المبحث السادس
في إعارة المركوب
الفرع الأول
في صفة إعارة المركوب
[م-٢١٢١] ناقش الفقهاء في عصرهم إعارة الدواب؛ لأنها هي المركوب في عصرهم، وخلافهم يجري على وسائل النقل في عصرنا.
قال السرخسي: «لا يشترط إعلام المدة، أو المكان في الإعارة؛ لأن اشتراط ذلك في المعاوضات لقطع المنازعة، وذلك لا يوجد في العارية؛ لأنه لا يكن بينهما منازعة إذا أراد المعير الاسترداد، ولأن المعاوضات يتعلق بها صفة اللزوم، وذلك لا يتحقق في غير المعلوم، فأما العارية فلا يتعلق بها صفة اللزوم؛ فلهذا لا يشترط إعلام المكان، ولا إعلام المدة، ولا إعلام ما يحمل على الدابة، وعند إطلاق العقد للمستعير أن ينتفع بالدابة من حيث الحمل والركوب كما ينتفع بدابة نفسه في قليل المدة وكثيرها ما لم يطالبه المالك بالرد» (١).
وفي بدائع الصنائع: «الجهالة في باب العارية لا تفضي إلى المنازعة؛ لأنها عقد جائز غير لازم» (٢).
стр. 10187
وقال الكاساني أيضًا: «عقد الإعارة لا يخلو من أحد وجهين: إما إن كان مطلقًا، وإما إن كان مقيدًا، فإن كان مطلقا بأن أعار دابته إنسانا ولم يسم مكانًا ولا زمانًا ولا الركوب ولا الحمل، فله أن يستعملها في أي مكان وزمان شاء.
وله أن يركب أو يحمل؛ لأن الأصل في المطلق أن يجري على إطلاقه، وقد ملكه منافع العارية مطلقًا، فكان له أن يستوفيها على الوجه الذي ملكها، إلا أنه لا يحمل عليها ما يعلم أن مثلها لا يطيق بمثل هذا الحمل، ولا يستعملها ليلا ونهارًا ما لا يستعمل مثلها من الدواب لذلك عادة، حتى لو فعل فعطبت يضمن؛ لأن العقد وإن خرج مخرج الإطلاق، لكن المطلق يتقيد بالعرف والعادة دلالة، كما يتقيد نصًا» (١).
وإذا كانت الإعارة مقيدة لم يخالفها المستعير إلى ما هو أشد من المأذون.
جاء في مجلة الأحكام العدلية: «إذا كانت الإعارة مقيدة بزمان أو مكان يعتبر ذلك القيد، فليس للمستعير مخالفته مثلا إذا استعار دابة ليركبها أربع ساعات وكذلك استعار فرسًا ليركبه إلى محل فليس له أن يركبه إلى محل غيره.
إذا قيدت الإعارة بنوع من أنواع الانتفاع فليس للمستعير أن يتجاوز ذلك النوع المأذون به إلى ما فوقه لكن له أن يخالف باستعمال العارية بما هو مساو لنوع الاستعمال الذي قيدت به أو بنوع أخف منه.
مثلا لو استعار دابة ليحملها حنطة فليس له أن يحمل عليها حديدًا أو حجارة، وإنما له أن يحملها شيئًا مساويًا للحنطة، أو أخف منها، وكذا لو استعار دابة
стр. 10188
للركوب فليس له أن يحملها حملًا. وأما الدابة المستعارة للحمل فإنها تركب» (١).
وقال السرخسي: «وإن استعار الدابة يومًا إلى الليل، ولم يسم ما يحمل عليها لم يضمن إذا هلكت؛ لأنه قبضها بإذن صحيح، ولكن إن أمسكها بعد مضي اليوم فهو ضامن لها» (٢).
فإن خالف المستعير ما أذن له، فإما أن تهلك، وإما أن تسلم، فإن هلكت فإنه ضامن بالاتفاق (٣).
جاء في شرح الخرشي: «المستعير يفعل بالعارية ما أذن له في فعله، ويفعل بها أيضًا مثل ما استعارها له، ودونه، ولا يجوز له أن يفعل بها أضر مما استعارها له، فإنه يضمنها حينئذ إذا عطبت» (٤).
وجاء في التاج والإكليل: «من استعار دابة ليحمل عليها حنطة فجعل عليها حجارة، فكل ما حمل مما هو أضر بها مما استعارها له فعطبت به فهو ضامن، وإن كان مثله في الضرر لم يضمن كحمله عدسًا في مكان حنطة، أو كتانًا أو قطنا في مكان بر» (٥).
وجاء في البيان للعمراني: «وإن استعار دابة لتركبها امرأته زينب، فهل له أن
стр. 10189
يركبها عمرة؟ ينظر فيه:
فإن كانت عمرة أثقل منها لم يكن له ذلك؛ لأن ذلك انتفاع غير مأذون فيه، وإن كانت عمرة مثلها، أو أخف منها .. ففيه وجهان، حكاهما الطبري:
أحدهما: يجوز، وبه قال أبو حنيفة، كما قلنا في الإجارة.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه انتفاع غير مأذون فيه، فلم يجز، كما لو كانت أثقل منها» (١).
* * *
стр. 10190
الفرع الثاني
في كيفية ضمان العارية المركوبة
[م-٢١٢٢] اختلف العلماء في كيفية ضمان المركوب مع اتفاقهم على القول به إذا تعدى المستعير، أو فرط على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
إن تلفت الدابة بسبب تعديه ضمن قيمتها، وإن ردها إلى صاحبها سالمة فليس عليه شيء. وهذا مذهب الحنفية.
جاء في الجوهرة النيرة: «إذا استعار دابة إلى موضع سماه فجاوز بها ذلك الموضع فعطبت ضمن قيمتها؛ لأن الإذن لم يتناول ذلك الموضع فصار بركونه فيه غاصبًا فلهذا ضمن، فإن رجع بها إلى الموضع الذي استعارها إليه فعطبت لم يبرأ من الضمان» (١).
وجاء في درر الحكام شرح غرر الأحكام: «لو استعار دابة إلى مكان مسمى، فجاوز بها المستعير المكان المسمى، ثم عاد إليه فهو ضامن إلى أن يردها على المالك.
قيل: هذا إذا استعارها ذاهبًا لا جائيًا، أما إذا استعارها ذاهبا وجائيا يبرأ وهذا القائل يسوي بين المودع والمستعير والمستأجر إذ خالفوا ثم عادوا إلى الوفاق برئوا عن الضمان إذا كانت مدة الإيداع والإعارة باقية.
стр. 10191
ومن المشايخ من قال في العارية: لا يبرأ عن الضمان ما لم يردها على الملك سواء استعارها ذاهبًا، أو ذاهبا وجائيًا وهذا القائل يقول: إن المستعير والمستأجر إذا خالفا ثم عادا إلى الوفاق لا يبرآن من الضمان بخلاف المودع إذا خالف ثم عاد إلى الوفاق حيث يبرأ، والقول الأول أشبه وإليه مال شيخ الإسلام جواهر زاده» (١).
وفي مجمع الضمانات: «استعار دابة وعين جهة الانتفاع ثم خالف فهو على ثلاثة أوجه: أن يخالف في المعنى مع اتحاد الجنس، أو يخالف في الجنس، أو يخالف في القدر.
أما الأول: وهو المخالفة في المعنى مع اتحاد الجنس بأن استعار دابة ليحمل عليها عشرة مخاتيم من هذا البر فحمل عليها عشرة مخاتيم من بر آخر لم يضمن، وكذا لو استعارها ليحمل عليها من بره فحمل عليها مثله من بر غيره؛ لأن مثل هذا التقييد غير مفيد.
وأما الثاني: وهو المخالفة في الجنس بأن استعار دابة ليحمل عليها عشرة أقفزة بر فحمل عشرة أقفزة شعير يضمن قياسًا إذ خالف في الجنس لا استحسانا؛ لأنه أخف فخالف إلى خير حتى لو سمى مقدارًا من البر وزنا فحمل عليها مثل ذلك الوزن من الشعير ضمن إذ يأخذ من ظهر الدابة أكثر مما يأخذ البر، وكذا لو استعارها ليحمل عليها برا فحمل حطبًا أو قطنًا أو تبنًا بذلك الوزن ضمن لما مر، وكذا لو حمل حديدًا أو آجرا أو حجارة بوزن البر ضمن؛ لأنه مما يدق ظهرها فيكون أضر.
стр. 10192
وأما الثالث: وهو المخالفة في القدر بأن استعارها ليحمل عليها عشرة مخاتيم بر فحمل خمسة عشر مختومًا، فلو علم أنها لا تطيق حمل هذا القدر ضمن كل قيمتها للإتلاف، ولو علم أنها تطيق ضمن ثلثها توزيعا للضمان على قدر ما أذن وغيره من الفصولين» (١).
وفي درر الحكام شرح مجلة الأحكام: «لو استعار دابة لركوبه، فأردف شخصًا آخر معه، وتلفت الدابة ضمن المستعير نصف قيمة الدابة إذا كانت تطيق حمل الاثنين؛ لأن التلف الواقف ناشئ عن الفعل المأذون به، والفعل غير المأذون فيه، فتنقسم القيمة على الفعلين، وما يصيب الفعل المأذون فيه فهو هدر، أما إذا كانت الدابة لا تطيق حمل الاثنين ضمن المستعير كل القيمة» (٢).
القول الثاني:
طريقة الضمان عند المالكية إن عطبت الدابة فإن المعير يخير بين أخذ كراء ما زاده، وبين أن يضمنه قيمة الدابة يوم تعديه، دون أخذ كراء المسافة التي تعدى فيها، ولا يحق للمالك أن يجمع بين كراء ما زاده وقيمة الدابة.
وإن سلمت الدابة فليس له إلا كراء الزائد فقط (٣).
جاء في المدونة: «أرأيت إن استعرت من رجل دابة لأركبها إلى موضع من المواضع، فركبتها وحملت خلفي، رديفًا فعطبت الدابة ما علي؟
стр. 10193
قال: ربها مخير في أن يأخذ منك كراء الرديف، ولا شيء له عليك غير ذلك، وفي أن يضمنك قيمتها يوم حملت عليها رديفًا.
قلت: أجميع قيمتها أو نصف قيمتها؟
قال: جميع قيمتها» (١).
وجاء في شرح مختصر خليل: «من استعار دابة ليحمل عليها شيئا معلوما فزاد عليها غير ذلك قدرا تعطب بمثله فعطبت منه فربها مخير حينئذ بين أن يضمن المستعير قيمتها يوم التعدي، ولا شيء له غير ذلك، وبين أن يأخذ كراء الزائد المتعدي فيه فقط؛ لأن خيرته تنفي ضرره ومعرفة ذلك أن يقال كم يساوي كراؤها فيما استعارها له فإن قيل عشرة قيل وكم يساوي كراؤها فيما حمل عليها فإذا قيل خمسة عشرة دفع إليه الخمسة الزائدة على كراء ما استعارها له، وإن كان ما حملها به لا تعطب في مثله فليس له إلا كراء الزيادة لأن عطبها من أمر الله ليس من أجل الزيادة فقوله ما تعطب به أي وعطبت فالواو محذوفة مع ما عطفت ولم يتعرض المؤلف هنا لزيادة المسافة وقد ذكرها هنا في المدونة وحاصلها أنها إذا عطبت بذلك فلا فرق بين أن يكون مما تعطب به أم لا بخلاف زيادة الحمل ومعنى العطب هنا التلف وأما إذا تعيبت تعييبًا مفيتًا للمقصود أو غير مفيت له فإنه يجري عليه حكم التعدي المذكور فيه من التخيير حيث أفات المقصود منه بين أن يأخذه مع نقصه أو يأخذ قيمته، وبين لزوم النقص فقط حيث لم يفته» (٢).
стр. 10194
القول الثالث:
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الدابة إن تلفت ضمن قيمتها يوم تعديه، وإن سلمت كان له أجرة ما تعدى فيه (١).
جاء في البيان للعمراني: «وإن استعار دابة ليركبها إلى بلد، فركبها إلى تلك البلد، وجاوز بها إلى بلد أخرى، فقبل أن يجاوز بها البلد المأذون له بالركوب إليه هي مضمونة عليه ضمان العارية، ولا أجرة عليه لذلك، فإذا جاوز بها صارت من حين المجاوزة مضمونة عليه ضمان الغاصب، ويجب عليه أرش ما نقصت بعد ذلك، وأجرة منافعها، فإن ماتت وجب عليه قيمتها أكثر ما كانت حين المجاوزة؛ لأنه صار متعديًا بالمجاوزة، فإن رجع بها إلى البلد المأذون بالركوب إليه .. لم يزل عنه الضمان .....
دليلنا: أنها صارت مضمونة عليه، فلم يبرأ بالرد إلى غير يد المالك، أو وكيله، كالمغصوب» (٢).
وجاء في أسنى المطالب: «وإن جاوز المستعير المكان بالدابة التي استعارها ليركبها إليه ضمن أجرة ذهاب المجاوزة: أي مجاوزتها عنه، وإيابها إليه؛ لتعديه، ثم هل له الإياب بها منه إلى المكان الذي استعارها منه أو لا؟ وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن الإذن قد انقطع بالمجاوزة.
وثانيهما: نعم.
стр. 10195
قال الرافعي؛ لأنه مأذون فيه من جهة المالك ..... فإن قلنا: لا إياب له بها سلمها إلى حاكم البلد الذي استعار إليه فإن خالف ضمن» (١).
وقال ابن قدامة: «وإذا استعار دابة ليركبها جاز .... فإذا استعارها إلى طبرية، فتجاوز إلى القدس فعليه أجرة ما بين طبرية والقدس خاصة» (٢).
وفي مطالب أولي النهى: «يلزم المستعير أجرة مثلٍ لقدر زائد على مدة أو مسافة فقط؛ لحصول التعدي في الزائد، دون ما قبله» (٣).
ومذهب الشافعية والحنابلة أقرب للصواب، والله أعلم.
* * *
стр. 10196
المبحث السابع
في إعارة ما يتزين به
[م-٢١٢٣] تصح إعارة ما يتزين به إذا كان ذلك لا يؤدي إلى استهلاك العين كالحلي، من أساور وقلائد ونحو ذلك.
(ح-١٢٦٤) فقد روى البخاري ومسلم من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة ﵂ أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت فأرسل رسول الله ﵇ ناسًا من أصحابه في طلبها، فأدركتهم الصلاة، فصلوا بغير وضوء، فلما أتوا النبي ﵇ شكوا ذلك إليه، فنزلت آية التيمم فقال: أسيد بن حضير: جزاك الله خيرًا، فوالله ما نزل بك أمر قط، إلا جعل الله لك منه مخرجًا، وجعل للمسلمين فيه بركة (١).
جاء في بدائع الصنائع: «لو استعار حليًا ليتجمل به صح؛ لأنه يمكن الانتفاع به من غير استهلاك بالتجمل» (٢).
وقال ابن قدامة: «وتجوز إعارة كل عين ينتفع بها منفعة مباحة مع بقائها على الدوام، كالدور، والعقار، والعبيد، والجواري، والدواب، والثياب، والحلي للبس» (٣).
стр. 10197
وفيه قول في مذهب الحنابلة بوجوب إعارة الحلي، وهذا القول راجع إلى الخلاف في حكم العارية، وقد بينت أن هناك قولًا بالوجوب.
جاء في قواعد ابن رجب: «ومنها إعارة الحلي، ظاهر كلام أحمد وجماعة من الأصحاب وجوبه، وصرح به بعض المتأخرين» (١).
وانظر الخلاف في حكم العارية.
* * *
стр. 10198
المبحث الثامن
في إعارة الكتب لطلبة العلم
[م-٢١٢٤] ذهب الفقهاء إلى استحباب إعارة الكتب لأهلها (١).
قال حسين بن السري: سمعت وكيعًا يقول: أول بركة الحديث إعارة الكتب (٢).
وذهب بعض الشافعية والحنابلة إلى وجوب إعارة المصحف.
جاء في تحفة المحتاج: «وقد تجب ـ يعني الإعارة ـ كإعارة نحو ثوب لدفع مؤذ كحر، ومصحف أو ثوب توقفت صحة الصلاة عليه أي حيث لا أجرة له لقلة الزمن وإلا لم يلزمه بذله بلا أجرة فيما يظهر، ثم رأيت الأذرعي ذكره حيث قال: والظاهر من حيث الفقه وجوب إعارة كل ما فيه إحياء مهجة محترمة لا أجرة لمثله، وكذا إعارة سكين لذبح مأكول يخشى موته، وكإعارة ما كتب صاحب كتاب الحديث بنفسه أو مأذونه فيه سماع غيره أو روايته لينسخه منه كما صوبه المصنف وغيره» (٣).
وجاء في أسنى المطالب: «وكعارية المصحف لمن دخل عليه وقت الصلاة، ولم يجد من يعلمه، وهو يحسن القراءة. قال شيخنا: الوجوب مسلم من جهة المستعير إذا وجد من يعيره أما على المالك فلا» (٤).
стр. 10199
وقال الحنابلة: تجب إعارة المصحف لمحتاج لقراءة فيه ولم يجد غيره، وهذا إذا لم يكن مالكه محتاجًا إليه (١).
وجاء في قواعد ابن رجب: «ومنها المصحف تجب عليه إعارته لمن احتاج إلى القراءة فيه، ولم يجد مصحفا غيره نقله القاضي في الجامع الكبير، وذكر ابن عقيل في كلام مفرد له: أن الأصحاب عللوا قولهم: لا يقطع لسرقة المصحف، فإن له فيه حق النظر لاستخراج أحكام الشرع إذا خفيت عليه، وعلى صاحبه بذله كذلك.
قال ابن عقيل: وهذا تعليل يقتضي التسوية بين سرقته وسرقة كتب السنن فإنها مضمنة من الأحكام أمثال ذلك، والحاجة داعية إليها، وبذلها من المحاويج إليها من القضاة والحكام وأهل الفتاوى واجب على مالكها انتهى (٢).
وقال ابن جماعة: «ويستحب إعارة الكتب لمن لا ضرر عليه فيها ممن لا ضرر منه عليها» (٣).
وهذا ضابط جيد في حكم المسألة، فإن كنت بحاجة للكتاب، فأنت أولى، وإذا كان يخشى من المستعير أن يضيع الكتاب، أو أن يعبث فيه فلا حرج على من منع كتبه من هذا الصنف، وإن كنت أفضل في الكتب إباحتها على إعارتها، فمن أراد أن ينتفع من كتاب فليدخل المكتبة، وليأخذ حاجته، ويدع الكتاب في مكانه.
стр. 10200
وقد كره قوم إعارة الكتاب، جاء في أدب الإملاء والاستملاء: لأجل حبس الكتب المستعارة امتنع غير واحد من إعارتها (١).
قال القرطبي: من الغلول حبس الكتب عن أصحابها، ويدخل غيرها في معناها.
قال الزهري: إياك وغلول الكتب، فقيل له: وما غلول الكتب؟ قال: حبسها عن أصحابها (٢).
стр. 10201
المبحث التاسع
في نفقة العارية
[م-٢١٢٥] اختلف الفقهاء في نفقة العارية، هل هي على المعير، أو على المستعير؟ على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
نفقة العارية على المستعير، سواء كانت مطلقة أو مقيدة، وهذا مذهب الحنفية، وقول في مقابل المعتمد عند المالكية، واختاره القاضي حسين من الشافعية، ومال إليه ابن تيمية من الحنابلة (١).
جاء في البحر الرائق: «علف الدابة على المستعير مطلقة كانت أو مقيدة، وكذا نفقة العبد، أما كسوته فعلى المعير» (٢).
وفي الفتاوى الهندية: «قال محمد رحمه الله تعالى في الكتاب: نفقة المستعار على المستعير، قال القاضي أبو علي النسفي حاكيا عن أستاذه: إن المستعير لا يجبر على الإنفاق على العارية؛ لأنه لا لزوم في العارية، ولكن يقال للمستعير: أنت أحق بالمنافع، فإن شئت فأنفق ليحصل لك المنفعة، وإن شئت
стр. 10202
فخل يدك عنه، أما أن يجبر على الإنفاق فلا، كذا في الذخيرة» (١).
وفي أسنى المطالب: «نفقة المعار على مالكه، لا على المستعير ... وهو الأصح؛ لأنها من حقوق الملك خلافًا للقاضي الحسين» (٢).
جاء في المستدرك على مجموع الفتاوى: «قال أبو العباس في قديم خطه: نفقة العين المعارة هل تجب على المالك، أو على المستعير؟
لا أعرف فيها نقلاً؛ إلا أن قياس المذهب على ما يظهر لي أنها تجب على المستعير؛ لأنهم قالوا: إنه يجب عليه مؤنة ردها، وضمانها إذا تلفت، وهذا دليل على أنه يجب عليه ردها إلى صاحبها كما أخذها منه سوى نقص المنافع المأذون له فيها. ثم إنه خطر لي أنها تخرج على الأوجه في نفقة الجارية الموصى بعتقها فقط.
أحدها: أنه يجب على المالك؛ لكن فيه نظر.
وثانيها: على المالك للنفع.
وثالثها: نفقتها في كسبها.
فإن قيل: هناك المنفعة مستحقة وليس ذلك هنا؛ فإن مالك الرقبة هو مالك المنفعة، غير أن المستعير ينتفع بها بطريق الإباحة وهذا يقوي وجوبها على المعير. والأصل الأول يقوي وجوبها على المستعير.
ثم أقول: هذا لا تأثير له في مسألتنا؛ فإن المنفعة حاصلة في الأصل والفرع.
стр. 10203
ثم كونه يملك انتزاع المنفعة من يده غير مؤثر، بدليل ما لو كان واهب المنفعة أبا، وكان المثيب ابنه وهذا في غير صورة الوصية» (١).
القول الثاني:
ذهب المالكية في المعتمد، والشافعية، والحنابلة إلى أن نفقة العارية التي بها بقاؤها كالطعام على المالك (٢).
جاء في حاشية الدسوقي: «المعتمد من القولين أن علفها على ربها بخلاف العبد المخدم فإن مؤنته على مخدَمه بالفتح كما أفاده شيخنا العدوي» (٣).
وقال الماوردي: «وإذا صحت إعارة البهائم دون إجارتها فعلفها، ومؤنتها على المالك دون المستعير والمستأجر؛ لأن ذلك من حقوق الملك» (٤).
° وجه هذا القول:
لو كانت النفقة على المستعير لتحول العقد من عارية إلى كراء، وربما يكون علفها أكثر من كرائها في زمن الغلاء، فينتفي المعروف وتصير كراء.
стр. 10204
القول الثالث:
ذهب بعض المالكية إلى أن النفقة على المستعير في المدة القصيرة كالليلة والليلتين، وعلى المعير في المدة الطويلة (١).
° الراجح:
أن العارية بذل للمنفعة بلا مقابل، وتحمل النفقة يجعل العارية ليست بلا عوض، لكن إن بذلها المستعير فإن كان ذلك بلا شرط كان هذا على سبيل المكافأة لمالكها، وإن اشترطت كانت إجارة، وهل تصح أو لا؟ فيه خلاف ذكرناه في عقد الإجارة، والصحيح صحة الإجارة كإجارة الظئر بطعامها وكسوتها، والله أعلم.
* * *
стр. 10205
المبحث العاشر
في مؤنة رد العارية
[م-٢١٢٦] اختلف العلماء في مؤنة رد العارية، هل تكون على المعير، أو على المستعير؟ على قولين:
القول الأول:
ذهب الأئمة الثلاثة، والأظهر عند المالكية إلى أن مؤنة رد العارية على المستعير (١).
جاء في الهداية: «وأجرة رد العارية على المستعير؛ لأن الرد واجب عليه لما أنه قبضه لمنفعة نفسه، والأجرة مؤنة الرد فتكون عليه» (٢).
وفي التاج والإكليل: «واختلف في أجرة ردها، فقيل: على المستعير، وهو الأظهر» (٣).
وفي الإنصاف: «وعلى المستعير مؤنة رد العارية، هذا المذهب، وعليه
стр. 10206
جماهير الأصحاب» (١).
° دليل من قال المؤنة على المستعير:
الدليل الأول:
(ح-١٢٦٥) ما رواه ابن أبي شيبة من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن،
عن سمرة، عن النبي ﷺ قال: على اليد ما أخذت حتى تؤديه (٢).
[رجاله ثقات إلا أن في سماع الحسن من سمرة خلافاً] (٣).
الدليل الثاني:
(ح-١٢٦٦) ما رواه أبو داود الطيالسي في مسنده، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، قال: حدثنا شرحبيل بن مسلم الخولاني،
سمع أبا أمامة يقول: قال رسول الله ﷺ : الدين مقضي، والعارية مؤداة، والمنحة مردودة، والزعيم غارم.
[حسن] (٤).
الدليل الثالث:
ولأن العارية معروف من المعير فلا يكلف أجرة معروف صنعه، فلو لم تجعل مؤنة الرد على المستعير لامتنع الناس من الإعارة، وقياسًا على تكلفة القرض من وزن وكيل فإنها على المقترض، كما سبق في عقد القرض.
стр. 10207
القول الثاني:
أن مؤنة ردها على المالك، وهو قول في مقابل الأظهر عند المالكية، وقول في مذهب الحنابلة (١).
ولعل دليلهم القياس على النفقة باعتبار أن ذلك من حقوق الملك، والأول هو المتعين، والله أعلم.
стр. 10208
الباب الثالث
في ضمان العارية
الفصل الأول
في ضمان المستعير بمقتضى العقد
[م-٢١٢٧] اختلف العلماء في العارية، هل هي أمانة لا تضمن إلا بالتعدي والتفريط، أو أنها مضمونة مطلقًا على قولين:
القول الأول:
أنها أمانة لا تضمن إلا بالتعدي والتفريط، وهذا مذهب الحنفية، وقول مرجوح في مذهب الشافعية، واختيار ابن تيمية من الحنابلة (١).
جاء في الهداية شرح البداية: «والعارية أمانة إن هلكت من غير تعد لم يضمن» (٢).
وجاء في العناية: «إن هلكت العارية، فإن كان بتعد كحمل الدابة ما لا يحمله مثلها أو استعمالها استعمالًا لا يستعمل مثلها من الدواب أوجب الضمان
стр. 10209
بالإجماع، وإن كان بغيره لم يضمن» (١).
وقال ابن القيم في أعلام الموقعين: «والقول بعدم الضمان قوي متجه، وإن كنا لا نقبل قوله في دعوى التلف؛ لأنه ليس بأمينه، لكن إذا صدقه المالك في التلف بأمر لا ينسب فيه إلى تفريط فعدم التضمين أقوى» (٢).
قلت: بل هو أمينه، فقد رضي أن يضع ماله في يده، وأذن له في الانتفاع به دون استهلاكه، فكيف لا يكون أمينه؟
° دليل الحنفية على أن العارية غير مضمونة:
الدليل الأول:
(ح-١٢٦٧) ما رواه أبو داود الطيالسي في مسنده، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، قال: حدثنا شرحبيل بن مسلم الخولاني،
سمع أبا أمامة يقول: قال رسول الله ﷺ : الدين مقضي، والعارية مؤداة، والمنحة مردودة، والزعيم غارم.
[حسن] (٣).
وجه الاستدلال:
قوله ﵇: (العارية مؤداة) دليل على أنها من سائر الأمانات، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].
стр. 10210
ونوقش:
الحديث يأمر بأداء العارية، وهو أمر متفق عليه، ولم يتعرض للضمان، وليس كل ما وجب أداؤه سقط ضمانه، فالقرض يجب رده أو رد بدله، وهو مضمون.
الدليل الثاني:
(ح-١٢٦٨) ما رواه الدارقطني من طريق عمرو بن عبد الجبار، عن عبيدة بن حسان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،
عن جده، عن النبي ﵇، قال: ليس على المستعير غير المغل ضمان، ولا على المستودع غير المغل ضمان.
قال الدارقطني: عمرو وعبيدة ضعيفان، إنما يروى عن شريح القاضي غير مرفوع (١).
قلت: هو في مصنف عبد الرزاق بإسناد صحيح عن شريح من قوله (٢).
الدليل الثالث:
(ث-٣٢٦) ما رواه عبد الرزاق في المصنف، قال: أخبرنا قيس بن الربيع، عن الحجاج، عن هلال، عن عبد الله بن عكيم، قال:
قال عمر بن الخطاب: العارية بمنزلة الوديعة، ولا ضمان فيها إلا أن يتعدى (٣).
[ضعيف، فيه حجاج بن أرطأة].
стр. 10211
الدليل الرابع:
(ث-٣٢٧) روى عبد الرزاق في المصنف، قال: أخبرنا حميد، عن الحجاج، عن الحكم بن عتيبة،
أن علي بن أبي طالب قال: ليس على صاحب العارية ضمان (١).
[ضعيف، فيه حجاج بن أرطأة].
الدليل الخامس:
العارية في يد المستعير كالعين المستأجرة في يد المستأجر، كلاهما مسلط على المنفعة دون الرقبة، إلا أن الأول بلا عوض، والثاني بعوض، فإذا كان المستأجر لا يضمن لم يضمن المستعير.
قال الطحاوي: «العارية مقبوضة من ربها بطيب نفسه بذلك، لا بعوض يعوضه على ما أباح منها، وقد وجدنا الأشياء المستأجرات مقبوضة من أربابها بأعواض يجب على مستأجريها إياها منهم لهم، وكانت ملك الأشياء المستعملة على ذلك غير مضمونة، وإذا كانت مع وجوب الأعواض في استعمالها غير مضمونة، كانت في استعمالها على غير وجوب الأعواض في ذلك أحرى أن لا تكون مضمونة» (٢).
وفي مقدمات ابن رشد: «إذا كان المقبوض لاستيفاء المنفعة بإذن مالكه ببدل مضمون، وسبب مؤثر في وجوب الضمان، لا يوجب ضمان العين، فما لم
стр. 10212
يقبض ببدل أولى ألا يكون مضمونًا» (١).
الدليل السادس:
لما كان المضارب قد قبض المال بإذن صاحبه لم يضمن وإن كان المضارب له مصلحة في قبض مال المضاربة، فالمستعير مثله، قد قبض المال بإذن صاحبه، فيده يد أمانة ما لم يتعد أو يفرط.
القول الثاني:
أنها مضمونة مطلقًا، وهذا أحد قولي الإمام مالك، واختاره أشهب من المالكية، ومذهب الشافعية والحنابلة (٢).
وهذان القولان متقابلان.
جاء في الأم: «أخبرنا الربيع، قال: أخبرنا الشافعي، قال: العارية كلها مضمونة، والدواب، والرقيق، والدور، والثياب، لا فرق بين شيء منها، فمن استعار شيئًا فتلف في يده بفعله، أو بغير فعله فهو ضامن له» (٣).
وقال ابن قدامة: «العارية مضمونة، وإن لم يتعد فيها المستعير» (٤).
стр. 10213
° دليل من قال: العارية مضمونة مطلقًا:
الدليل الأول:
(ح-١٢٦٩) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا شريك، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أمية بن صفوان بن أمية،
عن أبيه أن رسول الله ﷺ استعار منه يوم خيبر أدرعاً، فقال: أغصبا يا محمد؟ فقال: بل عارية مضمونة. قال: فضاع بعضها فعرض عليه رسول الله ﷺ أن يضمنها له فقال: أنا اليوم يا رسول الله في الإسلام أرغب (١).
[الحديث مضطرب من مسند صفوان، حسن من حديث جابر ﵁] (٢).
ويجاب عن هذا الحديث بعدة أجوبة:
الجواب الأول:
أن هذا الحديث دليل على صحة اشتراط الضمان في عقد العارية، وليس دليلًا على صحة ضمانها مطلقًا.
قال ابن عبد الهادي في التنقيح: «وهذا الحديث لا حجة فيه على أن العارية مضمونة بكل حال، بل الظاهر أن ضمانها إنما كان بالشرط، وقد جاء التصريح بأن العارية مقسمة إلى: عارية مؤداة؛ وعارية مضمونة؛
وذلك فيما رواه النسائي، قال: أخبرنا إبراهيم بن المستمر ثنا حبان بن هلال ثنا همام بن يحيى ثنا قتادة عن عطاء عن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه قال:
стр. 10214
قال لي رسول الله ﷺ : إذا أتتك رسلي فأعطهم ثلاثين درعا، وثلاثين مغفرًا. قلت: يا رسول الله، أعارية مضمونة، أو عارية مؤداة؟ قال: بل عارية مؤداة.
رواته كلهم ثقات، لكنه معلل، وقد رواه أبو داود عن إبراهيم بن المستمر. اهـ (١).
стр. 10215
الجواب الثاني:
يحتمل عندي أن العارية إذا قسمت إلى قسمين: عارية مضمونة، وعارية مؤداة، أن العارية المضمونة: هو أخذ العارية على وجه القرض، والعارية المؤداة هو أخذها على سبيل الأمانة حيث لا يمتلك المستعير العين، فتؤدى بعينها إلى مالكها، وتكون العارية من ألفاظ الكناية في عقد القرض، كما قلناه في الرجل يقول: أعرتك هذه الدراهم، أن لفظ: (أعرتك) كناية في القرض، وكما أن المالكية إذا قالوا: هذا كراء مضمون، قصدوا بذلك الإجارة في الذمة، وإذا قالوا: كراء غير مضمون، قصدوا بذلك إجارة الأعيان، فالعارية المضمونة: هي العارية المتعلقة بالذمة، وهذا لا يكون إلا باستهلاك العارية، وهو كناية عن القرض، والله أعلم.
الجواب الثالث:
أن الرسول ﵇ قد أخذ العارية بدون رضا صاحبها، وإذا أخذ شيء بدون رضا صاحبه صح أخذه على وجه الضمان فيه.
جاء في تبيين الحقائق: «وحديث صفوان كان بغير إذنه لحاجة المسلمين، ولهذا قال «أغصبًا يا محمد.» وعند الحاجة يرخص تناول مال الغير بغير إذنه
стр. 10216
بشرط الضمان كحالة المخمصة ... » (١).
الجواب الرابع:
يحتمل أن قوله ﵇: عارية مضمونة، أي أضمن لك ردها، وليس أضمن لك رد بدلها إذا تلفت.
قال ابن القيم في زاد المعاد: «ومأخذ المسألة أن قوله ﵇ لصفوان: بل عارية مضمونة، هل أراد به أنها مضمونة بالرد أو بالتلف؟ أي أضمنها إن تلفت أو أضمن لك ردها، وهو يحتمل الأمرين، وهو في ضمان الرد أظهر لثلاثة أوجه:
أحدها: أن في اللفظ الآخر: (بل عارية مؤداة) فهذا يبين أن قوله: (مضمونة) المراد به المضمونة بالأداء.
الثاني: أنه لم يسأله عن تلفها، وإنما سأله هل تأخذها مني أخذ غصب تحول بيني وبينها؟ فقال: «لا بل أخذ عارية أؤديها إليك». ولو كان سأله عن تلفها، وقال: أخاف أن تذهب لناسب أن يقول: أنا ضامن لها إن تلفت.
الثالث: أنه جعل الضمان صفة لها نفسها، ولو كان ضمان تلف لكان الضمان لبدلها، فلما وقع الضمان على ذاتها، دل على أنه ضمان أداء.
فإن قيل: ففي القصة أن بعض الدروع ضاع، فعرض عليه النبي ﵇ أن يضمنها، فقال: أنا اليوم في الإسلام أرغب، قيل: هل عرض عليه أمرًا واجبًا، أو أمرًا جائزًا مستحبًا الأولى فعله، وهو من مكارم الأخلاق والشيم، ومن
стр. 10217
محاسن الشريعة؟ وقد يترجح الثاني بأنه عرض عليه الضمان، ولو كان الضمان واجبًا، لم يعرضه عليه؛ بل كان يفي له به، ويقول: هذا حقك، كما لو كان الذاهب بعينه موجودًا، فإنه لم يكن ليعرض عليه رده فتأمله» (١).
الجواب الخامس:
اختار بعض الحنفية بمقتضى قواعد المذهب أن صفوان كان يومئذ حربيًا، ويجوز بين المسلم والحربي من الشرائط ما لا يجوز بين المسلمين، كما قالوا: في جواز الربا مع الحربي دون الذمي (٢). وهذا أضعفها، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ح-١٢٧٠) ما رواه ابن أبي شيبة من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن،
عن سمرة، عن النبي ﷺ قال: على اليد ما أخذت حتى تؤديه (٣).
[رجاله ثقات إلا أن في سماع الحسن من سمرة خلافاً] (٤).
ونوقش هذا:
بأن الحديث قد ضعف، ولو صح فليس فيه إلا الأداء، والأداء غير الضمان في اللغة والحكم، ويلزم المحتج بهذا الحديث أن يضمنوا بذلك المرهون والودائع؛ لأنها مما قبضت اليد، ولذلك قال الحسن الذي روى هذا الحديث: أمينك لا ضمان عليه مما يدل على أن الأداء غير الضمان ولم يخالف الحسن
стр. 10218
الحديث ولم ينس كما توهم الراوي؛ لأن الحديث ليس فيه دلالة على الضمان (١).
جاء في مقدمات ابن رشد: «قوله ﵇ (على اليد ما أخذت حتى تؤديه)، إنما تفيد مع بقاء العين، فأما مع تلفها فلا يصح ولا يجوز حمله على القيمة، لأنه لم يجر لها ذكر، ولأنه إنما أوجب أداء ما أخذت اليد - واليد لم تأخذ القيمة» (٢).
الدليل الثالث:
أن الشيء المعار مال لغيره أخذه لمنفعة نفسه، لا على وجه الحفظ فضمنها كالمقبوض على وجه السوم، والمغصوب.
ولأن العارية فيها شبه من القرض، فهي من إقراض المنافع، والقرض مضمون فكذلك العارية، وإنما ضمن المقترض لأنه أخذ مال غيره لمنفعة نفسه، والمستعير كذلك بخلاف المودع فقد أخذه لمنفعة مالكه فلم يضمنه.
القول الثالث:
ذهب مالك في المشهور عنه إلى التفصيل: فقال: يضمن فيما يغاب عليه إذا لم يكن على التلف بينة، ولا يضمن فيما لا يغاب عليه، ولا فيما قامت البينة على تلفه (٣).
стр. 10219
وهذا واضح أن ضمان العارية عند المالكية ضمان تهمة لا ضمان أصالة ينتفي بإقامة البينة على أن الهلاك بلا تعد ولا تفريط، أو كانت العارية مما لا يمكن إخفاؤها، وهذا دليل على أنها أمانة، ولكن إن كانت مما يغاب عليه لم تقبل دعواه بعدم تعديه ولا تفريطه إلا ببينة.
قال ابن عبد البر: «العارية أمانة غير مضمونة في الحيوان كله من الرقيق والدواب، وكذلك الدور، وكل شيء ظاهر لا يغاب عليه لا يضمن شيء من ذلك كله إلا ما تضمن به الأمانات من التعدي والتضييع، والخلاف لما استعير له إلى ما هو أضر عليه، وأما الحلي، والثياب، والآنية، والسلاح، والمتاع كله الذي يخفى هلاكه فإنه لا يقبل قول المستعير فيما يدعيه من ذهابه وهو ضامن له إلا أن تقوم له بينة على هلاكه من غير تفريط ولا تضيع ولا تعد» (١).
وقال ابن رشد: «ومنهم من قال: يضمن فيما يغاب عليه إذا لم يقم على التلف بينة، ولا يضمن فيما لا يغاب عليه، ولا فيما قامت البينة على تلفه من غير ضيعة، وهذا هو المشهور من قول مالك، وهو مذهب ابن القاسم، وأكثر أصحاب مالك، وأصح الأقوال وأولاها بالصواب لاستعمال جميع الآثار وصحته في النظر والاعتبار» (٢).
° دليل المالكية على التفريق بين ما يغاب عليه وبين غيره:
رأى ابن رشد من المالكية أن هذا القول به تجتمع الأدلة والآثار، فهو يجمع بين أدلة القول الأول، وأدلة القول الثاني، فما روي عنه من وجوب ضمان
стр. 10220
العارية فهو فيما يغاب عليه إذا لم يعلم هلاكه، وما روي من أدلة تدل على سقوط الضمان في العارية فهو فيما لا يغاب عليه، وفيما يغاب عليه إذا علم هلاكه.
ويناقش:
بأن مذهب المالكية يصدق عليه أنه من أضعف الأقوال فهم يعتبرون العين المستعارة أمانة، بينما المستعير متهم، عليه إقامة البينة فيما لا يعلم هلاكه، فإن كانت العارية أمانة فهي قد اكتسبت هذه الصفة من يد المستعير، وإذا كان أمينًا قبل قوله فيما يغاب عليه وفي غيره، وإن لم يكن أمينًا لم تكن العارية من الأمانات، وبالتالي فهو مطالب بالضمان مطلقًا حتى ولو علم الهلاك، وتيقنا أنه لم يتعد و لم يفرط، فلماذا نطلب منه البينة على أن الهلاك حصل بغير فعله؛ فإذا أثبت لنا ذلك أسقطنا عنه الضمان بحجة أنه أمين، مع أن الأمين لا يضمن إلا بالتعدي والتفريط، فكان مقتضى كونه أمينًا أن نقبل قوله بلا بينة، هذا وجه التناقض في مذهب المالكية في فهمي المحدود.
القول الرابع:
أنه لا ضمان على المستعير إلا أن يشترط عليه الضمان، حكى هذا القول ابن شعبان من المالكية، وعابه، وهو رواية عن أحمد (١).
وسوف نذكر أدلتهم في مسألة مستقلة لأهمية هذا القول، هل اشتراط الضمان في عقود الأمانات معتبر، ولا محذور فيه، فانظره في المسألة التالية.
стр. 10221
القول الخامس:
إن شرط نفي ضمانها لم يضمن، وإن أطلق ضمن، اختاره بعض المالكية، وهو رواية عن الإمام أحمد (١).
стр. 10222
جاء في فتح العلي المالك: «تقدم في كلام اللخمي في مسألة الرهن أن ابن القاسم وأشهب اتفقا على أنه لا ضمان على المستعير إذا شرط نفي الضمان وتقدم في كلام التوضيح عن المازري نحوه.
وقال اللخمي في كتاب العارية: واختلف إذا شرط المستعير أنه مصدق في تلف الثياب وما أشبهها فقال ابن القاسم وأشهب: له شرطه ولا شيء عليه» (١).
قال ابن القيم في أعلام الموقعين: «اختلف الناس في العارية: هل توجب الضمان إذا لم يفرط المستعير؟ على أربعة أقوال: ....
الرابع: أنه إن شرط نفي ضمانها لم يضمن، وإن أطلق ضمن، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد» (٢).
° وجه هذا القول:
أما أدلتهم على وجوب الضمان إذا كان العقد مطلقًا فقد تقدم، فلا حاجة إلى إعادته، وأما سقوط الضمان بالشرط، فلأن العارية معروف وإحسان، وإسقاط الضمان معروف ثان، فهي زيادة في الإرفاق به والإحسان عليه فتصح، وليس بمنزلة ما كان أصلًا عن معاوضة كالرهن وإجارة الصناع (٣).
° الراجح:
أرى أن القول الراجح أن العارية من عقود الأمانات، لا تضمن إلا بالتعدي
стр. 10223
أو بالتفريط، وأن اشتراط الضمان في عقود الأمانات إذا كانت من عقود التبرع أنه شرط معتبر وصحيح، وانظر الأدلة عليه في المسألة التالية.
* * *
стр. 10224
الفصل الثاني
في اشترط الضمان على المستعير
[م-٢١٢٨] أما من يرى أن العارية مضمونة بمقتضى العقد كالشافعية والحنابلة فهذا الشرط يكون مؤكدًا لما يقتضيه العقد، فهو شرط صحيح؛ لأن الضمان مستقر في العارية اشترط أو لم يشترط.
وأما من يرى أن العارية ليست مضمونة، وأنها أمانة كالحنفية، ورواية عند الحنابلة فإن هذا الشرط فيه مجال للبحث، هل اشتراط الضمان يجعل العارية مضمونة بالشرط، أو لا؟
القول الأول:
لا يصح اشتراط الضمان على المستعير، وهذا هو مذهب الحنفية.
جاء في مجمع الضمانات: «العارية أمانة إن هلكت من غير تعد لم يضمن المستعير ...... واشتراط الضمان على المستعير باطل» (١).
كما جاء تنقيح الفتاوى الحامدية جوابًا على سؤال رجل دفع حماره عارية، واشترط عليه ضمانه، فسرق الحمال، فهل لا ضمان عليه، ولو صدر الشرط؟
فقال: نعم قال في وديعة التنوير واشتراط الضمان على الأمين باطل به يفتى. اهـ. وفي العمادية قال أبو جعفر الشرط وغير الشرط سواء؛ لأن اشتراط الضمان
стр. 10225
على الأمين باطل وبه نأخذ. اهـ. وفي جامع الفتاوى ولا تضمن العارية وإن التزم الضمان عند الهلاك» (١).
كما صاغ الحنفية قاعدة فقهية لبيان أن التزام الضمان لا يصح.
فقالوا: «اشتراط الضمان على الأمين باطل» (٢).
القول الثاني:
أن اشتراط الضمان في عقد العارية شرط صحيح، وهو قول في مذهب الحنفية (٣)، واختاره بعض المالكية.
جاء في تبيين الحقائق: «العارية إذا اشترط فيها الضمان تضمن عندنا في رواية» (٤).
جاء في شرح ميارة، تحت عنوان: فصل في العارية والوديعة والأمناء نقلاً عن ابن الحاجب: «وإذا اشترط إسقاط الضمان فيما يضمن، أو إثباته فيما لا يضمن، ففي إفادته قولان» (٥).
وجاء في الإنصاف عند الكلام على ضمان العارية، قال: «وكل ما كان أمانة لا يصير مضمونًا بشرطه، هذا المذهب، وعليه الأصحاب ... وعنه المسلمون