القول الخامس:
إن شرط نفي ضمانها لم يضمن، وإن أطلق ضمن، اختاره بعض المالكية، وهو رواية عن الإمام أحمد (١).
стр. 10222
جاء في فتح العلي المالك: «تقدم في كلام اللخمي في مسألة الرهن أن ابن القاسم وأشهب اتفقا على أنه لا ضمان على المستعير إذا شرط نفي الضمان وتقدم في كلام التوضيح عن المازري نحوه.
وقال اللخمي في كتاب العارية: واختلف إذا شرط المستعير أنه مصدق في تلف الثياب وما أشبهها فقال ابن القاسم وأشهب: له شرطه ولا شيء عليه» (١).
قال ابن القيم في أعلام الموقعين: «اختلف الناس في العارية: هل توجب الضمان إذا لم يفرط المستعير؟ على أربعة أقوال: ....
الرابع: أنه إن شرط نفي ضمانها لم يضمن، وإن أطلق ضمن، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد» (٢).
° وجه هذا القول:
أما أدلتهم على وجوب الضمان إذا كان العقد مطلقًا فقد تقدم، فلا حاجة إلى إعادته، وأما سقوط الضمان بالشرط، فلأن العارية معروف وإحسان، وإسقاط الضمان معروف ثان، فهي زيادة في الإرفاق به والإحسان عليه فتصح، وليس بمنزلة ما كان أصلًا عن معاوضة كالرهن وإجارة الصناع (٣).
° الراجح:
أرى أن القول الراجح أن العارية من عقود الأمانات، لا تضمن إلا بالتعدي
стр. 10223
أو بالتفريط، وأن اشتراط الضمان في عقود الأمانات إذا كانت من عقود التبرع أنه شرط معتبر وصحيح، وانظر الأدلة عليه في المسألة التالية.
* * *
стр. 10224
الفصل الثاني
في اشترط الضمان على المستعير
[م-٢١٢٨] أما من يرى أن العارية مضمونة بمقتضى العقد كالشافعية والحنابلة فهذا الشرط يكون مؤكدًا لما يقتضيه العقد، فهو شرط صحيح؛ لأن الضمان مستقر في العارية اشترط أو لم يشترط.
وأما من يرى أن العارية ليست مضمونة، وأنها أمانة كالحنفية، ورواية عند الحنابلة فإن هذا الشرط فيه مجال للبحث، هل اشتراط الضمان يجعل العارية مضمونة بالشرط، أو لا؟
القول الأول:
لا يصح اشتراط الضمان على المستعير، وهذا هو مذهب الحنفية.
جاء في مجمع الضمانات: «العارية أمانة إن هلكت من غير تعد لم يضمن المستعير ...... واشتراط الضمان على المستعير باطل» (١).
كما جاء تنقيح الفتاوى الحامدية جوابًا على سؤال رجل دفع حماره عارية، واشترط عليه ضمانه، فسرق الحمال، فهل لا ضمان عليه، ولو صدر الشرط؟
فقال: نعم قال في وديعة التنوير واشتراط الضمان على الأمين باطل به يفتى. اهـ. وفي العمادية قال أبو جعفر الشرط وغير الشرط سواء؛ لأن اشتراط الضمان
стр. 10225
على الأمين باطل وبه نأخذ. اهـ. وفي جامع الفتاوى ولا تضمن العارية وإن التزم الضمان عند الهلاك» (١).
كما صاغ الحنفية قاعدة فقهية لبيان أن التزام الضمان لا يصح.
فقالوا: «اشتراط الضمان على الأمين باطل» (٢).
القول الثاني:
أن اشتراط الضمان في عقد العارية شرط صحيح، وهو قول في مذهب الحنفية (٣)، واختاره بعض المالكية.
جاء في تبيين الحقائق: «العارية إذا اشترط فيها الضمان تضمن عندنا في رواية» (٤).
جاء في شرح ميارة، تحت عنوان: فصل في العارية والوديعة والأمناء نقلاً عن ابن الحاجب: «وإذا اشترط إسقاط الضمان فيما يضمن، أو إثباته فيما لا يضمن، ففي إفادته قولان» (٥).
وجاء في الإنصاف عند الكلام على ضمان العارية، قال: «وكل ما كان أمانة لا يصير مضمونًا بشرطه، هذا المذهب، وعليه الأصحاب ... وعنه المسلمون
стр. 10226
على شروطهم كما تقدم» (١).
وقد ذكرنا أدلة هذه المسألة في عقد الوديعة عند الكلام على اشتراط الضمان على المستودع، وانتهيت إلى أن الأمانات قسمان:
ما كان من عقود المعاوضات كضمان رأس مال المضاربة، وضمان العين المستأجرة، فهذه المسائل سبق تحرير الخلاف فيها، ولا أرى صحة اشتراط الضمان فيها بحال، وذلك أن التزام الضمان فيها يجعل الضمان جزءاً من المعاملة: ففي ضمان رأس مال المضاربة يوقع الضمان في الربا، حيث يتحول رأس المال إلى ما يشبه القرض، ويتحول الربح إن وجد إلى فائدة للقرض.
وفي ضمان العين المستأجرة يوقع المستأجر في الغرر، حيث إن الضمان جزء من الإجارة، ولا يعلم مقدار ما سوف يغرم بسبب التلف، وجهالة الأجرة مفسدة للعقد. وراجع بحث المسألتين في عقد المضاربة، وعقد الإجارة فقد استوفيت ذكر الأدلة مما يغني ذلك عن إعادته هنا.
القسم الثاني: ما كانت الأمانات من عقود التبرع، كالوديعة والعارية فهذا يصح اشتراط الضمان على الأمين؛ حيث لا يوقع اشتراطه لا في ربا، ولا في غرر، وعلى فرض أنه أوقع في غرر، فإن الغرر في عقود التبرع مغتفر، وقد تبرع به المستعير فلا حرج في اشتراطه.
ولم يثبت دليل من الكتاب أو من السنة على تحريم اشتراط الضمان في رد العارية، وإذا لم يثبت فإن التزام مثل هذا الشرط لا يكون حرامًا؛ لأن الأصل في الشروط الصحة والجواز.
стр. 10227
وقد دل على صحة اشتراط الضمان في عقود الأمانات إذا كانت قائمة على التبرع حديث استعارة رسول الله ﵇ من صفوان بن أمية، فقال له: أغصبًا يا محمد، فقال: بل عارية مضمونة، وقد سبق تخريجه، على القول بأنه دليل على اشتراط الضمان، وقد سبقت مناقشته في المسألة السابقة، والله أعلم.
* * *
стр. 10228
الباب الرابع
في انتهاء عقد العارية
الفصل الأول
انتهاء العارية بانتهاء مدتها
[م-٢١٢٩] مر معنا أن العارية قد تكون مطلقة، وقد تكون مقيدة فإذا قيدت العارية بعمل كزراعة أرض مثلًا، أو قيدت بأجل معين فإنها تنتهي بانقضاء ذلك العمل أو بلوغ ذلك الأجل، حتى لو حبس العارية بعد انقضاء مدتها فإنه يضمن؛ لأنه صار بحبس العارية عن أهلها بمنزلة الغاصب (١).
جاء في تبيين الحقائق: «لو كانت العارية مؤقتة، فأمسكها بعد مضي الوقت، ولم يردها حتى هلكت ضمن» (٢).
وجاء في مجلة الأحكام العدلية: «العارية الموقتة نصًا أو دلالة يلزم ردها للمعير في ختام المدة، لكن المكث المعتاد معفو.
مثلًا لو استعارت امرأة حليًا على أن تستعمله إلى عصر اليوم الفلاني لزم رد الحلي المستعار في حلول ذلك الوقت، وكذلك لو استعارت حليًا على أن تلبسه
стр. 10229
في عرس فلان لزم إعادته في ختام ذلك العرس، لكن يجب مرور الوقت المعتاد للرد والإعارة» (١).
وجاء في شرح الخرشي: «من أعار شخصًا أرضه ليبني فيها، أو يغرس غرسًا إلى مدة معلومة، ثم انقضت مدة البناء أو الغرس المشترطة، أو المعتادة فإن المستعير يصير حكمه حكم الغاصب» (٢).
وجاء في شرح منتهى الإرادات: «يجب رد عارية بطلب مالك، وبانقضاء الغرض منها، وبانتهاء التأقيت .... » (٣).
وفي كشاف القناع: «وإن وقتها المعير فله أي المستعير أن ينتفع بها أي بالعارية ما لم يرجع المعير أو ... ينقضي الوقت فلا ينتفع إلا بإذن؛ لانتهاء الإعارة، فإن كان المعار أرضًا وانقضت مدة الإعارة لم يكن له أي المستعير أن يغرس ولا يبني ولا يزرع بعد الوقت الذي حدث به الإعارة .... فإن فعل شيئًا من ذلك بأن غرس، أو بنى أو زرع بعد الوقت أو الرجوع فكغاصب» (٤).
* * *
стр. 10230
الفصل الثاني
تنتهي الإعارة برجوع المعير أو رد المستعير
[م-٢١٣٠] تنتهي العارية برد المستعير العين المعارة، وهذا محل اتفاق بين الفقهاء.
قال ابن قدامة: «يجوز للمستعير الرد متى شاء بغير خلاف نعلمه؛ لأنه إباحة، فكان لمن أبيح له تركه كإباحة الطعام» (١).
وأما المعير فهل يملك الرجوع عن العارية؟ اختلف العلماء في هذا على قولين:
القول الأول:
أن له الرجوع مطلقًا سواء كانت العارية مطلقة أو مقيدة، وهذا قول الجمهور في الجملة، إلا إذا تضمن الرجوع ضررًا على المستعير، على خلاف بينهم هل تبقى بلا مقابل، أو تبقى بأجرة المثل.
جاء في مجلة الأحكام العدلية: «متى طلب المعير العارية لزم المستعير ردها إليه فورًا، وإذا أوقفها، وأخرها بلا عذر فتلفت العارية أو نقصت قيمتها ضمن» (٢).
القول الثاني:
ذهب المالكية إلى أن الإعارة إن قيدت بوقت أو أجل فإنه لا يحق للمعير
стр. 10231
الرجوع إلى انقضاء ذلك العمل أو الأجل، وقد وافق الشافعية في قول، والحنابلة في رواية إلى لزوم الإعارة إذا كانت مؤقتة.
وإن كانت الإعارة مطلقة لم تقيد بعمل أو أجل فللمالكية ثلاثة أقوال، المعتمد في المذهب أن الإعارة لا تلزم، ولربها أخذها متى شاء، ولا يلزم قدر ما تراد لمثله عادة، وهو قول ابن القاسم وأشهب (١).
وجاء في تحفة المحتاج: «والعارية المؤقتة كالمطلقة ـ يعني في جواز الرجوع فيها ـ لأن التأقيت وعد لا يلزم، وقيل: لا يجوز له الرجوع حينئذ وإلا لم يكن للتأقيت فائدة» (٢).
وجاء في الإنصاف: «وعنه: إن عين مدة تعينت، قال الحارثي: وهو الأقوى، وعنه: لا يملك الرجوع قبل انتفاعه بها مع الإطلاق. قال القاضي: قياس المذهب يقتضيه» (٣).
وقد فصلت ذلك فيما سبق عند الكلام على توصيف عقد العارية، هل هو عقد جائز، أو عقد لازم، فارجع إليه إن شئت، والله أعلم.
* * *
стр. 10232
الفصل الثالث
تنتهي الإعارة بجنون أو موت أحد المتعاقدين
[م-٢١٣١] إذا جن أو مات أحد المتعاقدين، فهل تنتهي الإعارة، في ذلك خلاف راجع إلى مسألة سابقة، هل العارية من العقود الجائزة، أو من العقود اللازمة،
القول الأول:
الجمهور يرى أن عقد العارية من العقود الجائزة، ولهذا تنتهي بالموت أو الجنون.
جاء في بدائع الصنائع: «والعارية تبطل بموت المعير» (١).
قال السيوطي: «يبطل بالجنون كل عقد جائز، كالوكالة إلا في رمي الجمار، والإيداع، والعارية .... » (٢).
وفي أسنى المطالب: «وتنفسخ العارية بموت واحد من العاقدين وجنون، وإغماء، وحجر سفه من واحد منهما كسائر العقود الجائزة» (٣).
وفي كشاف القناع: «ويجب الرد أيضا بانقضاء الغرض من العين المعارة ... وبموت المعير أو المستعير؛ لبطلان العارية بذلك؛ لأنها عقد جائز من الطرفين» (٤).
стр. 10233
° وجه انفساخ العارية بالموت والجنون:
أن المستعير إذا مات بطلت العارية؛ لأن المعير أباح منافع ملكه له، ولم يبحها للوارث.
وأما بطلانها بموت المعير أو جنونه، فلأن العارية عقد جائز، ومنافع العارية متجددة تحدث شيئًا فشيئًا، فإذا مات فقد انتقل المال إلى الوارث، فكانت منافع العارية الحادثة بعد الموت حادثة على ملك الورثة، وهم لم يبيحوا العارية للمستعير، فبطلت، وفي الجنون فقد أهلية التبرع، والولي لا يملك التبرع، فبطلت.
القول الثاني:
يرى أن عقد العارية إن كان مطلقًا، فهو عقد جائز، وإن كان مقيدًا فهو عقد لازم، وفي حال لزوم العقد فإن مات المستعير انتقل الحق إلى وارثه. وهذا مذهب المالكية.
جاء في المدونة: «سألت مالكا عن الرجل يعير الرجل المسكن، أو يخدمه الخادم عشر سنين فيموت قبل أن يتمها؟ قال: قال مالك: ورثته مكانه.
قلت: وإن لم يقبض؟
قال: وإن لم يقبض.
قلت: فإن مات الذي أعاره قبل أن يقبض المعار عاريته؟
قال: لا شيء له في قول مالك.
قلت: فإن كان قد قبض ثم مات رب الأرض؟
стр. 10234
قال: فلا شيء لورثة رب الأرض حتى يتم هذا سكناه، لأنه قد قبض وهذا قول مالك. وكذلك العارية والهبة والصدقة» (١).
* * *
стр. 10235
الفصل الرابع
انتهاء العارية بهلاك العين المعارة
[م-٢١٣٢] المعقود عليه تارة يكون في الذمة، وتارة يكون على معين.
فما كان في الذمة لا يبطل بتلف المال كالدين والقرض (١).
وما كان من الأعيان فإذا تلف بغير تعد ولا تفريط فإنه يفوت.
فالتلف يكون سببًا لانتهاء بعض العقود إذا كان واقعًا على الأعيان، سواء كان من عقود التبرع كالعارية والوديعة؛ لأنه يتعذر استمرار العقد مع فوات محل العقد (٢). أو كان من عقود المعاوضات كعقد الإجارة، فالإجارة إن كانت على عين وتلفت فقد انتهى عقد الإجارة، بخلاف الإجارة في الذمة فإنه لا يلحقها تلف، فلو أنك استأجرت منه دابة صفتها كذا وكذا، ولم تعين الدابة، فتلفت جميع دوابه فإن العقد لا يبطل؛ لأن العقد كان في الذمة، وما كان في الذمة لا يلحقه تلف، وقد سبق بيانه في عقد الإجارة.
стр. 10236
الفصل الخامس
انتهاء العارية باستحقاق العين المعارة
[م-٢١٣٣] إذا استحقت العين المستعارة، فظهر مالك للعين المعارة فقد انتهى عقد العارية؛ لأن المعير ظهر أنه لا يملك العين المعارة، وإذا كان لا يملكها لم يملك إباحة منافعها.
فإن تلفت العين المستعارة عند المستعير أو نقصت، فقد اختلف الفقهاء في الضمان على من يستقر؟ على قولين:
القول الأول:
إن ضمن المالك المستعير لم يكن له الرجوع بما ضمن على المعير، بخلاف عقود المعاوضات كالبيع والإجارة فله ذلك، وهذا مذهب الحنفية والمالكية (١).
° وجه القول بعدم الرجوع:
الإعارة عقد تبرع، والمعير لم يضمن للمستعير سلامة العين المعارة، ولأن المستعير قد حصل على منفعة العين المعارة بغير عوض، فإذا استحقت لم يرجع على من تبرع له بذلك، كما لو ورثها فاستحقت، لم يرجع في مال الوارث بقيمتها، كذا هذا.
стр. 10237
جاء في مجمع الضمانات: «هلكت في يد المستعير، ثم استحقت، للمالك أن يضمن أيهما شاء، ولا يرجع أحدهما على صاحبه» (١).
جاء في المدونة: «أرأيت إن استعرت من رجل ثوبا شهرين لألبسه، فلبسته شهرين فنقصه لبسي، فأتى رجل فاستحق الثوب، والذي أعارني الثوب عديم لا شيء له، أيكون للذي استحقه أن يضمنني ما نقص لبسي الثوب؟
قال: نعم في رأيي، مثل ما قال مالك في الاشتراء.
قلت: فإن ضمنني، أيكون لي أن أرجع بذلك على الذي أعارني في قول مالك؟
قال: لا أرى لك أن ترجع عليه بشيء؛ لأن الهبة معروف، ولأنه لم يأخذ لهبته ثوابا فيرجع عليه بالثواب» (٢).
القول الثاني:
الرجوع على المعير أو المستعير، وهو قول الشافعية والحنابلة على خلاف بينهم في الذي يكون عليه قرار الضمان.
فاختار الشافعية أنه إن ضمنه المستعير لم يرجع على من أعاره؛ لأن التلف أو النقص كان من فعله.
وإن ضمنه المعير فمن اعتبر العارية مضمونة قال: للمعير أن يرجع على المستعير؛ لأنه كان ضامنًا.
стр. 10238
ومن اعتبر العارية غير مضمونة لم يجعل له أن يرجع عليه بشيء، لأنه سلطه على الاستعمال.
وقال الحنابلة: إن ضمن المستعير رجع على المعير بما غرم، لأنه غره وغرمه، ما لم يكن المستعير عالما بالحال فيستقر عليه الضمان، لأنه دخل على بصيرة، وإن ضمن المالك المعير الأجرة لم يرجع بها على أحد إن لم يكن المستعير عالما، وإلا رجع عليه (١).
جاء في الأم للشافعي: «وإذا استعار الرجل من الرجل ثوبا شهرا أو شهرين فلبسه فأخلقه ثم استحقه رجل آخر أخذه وقيمة ما نقصه اللبس من يوم أخذه منه، وهو بالخيار في أن يأخذ ذلك من المستعير اللابس أو من الآخذ لثوبه.
فإن أخذه من المستعير اللابس، وكان النقص كله في يده لم يرجع به على من أعاره من قبل أن النقص كان من فعله، ولم يغر من ماله بشيء فيرجع به، وإن ضمنه المعير غير اللابس فمن زعم أن العارية مضمونة، قال: للمعير أن يرجع به على المستعير؛ لأنه كان ضامنا، ومن زعم أن العارية غير مضمونة لم يجعل له أن يرجع عليه بشيء؛ لأنه سلطه على اللبس» (٢).
وقال ابن قدامة: «ومن استعار شيئًا، فانتفع به، ثم ظهر مستحق فلمالكه أجر مثله، يطالب به من شاء منهما، فإن ضمن المستعير، رجع على المعير بما غرم؛ لأنه غره بذلك وغرمه؛ لأنه دخل على أن لا أجر عليه. وإن رجع على المعير،
стр. 10239
لم يرجع على أحد، فإن الضمان استقر عليه» (١).
وهذا هو الأقرب، والله أعلم.
وبهذه المسألة أكون قد انتهيت بفضل من الله من عقود التبرع، والتي قد انتظمت في ثمانية عقود، ابتدأتها بعقد الوقف، ثم الوصية، ثم القرض، ثم الهبة، ثم الوديعة، ثم اللقطة، ثم اللقيط، وكان آخرها عقد العارية، فلله الحمد أولًا وآخرًا، ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾، ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ اللهم كما أنعمت علينا بفضلك، فارزقنا شكرها قولًا وعملًا برحمتك، وأسألك اللهم أن ترزقني إتمام هذه العمل طلبًا لمرضاتك، ومحبة لمعرفة شرعك وأحكامك، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
* * *