ثالثا: جواز جعلها رأس مال في السلم والشركات.
والله أعلم، وبالله التوفيق، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء في السعودية.
* * *
стр. 5427
الفصل الثالث
في شروط الصرف
الشرط الأول
وجوب التماثل عند اتحاد الجنس
[م-١٢١٥] اختلف العلماء في وجوب التماثل عند اتحاد الجنس:
فقيل: يشترط في عقد الصرف التماثل في القدر عند اتحاد الجنس، وإلى هذا ذهب جماهير أهل العلم (١).
(ح-٨١٦) لما رواه البخاري من طريق مالك، عن نافع،
عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلًا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبا بناجز. ورواه مسلم (٢).
(ح-٨١٧) وروى مسلم من طريق ابن أبي نعم،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : الذهب بالذهب وزنًا بوزن، مثلًا بمثل، والفضة بالفضة وزنًا بوزن، مثلًا بمثل، فمن زاد أو استزاد فهو ربا (٣).
стр. 5428
(ح-٨١٨) وروى البخاري من طريق عبد الرحمن بن أبي بكرة قال:
قال أبو بكرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا سواء بسواء، والفضة بالفضة إلا سواء بسواء، وبيعوا الذهب بالفضة والفضة بالذهب كيف شئتم (١).
(ح-٨١٩) ما رواه مسلم من طريق مالك بن أبي عامر يحدث.
عن عثمان بن عفان، أن رسول الله ﷺ قال: لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين (٢).
(ح-٨٢٠) كما روى مسلم من طريق أبي الأشعث.
عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ : الذهب بالذهب، والفضة بالفضة ..... مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد .... الحديث (٣).
القول الثاني:
ذهب ابن عباس ﵄ إلا أنه لا يجب التماثل عند اتحاد الجنس، وقال: لا ربا إلا في النسيئة (٤)، وأخذه عنه طلابه في مكة (٥). وهو مروي عن ابن مسعود ﵁ (٦).
стр. 5429
وقد سبق أن حررنا أدلة ابن عباس وأجبنا عنها، وإنما اقتضى التذكير في الخلاف عند الكلام على شروط الصرف.
القول الثالث:
ذهب المالكية إلى أنه إن باع الذهب بالذهب وزنًا بوزن فيجب فيه التساوي في الوزن ولو تفاضل في العدد، ولا يجوز فيه الزيادة ولو كانت على وجه المعروف والمسامحة.
وإن باع الذهب بالذهب عددًا، فيجوز فيه الزيادة اليسيرة على وجه المعروف والمسامحة.
قال مالك في الموطأ: «الأمر عندنا في بيع الذهب بالذهب، والورق بالورق مراطلة أنه لا بأس بذلك أن يأخذ أحد عشر دينارًا بعشرة دنانير يدًا بيد، إذا كان وزن الذهبين سواء عينًا بعين، وإن تفاضل العدد. والدراهم أيضًا في ذلك بمنزلة الدنانير» (١).
قال الباجي: «وبدل الدنانير بالدنانير، والدراهم بالدراهم على وجهين:
أحدهما وزنًا، والثاني: عددًا. فأما الوزن فلا يجوز فيه إلا التساوي، ولا يجوز فيه زيادة على وجه معروف، ولا بمسامحة ..... وأما المبادلة بالعدد فإنه يجوز ذلك وإن كان بعضها أوزن من بعض في الدينار والدينارين على سبيل المعروف والتفضل، وليس ذلك من التفاضل؛ لأنهما لم يبنيا على الوزن، ولهذا النوع من المال تقديران: الوزن والعدد، فإن كان الوزن أخص به، أولى فيه إلا أن العدد معروف، فإذا عمل به
стр. 5430
على العدد جوز يسير الوزن زيادة على سبيل المعروف ما لم يكن في ذلك وجه من المكايسة والمغابنة، فيمنع منه. وهذا عندنا مبني على مسألة العرية، وذلك أن العرية لما كان للثمرة تقديران: أحدهما: الكيل، والآخر الخرص، والتحري، جاز العدول عن أولهما إلى الثاني للضرورة على وجه المعروف، فكذلك الدنانير والدراهم» (١).
والحاصل أن المبادلة عند المالكية إما أن تكون الدراهم والدنانير فيها من أحد الجانبين مساوية للجانب الآخر، وإما أن تكون غير مساوية، بل فيها زيادة من أحد الجانبين، فإن كانت مساوية جازت المبادلة مطلقًا بلا شرط، وإن كان فيها زيادة من أحد الجانبين فلا يجوز إلا بشروط سبعة:
الأول: أن تقع بلفظ المبادلة.
الشرط الثاني: أن يكون التعامل بها عددًا، فإن تعامل بها وزنًا وجب التساوي، قال ابن عبد السلام: «فلا تجوز إلا في الدنانير والدراهم إذا كان التعامل بها عددًا، وأما إذا كان كالمجموعة وشبهها، أو كان الذهب أو الفضة تبرًا، أو مصوغًا فلا يجوز إلا بالوزن، فتعود مراطلة؛ لأنه إذا كان التعامل عددًا صار البعض اليسير يجري مجرى الرداءة والكمال مجرى الجودة بخلاف التبر ونحوه» (٢).
الشرط الثالث: أن تتحد السكة، وقال في حاشية العدوي: ولا يشترط اتحاد السكة على الراجح.
الشرط الرابع: أن تكون الدراهم والدنانير التي تقع فيها المبادلة قليلة.
стр. 5431
الشرط الخامس: وأن تكون في العدد ستة فما دون، فإن زاد العدد على ستة، أو كانت الزيادة في كل واحد منها أو بعضها أكثر من السدس وجب التساوي.
الشرط السادس: أن تكون الزيادة في الوزن لا في العدد، بحيث تكون المبادلة واحدًا بواحد، لا واحدًا باثنين.
الشرط السابع: وأن يقصد بالزيادة المعروف (١).
الراجح:
بعد استعراض الأدلة أجد أن القول الراجح هو قول الجمهور، وهو أنه يجب التماثل عند اتحاد الجنس، وأما مذهب المالكية في جواز الزيادة بالمبادلة بالشروط التي ذكرها المالكية، فهو قول مرجوح.
(ح-٨٢١) لما رواه مسلم من حديث أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: الدينار بالدينار لا فضل بينهما، والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما.
وأما القياس على العرايا، فالعرايا رخصة، وقد ورد في النص أنه رخص فيها ولم يرخص في غيرها.
(ح-٨٢٢) فقد روى البخاري ومسلم من طريق سالم بن عبد الله ابن عمر، عن عبد الله بن عمر.
عن زيد بن ثابت ﵁ أن رسول الله ﷺ رخص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب أو بالتمر، ولم يرخص في غيره (٢).
* * *
стр. 5432
الفرع الأول
في بيع الذهب بمثله جزافًا
قال الباجي: ما حرم فيه التفاضل يحرم فيه الجزاف؛ لأنه لا يعلم معه التساوي، والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل في التحريم والمنع من صحة العقد (١).
[م-١٢١٦] علمنا في المسألة السابقة أن من شروط الصرف وجوب التماثل عند اتحاد الجنس، فيحرم التفاضل في بيع الذهب بالذهب، وفي بيع الفضة بالفضة، والبحث في هذه المسألة، ماذا لو تراضى المتبايعان على أن يتم البيع بينهما جزافًا أو خرصًا بدون وزن، أو عد، أو صرفت النقود بمثلها عن طريق الخرص، هل يجوز ذلك؟
والجواب على ذلك أن يقال: إذا بيع النقد بجنسه، أو الذهب بجنسه فلا بد من العلم بالتماثل، فلا يجوز بيعه جزافًا ولا خرصًا باتفاق الفقهاء (٢)، والقاعدة في الربويات: أن الجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل.
قال ابن جزي: «الجهل بالتماثل ممنوع كتحقيق التفاضل ... » (٣).
стр. 5433
وجاء في تكملة المجموع للسبكي: «كل جنس اعتبر التماثل في بيع بعضه ببعض، فالجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل، بدليل النهي عن التمر بالتمر جزافًا» (١).
وقال ابن قدامة: «الجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل فيما يشترط التماثل فيه، ولذلك لم يجز بيع بعضها ببعض جزافًا» (٢).
وقال ابن تيمية: «فإن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل في بيع الأموال الربوية بعضها بجنسه، فإن لم نعلم المماثلة كان كما لو علمنا المفاضلة» (٣).
(ح-٨٢٣) ولما رواه مسلم من طريق ابن جريج، أن أبا الزبير أخبره،
قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول نهى رسول الله ﷺ عن بيع الصبرة من التمر لا يعلم مكيلتها بالكيل المسمى من التمر (٤).
قال النووي: «هذا تصريح بتحريم بيع التمر بالتمر حتى يعلم المماثلة، قال العلماء: لأن الجهل بالمماثلة في هذا الباب كحقيقة المفاضلة، لقوله ﷺ : إلا سواء بسواء، ولم يحصل تحقق المساواة مع الجهل، وحكم الحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، وسائر الربويات إذا بيع بعضها ببعض حكم التمر بالتمر» (٥).
стр. 5434
الفرع الثاني
إذا باع الربوي من جنسه جزافًا ثم علم تساويهما
قال الحافظ ابن حجر: المعاملات على الظواهر، والمعلوم الباطن خفي لا يعلق عليه الحكم (١).
وقال الزيلعي: «ساعات المجلس كساعة واحدة دفعًا للعسر وتحقيقًا لليسر» (٢).
زاد الشلبي في حاشيته: «العلم بالمماثلة في المجلس كالعلم بها في حال العقد» (٣).
[م-١٢١٧] إذا صرف الرجل الذهب بالذهب جزافًا، ثم علم تساويهما، فما حكم العقد؟
فقيل: إذا علم تساويهما في المجلس قبل الافتراق، فإن الصرف يصح استحسانًا. وهذا مذهب الحنفية (٤).
وجه قولهم:
أن المجلس وإن طال له حكم حالة العقد، فما علم في مجلس العقد كأنه
стр. 5435
علم حالة العقد، لأن ساعاته كساعة واحدة، وإن علم بعد الافتراق لم يجز.
وقيل: لا يصح، وهذا مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣).
وجه القول بعدم الصحة:
لما كانت المساواة شرط، فإن شرط العقد يعتبر العلم به عند العقد لا بعده، فلما كان الجهل بالمماثلة موجودًا عند البيع لم يصح البيع، وإن خرجا متساويين من غير قصد.
وقيل: يجوز مطلقًا، علم قبل الافتراق أو بعده، وهو قول زفر من الحنفية (٤).
وجه قوله:
أن شرط الجواز هو التماثل، وقد تبين أن المساواة كانت موجودة حالة العقد، فالعلم بها كونه وجد في المجلس أو بعده لا يضر.
стр. 5436
الراجح:
أرى أن مذهب الحنفية يتسق مع القواعد، وهو أرجح الأقوال، وهو وسط بين قول زفر وبين قول الجمهور، وإذا كانت حالة المجلس معتبرة في تراخي القبول عن الإيجاب فلتعتبر مقبولة فيما إذا علم التماثل قبل التفرق، والله أعلم.
* * *
стр. 5437
الفرع الثالث
بيع الدنانير بالدراهم جزافا وخرصًا
ما جاز فيه المفاضلة جاز فيه المجازفة بشرط ألا ينطوي على قمار أو مخاطرة.
[م-١٢١٨] ذهب الأئمة الأربعة إلى جواز بيع الذهب بالفضة جزافًا وخرصًا إذا كان تبرًا أو حليًا (١).
لقوله ﷺ في حديث عبادة في مسلم: (فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد).
وبناء على أن ما جاز فيه التفاضل جاز فيه الجزاف، فليس في الجزاف معنى أكثر من أن يكون أحدهما أكثر من الآخر، وهذا غير ممنوع مع اختلاف الجنس.
ومنع المالكية بيع الدنانير بالدراهم جزافًا إذا كانت تباع بالعد، وليس بالوزن، واعتبروا ذلك من القمار والمخاطرة.
لأن الغرر يدخلها من وجهين:
من جهة خفة الدراهم. ومن جهة المبلغ، فلم يجز ذلك لكثرة الغرر (٢).
стр. 5438
وقال ابن أبي موسى: لا خير فيما يكال بما يكال جزافًا، ولا فيما يوزن بما يوزن جزافًا اتفقت الأجناس أو اختلفت، ولا بأس ببيع المكيل بالموزون جزافًا، وقال ذلك القاضي والشريف أبو جعفر، نقل ذلك عنهم ابن قدامة في المغني (١).
(ح-٨٢٤) وحجتهم ما رواه مسلم من طريق أبي النضر، أن بسر ابن سعيد حدثه.
عن معمر بن عبد الله أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: الطعام بالطعام مثلًا بمثل .... (٢).
وجه الاستدلال:
نهى رسول الله ﷺ عن بيع الطعام إلا مثلًا بمثل، والطعام مكيل، فإذا بيع المكيل بالمكيل مجازفة لم تتحقق المماثلة، والموزون مقيس عليه.
الدليل الثاني:
ولأن بيع المكيل بالمكيل والموزون بالموزون يشبه الجنس الواحد.
الراجح:
أما قول ابن أبي موسى فهو قول ضعيف جدًا؛ لأن الأحاديث متكاثرة على
стр. 5439
جواز بيع الذهب بالفضة كيف شئنا إذا كان يدًا بيد، وكذلك في بيع التمر بالحنطة.
هذا من جهة جواز التفاضل، وأما في بيعها جزافًا فأكثر العلماء على الجواز، قال ابن عبد البر: «أجاز أكثر العلماء بيع الذهب بالورق جزافًا عينًا كان ذلك أو تبرًا، دراهم كانت أو دنانير، والمصوغ وغيره في ذلك سواء؛ لأن التفاضل بينهما حلال جائز، وإذا جاز الدينار بأضعافه دراهم جاز الجزاف في ذلك يدًا بيد كما يجوز القصد إلى المفاضلة بينهما يدًا بيد» (١).
وعندي أن الإمام مالك لم يحرم ذلك من أجل منع التفاضل، وإنما منع من ذلك من أجل الجهل بالمبيع والثمن، ومن شروط صحة البيع العلم بالمبيع والعلم بالثمن، ولذلك إذا علم عدد كل واحد منهما جاز بيع بعضهما ببعض وإن وجد التفاضل، بينما إذا تم الصرف بينهما جزافًا: أي كومة من الدنانير بكومة من الدراهم فإنه يدخلها الجهل بحقيقة مقدار المبيع والثمن، فيأتي الغرر من هذا الباب خلاف ما إذا كان البيع قطعة من الذهب بقطعة من الفضة، وقد أحاط بها علم المشتري والبائع عن طريق الرؤية، فلا حرج في بيعهما، وإن لم يعلم وزنهما، والله أعلم.
* * *
стр. 5440
الفرع الرابع
الصرف بتصديق أحدهما للآخر في مقدار الصرف
قال الزركشي: الأصل في العقود بناؤها على قول أربابها (١).
قال ابن القيم: كل أحد مؤتمن على ما يخبر به مما هو في يده (٢).
[م-١٢١٩] إذا تبايع المتصارفان، وكان الصرف دراهم بدارهم من جنس واحد، وأخبر أحدهما عن مقدار ما معه، فهل يجوز له أن يأخذه دون عده أو وزنه بناء على تصديقه لصاحبه، أو يجب أن يتم عده أو وزنه؟
فقيل: يصح أن يصدق صاحبه، وهو مذهب الشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وقول في مذهب المالكية (٥).
وقيل: يحرم تصديقه، بل لا بد من عده أو وزنه، وهو قول ثان في مذهب المالكية، وعده ابن جزي هو المشهور (٦).
وقال في الشرح الكبير: «ولا يجوز الصرف بتصديق فيه أي في وزنه، أو عدده، أو جودته ... » (٧).
стр. 5441
ووجهه: أنه قد يختبره بعد التفرق، فيجده ناقصًا، فإن رجع عليه أدى ذلك إلى الصرف مع التأخير. وإن اشترط عدم الرجوع لزم من ذلك أكل أموال الناس بالباطل، ويلزم منه أيضًا عدم التماثل في بيع ربوي بجنسه، وهذا لا يجوز.
قال ابن قدامة: «إذا علم المصطرفان قدر العوضين جاز أن يتبايعا بغير وزن. وكذلك لو أخبر أحدهما الآخر بوزن ما معه فصدقه فإذا باع دينارًا بدينار كذلك وافترقا فوجد أحدهما ما قبضه ناقصًا بطل الصرف ; لأنهما تبايعا ذهبا بذهب متفاضلًا فإن وجد أحدهما فيما قبضه زيادة على الدينار نظرت في العقد فإن كان قال: بعتك هذا الدينار بهذا. فالعقد باطل; لأنه باع ذهبًا بذهب متفاضلًا.
وإن قال: بعتك دينارًا بدينار، ثم تقابضا كان الزائد في يد القابض مشاعًا مضمونا لمالكه; لأنه قبضه على أنه عوض ولم يفسد العقد; لأنه إنما باع دينارًا بمثله وإنما وقع القبض للزيادة على المعقود عليه فإن أراد دفع عوض الزائد جاز سواء كان من جنسه أو من غير جنسه ; لأنه معاوضة مبتدأة وإن أراد أحدهما الفسخ فله ذلك ; لأن آخذ الزائد وجد المبيع مختلطا بغيره معيبًا بعيب الشركة ودافعه لا يلزمه أخذ عوضه إلا أن يكون في المجلس فيرد الزائد ويدفع بدله» (١).
الراجح:
أن البيع صحيح إذا صدق أحدهما صاحبه بمقدار ما باعه، لأن الأصل أن خبر المسلم على الصدق.
(ح-٨٢٥) وأما ما يرويه ابن ماجه من طريق وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن
стр. 5442
أبي الزبير،
عن جابر ﵁، قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان: صاع البائع، وصاع المشتري (١).
[فإسناده ضعيف] (٢).
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن هناك فرقًا بين أن يشتري الإنسان الطعام بكيل، فقبضه لا يكون إلا بكيله، وبين أن يصرف الدراهم بالدراهم، ويصدق صاحبه، ولذلك فرق الجمهور بينهما، فتجد أن الجمهور قبلوا التصديق في الصرف، ولم يقبلوا في الطعام إذا اشتري بكيل إلا أن يكال مرة أخرى للمشتري، ولا يكتفى بعلم البائع بكيله.
قال ابن حجر: «ومن اشترى مكايلة، وقبضه، ثم باعه لغيره لم يجز تسليمه بالكيل الأول حتى يكيله على من اشتراه ثانيًا، وبذلك كله قال الجمهور. وقال عطاء: يجوز بيعه بالكيل الأول مطلقًا» (٣).
ففرق الجمهور في الربوي بين الطعام إذا اشتري بكيل، فلا بد من إعادة كيله، ولا يكتفى بعلم البائع، وبين خبر البائع في مقدار الصرف إذا صارفه دراهم بدراهم من جنسها، وصدقه المشتري، وإن كان الجميع يجب فيهما التماثل.
* * *
стр. 5443
الشرط الثاني
اشتراط التقابض وإن اختلف الجنس
الفرع الأول
في اشتراط التقابض والحلول في صرف الأثمان بعضها ببعض
قال الكرابيسي: التفريق عن المجلس لو طرأ على عقد الصرف قبل القبض أبطله (١).
[م- ١٢٢٠] لم يختلف الفقهاء في وجوب التقابض في مجلس العقد قبل التفرق في عقد الصرف، وإن اختلف الجنس قال الحافظ في الفتح: «اشتراط القبض في الصرف متفق عليه» (٢).
وقال ابن عبد البر: «وهذا أمر مجتمع عليه، لا خلاف فيه والحمد لله» (٣).
وقال ابن قدامة: «الصرف: بيع الأثمان بعضها ببعض، والقبض في المجلس شرط لصحته بلا خلاف. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المتصارفين إذا افترقا قبل أن يتقابضا أن الصرف فاسد، والأصل فيه قول النبي ﷺ : الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء .... » (٤).
стр. 5444
كما حكى الإجماع أيضًا ابن الهمام في فتح القدير (١)، وابن تيمية (٢)، والنووي في شرح مسلم (٣).
* * *
стр. 5445
الفرع الثاني
إذا تم قبض البعض في الصرف
قال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى: التحقيق في عقود الربا إذا لم يحصل فيها القبض أن لا عقد، وقول بعض الفقهاء بطل العقد، فهو بطلان ما لم يتم لا بطلان ما تم (١).
وأصح منه قول الحنفية: التقابض في الصرف شرط لبقاء العقد على الصحة، لا شرط لانعقاده (٢).
[م-١٢٢١] إذا حصل التقابض في بعض الثمن دون بعضه، وافترقا بطل الصرف فيما لم يقبض باتفاق الفقهاء، واختلفوا فيما قبض:
فقيل: يصح الصرف فيما قبض.
وهذا مذهب جمهور العلماء من الحنفية (٣)، والشافعية (٤)، والراجح لدى الحنابلة (٥)، وقول في مذهب المالكية (٦).
стр. 5446
وجه قول الجمهور:
أن القبض شرط في بقاء العقد على الصحة، فيصح البيع فيما قبض لوجود شرطه، ويبطل البيع فيما لم يقبض، ولا يشيع الفساد في الكل لأنه طارئ بعد صحة العقد في الكل بناء على ما هو المختار من أن القبض قبل الافتراق شرط البقاء على الصحة لا شرط الانعقاد، فيصح العقد، ثم بالافتراق يبطل فيما فقد فيه الشرط (١).
ولو كان يجب حمل مقتضى أحدهما على الآخر لم يكن حمل الصحة على البطلان بأولى من حمل البطلان على الصحة كالانفراد، فوجب أن يسقط اعتبار أحدهما بالآخر لتكافؤ الأمرين، ويحمل كل واحد منهما على مقتضاه في الحالين (٢).
وقيل: يبطل العقد في الكل، وهو مذهب المالكية (٣)، ووجه عند الحنابلة (٤).
وجه من قال: يبطل الكل:
أن الصفقة واحدة، خالطها حلال وحرام، فتبطل الصفقة كلها.
стр. 5447
ولأن الصرف وقع على الجميع في عقد واحد، فإذا تطرق إلى العقد خلل عاد على جميع الصفقة، ولا يصح تفريق الصفقة.
الراجح:
ما رجحناه في تفريق الصفقة نرجحه هنا، وهو أن التفريق إن كان يضر بأحدهما، وله مقصود صحيح من جميع الصفقة بطل البيع في الكل، وإلا صح فيما قبض، وبطل فيما لم يقبض، والله أعلم.
* * *
стр. 5448
الفرع الثالث
حد القبض بالصرف
جاء في بلغة الساغب: قبض جميع الأشياء: التخلية مع التمييز (١).
[م-١٢٢٢] اختلف الفقهاء في حد القبض في الصرف، فذهب عامتهم إلى أن القبض بالصرف هو القبض الحقيقي باليد (٢).
قال ابن الهمام نقلًا من فوائد القدوري: «المراد بالقبض هنا القبض بالبراجم، لا بالتخلية، يريد باليد» (٣).
والمراد باليد: أن يتم القبض بالفعل، لا خصوص البراجم، حتى لو وضع الدراهم في جيبه صار قابضًا (٤).
إلا أن الحنفية قالوا: إن القبض يكفي فيه التعيين، ولكن لما كانت الدنانير والدراهم لا تتعين بالتعيين، وإنما تتعين بالقبض، شرطنا التقابض للتعيين (٥).
وأما الجمهور فرأوا أن قبض الأثمان يدخل في قبض ما يتناول باليد، وقبضه يكون بتناوله.
قال النووي: «ما يتناول باليد كالدراهم والدنانير، والمنديل، والثوب، والإناء الخفيف، والكتاب ونحوها فقبضه بالتناول بلا خلاف» (٦)، يعني في المذهب.
стр. 5449
وقال ابن مفلح: «وقبض ما ينقل بنقله، وما يتناول بتناوله» (١).
دليل من قال: يجب القبض باليد:
الدليل الأول:
(ح-٨٢٦) روى مسلم من طريق أبي المتوكل الناجي.
عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، يدًا بيد، من زاد أو استزاد، فقد أربى، الآخذ والمعطي سواء (٢).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ : (يدًا بيد) فهذا نص في وجوب التقابض في بيع الربوي بمثله.
الدليل الثاني:
(ح-٨٢٧) ما رواه مسلم من طريق أبي الأشعث.
عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ : الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد (٣).
وجه الاستدلال:
أوجب الحديث التماثل ووجوب التقابض إذا بيع ربوي بجنسه، كما أوجب التقابض فقط دون التماثل إذا اختلف الجنس في الربويات، واتحدت العلة.
стр. 5450
الدليل الثالث:
(ح-٨٢٨) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن نافع.
عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلًا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبا بناجز. ورواه مسلم (١).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ : (ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز) فيه إشارة إلى وجوب التقابض.
الدليل الرابع:
(ح-٨٢٩) ما رواه البخاري من طريق ابن شهاب، عن مالك بن أوس أخبره.
أنه التمس صرفا بمائة دينار، فدعاني طلحة بن عبيد الله فتراوضنا حتى اصطرف مني، فأخذ الذهب يقلبها في يده، ثم قال: حتى يأتي خازني من الغابة، وعمر يسمع ذلك، فقال: والله لا تفارقه حتى تأخذ منه، قال رسول الله ﷺ : الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء. ورواه مسلم (٢).
القول الثاني:
ذهب هذا القول إلى أن القبض في كل شيء يكون بالتخلية، وهذا مطلقه يدخل فيه عقد الصرف.
جاء في الإنصاف: «وعنه أن قبض جميع الأشياء بالتخلية مع التمييز» (٣).
стр. 5451
وقال ابن قدامة: «وقد روى أبو الخطاب عن أحمد رواية أخرى: أن القبض في كل شيء بالتخلية مع التمييز؛ لأنه خلى بينه وبين المبيع من غير حائل» (١).
وقال ابن رجب: «والتخلية قبض في المعينات على روايتين» (٢).
стр. 5452
والدراهم والدنانير تتعين بالتعيين في المذهب الحنبلي، فيكون التعيين قبضًا لها في قول.
حجة هذا القول:
أن التخلية إنما جعلت تسليمًا؛ لأن البائع إذا خلى بين المشتري وبين المبيع فقد رفع الموانع عن القبض. وهذا غاية ما يقدر عليه، وهو محتاج إلى إخراج نفسه من عهدة المبيع، فإذا أتى بما وسعه فقد برئ، وليس في وسعه إلا التخلية، وأما القبض الذي هو التسلم، فهذا فعل المشتري، فلا يكلف البائع فعل غيره، فجعل التمكن من القبض قبضًا، وهو القبض الحكمي، وهو القبض بطريق التخلية ...... (١).
وانظر بقية الأدلة في باب قبض المبيع، في كيفية قبض المنقول الذي ليس فيه حق توفية، فقد استوفينا الأدلة هناك، فأغنى عن إعادتها هنا.
* * *
стр. 5453
الفرع الرابع
في اشتراط الفورية في القبض
وقال الزيلعي: «ساعات المجلس كساعة واحدة دفعًا للعسر وتحقيقًا لليسر» (١).
قلت: في الأثر: (ما لم تتفرقا وبينكما شيء) دليل على جواز التراخي.
[م-١٢٢٣] وأما اشتراط الفورية في القبض، فقد اختلف مالك مع الجمهور، فرأى مالك أن القبض في عقد الصرف يجب أن يكون فورًا، ولا يجوز التراخي فيه، ولو كان العاقدان في المجلس (٢).
وذهب الجمهور إلى جواز التراخي في القبض ما دام العاقدان في مجلس العقد (٣).
وسبب الخلاف الاختلاف في فهم قوله ﷺ : (الذهب ربا إلا هاء وهاء) ففهم المالكية من هذا النص وجوب الفورية، وعدم التراخي، فيعطي بيد، ويأخذ بالأخرى. وفهم الجمهور منه أن يقول كل واحد من المتعاقدين لصاحبه (هاء)، فيتقابضان في المجلس، ولا يضر التراخي ما دام أن التقابض قد حصل في المجلس.
стр. 5454
دليل المالكية على اشتراط الفورية:
(ح-٨٣٠) ما رواه البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن مالك بن أوس.
سمع عمر بن الخطاب ﵁ يخبر عن رسول الله ﷺ قال: الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء (١).
دليل الجمهور:
الدليل الأول:
(ح-٨٣١) ما رواه البخاري من طريق ابن شهاب، عن مالك بن أوس أخبره،
أنه التمس صرفا بمائة دينار، فدعاني طلحة بن عبيد الله فتراوضنا حتى اصطرف مني، فأخذ الذهب يقلبها في يده، ثم قال: حتى يأتي خازني من الغابة، وعمر يسمع ذلك، فقال: والله لا تفارقه حتى تأخذ منه، قال رسول الله ﷺ : الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء. ورواه مسلم (٢).
وجه الاستدلال:
لما قال عمر ﵁: (والله لا تفارقه حتى تأخذ منه) مع استشهاده بقول النبي: (الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء)، دل على أن المقصود هو التقابض قبل مفارقة المجلس.
الدليل الثاني:
(ح-٨٣٢) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن
стр. 5455
سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير.
عن ابن عمر، قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم، وآخذ الدنانير، فأتيت رسول الله ﷺ ، وهو يريد أن يدخل بيت حفصة، فقلت: يا رسول الله إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم، وآخذ الدنانير، فقال رسول الله ﷺ : لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا، وبينكما شيء (١).
[اختلف في رفعه ووقفه، ورجح شعبة والدارقطني وقفه] (٢).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ : (ما لم تتفرقا وبينكما شيء) حيث اشترط التقابض قبل التفرق.
الراجح:
بعد ذكر الخلاف وأدلته أجد أن مذهب الجمهور أقوى من حيث الاستدلال، وفي رأي المالكية حرج وتضييق، وقد نفى الله الحرج عن هذه الملة.
* * *
стр. 5456
الفرع الخامس
إذا تأخر التقابض غلبة
قال الكربيسي: «التفريق عن المجلس لو طرأ على عقد الصرف قبل القبض أبطله» (١).
وقال الزركشي: «الطارئ هل ينزل منزلة المقارن» (٢).
[م-١٢٢٤] إن افترق المتصارفان غلبة، وليس اختيارًا قبل التقابض، كما لو غشيهما ليل، أو حال بينهما سيل، أو غلب عليه أحدهما بهروب صاحبه منه، ولو كان قاصدًا هروبه، فهل يفسخ العقد لتأخير القبض، أو لا يفسخ للعجز؟
هذه المسألة بحثها ا لمالكية، ولهم فيها قولان:
الأول: يفسخ العقد، قال الباجي: وهو ظاهر المذهب (٣).
والثاني: أنه لا يفسخ، ورجح ابن يونس هذا القول، وقال: الصواب أنه لا يفسخ؛ لأن أصل البيع وقع على الصحة، وإنما أراد المبتاع بالتأخير فسخ البيع، فوجب أن يحرمه؛ لأن ذلك ذريعة إلى حل العقود اللازمة فلا يريد أحد استغلى شيئا أو ندم في شرائه إلا جَرَّ ذلك ليفسخه فوجب أن يحرم ذلك كمنع القاتل الميراث، ومنع المتزوجين في العدة أن يتناكحا أبدًا (٤).
стр. 5457
الراجح:
أن المتعاقدين إذا افترقا غلبة وقهرًا أن العقد لا يفسخ، ولا يصبح لازمًا بل يعود حكم المجلس بين المتعاقدين بعد زوال العذر، ويتم التسليم، وتبقى أحكام المجلس بين المتعاقدين كما لو أراد أحدهما الرجوع عن العقد لخيار المجلس فإن له ذلك، والله أعلم.
* * *
стр. 5458
الفرع السادس
الوكالة في قبض الصرف
من تولى عقد الصرف من أصيل أو وكيل يجب أن يتم القبض بحضوره.
[م-١٢٢٥] إذا وكلت رجلًا في الصرف والقبض، فهذا جائز بالإجماع.
قال ابن المنذر: أجمعوا على أن الوكالة في الصرف جائزة ... (١).
وأما إذا قمت بالصرف، ووكلت في القبض، أو وكلت رجلًا بالصرف على أن تقوم بالقبض فإن قبض بحضور من عقد الصرف صح القبض.
وإن قبض غير الذي عقد الصرف بعد ذهاب عاقده، فاختلف العلماء:
فقيل: يبطل الصرف.
وهذا مذهب الحنفية (٢)، والراجح من مذهب المالكية (٣)،
ومذهب الشافعية (٤)، والحنابلة (٥).
стр. 5459
وجهه: أن حقوق العقد تتعلق بالعاقد، والوكيل هنا لم يعقد العقد، فالقبض متعلق بحضور عين العاقد.
وللمالكية ثلاثة أقوال:
الأول: التوكيل على القبض يضر مطلقًا، فالقبض حق العاقد، فمن تولى العقد يتولى القبض، سواء كان الوكيل شريكًا، أو أجنبيًا، قبض في حضرة موكله أو في غيبته.
الثاني: التوكيل لا يضر مطلقًا.
الثالث: إن كان الموكل شريكًا فلا يضر، ولو قبض في غيبة موكله؛ لأنه لما كان لكل واحد منهما حصة من الثمن، كان كل واحد منهما وكأنه قد باع جميعه، فجاز لكل واحد منهما قبض الثمن، ولم يفسده مفارقة صاحبه.
وإن كان الوكيل غير شريك ضر إن كان قبضه في غيبة موكله، وإن قبض في حضرته لم يضره (١).
وقال الحطاب: «لو حضر الموكل والوكيل العقد، وعقدا جميعا الصرف، جاز أن يذهب الموكل ويأمر الوكيل بالقبض ولو لم يكن وكيلًا إلا أنه حضر العقد وتكلم فيه، وراوض الصراف لجاز على قول ابن القاسم» (٢).
стр. 5460
والراجح: ما ذهب إليه الجمهور، وأن القبض يتعلق بالعاقد، فمن تولى عقد الصرف سواء كان أصيلًا أو وكيلًا يجب أن يتم القبض بحضوره، فإن غاب عن المجلس قبل القبض بطل العقد، والله أعلم.
* * *
стр. 5461
الشرط الثالث
خلو العقد من شرط الخيار
[م-١٢٢٦] ذهب عامة الفقهاء إلى أنه يشترط في عقد الصرف أن يكون باتًا لا خيار فيه (١).
وجاء في المدونة: «قلت: أرأيت، هل يجيز مالك الخيار في الصرف؟ قال: لا» (٢).
وقال النووي: البيوع التي يشترط فيها التقابض في المجلس كالصرف وبيع الطعام بالطعام، أو القبض في أحد العوضين كالسلم، لا يجوز شرط الخيار فيها بلا خلاف ... » (٣).
وجه ذلك:
أن كل عقد يكون القبض شرطًا في بقاء العقد على الصحة لا يصح اشتراط الخيار فيه، وذلك مثل عقدي الصرف والسلم، وذلك لأن الخيار يمنع انعقاد العقد، فيمنع صحة القبض.
قال الشيرازي: «فأما في البيوع التي فيها الربا، وهي الصرف، وبيع الطعام بالطعام، فلا يجوز فيها شرط الخيار؛ لأنه لا يجوز أن يتفرقا قبل تمام البيع، ولهذا لا يجوز أن يتفرقا إلا عن قبض العوضين، فلو جوزنا شرط الخيار لتفرقا ولم يتم البيع بينهما» (٤).
стр. 5462
وقال ابن قدامة: «ما يشترط فيه القبض في المجلس كالصرف، والسلم، وبيع مال الربا بجنسه، فلا يدخله خيار الشرط رواية واحدة؛ لأن موضوعها على أن لا يبقى بينهما علقة بعد التفرق، بدليل اشتراط القبض، وثبوت الخيار يبقي بينهما علقة» (١).
القول الثاني:
اختار ابن تيمية من الحنابلة: جواز خيار الشرط في كل العقود.
قال ﵀: «ويثبت خيار الشرط في كل العقود، ولو طالت المدة» (٢)، واختاره الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي (٣)، وشيخنا ابن عثيمين ﵀ (٤).
وجه القول بالجواز:
خيار الشرط لا يمنع انعقاد العقد، والملك في المبيع للمشتري، والملك في الثمن للبائع مدة الخيار، وإنما الخيار يجعل العقد جائزًا، وليس بلازم، والأحاديث في الصرف إنما توجب القبض، والقبض لا يعني لزوم العقد حتى يقال: إن الخيار يمنع القبض الواجب، بل يبقى المعقود عليه مقبوضًا، وإن كان العقد غير لازم بحسب ما اشترطاه، فإن أمضيا البيع لزم، وإلا فسخ. وإذا كانت الإقالة في الصرف تجوز، وهي تعطي حق الفسخ، فالخيار كذلك، والله أعلم. وهذا القول هو الراجح.
стр. 5463
فإن شرطه المتعاقدان أو أحدهما على القول بمنع الخيار:
فقيل: يفسد العقد، وهذا هو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣).
وقيل: يصح العقد، ويبطل الشرط، كسائر الشروط الفاسدة في البيع، وهذا مذهب الحنابلة (٤).
وجه قول الحنابلة:
أن هذا الشرط ينافي مقتضى العقد، وكل شرط ينافي مقتضى العقد فإنه يبطل الشرط وحده، ويصح العقد، واستند الحنابلة في هذا إلى قصة بريرة، حيث صحح النبي ﷺ العتق، وأبطل شرط الولاء، حين كان منافيًا لمقتضى العقد، وهو كون الولاء لمن أعتق.
стр. 5464
(ح-٨٣٣) وحديث بريرة رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة ﵂، قالت: جاءت بريرة، فقالت: إني كاتبت أهلي على تسع أواق، في كل عام أوقية، فأعينيني، فقالت عائشة: إن أحب أهلك أن أعدها لهم عدة واحدة، وأعتقك فعلت، ويكون ولاؤك لي، فذهبت إلى أهلها فأبوا ذلك عليها .... فسمع بذلك رسول الله ﷺ ، فسألني، فأخبرته، فقال: خذيها، فأعتقيها، واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق، قالت: عائشة، فقام رسول الله ﷺ في الناس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، ما بال رجال منكم يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، فأيما شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، فقضاء الله أحق، وشرط الله أوثق ... » (١).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ أبطل الشرط وحده، وأبقى على العقد صحيحًا، فدل على أن الشرط إذا كان مخالفًا للشرع صح البيع، وبطل الشرط، وقاس الحنابلة على اشتراط الولاء جميع الشروط التي تخالف مقتضى العقد، وذلك لأن العقود توجب مقتضياتها بالشرع، فاشتراط ما يخالف مقتضاها تغيير للمشروع.
وقد ذكرت الجواب عن حديث عائشة في كتاب الشروط في البيع، تحت مسألة: إذا باعه بشرط ألا يبيعه ولا يهبه، وناقشت موقف أهل العلم من حديث بريرة.
والذي أراه أن الأخذ بلفظ هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة بلفظ (خذيها واشترطي لهم الولاء) على القول بأن هذه الزيادة محفوظة يقتصر على ما ورد في
стр. 5465
القضية التي سيق فيها الحديث: كما لو باع رجل عبده بشرط أن يكون له ولاؤه، أما قياس جميع الشروط التي تخالف مقتضى العقد على اشتراط الولاء فإنه قياس غير صحيح، وذلك أن الولاء ليس من الحقوق المالية، لما رواه الشيخان من حديث ابن عمر (نهى رسول الله ﷺ عن بيع الولاء، وعن هبته) (١).
وروى ابن حبان في صحيحه من حديث ابن عمر مرفوعًا: (الولاء لحمة كلحمة النسب) (٢)، فلا يقاس على الولاء غيره من الشروط المالية ولو كانت تخالف مقتضى العقد، وذلك أن كل شرط مالي، ولو كان مخالفًا للعقد قد قابله جزء من الثمن، فإذا بطل الشرط فهل يحق للمشتري أن يأخذ ما يقابله من الثمن بلا عوض، فمثلًا: إذا اشترط المشتري أن لا خسارة عليه، فشرطه هذا شرط يخالف مقتضى العقد، وإذا قبل البائع هذا الشرط فإن المشتري سوف يشتري المبيع بقيمة أكثر مما لو اشترها بدون هذا الشرط، وهذا معلوم، فيكون البائع قد قبض قيمة هذا الشرط الباطل، فإذا بطل الشرط، ولزم البيع بنفس الثمن، فقد أخذ البائع قيمة هذا الشرط الباطل بلا مقابل، فهل يحق له أن يأخذ قيمة هذا الشرط إذا صححنا العقد، أو نقول: يلزم البيع، وما زاد من الثمن مقابل هذا الشرط يرد إلى المشتري، وهذا هو مقتضى القواعد، لأن عوض الحرام حرام.
وإذا قلنا: بخصم قيمة الشرط، فإن البائع له أن يقول: لم أرض بإخراج المبيع من ملكي بهذا الثمن بعد الخصم، ومن شروط صحة البيع: رضا البائع بالثمن، ورضا المشتري بالمبيع، وهو ما لم يتحقق هنا، فإذا تراضيا على الثمن الجديد فليتعاقدا عليه بعد إبطال العقد بالصورة الأولى، وبهذا نكون قد توجهنا إلى الأخذ بقول الجمهور، وهو إبطال البيع وإبطال الشرط.
* * *