← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

توصيفها، وأذكر حجة كل قول مع بيان الراجح إن أمكن الوصول إليه، وإلا أبقيت الخلاف مطلقًا حتى يشرح الله الصدر لأحدها، والله أعلم. كتبه أبو عمر دبيان بن محمد الدبيان المملكة العربية السعودية القصيم ـ بريدة twasuly@Gmail.com * * *

стр. 37

خطة البحث في عقد البيع: قسمت عقد البيع إلى تمهيد وأبواب، وكتب: فالباب الأول: في دراسة المال وبيان أنواعه. الباب الثاني: في دراسة صيغة التعاقد (أحكام الإيجاب والقبول). الباب الثالث: في الشروط المتعلقة بالعاقدين. الباب الرابع: في الشروط المتعلقة بالمعقود عليه (المبيع والثمن). الباب الخامس: في موانع البيع (البيوع المنهي عنها). الباب السادس: في شروط العاقدين الجعلية. أما الخيار في عقد البيع فلما كان كثير التفريعات فقد قسمته إلى أبواب وفصول. وكذا فسخ العقد وانفساخه. ولما كانت دراسة هذه الأبواب قد انتظمت في سبعةمجلدات رأيت أن أعرض في كل مجلد ما يخصه من خطة البحث حتى لا تطول على القارئ الكريم. فالخطة المتعلقة بهذا المجلد سوف تنتظم على النحو التالي: خطة البحث في المجلد الأول: التمهيد: ويشتمل على مبحثين: المبحث الأول: في تعريف العقد. المبحث الثاني: في أقسام العقود. * * *

стр. 38

ويتكون من تمهيد وسبعة أبوبا: التمهيد: ويبحث في تعريف البيع. الباب الأول: في دراسة المال وبيان أنواعه. الفصل الأول: في حقيقة المال. المبحث الأول: في تعريف المال. المبحث الثاني: في اشتراط إباحة الانتفاع. المبحث الثالث: في اشتراط الادخار للمال. المبحث الرابع: في اشتراط الطهارة في المال. المبحث الخامس: في عناصر المال. الفصل الثاني: في مالية المنافع المبحث الأول: في تعريف المنفعة. المبحث الثاني: في خلاف العلماء في مالية المنافع الفصل الثالث: في مالية الديون. المبحث الأول: في تعريف الدين. المبحث الثاني: في خلاف العلماء في مالية الديون. الفصل الرابع: في مالية الحقوق. المبحث الأول: في تعريف الحق. المبحث الثاني: في مالية الحقوق المعنوية (الابتكار).

стр. 39

الفرع الأول: مالية العلامة والاسم التجاري. الفرع الثاني: في مالية حق المؤلف. الفرع الثالث: في مالية براءة الاختراع. المسألة الأولى: في تعريف براءة الاختراع. المسألة الثانية: في خلاف العلماء في مالية براءة الاختراع. المبحث الثالث: في مالية حقوق الارتفاق. الفرع الأول: في تعريف الارتفاق. الفرع الثاني: أنواع حقوق الارتفاق. الفرع الثالث: خلاف العلماء في إحداث حقوق ارتفاق جديدة. الفرع الرابع: اختلاف الفقهاء في مالية حقوق الارتفاق. المسألة الأولى: في بيع حق الشرب. المسألة الثانية: في حق المجري. المسألة الثالثة: في المعارضة على حق المسيل. المسألة الرابعة: في بيع حق المرور. المسألة الخامسة: في بيع حق التعلى. المسألة السادسة: في حق الجوار. الفصل الخامس: في تقسيم الأموال وأثره الفقهي. المبحث الأول: في تقسيم المال إلى مثلي وقيمي. فرع: الأثر الفقهي في تقسيم المال إلي مثلي وقيمي.

стр. 40

المبحث الثاني: تقسيم المال إلي متقوم وغير متقوم. المبحث الثالث: تقسيم المال باعتبار ثبوته واستقراره أو نقله وتحويله. فرع: الأثر الفقهي في تقسيم المال إلي عقار ومنقول. المبحث الرابع: تقسيم المال إلى عام وخاص. المبحث الخامس: تقسيم المال إلى أصول وثمار. الباب الثاني: في حكم البيع وبيان أركانه. الفصل الأول: في حكم البيع. الفصل الثاني: في أركان البيع. الباب الثالث: في دراسة صيغة التعاقد (أحكام الإيجاب والقبول) تمهيد: في تعريف الإيجاب والقبول. الفصل الأول: في أقسام الإيجاب والقبول. المبحث الأول: في انقسام ولإيجاب والقبول وإلى صريح وكناية الفرع الأول: اللفظ الصريح هل هو لفظي أو شرعي الفرع الثاني: الفرق بين الصريح والكناية الفرع الثالث: تقسيم الإشارة إلى صريح و كناية الفرع الرابع: هو قول البائع هو لك بكذا الفرع الخامس: عرض البضائع مع بيان أثمانها إيجاب بمنزلة الصريح الفرع السادس: صلاحية الكنايات لإنشاء العقود المالية وغيرها المبحث الثاني: في انقسام الصيغة إلى قولية وفعلية.

стр. 41

المبحث الثالث: في بيان الصيغ القولية. الفرع الأول: الإيجاب والقبول بصيغة الماضي المسألة الأولى: في صيغة الماضي المجرد من الاستفهام المسألة الثانية: في صيغة الماضي المقرون بالاستفهام الفرع الثاني: في الإيجاب والقبول بصيغة المضارع الفرع الثالث: في الإيجاب والقبول بفعل الأمر الفرع الرابع: في الإيجاب والقبول بالجملة الإسمية الفرع الخامس: في الإيجاب والقبول بكلمة (نعم) المبحث الرابع: في بيان الصيغ الفعلية. الفرع الأول: في بيع المعاطاة المسألة الأولى: تعريف بيع المعاطاة وصوره المسألة الثانية: خلاف العلماء في صحة البيع بالمعاطاة مطلب: على القول بأن بيع المعاطاة لا يصح فما حكم المقبوض فيها المسألة الثالثة: في الإيجاب والقبول عن طريق الإشارة. الفرع الثاني: في الإيجاب والقبول عن طريق الكتابة مسألة: زمان العقد ومكانه في بيع المكاتبة والمراسلة المبحث الخامس: الإيجاب والقبول بالوسائل الحديثة الفصل الثاني: صدور الإيجاب والقبول من طرف واحد المبحث الأول: في بيع الوكيل لنفسه وشرائه منها

стр. 42

المبحث الثاني: تولى الوكيل طرفي العقد نيابة عن العاقدين الفصل الثالث: الإيجاب والقبول الصوري المبحث الأول: في بيع التلجئة الفرع الأول: في تعريف بيع التلجئة الفرع الثاني: خلاف العلماء في بيع التلجئة مسألة: في اختلاف لفظ الصيغة عن معناها. الفرع الثالث: في الهزل في البيع خاتمة: القول المختار في صيغة العقود الفصل الرابع: شروط الإيجاب والقبول. الشرط الأول: توافق الإيجاب والقبول. المبحث الأول: في مخالفة القبول للإيجاب. المبحث الثاني: في قبول بعض الإيجاب. المبحث الثالث: إذا خالف القبول الإيجاب وكان في مصلحة الموجب. الشرط الثاني: اتحاد مجلس العقد. المبحث الأول: تحديد مجلس العقد. المبحث الثاني: الآثار المترتبة على تحديد مجلس العقد. الفرع الأول: في تراخي القبول عن الإيجاب. الفرع الثاني: في رجوع الموجب. الشرط الثالث: هل يشترط تقدم الإيجاب على القبول؟

стр. 43

المبحث الأول: في تقدم القبول على الإيجاب في بيع المزايدة. المبحث الثاني: سقوط الإيجاب في المزايدة. الفصل الخامس: مبطلات الإيجاب. المبحث الأول: رجوع الموجب قبل صدور القبول. المبحث الثاني: رفض الإيجاب من الطرف الآخر. المبحث الثالث: يبطل الإيجاب بانتهاء المجلس قبل القبول. المبحث الرابع: بطول الإيجاب بهلاك المعقود عليه أو تغيره قبل القبول. المبحث الخامس: تغيير الإيجاب قبل القبول بما يخالف الإيجاب الأول المبحث السادس: موت العاقد أو فقد أهليته قبل صدور القبول الباب الرابع: في الشروط المتعلقة بالعاقدين الشرط الأول: في توفر الأهلية في العاقد. المبحث الأول: في تعريف الأهلية. المبحث الثاني: في تصرفات الصبي. الفرع الأول: في تصرفات الصبي غير المميز. مسألة: في تعريف الصبا والتمييز. الفرع الثاني: خلاف العلماء في بيع الصبي غير المميز. الفرع الثالث: في بيع الصبي المميز. المسألة الأولى: في الحكم على تصرفات الصبي المميز. المسألة الثانية: في بيع الصبي وشرائه إذا كان مأذونًا له في ذلك.

стр. 44

المسألة الثالثة: في تصرف الصبي المميز من غير إذن وليه. المبحث الثالث: في تصرفات المجنون. المبحث الرابع: في بيع المعتوه. هذا ما استوعبه المجلد الأول من خطة البحث المتعلقة بعقد البيع، وستجد بقية خطة البحث في سائر المجلدات الباقية، وسوف نذكر في كل مجلد ما يخصه منها، والحمد لله على توفيقه وتسديده. * * *

стр. 45

تمهيد ويشتمل على مبحثين المبحث الأول: في تعريف العقد. المبحث الثاني: في أنواع العقود. وذلك لأن البيع لما كان عقدًا من سائر عقود كثيرة، وكانت علاقة البيع بالعقد كعلاقة النوع بالجنس، فالعقد جنس يشمل البيع وغيره، كان من المناسب أن نتكلم عن تعريف العقد، وأنواعه قبل الكلام على البيع وأحكامه. * * *

стр. 46

تمهيد المبحث الأول في تعريف العقد تعريف العقد لدى الفقهاء: العقد لدى الفقهاء له معنيان عام وخاص (١):

стр. 47

الأول المعنى العام للعقد: العقد بمعناه العام يطلق ويراد به كل عهد والتزام ألزم به الإنسان نفسه، سواء كان في مقابل التزام آخر كالبيع، والإجارة، أو كان بإرادة منفردة لإنشاء حق، أو إنهائه، أو إسقاطه، كالوقف، والطلاق، والإبراء (١).

стр. 48

الثاني: المعنى الخاص للعقد: العقد بمعناه الخاص يطلق، ويراد به معنى الربط فقط، أي ربط الإيجاب بالقبول، كعقد البيع، والإجارة، ونحوهما، وهذا هو الغالب عند الإطلاق، وهذا يعني: أن العقد لا يقع إلا بين طرفين فأكثر. قال ابن عابدين: «العقد اسم لمجموع الإيجاب والقبول» (١). وقال ابن نجيم: «المراد بالعقد مطلقًا نكاحًا كان أو غيره: مجموع إيجاب أحد المتكلمين مع قبول الآخر» (٢). وقال الدردير المالكي في الشرح الصغير: «ولا يكون العقد إلا بين اثنين» (٣). وفرق الدسوقي بين الطلاق، والعتق، والحدود، وبين العقود، فجعل العقود: كل ما يتوقف على إيجاب وقبول. وأما الطلاق والعتق فهي إخراجات، ولا تتوقف على إيجاب، وقبول (٤). وقد يقال: إن المعنيين العام، والخاص، كليهما أخذا من إطلاق الربط على العقد. إلا أن الربط تارة يكون حسيًا، فيكون بمعنى الشد، والربط بين شيئين، وتارة يكون معنويًا، مثل العهد، والتأكيد.

стр. 49

قال القرطبي: «العقد على ضربين: حسي، كعقد الحبل، وحكمي، كعقد البيع» (١). ويرى بعض الباحثين بأن إطلاق العقد على الربط المعنوي إطلاق حقيقي لا غبار عليه. يقول الدكتور علي قره داغي: «والذي ظهر لي بعد تتبع كتب اللغة أن إطلاق العقد على الربط المعنوي إطلاق حقيقي لا غبار عليه، حيث إنه يبادر إليه الذهن عند الإطلاق، ودون الحاجة إلى قرينة، ودليل، كما أن الأصل في الإطلاق الحقيقة دون المجاز، أضف إلى ذلك أن أهل اللغة ذكروا من بين معانيه الحقيقية: العهد، والحلف، والعزم، والتوكيد ... وهذه كلها أمور معنوية وليست أجرامًا حسية، فقالوا: المعاقدة المعاهدة، ويقال: عقدت الحبل والبيع والعهد فانعقد ... » (٢). الفرق بين التصرف والعقد: قبل أن نقارن بين تعريف التصرف، وتعريف العقد، نعرف التصرف، ثم بعد ذلك نذكر الفرق بينهما. تعريف التصرف اصطلاحًا (٣): جاء في الموسوعة الكويتية: «لم يذكر الفقهاء في كتبهم تعريفًا للتصرف ... » (٤).

стр. 50

قلت: هذا صحيح، ولكن الفقهاء وإن لم يذكروا تعريفه فقد ذكروا أحكامه مبثوثة في مسائل الفقه، كالتصرف في مال اليتيم، وتصرفات المريض في ماله، وتصرف المحجور عليه، وتصرف الأجنبي في مال غيره، ونحوها من المباحث، ولكنهم لم يذكروا في معرض كلامهم تعريفًا اصطلاحيًا، وقد ذكر المتأخرون من الفقهاء تعريفات اصطلاحية للتصرف، أذكر بعضها: تعريف الشيخ محمد أبو زهرة: قال الشيخ محمد أبو زهرة: «التصرف الشرعي: كل ما يكون من تصرفات الشخص القولية، ويرتب عليه الشارع أثرًا شرعيًا» (١). ونلحظ على هذا التعريف أنه لم يدخل التصرف الفعلي في حد التصرف، حيث قصر التصرف على التصرفات القولية. تعريف آخر للشيخ محمد سلام مدكور: عرف التصرف بقوله: «التصرف: ما يصدر عن الشخص المميز بإرادته، ويرتب عليه الشارع نتيجة ما، فهو أعم من العقد، ومن الالتزام بالاتفاق؛ لأن التصرف قد يكون فعليًا، كالاستيلاء على بعض الأموال المباحة، والغصب، وقبض الدين، والرجعة» (٢). فهنا أدخل قيد التمييز في التعريف ليخرج تصرفات المجنون وغير المميز، وأدخل قيد الإرادة. تعريف آخر للشيخ محمد شلبي: عرف الأستاذ محمد شلبي التصرف بقوله: «التصرف ... ما يصدر عن

стр. 51

الشخص المميز، ويرتب عليه الشارع نتيجة من النتائج، سواء كانت في صالح ذلك الشخص، أو لا» (١). فهنا لم ينص على ذكر الإرادة، ولم ينفها. تعريف الدكتور نشأت الدريني: يقول الدكتور السيد نشأت إبراهيم الدريني: «التصرف: هو ما يصدر عن الشخص بإرادته، أو بغير إرادته، ويرتب عليه الشرع حكمًا، سواء كان في صالحه، أم لا» (٢). وهذا التعريف قد نص على أن الإرادة (النية) ليست شرطًا ليطلق على القول، أو الفعل بأنه تصرف، ويظهر أن هذا التعريف هو أكملها، والله أعلم. الفرق بين التصرف والعقد: قدمنا أن العقد له معنيان: معنى عام، ومعنى خاص: فإذا قلنا: إن المقصود بالعقد هو المعنى الخاص: وهو الالتزام الحاصل بين طرفين، فلا شك أن هناك فرقًا كبيرًا بين التصرف، وبين العقد؛ لأن التصرف قد يكون من طرف واحد. وأما إذا عَرَّفت العقد بمعناه العام، وهو أن العقد يطلق على كل عهد، والتزام ألزم به الإنسان نفسه، سواء كان في مقابل التزام آخر، كالبيع، والإجارة، أو كان بإرادة منفردة لإنشاء حق، أو إنهائه، أو إسقاطه كالوقف، والطلاق والإبراء، فهل يوجد بناء على هذا التعريف فرق بين العقد والتصرف؟

стр. 52

فيرى بعض الباحثين أنه لا فرق بين العقد والتصرف إذا فسرنا العقد بمعناه العام (١). ويرى آخرون: أن هناك فرقًا، وأن التصرف أعم من العقد؛ وذلك لأن الإقرار، والإنكار، والحلف، والقتل، وإتلاف مال الغير أشياء تدخل في معنى التصرف الاصطلاحي واللغوي، ولا تدخل في مسمى العقد حتى على معناه العام (٢). فعليه يكون التصرف أعم من العقد مطلقًا حتى في حالة تفسير العقد بمعناه العام، فكل عقد تصرف، وليس كل تصرف عقدًا، وهذا ما يسمى بالعموم والخصوص المطلق بين الشيئين في علاقة أحدهما بالآخر، ونسبته إليه. وقد قسم الشيخ مصطفى الزرقاء رحمه الله تعالى التصرف إلى نوعين: تصرف فعلي: وهو ما كان قوامه فعلًا غير لساني، كإحراز المباحات. وتصرف قولي: وهو نوعان: عقدي (٣): وهو الذي يتكون من قولين من جانبين يرتبطان باتفاق، كالبيع، والإجارة، والشركة. وغير عقدي: وهو نوعان: (١) نوع يتضمن عزيمة على إنشاء حق، أو إسقاطه، كالوقف، والتنازل عن الحقوق، كالشفعة، ويسميه بعض الفقهاء عقدًا بالمعنى العام للعقد.

стр. 53

(٢) ونوع لا يتضمن إرادة منصبة على إنشاء الحقوق، أو إسقاطها، لكنها أقوال من أنواع أخرى، كالإقرار، والإنكار، والحلف (١). الفرق بين العقد والاتفاق: كما قدمنا في الفرق بين التصرف والعقد، فكذلك نقول هنا في الفرق بين الاتفاق والعقد، فالعقد أخص من الاتفاق، فكل عقد اتفاق، وليس كل اتفاق عقدًا، فقد يتفق اثنان على قضاء وقت معين في مذاكرة مسائل العلم، وليس لهذا الاتفاق أي أثر حكمي، ولا يدخل في مسمى العقد، فالاتفاق أشبه بالجنس، والعقد نوع داخل فيه (٢). * * *

стр. 54

المبحث الثاني في أقسام العقود تنقسم العقود إلى أقسام كثيرة بالنظر إلى اعتبارات مختلفة، منها الصحة والبطلان، ومنها اللزوم وعدمه، ومنها اشتراط القبض وعدمه، إلى غير ذلك من التقسيمات التي يمكن أن يلحظها الفقيه، وقد نشير إلى بعضها في هذا المبحث إن شاء الله تعالى. وقد أشار الفقهاء المتقدمون إلى شيء من هذا التقسيم، كتقسيم الحنفية العقد إلى عقد صحيح، وعقد فاسد، وعقد باطل، كما سيأتي شرحه إن شاء الله تعالى. وأشار ابن الوكيل في كتابه الأشباه والنظائر (١)، وكذا السيوطي في الأشباه والنظائر (٢) إلى تقسيمات للعقود، ربما نأتي على ذكرها لاحقًا إن شاء الله تعالى في هذا البحث. وأشار ابن رجب إلى مثل ذلك في كتابه العظيم (القواعد) (٣). واستحدث المعاصرون تقسيمات، وفروعًا كثيرة باعتبارات مختلفة، ويمكن لكل باحث أن يحدث تقسيمات أخرى بحسب ما يظهر له من الفروق المؤثرة، وغير المؤثرة، وسوف نستعرض أهم هذه التقسيمات. * * *

стр. 55

التقسيم الأول تقسيم العقود بالنظر إلى الغاية والهدف من العقد قد يكون هذا التقسيم هو أظهر تقسيم للعقود في الفقه الإسلامي، فمنها: الأول: عقود التمليك: وهي العقود التي يقصد بها تمليك الشيء ذاتًا، أو منفعة، فإن كان التمليك بعوض، فهي عقود المعاوضات، كالبيع، والإجارة، وإن كان التمليك بغير عوض، فهي عقود التبرعات، كالهبة، والإعارة. وقد يكون العقد الواحد معاوضة بالنسبة لأحد المتعاقدين، وتبرعًا بالنسبة للآخر، وذلك مثل الكفالة، فهي معاوضة بالنسبة إلى الدائن؛ لأنه أخذ كفالة في مقابل إعطاء الدين، وهو بالنسبة إلى الكفيل يكون تبرعًا حيث لم يأخذ أجرًا على كفالته. وقد يكون العقد تبرعًا في الابتداء، ومعاوضة في الانتهاء، وذلك مثل القرض؛ فالقرض يشبه التبرع، ويشبه المعاوضة، فأما شبهه بالتبرع؛ فلأنه إخراج بعض المال من ملك المقرض بدون عوض في الحال، وأما شبهه بالمعاوضة؛ فلأنه ينتهي بأداء مثل القرض إلى المقرض، ولهذا قال صاحب الهداية: إنه إعارة في الابتداء، ومعاوضة في الانتهاء (١). وأهمية هذا التقسيم ترجع إلى اختلاف الأحكام التي تنطبق على كل منها من حيث صحة العقد، وتحديد المسؤولية، فهبة المجهول جائزة على الصحيح،

стр. 56

وبيع المجهول غير جائز، كما أن مسئولية المستعير أشد من مسئولية المستأجر، ومن قبض المال لمصلحته أشد مسئولية ممن قبض المال لمصلحة غيره، فمسؤولية المودع عنده إذا كانت الوديعة بغير أجر أخف منها إذا كانت الوديعة بأجر. الثاني: عقود التوثقة . عقود التوثقة: هي العقود التي يقصد منها ضمان الحقوق لأصحابها. والتوثيق قد يكون بعقد، كالرهن، والكفالة، وهو على نوعين: ــ توثيق بمال كالرهن، والمبيع في يد البائع. ــ وتوثيق بذمة، كالكفالة. وقد يكون التوثيق بغير عقد، كالكتابة، والإشهاد. فالرهن وسيلة من وسائل التوثيق ليستوفي الدائن من ثمنه إذا تعذر استيفاؤه ممن هو عليه، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾. [البقرة: ٢٨٣]. ومثله الضمان، والكفالة: وقد يستعملان بمعنى واحد، وقد يستعمل الضمان للدين، والكفالة للنفس، وهما مشروعان للتوثيق، إذ فيه ضم ذمة الكفيل إلى ذمة الأصيل على وجه التوثيق، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾. [يوسف: ٧٢]. وسوف نتعرض إن شاء الله تعالى لهذه العقود بالبحث والدراسة في كتب مستقلة بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه. قال ابن رجب رحمه الله تعالى: «أما الإنشاءات فمنها العقود، وهي أنواع:

стр. 57

أحدها: عقود التمليكات المحضة كالبيع، والصلح بمعناه، وعقود التوثقات كالرهن، والكفالة، والتبرعات اللازمة بالعقد، أو بالقبض، كالهبة، والصدقة» (١). الثالث: عقود الإسقاطات . وهي العقود التي يقصد منها إسقاط حق من الحقوق سواء ببدل، أم بدون بدل، كالإبراء من الدين، والتنازل عن حق الشفعة، والعفو عن القصاص ونحوها. الرابع: عقود الإطلاقات . وهي العقود التي يفوض فيها شخص لآخر أن يقوم بعمل، ويطلق يده في تصرف لم يكن له فيه حق سابق، مثل الوكالة، والإيصاء، والإذن للمحجور عليه، ونحوها. الخامس: عقود التقييد . وهي العقود التي يمنع فيها شخص من تصرف كان مباحًا له، وذلك كالحجر على السفيه، وكعزل الوكلاء، والأوصياء، ونحوها. السادس: عقود الحفظ . وهي العقود التي يقصد منها حفظ المال لصاحبه، كالوديعة، والحراسة، ونحوها. السابع: عقود الاشتراك . وهي العقود التي يقصد بها المشاركة في الأصل، والعمل، والربح. والأصل

стр. 58

فيها قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ [ص: آية ٢٤]. والشركة أنواع: شركة أموال: وهي عقد بين شريكين فأكثر، على أن يتجروا في رأس مال لهم، ويكون الربح بينهم بنسبة معلومة. وشركة أعمال: وهي أن يتعاقد اثنان فأكثر، على أن يتقبلوا نوعًا معينًا من العمل، وأن تكون الأجرة بينهم بنسبة معلومة. وشركة وجوه: وهي أن يتعاقد اثنان فأكثر، على أن يشتريا نسيئة، ويبيعا نقدًا، ويقتسما الربح بينهما. ومن عقود المشاركة عقد المضاربة: وهي أن يدفع شخص لآخر مبلغًا من المال ليتجر فيه، على أن يشتركا في الربح، ومنه المزارعة، والمساقاة. وسوف نتعرض إن شاء الله في كتب مستقلة لهذه الأنواع من الشركات، بلغنا الله ذلك بحوله ومنه وكرمه (١). * * *

стр. 59

التقسيم الثاني تقسيم العقود باعتبار الوصف الشرعي الفرع الأول تعريف الفاسد والباطل من العقود قسم الفقهاء العقد باعتبار وصفه الشرعي إلى عقد صحيح، وعقد غير صحيح. [م - ١] فالعقد الصحيح: تعريفه عند الحنفية: ما كان مشروعًا بأصله ووصفه (١). وعند الجمهور: هو ما استكمل أركانه، وشرائطه (٢). وفي الفتاوى الكبرى لابن تيمية: «يقول الفقهاء: العقد الصحيح: ما ترتب عليه أثره، وحصل به مقصوده» (٣). وقال النووي: «الصحيح من العقود: ما ترتب أثره عليه، ومن العبادات ما أسقط القضاء» (٤). وهذا التعريف يصلح أن يكون حكمًا للعقد الصحيح، بحيث يقال: حكم العقد الصحيح: بأن يترتب عليه أثره، والتعريف بالحكم ليس تعريفًا له بالبرهان.

стр. 60

وقد نظم شيخنا ابن عثيمين ﵀: وعندهم من جملة المردود أن تدخل الأحكام في الحدود وخلاف الصحيح غير الصحيح: وهو: ما اختل فيه ركن من أركانه، أو شرط من شروطه، أو وصف من أوصافه. أو هو: ما لا يكون مشروعًا أصلًا، ووصفًا، ويسمى الباطل. وهل يسمى فاسدًا، اختلف في ذلك على أقوال، وسأفرد له بحثًا مستقلًا إن شاء الله تعالى نظرًا لأهميته، وما يترتب عليه من أحكام. * * *

стр. 61

الفرع الثاني الفرق بين الفاسد والباطل قال الزيلعي: كل باطل فاسد، ولا ينعكس (١). [م - ٢] اختلف العلماء في الفرق بين الفاسد والباطل. فقيل: الفاسد مرادف للباطل، وهو مذهب الجمهور في الجملة (٢). وقيل: الفاسد مرادف للباطل في العبادات خاصة (٣)، وأما في المعاملات: فالباطل: هو البيع الذي في ركنه خلل، كبيع المجنون، وغير المميز، وبيع الميتة. والفاسد: ما كان مشروعًا بأصله دون وصفه (٤)، كما لو باع شيئًا بثمن مؤجل

стр. 62

إلى مدة غير معلومة، أو كان البيع في حال الإكراه، أو اشتمل البيع على وصف محرم كالربا، وهذا مذهب الحنفية (١). وأما حكم البيع الفاسد، والبيع الباطل: [م - ٣] فالبيع الباطل يتفقون جميعًا على أنه لا يفيد الملك، ولا ينقلب إلى عقد صحيح (٢)؛ لأن الشارع لم يأذن به، فوجوده كعدمه. (ح-١) ولما رواه مسلم من طريق سعد بن إبراهيم، قال: سألت القاسم ابن محمد، عن رجل له ثلاثة مساكن، فأوصى بثلث كل مسكن منها، قال: يجمع ذلك كله في مسكن واحد، ثم قال: أخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ قال: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد (٣). ومعنى رد: أي مردود عليه كما يتفقون على أن البيع الفاسد لا أثر له قبل قبضه، وأنه يجب فسخه، ورده

стр. 63

بعد قبضه، ولا يتوقف فسخه على رضا الطرفين، ما دامت عينه قائمة، ولم تتغير، ولم يتصرف فيها قابضها. قال ابن عابدين الحنفي في حاشيته: «الفاسد يجب فسخه على كل منهما بدون رضا الآخر، وكذا للقاضي فسخه بلا رضاهما» (١). وقال ابن الجلاب المالكي في كتابه التفريع: «من اشترى شيئًا بيعًا فاسدًا فسخ بيعه، ورد المبيع على بائعه» (٢). وقال ابن رشد: «اتفق العلماء على أن البيوع الفاسدة إذا وقعت، ولم تفت بإحداث عقد فيها، أو نماء، أو نقصان، أو حوالة سوق، أن حكمها الرد - أعني أن يرد البائع الثمن، والمشتري المثمون» (٣). واختلفوا في قبضه، هل يفيد الملك إذا قبض؟ فقالت الحنفية: إذا قبض بإذن صاحبه أفاد الملك (٤). وقالت المالكية: يفيد شبهة الملك (٥). وذهب الشافعية والحنابلة: إلى أنه لا يفيد الملك أبدًا. قال النووي: «إذا اشترى شيئًا شراء فاسدًا، إما لشرط فاسد، وإما لسبب

стр. 64

آخر، ثم قبضه، لم يملكه بالقبض، ولا ينفذ تصرفه فيه ويلزمه رده وعليه مؤنة رده، كالمغصوب، ولا يجوز حبسه لاسترداد الثمن» (١). وقال ابن قدامة: «وكل موضع فسد العقد لم يحصل به ملك، وإن قبض؛ لأنه مقبوض بعقد فاسد، فأشبه ما لو كان الثمن ميتة، ولا ينفذ تصرف المشتري فيه، وعليه رده بنمائه المنفصل والمتصل، وأجرة مثله مدة مقامه في يده، ويضمنه إن تلف أو نقض بما يضمن به المغصوب؛ لأنه ملك غيره، حصل في يده بغير إذن الشرع، أشبه المغصوب» (٢). [م - ٤] واختلفوا في وجوب فسخه إذا تصرف فيه قابضه أو تغير؟ فذهب الحنفية إلى أنه يبطل حق الفسخ إذا هلك المبيع في يد المشتري، أو استهلكه، أو أخرجه من يده ببيع صحيح، أو بهبة، أو زاد فيه المشتري شيئًا من ماله، كما لو كان المبيع دارًا، فعمرها، أو أرضًا، فغرس فيها أشجارًا، أو تغير اسم المبيع، بأن كان حنطة، فطحنها، وجعلها دقيقًا (٣). وقال مالك: يفسخ ما لم يفت (٤). وقال الشافعية والحنابلة: يفسخ أبدًا حيثما وقع، وكيفما وجد، فات، أو لم يفت.

стр. 65

قال في منح الجليل: «قال مالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنهم: النهي يدل على الفساد. وقال أبو حنيفة: يدل على الصحة. فكل واحد طرد أصله إلا مالكًا - أي لم يطرد حكمه في هذا الباب - فقال أبو حنيفة: يجوز التصرف في المبيع بيعًا فاسدًا ابتداء وهذه هي الصحة. وقال الشافعي ومن وافقه: لا يثبت أصلًا، ولو تداولته الأملاك وهذا هو الفساد ..... طرد الحنفي أصله، وقال: إذا اشترى جارية شراء فاسدًا، جاز له وطؤها وكذا سائر العقود الفاسدة وطرد الشافعي أصله، وقال: يحرم الانتفاع مطلقًا، وإن باعه ألف بيع، وجب نقضه ونحن خالفنا أصلنا، وراعينا الخلاف، وقلنا: البيع الفاسد يثبت شبهة الملك فيما يقبله فإذا لحقه أحد أربعة أشياء تقرر الملك بالقيمة، وهي حوالة السوق - أي تغيره- وتلف العين، ونقصانها، وتعلق حق الغير بها على تفصيل في ذلك في كتب الفروع .... وقال ابن مسلمة: يمضي الفاسد المختلف فيه .... » (١). فالفرق بين مذهب الحنفية والمالكية في أثر العقد الفاسد: أن الحنفية يشترطون مجرد القبض. وأما المالكية فيشترطون القبض، وفوات الرجوع في المبيع، كما لو باعه بعد قبضه. والحنفية يعتبرون الملك حقيقة، والمالكية يعدونه شبهة على خلاف في المذهب (٢).

стр. 66

سبب الخلاف بين الحنفية والجمهور: يرجع الخلاف بين الحنفية والجمهور في هذه المسألة إلى مسألة أصولية، وهي: هل النهي يقتضي فساد المنهي عنه، أو لا؟ أو يقتضي ذلك في حال دون حال، وسأفرد هذه المسألة بالبحث إن شاء الله تعالى فيما يلي بالرغم من كونها من المباحث الأصولية ليكون القارئ على اطلاع على أدلة الأقوال، والله أعلم. * * *

стр. 67

الفرع الثالث في النهي المطلق هل يقتضي فساد المنهي عنه قال ابن تيمية: الأصل في النهي التحريم والفساد (١). وقال الدسوقي: النهي عن الشيء إما لذاته كالدم، والخنزير، أو لوصفه كالخمر، وهو الإسكار، أو لخارج عنه لازم له، كصوم يوم العيد .... فإن كان النهي لواحد مما ذكر كان مقتضيًا للفساد، وإن كان النهي عن الشيء لخارج عنه، غير لازم له، كالصلاة في الدار المغصوبة، فلا يقتضي الفساد (٢). تحرير محل الخلاف: محل الخلاف إنما هو في النهي المطلق الخالي من القرائن، أما إذا اقترن بالنهي قرينة تدل على أن النهي للفساد، أو اقترن به ما يدل على أن النهي ليس للفساد، فلا خلاف بينهم في حمل النهي على ما دلت عليه القرينة (٣). [م - ٥] وقد اختلف أهل العلم في النهي المطلق، هل يدل على فساد المنهي عنه على أقوال: فقيل: النهي المطلق يدل على الفساد مطلقًا، وهو مذهب الجمهور (٤).

стр. 68

وقيل: لا يدل عليه مطلقًا (١). قال في الإحكام: «وهو اختيار المحققين من أصحابنا، كالقفال وإمام الحرمين ... وكثير من الحنفية» (٢)، واختاره الغزالي (٣). وقيل: النهي يدل على الفساد في العبادات دون المعاملات (٤). وقيل: إن عاد النهي لذات المنهي عنه، كالدم، والميتة، والخنزير، أو عاد النهي لوصف ملازم له، كالإسكار في الخمر، فالنهي يقتضي الفساد. وإن عاد النهي إلى غير ذات الشيء، وإلى غير وصف ملازم له، وإنما لأمر خارج عنه، كان مقتضاه الكراهة، كالبيع بعد نداء الجمعة، والصلاة في الدار المغصوبة، والذبح بسكين مسروقة (٥).

стр. 69

والأقوال في هذه المسألة كثيرة، وهذه هي أهم الأقوال، وقد أوصل الزركشي الأقوال في هذه المسألة إلى تسعة أقوال (١). وفي كتب الفروع تجد في الكتاب الواحد مسائل كثيرة يحكمون عليها بالبطلان؛ ويعللون الحكم بأن الأصل في النهي الفساد، ثم تأتي مسائل أخرى لا يقولون فيها بالبطلان، مع أنه مقتضى التعليل السابق، وبعضهم يدعي أنها خرجت بدليل، وفي كثير منها نظر (٢). وهذه المسألة من المباحث الأصولية، وقد أشرت إلى أهم الأقوال، والله أعلم. دليل من قال: النهي يقتضي الفساد: الدليل الأول: (ح-٢) ما رواه مسلم في صحيحه من طريق سعد بن إبراهيم، عن القاسم بن محمد، قال: أخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ قال: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد (٣). وجه الاستدلال: أن معنى رد: أي مردود على صاحبه، والمردود: هو الباطل.

стр. 70

الدليل الثاني: (ح-٣) ما رواه البخاري من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم. ورواه مسلم (١). فأفاد وجوب اجتناب المنهي عنه، وتصحيحه يدل على عدم اجتنابه، وهذا مخالف لنهيه ﷺ . الدليل الثالث: «إذا كان الأمر يقتضي الصحة، فالنهي نقيضه، والنقيضان لا يجتمعان، فيكون النهي مقتضيًا للفساد. وأجيب: بأن الأمر يقتضي الصحة شرعًا، لا لغة، فاقتضاء الأمر للصحة لغة ممنوع، كما أن اقتضاء النهي للفساد لغة ممنوع» (٢). الدليل الرابع: لا نعرف أن الشيء صحيح، أو باطل إلا بالأمر والنهي، ولم يأت في كلام الشارع أن هذا العقد صحيح، أو فاسد، أو هذا شرط، أو ركن، أو واجب، وإنما هذه عبارات أحدثها الفقهاء، وإنما الشارع دل الناس بالأمر، والنهي، والتحليل والتحريم.

стр. 71

والصحابة، والتابعون، وسائر أئمة المسلمين كانوا يحتجون على فساد العقود بمجرد النهي كما احتجوا على فساد نكاح ذوات المحارم بالنهي المذكور في القرآن واستدلوا على فساد نكاح المطلقة ثلاثا بقوله: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وكذلك استدل الصحابة على فساد نكاح الشغار بالنهي عنه وكذلك عقود الربا، وغيرها. فعلموا أن ما نهى الله عنه فهو من الفساد، وليس من الصلاح؛ فإن الله لا يحب الفساد فلا ينهى عما يحبه، وإنما ينهى عما لا يحبه فعلموا أن المنهي عنه فاسد، ليس بصالح وإن كانت فيه مصلحة، فمصلحته مرجوحة بمفسدته. وقد علموا أن مقصود الشرع رفع الفساد، ومنعه، لا إيقاعه، والإلزام به فلو ألزموا بموجب العقود المحرمة لكانوا مفسدين، غير مصلحين، والله لا يصلح عمل المفسدين كل من عمل بمعصية الله فهو مفسد، والمحرمات معصية لله، فالشارع ينهى عنها ليمنع الفساد ويدفعه. ولا يوجد قط في شيء من صور النهي صورة ثبتت فيها الصحة بنص، ولا إجماع فالطلاق المحرم والصلاة في الدار المغصوبة، فيها نزاع وليس على الصحة نص يجب اتباعه فلم يبق مع المحتج بهما حجة. لكن من البيوع ما نهي عنها لما فيها من ظلم أحدهما للآخر: كبيع المصراة والمعيب وتلقي السلع والنجش ونحو ذلك ولكن هذه البيوع لم يجعلها الشارع لازمة كالبيوع الحلال بل جعلها غير لازمة، والخيرة فيها إلى المظلوم، إن شاء أبطلها، وإن شاء أجازها؛ فإن الحق في ذلك له والشارع لم ينه عنها لحق مختص بالله، كما نهى عن الفواحش بل هذه إذا علم المظلوم بالحال في ابتداء العقد، مثل أن يعلم بالعيب، والتدليس، والتصرية ويعلم السعر إذا كان قادمًا بالسلعة، ويرضى بأن يغبنه المتلقي جاز ذلك فكذلك إذا علم بعد العقد، إن رضي أجاز وإن لم يرض كان له الفسخ

стр. 72

وهذا يدل على أن العقد يقع غير لازم، بل موقوفًا على الإجازة إن شاء أجازه صاحب الحق، وإن شاء رده، ولا يقال: إن صحة هذه العقود بعد إجازة من له الحق دليل على أن النهي لا يقتضي الفساد، بل يقتضي الفساد إن أراد صاحب الحق ذلك، وإن تنازل عن حقه فله ذلك. وكذلك الصلاة في الدار المغصوبة والذبح بآلة مغصوبة وطبخ الطعام بحطب مغصوب وتسخين الماء بحطب مغصوب كل هذا إنما حرم لما فيه من ظلم الإنسان، وذلك يزول بإعطاء المظلوم حقه، فإذا أعطاه بدل ما أخذه من منفعة ماله، أو من أعيان ماله، فأعطاه كراء الدار، وثمن الحطب، وتاب هو إلى الله من فعل ما نهاه عنه، فقد برئ من حق الله وحق العبد، وصارت صلاته كالصلاة في مكان مباح والطعام بوقود مباح والذبح بسكين مباحة، وإن لم يفعل ذلك كان لصاحب السكين أجرة ذبحه، ولا تحرم الشاة كلها وكان لصاحب الدار أجرة داره، لا تحبط صلاته كلها لأجل هذه الشبهة وهكذا إذا أكل الطعام، ولم يوفه ثمنه، كان بمنزلة من أخذ طعامًا لغيره فيه شركة، ليس فعله حرامًا ولا هو حلالًا محضًا، فإن نضج الطعام فلصاحب الوقود فيه شركة وكذلك الصلاة يبقى عليه اسم الظلم، ينقص من صلاته بقدره، فلا تبرأ ذمته كبراءة من صلى صلاة تامة، ولا يعاقب كعقوبة من لم يصل، بل يعاقب على قدر ذنبه وكذلك آكل الطعام، يعاقب على قدر ذنبه، والله تعالى يقول: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧، ٨] ولا يؤخذ من ذلك مطلقًا بأن النهي لا يقتضي الفساد (١).

стр. 73

دليل من قال: النهي يقتضي الفساد في العبادات خاصة . قالوا: إن العبادة المنهي عنها لو صحت لكانت مأمورًا بها ولو ندبًا؛ لعموم أدلة مشروعية العبادات، فيجتمع النقيضان: لأن الأمر لطلب الفعل، والنهي لطلب الترك، وهو محال، وأما غير العبادات فلو قلنا: يدل النهي على الفساد لاقتضى نجاسة الثوب المغسول بماء مغصوب، والصلاة في الدار المغصوبة .. وهكذا، فاللازم باطل، فالملزوم مثله. دليل من قال: النهي لا يقتضي الفساد . هناك أشياء نهى عنها الشارع وصححها لوجود قرينة، كالنهي عن تلقي الجلب، ومع ذلك أثبت للبائع الخيار إذا أتى السوق، ونهى عن التصرية، وأثبت للمشتري الخيار إذا وقع البائع في النهي، وثبوت الخيار فرع عن صحة البيع فيهما، فدل ذلك على أن التحريم والصحة قد يجتمعان، ولا تلازم بين النهي والفساد، وإذا كان لا تلازم بين النهي والفساد، لم تكن صيغة النهي وحدها دالة على الفساد، وإنما تدل على التحريم، والممنوع أن يكون الشيء منهيًا عنه، ومأمورًا به في ذات الوقت، فيمتنع أن يقال: حرَّمت عليك الطلاق في حال الحيض، وأمرتك به، وأبحته لك، وأما إذا قال: حرَّمت عليك الطلاق في الحيض، فإن فعلت فقد وقع الطلاق، وأنت آثم، وحرمت عليك الصلاة في الثوب المغصوب، فإن فعلت صحت الصلاة، وأنت آثم، فشيء من هذا ليس بممتنع (١). فدل على أن النهي لا يقتضي الفساد. وأجيب بجوابين: الأول: ما ذكره ابن تيمية من أن الطلاق في حال الحيض قد وقع فيه نزاع في

стр. 74

وقوعه، وليس في المسألة إجماع على أن الطلاق يقع، وأما تلقي الجلب، وبيع المصراة، ونحوها فلا يقال: البيع صحيح، ولا فاسد حتى يجيزه من له الحق، فإذا أسقط الآدمي حقه، فله ذلك، وقد نقلنا كلام ابن تيمية في الجواب عن هذه المسائل في الدليل الرابع من القول السابق، فانظره. الجواب الثاني: أن يقال: لو لم يوجد قرينة دالة على صحة البيع في تلقي الجلب، وبيع المصراة لم نقل بصحته، ونحن لا نمانع من القول بالصحة إذا وجدت قرينة دالة على ذلك، وإنما الكلام في النهي المطلق الخالي من القرائن، فكما يقال: الأصل في النهي التحريم، فإذا وجدت فيه قرينة على أن النهي للكراهة صرفنا النهي عن أصله، فكذلك الأصل في النهي الفساد، فإذا وجدت قرينة تدل على الصحة صرفناه عن أصله. دليل من فرق بين النهي العائد لذات العبادة والعائد لخارج منها . ذكر أصحاب هذا القول بأن الأدلة قد قامت على أن النهي إذا لم يتناول معنى في نفس العقد أو القربة المفعولة أو ما هو من شروطها التي يخصها لم يمنع جواز ذلك، نحو البيع عند أذان الجمعة وتلقي الجلب وبيع حاضر لباد ومثل الصلاة في الأرض المغصوبة والطهارة بماء مغصوب وغسل النجاسة به والوقوف بعرفات على جمل مغصوب، وكون الفعل فيها منهيًا عنه في هذه الصفة لا يمنع من القول بصحته؛ لأن النهي عنها لم يتناول معنى في نفس المفعول وإنما تناول معنى في غيره وكون الإنسان مرتكبًا للنهي عاصيًا في غير المعقود عليه لا يمنع وقوع فعله موقع الصحة والدليل على صحة ما ذكرنا: أن الرجل في الصلاة لو رأى رجلًا يغرق وقد كان يمكنه تخليصه أنه منهي عن المضي في هذه الصلاة، ومأمور بتخليص الرجل، فإن لم يفعل، ومضى في صلاته، كانت صلاته مجزئة، ولولا أن ذلك كذلك لقلنا: لا يجوز له فعل الصلاة.

стр. 75

وفي اتفاق المسلمين على صحة صلاة من هذا وصفه دلالة على أن النهي إذا لم يتعلق بمعنى في نفس العقد، أو في نفس القربة المفعولة، أو بما هو من شروطها التي تختص بها، أنه لا يمنع صحة العقد، ووقوع القربة موقع الجواز، ألا ترى أن تخليص الرجل من الغرق ليس من الصلاة، ولا من شروطها في شيء. ألا ترى أن من عليه تخليص الغريق لو اشتغل بالصلاة أيضا كان عاصيًا في اشتغاله عن تخليصه وأن أذان الجمعة ليس من نفس البيع، ولا من شرطه، فلم يفسد البيع من أجله، وإن كان منهيًا عنه؛ لأن المعنى فيه الاشتغال عن صلاة الجمعة لا البيع؛ لأنه لو لم ينعقد البيع في ذلك الوقت، واشتغل بغيره كان النهي قائما في اشتغاله بغير الصلاة فعلمت أن النهي إنما تناول الاشتغال عن الجمعة، لا البيع نفسه، وكذلك النهي عن تلقي الجلب وبيع حاضر لباد إنما هو لأجل حق الغير، لا لأجل البيع، وكذلك في استيام الرجل على سوم أخيه، أنه منهي عنه ولو عقد البيع على هذا الوجه كان العقد صحيحًا مع كونه منهيا عنه؛ لأن النهي عنه إنما تعلق لحق المساوم، لا بالعقد نفسه. ونظائر ذلك كثيرة وفيما ذكرنا تنبيه على المعنى في أشباهه فصار ما ذكرنا أصلا في هذه المسائل (١). الراجح من الخلاف: الأصل الشرعي في النهي المطلق أنه يقتضي فساد المنهي عنه، فقد أمرنا الله باجتناب ما نهى عنه، أو نهى عنه رسوله ﷺ ، ووقوعه منا مخالفة لأمر الله ورسوله ﷺ ، ولكن إذا وجد ما يدل على صحة الفعل بعد وقوعه عمل بذلك، كما أننا نقول: الأصل في الأمر الوجوب، وفي النهي التحريم، وإذا ما
следующие страницы →