← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

والصحابة، والتابعون، وسائر أئمة المسلمين كانوا يحتجون على فساد العقود بمجرد النهي كما احتجوا على فساد نكاح ذوات المحارم بالنهي المذكور في القرآن واستدلوا على فساد نكاح المطلقة ثلاثا بقوله: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وكذلك استدل الصحابة على فساد نكاح الشغار بالنهي عنه وكذلك عقود الربا، وغيرها. فعلموا أن ما نهى الله عنه فهو من الفساد، وليس من الصلاح؛ فإن الله لا يحب الفساد فلا ينهى عما يحبه، وإنما ينهى عما لا يحبه فعلموا أن المنهي عنه فاسد، ليس بصالح وإن كانت فيه مصلحة، فمصلحته مرجوحة بمفسدته. وقد علموا أن مقصود الشرع رفع الفساد، ومنعه، لا إيقاعه، والإلزام به فلو ألزموا بموجب العقود المحرمة لكانوا مفسدين، غير مصلحين، والله لا يصلح عمل المفسدين كل من عمل بمعصية الله فهو مفسد، والمحرمات معصية لله، فالشارع ينهى عنها ليمنع الفساد ويدفعه. ولا يوجد قط في شيء من صور النهي صورة ثبتت فيها الصحة بنص، ولا إجماع فالطلاق المحرم والصلاة في الدار المغصوبة، فيها نزاع وليس على الصحة نص يجب اتباعه فلم يبق مع المحتج بهما حجة. لكن من البيوع ما نهي عنها لما فيها من ظلم أحدهما للآخر: كبيع المصراة والمعيب وتلقي السلع والنجش ونحو ذلك ولكن هذه البيوع لم يجعلها الشارع لازمة كالبيوع الحلال بل جعلها غير لازمة، والخيرة فيها إلى المظلوم، إن شاء أبطلها، وإن شاء أجازها؛ فإن الحق في ذلك له والشارع لم ينه عنها لحق مختص بالله، كما نهى عن الفواحش بل هذه إذا علم المظلوم بالحال في ابتداء العقد، مثل أن يعلم بالعيب، والتدليس، والتصرية ويعلم السعر إذا كان قادمًا بالسلعة، ويرضى بأن يغبنه المتلقي جاز ذلك فكذلك إذا علم بعد العقد، إن رضي أجاز وإن لم يرض كان له الفسخ

стр. 72

وهذا يدل على أن العقد يقع غير لازم، بل موقوفًا على الإجازة إن شاء أجازه صاحب الحق، وإن شاء رده، ولا يقال: إن صحة هذه العقود بعد إجازة من له الحق دليل على أن النهي لا يقتضي الفساد، بل يقتضي الفساد إن أراد صاحب الحق ذلك، وإن تنازل عن حقه فله ذلك. وكذلك الصلاة في الدار المغصوبة والذبح بآلة مغصوبة وطبخ الطعام بحطب مغصوب وتسخين الماء بحطب مغصوب كل هذا إنما حرم لما فيه من ظلم الإنسان، وذلك يزول بإعطاء المظلوم حقه، فإذا أعطاه بدل ما أخذه من منفعة ماله، أو من أعيان ماله، فأعطاه كراء الدار، وثمن الحطب، وتاب هو إلى الله من فعل ما نهاه عنه، فقد برئ من حق الله وحق العبد، وصارت صلاته كالصلاة في مكان مباح والطعام بوقود مباح والذبح بسكين مباحة، وإن لم يفعل ذلك كان لصاحب السكين أجرة ذبحه، ولا تحرم الشاة كلها وكان لصاحب الدار أجرة داره، لا تحبط صلاته كلها لأجل هذه الشبهة وهكذا إذا أكل الطعام، ولم يوفه ثمنه، كان بمنزلة من أخذ طعامًا لغيره فيه شركة، ليس فعله حرامًا ولا هو حلالًا محضًا، فإن نضج الطعام فلصاحب الوقود فيه شركة وكذلك الصلاة يبقى عليه اسم الظلم، ينقص من صلاته بقدره، فلا تبرأ ذمته كبراءة من صلى صلاة تامة، ولا يعاقب كعقوبة من لم يصل، بل يعاقب على قدر ذنبه وكذلك آكل الطعام، يعاقب على قدر ذنبه، والله تعالى يقول: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧، ٨] ولا يؤخذ من ذلك مطلقًا بأن النهي لا يقتضي الفساد (١).

стр. 73

دليل من قال: النهي يقتضي الفساد في العبادات خاصة . قالوا: إن العبادة المنهي عنها لو صحت لكانت مأمورًا بها ولو ندبًا؛ لعموم أدلة مشروعية العبادات، فيجتمع النقيضان: لأن الأمر لطلب الفعل، والنهي لطلب الترك، وهو محال، وأما غير العبادات فلو قلنا: يدل النهي على الفساد لاقتضى نجاسة الثوب المغسول بماء مغصوب، والصلاة في الدار المغصوبة .. وهكذا، فاللازم باطل، فالملزوم مثله. دليل من قال: النهي لا يقتضي الفساد . هناك أشياء نهى عنها الشارع وصححها لوجود قرينة، كالنهي عن تلقي الجلب، ومع ذلك أثبت للبائع الخيار إذا أتى السوق، ونهى عن التصرية، وأثبت للمشتري الخيار إذا وقع البائع في النهي، وثبوت الخيار فرع عن صحة البيع فيهما، فدل ذلك على أن التحريم والصحة قد يجتمعان، ولا تلازم بين النهي والفساد، وإذا كان لا تلازم بين النهي والفساد، لم تكن صيغة النهي وحدها دالة على الفساد، وإنما تدل على التحريم، والممنوع أن يكون الشيء منهيًا عنه، ومأمورًا به في ذات الوقت، فيمتنع أن يقال: حرَّمت عليك الطلاق في حال الحيض، وأمرتك به، وأبحته لك، وأما إذا قال: حرَّمت عليك الطلاق في الحيض، فإن فعلت فقد وقع الطلاق، وأنت آثم، وحرمت عليك الصلاة في الثوب المغصوب، فإن فعلت صحت الصلاة، وأنت آثم، فشيء من هذا ليس بممتنع (١). فدل على أن النهي لا يقتضي الفساد. وأجيب بجوابين: الأول: ما ذكره ابن تيمية من أن الطلاق في حال الحيض قد وقع فيه نزاع في

стр. 74

وقوعه، وليس في المسألة إجماع على أن الطلاق يقع، وأما تلقي الجلب، وبيع المصراة، ونحوها فلا يقال: البيع صحيح، ولا فاسد حتى يجيزه من له الحق، فإذا أسقط الآدمي حقه، فله ذلك، وقد نقلنا كلام ابن تيمية في الجواب عن هذه المسائل في الدليل الرابع من القول السابق، فانظره. الجواب الثاني: أن يقال: لو لم يوجد قرينة دالة على صحة البيع في تلقي الجلب، وبيع المصراة لم نقل بصحته، ونحن لا نمانع من القول بالصحة إذا وجدت قرينة دالة على ذلك، وإنما الكلام في النهي المطلق الخالي من القرائن، فكما يقال: الأصل في النهي التحريم، فإذا وجدت فيه قرينة على أن النهي للكراهة صرفنا النهي عن أصله، فكذلك الأصل في النهي الفساد، فإذا وجدت قرينة تدل على الصحة صرفناه عن أصله. دليل من فرق بين النهي العائد لذات العبادة والعائد لخارج منها . ذكر أصحاب هذا القول بأن الأدلة قد قامت على أن النهي إذا لم يتناول معنى في نفس العقد أو القربة المفعولة أو ما هو من شروطها التي يخصها لم يمنع جواز ذلك، نحو البيع عند أذان الجمعة وتلقي الجلب وبيع حاضر لباد ومثل الصلاة في الأرض المغصوبة والطهارة بماء مغصوب وغسل النجاسة به والوقوف بعرفات على جمل مغصوب، وكون الفعل فيها منهيًا عنه في هذه الصفة لا يمنع من القول بصحته؛ لأن النهي عنها لم يتناول معنى في نفس المفعول وإنما تناول معنى في غيره وكون الإنسان مرتكبًا للنهي عاصيًا في غير المعقود عليه لا يمنع وقوع فعله موقع الصحة والدليل على صحة ما ذكرنا: أن الرجل في الصلاة لو رأى رجلًا يغرق وقد كان يمكنه تخليصه أنه منهي عن المضي في هذه الصلاة، ومأمور بتخليص الرجل، فإن لم يفعل، ومضى في صلاته، كانت صلاته مجزئة، ولولا أن ذلك كذلك لقلنا: لا يجوز له فعل الصلاة.

стр. 75

وفي اتفاق المسلمين على صحة صلاة من هذا وصفه دلالة على أن النهي إذا لم يتعلق بمعنى في نفس العقد، أو في نفس القربة المفعولة، أو بما هو من شروطها التي تختص بها، أنه لا يمنع صحة العقد، ووقوع القربة موقع الجواز، ألا ترى أن تخليص الرجل من الغرق ليس من الصلاة، ولا من شروطها في شيء. ألا ترى أن من عليه تخليص الغريق لو اشتغل بالصلاة أيضا كان عاصيًا في اشتغاله عن تخليصه وأن أذان الجمعة ليس من نفس البيع، ولا من شرطه، فلم يفسد البيع من أجله، وإن كان منهيًا عنه؛ لأن المعنى فيه الاشتغال عن صلاة الجمعة لا البيع؛ لأنه لو لم ينعقد البيع في ذلك الوقت، واشتغل بغيره كان النهي قائما في اشتغاله بغير الصلاة فعلمت أن النهي إنما تناول الاشتغال عن الجمعة، لا البيع نفسه، وكذلك النهي عن تلقي الجلب وبيع حاضر لباد إنما هو لأجل حق الغير، لا لأجل البيع، وكذلك في استيام الرجل على سوم أخيه، أنه منهي عنه ولو عقد البيع على هذا الوجه كان العقد صحيحًا مع كونه منهيا عنه؛ لأن النهي عنه إنما تعلق لحق المساوم، لا بالعقد نفسه. ونظائر ذلك كثيرة وفيما ذكرنا تنبيه على المعنى في أشباهه فصار ما ذكرنا أصلا في هذه المسائل (١). الراجح من الخلاف: الأصل الشرعي في النهي المطلق أنه يقتضي فساد المنهي عنه، فقد أمرنا الله باجتناب ما نهى عنه، أو نهى عنه رسوله ﷺ ، ووقوعه منا مخالفة لأمر الله ورسوله ﷺ ، ولكن إذا وجد ما يدل على صحة الفعل بعد وقوعه عمل بذلك، كما أننا نقول: الأصل في الأمر الوجوب، وفي النهي التحريم، وإذا ما

стр. 76

وجد ما يدل على الاستحباب، أو الكراهة عمل به، ومن القرائن الدالة بأن النهي لا يقتضي الفساد أن يكون النهي لحق الآدمي مثلًا، كتلقي الجلب، وعقد المصراة، ونحوها، ويمكن أن نلحق بهذه الصورة: البيع الذي توفرت فيه شروط الصحة، ولم يطابق العقد نهي، وإنما نهينا عن البيع لتعلقه بمحظور آخر، كما لو لم يبق من وقت الصلاة إلا مقدار ما يؤدي فيه العبادة، فانشغل بالبيع حتى خرج وقت الصلاة بالكلية، فالانشغال محرم، ولكن إبطال البيع لن يرفع المفسدة، بل يزيدها مفسدة على مفسدة، وذلك بكون الضرر يتعدى إلى المشتري وهو لم يرتكب محرمًا، ولم يقصر في القيام بالواجب. * * *

стр. 77

الفرع الرابع يجب في الفاسد من العقود نظير ما يجب في الصحيح قال الزيلعي: الفاسد من العقود معتبر بالصحيح منها (١). وقال الحطاب: «فاسد العقود في الضمان كصحيحها» (٢). [م - ٦] إذا قبض المبيع بعقد فاسد، فإنه يجب رده ما دامت عينه قائمة، فإن تلفت عينه بيد المشتري، فهل يضمنه المشتري؟ في ذلك خلاف بين أهل العلم. فقيل: لا يضمنه، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى (٣).

стр. 78

وقيل: يضمنه كما لو قبضه بعقد صحيح، وهو مذهب الجمهور (١)، وقول في مذهب الحنفية (٢).

стр. 79

تعليل أبي حنيفة لعدم وجوب الضمان: قبض المشتري للمبيع إنما تم بإذن المالك، وما كان مأذونًا له فيه فلا ضمان عليه (١). تعليل الجمهور لوجوب الضمان: التعليل الأول: أن المشتري قبضه على جهة التملك، فهو قبضه لحق نفسه، فلم يقبضه على جهة الأمانة، ولم يقبضه باسم التوثقة، كالرهن. التعليل الثاني: إذا كان المقبوض بسوم الشراء لو تلف ضمنه القابض، فهذا أولى. الراجح من الخلاف: بعد استعراض الأقوال والأدلة أجد القول بأن العقد الفاسد يوجب الضمان كالعقد الصحيح هو الأقوى، والله أعلم. * * *

стр. 80

الفرع الخامس في كيفية ضمان العقد الفاسد جاء في موسوعة القواعد والضوابط الفقهية: «الأصل: أن المضمون نوعان: مضمون بالقبض، ومضمون بالعقد، وكل مضمون بالعقد الصحيح فهو مضمون بالمسمى في العقد، وكل مضمون بالعقد الفاسد فهو مضمون بالقبض، وكل مضمون بالقبض فهو مضمون بنفسه، لا بالمسمى في العقد ... وهي القيمة إن كان من ذوات القيم، والمثل إن كان من ذوات الأمثال» (١). [م -٧] وإذا رجحنا وجوب الضمان فإن كان التالف مثليًا وجب مثله، وإن كان قيميًا، فهل يضمن بالقيمة، أو يضمن بالثمن المسمى بين العاقدين؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: يضمن بالقيمة على خلاف، هل الواجب قيمته يوم تلفه؟ لأن القيمة إنما وجبت بتلف المبيع، فاعتبرت القيمة يوم التلف، وهو مذهب الحنابلة (٢)، ووجه في مذهب الشافعية (٣)، وقول محمد من الحنفية.

стр. 81

أو يجب الضمان بقيمته يوم قبضه، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وقول في مذهب الشافعية (٣). وعللوا ذلك بأن القبض هو سبب الضمان. القول الثاني: يضمن بأقصى القيمة للمتلف من وقت القبض إلى وقت التلف، وهو مذهب الشافعية (٤). وقيل: يضمن بالثمن المسمى، وهو اختيار ابن تيمية رحمه الله تعالى (٥). دليل من قال: الضمان بالقيمة: الدليل الأول: قال: لما كان العقد فاسدًا لم يعتبر الثمن المسمى، وكان وجود العقد

стр. 82

كعدمه، فرجعنا إلى قيمة المبيع في نفسه. الدليل الثاني: أن اعتبار القيمة فيه عدل بين الطرفين، فقد يكون الثمن المسمى أكثر من القيمة الحقيقية، وقد يكون أقل، فلم نعتبر الثمن، والعقد فاسد، فنرجع إلى القيمة الحقيقة للمبيع. تعليل من قال: الضمان بأقصى القيمة من القبض إلى التلف . قالوا: إنه مطالب في كل وقتٍ بِرَدَّه، ولم يفعل، فيعامل معاملة الغاصب. ويجاب: بأن يد الغاصب يد معتدية، فيعامل بالأشد، بينما المقبوض بالبيع الفاسد قبضه المشتري بإذن صاحبه ظانًا أن العقد صحيح، فتبين أن العقد فاسد، ولم يمض فيه بعد بيان فساده، فكيف يعامل معاملة الغاصب؟ تعليل من قال: الضمان بالثمن المسمى . التعليل الأول: أن الثمن المسمى قد رضي به كل من العاقدين، وطابت أنفسهما به فهو أولى بالاعتبار من ثمن لم يتعاقدا عليه، ولم يرضياه، ولم يتفقا على قبوله. التعليل الثاني: العدل أن نقدر العقد الفاسد بكونه صحيحًا، ونوجب في هذا ما يجب في ذاك، فإذا كان الضمان بالعقد الصحيح إنما هو بالثمن المسمى بغض النظر عن قيمة المبيع الحقيقية، وكان وجوب الضمان بالعقد الفاسد مقيسًا على وجوبه بالعقد الصحيح، كان ضمانه مثله بالثمن المسمى، وهذا هو العدل المطلوب.

стр. 83

وأجيب: بأن هناك فرقًا بين ضمان الشيء بالعقد، وبين ضمانه بالقبض فكل شيء يكون مضمونًا بالعقد يجب ضمانه بالمسمى، وذلك مثل العقد الصحيح، وكل شيء يكون ضمانه بالقبض فهو مضمون بنفسه، لا بالمسمى في العقد، فاعتبرت المالية القائمة بالعين يوم القبض، وهي القيمة إن كان من ذوات القيم، أو المثلية إن كان من ذوات الأمثال. التعليل الثالث: القياس على النكاح، فإذا فسد النكاح بعد الدخول وجب لها المهر المسمى، ولم يجب لها مهر المثل، فكذلك هنا. وأجيب: بأن هناك فرقًا بين النكاح والبيع الفاسد، فالضمان في النكاح الفاسد ضمان عقد، كضمانه في الصحيح، وضمان البيع الفاسد ضمان تلف، بخلاف البيع الصحيح، فإن ضمانه ضمان عقد (١). مع أن وجوب المسمى في النكاح الفاسد ليس محل اتفاق، فالشافعية يطردون القاعدة، فيوجبون المسمى في النكاح الصحيح، ومهر المثل في النكاح الفاسد (٢). التعليل الرابع: أن إقباضه إياه إذن له في إتلافه بالعوض المسمى، فأشبه ما لو قال له: أتلفه بألف درهم، فأتلفه، فإنه لا يستحق عليه غير ما سمى له.

стр. 84

وتعقبه ابن رجب بقوله: وقد يجاب عن هذا، بأن المسمى إنما جعل عوضا عن الملك، لا عن الإتلاف، ولم يتضمن العقد إذنًا في الإتلاف، وإنما تضمن نقل ملك بعوض، ولم يوجد نقل الملك، فلا يثبت العوض، وإنما وجب الضمان بسبب متجدد (١). الراجح: ليس في المسألة نص شرعي يجب الرجوع إليه، وما قدمه كل قول هو تعاليل، ولكل تعليل حظ من النظر، وأجد أضعفها مذهب الشافعية القائلين بوجوب أقصى القيمة من يوم القبض إلى يوم التلف، قياسًا على الغصب، وأجد أقواها ما اختاره ابن تيمية ﵀ من أن الواجب الثمن المسمى في العقد لاتفاقهما عليه، وقبولهما إياه، كما لو كان العقد صحيحًا، والله أعلم.

стр. 85

التقسيم الثالث تقسيم العقود باعتبار كون المعقود عليه ماليًا أو غير مالي تنقسم العقود باعتبار مالية المعقود عليه إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: عقد مالي من الطرفين: كالبيع، والسلم، والإجارة، ونحوها. القسم الثاني: عقد غير مالي من الطرفين: كعقد الهدنة. القسم الثالث: عقد مالي من أحد الطرفين: كالنكاح، والخلع، والصلح عن الدم، ونحوها (١). * * *

стр. 86

التقسيم الرابع تقسيم العقود باعتبار اللزوم وعدمه تنقسم العقود باعتبار اللزوم، وعدمه إلى ثلاثة أقسام: الأول: عقد لازم من الطرفين: وهو العقد الذي ينشاء التزامات متقابلة في ذمة كل من المتعاقدين، كالبيع يلتزم فيه البائع بنقل ملكية المبيع، ويلتزم فيه المشتري بدفع الثمن. الثاني: عقد جائز من الطرفين: وهو العقد الذي يملك فيه كل طرف أن يفسخ العقد متى شاء، وذلك مثل الشركة، والوكالة، والمضاربة، والوصية والعارية، والجعالة. الثالث: عقد لازم من طرف، وجائز من طرف آخر، وذلك مثل الرهن، فهو لازم من جهة الراهن بشرطه، وجائز من جهة المرتهن، وكذلك الضمان جائز من جهة المضمون له دون الضامن (١). [م - ٨] وقد يتحول العقد الجائز إلى عقد لازم، إذا لزم من الفسخ ضرر بين، وقد ذكر ذلك ابن رجب في قواعده، فقال في القاعدة الستين: «التفاسخ

стр. 87

في العقود الجائزة، متى تضمن ضررًا على أحد المتعاقدين، أو غيرهما ممن له تعلق بالعقد لم يجز، ولم ينفذ إلا أن يمكن استدراك الضرر بضمان، أو نحوه، فيجوز على ذلك الوجه» (١). ثم ذكر أمثلة ذلك، يستحسن مراجعتها من الكتاب، وسيأتي تفصيل تلك المسائل في أماكن متفرقة من البحث إن شاء الله تعالى، بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه. * * *

стр. 88

التقسيم الخامس تقسيم العقود باعتبار اشتراط القبض من عدمه تنقسم العقود باعتبار اشتراط القبض إلى أقسام: الأول: ما يشترط فيه القبض لبقائه على الصحة، كبيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، ومثل بيع السلم، فإنه يشترط فيه قبض الثمن في مجلس العقد. الثاني: ما يشترط فيه القبض للزومه، وذلك مثل الرهن، والهبة للأجنبي. الثالث: ما لا يشترط فيه القبض لا في صحته ولا في لزومه، وذلك مثل النكاح، والوصية. * * *

стр. 89

التقسيم السادس تقسيم العقود باعتبار نفاذها في الحال من عدمه تنقسم العقود باعتبار نفاذها في الحال من عدمه إلى ثلاثة أقسام: العقد المنجز: وهو العقد الصحيح المستوفي لأركانه وشروطه، والصادر من كامل الأهلية، غير مضاف إلى المستقبل، ولا معلق على شرط، وهذا هو الأصل في العقود: أي أن آثارها تترتب عليها فور إنشائها. وقد تتوقف صحة العقد على كونه منجزًا، فإن تأخر بطل، وذلك كبيع الدراهم بالدراهم، وكبيع الدين بالدين. وهناك عقود يستغرق تنفيذها مدة بحيث يكون الزمن عنصرًا أساسيًا فيها، وذلك مثل الإجارة، والإعارة، والشركة. العقد المضاف للمستقبل: وهو ما صدر بصيغة أضيف فيها الإيجاب إلى زمن مستقبل، مثل آجرتك داري لسنة ابتداء من مطلع الشهر القادم، فينعقد في الحال، ولكن أثره لا يوجد إلا في الوقت الذي أضيف إليه. وهناك من العقود عقود لا تقع إلا مضافة للمستقبل، وذلك مثل عقد الإيصاء (١).

стр. 90

العقد الموقوف: وهو العقد الصادر من كامل الأهلية، إلا أنه لا يملك إصدار هذا العقد، أو كان معلقًا على شرط. فالأول: كبيع الفضولي، فإنه موقوف على إجازة المالك، على خلاف بين الفقهاء في صحته، كما سيأتي إن شاء الله تعالى بحثه عند الكلام على شروط العاقد. والثاني: المعلق على شرط كأن يقول: بعتك بيتي بشرط موافقة جاري، فإذا وافق الجار انعقد البيع (١). * * *

стр. 91

التقسيم السابع تقسيم العقود إلى بسيط ومركب «العقد البسيط: هو ما اقتصر على عقد واحد، ولم يكن مزيجًا من عقود متعددة ... كالبيع، والإيجار .... والعقد المختلط: هو ما كان مزيجًا من عقود متعددة اختلطت جميعًا، فأصبحت عقدًا واحدًا. مثال ذلك: العقد بين صاحب الفندق، والنازل فيه: فهو مزيج من عقد إيجار بالنسبة إلى المسكن، وبيع بالنسبة إلى المأكل، وعمل بالنسبة إلى الخدمة، ووديعة بالنسبة إلى الأمتعة» (١). * * *

стр. 92

التقسيم الثامن تقسيم العقود إلى مسماة وغير مسماة تنقسم العقود من حيث التسمية إلى قسمين: العقود المسماة: وهي العقود التي نص الشارع على تسميتها، وجعل لها أحكامًا خاصة كالبيع، والإجارة، والرهن، والزواج، والخلع، والهبة، والوصية. وعقود غير مسماة: وهي العقود التي لم ينص الشارع على تسميتها، وإنما استحدثت تبعًا لحاجة الناس، ولم تكن موجودة زمن التشريع، كعقود التأمين، والإجارة المنتهية بالتمليك، وعقد الاستصناع، وبيع الوفاء، وعقود النشر والدعاية، ونحوها (١). وهذه العقود غير المسماة قد اختلف الناس في جوازها تبعًا لاختلافهم في حرية العاقد في إحداث العقود، والشروط، فالظاهرية لا يجيزون عقدًا، أو شرطًا إلا إذا نص الشارع بخصوصه على جوازه، بينما نجد الحنابلة يجيزون إحداث العقود، والشروط التي لا تخالف نصوص الشريعة، ولأهمية هذا المبحث سوف نفرد له مبحثًا خاصًا، هل الأصل في العقود الجواز، والصحة، أو الأصل في العقود التحريم والمنع. هذه ثمان تقسيمات للعقود، ويستطيع الفقيه إحداث تقسيمات أخرى لاعتبارات، وفروق قد تكون شكلية، وقد تكون جوهرية، وفيما ذكرت من التقسيمات دليل على غيرها، وفيها كفاية إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 93

العقد الأول عقد البيع تمهيد في تعريف البيع تعريف البيع في اصطلاح الفقهاء (١): يقصد من تعريف الشيء إيضاحه، وبيان حقيقته لغوية كانت، أو شرعية،

стр. 94

ولكن الشيء إذا كان معروفًا، ومما يعلم بالضرورة كان تعريفه سببًا في غموضه بدلًا من إيضاحه، فلو أن أحدًا جاء ليعرف لنا الماء، لكان تعريفه سببًا في إبهامه، فالشيء المعروف، لا يعرف. ولهذا قال بعض المالكية: معرفة حقيقة البيع ضرورية حتى للصبيان (١). ورد ذلك ابن عرفة، بأن المعلوم ضرورة وجوده عند وقوعه، لكثرة تكراره، ولا يلزم منه علم حقيقته (٢). تعريف الحنفية للبيع: عرفه ابن نجيم بأنه: مبادلة المال بالمال بالتراضي ... زاد بعضهم على جهة التمليك وقيل: لا حاجة إلى الزيادة; لأن المبادلة تدل عليه (٣). وفي درر الحكام شرح غرر الأحكام: «مبادلة مال بطريق الاكتساب، أي التجارة، خرج به مبادلة رجلين بمالهما بطريق التبرع، أو الهبة بشرط العوض، فإنه ليس ببيع ابتداء، وإن كان في حكمه بقاء، ولم يقل: على سبيل التراضي ليتناول بيع المكره، فإنه بيع منعقد، وإن لم يلزم» (٤). تعريف المالكية: عرفه بعضهم: بأنه نقل الملك بعوض (٥).

стр. 95

فقوله: نقل الملك خرج بذلك العقد الباطل، فإنه لا ينقل الملك. وقوله: بعوض، خرج به الهبة، والصدقة، فإن فيها تنقل الملكية ولكن بدون عوض. وفي الشرح الصغير: عقد معاوضة على غير منافع. خرج بقيد المعاوضة: الهبة والوصية. وقوله: معاوضة: مفاعلة؛ إذ كل من البائع، والمشتري عوَّض صاحبه شيئًا بدل ما أخذه منه. وقوله: «على غير منافع» خرج النكاح، والإجارة، قال: وهذا تعريف للبيع بالمعنى الأعم: أي الشامل للسلم، والصرف، والمراطلة (بيع ذهب بذهب بالميزان) وهبة الثواب (١). تعريف الشافعية: جاء في المجموع: «مقابلة المال بمال، أو نحوه تمليكًا» (٢). وفي مغني المحتاج: «عقد معاوضة مالية يفيد ملك عين، أو منفعة على التأبيد ... فدخل بيع حق الممر ونحوه، وخرجت الإجارة بقيد التأقيت؛ فإنها ليست بيعًا» (٣). فقوله (عقد معاوضة) أخرج العقود الأخرى التي لم تعقد للمعاوضة، كعقود التبرع مثلًا.

стр. 96

وقوله: (مالية) أخرج النكاح؛ فإنه وإن كان فيه عقد معاوضة، ولكنه ليس عقدًا ماليًا من الطرفين. وقوله (يفيد ملك عين) أخرج العقود التي لا تفيد الملك، كالعارية، والرهن. وقوله: (أو منفعة على التأبيد) أخرج الإجارة؛ فإنها عقد يقصد بها ملك المنفعة لمدة معينة. ويدخل في هذا الحد الربا، فإنه معاوضة مالية تفيد ملك العين على التأبيد، وهو ليس بيعًا كما قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. ويدخل في الحد القرض، فإنه عقد معاوضة مالية على وجه التأبيد، وليس هو مع ذلك بيعًا. تعريف الحنابلة: عرفه بعضهم بأنه: مبادلة مال، ولو في الذمة، أو منفعة مباحة كممر في دار بمثل أحدهما على التأبيد، غير ربا وقرض (١). وارتضى هذا التعريف المرداوي في كتاب الإنصاف (٢). فقوله: (مبادلة مال ... أو منفعة) .. كأنه أخرج المنفعة من المالية، وبعض الحنابلة يذهب إلى هذا، ولذلك يعرفون المال: بأنه عين مباحة النفع بلا حاجة، فقوله: (عين) أخرج المنفعة، وهذا خلاف المذهب، أعني عدم اعتبار المنفعة مالًا، وهي مسألة خلافيه، وسيأتي إن شاء الله تحريرها عند الكلام على تعريف المال لدى الفقهاء.

стр. 97

وقوله (ولو في الذمة) أدخل بيع الموصوف، كبيع ثوب صفته كذا وكذا، فإن البيع لا يتعلق بثوب بعينه، وإنما الواجب تعلق بذمته، فتكون مشغولة بأداء الموصوف، وذلك كبيع السلم مثلًا، وهذا لا بد أن يكون مما ينضبط بالصفة، وسيأتي إن شاء الله تحرير ما يجوز بيعه بالوصف. (بمثل أحدهما) شمل هذا الكلام صورًا من البيع: الصورة الأولى: أن يبيعه عينًا بثمن، وهو البيع المشهور، وهو أن يكون المبيع من العروض، والعوض من الأثمان، كبيع السيارة بدارهم. الصورة الثانية: بيع المقايضة. وله ثلاثة أنواع: الأول: مقايضة عين بعين، كأن يبيع سيارته مثلًا ببيته. الثاني: مقايضة منفعة بمنفعة، كأن يبيع عليه حق الانتفاع بممر في أرضه بمثله من الجهة الأخرى. الثالث: مقايضة عين بمنفعة، وذلك أن يعطيه عروضًا مقابل الانتفاع بممر في أرضه. الصورة الثالثة: بيع الصرف. وهو بيع ثمن بثمن، وذلك كبيع الدولار بالريال، أو بالدينار. الصورة الرابعة: بيع السلم. أن يبيعه دينًا، والعوض مقدم في مجلس العقد، وهو نوعان: النوع الأول: دين بعين. النوع الثاني: دين بثمن. الصورة الخامسة: بيع المرابحة. عكس السلم، وهو أن يبيعه عينًا حالة بدين.

стр. 98

الصورة السادسة: الإجارة. أن يبيعه منفعة مؤقتة بعين، أو ثمن. فهذه تسع صور أو أكثر لأنواع من البيوع، وكلها داخلة في مسمى البيع في معناه الأعم، وإن كان بعض المذاهب لا يرى الإجارة بيعًا، وسيأتينا إن شاء الله تعالى في كتاب الإجارة بيان هذا الخلاف، وهل هو خلاف اصطلاحي باعتبار أن البيع على التأبيد، والإجارة ليس فيها تأبيد، وإنما هي مؤقتة؟ وهذا في الحقيقة لا يخرجها عن مسمى البيع، فهي من باب بيع المنفعة بيعًا مؤقتًا، نعم اختلاف الاسم يعني اختلاف بعض الأحكام عن البيع المطلق، ولذلك فالصرف وإن كان بيعًا، إلا أن له أحكامًا خاصة من وجوب القبض في مجلس العقد، ومن وجوب التماثل مع اتحاد الجنس، وهذا لا يجب في غير مبادلة الربوي بالربوي، وكذلك الإجارة فإنها تختص ببعض الأحكام التي تخالف فيها البيع المطلق، وليس هذا مكان التعرض لها. هذه صور البيع، وكل هذه الصور سوف تأخذ نصيبها إن شاء الله تعالى من البحث، والدراسة، أعاننا الله على ذلك بمنه وكرمه، ولا حول ولا قوة إلا بالله تعالى. وقوله (على التأبيد) أخرج الإجارة، فإن الإجارة لا تسمى في مذهب الحنابلة بيعًا، وقد أشرنا إلى الخلاف فيها. (غير ربا، وقرض) الربا مبادلة مال بمال، ومع ذلك لا يسمى بيعًا، لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَاا﴾ [البقرة:٢٧٥]. فأحل الله البيع، وحرم الربا، فلم يدخل في مسمى البيع، وإلا لكان حلالًا. وكذلك القرض، وإن كان في صورته مبادلة مال بمثله على سبيل التملك، إلا أنه ليس بيعًا؛ لأنه لم يقصد به المعاوضة، وإنما قصد به الإرفاق، ولو كان

стр. 99

القصد منه المعاوضة لحرم ذلك؛ لأنه مبادلة درهم بدرهم يشترط فيه التقابض، فلما جاز التفرق مع عدم القبض خرج ذلك عن صورة البيع. وهذا التعريف ربما كان من أشمل التعريفات السابقة، والله أعلم. وكل هذه التعريفات تدور على حقيقة واحدة: وهي أن البيع مبادلة مال بمال، أما كون المال أعيانًا، أو منافع، وهذه الأشياء قد تتعلق بالذمة وقد تتعلق بذات معينة، فكلها أقسام للمال لا حاجة إلى ذكرها في التعريف، لأن التعريف يقتصر فيه على الماهية. وهنا أمر يحسن التنبيه إليه، فهناك من يقسم المال إلى ثلاثة أقسام: أعيان، ومنافع، وديون. والحق أن الدين وصف للمال، وليس هو المال، فالمال إما ذات أو عرض (منفعة)، وكلاهما قد يكون دينًا وقد يكون معينًا. فالمال يكون ذاتًا كالبر مثلًا إن كان قائمًا فهو معين، وإن كان موصوفًا من غير تعيين، متعلق بالذمة، فهو دين، وكلاهما يؤول إلى ذات وليس إلى عرض (منفعة). والعرض (المنفعة) تكون دينًا ومعينة كالركوب، فإن كان من دابة معينة، فهي منفعة معينة، وإن كان من دابة موصوفة في الذمة فالمنفعة دين في الذمة، فتقسيم المال إلى ثلاثة أقسام عين ودين ومنفعة تقسيم غير دقيق، فالدين وصف للمال عينًا كان أو عرضًا، وكما تكون المنفعة عينًا ودينًا، يكون المال عينًا ودينًا، فالدين وصف يلحق الذوات كما يلحق المنافع. ويمكن أن نخرج من هذه التعاريف بضابط أو قاعدة: إذا كان البيع مبادلة مال بمال، فإنه لا يصح بيع ما لا يعد مالًا بين الناس، ولا يصح الشراء به. * * *

стр. 100

الباب الأول في دراسة المال وبيان أنواعه تبين لنا في الفصل السابق أن البيع مبادلة مال بمال، وإذا كان ذلك كذلك فلا بد من معرفة الحقيقة الاصطلاحية للمال، وما هي الأشياء التي تدخل في مسمى المال، وبالتالي يمكن أن يقع التبادل بينها على سبيل البيع، والأشياء التي لا تعتبر مالًا، بحيث لا يمكن تبادلها على سبيل المعاوضة، فإذا عرفنا حقيقة المال تصورنا وقوع المبادلة بين هذه الأموال المختلفة ليتحقق البيع الشرعي، وهذا ما دعاني إلى إفراد باب خاص للكلام على المال وأقسامه، أعاننا الله على جمعه، ووفقنا الله إلى حسن فهمه. وسوف نتناول إن شاء الله في هذا الباب المباحث التالية: تعريف المال. الخلاف في مالية المنافع. الخلاف في مالية الديون. الخلاف في مالية الحقوق. أقسام المال، وأثره الفقهي. * * *

стр. 101

الفصل الأول في حقيقة المال المبحث الأول في تعريف المال قال ابن عبد البر: كل ما تملك وتمول فهو مال (١) إطلاق المال في السنة الشريفة، وأقوال الصحابة (٢): جاء إطلاق المال في السنة وأقوال الصحابة على أنواع مختلفة لعلي أشير إلى بعضها:

стр. 102

فقد جاء إطلاق المال على البستان (١)، وعلى الأرض (٢)، وعلى الثياب والمتاع (٣)، وعلى ما يؤكل ويلبس (٤). تعريف المال في اصطلاح الفقهاء: لم يضع الشرع للمال حقيقة شرعية تحدد معناه تحديدًا دقيقًا، كما هو الحال

стр. 103

في الإيمان والصلاة والزكاة حيث جعل الشارع لها حقيقة شرعية، بل ترك هذا لما يتعارف الناس على أنه مال، فالعربي الذي نزل القرآن بلغته حينما يسمع لفظة (المال) يفهم المراد منها، كما يفهم ما يراد بلفظ السماء والأرض، ولذلك نجد بعض أصحاب المعاجم اللغوية يقولون: «المال معروف» فإذا سمع العربي حديث رسول الله ﷺ «كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه» (١) فهم المراد من المال بالطريقة التي يفهم بها كلمة العرض، وكلمة النفس من غير رجوع إلى اصطلاح خاص. وعندما قامت المذاهب الفقهية واستعمل لفظ المال مرادًا به معان اصطلاحية انشغل الفقهاء بوضع تعاريف له، وقد قام بهذا الصدد اصطلاحان رئيسيان: اصطلاح الحنفية، واصطلاح الجمهور (٢). المال في اصطلاح الحنفية: عرف الحنفية المال بعدة تعريفات، فعرفه بعضهم بقوله: «المال ما يميل إليه الطبع، ويمكن ادخاره لوقت الحاجة» (٣). زاد صاحب مجلة الأحكام العدلية: «منقولًا كان أو غير منقول» (٤). شرح التعريف: قوله: «ما يميل إليه الطبع» خرج بذلك لحم الميتة.

стр. 104

وقوله: «يمكن ادخاره لوقت الحاجة» خرج بذلك شيئان: أحدهما: ما لا يمكن ادخاره لحقارته كحبة حنطة مثلًا، فلا تعتبر مالًا. وثانيهما: خرج بقوله ما يمكن ادخاره المنافع والديون، فإنهما لا يمكن ادخارهما، وبالتالي لا تعتبر مالًا عند الحنفية (١). وقد يؤخذ من قوله (ما يمكن حيازته وادخاره) إطلاق المال على الشيء الذي يقبل الحيازة والادخار، ولو كان ذلك قبل حيازته كالسمك في الماء، والطير في الهواء؛ لأنه قال: مما يمكن حيازته، ولم يشترط الحيازة الفعلية. وكنت أظن أن الحنفية يقصدون بالادخار الإحراز، وليس الادخار المعروف في باب الزكاة، وذلك لأن هناك من الأعيان ما هو مال، ولا يمكن ادخاره كبعض أنواع البقول والخضر والفواكه، ولكن هذا التفسير يعكر عليه قولهم في تبيين الحقائق: «المال عبارة عن إحراز الشيء، وادخاره لوقت الحاجة في نوائب الدهر» (٢).

стр. 105

فجعل الإحراز غير الادخار. فتبين من هذا أن الحنفية يشترطون لتحقيق المالية في الشيء أمرين: الأول: أن يكون الشيء مما يمكن حيازته وادخاره، فالمنافع كسكنى الدار، وركوب الدابة لا تعتبر مالًا؛ لأن المنافع لا يمكن حيازتها وادخارها. وكذلك الديون لا تعتبر مالًا وهي في الذمة حتى تقبض، فإذا قبضت أمكن حيازتها. وسيأتي مزيد بحث لمالية المنافع والديون إن شاء الله تعالى. الثاني: أن يكون الشيء مما له قيمة مادية بين الناس، فيخرج بذلك حبة القمح والأرز، فإنه لا ينتفع بها وحدها عادة. تعريف المال في اصطلاح الجمهور: المال في اصطلاح المالكية: عرف المالكية المال بعدة تعريفات: فقد عرفه الشاطبي بقوله: «ما يقع عليه الملك ويستبد به المالك عن غيره إذا

стр. 106

أخذه من وجهه» (١). فقوله في حده (ما يقع عليه الملك) يشمل الأعيان كما يشمل المنافع؛ لأنه يقع عليهما الملك. وقوله: (ويستبد به المالك عن غيره) إشارة إلى أن المقصود مما يقع عليه الملك مما له قيمة بين الناس، وليس المقصود ما يقع عليه الملك مما لا قيمة له فإنه لا يعتبر والحالة هذه مالًا، بل صرح بعضهم بأن ما لا قيمة له (أي منفعة) لا يقع عليه الملك (٢). وينتقد التعريف بأنه لم يصرح بأن تكون العين أو المنفعة مأذونًا له شرعًا بالانتفاع بها، فإن هناك أشياء قد يستبد بها المالك عن غيره، ويجوز له الانتفاع بها، ولا تعتبر مالًا كشحوم الميتة وجلودها على المشهور من مذهب المالكية فإنهم يبيحون الانتفاع بها، ولا يجيزون بيعها (٣). وعرفه النفرواي بقوله: «حقيقة المال: كل ما ملك شرعًا، ولو قلَّ» (٤). فيفهم من هذا التعريف أن الأعيان قبل تملكها لا يطلق عليها مال، مثل السمك في البحر، والطير في الهواء، ولو قال: كل ما يمكن تملكه شرعًا لشمل الأعيان قبل وبعد تملكها.

стр. 107

وقال ابن العربي: «وتحقيق المال: ما تتعلق به الأطماع، ويعد للانتفاع، هذا رسمه في الجملة ... يترتب عليه أن منفعة الرقبة في الإجارة مال، وأن منفعة التعليم للعلم كله مال ... وأما عتق الأمة فليس بمال، وقال أحمد بن حنبل: هو مال يجوز النكاح بمثله؛ لأن النبي ﷺ جعله صداقًا في نكاحه لصفية بنت حيي (١) .... وقال علماؤنا: كان النبي ﷺ مخصوصًا في النكاح وغيره بخصائص، ومن جملتها أنه كان ينكح بغير ولي ولا صداق» (٢). والحق أن العتق مال، لأن العبد في نفسه مال من الأموال، فعتقه إخراج لهذا المال من ملكه. وقال القرافي في الذخيرة: «والأعيان على ثلاثة أقسام: ما اتفق على جواز بيعه وقبوله للملك والمالية كالدار والعبد. وما اتفق على منع بيعه وقبوله للمالية، إما لعدم اعتباره شرعًا كالمحرمات من الميتة وغيرها، أو لعدم القيمة فيه عرفًا كالنظر إلى السماء، والتوجه تلقاء الهواء .... وغير ذلك. وما اختلف فيه هل هو من القسم الأول أو الثاني» ثم ذكر من أمثلته بيع المصحف وإجارته وتعليم القرآن والفقه ونحوهما (٣). المال في اصطلاح الشافعية: قال الشافعي: «ولا يقع اسم مال إلا على ما له قيمة يباع بها، وتكون إذا

стр. 108

استهلكها مستهلك أدى قيمتها وإن قلت» (١). وقال السيوطي: «قال الشافعي: لا يقع اسم مال إلا على ماله قيمة يباع بها، وتلزم متلفه، وإن قلت، وما لا يطرحه الناس، مثل الفلس وما أشبه ذلك» (٢). فقوله: (ما له قيمة بين الناس): أخرج ما ليس له قيمة فلا يعد مالًا. قال في الإقناع: «ولا يصح بيع ما لا منفعة فيه؛ لأنه لا يعد مالًا، فأخذ المال في مقابلته ممتنع، للنهي عن إضاعة المال ... » (٣). قال الغزالي: «وما لا منفعة له ثلاثة أقسام: أحدها: أن تسقط المنفعة للقلة، كالحبة من الحنطة ... فمن أتلفه فلا شيء عليه إذ لا قيمة له، وقال القفال: عليه مثله إن كان من ذوات الأمثال .... الثاني: أن تسقط منفعته لخسته، كحشرات الأرض من الخنافس والعقارب ... الثالث: ما سقطت منفعته شرعًا كالمعازف ... » (٤).

стр. 109

وقول السيوطي: «وتلزم متلفه» أخرج الكلب ونحوه مما له منفعة مباحة مقيدة بالحاجة أو الضرورة، فإذا أتلفه أحد لم تلزمه قيمته، وسوف يأتي إن شاء الله تعالى ذكر خلاف العلماء في بيع الكلب (١). المال في اصطلاح الحنابلة: عرفه البهوتي بقوله: «والمال عين مباحة النفع بلا حاجة» (٢). وينتقد هذا التعريف بإخراجه المنافع والديون من المالية؛ لأن المنفعة والدين ليست عينًا، والمذهب الحنبلي يعتبر المنفعة والدين مالًا كما سيأتي تحريره في فصل مستقل إن شاء الله تعالى. وعرفه بعضهم: «المال شرعًا: ما يباح نفعه مطلقًا في كل الأحوال ...

стр. 110

ويباح اقتناؤه بلا حاجة» (١). فخرج بقوله: (ما يباح نفعه) ما لا نفع فيه كالحشرات. وما فيه نفع محرم كالخمر. وما لا يباح نفعه لنجاسته كالميتة. وخرج بقوله: (يباح نفعه في كل الأحوال) جلد ميتة دبغ فإن الحنابلة لا يجيزون الانتفاع به إلا في اليابسات فقط، وقد فصلت مذهبهم في كتاب أحكام الطهارة، وبينت الراجح. وخرج بقوله: (يباح اقتناؤه بلا حاجة) ما أبيح بقيد الحاجة فلا يعتبر مالًا كالكلب، وكذلك ما أبيح الانتفاع به بقيد الضرورة كأكل الميتة من باب أولى. * * *
следующие страницы →