← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 5461–5500 · переход к 5466.

стр. 5461

الشرط الثالث خلو العقد من شرط الخيار [م-١٢٢٦] ذهب عامة الفقهاء إلى أنه يشترط في عقد الصرف أن يكون باتًا لا خيار فيه (١). وجاء في المدونة: «قلت: أرأيت، هل يجيز مالك الخيار في الصرف؟ قال: لا» (٢). وقال النووي: البيوع التي يشترط فيها التقابض في المجلس كالصرف وبيع الطعام بالطعام، أو القبض في أحد العوضين كالسلم، لا يجوز شرط الخيار فيها بلا خلاف ... » (٣). وجه ذلك: أن كل عقد يكون القبض شرطًا في بقاء العقد على الصحة لا يصح اشتراط الخيار فيه، وذلك مثل عقدي الصرف والسلم، وذلك لأن الخيار يمنع انعقاد العقد، فيمنع صحة القبض. قال الشيرازي: «فأما في البيوع التي فيها الربا، وهي الصرف، وبيع الطعام بالطعام، فلا يجوز فيها شرط الخيار؛ لأنه لا يجوز أن يتفرقا قبل تمام البيع، ولهذا لا يجوز أن يتفرقا إلا عن قبض العوضين، فلو جوزنا شرط الخيار لتفرقا ولم يتم البيع بينهما» (٤).

стр. 5462

وقال ابن قدامة: «ما يشترط فيه القبض في المجلس كالصرف، والسلم، وبيع مال الربا بجنسه، فلا يدخله خيار الشرط رواية واحدة؛ لأن موضوعها على أن لا يبقى بينهما علقة بعد التفرق، بدليل اشتراط القبض، وثبوت الخيار يبقي بينهما علقة» (١). القول الثاني: اختار ابن تيمية من الحنابلة: جواز خيار الشرط في كل العقود. قال ﵀: «ويثبت خيار الشرط في كل العقود، ولو طالت المدة» (٢)، واختاره الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي (٣)، وشيخنا ابن عثيمين ﵀ (٤). وجه القول بالجواز: خيار الشرط لا يمنع انعقاد العقد، والملك في المبيع للمشتري، والملك في الثمن للبائع مدة الخيار، وإنما الخيار يجعل العقد جائزًا، وليس بلازم، والأحاديث في الصرف إنما توجب القبض، والقبض لا يعني لزوم العقد حتى يقال: إن الخيار يمنع القبض الواجب، بل يبقى المعقود عليه مقبوضًا، وإن كان العقد غير لازم بحسب ما اشترطاه، فإن أمضيا البيع لزم، وإلا فسخ. وإذا كانت الإقالة في الصرف تجوز، وهي تعطي حق الفسخ، فالخيار كذلك، والله أعلم. وهذا القول هو الراجح.

стр. 5463

فإن شرطه المتعاقدان أو أحدهما على القول بمنع الخيار: فقيل: يفسد العقد، وهذا هو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣). وقيل: يصح العقد، ويبطل الشرط، كسائر الشروط الفاسدة في البيع، وهذا مذهب الحنابلة (٤). وجه قول الحنابلة: أن هذا الشرط ينافي مقتضى العقد، وكل شرط ينافي مقتضى العقد فإنه يبطل الشرط وحده، ويصح العقد، واستند الحنابلة في هذا إلى قصة بريرة، حيث صحح النبي ﷺ العتق، وأبطل شرط الولاء، حين كان منافيًا لمقتضى العقد، وهو كون الولاء لمن أعتق.

стр. 5464

(ح-٨٣٣) وحديث بريرة رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، قالت: جاءت بريرة، فقالت: إني كاتبت أهلي على تسع أواق، في كل عام أوقية، فأعينيني، فقالت عائشة: إن أحب أهلك أن أعدها لهم عدة واحدة، وأعتقك فعلت، ويكون ولاؤك لي، فذهبت إلى أهلها فأبوا ذلك عليها .... فسمع بذلك رسول الله ﷺ ، فسألني، فأخبرته، فقال: خذيها، فأعتقيها، واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق، قالت: عائشة، فقام رسول الله ﷺ في الناس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، ما بال رجال منكم يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، فأيما شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، فقضاء الله أحق، وشرط الله أوثق ... » (١). وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ أبطل الشرط وحده، وأبقى على العقد صحيحًا، فدل على أن الشرط إذا كان مخالفًا للشرع صح البيع، وبطل الشرط، وقاس الحنابلة على اشتراط الولاء جميع الشروط التي تخالف مقتضى العقد، وذلك لأن العقود توجب مقتضياتها بالشرع، فاشتراط ما يخالف مقتضاها تغيير للمشروع. وقد ذكرت الجواب عن حديث عائشة في كتاب الشروط في البيع، تحت مسألة: إذا باعه بشرط ألا يبيعه ولا يهبه، وناقشت موقف أهل العلم من حديث بريرة. والذي أراه أن الأخذ بلفظ هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة بلفظ (خذيها واشترطي لهم الولاء) على القول بأن هذه الزيادة محفوظة يقتصر على ما ورد في

стр. 5465

القضية التي سيق فيها الحديث: كما لو باع رجل عبده بشرط أن يكون له ولاؤه، أما قياس جميع الشروط التي تخالف مقتضى العقد على اشتراط الولاء فإنه قياس غير صحيح، وذلك أن الولاء ليس من الحقوق المالية، لما رواه الشيخان من حديث ابن عمر (نهى رسول الله ﷺ عن بيع الولاء، وعن هبته) (١). وروى ابن حبان في صحيحه من حديث ابن عمر مرفوعًا: (الولاء لحمة كلحمة النسب) (٢)، فلا يقاس على الولاء غيره من الشروط المالية ولو كانت تخالف مقتضى العقد، وذلك أن كل شرط مالي، ولو كان مخالفًا للعقد قد قابله جزء من الثمن، فإذا بطل الشرط فهل يحق للمشتري أن يأخذ ما يقابله من الثمن بلا عوض، فمثلًا: إذا اشترط المشتري أن لا خسارة عليه، فشرطه هذا شرط يخالف مقتضى العقد، وإذا قبل البائع هذا الشرط فإن المشتري سوف يشتري المبيع بقيمة أكثر مما لو اشترها بدون هذا الشرط، وهذا معلوم، فيكون البائع قد قبض قيمة هذا الشرط الباطل، فإذا بطل الشرط، ولزم البيع بنفس الثمن، فقد أخذ البائع قيمة هذا الشرط الباطل بلا مقابل، فهل يحق له أن يأخذ قيمة هذا الشرط إذا صححنا العقد، أو نقول: يلزم البيع، وما زاد من الثمن مقابل هذا الشرط يرد إلى المشتري، وهذا هو مقتضى القواعد، لأن عوض الحرام حرام. وإذا قلنا: بخصم قيمة الشرط، فإن البائع له أن يقول: لم أرض بإخراج المبيع من ملكي بهذا الثمن بعد الخصم، ومن شروط صحة البيع: رضا البائع بالثمن، ورضا المشتري بالمبيع، وهو ما لم يتحقق هنا، فإذا تراضيا على الثمن الجديد فليتعاقدا عليه بعد إبطال العقد بالصورة الأولى، وبهذا نكون قد توجهنا إلى الأخذ بقول الجمهور، وهو إبطال البيع وإبطال الشرط. * * *

стр. 5466

الفرع الأول إذا شرط المتعاقدان خيار الشرط ثم أسقطاه في المجلس قال السرخسي: حالة المجلس كحالة العقد (١). وقال أيضًا: المفسد متى زال قبل تقرره جعل كأن لم يكن (٢). [م-١٢٢٧] عرفنا من خلال البحث السابق أن خيار الشرط لا يصح في عقد الصرف، فإذا اشترط المتعاقدان أو أحدهما خيار الشرط، وتم إسقاطه في المجلس قبل تفرقهما، فهل يصح الصرف؟ اختلف الفقهاء في ذلك: فقيل: يصح عقد الصرف مطلقًا، أي سواء كان الخيار لهما، أو لأحدهما. وهذا مذهب الحنفية (٣). وجهه: أنه إذا أسقط الخيار في المجلس عاد العقد صحيحًا لأنهما قد تفرقا بعد قبض تام، وهذا مبني على الأصل عندهم: أن المفسد إذا زال قبل تقرره يصير كأن لم يكن (٤).

стр. 5467

وقيل: عكسه، أي لا يصح العقد مطلقًا، أي سواء كان الخيار لهما، أو لأحدهما، وهذا قول زفر من الحنفية (١). وجهه: أن العقد وقع فاسدًا، وما وقع على الفساد لا يمكن تصحيحه. وقيل: إن كان الخيار لهما، ثم أسقطاه في المجلس صح، وأما إن كان الخيار لأحدهما، أو لغيرهما فإن العقد يفسخ. وهذا مذهب المالكية (٢). وجه التفريق: أن الخيار إن كان لهما، لم يكن العقد لازمًا لواحد منهما، فإذا أسقطاه فكأنما انعقد بينهما ابتداء يوم أمضياه. وإن كان الخيار لأحدهما فسخ، لأن العقد أصبح لازمًا للذي لم يشترط له الخيار، وغير لازم للذي اشترط له الخيار، فيؤثر ذلك في صحة القبض (٣). وأما مذهب الحنابلة فقد بينا في المسألة السابقة أنهم يقولون: العقد صحيح، ويلزم بالتفرق، ويبطل الشرط وحده، وذكرت دليلهم ومناقشته في تلك المسألة، فأغنى عن إعادته هنا، والحمد لله. الراجح: أرى - والعلم عند الله - أن مذهب الحنفية أقوى دليلًا، لأن تصحيح العقد

стр. 5468

وقع قبل لزومه، فما دام أن العقد لم يلزم إلا وقد وقع على الوجه ا لصحيح فيكون نافذًا، والله أعلم. * * *

стр. 5469

الفرع الثاني شرط خيار المجلس في عقد الصرف [م-١٢٢٨] عرفنا فيما سبق حكم خيار الشرط في عقد الصرف، فهل يختلف الحكم في ثبوت خيار المجلس للصرف؟ قد اختلف العلماء في ثبوت خيار المجلس في عقد الصرف. فقيل: يثبت فيها خيار المجلس، وهو مذهب الشافعية (١)، والصحيح من مذهب الحنابلة (٢). وجه ذلك: أن عقد الصرف وإن أخذ اسمًا خاصًا فهو يصدق عليه أنه بيع. ولأن خيار المجلس شرع للنظر في الحظ في المعاوضة، وهو موجود فيهما. وقيل: لا يثبت فيه خيار المجلس، وهو قول في مذهب الحنابلة (٣)، قياسًا على خيار الشرط فإنه لا يصح فيه. والأول أصح، وامتناع خيار الشرط فيه على القول بصحته لأنه يفتقر إلى القبض في المجلس، فلو أثبتنا فيه خيار الشرط أدى إلى أن يفترقا قبل لزوم العقد. وهذا المعنى غير موجود في خيار المجلس. ولم أتعرض لمذهب الحنفية والمالكية لأنهما لا يقولان بخيار المجلس مطلقًا لا في الصرف، ولا في غيره من العقود، والله أعلم. * * *

стр. 5470

الفصل الرابع المواعدة على الصرف أو بعنوان آخر أخذ الذهب للمشاورة على شرائه قال ابن حزم: التواعد ليس بيعًا (١). وقال السرخسي: المواعيد لا يتعلق بها اللزوم، ولكن يندب إلى الوفاء بالوعد (٢). [م-١٢٢٩] إذا أخذ الذهب ليريه أهله، فإن أعجبهم اشتراه، وإن لم يعجبهم رده، إن كان قد أخذ الذهب قبل أن يتم العقد، فإن صلح لأهله رجع إلى صاحب السلعة، وباع معه واشترى ففي هذه المسألة خلاف بين العلماء، وقد تعرض المالكية لها، وذكروا فيها ثلاثة أقوال، كما تعرض لها ابن حزم، وأما بقية المذاهب الثلاثة فلم يتوجهوا لها بالبحث، وإن كانوا قد تعرضوا للمواعدة على البيع على سبيل العموم، وستأتي إن شاء الله تعالى في صيغ المرابحة للواعد بالشراء. يقول الشيخ الصديق الضرير: «الواقع أن المواعدة في الصرف، أو المواعدة على الصرف ليس للجمهور فيها رأي فعلى قدر ما بحثت في هذا الموضوع لم أجد نصًا للحنفية، ولا للشافعية، ولا للحنابلة، الذين تكلموا صراحة في المواعدة في الصرف من الأئمة الأربعة هم المالكية» (٣).

стр. 5471

والأقوال في المسألة كالتالي: القول الأول: القول بالكراهة، وهو قول مالك، فإن وقع العقد بناء على المواعدة، ولم يستأنفا إنشاءه من جديد لم يفسخ عند ابن القاسم (١). «قال ابن المواز: من اشترى سوارين ذهبًا بدراهم على أن يريهما لأهله، فإن أعجباهم رجع إليه فاستوجبهما وإلا ردهما فقد خففه مالك وكرهه أيضًا» (٢). القول الثاني: القول بالمنع، وهو المشهور في مذهب المالكية، ورجحه أصبغ (٣). و وجهه: أولًا: قياس المواعدة على الصرف على المواعدة في زواج المعتدة. ويناقش: أولًا: أن هذا القياس قياس مع الفارق؛ لأن زواج المعتدة يجب تأجيله حتى انتهاء العدة، وعقد الصرف لا يجوز تأجيله، بل يجب تنجيزه، فافترقا. وثانيًا: أن الصرف ينافي الخيار; لأنه مبني على المناجزة والنقد في المجلس والخيار لا يكون إلا فيما يدخله التأخير; لأنه إنما يكون في مدة تتأخر عن حال العقد، فامتنع.

стр. 5472

الجمع بين القولين: قال الحطاب في الجمع بين قول ابن القاسم وقول أصبغ: «ولعل قول ابن القاسم إذا لم يتراوضا على السوم، وإنما قال له: اذهب معي أصرف منك، وقول أصبغ: إذا راوضه على السوم، فقال له: اذهب معي أصرف منك ذهبك بكذا وكذا ... » (١). وقال الباجي: «ويحتمل أن يريد به المواعدة في الصرف وتقرير الثمن دون عقد، ولذلك قال: إنه إن رضيهما أهله رجع فاستوجبهما منه، فذكر أن الإيجاب لم يوجد بعد، وإنما كان ذلك على سبيل تقرير الثمن، ومعرفة ما يتبع الصرف إن رضيها أهله لما كلف الطلب ومعرفة الثمن فلم يجعل إليه عقده، والله أعلم» (٢). القول الثالث: القول بالجواز، وهو اختيار ابن نافع، وهو قول ثالث في مذهب المالكية (٣)، ورجحه ابن حزم. يقول ابن حزم: «والتواعد في بيع الذهب بالذهب أو بالفضة، وفي بيع الفضة بالفضة، وفي سائر الأصناف الأربعة بعضها ببعض جائز تبايعا بعد ذلك أو لم يتبايعا؛ لأن التواعد ليس بيعًا» (٤). وهو الصواب بصرف النظر عن نوعية الذهب؛ هل هو حلي أو تبر؛ لأن هذا

стр. 5473

من قبيل المواعدة على الشراء، وليس من قبيل البيع والشراء. وهذا ما أفتى به شيخنا ابن عثيمين يرحمه الله (١)، وأفتت به اللجنة الدائمة للبحوث في البلاد السعودية (٢). وإن كانت المشاورة بعد أن باع معه واشترى، واشترط له الخيار إن صلحت لأهله وإلا رده، فإن كان الذهب من الحلي ففي ذلك خلاف بين أهل العلم: فذهب ابن تيمية وابن القيم إلى جواز ذلك، وحجتهما في ذلك أن الحلي قد خرج بالصنعة عن كونه مالًا ربويًا. وقد ناقشت هذه المسألة في بحث مستقل، واستعرضت أدلتهما، وأجبت عنها بشيء من التوسع، وبينت أن الصنعة لا تخرج الذهب والفضة عن كونه مالًا ربويًا، وهذا مذهب الأئمة الأربعة. وإن كان الذهب من التبر، ودفع قيمته قبل التفرق فإنه لا يجوز عند عامة أهل العلم؛ لأنه يفضي إلى قبول اشتراط الخيار في عقد الصرف. وقد ذهب ابن تيمية والشيخ السعدي وشيخنا ابن عثيمين إلى جواز اشتراط الخيار في عقد الصرف؛ لأن الخيار لا يمنع انعقاد العقد، وإنما يمنع لزومه،

стр. 5474

والنصوص قد اشترطت التقابض، وقد حصل، وقد سبق بحث هذه المسألة في مسألة سابقة. ومثله في الصرف، إن حصلت المواعدة على الصرف على أن يتم الصرف والتقابض مستقبلًا بسعر الصرف عند إبرام العقد، فهذه المواعدة غير ملزمة، ولا تضر العقد إن حصلت. وأما إن حصلت المواعدة على الصرف على أن يتم العقد فيما بعد، ويكون القبض بعد مدة زمنية متفق عليها بسعر الصرف الذي سبق الاتفاق عليه، ويكون الاتفاق ملزمًا للطرفين فهذا لا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى جواز التفرق قبل التقابض. وهذا لم يقل بجوازه أحد من أهل العلم. * * *

стр. 5475

الفصل الخامس في أنواع من الصرف المبحث الأول صرف النقود المغشوشة (كذهب مغشوش) بذهب خالص يلحق الذهب ومنه النقود ما يسمى بـ (الزيف) وهو وصف غالبًا ما يطلق على النقود المغشوشة من الذهب والفضة، وهو نوعان: أحدهما: الزيف الطبعي، وهو ما لا بد منه ليسهل عملية تحويل الذهب من سبائك إلى حلي أو نقود أو نحوهما، وذلك أن الذهب لما كان من المعادن المرنة، فإنه لا يمكن تحويله إلى أي مصوغات أخرى إلا إذا كان معه معدن آخر كالنحاس، أو الرصاص؛ ليكسبه صلابة، فيسهل تحويله، وتقل نسبة هذا الخلط بين القلة والكثرة، وتقاس نقاوة الذهب كمادة كيماوية على أساس (١٠٠٠/ ١٠٠٠) معادلًا ٢٤/ ٢٤، وهذا أجود عيار في الذهب. وإذا كانت نقاوته (٨٧٥ جزءًا من الألف ١٠٠٠) فإنه يعادل بـ (٢١) قيراطًا. وإذا كانت نقاوته (٨٣٣/ ١٠٠٠) فإنه يعادل بـ (٢٠) قيراطًا. وإذا كانت نقاوته (٧٥٠/ ١٠٠٠) فإنه يعادل بـ (١٨) قيراطًا. وإذا كانت نقاوته (٥٨٣/ ١٠٠٠) فإنه يعادل بـ (١٤) قيراطًا. وكلما زادت نسبة الخلط قلت نقاوة الذهب (١).

стр. 5476

النوع الثاني: أسباب غير طبيعية، وإنما الهدف منه مكاسب غير مشروعة، وهذا النوع محرم، ولا يجوز. والبحث إنما هو في النوع الأول منه، وهو ما كان التزييف منه بأسباب مشروعة، ومبادلة الذهب المغشوش بذهب خالص يدخل تحت مسألة تقدم ذكرها، وهي مسألة (مد عجوة ودرهم)؛ لأن حقيقته أنه أبدل ربويًا (وهو الذهب) بربوي من جنسه، ومع أحدهما شيء من غير جنسه، كالنحاس أو الرصاص. [م-١٢٣٠] وقد اتفق الفقهاء على جواز صرف النقود المغشوشة عند اتحاد الجنس إذا كان الغش يسيرًا لا يقصد، وضبطوا اليسير: بما لا يؤثر في الوزن ولا القيمة، وذلك بكونه لا يخلص بالسبك، نص على ذلك بعض المالكية، والشافعية، وبه قال ابن عابدين من الحنفية، وقال: «لم أره لأصحابنا لكن رأيته للشافعية، وقواعدنا شاهدة به، فتأمل». وذلك لأن اليسير جدًا ملحق بالعدم، ولا يمكن يخلو منه نقد (١). وقد تكلمنا على ذلك بشيء من التفصيل عند الكلام على بيع السيف المموه بالذهب بذهب، فأغنى عن إعادته هنا. وأما إذا كان الغش له تأثير في الوزن، فقد اختلف العلماء في حكمه: القول الأول: ذهب الحنفية إلى أن الغش في النقود لا يخلو من ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يباع النقد المغشوش بنقد مغشوش، وفي هذه الحالة يجوز بيعه متساويًا ومتفاضلًا.

стр. 5477

وجهه: أن يصرف الجنس إلى خلاف الجنس، بحيث نجعل الفضة في مقابلة المغشوش، ولا نجعل الفضة في مقابلة الفضة؛ وذلك لأن المقابلة المطلقة تحتمل مقابلة الجنس بالجنس، وتحتمل مقابلة الجنس بخلاف الجنس؛ لأن كل ذلك مقابلة للجملة بالجملة، وحمله على الاحتمال الأول يقتضي فساد العقد، وحمله على ا لثاني يقتضي صحته، فالحمل على ما فيه الصحة أولى، بناء على قاعدة أصلية إجماعية، وهي أنه مهما أمكن أن يصحح تصرف المسلم العاقل فلا بد من تصحيحه. ترجيحًا لجهة الجواز على جهة الفساد؛ لإحسان الظن بالمسلم (١). وقد ناقشت هذا الدليل في مسألة (بيع الربوي بجنسه ومعه أو معهما من غير جنسه». الحالة الثانية: أن يباع النقد المغشوش بنقد خالص، وهذا له ثلاث صور: الصورة الأولى: أن يكون النقد هو الغالب، بأن يكون النقد هو الثلثين، والغش هو الثلث مثلًا، فحكمها حكم الخالصة، لا يجوز بيعه بنقد خالص إلا مع تماثل النقدين، ولا يعتبر الغش في هذه الحالة لكونه يسيرًا. وجهه: أن الأصل في الأحكام الشرعية الاعتبار بالغالب، والمغلوب له حكم

стр. 5478

المستهلك، ولأن الجيدة منها لا تخلو من قليل غش إذا لا تنطبع بدونه، فلا يمكن التحرز منه (١). الصورة الثانية: أن يكون الغش هو الغالب، والنقد أقل منه: فإن كان النقد لا يخلص عن طريق الإذابة والسبك، فإن حكمها حكم النحاس الخالص؛ لأن الفضة إذا كانت مستهلكة يكون حكمها حكم العدم. ولأن النقد ما دام أنه ليس له عين قائمة فهو في حكم العدم، وفي حكم بيع البيت المموه بذهب بذهب مع التفاضل، وقد أجازه ابن قدامة بالإجماع (٢). وإن كان النقد يخلص عن طريق الإذابة، فيعتبران كأنهما جنسان منفصلان، ولا يجعل أحدهما تبعًا للآخر، وفي هذه الحالة لا يجوز بيعه بنقد خالص من جنسه إلا إذا كان النقد الخالص أكثر من الذي معه غيره، حتى يكون صرف النقد بما يماثله من النقد الخالص، وما زاد من النقد ا لخالص يقابل المادة المغشوشة في النقد المغشوش، تمامًا كما قلنا: في بيع الحلي بالذهب، وفي مسألة مد عجوة. وأخذ بهذا القول ابن تيمية من الحنابلة، حيث أجاز بيع الخالص بالمغشوش إن كان الغش يسيرًا، وكذلك إذا كان النقد الخالص أكثر من النقد المغشوش بحيث يقابل الغش بالزيادة. أما إذا كان المغشوش أكثر من الخالص فهذا لا يجوز باتفاق المسلمين، قاله ابن تيمية (٣).

стр. 5479

وأدلة ابن تيمية وأدلة الحنفية هي الأدلة نفسها التي ذكرناها في مسألة (مد عجوة ودرهم)، لأن حقيقته مبادلة ربوي بجنسه، ومع أحدهما من غير جنسه. وأما متأخرو الحنفية، وهم مشايخ ما وراء النهر فقالوا: الدراهم المضروبة التي غالبها الغش يجب أن تعامل معاملة الخالصة في بابي الربا والصرف، فلا يجوز فيها التفاضل (١). الصورة الثالثة: أن يكون الغش والنقد متساويين، فلم يقطع محمد بن الحسن الجواب فيه في الجامع، ولكنه بناه على قول الصيارفة، فألحقه بالقسم الأول؛ لأن ا لصيارفة يقولون: إن الفضة لا تتميز إلا إذا احترق الصفر؛ لأنه أسرع ذهابًا منها، فوجوده كعدمه (٢).

стр. 5480

وفيه قول آخر، ذهب إليه صاحب كنز الدقائق: أن الغش والنقد إذا تساويا فحكمه كغالب الفضة في التبايع والاستقراض، وفي الصرف كغالب الغش (١). قال الزيلعي في بيان ذلك: «يعني الذي استوى غشه وفضته، أو غشه وذهبه، حكمه في التبايع والاستقراض كحكم الدراهم التي غلب عليها الفضة، حتى لا يجوز البيع بها، ولا إقراضها إلا بالوزن، بمنزلة الدراهم الرديئة؛ لأن الفضة موجودة فيها حقيقة، ولم تصر مغلوبة فيجب اعتبارها بالوزن شرعًا، كالحنطة في سنبلها، إلا أن يشير إليها في المبايعة فيكون بيانًا لقدرها، ووصفها كما لو أشار إلى الدراهم الجيدة، ولا ينتقض العقد بهلاكها قبل التسليم، ويعطيه مثلها؛ لأنها ثمن فلم تتعين. وفي الصرف حكمه كحكم فضة غلب عليها الغش، حتى إذا باعها بجنسها جاز على وجه الاعتبار، ولو باعها بالفضة الخالصة لا يجوز حتى تكون الخالصة أكثر مما فيه من الفضة؛ لأنه لا غلبة لأحدهما على الآخر، فيجب اعتبارهما .. » (٢). هذا ملخص مذهب الحنفية مع أدلته. القول الثاني: أجاز المالكية بالاتفاق بيع النقود المغشوشة بالخالصة إذا كانت تلك النقود رائجة، ويجري التعامل بها (٣). وإن كان لا يجري التعامل بها، فإن بيعت لمن يغش بها كان البيع ممنوعًا، وإن بيعت لمن لا يغش بها، كما لو كان يكسرها، ويجعلها حليًا أو غيره فاختلفوا في حكم بيعها.

стр. 5481

فقيل: يمنع مطلقًا، واختاره ابن رشد. وقيل: يجوز مطلقًا. وقيل: لا يجوز بيع المغشوش بالصافي، ويجوز بيعه بالمغشوش مطلقًا (١). القول الثالث: ذهب الشافعية إلى تحريم بيع المغشوش بمثله، أو بالصافي مطلقًا (٢). وأدلتهم هي الأدلة نفسها التي ذكروها في منع مسألة (مد عجوة ودرهم)، وقد ذكرتها تحت مبحث (بيع ربوي بجنسه، ومعهما أو مع أحدهما من غير جنسه، فأغنى عن إعادتها هنا. القول الرابع: ذهب الحنابلة إلى جواز بيع النقود المغشوشة بالمغشوشة من جنسها بشرط أن يتساوى ما فيهما من الغش، أو كان المعدن الذي حدث به الغش غير مقصود فيها، كالجنيهات الذهبية إذا خلطت بالنحاس أو الصفر؛ لأنها لا تخلو عن قليل غش، ووجود مقدار من الغش فيها غير مقصود، فلا يكون من قاعدة (مد عجوة) أما إذا تفاوت ما فيهما من الذهب ومن الغش، أو جهل مقدار كل فإنه لا يجوز بيع بعضها ببعض، للعلم بالتفاضل في الأولى، والجهل بالتماثل في الثاني (٣).

стр. 5482

الراجح من الخلاف: يختلف حكم الغش في النقود عن الغش في الذهب، فالغش في النقود إذا راجت وتعامل الناس بها أجرينا عليها أحكام الربا والصرف؛ لأنها نقود ثبتت فيها علة الثمنية، فيجب التقابض والتماثل إذا بيع بعضها ببعض من جنس واحد، ويجب التقابض إذا بيعت بنقود من غير جنسها. وأما الذهب غير النقود إذا دخله غش، فأرى أن الغش إن كان يسيرًا فلا حكم له، وإن كان كثيرًا طبق عليه حكم مسألة (مد عجوة ودرهم) فإن كان الذهب الخالص أكثر من الذهب المغشوش، وكان ما زاد يساوي في قيمته العين المضافة أو قريبًا منه، جاز، وإن كان الذهب الخالص يساوي الذهب المغشوش، أو كان أقل منه لم يجز، والله أعلم. * * *

стр. 5483

المبحث الثاني في كساد الأثمان وانقطاعها [م-١٢٣١] إذا اشترى الرجل سلعة بفلوس نافقة، ثم كسدت قبل تسلمها (١)، فهل ينفسخ العقد؟ فقيل: إن كان النقد وجب ثمنًا لبيع، فإن العقد ينفسخ، وإن كان النقد واجبًا عن قرض فيجب عليه مثله، حتى إن كان كاسدًا لتعلقه بالذمة بعينه. وهذا رأي أبي حنيفة رحمه الله تعالى (٢). وقيل: لا ينفسخ، والبائع بالخيار، إن شاء فسخ، وإن شاء أخذ قيمة الفلوس، وهذا رأي أبي يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية (٣).

стр. 5484

وقيل: يجب رد المثل ما دامت الفلوس موجودة، ولو رخصت أو غلت، فإن عدمت بالكلية فله قيمتها، وهو المعتمد في مذهب المالكية (١)، ومذهب الحنابلة (٢). وقيل: يجب على المدين عند الكساد أو الانقطاع المثل، وليس للدائن سواه، ولا يثبت للبائع الخيار في الفسخ، ويعتبر الكساد أو الانقطاع كجائحة نزلت به، وهو مذهب المدونة، وما أفتى به ابن رشد (٣)، وعليه جمهور الشافعية (٤). وقيل: إن رخصت فليس له إلا مثلها، وإن منع السلطان التعامل بها وجب رد القيمة، وهذا مذهب الحنابلة. هذه الأقوال في المسألة، وقد ذكرنا أدلتهم في المجلد السابع، في مسألة: (انفساخ البيع بسبب كساد الثمن). * * *

стр. 5485

المبحث الثالث في صرف ما ثبت في الذمة الفرع الأول أن يكون أحد العوضين في الذمة والآخر عينًا قال ابن رشد: ما في الذمة كالعين الحاضرة (١). وجاء في المغني: الثابت في الذمة بمنزلة المقبوض (٢). [م-١٢٣٢] إذا كان لأحد العاقدين دينًا على الآخر كما لو كان عليه دين بالريال السعودي، فيقضيه دولارات حاضرة، أو العكس، ويتم التقابض بينهما في المجلس، فما حكم صرف ما ثبت في الذمة؟ اختلف العلماء في صحة هذا الصرف. فقيل: يصح مطلقًا، سواء أكان الدين حالًا أم لا، وهو مذهب الحنفية (٣)، والشافعية (٤)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٥).

стр. 5486

وقيل: لا يصح مطلقًا، وهو اختيار ابن حزم (١)، وهذا عكس القول الأول. وقيل: إن كان الدين حالًا فيصح الصرف، وإن كان الدين لم يحل لم يصح، وهذا مذهب المالكية (٢). وقيل: إن صارفه بعشرة مطلقة، ثم تقاصا فلا يجوز، وإن صارفه على ما في ذمته مباشرة جاز، وهو قول زفر (٣). دليل من قال: يصح مطلقًا: الدليل الأول: (ح-٨٣٤) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير. عن ابن عمر، قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم، وآخذ الدنانير، فأتيت رسول الله ﷺ ، وهو يريد أن يدخل بيت حفصة، فقلت: يا رسول الله إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم، وآخذ الدنانير، فقال رسول الله ﷺ : لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا، وبينكما شيء (٤).

стр. 5487

[اختلف في رفعه ووقفه، ورجح شعبة والدارقطني وقفه] (١). وجه الاستدلال: في الحديث إن صح مرفوعًا، أو في الأثر إن كان الأصح وقفه دليل على جواز صرف ما في الذمة مطلقًا حيث لم يفرق النص بين كون البيع حالًا، أو مؤجلًا، ولو كان هناك فرق لجاء مبينًا في الحديث أو في الأثر. الدليل الثاني: أن ما في الذمة بمنزلة المقبوض، فإن كان حالًا فهو واضح، وإن كان مؤجلًا فهو قد رضي بتعجيل المؤجل، وهذا لا يؤثر في صحة الصرف. ولأن المانع من بيع الدين، هو خوف العجز عن التسليم، ولا مانع هنا؛ لأن ما في ذمة المدين مقبوض له، فإذا دفع ثمنه للدائن، كان ذلك بيع مقبوض بمقبوض، وهو جائز شرعًا، خاصة أن القبض لم يرد له في الشرع حد معين، وإنما مرد ذلك إلى العادة والعرف. الدليل الثالث: أن غاية ما في المسألة أن يكون ذلك من قبيل بيع الدين على من هو عليه، ولا حرج في ذلك، وإنما الحرج في بيع الدين بدين على غير من هو عليه. وقد سبق أن ذكرت أدلة جواز بيع الدين على من هو عليه، فأغنى عن إعادتها هنا. دليل من قال: يجوز إن كان الدين حالًا: أن من عجل ما حقه التأجيل يعتبر مسلفًا، فيجتمع سلف وصرف، وهذا ممنوع (٢).

стр. 5488

وبعضهم يوجه المنع: أن المؤجل لا يتعجل ولو قبضه، وبناء عليه لا يوصف بأنه قبضه إلا بعد مضي أجله، فيقتضيه من نفسه، ويكون بذلك قد تأخر قبضه عن صرفه، وهذا ممتنع (١). وهذا توجيه فيه بعد، إذ كيف يقبض المؤجل، ويقال: لا يستحق قبضه إلا بعد مضي أجله، فإذا حل الأجل استحق القبض، فيقبضه من نفسه، ويكون قبضه للمعجل كما لو لم يقبضه؟! وجه من قال: لا يجوز صرف ما في الذمة: (ح-٨٣٥) ما رواه مسلم من طريق أبي الأشعث، عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ : الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، ....... مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد (٢). (ح-٨٣٦) ولما رواه البخاري من طريق مالك، عن نافع. عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلًا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبا بناجز. ورواه مسلم (٣). وجه الاستدلال: أن الواجب في صرف الأثمان أن تكون يدًا بيد،

стр. 5489

لقوله ﷺ : يدًا بيد، ولقوله ﷺ : ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز، وصرف ما في الذمة ليس يدًا بيد، بل أحدهما غائب فلا يجوز. ويناقش: بأننا سبق أن دللنا على أن ما في الذمة في حكم المقبوض. وجه من قال: إن تصارفا، ثم تقاصا لم يجز: قال زفر: أنه إن صارفه وأطلق، ثم تقاصا فلا يصح لأن الذي وجب عليه بالصرف غير الذي كان عليه، والذي وجب بالصرف دين يجب تعيينه بالقبض، احترازًا عن الربا، والتصرف فيه قبل تعيينه بالقبض لا يجوز، وبالمقاصة يفوت القبض الواجب حقيقة، بدليل أن المقاصة لا تقع في نفس العقد، ولهذا لم تصح. وأما إذا صارفه على ما في ذمته فإن المقاصة تقع بنفس العقد، فالذي وجب عليه بالصرف هو نفس الذي كان عليه، فتصح المقاصة (١). الراجح: بعد استعراض الأدلة أجد أن القول بالجواز هو القول الصحيح، لقوة أدلته، والله أعلم. * * *

стр. 5490

الفرع الثاني أن يكون كل من بدلي الصرف دينًا ثابتًا في الذمة جاء في المغني: الذمة الحاضرة كالعين الحاضرة (١). وقال ابن عبد البر: الذمة تقوم مقام العين الحاضرة ... وقال: الدين في الذمة كالمقبوض (٢). وقال أيضًا: إذا اجتمع المتصارفان فالذمم كالعين إذا لم يتفرقا (٣). [م-١٢٣٣] إذا كان لرجل في ذمة آخر دنانير، وللآخر عليه دراهم، فاصطرفا ما في ذمتيهما، فهل يصح الصرف، ويقوم القبض السابق مقام القبض اللاحق، ويغني القبض السابق عن وجوب القبض اللاحق؟ في هذه المسألة خلاف بين العلماء: فذهب الحنفية والمالكية، والسبكي من الشافعية، وابن تيمية من الحنابلة إلى صحة الصرف من غير حاجة إلى قبض جديد (٤)، إلا أن المالكية في المذهب

стр. 5491

المشهور عندهم اشترطوا أن يكون الدينان قد حلا معًا، وفي قول عندهم يجوز مطلقًا (١). وحجتهم: أولًا: أن ما في الذمة بحكم المقبوض، وأن الذمة الحاضرة كالعين الحاضرة، وبأن الدين في الذمة كالمقبوض، فأغنى ذلك عن إحضار كلا البدلين أو أحدهما في مجلس العقد. وقيل: لا يجوز، وهو مذهب الشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وقول في مذهب المالكية (٤).

стр. 5492

(ح-٨٣٧) واستدلوا بما رواه الشيخان من طريق مالك، عن نافع. عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلًا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز (١). وجه الاستدلال: قوله ﷺ (ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز)، فإذا كان النهي قد ثبت عن بيع الغائب بالناجز، فالغائب بالغائب أحرى أن لا يجوز. ولأن هذا من باب بيع الدين بالدين، وهو غير جائز. الراجح: الراجح فيما ظهر لي هو القول الأول؛ لأن ما في الذمة بحكم الحاضر، والنهي عن بيع الدين بالدين سبق بحثه، وقد بينت أن هناك صورًا من بيع الدين جائزة، منها بيع الدين على من هو عليه كما في هذه المسألة. * * *

стр. 5493

المبحث الرابع المصارفة بالوديعة الفرع الأول المصارفة في الوديعة غير المصرفية جاء في الموسوعة الكويتية: «القبض الحكمي عند الفقهاء يقوم مقام القبض الحقيقي» (١)، فالقبض الحسي أولى أن يقوم مقامه. [م-١٢٣٤] تختلف الوديعة المطلقة عن الوديعة المصرفية، فالوديعة المطلقة: هي أمانة في يد المودَع، وأما ما يسمى بالوديعة المصرفية فإن هناك خلافًا بين الفقهاء في تكييفها، والراجح أنها قرض؛ لأن الوديعة إذا أذن صاحبها بالتصرف فيها فقد تحولت إلى قرض مضمون على من هي في يده، وسيأتي إن شاء الله تعالى تخصيص فصل في كلام أهل العلم بالتفصيل حول تكييف الوديعة المصرفية. فإذا أودع رجل آخر مبلغًا من الريالات، ثم صارفه بها دولارات، وقبض الدولارات دون أن تكون الوديعة حاضرة، ودون أن يجدد قبضًا للوديعة، فهل يعتبر المصارفة صحيحة، ويعتبر قبض الوديعة يقوم مقام القبض المستحق في عقد المصارفة، أو أن الوديعة لما لم تكن مضمونة، وكان حق صاحب الوديعة متعلقًا بعين الوديعة، ولم يتعلق حقه بذمة المودَع، لم تكن المصارفة لما في الذمة، وبالتالي لا تصح المصارفة مع غياب عينها، في ذلك خلاف بين الفقهاء:

стр. 5494

فقيل: الصرف لا يجوز، وهذا مذهب الحنفية (١)، والمشهور في مذهب المالكية (٢)، ومذهب الشافعية (٣). وقيل: يصح الصرف، وهو قول في مذهب المالكية (٤)، والمذهب عند الحنابلة (٥). دليل الحنفية على بطلان الصرف إذا لم يجدد القبض: استدلال الحنفية مبني على تقسيمهم القبض إلى قسمين: قبض ضمان، وقبض أمانة. فقبض الضمان: هو: ما كان فيه القابض مسئولًا عن المقبوض تجاه غيره، فيضمنه إذا هلك عنده، ولو بآفة سماوية. كالمغصوب في يد غاصبه، والمبيع في يد مشتريه.

стр. 5495

وقبض أمانة: وهو: ما كان فيه القابض غير مسئول عن المقبوض إلا بالتعدي، أو التقصير في الحفظ. ويرى الحنفية أن قبض الضمان أقوى من قبض الأمانة. والقبض في الوديعة هو قبض أمانة، والقبض المستحق بالصرف هو قبض ضمان، وقبض الأمانة لا ينوب عنه؛ لأنه دونه، فلا بد من تجديد القبض، فإذا افترقا قبل تجديد القبض، أو كانت الوديعة ليست حاضرة بطل الصرف. واستدل غيرهم: بأنه لما كان حق المودع بكسر الدال متعلقًا بعين الوديعة ولم يتعلق حقه بذمة المودَع، لم تقع المصارفة على ما في ذمة المودع حتى يقال: إن ما في الذمة بحكم العين الحاضرة، أو بحكم المقبوض، وإنما وقعت المصارفة على عين الوديعة، وهي غائبة عن مجلس العقد، فكانت حقيقة المصارفة: صرف عين غائبة بعين حاضرة، وهذا لا يجوز في الصرف. يقول الباجي: «لأن حق المودع متعلق بعين ماله، ولم يتعلق بذمة الشخص المودع، فلا يجوز أن يصارف به إلا عند حضوره» (١). دليل من قال بصحة الصرف في الوديعة: أن المطلوب من القبض ليس الضمان، وإنما المطلوب من القبض أن تكون تحت يده، ويتمكن من التصرف فيها، والوديعة حقيقة في يد المودع، وتحت تصرفه، ولذلك لو تعدى في حفظها وقصر لضمن الوديعة مما يدل على أنها تحت يده، وإذا كان القبض الحكمي كالقيد المصرفي ينوب مناب القبض الحقيقي مع أنه لا يوجد تقابض في اليد، فقبض الوديعة أولى بالاعتبار؛ لأن

стр. 5496

قبض الوديعة قبض حقيقي وليس حكميًا وإذا كان الشأن كذلك فإن الصرف صحيح، وقد تحقق شرط الصرف من وجود التقابض من الطرفين، حيث لم يتفرقا إلا وكل واحد منهما في يده وتحت تصرفه بدل الصرف. * * *

стр. 5497

الفرع الثاني المصارفة في الوديعة المصرفية عرفنا في المسألة السابقة حكم المصارفة في الوديعة المطلقة غير المصرفية، فهل يختلف الحكم في الوديعة المصرفية؟ قبل الجواب على ذلك: نبين الفرق بين الوديعة المطلقة والوديعة المصرفية: الوديعة المطلقة: أمانة في يد صاحبها، لا يتصرف بها، ولا يخلطها بماله، ويقبضها لمصلحة صاحبها فقط. الوديعة المصرفية: يملكها المصرف، ويتصرف بها، ويتاجر، ويخلطها بماله، ويقبضها لمصلحته هو. الوديعة المطلقة: إذا تلفت من غير تعد ولا تفريط لا يضمنها المودَع. الوديعة المصرفية: مضمونة على المصرف حتى ولو تلفت بآفة سماوية، ولوجود هذا الفرق بين الوديعة المصرفية والوديعة الفقهية يذهب كثير من الباحثين إلى تكييف الوديعة المصرفية على أنها قرض، وهو الصحيح. [ن-٦٧] إذا عرفنا ذلك فما حكم المصارفة بالوديعة المصرفية؟ أما من أجاز المصارفة بالوديعة المطلقة كالحنابلة (١)، وقول في مذهب المالكية (٢)، فهو سيجيز المصارفة بالوديعة المصرفية، إما لأنها من جنسها، أو لأنها من باب أولى.

стр. 5498

وأما من منع المصارفة بالوديعة المطلقة كالحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، فينبغي أن يقول بالجواز بالوديعة المصرفية؛ لأن تعليل الحنفية للمنع: هو عدم ضمان الوديعة، لأن القبض في الوديعة المطلقة هو قبض أمانة، والقبض المستحق بالصرف هو قبض ضمان، وقبض الأمانة أضعف من قبض الضمان، فلا ينوب الأضعف عن الأقوى، فإذا علم أن قبض المصرف لما يسمى بالوديعة المصرفية هو قبض ضمان، اقتضى ذلك جواز الصرف عندهم. وكذلك تعليل المالكية بالمنع من المصارفة بالوديعة المطلقة يقتضي جواز المصارفة بالوديعة المصرفية؛ لأن تعليل المالكية أن حق صاحب الوديعة متعلق بعين الوديعة ولم يتعلق حقه بذمة المودَع، فلم تقع المصارفة على ما في ذمة المودَع حتى يقال: إن ما في الذمة بحكم العين الحاضرة، أو بحكم المقبوض، وإنما وقعت المصارفة على عين الوديعة، وهي غائبة عن مجلس العقد، فإذا علم أن حق المودِع في الوديعة المصرفية متعلق بذمة المودَع، اقتضى ذلك جواز الصرف عندهم. فالتعاليل التي احتج بها الفقهاء لمنع المصارفة بالوديعة، هي غياب الوديعة، أو عدم ضمانها من قبل المودع، والوديعة المصرفيه مضمونة على المصرف. نعم يتنزل الخلاف فيها كالخلاف في المصارفة على ما في الذمة، وقد سبق بحث هذه المسألة، والحمد لله وبيان الخلاف فيها، والراجح من الخلاف، فأغنى عن تكراره. والله أعلم. * * *

стр. 5499

المبحث الخامس الصرف عن طريق القيد في حساب العميل قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: « .... كل عقد اشترط له القبض، فالقبض راجع إلى العرف» (١). في قرارات ا لمجامع الفقهية: أن القيد المصرفي قبض حكمي يقوم مقام القبض الحقيقي (٢). اتحاد يد القابض والمقبض لا يمنع صحة القبض. [ن-٦٨] إذا قام الرجل ودفع للمصرف مبلغًا من النقود بالريال السعودي، على أن يقيده لحسابه الخاص بالدولار، ويعطيه إيصالًا بذلك دون أن يقبض الدولارات قبضًا حقيقيًا، فهل يعتبر هذا القيد المصرفي كاف في حصول القبض، وهل يغني هذا القبض الحكمي عن القبض الحقيقي؟ في ذلك خلاف بين أهل الفقهاء المعاصرين: فقيل: القيد المصرفي يقوم مقام القبض الحقيقي، وبه أخذ أكثرية المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي (٣)، ومجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي (٤)، وعليه أكثر الباحثين في هذا العصر (٥).

стр. 5500

وقيل: الواجب القبض الحقيقي، ولا يكفي القيد المصرفي في حصول القبض الواجب شرعًا، وهذا رأي شيخنا محمد بن عثيمين ﵀ (١). دليل من قال: يكتفى بالقيد المصرفي في قبض الصرف: الدليل الأول: أن القبض مرده إلى العرف، قال السيوطي: «كل ما ورد به الشرع مطلقًا، ولا ضابط له فيه، ولا في اللغة يرجع فيه إلى العرف، ومثلوا له بالحرز في السرقة، والتفرق في البيع، والقبض ... » (٢). وقال ابن قدامة: «القبض مطلق في الشرع، فيجب الرجوع فيه إلى العرف» (٣). وقال ابن تيمية: «المرجع في القبض إلى عرف الناس وعاداتهم من غير حد يستوي فيه جميع الناس في جميع الأحوال والأوقات» (٤).
следующие страницы →