[إسناده صحيح].
فهذا ابن عمر ﵁ ينهى عن مثل ذلك، ويستدل بأن أمير المؤمنين كان ينهى عن ذلك، وأمير المؤمنين له سنة متبعة.
ويجاب:
بأن الصحابة مختلفون فيما بينهم في جواز مثل ذلك، وإذا اختلف الصحابة لم يكن قول أحدهم حجة على الآخر، فقد رأى ابن عباس جواز مثل هذا كما سيأتي النقل عنه في أدلة المجيزين، وكما اختلف الصحابة اختلف التابعون من بعدهم، فلا بد من طلب مرجح، وذلك بالنظر في الأدلة ليعلم أي القولين أقرب إلى الصواب، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ح-٨٠٥) ما رواه البيهقي من طريق محمد بن يونس، ثنا غانم بن الحسن ابن صالح السعدي، ثنا يحيى بن يعلى الأسلمي، عن عبد الله بن عباس، عن أبي النظر، عن بسر بن سعيد.
عن المقداد بن الأسود، قال: أسلفت رجلًا مائة دينار، ثم أخرج سهمي في بعث بعثه رسول الله ﷺ ، فقلت له: عجل لي تسعين دينارًا، وأحط عشرة دنانير، فقال: نعم، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: أكلت ربا يا مقداد وأطعمته (١).
[إسناده ضعيف جدًا] (٢).
стр. 5357
الدليل الثالث:
(ث-١٤٥) ما رواه مالك، عن أبي الزناد، عن بسر بن سعيد،
عن عبيد أبي صالح، مولى السفاح، أنه قال: بعت بزًا لي من أهل دار نخلة إلى أجل، ثم أردت الخروج إلى الكوفة، فعرضوا علي أن أضع عنهم بعض الثمن، وينقدوني، فسألت عن ذلك زيد بن ثابت، فقال: لا آمرك أن تأكل هذا، ولا تؤكله (١).
стр. 5358
[إسناده ضعيف] (١).
الدليل الرابع:
أن المعجل خير من المؤجل، وهو غير مستحق بالعقد، فيكون بإزاء ما حطه عنه، وذلك اعتياض عن الأجل، وهو حرام، ألا ترى أن ربا النسيئة حرام لشبهة مبادلة المال بالأجل.
فأي فرق بين أن يقول: حط من الأجل، وأحط من الدين؟ أو يقول: زد في الأجل، وأزيدك في الدين، فهو في الصورتين جعل للزمن ثمنًا لزيادته ونقصه.
وأجيب:
بأن الوضع في مقابل التعجيل ضد الربا، فإن الربا يتضمن الزيادة في الأجل والدين، وذلك إضرار محض بالغريم، وهذه المسألة تتضمن براءة ذمة الغريم من الدين، وانتفاع صاحبه بما يتعجله، فكلاهما حصل له الانتفاع من غير ضرر، بخلاف الربا المجمع عليه فإن ضرره لاحق بالمدين، ونفعه مختص برب الدين، فهذا ضد الربا صورة ومعنى (٢).
الدليل الخامس:
أن الصلح عن المؤجل ببعضه حالًا من باب المعاوضة، فلا يجوز إلا مثلًا بمثل، ومن صالح عن مائة مؤجلة بتسعين حالة مثلًا، فقد باع مائة بتسعين، فكان ذلك ربا لعدم التماثل.
стр. 5359
ويجاب:
«لا يعتبر هذا من قبيل المعاوضة، وبيع دراهم بدراهم أقل منها، وإنما هو من باب حسن الاقتضاء، ويغتفر في القضاء من المعاوضة ما لا يغتفر ابتداء.
(ح-٨٠٦) ويدل لذلك حيث جابر بن عبد الله أن أباه قتل يوم أحد شهيدًا، وعليه دين، فاشتد الغرماء في حقوقهم، قال: فأتيت النبي ﷺ ، فسألهم أن يقبلوا ثمرة حائطي، ويحللوا أبي، فأبوا، فلم يعطهم النبي ﷺ حائطي ... الحديث» (١).
وفي لفظ: «أن أباه توفي وترك عليه ثلاثين وسقًا لرجل من اليهود، فاستنظره جابر، فأبى أن ينظره، فكلم جابر رسول الله ﷺ ليشفع له إليه، فجاء رسول الله ﷺ ، فكلم اليهودي ليأخذ ثمر نخله بالذي له، فأبى ... الحديث (٢).
فإن هذا الحديث دل بعمومه على جواز المصالحة مع جهالة أحد العوضين، وإن كان المصالح به، والمصالح عنه ربويين، وذلك لأن بيع الرطب في رؤوس النخل، وهو غير معلوم الوزن بالثمر لا يجوز في غير العرايا، ويجوز في المصالحة، وهو عند الوفاء، ذلك أن النبي ﷺ سأل الغريم أن يأخذ ثمر الحائط، وهو مجهول القدر في الأوساق التي له، وهي معلومة، وكان ثمر الحائط دون الذي له، حيث جاء فيه، أنهم لم يروا أن فيه وفاء» (٣).
دليل من قال بالجواز:
الدليل الأول:
(ح-٨٠٧) ما رواه الطبراني من طريق مسلم بن خالد، قال: سمعت علي
стр. 5360
ابن محمد، يذكر عن عكرمة.
عن ابن عباس لما أمر رسول الله ﷺ بإخراج بني النظير من المدينة، أتاه أناس منهم، فقالوا: إن لنا ديونًا لم تحل، فقال: ضعوا وتعجلوا.
قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عكرمة إلا علي بن محمد بن طلحة ابن يزيد بن ركانة، تفرد به مسلم بن خالد (١).
[ضعيف] (٢).
стр. 5361
ومع ضعفه فإنه يحتمل أن يكون ذلك قبل تحريم الربا، فإن إجلاء بني النظير كان في السنة الرابعة من الهجرة، وقد نسخ ذلك بآيات الربا لكون آيات الربا من آخر ما نزل من القرآن.
ويرد على ذلك:
بما قاله ابن عباس: إنما الربا أخر لي وأنا أزيدك، وليس عجل لي، وأضع عنك (١)، وإذا لم يكن من الربا لم يصح دعوى النسخ.
стр. 5362
الدليل الثاني:
(ث-١٤٦) ما رواه عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه.
عن ابن عباس، سئل عن الرجل يكون له الحق على الرجل إلى أجل، فيقول: عجل لي، وأضع عنك، فقال: لا بأس بذلك (١).
[إسناده صحيح] (٢).
الدليل الثالث:
أن الوضع والتعجيل ضد ربا الجاهلية المحرم، وهو الزيادة في الدين لقاء تمديد الأجل (٣).
الدليل الرابع:
أن هذا الفعل (ضع وتعجل) ليس فيه أثر صحيح ينهى عنه، والنظر الصحيح يقتضيه، وذلك أن فيه خلاص ذمة المدين من الدين، وانتفاع الدائن بالتعجيل، والشارع له تطلع إلى براءة الذمم من الديون.
دليل من قال: يجوز في دين المكاتب .
قالوا: إنه ليس بينه وبين سيده ربا، لأن العبد مال للسيد (٤).
стр. 5363
وقد انتقد ابن القيم هذا القول، قائلًا: «إن المكاتب مع سيده كالأجنبي في باب المعاملات، ولهذا لا يجوز أن يبيعه درهما بدرهمين، ولا يبايعه بالربا، فإذا جاز له أن يتعجل بعض كتابته، ويضع عنه باقيها، لما له في ذلك من مصلحة تعجيل العتق، وبراءة ذمته من الدين، لم يمنع ذلك في غيره من الديون» (١).
الراجح من الخلاف:
الراجح هو القول بالجواز؛ ولأن في منع الناس من هذا إضرارًا بهم فيما لا محذور فيه بين، والأصل في معاملة الناس الحل حتى يتبين التحريم، والله أعلم.
جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي:
«الحطيطة من الدين المؤجل لأجل تعجيله، سواء أكانت بطلب الدائن أو المدين (ضع وتعجل) جائزة شرعًا، لا تدخل في الربا المحرم، إذا لم تكن بناء على اتفاق مسبق، وما دامت العلاقة بين الدائن والمدين ثنائية، فإذا دخل بينهم طرف ثالث لم تجز، لأنها تأخذ عندئذ حكم حسم الأوراق التجارية» (٢).
* * *
стр. 5364
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة
تقديم أصحاب المعالي
الشيخ. د/ عبد الله بن عبد المحسن التركي
الشيخ. د/ صالح بن عبد الله بن حميد
الشيخ/ محمد بن ناصر العبودي
الشيخ/ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ
تأليف
دبيان بن محمد الدبيان
المجلد الثاني عشر
стр. 5365
دبيان بن محمد الدبيان، ١٤٣٢ هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
الدبيان، دبيان محمد
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة. / دبيان محمد الدبيان- الرياض، ١٤٣٢ هـ
٥٤٨ ص؛ ١٧×٢٤ سم.
ردمك: ٨ - ٧٤٨٠ - ٠٠ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مجموعة ج ١
١ - المعاملات (فقه إسلامي) أ. العنوان
ديوي ٢٥٣
٤٧٠٦/ ١٤٣٢
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
١٤٣٤ هـ
الطبعة الثانية
للطلب الاتصال
بالاستاذ / فهد بن عبد العزيز الجوعي
ت/ ٠٠٩٦٦٥٠٤٨٨١١٩٤
стр. 5366
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة (١٢)
стр. 5367
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله الطاهرين، وصحابته الأكرمين. وبعد،
فهذا هو المجلد الثاني عشر من هذه الموسوعة، وهو يمثل أيضًا العقد الثاني عشر، وقد ألحقت بهذا العقد أهم المعاملات المصرفية باعتبار أن الصرف جزء من المعاملات المصرفية، ولما كان هناك تداخل لبحوث الصرف في عقد الربا، فقد يقع المتصارفان في ربا الفضل كما قد يقعان في ربا النسيئة رأيت أن أجعل هذا البحث امتدادًا لعقد الربا لهذا كانت أبوابه امتدادًا لأبواب الربا، فلما كان الربا قد ختم في خمسة أبواب، افتتحت عقد الصرف في الباب السادس لارتباط العقدين وتداخلهما كما هو معلوم لدى طلبة العلم.
وقد كانت خطة البحث في عقد الصرف على النحو التالي.
الباب السادس: في عقد الصرف.
التمهيد: وفيه ثلاث مباحث:
المبحث الأول: في تعريف الصرف.
المبحث الثاني: في علاقة الصرف بالبيع.
المبحث الثالث: في حكم الصرف.
الفصل الأول: في جريان الربا في الفلوس.
المبحث الأول: في تعريف الفلوس.
المبحث الثاني: خلاف العلماء في جريان الربا في الفلوس.
стр. 5368
الفصل الثاني: الربا في الأوراق النقدية.
المبحث الأول: الكلام في حقيقة النقود.
المبحث الثاني: خلاف العلماء في جريان الربا في النقود الورقية.
ملحق.
الفصل الثالث: في شروط الصرف.
الشرط الأول: وجوب التماثل عند اتحاد الجنس.
الفرع الأول: في بيع الذهب بمثله جزافًا.
الفرع الثاني: إذا باع الربوي من جنسه جزافًا ثم علم تساويهما.
الفرع الثالث: بيع الدنانير بالدراهم جزافا وخرصًا.
الفرع الرابع: الصرف بتصديق أحد العاقدين للآخر في مقدار الصرف.
الشرط الثاني: اشتراط التقابض وإن اختلف الجنس.
الفرع الأول: في اشتراط التقابض والحلول في صرف الأثمان بعضها ببعض.
الفرع الثاني: إذا تم قبض البعض في الصرف.
الفرع الثالث: حد القبض بالصرف.
الفرع الرابع: في اشتراط الفورية في القبض.
الفرع الخامس: إذا تأخر التقابض غلبة.
الفرع السادس: الوكالة في قبض الصرف.
الشرط الثالث: خلو العقد من شرط الخيار.
الفرع الأول: إذا شرط المتعاقدان خيار الشرط ثم أسقطاه في المجلس.
стр. 5369
الفرع الثاني: شرط خيار المجلس في عقد الصرف.
الفصل الرابع: المواعدة على الصرف.
الفصل الخامس: في أنواع من الصرف.
المبحث الأول: في صرف النقود المغشوشة كذهب مغشوش بذهب خالص.
المبحث الثاني: في كساد الأثمان وانقطاعها.
المبحث الثالث: في صرف ما ثبت في الذمة.
الفرع الأول: أن يكون أحد العوضين في الذمة والآخر عينًا.
الفرع الثاني: أن يكون كل من بدلي الصرف دينًا ثابتًا في الذمة.
المبحث الرابع: المصارفة بالوديعة.
الفرع الأول: المصارفة في الوديعة غير المصرفية.
الفرع الثاني: المصارفة في الوديعة المصرفية.
المبحث الخامس: الصرف عن طريق القيد في حساب العميل.
المبحث السادس: هل ينوب استلام الشيك عن قبض بدل الصرف.
المبحث السابع: شراء الذهب وصرف العملات في أسواق العملات.
الفرع الأول: الحكم الشرعي في شراء العملات والذهب بالأسعار الحاضرة.
الفرع الثاني: المتاجرة بالعملات الأجنبية والذهب بالأسعار الآجلة.
المبحث الثامن: الصرف عن طريق البطاقات المصرفية.
الفرع الأول: شراء الذهب والفضة عن طريق البطاقات الائتمانية.
الفرع الثاني: صرف العملات عن طريق استخدام بطاقات الائتمان.
стр. 5370
الفصل السادس: في اجتماع البيع والصرف.
الفصل السابع: التصرف بثمن الصرف قبل قبضه.
فرع: شراء الحلي بثمن الحلي المبيع قبل قبضه.
الفصل الثامن: إذا تصارفا في الذمة ثم اقترض ما وجب عليه.
المبحث الأول: أن يستقرضا أو أحدهما من رجل أجنبي.
المبحث الثاني: أن يقترض أحد المتصارفين من الآخر.
الفصل التاسع: اجتماع الصرف والحوالة.
تمهيد: التعريف باجتماع الصرف والحوالة.
المبحث الأول: التكييف الفقهي لاجتماع الصرف والحوالة.
الفصل العاشر: في بيع تراب الصواغين.
الباب السابع: في أهم المعاملات المصرفية
الفصل الأول: في الودائع المصرفية.
المبحث الأول: في التعريف بالودائع المصرفية وبيان خصائصها.
المبحث الثاني: في أقسام الودائع المصرفية.
الفرع الأول: في الودائع المصرفية الجارية.
المسألة الأولى: في تكييف الودائع الجارية.
المسألة الثانية: في حكم الودائع الجارية.
المطلب الأول: أن يأخذ المودع مقدار ما دفعه من غير زيادة ولا نقصان.
المطلب الثاني: أخذ الزيادة غير المشروطة على مبلغ الإيداع.
стр. 5371
المطلب الثالث: الموقف من فوائد الودائع غير المشروطة.
الفرع الثاني: الودائع الآجلة (الحسابات الاستثمارية).
المسألة الأولى: تعريف الودائع الآجلة.
المسألة الثانية: أنواع الودائع الآجلة.
المسألة الثالثة: تكييف الودائع الآجلة.
الفرع الثالث: ضمان الودائع المصرفية.
المسألة الأولى: الودائع المصرفية المضمونة.
المسألة الثانية: الودائع المصرفية غير المضمونة.
المبحث الثالث: في الحوالة المصرفية.
الفرع الأول: التعريف بالحوالة المصرفية.
الفرع الثاني: الفرق بين الحوالة المصرفية والحوالة الحقيقية (الفقهية).
الفرع الثالث: التكييف الفقهي للحوالة المصرفية.
المبحث الرابع: في بيع المرابحة المصرفية.
الفرع الأول: تعريف بيع المرابحة.
الفرع الثاني: حكم بيع المرابحة للآمر بالشراء.
الفرع الثالث: في بيع المصرف السلعة قبل تسجيلها باسمه.
الفرع الرابع: في بيع المصرف السلعة بعد تملكها وقبل قبضها.
الفرع الخامس: في الزيادة في الثمن مقابل التأجيل.
المسألة الأولى: إذا عرضت السلعة نقدًا بكذا ونسيئة بكذا.
стр. 5372
المسألة الثانية: أن يكون العقد من الأصل مؤجلًا.
المبحث الخامس: في الاعتماد البسيط.
الفرع الأول: تعريف فتح الاعتماد البسيط.
الفرع الثاني: انعقاد فتح الاعتماد البسيط وبيان خصائصه.
الفرع الثالث: آثار عقد فتح الاعتماد.
الفرع الرابع: الخلاف في تكييف عقد فتح الاعتماد البسيط.
الفرع الخامس: الحكم الفقهي لعقد فتح الاعتماد البسيط.
المسألة الأولى: الحكم الفقهي لدفع العمولة مقابل فتح الاعتماد البسيط.
المسألة الثانية: الحكم الفقهي لأخذ الفائدة على مبلغ فتح الاعتماد.
الفرع السادس: انتهاء عقد فتح الاعتماد.
المبحث السادس: في الاعتماد المستندي.
الفرع الأول: تعريف الاعتماد المستندي.
الفرع الثاني: أنواع الاعتمادات المستندية.
الفرع الثالث: انعقاد الاعتماد المستندي.
الفرع الرابع: خصائص الاعتماد المستندي.
الفرع الخامس: الفوائد التي يحققها الاعتماد المستندي.
الفرع السادس: الآثار التي تترتب على فتح الاعتماد.
الفرع السابع: التكييف الشرعي لفتح الاعتمادات المستندية.
المبحث السابع: في الضمان المصرفي.
стр. 5373
الفرع الأول: التعريف بالضمان المصرفي.
الفرع الثاني: التكييف الشرعي لخطاب الضمان.
الفرع الثالث: في أخذ العمولة في مقابل الضمان.
المبحث الثامن: في البطاقات الائتمانية.
الفرع الأول: في التعريف بالبطاقات الائتمانية.
الفرع الثاني: لمحة تاريخية عن نشأة البطاقة وتطورها.
الفرع الثالث: الفرق بين بطاقة السحب من الرصيد وبين بطاقات الائتمان.
الفرع الرابع: في أنواع البطاقات الائتمانية.
الفرع الخامس: الفرق بين بطاقة الدين المتجدد والمؤقت.
الفرع السادس: في المنظمات العالمية المصدرة لبطاقة الائتمان.
الفرع السابع: الحكم الفقهي للبطاقات البنكية.
المسألة الأولى: أطراف البطاقة الائتمانية وبيان آلية عمل البطاقة.
المسألة الثانية: في تكييف عقد الائتمان بين مصدر البطاقة وبين حاملها.
المسألة الثالثة: في تكييف العلاقة بين التاجر وحامل البطاقة.
المسألة الرابعة: في تكييف العلاقة بين مصدر البطاقة (البنك) وبين التاجر.
المسألة الخامسة: في تكييف العلاقة بين التاجر وبين البنك.
المسألة السادسة: في تكييف العلاقة بين المنظمة الراعية للبطاقة وبقية أطراف البطاقة.
المسألة السابعة: في أخذ الرسوم على عملية السحب النقدي.
стр. 5374
المسألة الثامنة: في أخذ الرسوم على الإصدار والتجديد والاستبدال.
المسألة التاسعة: اشتراط فتح حساب لدى البنك مصدر البطاقة.
المسألة العاشرة: في الخدمات المقدمة لصاحب البطاقة.
المسألة الحادية عشر: في شراء الذهب عن طريق بطاقة الائتمان.
المسألة الثانية عشر: في صرف العملات عن طريق استخدام بطاقات الائتمان.
المسألة الثالثة عشر: الدخول في العقد الربوي لمن ينوي أن يدفع في الوقت.
المسألة الرابعة عشر: في أضرار البطاقة.
هذا وأسأل الله بأسمائه وصفاته أن يجعل العمل خالصًا لوجهه صوابًا على سنة رسوله ﷺ ، وأن يتجاوز به عن سيئاتي، وأن يرزقني به عفوه وعافيته لي ولوالدي ولأهل بيتي، ولمن له فضل علي، وللمسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
* * *
стр. 5375
الباب السادس
في عقد الصرف
تمهيد
المبحث الأول
في تعريف الصرف
تعريف الصرف اصطلاحًا: (١).
هناك تعريفان للصرف: تعريف الجمهور، وتعريف المالكية وبعض الشافعية.
стр. 5376
أولًا: تعريف الجمهور للصرف:
عرف الجمهور الصرف بتعريفين:
أحدهما: بأنه بيع الثمن بالثمن جنسًا بجنس، أو بغير جنس، فيشمل بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، كما يشمل بيع الذهب بالفضة.
والمراد بالثمن: ما خلق للثّمنيّة، فيدخل فيه بيع المصوغ بالمصوغ أو بالنّقد (١).
وثانيهما: بأنه بيع النقد بالنقد. زاد بعضهم اختلف الجنس أو اتحد (٢). اختاره بعض الحنفية، والشافعية، والحنابلة (٣).
стр. 5377
والفرق بين التعريفين:
بأن تعريف الصرف بأنه بيع الأثمان بعضها ببعض أشمل من قولنا: بيع النقد بالنقد؛ لأن النقد كما جاء في تعريف الشافعية والحنابلة إذا أطلق أريد به المضروب على هيئة الدينار والدرهم، والصرف أعم من المضروب (١).
وأما التعبير بالثمن فيشمل التبر والمسكوك، والمصوغ.
(ح-٨٠٨) لما رواه أبو داود من طريق أبي الخليل (صالح بن أبي مريم) عن مسلم بن يسار المكي، عن أبي الأشعث الصنعاني.
عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله ﷺ قال: الذهب بالذهب تبرها وعينها، والفضة بالفضة تبرها وعينها ... فمن زاد أو ازداد فقد أربى، ولا بأس ببيع الذهب بالفضة، والفضة أكثرهما يدًا بيد، وأما نسيئة فلا ... الحديث (٢).
قال ابن عبد البر: «أجمع العلماء على أن الذهب تبره وعينه سواء لا يجوز
стр. 5378
التفاضل في شيء منه، وكذلك الفضة بالفضة تبرها وعينها، ومصنوع ذلك كله ومضروبه لا يحل التفاضل في شيء منه .... » (١).
التعريف الثاني للصرف: تعريف المالكية، وبعض الشافعية:
ذهب المالكية إلى أن الصرف: هو بيع الذهب بالفضة فقط.
وأما بيع النقد بمثله وزنًا، كبيع الذهب بالذهب، أو الفضة بالفضة وزنًا فيسمى المراطلة.
وأما بيع النقد بمثله عددًا فيسمى المبادلة (٢).
فعلى هذا لا يطلق المالكية الصرف إلا على بيع الذهب بغير جنسه، كبيع الذهب بالفضة.
وألحق بعض المتأخرين من المالكية الفلوس بالذهب والفضة.
قال النفرواي في الفواكه الدواني: «بيع العين بالعين على ثلاثة أقسام: إما مراطلة، وإما مبادلة، وإما صرف.
стр. 5379
فالمراطلة: بيع النقد بمثله وزنًا، والمبادلة: بيع النقد بمثله عددًا، والصرف: بيع الذهب بالفضة أو أحدهما بفلوس» (١).
وقال مثله العدوي في حاشيته (٢).
ونزع بعض الشافعية إلى تبني تعريف المالكية.
قال النووي: «وإذا بيع الذهب بذهب، أو الفضة بفضة سميت مراطلة، وإذا بيعت الفضة بذهب سمي صرفًا ... » (٣).
وقال الحافظ ابن حجر: «البيع كله أما بالنقد أو بالعرض، حالًا، أو مؤجلًا فهي أربعة أقسام: فبيع النقد أما بمثله، وهو المراطلة، أو بنقد غيره وهو الصرف ..... » (٤).
ثمرة تقسيم المالكية بيع العين بالعين إلى ثلاثة أقسام:
إن باع الذهب بالذهب وزنًا بوزن فيجب فيه التساوي في الوزن، وإن تفاضل في العدد، ولا يجوز فيه الزيادة ولو كانت على وجه المعروف والمسامحة.
وإن باع الذهب بالذهب عددًا، فيجوز فيه الزيادة اليسيرة على وجه المعروف والمسامحة. ولذلك شروط عندهم سنأتي على ذكرها إن شاء الله تعالى عند الكلام على شروط الصرف، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه (٥).
стр. 5380
الراجح:
تعريف الجمهور إذا أضفنا إليه قول النفرواي من المالكية هو الأقرب للصواب، لأنه لا يقصر الصرف على مبادلة الذهب بالفضة، بل يطلق على مبادلة الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، كما يطلق على مبادلة الذهب بالفضة، ويلحق بهما كل ما يتعارف عليه الناس ويصطلحون أنه ثمن.
(ح-٨٠٩) روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر ﵄، أنه لقي أبا سعيد، فقال: يا أبا سعيد، ما هذا الذي تُحَدِّثُ عن رسول الله ﷺ ؟
فقال أبو سعيد: في الصرفِ، سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «الذهب بالذهب مثلًا بمثل، والورِق بالورق مثلًا بمثل» (١).
стр. 5381
فهنا أطلق الصرف، وشمل بيع الذهب بجنسه، والفضة بجنسها، فدخل فيه ما يسميه المالكية بالمراطلة والمبادلة.
(ح-٨١٠) وأخرج ا لشيخان من طريق أبي المنهال، قال:
سألت زيد بن أرقم، والبراءَ بنَ عازب عن الصَّرْف، فكل واحد منهما يقول: هذا خير منِّي، وكلاهما يقول: نهى رسولُ الله ﷺ عن بيع الذهب بالورِق دَيْنًا (١).
فهنا أطلق الصرف على بيع الذهب بالفضة.
وأما جواز الزيادة بالمبادلة بالشروط التي ذكرها المالكية، فهو قول مرجوح.
(ح-٨١١) لما رواه مسلم من حديث أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: الدينار بالدينار لا فضل بينهما، والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما.
وأما القياس على العرايا، فالعرايا رخصة، وقد ورد في النص أنه رخص فيها ولم يرخص في غيرها (٢).
* * *
стр. 5382
المبحث الثاني
في علاقة الصرف بالبيع
[م-١٢١٠] قبل الكلام على علاقة الصرف بالبيع أريد أن أنبه أن مسائل الصرف متداخلة بشكل كبير مع مسائل ربا الفضل وربا النسيئة، ولذلك جاءت كثير من الأحاديث تقرن بيع الذهب بالذهب مع بيع البر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح كحديث عبادة، وحديث أبي سعيد الخدري.
فإذا بعت درهمًا بدرهمين مع التقابض كان في ذلك ربا الفضل، ومع الأجل يجتمع ربا الفضل والنسيئة.
وإذا بعت درهمًا بدرهم مع التأجيل كان في ذلك ربا النسيئة، تماما كما لو بعت صاعًا من البر بصاعين منه، مع النساء، أو مع التقابض.
وإن بعت صاعًا ودرهمًا بصاعين، لم يكن لذلك علاقة في الصرف.
وإن بعت درهمًا وعجوة بدرهمين، كان لذلك علاقة بالصرف، وكلاهما من صور (مد عجوة ودرهم)، ومنها لو باع قلادة فيها ذهب وخرز، بذهب، ومثل ذلك سقوط اعتبار الجودة في بيع التمر بالتمر، يقابله في الصرف سقوط اعتبار الصنعة، ولهذا التداخل أريد أن أنبه القارئ الكريم أن المسائل التي ذكرتها في باب ربا الفضل أو ربا النسيئة، ولها علاقة في الصرف فسوف أكتفي في ذكرها هناك، لأن المسائل كما ترى متداخلة جدًا، إذا عرف هذا نأتي للكلام على علاقة الصرف بعقد البيع، فأقول:
الصرف داخل في عقود المعاوضات، إلا أن المعقود عليه في عقد الصرف يختص ببيع الأثمان بعضها ببعض، بخلاف غيره من البيوع، وإذا أردنا أن نعلم علاقة بيع الصرف في غيره من البيوع فعلينا أن
стр. 5383
نستذكر صور البيع التي مرت علينا في كتاب البيع، عند الكلام على تعريف البيع، من ذلك.
الصورة الأولى:
أن يبيعه عينًا بثمن، وهو البيع المشهور الذي إذا أطلق انصرف الذهن إليه: بأن يكون المبيع من العروض، والعوض من الأثمان، كبيع السيارة بدارهم.
الصورة الثانية:
بيع المقايضة. وله ثلاث حالات:
الحال الأولى: مقايضة عين بعين، كأن يبيع سيارته مثلًا ببيته.
الحال الثانية: مقايضة منفعة بمنفعة، كأن يبيع عليه حق الانتفاع بممر في أرضه بمثله من الجهة الأخرى.
الحال الثالثة: مقايضة عين بمنفعة، وذلك أن يعطيه عروضًا مقابل الانتفاع بممر في أرضه.
الصورة الثالثة:
بيع الصرف: وهو بيع الأثمان بالأثمان، وذلك كبيع الدولار بالريال أو بالدينار.
الصورة الرابعة:
بيع السلم: أن يبيعه دينًا، والعوض مقدم في مجلس العقد، وله صورتان:
دين بعين أو دين بثمن.
الصورة الخامسة:
بيع المرابحة، وهو عكس بيع السلم، وهو أن يبيعه عينًا حالة بدين.
стр. 5384
فإذا عرفنا هذا علمنا الفرق بين بيع الصرف وبين غيره من البيوع، فالصرف يتميز بأن كلًا من المبيع والثمن يصدق عليه أنه مبيع من وجه، وثمن من وجه، كما أنه يتميز أن له أحكامه الخاصة التي لا تشترط في غيره من البيوع، كاشتراط التقابض في مجلس العقد، وخلوه من خيار الشرط، كما يشترط التماثل عند اتحاد الجنس، إلى غير ذلك من الشروط التي سوف نأتي على ذكرها، وهذا ما جعل الفقهاء يعطون له اسمًا خاصًا يميزونه عن بقية البيوع، كما أعطوا السلم اسمًا خاصًا، وهو ما يسمى لدى أهل القانون بالعقود المسماة، والله أعلم.
* * *
стр. 5385
المبحث الثالث
في حكم الصرف
[م-١٢١١] عرفنا علاقة الصرف بالبيع في المبحث السابق، وأن الصرف داخل في عقود المعاوضات، مختص ببيع الأثمان بعضها ببعض، لذا حكم الصرف هو حكم البيع؛ لكونه نوعًا منه إذا توفرت شروط صحته.
وقد كره مالك العمل بالصرف إلا لمن يتقي الله في ذلك.
قال ابن رشد: «باب الصرف من أضيق أبواب الربا، فالتخلص من الربا على من كان عمله الصرف عسير، إلا لمن كان من أهل الورع والمعرفة بما يحل فيه، ويحرم منه، وقليل ما هم، ولذلك كان الحسن يقول: إذا استسقيت ماء فسقيت من بيت صراف فلا تشربه، وكان أصبغ يكره أن يستظل بظل صيرفي، قال ابن حبيب: لأن الغالب عليهم الربا. وقيل لمالك ﵀: أتكره أن يعمل الرجل بالصرف؟ قال: نعم إلا أن يتقي الله في ذلك» (١).
وكلام مالك وأصبغ لا يحمل على الكراهة مطلقًا، وإنما يدل على أن كثيرًا ممن يعملون بالصرف إما يجهلون أحكامه، أو لا يبالون مما قد يوقعهم ذلك في الوقوع في الربا من التأجيل فيما يجب قبضه، ونحو ذلك.
وقد جاءت السنة صريحة في جواز الصرف:
(ح-٨١٢) من ذلك ما رواه البخاري من طريق ابن شهاب، عن مالك
стр. 5386
ابن أوس أخبره.
أنه التمس صرفا بمائة دينار، فدعاني طلحة بن عبيد الله فتراوضنا حتى اصطرف مني، فأخذ الذهب يقلبها في يده، ثم قال: حتى يأتي خازني من الغابة، وعمر يسمع ذلك، فقال: والله لا تفارقه حتى تأخذ منه، قال رسول الله ﷺ : الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء. ورواه مسلم (١).
(ح-٨١٣) ومن ذلك: ما رواه البخاري من طريق سليمان بن أبي مسلم، قال:
سألت أبا المنهال عن الصرف يدًا بيد، فقال: اشتريت أنا وشريك لي شيئا يدًا بيد، ونسيئة، فجاءنا البراء بن عازب فسألناه، فقال: فعلت أنا وشريكي زيد ابن أرقم وسألنا النبي ﷺ عن ذلك فقال: ما كان يدًا بيد فخذوه، وما كان نسيئة فردوه (٢).
(ث-١٤٧) وجاء في صحيح مسلم من طريق أبي نضرة أنه قال:
سألت ابن عباس عن الصرف؟ فقال: أيدًا بيد؟ قلت: نعم، قال: فلا بأس به (٣).
وقد أخذ صرف النقود من عملة إلى أخرى في هذا الزمن حكم الضرورة، فالحجاج والمعتمرون مضطرون إلى تحويل نقودهم إلى عملة البلاد السعودية، وكذلك شأن التجارة في هذا العصر حيث يضطر التجار إلى تحويل نقودهم إلى عملة البلاد التي يستوردون منها بضائعهم، فكانت الضرورة تقتضيه، والله أعلم.
* * *
стр. 5387
الفصل الأول
في جريان الربا في الفلوس
المبحث الأول
في تعريف الفلوس
تعريف الفلوس في الاصطلاح (١):
الفلوس: كل ما يتخذه الناس ثمنًا من سائر المعادن عدا الذهب والفضة.
وقيل في تعريفه: «عملة مضروبة من غير الذهب والفضة كانت تقدر في الماضي بسدس الدرهم، وهي اليوم ١/ ١٠٠٠ من الدينار في الدول التي تعتمد الدينار وحدتها النقدية كالعراق والأردن» (٢).
ويتفق الفقهاء والمؤرخون على أنها أدنى ما يتعامل به من المال، ولهذا قال الشيخ محمد بخيت المطيعي: «يسمى في الشام قرشًا، وفي العراق فلسًا، وفي مصر و السودان مليمًا وفي الحجاز هللة وفي اليمن بقشة. وفي المغرب والجزائر بيزا أو بسيطة وفي اليونان دراخما، وفي اليابان ينًا، وفي إنجلترا وأمريكا بنسا (٣).
стр. 5388
والتعامل بالفلوس قديم، بدليل وجود أصل لغوي للكلمة مما يدل على وجودها ومعرفة العرب لها.
(ث-١٤٨) وقد روى الإمام أحمد حدثنا يزيد، أخبرنا همام، عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن.
عن عبد الله بن الصامت، قال: كنت مع أبي ذر، وقد خرج عطاؤه معه، ومعه جارية له، فجعلت تقضي حوائجه، وقال مرة: نقضي. قال: ففضل معه فضل، قال: أحسبه، قال: سبع، قال: فأمرها أن تشتري بها فلوسًا .... (١).
[إسناده صحيح] (٢).
(ح-٨١٤) وروى ابن خزيمة في صحيحه من طريق محمد بن إسحاق، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب.
عن مرثد بن عبد الله المزني، قال: كان أول أهل مصر يروح إلى المسجد، وما رأيته داخلًا المسجد قط إلا وفي كمه صدقة، إما فلوس، وإما خبز، وإما قمح، حتى ربما رأيت البصل يحمله، قال: فأقول يا أبا الخير إن هذا ينتن ثيابك، فقال فيقول: يا ابن حبيب، أما أني لم أجد في البيت شيئًا أتصدق به غيره، إنه حدثني رجل من أصحاب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: ظل المؤمن يوم القيامة صدقته (٣).
[إسناده حسن] (٤).
стр. 5389
(ث-١٤٩) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عمر بن أيوب، عن جعفر ابن برقان، قال:
سألت الزهري عن رجل يشتري الفلوس بالدراهم، هل هو صرف؟ قال: نعم، فلا تفارقه حتى تستوفيه.
[إسناده صحيح] (١).
(ث-١٥٠) وروى الشافعي في الأم، قال: أخبرنا القداح، عن محمد بن أبان، عن حماد.
عن إبراهيم - يعني النخعي - أنه قال: لا بأس بالسلم في الفلوس (٢).
стр. 5390
[ضعيف] (١).
وفي هذا دليل على وجودها في التعامل من العصر الأول.
* * *
стр. 5391
المبحث الثاني
خلاف العلماء في جريان الربا في الفلوس
قال مالك في الفلوس (١): « ... لو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى يكون لها سكة وعين لكرهت أن تباع بالذهب والورق نظرة» (٢)
قال السرخسي: الفلوس الرائجة بمنزلة الأثمان (٣).
حقيقة النقد: كل شيء جري اعتباره في العادة، واصطلح عليه ولقي قبولًا عامًا كوسيط للتبادل.
[م-١٢١٢] الخلاف في جريان الربا في الفلوس مبني على الخلاف في علة الربا في الذهب والفضة، فمن رأى أن العلة هي الوزن لم يجر فيها الربا؛ لأنها خرجت عن أصلها حين تحولت إلى فلوس، وكذا من رأى أن العلة هي غلبة
стр. 5392
الثمنية، أما من رأى أن العلة هي مطلق الثمنية، فلم يقصر الربا على الذهب والفضة بل عداه إلى الفلوس والنقود الورقية.
ومرجع الخلاف:
هل النحاس إذا ضرب على شكل فلوس خرج من كونه عروضًا إلى كونه أثمانًا، أو أنه يبقى على حاله عروضًا وإن ضرب على شكل فلوس؟
فمن قال: إن الفلوس عروض (سلع) لم يجر الربا فيها، ومن قال: إنها تحولت إلى أثمان أجرى الربا فيها، وإليك الأقوال فيها وحجة كل قول.
القول الأول:
ذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أن ربا الفضل يجري في الفلوس إذا لم تتعين في العقد، فإن تعينت فلا يجري فيها ربا الفضل، فيجوز أن يباع فلس بفلسين بأعيانهما.
ووجهه: أن الفلوس ليست أثمانًا خلقة، وإنما كانت ثمنًا بالاصطلاح، فيمكن إلغاؤها، وقد اصطلحا على إبطال الثمنية بتعيينهما في العقد، فتكون كالعروض (١).
وأما إذا لم تتعين، فإنه يصبح لها حكم النقود عند رواجها.
ويناقش:
بأنه لا يجوز للمتعاقدين أن يبطلا ثمنيتها؛ لأن ثمنيتها ثبتت باصطلاح الكل، فلا تسقط باصطلاح البعض، ولأن إبطال ثمنية الفلوس لا يتصور له مقصود
стр. 5393
صحيح، فقلما يوجد من يطمع في خصوص مادة الفلوس من حيث كونها قطعات صفر أو حديد، وإنما يرغب فيها من حيث ثمنيتها، ولأن قيمتها الثمنية أكبر بكثير من قيمتها الذاتية، فلو تصالحا على إبطال ثمنيتها لا يكون ذلك إلا حيلة مصطنعة لتحليل التفاضل، ومثل ذلك لا يقبله الشرع (١).
القول الثاني:
أن الفلوس لا يجري فيها الربا. وهذا مذهب مالك (٢)، والشافعي (٣)، ورواية عن أحمد (٤).
بناء على أن العلة في النقدين عند المالكية والشافعية: هي غلبة الثمنية، أي كونهما جنس الأثمان غالبًا، وبعضهم يعبر بجوهرية الأثمان (٥)، وهذه علة قاصرة لا تتعداهما. ومعنى كون العلة قاصرة: أي لا تتعدى العلة جنس الذهب والفضة، فلا يجري الربا في الفلوس ولو كانت أثمانًا. كما أن الربا يجري في أواني الذهب والفضة، وإن لم تكن أثمانًا.
لأن الثمنية في الذهب والفضة خلقة لا يستطيع أحد أن يلغي ثمنيتها، بخلاف
стр. 5394
الثمنية في الفلوس فإنها اصطلاحية، يمكن إلغاؤها، وقد تكون ثمنًا في مكان دون آخر، ولهذا لا تعطى حكم الذهب والفضة.
وأما التعليل عند الإمام أحمد فلأن العلة في الذهب والفضة الوزن، والفلوس ليست مكيلة ولا موزونة (١).
القول الثالث:
أن الربا يجري في الفلوس إذا راجت رواج النقدين.
وبه قال محمد بن الحسن من الحنفية، وعليه الفتوى (٢)، وقول في مذهب المالكية (٣)، وهو المنصوص عن الإمام أحمد (٤)، اختارها من الحنابلة أبو الخطاب (٥)، وابن تيمية، وابن القيم (٦).
وذلك أن العلة في الذهب والفضة مطلق الثمنية، والأوراق النقدية والفلوس إذا راجت صارت معيارًا يعرف به قيم الأشياء، لأن حقيقة النقد: هو كل شيء
стр. 5395
يجري اعتباره في العادة، ويلقى قبولًا عامًا كوسيط للتبادل، كما قال ابن تيمية ﵀: «وأما الدرهم والدينار فما يعرف له حد طبعي، ولا شرعي، بل مرجعه إلى العادة والاصطلاح، وذلك لأنه في الأصل لا يتعلق المقصود به، بل الغرض أن يكون معيارًا لما يتعاملون به، والدراهم والدنانير لا تقصد لنفسها، بل هي وسيلة إلى التعامل بها، ولهذا كانت أثمانًا بخلاف سائر الأموال، فإن المقصود بها الانتفاع بها بنفسها، فلهذا كانت مقدرة بالأمور الطبعية أو الشرعية، والوسيلة المحضة التي لا يتعلق بها غرض، لا بمادتها، ولا بصورتها يحصل بها المقصود كيف ما كانت» (١).
وجاء في المدونة «قلت: أرأيت إن اشتريت فلوسًا بدرهم، فافترقنا قبل أن يقبض كل واحد منها؟
قال: لا يصلح هذا في قول مالك، وهذا فاسد. قال لي مالك في الفلوس: لا خير فيها نظرة بالذهب ولا بالورق، ولو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى يكون لها سكة وعين لكرهتها أن تباع بالذهب والورق نظرة» (٢).
وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: «صرف الفلوس النافقة بالدراهم هل يشترط فيها الحلول، أم يجوز فيها النسأ؟ على قولين مشهورين، هما قولان في مذهب أبى حنيفة وأحمد بن حنبل .... والأظهر المنع من ذلك، فإن الفلوس النافقة يغلب عليها حكم الأثمان وتجعل معيار أموال الناس» (٣).