابن الجوزي في تفسيره: قال ابن عباس ﵄: هو اللوح المحفوظ، وقال البغوي في تفسيره: هو اللوح المحفوظ. الآية السابعة قوله تعالى في سورة فاطر: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ قال البغوي في تفسيره: قال سعيد بن جبير: مكتوب في أم الكتاب عمر فلان كذا وكذا سنة ثم يكتب أسفل من ذلك ذهب يوم ذهب يومان ذهب ثلاثة أيام حتى ينقطع عمره، وقال ابن الجوزي في تفسيره: المعنى ما يذهب من عمر هذا المعمر يوم أو ليلة إلا وذلك مكتوب - ثم قول سعيد بن جبير الذي تقدم ثم قال - وهذا المعنى في رواية ابن جبير عن ابن عباس وبه قال عكرمة وأبو مالك في آخرين، فأما الكتاب فهو اللوح المحفوظ. انتهى. الآية الثامنة قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال ابن عباس ﵄ ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾: ما تركنا شيئا إلا قد كتبناه في أم الكتاب رواه ابن جرير، وعن عبد الرحمن بن زيد نحو ذلك رواه ابن

стр. 51

جرير أيضا، وقال البغوي في قوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ﴾: أي في اللوح المحفوظ. الآية التاسعة قوله تعالى في سورة طه: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ قال البغوي: يعني في اللوح المحفوظ، وكذا قال ابن الجوزي وابن كثير. الآية العاشر قوله تعالى في سورة الرعد: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ قال البغوي: أي أصل الكتاب وهو اللوح المحفوظ الذي لا يُبدل ولا يُغير، وقال ابن الجوزي: قال المفسرون: وهو اللوح المحفوظ الذي أثبت فيه ما يكون ويحدث. الآية الحادية عشرة قوله تعالى في سورة يس: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ قال ابن كثير: أي وجميع الكائنات مكتوب في كتاب مسطور مضبوط في لوح محفوظ، والإمام المبين هاهنا هو أم الكتاب قاله مجاهد وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقال البغوي وابن الجوزي ﴿فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾: وهو اللوح المحفوظ. الآية الثانية عشرة: قوله تعالى في سورة الزخرف: ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ قال ابن كثير: ﴿وإنه﴾ أي: القرآن ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ أي: اللوح المحفوظ قاله ابن عباس ﵄ ومجاهد، وقال البغوي: ﴿وإنه﴾ يعني: القرآن ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ في اللوح المحفوظ قال قتادة: ﴿أُمِّ الْكِتَابِ﴾ أصل الكتاب وأم كل شيء أصله، قال ابن عباس ﵄: أول ما خلق الله القلم فأمره أن يكتب بما يريد أن يخلق فالكتاب عنده ثم قرأ ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا﴾ فالقرآن مثبت عند

стр. 52

الله في اللوح المحفوظ كما قال: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ وكذا قال ابن الجوزي القرآن مثبت عند الله في اللوح المحفوظ. الآية الثالثة عشرة قوله تعالى في سورة الواقعة: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ قال البغوي: ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ مصون عند الله في اللوح المحفوظ، وقال ابن الجوزي: ﴿فِي كِتَابٍ﴾ فيه قولان أحدهما: أنه اللوح المحفوظ قاله ابن عباس والثاني: أنه المصحف الذي بأيدينا قاله مجاهد وقتادة. الآية الرابعة عشرة قوله تعالى في سورة (ق): ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ قال ابن الجوزي أي: حافظ لعددهم وأسمائهم ولما تنقص الأرض منهم وهو اللوح المحفوظ قد أثبت فيه ما يكون، وقال البغوي في قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ محفوظ من الشياطين ومن أن يدرس ويتغير وهو اللوح المحفوظ. انتهى. الآية الخامسة عشرة قولة تعالي في سورة البروج: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ قال البغوي: هو أم الكتاب ومنه تنسخ الكتب محفوظ من الشياطين ومن الزيادة فيه والنقصان، وقال ابن الجوزي نحو ذلك، وقال ابن كثير: أي هو في الملأ الأعلى محفوظ من الزيادة والنقص والتحريف والتبديل. انتهى. الآية السادسة عشرة قوله تعالى في سورة النبأ: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾ قال البغوي: أي وكل شيء من الأعمال بيناه في اللوح المحفوظ كقوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ وقال ابن الجوزي: قال المفسرون: وكل شيء من الأعمال أثبتناه في اللوح المحفوظ. انتهى.

стр. 53

وروى عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة وأبو بكر الآجري في كتاب الشريعة عن طاوس قال: كنت جالسا مع ابن عباس ﵄ في حلقة فذكروا أهل القدر فقال: أفي الحلقة منهم أحد فآخذ برأسه ثم أقرأ عليه: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ ثم اقرأ عليه آية كذا وآية كذا - آيات في القرآن، إسناد كل منهما صحيح على شرط الشيخين. وهذه الآية من سورة الإسراء هي الآية السابعة عشرة من الآيات الدالة على كتابة المقادير على أحد القولين فيها. قال البغوي: قوله : ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ أي أعلمناهم وأخبرناهم فيما آتيناهم من الكتاب أنهم سيفسدون، وقال ابن عباس ﵄ وقتادة: يعني وقضينا عليهم فإلى بمعنى على، والمراد بالكتاب اللوح المحفوظ انتهى وذكر ابن الجوزي في تفسيره نحو ذلك. الآية الثامنة عشر: قوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ قال أبو جعفر ابن جرير: يقول تعالى ذكره لأهل بدر الذين غنموا وأخذوا من الأسرى الفداء ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ يقول لولا قضاء من الله سبق لكم أهل بدر في اللوح المحفوظ بأن الله مُحل لكم الغنيمة، وأن الله قضى فيما قضى أنه لا يضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون، وأنه لا يعذب أحدا شهد المشهد الذي شهدتموه ببدر مع رسول الله ﷺ ناصرا دين الله لنالكم من الله بأخذكم الغنيمة والفداء عذاب عظيم، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. انتهى.

стр. 54

وقال البغوي في تفسيره: قال ابن عباس ﵄: كانت الغنائم حراما على الأنبياء والأمم وكانوا إذا أصابوا شيئا من الغنائم جعلوه للقربان فكانت تنزل نار من السماء فتأكله، فلما كان يوم بدر أسرع المؤمنون في الغنائم وأخذوا الفداء فأنزل الله ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ يعني: لولا قضاء من الله سبق في اللوح المحفوظ بأنه يُحل لكم الغنائم. وقال ابن كثير في تفسيره: قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ يعني: في أم الكتاب الأول أن المغانم والأسارى حلال لكم لمسكم فيما أخذتم من الأسارى عذاب عظيم. انتهى. أما النصوص من السنة على إثبات كتابة المقادير فهي كثيرة جدا وقد تقدم منها ثلاثة أحاديث، أولها حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة قال: وعرشه على الماء» رواه الإمام أحمد ومسلم والترمذي وعبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة والآجري في كتاب الشريعة وهذا لفظ مسلم وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. قال النووي في شرح مسلم: قال العلماء: المراد تحديد وقت الكتابة في اللوح المحفوظ أو غيره لا أصل التقدير فإن ذلك أزلي لا أول له. انتهى. الثاني: حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: جاء سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن فيم العمل اليوم أفيم جفت به الأقلام وجرت به المقادير أم فيما نستقبل؟ قال: «بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير» قال: ففيم العمل؟ فقال: «اعملوا فكل ميسر» رواه الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم، وعبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة، وأبو بكر الآجري في كتاب الشريعة. وقد رواه ابن حبان في صحيحه ولفظه عن جابر ﵁ أن سراقة بن جعشم قال: يا رسول الله أخبرنا عن أمرنا كأننا ننظر إليه أبما جرت به الأقلام وثبتت به المقادير أو بما يستأنف قال: «بل بما جرت به الأقلام وثبتت به المقادير» قال: ففيم العمل إذا؟ قال: «اعملوا فكل ميسر»

стр. 55

قال: سراقة فلا أكون أبداً أشد اجتهادا في العمل مني الآن. قال النووي في شرح مسلم: قوله: «جفت به الأقلام» أي: مضت به المقادير وسبق علم الله تعالى به وتمت كتابته في اللوح المحفوظ وجف القلم الذي كتب به، وامتنعت فيه الزيادة والنقصان، قال العلماء: وكتاب الله تعالى ولوحه وقلمه والصحف المذكورة في الأحاديث كل ذلك مما يجب الإيمان به، وأما كيفية ذلك وصفته فعلمها إلى الله تعالى ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء والله أعلم. انتهى. الثالث حديث عمران بن حصين ﵄ أن رجلا من جهينة أو من مزينة أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه شيء قضى عليهم أو مضى عليهم في قدر قد سبق أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم ﷺ واتخذت عليهم به الحجة قال: «بل شيء قضى عليهم ومضى عليهم» قال: فلم يعملون إذا يا رسول الله؟ قال: «من كان الله خلقه لواحدة من المنزلتين يهيئه لعملها وتصديق ذلك في كتاب الله ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾» رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي ومسلم. وروى الإمام أحمد أيضا وأبو داود من حديث ابن عمر ﵄ نحوه وهو الحديث الرابع.

стр. 56

الحديث الخامس عن عمران بن حصين ﵄ قال: دخلت على النبي ﷺ وعقلت ناقتي بالباب فأتاه ناس من بني تميم فقال: «اقبلوا البشري يا بني تميم»، قالوا: قد بشرتنا فأعطنا مرتين ثم دخل عليه ناس من أهل اليمين فقال: «اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم»، قالوا: قد قبلنا يا رسول الله قالوا: جئناك نسألك عن هذا الأمر قال: «كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السموات والأرض» رواه البخاري بهذا اللفظ والترمذي مختصرا وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقد رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح ولفظه عن عمران ابن حصين ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «اقبلوا البشرى يا بني تميم» قال: قالوا: قد بشرتنا فأعطنا قال «اقبلوا البشرى يا أهل اليمن» قال: قالوا: قد قبلنا فأخبرنا عن أول هذا الأمر كيف كان؟ قال: «كان الله ﵎ قبل كل شيء وكان عرشه على الماء وكتب في اللوح المحفوظ ذكر كل شيء» ورواه أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة وقال: فيه «كان الله ولم يك شيء وكان عرشه على الماء ثم كتب في الذكر كل شيء قبل أن يخلق السموات والأرض». الحديث السادس عن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: دخلت على عبادة وهو مريض أتخايل فيه الموت فقلت: يا أبتاه أوصني واجتهد لي، فقال: أجلسوني قال: يا بني أنك لن تطعم طعم الإيمان ولم تبلغ حقه حقيقة العلم بالله ﵎ حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، قال: قلت: يا أبتاه فكيف لي أن أعلم ما خير القدر وشره، قال: تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك، يا بني إني سمعت رسول الله صلى

стр. 57

الله عليه وسلم يقول: «إن أول ما خلق الله ﵎ القلم ثم قال: اكتب فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة» يا بني؛ إن مت ولست على ذلك دخلت النار، رواه الإمام أحمد. وقد رواه أبو داود السجستاني بنحوه وقال فيه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول ما خلق الله تعالى القلم فقال: له اكتب, فقال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة» يا بني؛ إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من مات على غير هذا فليس مني» وفي رواية لأحمد قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «أول ما خلق الله ﵎ القلم، ثم قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: فاكتب ما يكون وما هو كائن إلى أن تقوم الساعة». ورواه أبو داود الطيالسي وقال فيه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول ما خلق الله القلم، فقال: اكتب، فقال: يا رب ما أكتب؟ قال: اكتب القدر ما كان وما هو كائن إلى الأبد». ورواه أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة وقال فيه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول شيء خلقه الله القلم فقال: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: أكتب القدر فجرى تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة». ورواه الترمذي من طريق أبي داود الطياليسي حدثنا عبد الواحد بن سليم قال: قدمت مكة فلقيت عطاء بن أبي رباح فقلت له: يا أبا محمد أن أهل البصرة يقولون في القدر قال: يا بني أتقرأ القرآن قلت: نعم، قال: فاقرأ الزخرف، قال: فقرأت:

стр. 58

﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ فقال: أتدري ما أم الكتاب؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه كتاب كتبه الله قبل أن يخلق السموات وقبل أن يخلق الأرض فيه أن فرعون من أهل النار وفيه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾. قال عطاء: فلقيت الوليد بن عبادة بن الصامت صاحب رسول الله ﷺ فسألته ما كان وصية أبيك عند الموت قال: دعاني أبي فقال لي: يا بني اتق الله واعلم أنك لن تتقي الله حتى تؤمن بالله وتؤمن بالقدر كله خيره وشره، فإن مت على غير هذا دخلت النار إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول ما خلق الله القلم فقال: اكتب، فقال: ما أكتب؟ قال: اكتب, القدر ما كان وما هو كائن إلى الأبد» قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه. الحديث السابع: عن أُبي بن كعب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب, فجرى بما هو كائن إلى الأبد» رواه رزين. الحديث الثامن: عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إن أول شيء خلقه الله القلم وأمره أن يكتب كل شيء» رواه البزار قال الهيثمي: ورجاله ثقات. وقد رواه عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة ولفظه أن رسول الله ﷺ قال: «إن أول ما خلق الله القلم فأمره فكتب كل شيء يكون» رواته كلهم ثقات. الحديث التاسع: عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «لما خلق الله القلم قال له: اكتب فجرى بما هو كائن إلى قيام الساعة» رواه الطبراني قال الهيثمي: ورجاله ثقات.

стр. 59

الحديث العاشر: عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول شيء خلق الله القلم، ثم خلق النون وهي الدواة، ثم قال: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما يكون وما هو كائن من عمل أو أثر أو رزق أو أجل فكتب ما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة، فذلك قوله : ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾، ثم ختم على القلم فلم ينطق ولا ينطق إلى يوم القيامة» رواه الآجري في كتاب الشريعة. الحديث الحادي عشر: عن ابن عباس ﵄ أنه ركب خلف رسول الله ﷺ يوما فقال له رسول الله ﷺ : «يا غلام إني معلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف» رواه الإمام احمد والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح. الحديث الثاني عشر: عن أبي هريرة ﵁ قال: قلت: يا رسول الله إني رجل شاب وأخاف العنت ولا أجد ما أتزوج به ألا أختصي فسكت عني ثم قلت له؛ فسكت عني ثم قلت له؛ فسكت ثم قال: «يا أبا هريرة جف القلم بما أنت لاق فاختص على ذلك أو ذر» رواه البخاري والنسائي. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: قوله: «جف القلم بما أنت لاق» أي نفذ المقدور بما كتب في اللوح المحفوظ فبقي القلم الذي كتب به جافا لا مداد فيه لفراغ ما كتب به.

стр. 60

وقال الحافظ أيضا في الكلام على هذا الحديث (جف القلم):أي فرغت الكتابة إشارة إلى أن الذي كتب في اللوح المحفوظ لا يتغير حكمه، فهو كناية عن الفراغ من الكتابة لأن الصحيفة حال كتابتها تكون رطبة أو بعضها وكذلك القلم فإذا انتهت الكتابة جفت الكتابة والقلم، وقال الطيبي: هو من إطلاق اللازم على الملزوم لأن الفراغ من الكتابة يستلزم جفاف القلم عن مداده، قال ابن حجر: وفيه إشارة إلى أن كتابة ذلك انقضت من أمد بعيد. وقال عياض: معني جف القلم أي لم يكتب بعد ذلك شيئا، وكتاب الله ولوحه وقلمه من غيبه ومن علمه الذي يلزمنا الإيمان به ولا يلزمنا معرفة صفته. انتهى. وقوله: «فاختص على ذلك أو ذر» قال الحافظ ابن حجر: ليس الأمر فيه لطلب الفعل بل هو للتهديد وهو كقوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ والمعنى إن فعلت أو لم تفعل فلابد من نفوذ القدر وليس فيه تعرض للخصاء، ومحصل الجواب أن جميع الأمور بتقدير الله في الأزل فالخصاء وتركه سواء فإن الذي قدر لابد أن يقع. انتهى. الحديث الثالث عشر عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه من نوره يومئذ اهتدى ومن أخطأه ضل فلذلك أقول جف القلم على علم الله » رواه الإمام أحمد والترمذي والبزار والطبراني، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وقال الهيثمي: رجال أحد إسنادي أحمد ثقات، وقد رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وقال: صحيح قد تداوله

стр. 61

الأئمة وقد احتجا بجميع رواته ثم لم يخرجاه ولا أعلم له علة، وقال الذهبي: في تلخيصه على شرطهما ولا علة له. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: ويقال: إن عبد الله بن طاهر أمير خراسان للمأمون سأل الحسين بن الفضل عن قوله تعالى ﴿:كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَانٍ﴾ مع هذا الحديث، فأجاب هي شئون يبديها لا شئون يبتديها فقام إليه وقبل رأسه. انتهى. وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: «إن أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة» رواه عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة وإسناده صحيح على شرط البخاري. وعنه أيضا ﵁ أنه قال: «إن أول ما خلق الله القلم فأمره أن يكتب ما يريد أن يخلق فالكتاب عنده ثم قرأ ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾» رواه عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة ورجاله ثقات. وعن أيضا ﵁ أنه قال: «أول ما خلق الله القلم قال: اكتب, قال: وماذا أكتب؟ قال: اكتب القدر فجرى بما يكون من ذلك اليوم إلى قيام الساعة» رواه ابن جرير بإسناد صحيح على شرط الشيخين، ورواه أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة بنحوه وزاد في آخره «وكان عرشه على الماء» وإسناده صحيح على شرط الشيخين وقد رواه الحاكم في مستدركه بنحو رواية الآجري وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه. وعنه أيضا ﵁ أنه قال: «أول ما خلق الله القلم خلقه من هجاء قبل الألف واللام فتصور قلما من نور فقيل له أجر في اللوح المحفوظ قال: يا رب بماذا؟ قال: بما يكون إلى يوم القيامة فلما خلق الله الخلق وكل بالخلق حفظة يحفظون عليهم

стр. 62

أعمالهم فلما قامت القيامة عرضت عليهم أعمالهم وقيل ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ثم عرض بالكتابين فكانا سواء. قال ابن عباس: ألستم عربا هل تكون النسخة إلا من كتاب؟» رواه الحاكم في مستدركه وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه. وعنه أيضا ﵁ أنه قال: «إن الله جل ذكره خلق العرش فاستوى عليه، ثم خلق القلم فأمره أن يجري بإذنه فقال القلم: بما يا رب أجري؟ قال: بما أنا خالق وكائن في خلقي من قطر أو نبات أو نفس أو أثر يعني به العمل أو رزق أو أجل، فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة فأثبته الله في الكتاب المكنون عنده تحت العرش» رواه ابن أبي حاتم والطبراني. وعن مجاهد قال: قيل لابن عباس ﵄: إن هاهنا قوما يقولون في القدر فقال: «إنهم يكذبون بكتاب الله لآخذن بشعر أحدهم فلأنصونه، إن الله كان عرشه على الماء قبل أن يخلق شيئا، ثم خلق فكان أول ما خلق القلم ثم أمره فقال: اكتب، فكتب ما هو كائن إلى قيام الساعة، وإنما تجري الناس على أمر قد فرغ منه» رواه الآجري في كتاب الشريعة. قوله فلأنصونه أي أخذ بناصيته. وهذه الآثار عن ابن عباس ﵄ لها حكم المرفوع لأنه لا دخل للرأي في مثل هذا وإنما يقال عن توقيف: وقد قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكافية الشافية: واذكر حديث السبق للتقدير والـ ... توقيت قبل جميع ذي الأعيان خمسين ألفا من سنين عدها الـ ... مختار سابقة لذي الأكوان

стр. 63

هذا وعرش الرب فوق الماء من ... قبل السنين بمدة وزمان والناس مختلفون في القلم الذي ... كتب القضاء به من الديان هل كان قبل العرش أو هو بعده؟ ... قولان عند أبي العلا الهمذاني والحق أن العرش قبل لأنه ... قبل الكتابة كان ذا أركان وكتابة القلم الشريف تعقبت ... إيجاده من غير فصل زمان لما براه الله قال اكتب كذا ... فغدا بأمر الله ذا جريان فجرى بما هو كائن أبدا إلى ... يوم المعاد بقدرة الرحمن ومما ذكرته من نصوص الآيات والأحاديث على كتابة المقادير وعلى القلم الذي كتبت به المقادير وعلى الكتاب المبين الذي كتبت فيه المقادير أبلغ رد على ابن محمود فيما زعمه من أن كتابة المقادير عبارة عن العلم القائم بذات الله وسبق علمه بالأشياء قبل وقوعها وأن ذلك بمثابة المكتوب المضبوط في علم الله. وقد تقدم ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى من إجماع الصحابة والتابعين وجميع أهل السنة والحديث أن كل كائن إلى يوم القيامة فهو مكتوب في أم الكتاب. وتقدم أيضا ما ذكره شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى عن أهل السنة والجماعة أنهم يؤمنون بخلق الله لكل شيء، وقدرته على كل شيء، ومشيئته لكل ما كان،

стр. 64

وعلمه بالأشياء قبل أن تكون وتقديره لها وكتابته إياها قبل أن تكون، وفي هذا أبلغ رد على ابن محمود. وأما قوله: وإنما ذكرت هذا لتقريب الأذهان إلى الإذعان بالإيمان بالقرآن. فجوابه: أن يقال ليست رسالة ابن محمود في القضاء والقدر مما يقرب الأذهان إلى الإذعان بالإيمان بالقرآن، وإنما هي مما يقرب الأذهان إلى الإذعان بقول غلاة القدرية الذين ينكرون كتابة المقادير قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وقد تبعهم ابن محمود على قولهم الباطل حيث زعم في صفحة ١٣ وصفحة ١٥ أن كتابة المقادير عبارة عن العلم القائم بذات الله وسبق علمه بالأشياء فبل وقوعها وأن ذلك بمثابة المكتوب المضبوط في علم الله عبر عنها سبحانه بالكتابة هذا كلامه وهو صريح في نفي الكتابة كما تقدم بيان ذلك. وأما قوله فهو سبحانه يعلم بالمصيبة قبل وقوعها، وعلمه سبحانه بها ليس هو الذي أوقع المصاب في المصيبة وإنما وقعت بالأسباب المترتبة على وقوعها. فقال: إن المصائب كلها بقضاء وقدر وأسبابها بقضاء وقدر فالكل معلوم للرب ﵎ في الأزل ومكتوب في اللوح المحفوظ قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة. ومن زعم أن المصائب تقع بالأسباب وحدها ولم تكن بقضاء وقدر سابق فهو من القدرية الذين سماهم النبي ﷺ مجوس هذه الأمة.

стр. 65

التنبيه الرابع: قال ابن محمود في صفحة ١٧ و ١٨ ما نصه: وهنا حديث يجادل به أهل الجدل من أهل القدر وهو في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اِلْتقى آدم وموسى فقال موسى: أنت آدم أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وعلمك أسماء كل شيء فبما أخرجتنا ونفسك من الجنة، فقال آدم: أنت موسى رسول الله وكلمك الله تكليما وقد قرأت التوراة أفلا وجدت فيها (وعصى آدم ربه فغوى) وذلك قبل أن أخلق بأربعين عاما، قال: بلى قال: فلم تلومني على أمر قدره عليَّ، قال: فحج آدم موسى». وهذا الحديث من مشكل الآثار، وقد ألحق به ابن حجر في فتح الباري عدة إشكالات كثيرة، أهمها أنه مخالف لنص القرآن في قصة آدم في قوله: ﴿وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ وفي قوله: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ فلم يحتج آدم على ربه بكتابة المقادير بل اعترف بذنبه ولجأ بالتوبة إلى ربه، ومنها أنه يقوي مذهب الجبر المخالف للكتاب والسنة وإجماع الصحابة وسلف الأمة، ثم هذا اللقاء هل هو بالأرواح في الدنيا أم هو يوم القيامة حين يبعث الناس من قبورهم وتسقط عنهم التكاليف الشرعية؟ إلى غير ذلك مما ذكر ج ١١ ص ٤٠٦. وأقول: إن في كلام ابن محمود عدة أخطاء، أحدها قوله: إن هذا الحديث من مشكل الآثار، وهذا يقتضي الطعن في صحة الحديث والتوقف عن قبوله وهو قول القدرية كما سيأتي بيانه، فأما أهل السنة والجماعة فإنهم قد تلقوا هذا الحديث بالقبول والتسليم واتفقوا على صحته وثبوته عن النبي ﷺ .

стр. 66

قال ابن عبد البر: هذا الحديث ثابت بالاتفاق رواه عن أبي هريرة جماعة من التابعين وروي عن النبي ﷺ من وجوه أخرى من رواية الأئمة الثقات الأثبات. انتهى. وقد نقله الحافظ ابن حجر في فتح الباري صفحة ٤٠٧ ج ١١ الطبعة الأولى سنة ١٣٢٥هـ. وقال ابن كثير في البداية والنهاية: من كذب بهذا الحديث فمعاند لأنه متواتر عن أبي هريرة ﵁ وناهيك به عدالة وحفظا وإتقانا. انتهى. وسيأتي كلام ابن القيم في ذكر الاتفاق على صحة هذا الحديث. ونقل الحافظ ابن حجر في صفحة ٤١٠ ج ١١ من فتح الباري عن ابن عبد البر أنه قال: هذا الحديث أصل جسيم لأهل الحق في إثبات القدر، وأن الله قضى أعمال العباد فكل أحد يصير لما قدر له بما سبق في علم الله، قال: وليس فيه حجة للجبرية وإن كان في بادئ الرأي يساعده. انتهى. وقال الحافظ في صفحة ٤١٣ ج ١١ وفيه حجة لأهل السنة في إثبات القدر وخلق أفعال العباد. انتهى. وما أحسن ما فعله هارون الرشيد مع من استشكل حديث أبي هريرة ﵁ في احتجاج آدم وموسى فقد روى الخطيب البغدادي في تاريخه من طريق يعقوب بن سفيان قال: سمعت علي بن المديني يقول: قال محمد بن خازم: كنت أقرأ حديث الأعمش عن أبي صالح علي أمير المؤمنين هارون فكلما قلت: قال رسول الله، قال: صلى الله على سيدي ومولاي حتى ذكرت حديث «التقى آدم وموسى» فقال عمه - وسماه علي

стр. 67

فذهب علي - فقال: يا محمد أين التقيا؟ قال: فغضب هارون، وقال: من طرح إليك هذا؟ وأمر به فحبس ووكل بي من حشمه من أدخلني إليه في محبسه، فقال: يا محمد والله ما هو إلا شيء خطر ببالي، وحلف لي بالعتق وصدقة المال وغير ذلك من مغلظات الأيمان ما سمعت ذلك من أحد ولا جرى بيني وبين أحد في هذا كلام وما هو إلا شيء خطر ببالي لم يجر بيني وبين أحد فيه كلام، قال: فلما رجعت إلى أمير المؤمنين كلمته قال: ليدلني على من طرح إليه هذا الكلام فقلت: يا أمير المؤمنين قد حلف بالعتق ومغلظات الأيمان أنه إنما هو شيء خطر ببالي لم يجر بيني وبين أحد فيه كلام قال: فأمر به فأطلق من الحبس وقال لي: يا محمد ويحك إنما توهمت أنه ألقى إليه بعض الملحدين هذا الكلام الذي خرج منه فيدلني عليهم فأستبيحهم، وإلا فأنا على يقين أن القرشي لا يتزندق، قال هذا أو نحوه من الكلام. انتهى. وروى أبو عثمان الصابوني في عقيدته بإسناده عن محمد ابن حاتم المظفري قال: كان أبو معاوية الضرير يحدث هارون الرشيد فحدثه بحديث أبي هريرة «احتج آدم وموسى» فقال عيسى بن جعفر: كيف هذا وبين آدم وموسى ما بينهما؟، قال: فوثب به هارون وقال: يحدثك عن الرسول ﷺ وتعارضه بكيف؟ قال: فما زال يقول حتى سكت عنه. قال: الصابوني هكذا ينبغي للمرء أن يعظم أخبار رسول الله ﷺ ويقابلها بالقبول والتسليم والتصديق وينكر أشد الإنكار على من يسلك فيها غير هذا الطريق الذي سلكه هارون الرشيد مع من اعترض على الخبر الصحيح الذي سمعه بكيف على طريق الإنكار له، والابتعاد عنه ولم يتلقه بالقبول كما يجب أن يتلقى جميع ما يرد عن الرسول ﷺ . انتهى.

стр. 68

الخطأ الثاني: قوله: إن ابن حجر ألحق به إشكالات كثيرة في فتح الباري، وليس الأمر كما زعمه ابن محمود فان الحافظ ابن حجر لم يلحق به إشكالات من قبل نفسه ولا عن أحد من أهل السنة، وإنما ذكر الإشكالات عن القدرية فهم سلف من استشكل هذا الحديث الصحيح. قال في فتح الباري صفحة ٤١١ ج ١١ الطبعة الأولى سنة ١٣٢٥ هـ ما نصه: وقد أنكر القدرية الحديث لأنه صريح في إثبات القدر السابق وتقرير النبي ﷺ لآدم على الاحتجاج به وشهادته بأنه غلب موسى، فقالوا: لا يصح لأن موسى لا يلوم على أمر قد تاب منه صاحبه وقد قتل هو نفسا لم يؤمر بقتلها، ثم قال: رب اغفر لي فغفر له، فكيف يلوم آدم على أمر قد غفر له. ثانيها لو ساغ اللوم على الذنب بالقدر الذي فرغ من كتابته على العبد لكان من عوتب على معصية قد ارتكبها فيحتج بالقدر السابق، ولو ساغ ذلك لانسد باب القصاص والحدود ولاحتج به كل أحد على ما يرتكبه من الفواحش، وهذا يفضي إلى لوازم فظيعة فدل ذلك على أن هذا الحديث لا أصل له، ثم ذكر الحافظ الجواب عن قول القدرية من أوجه فليراجع ذلك في صفحة ٤١١ ج ١١ وما بعدها. وقال ابن كثير في البداية والنهاية: وقد اختلفت مسالك الناس في هذا الحديث فرده قوم من القدرية لما تضمن من إثبات القدر السابق، واحتج به قوم من الجبرية وهو ظاهر لهم بادئ الرأي حيث قال: فحج آدم موسى لما احتج عليه بتقدم كتابه - ثم ذكر قول من قال من العلماء: إن جواب آدم إنما كان احتجاجا بالقدر على المصيبة لا المعصية.

стр. 69

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه (شفاء العليل): وقد رد هذا الحديث من لم يفهمه من المعتزلة كأبي علي الجبائي ومن وافقه على ذلك، وقال: لو صح لطلت نبوات الأنبياء، فإن القدر إذا كان حجة للعاصي بطل الأمر والنهي فإن العاصي بترك الأمر أو فعل النهي إذا صحت له الحجة بالقدر السابق ارتفع اللوم عنه. وهذا من ضلال فريق الاعتزال وجهلهم بالله ورسوله وسنته، فإن هذا حديث صحيح متفق على صحته لم تزل الأمة تتلقاه بالقبول من عهد نبيها قرنا بعد قرن وتقابله بالتصديق والتسليم، ورواه أهل الحديث في كتبهم وشهدوا به على رسول الله ﷺ أنه قاله وحكموا بصحته، فما لأجهل الناس بالسنة ومن عرف بعداوتها وعداوة حملتها والشهادة عليهم بأنهم مجسمة ومشبهة حشوية وهذا الشأن، ولم يزل أهل الكلام الباطل المذموم موكلين برد أحاديث رسول الله ﷺ التي تخالف قواعدهم الباطلة وعقائدهم الفاسدة - ثم ذكر أمثلة مما رده أهل البدع من الأحاديث الصحيحة إلى أن قال: إذا عرفت هذا فموسى أعرف بالله وأسمائه وصفاته من أن يلوم على ذنب قد تاب منه فاعله فاجتباه ربه بعده وهداه واصطفاه، وآدم أعرف بربه من أن يحتج بقضائه وقدره على معصيته، بل إنما لام موسى آدم على المصيبة التي نالت الذرية بخروجهم من الجنة ونزولهم إلى دار الابتلاء والمحنة بسبب خطيئة أبيهم، فذكر الخطيئة تنبيها على سبب المصيبة والمحنة التي نالت الذرية ولهذا قال له: أخرجتنا ونفسك من الجنة. وفي لفظ خيبتنا، فاحتج آدم بالقدر على المصيبة وقال: إن هذه المصيبة التي نالت الذرية بسبب خطيئتي كانت مكتوبة بقدره قبل خلقي. والقدر يحتج به في المصائب دون المعائب، أي أتلومني على المصيبة

стр. 70

قدرت عليَّ وعليكم قبل خلقي بكذا وكذا سنة، هذا جواب شيخنا ﵀ يعني شيخ الإسلام أبا العباس ابن تيمية. قال ابن القيم: وقد يتوجه جواب آخر وهو أن الاحتجاج بالقدر على الذنب بنفع في موضع ويضر لي موضع فينفع إذا احتج بعد وقوعه والتوبة منه وترك معاودته كما فعل آدم، فيكون في ذكر القدر إذ ذاك من التوحيد ومعرفة أسماء الرب وصفاته وذكرها ما ينتفع به الذاكر والسامع؛ لأنه لا يدفع بالقدر أمرا ولا نهيا ولا يبطل به شريعة بل يخبر بالحق المحض على وجه التوحيد والبراءة من الحول والقوة. يوضحه أن آدم قال لموسى: أتلومني على أن عملت عملا كان مكتوبا على قبل أن أخلق، فإذا أذنب الرجل ذنبا ثم تاب منه توبة وزال أمره حتى كأن لم يكن فأنبه مؤنب عليه ولامه حسن منه أن يحتج بالقدر بعد ذلك، ويقول هذا أمر كان قد قدر على قبل أن أخلق، فانه لم يدفع بالقدر حقا ولا ذكره حجة له على باطل ولا محذور في الاحتجاج به. وأما الموضع الذي يضر الاحتجاج به ففي الحال والمستقبل بأن يرتكب فعلا محرما أو يترك واجبا فيلومه عليه لائم فيحتج بالقدر على إقامته عليه وإصراره فيبطل بالاحتجاج به حقا ويرتكب باطلا كما احتج به المصرون على شركهم وعبادتهم غير الله فقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا﴾ وقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ فاحتجوا به مصوبين لما هم عليه وأنهم لم يندموا على فعله ولم يعزموا على تركه ولم يقروا بفساده، فهذا ضد احتجاج من تبين له خطأ نفسه وندم وعزم كل العزم على أن لا يعود فإذا لامه لائم بعد ذلك قال: كان ما كان بقدر الله. ونكتة المسألة أن اللوم إذا ارتفع صح الاحتجاج بالقدر وإذا كان اللوم واقعا فالاحتجاج بالقدر باطل انتهى كلامه رحمه الله تعالى، وهو من أحسن الأجوبة عن احتجاج آدم بالقدر.

стр. 71

الخطأ الثالث: قوله عن الإشكالات التي نسبها إلى الحافظ ابن حجر أن أهمها أنه - أي حديث أبي هريرة ﵁ مخالف لنص القرآن في قصة آدم في قوله: ... ﴿وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ وفي قوله: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾. والجواب: أن يقال أولا ليس هذا الكلام في فتح الباري فلا تصح نسبته إلى الحافظ ابن حجر. ويقال ثانيا ليس في الحديث ما يخالف القرآن بوجه من الوجوه وإنما هو موافق للقرآن لما فيه من إثبات القدر السابق، وقد تقدم قول ابن عبد البر أنه أصل جسيم لأهل الحق في إثبات القدر، وقول الحافظ ابن حجر أنه صريح في إثبات القدر السابق وقول ابن كثير أنه قد تضمن إثبات القدر السابق. الخطأ الرابع: قوله: إنه يقوي مذهب الجبر المخالف للكتاب والسنة وإجماع الصحابة وسلف الأمة. وجوابه: أن يقال: أولا ليس هذا الكلام بهذه العبارة في فتح الباري فلا تصح نسبته إلى الحافظ بن حجر. ويقال: ثانيا: إن ابن حجر لم يقل إن هذا الحديث يقوي مذهب الجبر وإنما نقل عن ابن عبد البر أنه قال: ليس فيه حجة للجبرية وإن كان في بادئ الرأي يساعدهم، وقال ابن حجر أيضا في آخر الكلام على حديث أبي هريرة ﵁: لما كان المراد به الرد على القدرية الذين ينكرون سبق القدر اكتفى به معرضا عما يوهمه ظاهره من تقوية مذهب الجبر لما تقرر من دفعه في مكانه. الخطأ الخامس: قوله: ثم هذا اللقاء هل هو بالأرواح في الدنيا أم هو يوم القيامة حين يبعث الناس من قبورهم وتسقط عنهم التكاليف الشرعية.

стр. 72

وجوابه: أن يقال: أولا: ليس هذا الكلام بهذه العبارة في فتح الباري فلا تصح نسبته إلى الحافظ ابن حجر. ويقال: ثانيا: إن ابن حجر ذكر اختلاف العلماء في وقت احتجاج آدم وموسى وذكر فيها احتمالات لبعض العلماء لا دليل على شيء منها، وأقربها ما جزم به ابن عبد البر والقابسي أنهما التقيا في البرزخ بعد وفاة موسى، ويؤيد ذلك قوله في إحدى روايات مسلم: «احتج آدم وموسى عند ربهما» وقد ترجم البخاري على ذلك في كتاب القدر فقال: (باب، تحاج آدم وموسى عند الله). وأحسن ما يسلك في ذلك إمرار الحديث كما جاء مع الإيمان به، ولو كان في تعيين وقت التقائهما فائدة تعود على المكلفين لبين ذلك النبي ﷺ لأمته. وأيضا فإنه لم يذكر عن أحد من الصحابة ولا التابعين وتابعيهم وأئمة العلم والهدى من بعدهم ممن روي حديث احتجاج آدم وموسى أنهم تعرضوا لذكر الاحتمالات في وقت التقاء آدم وموسى، ولو كان في ذلك فائدة دينية لكانوا إليها أسبق وعليها أحرص. وقد قال ابن الجوزي فيما نقله عنه ابن حجر في فتح الباري: وهذا مما يجب الإيمان به لثبوته عن خبر الصادق وإن لم يطلع على كيفية الحال، وليس هو بأول ما يجب علينا الإيمان به وإن لم نقف على حقيقة معناه كعذاب القبر ونعيمه ومتى ضاقت الحيل في كشف المشكلات لم يبق إلا التسليم، وقال ابن عبد البر: مثل هذا عندي يجب فيه التسليم ولا يوقف فيه على التحقيق لأنا لم نؤت من جنس هذا العلم إلا قليلا انتهى صفحة ٤٠٧ و ٤٠٨ ج ١١.

стр. 73

التنبيه الخامس قال ابن محمود في صفحة ١٩ و ٢٠ و ٢١ ما ملخصه: وأما الحديث الثاني الذي يحتج به القدرية من أمثال هؤلاء فهو في الصحيحين عن ابن مسعود قال: حدثني رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الله إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد فو الذي نفس محمد بيده إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها». إن هذا الحديث كثيرا ما يجادل به الجهلة من خاصة الشباب الذين لم يعرفوا حقيقة القدر لظنهم أنهم مجبورون على أفعالهم الخيرية والشرية فيذهب فهمهم إلى أن بعض الناس مكتوب لهم السعادة وهم في بطون أمهاتهم مهما عملوا من عمل وآخرون مكتوب لهم الشقاوة مهما عملوا من عمل، فيظنون إن هذا القدر المكتوب هو عبارة عن الجبر وسلب الاختيار، والتحقيق أن الكتابة نوعان، كتابة هي عبارة عن سبق علم الله بالأشياء قبل وقوعها وان الله يعلم أحوال خلقه وما هم عاملون وهم في بطون أمهاتهم، فهذه لا تتبدل ولا تتغير وتسمى كتابة الأزل، وعلمه سبحانه لا يتعلق به إجبارهم على فعل الخير أو الشر بل هم عاملون لأنفسهم مختارون لأعمالهم الصالحة والسيئة فهي كسبهم ويترتب الجزاء على ذلك.

стр. 74

وأما قوله: إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، فمعنى سبق الكتاب إشارة إلى سبق علم الله بخاتمة حياة كل إنسان وذلك أن الرجل يولد مؤمنا بين أبوين مؤمنين فهو يؤمن بالله ويحافظ على فرائض الله من صلاته وصيامه وسائر واجباته وتجتنب المحرمات والمنكرات ويسير على هذه الطريقة المستقيمة غالب عمره، ثم يطرأ عليه الإلحاد وفساد الاعتقاد فيكذب بالقرآن ويكذب بالرسول فيرتد عن دينه فيموت على سوء الخاتمة فيدخل النار بسبب كفره وإلحاده الذي هو خاتمة حياته، وليس سبق الكتاب الذي هو عبارة عن سبق علم الله بتطور حالة هذا الشخص هي التي حملته على الردة وعلى سوء الخاتمة، وإنما وقعت بفعله واختياره لنفسه. وأما الذي يعمل بعمل أهل النار فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها فهو رجل يولد كافراً ويعيش كافرا حتى إذا كان في آخر عمره تاب إلى ربه واستغفر من ذنبه وأسلم فحسن إسلامه فصار يحافظ على واجباته من صلاته وصيامه وسائر عباداته حتى مات على ذلك، وفي حديث أبي سعيد مرفوعا «إن الرجل يولد مؤمنا ويعيش مؤمنا ثم يموت كافرا، وإن الرجل يولد كافرا ويعيش كافرا ثم يموت مؤمنا» رواه الإمام أحمد، وهذا الكفر وهذا الإيمان إنما فعله باختياره ورغبته انتهى كلام ابن محمود. وأقول: هذا الحديث الصحيح عن ابن مسعود ﵁ من أدلة إثبات القدر السابق وفيه الرد على من أنكر كتابه المقادير وعلى من زعم أن الكتابة عبارة عن سبق علم الله بالأشياء قبل وقوعها وذلك لما فيه من النص على الكتابة وهو نص صريح لا يحتمل التأويل.

стр. 75

قال النووي في شرح مسلم: المراد بجميع ما ذكر من الرزق والأجل والشقاوة والسعادة والعمل والذكورة والأنوثة أنه يظهر ذلك للملك ويأمره بإنفاذه وكتابته وإلا فقضاء الله تعالى سابق على ذلك وعلمه وإرادته لكل ذلك موجود في الأزل قال: وفي هذا الحديث تصريح بإثبات القدر. انتهى. وسيأتي في كلام ابن القيم أن حديث ابن مسعود وما في معناه كلها تدل على إثبات القدر السابق. وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري في ذكر فوائد حديث ابن مسعود ﵁: وفيه أن الأعمال حسنها وسيئها أمارات وليست بموجبات وأن مصير الأمور في العاقبة إلى ما سبق به القضاء وجرى به القدر في الابتداء قاله الخطابي. وقال الحافظ أيضا: وفيه أن في تقدير الأعمال ما هو سابق ولاحق فالسابق ما في علم الله تعالى واللاحق ما يقدر على الجنين في بطن أمه، كما وقع في هذا الحديث، وهذا هو الذي يقبل النسخ، وأما ما وقع في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة» فهو محمول على كتابة ذلك في اللوح المحفوظ على وفق ما في علم الله . وقال الحافظ أيضا: وفي الحديث أن الأقدار غالبة والعاقبة غائبة فلا ينبغي لأحد أن يغتر بظاهر الحال ومن ثم شرع الدعاء بالثبات على الدين وبحسن الخاتمة. انتهى. وقد روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة ثم يختم له عمله بعمل أهل النار، وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار ثم يختم له عمله بعمل أهل الجنة».
следующие страницы →