← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.

стр. 5636

المطلب الثالث الموقف من فوائد الودائع غير المشروطة التصرف فرع الملك، قال الرحيباني: من ملك شيئًا ملك التصرف فيه (١). لا تترك الفوائد المحرمة لأصحابها. قال القرافي: لا يجمع له بين العوض والمعوض (٢). [ن-٨٠] تكلمت في المبحث السابق على الخلاف في الفوائد غير المشروطة إذا أعطيت للمودع، وذكرت الشروط في جواز أخذ هذه الزيادة، وعلى القول بأنه لا يجوز أخذها مطلقًا حتى ولو تحققت تلك الشروط فما هو الموقف الفقهي من هذه الزيادة، هل يدعها للبنك، أو يأخذها ويتخلص منها بإنفاقها على وجوه الخير؟ وهل يختلف الحكم بين البنوك الربوية في بلاد المسلمين عنها في بلاد الغرب، والتي قد تستفيد من هذه الزيادة إما في دعم اقتصاديات هي محاربة للمسلمين، أو في صرف هذه الزيادة على المبشرين، وأعداء الإسلام. في المسألة خلاف بين العلماء. فقيل: يحرم أخذ فوائد الودائع مطلقًا، وهذا هو رأي شيخنا محمد ابن عثيمين يرحمه الله، وبه أفتى الشيخ جاد الحق علي جاد الحق، والشيخ أحمد هريدي من الأزهر الشريف (٣).

стр. 5637

وقيل: إن كان قبضها وهو يعلم حكم الله فيها فيجب صرفها في وجوه الخير، وإن كان لم يقبضها فليس له إلا رأس ماله، وهو أحد القولين عن الشيخ عبد العزيز بن باز يرحمه الله (١). وقيل: يأخذها ويتخلص منها بإنفاقها على المضطرين، وعلى وجوه البر العامة، وهو القول الثاني لسماحة الشيخ ابن باز (٢)، والشيخ عبد الله ابن جبرين (٣)، واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (٤)،وبه صدرت الفتوى من قطاع الإفتاء والبحوث الشرعية في وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية في دولة الكويت (٥). دليل من قال: لا يجوز: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَاا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٨ - ٢٧٩].

стр. 5638

الدليل الثاني: قال ﷺ كما في حديث جابر الطويل في صفة حجة النبي ﷺ ، وفيه: (ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ..... وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا، ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله) (١). وجه الاستدلال: أن الرسول وضع الربا الذي كان معقودا في الجاهلية قبل تقرر الأحكام في الإسلام، فما بالك بربا حصل بعد تقرر الأحكام في الإسلام؟! الدليل الثالث: منع المسلمين من أخذ تلك الزيادة سوف يضطرهم إلى أن يبحثوا عن مصارف إسلامية وبنوك إسلامية يستغنون بها عن هذه البنوك الربوية؛ لأن الأزمات والحاجات والضرورات لا بد أن تبرز شيئا ما، فإذا قيل للناس: هذا الربا الذي تدعون أنه فوائد لا يحل لكم، وأنتم إذا أخذتموه فقد أكلتم الربا حين أكلتموه، وإن تصدقتم به تقربًا إلى الله لم يقبل منكم، وإن تصدقتم به تخلصًا منه، فما الفائدة من أن يلوث الإنسان يده بالنجاسة ثم يذهب ليغسلها. فنقول: إنه إذا منع هذا، فإنه لا شك أنه سيكون سببًا لكون الناس يبحثون عن مصادر إسلامية، ويكونون بنوكا إسلامية يستغنون بها عن هذه البنوك الربوية، ولذلك لما منع الفقهاء التعامل مع البنوك الربوية، ولم يستسلموا للضغوط أنتج هذا أن توجه المسلمون إلى إنشاء مصارف إسلامية تزاحم المصارف الربوية، بل

стр. 5639

إن المصارف الربوية بدأت بالتآكل حيث أخذت تتحول إلى مصارف إسلامية حرصًا على مراعاة المسلمين لكسب أموالهم (١). تعليل من قال بالجواز: التعليل الأول: أن معاملات البنك قائمة على الاقتراض من العملاء بفائدة، وإقراضها عملاء آخرين بفائدة أعلى، والفارق بين الزيادتين هو كسب البنك، فترك الزيادة للبنك يعني أن يرابي بها البنك مع عميل آخر، ويتقوى بها على معاملاته المحرمة. ويناقش: هذه الزيادة لا بد من معرفة من يملكها أولًا، لننظر في جواز التصرف فيها، لأن التصرف هو فرع عن الملك، فمن يملك الشيء يملك التصرف فيه، فإذا رأينا أن عقد القرض هو من عقود التمليك، والمال الذي اقترضه البنك قد ملكه البنك بمقتضى عقد القرض، ونماؤه من حرام أو حلال هو من كسب البنك وفعله محسوب عليه، ولذلك لو كان نماء هذا المال حلالًا لم يجز الاعتداء عليه، فإذا تركت هذه الزيادة فأنت لم تترك مالك للبنك لكي يقرضه شخصًا آخر، وإنما تركت مال البنك الحرام للبنك، فلا تسأل عنه شرعًا، وإذا أخذته

стр. 5640

فقد أخذت ما لا يحل لك أخذه، وإذا كان لا يحل لك أخذه لم يحل لك التصرف فيه، ومنه إنفاقه في وجوه الخير. ورد هذا: بأن الوديعة الجارية مع الفائدة لا يمكن أن يقال عنها إنها عقد قرض؛ لأن القرض من عقود الإرفاق والإحسان، وإنما هي من عقود المعاوضات، وإذا كان العقد كذلك كانت الزيادة تبعًا للمال، وليست منفصلة عنه. وأجيب: بأن المسألة مفروضة في فوائد غير مشروطة بين البنك وبين المودع، فيبقى العقد فيها لم يخرج عن القرض، أما إذا كانت الفوائد مشروطة فإن العقد يخرج عن عقود الإرفاق إلى عقود المعاوضات، وحينئذ يكون العقد من أساسه عقدًا باطلًا، والعقد الباطل يجب فسخه، وفسخه يكون برد رأس المال إلى صاحبه دون زيادة، ولا يجوز بحال أخذ الزيادة؛ لأن ما ترتب على الباطل فهو باطل. التعليل الثاني: أن ترك الزيادة للبنك يعني أن نجمع للبنك بين العقد المحرم وبين عوضه، ونكون بذلك قد كافأنا البنك على معصيته. ويجاب: الجزم بأن هذه الزيادة هي عوض المال المودع لا دليل عليه، لأن البنك ملتزم بدفع هذه الزيادة مطلقًا سواء ربح المال أو خسر، فقد يكون البنك قد تصرف في هذه الوديعة في الوجوه المشروعة، وهي كثيرة، وربما أبقى المال في الخزانة كجزء من المال الاحتياطي لتيسير معاملاته اليومية، وإجابة طلبات أصحاب الودائع الجارية، وربما تأخر استثمارها في القروض المحرمة، وإذا

стр. 5641

قام هذا الاحتمال لم يمكن الجزم بأن هذه الزيادة هي عوض مال الوديعة حتى يقال: لا يجمع للبنك بين العقد المحرم وبين عوضه، وعلى التنزل أن تكون هذه الزيادة جاءت من مال المودع، فهي جاءت بعد تملك البنك لهذا المال، وردها يجب أن يكون ممن أخذت منه هذه الزيادة، وهو المقترض من البنك، فإذا ردت للمودع فقد ردت لغير صاحبها، فلا يعالج التعدي بتعد آخر. التعليل الثالث: أن قوانين البنوك في البلاد الأجنبية أن المال الذي يتركه صاحبه يصرف على المؤسسات التبشيرية، وبناء الكنائس فيحارب الإسلام بأموال أهله، ويُنَصَّر به أولاد المسلمين في البلاد الفقيرة، ويدعم به اقتصاد تلك البلاد والتي في غالبها هي بلاد محاربة للإسلام وأهله. ويجاب: بأن هذه القوانين إنما هو في المال الذي يتركه صاحبه، وسبق لنا التدليل على أن هذه الزيادة هي ملك للبنك، وليست ملكًا للمقرض، وإذا كانت ليست ملكًا للمودِع لم يصح أن يقال: يحارب الإسلام بأموال أهله، واعتقاد البنك بأن الزيادة حق للمقرض لا يغير من الحكم الشرعي، وأن المقرض لا يملك إلا المال الذي أقرضه فقط. والله أعلم. الراجح: القول بتحريم أخذ الزيادة على القرض أقوى من القول بالجواز، وإذا كان أخذها من البنك جائزًا فيجب أن يكون من باب التعزير للبنك، وهو مبني على القول بجواز التعزير بالمال، وهي مسألة خلافية، وقد سبق بحثها والكلام فيها وحتى على القول بجواز أخذ هذه الزيادة من باب التعزير فإنه لا يسلم من

стр. 5642

إشكال؛ لأن السؤال: من الذي يتولى التعزير، هل هو المودِع، وقد أودع في البنك دون إكراه، أو هو ولي الأمر في تلك البلاد، وأنظمة وقوانين تلك البلاد تسمح لممارسة مثل هذا النشاط. * * *

стр. 5643

الفرع الثاني الودائع الآجلة (الحسابات الاستثمارية) المسألة الأولى تعريف الودائع الآجلة الودائع الآجلة: هي المبالغ التي يودعها أصحابها في المصرف لأجل معين قد يكون سنة، أو ستة أشهر، أو ثلاثة شهور، ويحق للعميل سحب الفوائد أو الأرباح المتحققة إما شهريًا، أو على فترات دورية، أو في نهاية مدة الإيداع. وتختلف هذه الودائع عن الودائع الجارية في أن الهدف منها الربح والنماء، بخلاف الودائع الجارية التي تكون لأغراض الحفظ وتسوية المدفوعات. وتسمى هذه الودائع لدى البنوك الربوية (الحسابات لأجل) بينما تسمى في المصارف الإسلامية (حسابات الاستثمار) وسميت هذه الحسابات آجلة؛ لأن العميل لا يحق له سحب الوديعة أو جزء منها قبل حلول الأجل المتفق عليه بين العميل وبين البنك. وإذا حدث وطلب صاحب الودائع الآجلة سحب وديعته كلها أو بعضها قبل موعد الاستحقاق المتفق عليه فإن البنك له كامل الحق في الامتناع عن ذلك أو إجابة طلبه، وفي الغالب أن البنك يتنازل عن حقه في هذا الشأن حيث لا يمانع من رد الوديعة مقابل حرمان المودع من الفوائد نظرًا لعدم بقاء الوديعة إلى تاريخ الاستحقاق، وقد يقرض البنك المودع مبلغًا مساويًا لوديعته بضمان تلك الوديعة، وبفائدة أعلى من سعر فائدة الإيداع، ويترك المصرف للعميل حق اختيار أحد هذين الأمرين.

стр. 5644

[ن-٨١] خصائص الودائع الآجلة: (١) - تخلط أموال الودائع الآجلة مع أموال المساهمين باعتبار أن المساهمين في البنوك التقليدية هم مقترضون لهذه الأموال، وفي البنوك الإسلامية هم مضاربون مما يعني أن هذه الأموال لا تتمتع بكيان قانوني، أو ذمة مالية مستقلة كالصناديق الاستثمارية. (٢) - حدود الاشتراك في هذه الودائع مرتفعة جدًا، لأن المصارف تشترط ألا يقل المبلغ المودع عن حد معين، كما أن البنك يشترط أن يحتفظ بالوديعة مدة طويلة نسبيًا مما جعل هذه الودائع لا يقبل عليها صغار المودعين. (٣) - تحتسب الفائدة على الودائع الآجلة في المصارف الربوية من اليوم الأول للإيداع، إلا أن الفائدة قد تكون ثابتة غير متغيرة، وهي الحالة الغالبة فيستمر العمل بذلك المعدل من الفائدة بصرف النظر عن التغيرات التي تحدث في ذلك المعدل فيما بعد، وتستحق الفائدة في نهاية المدة، فإذا كان سعر الفائدة في يوم الإيداع ٦% وكانت الوديعة لمدة ستة أشهر، ثم انخفض السعر في السوق إلى ٤% لم يتأثر العميل بذلك، واستحق من البنك ٦%، وعكس ذلك صحيح، وقد تكون الفائدة متغيرة (معومة) تعتمد على معدل سعر الفائدة السائد في السوق، وما يستحقه العميل هو الفائدة الجارية أو معدل فائدة معتمد على الفائدة الجارية ويحسب على أساس يومي لمدة بقاء الوديعة، ويحدد البنك المركزي في كثير من البلدان سعر الفائدة على الودائع الآجلة إلا أن الاتجاه عالميًا هو نحو التحرر من القيود، وترك الأسعار تتحدد بتفاعل قوى العرض والطلب، بينما المصارف الإسلامية لا تدفع أية فوائد على هذه الودائع، وإنما تقوم بمشاركة صاحب المال باستثمارها في المشاريع المباحة ويشتركان معًا في الأرباح، ويتحملان معًا الخسارة، كما هو الشأن في عقد المضاربة.

стр. 5645

(٤) - لا يحمل العميل دفتر شيكات لعدم جواز السحب من أمواله قبل أجلها، فإذا حان الأجل، ورغب في السحب منها حولت إلى حسابه الجاري. (٥) - تعتبر الودائع الآجلة أداة توثيق إذ يحق لصاحبه أن يرهنه أو يرهن جزءًا منه لضمان وفائه بالتزاماته الواجبة أو التي تؤول إلى الوجوب للمصرف أو لمؤسسة أخرى. وتأتي أهمية هذا النوع من الودائع من كونها توفر استقرارًا أكبر لعمليات البنوك الربوية والإسلامية، إذ بإمكان البنك التصرف فيها وهو مطمئن من أن العميل لن يقوم بسحبها منه بشكل مفاجئ لهذا تمثل هذه الحسابات أهم الأرصدة التي ترتكز عليها البنوك، فهي أكبر مصدر مالي يمد البنوك الربوية ويساعدها على التوسع في منح الائتمان؛ لأنها منخفضة السيولة؛ إذ لا تتطلب توفير قدر من الاحتياطي النقدي، بخلاف الودائع الجارية التي تتطلب قدرًا أكبر من السيولة لمواجهة متطلبات السحب المستمر من قبل المودعين، ولذلك تتنافس البنوك للحصول على أكبر قدر من هذه الحسابات، ولإبقائها أكبر مدة ممكنة (١).

стр. 5646

المسألة الثانية أنواع الودائع الآجلة تنقسم الودائع الآجلة إلى ثلاثة أقسام: النوع الأول: ودائع ذات أجل ثابت معين. وتتميز هذه الودائع بأنها ثابتة لا يجوز السحب منها طوال المدة المتفق عليها، ويعطي البنك العميل وثيقة بالمبلغ المودع، وفي نهاية المدة المتفق عليها يقدم العميل الوثيقة إلى البنك، ويستلم المبلغ المدون فيها مضافًا إليه الفوائد عن المدة المذكورة. وتنقسم هذه الودائع الثابتة من حيث الحصول على فوائدها إلى ثلاثة أقسام: (أ) - الودائع ذات القيمة المتزايدة، وتصنف من فئة (أ). (ب) - الودائع ذات العائد جاري، وتصنف من فئة (ب). وهاتان الفئتان يتحصل أصحابها على فوائد مستحقة كل ستة أشهر، والفرق بين فئة (أ) وبين فئة (ب) أن الأولى لا يحصل صاحبها على فوائدها أولًا بأول، وتحسب الفائدة على أصل الوديعة وعلى فوائدها، بينما فئة (ب) يتحصل صاحبها على فوائدها كل ستة أشهر، وتظل قيمة الشهادة ثابتة كما هي إلى نهاية المدة، وتحسب الفوائد على أصل الوديعة أي المبلغ الأساسي فقط دون الفوائد. كما أن المبلغ المدفوع لفئة (أ) أكبر عادة من المبلغ المدفوع لفئة (ب)، ونسبة الفوائد الربوية المدفوعة على فئة (أ) أكبر من نسبة الفوائد المدفوعة على فئة (ب).

стр. 5647

(جـ) - الودائع ذات الجوائز وهذه الفئة لا يحصل أصحابها على فوائد دورية، ولا على فوائد في نهاية مدتها، والتي قد تصل إلى عشر سنوات أيضًا، وإنما يجري سحب علني بالقرعة على أرقام الشهادات، ويصرف لأصحاب الشهادة الفائزة جوائز سخية، وهذا النوع يجمع بين الربا والميسر، ويلجأ إلى هذه المجموعة كثير من الناس الذين لا يجدون إغراء في سعر الفائدة على المجموعتين (أ) و (ب) لضآلة مدخراتهم (١). النوع الثاني: الودائع بشرط الإخطار، وهي ودائع يكون لأصحابها حق استردادها دون انتظار أجل معين لكن بشرط إشعار المصرف بذلك قبل استردادها بمدة معينة. وتعطي المصارف الربوية فائدة أقل من الفائدة التي تعطيها للحسابات المقترنة بأجل ثابت ومحدد، لأن البنك يحتفظ بجزء كبير من هذه الحسابات على شكل سيولة نقدية لمواجهة السحوبات على هذا الحساب. وأما المصارف الإسلامية فلا تعطي على هذا النوع ولا على غيره أية فوائد مضمونة، وإنما تقوم باستثمار هذا النوع من الحساب بالاتفاق مع أصحابها على استثمارها بالمشاركة في ناتج الاستثمار إنْ غنمًا أو غرمًا إما مباشرة بواسطته، أو بدفعها إلى من يعمل فيها بإذن أصحابها، والأول يكون المصرف مضاربًا، والثاني يكون نائبًا أو وكيلًا عن صاحب الحساب (٢).

стр. 5648

النوع الثالث: الودائع الادخارية (حسابات التوفير والادخار). حسابات التوفير: أحد أنواع الودائع المصرفية، وقد عرفها بعضهم: بأنها «المبالغ التي يودعها أصحابها في المصرف، وينشئون بها حسابًا في دفتر خاص، توضح به إيداعات وسحوبات صاحبه، والعوائد المستحقة على هذه الودائع، وحدود السحب اليومي من الرصيد، ولا يمكن لصاحبه سحب كامل رصيده دفعة واحدة». وهذا النوع من الودائع يشبه الحساب الجاري من حيث إنه يمكن لصاحب الوديعة أن يسحب قدرًا منها متى شاء دون انتظار أجل معلوم، ويشبه الودائع الثابتة من حيث إنه لا يمكن سحب كاملها دفعة واحدة، ويرتبط افتتاح حساب التوفير بإصدار دفتر شخصي يسمى (دفتر التوفير) يسجل فيه المبالغ المودعة والمسحوبة، والعوائد المستحقة، والرصيد، والحد الأقصى للسحب إلى غير ذلك من معلومات ضرورية كما يدون عليه لائحة نظام التوفير، وهي لوائح وإن اختلفت فيما بين البنوك من حيث الشكل إلا أنها تتفق من حيث المضمون، ومن أبرز ملامح هذا النظام: (١) تخلط أموال المودعين إلى أموال المساهمين، بمعنى أن حساب التوفير ليس له كيان مستقل، ولا ذمة مالية منفصلة عن البنك، فميزانيته مدرجة ضمن ميزانية البنك. (٢) دفتر التوفير غير قابل للتحويل، أو التظهير، أو التداول، ولا يجوز السحب منه بشيكات، فالتعامل بهذا الدفتر يستلزم حضور العميل بنفسه أو وكيله إلى البنك. (٣) - صندوق التوفير قابل للسحب متى شاء المودع وفق نظام متفق عليه، لا يحق له سحب الرصيد كاملًا.

стр. 5649

(٤) - العوائد المحتسبة على حساب التوفير إما أن تكون على شكل فوائد كما في البنوك التجارية، حيث يضمن البنك الوديعة الادخارية وفائدة مقدرة محدودة وهذا من الربا الصريح المحرم شرعًا، أو على شكل أرباح كما في المصارف الإسلامية حيث لا ضمان لا لأصل الوديعة، ولا للعائد المتوقع منها. (٥) العوائد المحسوبة على ودائع التوفير أقل بكثير من تلك المحسوبة على الودائع الثابتة، وذلك بسبب حرية المودع بسحب ما شاء من حساب التوفير بخلاف الودائع الثابتة إلى أجل معين، ولذلك تحتاط البنوك في الاحتفاظ بنسبة محددة لا تدخل في الاستثمار لمواجهة طلبات السحب (١).

стр. 5650

المسألة الثالثة توصيف الودائع الآجلة الودائع الآجلة على اختلاف أنواعها لدى البنوك الربوية هي من الربا الصريح الجامع بين ربا الفضل وربا النسيئة. [ن-٨٢] يختلف توصيف الودائع الآجلة وحسابات التوفير في البنوك الربوية من توصيفها في المصارف الإسلامية تبعًا لاختلاف طبيعة العلاقة بين المصرف والعميل. ففي المصارف الإسلامية تكون العلاقة بين صاحب الوديعة وبين المصرف الإسلامي هو عقد مضاربة فصاحب الوديعة: هو رب المال. والمصرف الإسلامي: هو المضارب إن باشر العمل بنفسه، وإن لم يباشر العمل بنفسه بل دفع بمال المضاربة لعامل آخر، أصبحت المضاربة متعددة، وكان من حق المضارب (المصرف) أن يدفع المال إلى مضارب آخر بإذن رب بالمال. وإن شارك البنك بجزء من مال المساهمين تحول العقد إلى عقد شركة ومضاربة. ويختلف المصرف الإسلامي عن البنوك الربوية أن المصرف الإسلامي لا يدفع أية فوائد على هذه الودائع، وإنما يقوم بتشغيل واستثمار هذه الودائع بنفسه أو مع شركاء آخرين، ويحقق الأرباح نتيجة لذلك، ثم يقوم في نهاية مدة الإيداع بتوزيع العوائد المستحقة لأصحاب هذه الودائع طبقًا لما حققه البنك من أرباح بعد خصم المصاريف الإدارية المختلفة، وتكاليف المجهودات والدراسات التي يتحملها البنك في سبيل استثمار أموال المودعين من عملائه.

стр. 5651

وهو لا يضمن الأرباح ففي حالة عدم تحقق أرباح فإن العميل لا يحصل على أي عائد، كما لا يضمن رد أصل الودائع ففي حالة الخسارة فإن البنك لا يضمن رد قيمة الحساب الاستثماري بالكامل، ولكن يشارك صاحب الحساب في الخسائر التي تتعرض لها عمليات الاستثمار، وذلك انطلاقًا من قاعدة (الغنم بالغرم). وإذا كانت العلاقة بين المصرف الإسلامي والعميل عقد مضاربة فإن الأرباح التي يحصل عليها العميل هي أرباح مباحة إذا روعي في ذلك تطبيق شروط المضاربة. وأما العلاقة بين البنك التجاري (الربوي) وبين العميل فإنها علاقة قرض بفائدة مضمونة. وإذا كنا قد توصلنا في البحث السابق أن الودائع الجارية هي من باب القرض، وأشرنا إلى خلاف بعض الباحثين المعاصرين ممن ذهب إلى أنها وديعة حقيقية، وكانت الشبهة في ذلك أن المودع في الحسابات الجارية قد قصد الإيداع، ويملك استرداها في أي وقت يشاء، ولا يأخذ على ذلك أية فوائد، فإن الودائع لأجل على اختلاف أنواعها لدى ا لبنوك الربوية ينبغي ألا يكون فيها خلاف بأنها ليست وديعة حقيقية، فهي إما قروض بفائدة، أو بيع دارهم بدراهم مع التفاضل والنساء، وذلك أن صاحب المال حين سلمه للبنك لم يكن الهدف منه هو حفظ عينه، بل قصد النماء والربح، ولا يملك رده متى يشاء، لأن العقد مشتمل على اشتراط أجل صريح لا يحق لصاحب المال أن يسترده قبل حلول الأجل، ويأخذ على ذلك فوائد ربوية مضمونة بحسب طول الأجل وقصره بصرف النظر هل ربح البنك من الوديعة أو خسر، ويمتلك البنك إذنًا صريحًا بامتلاك هذا المال والتصرف فيه.

стр. 5652

لذلك فالفوائد التي تعطى على هذه الودائع هي من الربا الصريح الجامع بين ربا الفضل وربا النسيئة، وبناء على ذلك يحرم أخذ الفوائد وإعطاؤها؛ لأنها زيادة مشروطة أو في حكم المشروطة للمقرض مقابل القرض. قال ابن عبد البر: «وكل زيادة من عين أو منفعة يشترطها المسلف على المستسلف فهي ربا، لا خلاف في ذلك» (١). فقوله ﵀ (كل زيادة) من ألفاظ العموم تشمل كل زيادة، وقوله (من عين أو منفعة) بيان لهذه الزيادة، وأن الزيادة ليست محصورة في أعيان معينة كربا البيوع، بل ولا في جنس الأعيان حتى لو اشترط زيادة منفعة كانت المنفعة محرمة. وقال أيضًا: «وقد أجمع المسلمون نقلا عن نبيهم ﷺ أن اشتراط الزيادة في السلف ربا ولو كان قبضة من علف، أو حبة، كما قال ابن مسعود: أو حبة واحدة» (٢). (ث-١٥٣) وروى البخاري من طريق شعبة، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، أتيت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام ﵁، فقال: ألا تجيء فأطعمك سويقًا وتمرًا ..... ثم قال: إنك بأرض الربا بها فاش، إذا كان لك على رجل حق، فأهدى إليك حمل تبن، أو حمل شعير، أو حمل قت، فلا تأخذه فإنه ربا (٣). وقال العيني الحنفي: «وقد أجمع المسلمون بالنقل عن النبي ﷺ أن اشتراط الزيادة في السلف ربا حرام» (٤).

стр. 5653

وقال ابن المنذر: «أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المستسلف هدية أو زيادة، فأسلف على ذلك أن أخذ الزيادة ربا» (١). وقال ابن تيمية: «وقد اتفق العلماء على أن المقرض متى اشترط زيادة على قرضه كان ذلك حرامًا» (٢). وقال ابن قدامة: «كل قرض شرط فيه أن يزيده فهو حرام بغير خلاف» (٣)، ثم ساق كلام ابن المنذر، والذي نقلنا آنفًا. وقال ابن مفلح الصغير الحنبلي: «كل قرض شرط فيه زيادة فهو حرام إجماعًا؛ لأنه عقد إرفاق وقربة، فإذا شرط فيه الزيادة أخرجه عن موضوعه، ولا فرق بين الزيادة في القدر أو الصفة، مثل أن يقرضه مكسرة فيعطيه صحاحًا، أو نقدًا ليعطيه خيرا منه .... » (٤). وهناك خلاف غير معتبر أحدثه بعض الباحثين من تقسيم ا لربا إلى ربا استهلاك، وربا إنتاج، وأن الربا المحرم هو الربا الذي يؤخذ للاستهلاك دون ربا الإنتاج، وقد ناقشنا ذلك في حكم الربا، وبينا ضعف هذا القول، فأغنى عن إعادته هنا.

стр. 5654

الفرع الثالث ضمان الودائع المصرفية المسألة الأولى الودائع المصرفية المضمونة [ن-٨٣] هي تلك الودائع التي تصنف على أنها قروض، من ذلك: الودائع الجارية مطلقًا، سواء أكانت لدى المصارف الإسلامية، أو البنوك التقليدية. وكذلك جميع الودائع المصرفية الآجلة في البنوك التقليدية (الربوية) سواء أكانت ودائع ثابتة، أم ودائع التوفير، فجميع هذه الودائع مضمونة على البنك؛ لأن هذه الودائع بمثابة قروض يقدمها أصحابها إلى البنك بحيث يجب عليه ردها إلى المودعين، سواء ربح البنك في عملياتها أو خسر؛ لأن القرض مضمون على المقترض في كل حال. والبنوك التقليدية (الربوية) تختلف عن البنوك الإسلامية من ناحيتين: الأولى: أنها تتحاشى المخاطرة الكامنة في الاستثمارات الحقيقية، فما تقترضه بفائدة من المودعين تذهب لتقرضه بفائدة أعلى، وتأخذ الضمانات الكافية على المقترضين لسداد قروضهم، والفارق هو الفائدة التي يجنيها البنك، وهذه الطريقة لا تتعامل بها البنوك الإسلامية لقيامها على الربا الصريح. الثانية: أن البنوك الربوية تلجأ في حال تعرضها لنقص في السيولة إما إلى البنك المركزي والاقتراض منه بفائدة، أو تلجأ إلى الاقتراض الداخلي بين

стр. 5655

المصارف ممن يملك فائضًا نقديًا، فتقترض منه بفائدة، وهذه الطريقة أيضًا لا تلجأ إليها المصارف الإسلامية لاعتمادها على الربا المحرم. ويتخذ البنك المركزي تدابير عامة لحماية الودائع المصرفية على جميع المصارف الخاضعة لرقابته وإشرافه بما في ذلك المصارف الإسلامية ومن هذه التدابير: (١) - الاحتياطي النقدي القانوني . يفرض البنك المركزي على جميع المصارف أن تحتفظ بأرصدة نقدية لديه، وهذه الأرصدة النقدية عبارة عن نسبة من الودائع لكل مصرف تحتسب على أساس شهري، وتتفاوت البنوك المركزية في تحديد نسب الاحتياطي القانوني، ولكن في معظم الدول النامية التي ليست لديها أسواق مالية متطورة تكون هذه النسبة عالية بحيث لا تقل عن ٢٠%. وتتكون الودائع التي يؤخذ بموجبها الاحتياطي القانوني من الودائع الجارية، والودائع الادخارية، والأموال المخصصة لخطابات الاعتماد. ففي ا لسعودية مثلًا نصت المادة (٧) من نظام مراقبة البنوك على أنه «على كل بنك أن يحتفظ لدى مؤسسة النقد في جميع الأوقات بوديعة نظامية لا تقل عن ١٥% من التزامات ودائعه، ويجوز للمؤسسة تعديل هذه النسبة وفقًا لمقتضيات الصالح العام» (١). وقد عدلت هذه النسبة بتعميم مؤسسة النقد العربي السعودي رقم م /٢/ ٧١ فأصبحت ٧% من الودائع الجارية، و ٢% من ودائع التوفير والادخار.

стр. 5656

(٢) - نسبة السيولة الداخلية . يطلب البنك المركزي من المصارف الاحتفاظ بنسبة من السيولة الداخلية بالنقد المحلي، وذلك لمقابلة طلبات السحب اليومي من أرصدة العملاء (المودعين) في هذه المصارف، وعادة ما تكون في حدود ١٠% إلى ١٥% حسب درجة تطور القطاع المالي في البلد. (٣) - الرصيد الاحتياطي . حيث يطلب البنك المركزي من المصارف التجارية أن تحتفظ برصيد احتياطي لدعم المركز المالي لكل مصرف، وللتحوط في مقابل المصاعب المالية التي قد تتعرض لها المصارف، وفي العادة تحدد المصارف المركزية نسبة الاحتياطي المطلوبة بحيث تكون في حدود ٢٥% في البلدان التي بها أنظمة مالية ومصرفية متواضعة. (٤) - نسب التمويل والتسهيلات . يضع البنك المركزي سقفًا أعلى للتمويلات والتسهيلات لا يجوز للمصارف الخاضعة لإشرافه أن تتجاوزه. فعلى سبيل المثال حظرت المادة الثامنة من نظام مراقبة البنوك في المملكة «على أي بنك أن يمنح تسهيلات ائتمانية أو أن يقدم كفالة، أو ضمانًا، أو أن يتحمل أي التزام مالي آخر لصالح أي شخص طبيعي أو اعتباري بمبالغ تتجاوز ٢٥% من مجموع احتياطيات البنك ورأس ماله المدفوع، أو المستثمر، ويجوز لمؤسسة النقد لمقتضيات المصلحة العامة وبالشروط التي تحددها أن تزيد هذه النسبة إلى ٥٠%». والهدف من هذا الحظر هو حماية أموال المودعين، وتجنيبها مخاطر التوسع

стр. 5657

في الائتمان، والحد من التوسع في توليد النقود بما لا يسمح بمزيد من التضخم في العملة المحلية. (٦) - الحد من استثمار البنوك في بعض القطاعات التجارية. تمنع المصارف من الاستثمار في أي عمل يستلزم امتلاك أصول أو موجودات عينية، أو مزاولة التجارة لحسابها أو لغيرها، أو امتلاك أصول طويلة الأجل. فعلى سبيل المثال حظرت المادة (١٠) من نظام مراقبة البنوك بالمملكة العربية السعودية «يحظر على كل بنك الاشتغال لحسابه، أو بالعمولة بتجارة الجملة، أو التجزئة مما في ذلك الاستيراد والتصدير أو أن تكون له مصلحة مباشرة كمساهم أو شريك أو كمالك أو أي صفة أخرى في أي مشروع تجاري، أو صناعي، أو زراعي، أو أي مشروع آخر، أو امتلاك العقارات، أو استئجارها إلا إذا كان ضروريًا لإدارة أعمال البنك، أو لسكن موظفيه، أو للترفيه عنهم، أو وفاء البنك قبل الغير بشرط ألا تزيد قيمتها عن عشرين في المائة من رأس مال البنك المدفوع واحتياطياته». وهذا الحظر له أهداف عدة منها: حماية أموال المودعين، ومنع المصارف من مزاحمة الشركات التجارية الأخرى لأن المنافسة حينئذ ستكون غير عادلة، فالمصرف يتمتع بصلاحيات لا تملكها شركات الاستثمار الأخرى فهو من جهة يحتكر صلاحية تجميع الأموال والمدخرات التي بأيدي الناس مما يعطيه إمكانات مادية هائلة، ومن جهة أخرى فهو مطلع على أسرار عملائه التجارية عند فتح اعتماداتهم المستندية مما يجعله قادرًا على استخدم هذه المعلومات لمصلحته الشخصية وينافس بها عملاءه الذين يحتاجون إلى خدماته (١). * * *

стр. 5658

المسألة الثانية الودائع المصرفية غير المضمونة [ن-٨٤] الودائع الاستثمارية في المصارف الإسلامية ليست مضمونة على البنك؛ لأن العقد فيها عقد مضاربة يكون المضارب فيها (البنك) أمينًا على رأس المال، ولا يمكن تضمينه إلا في حالات التعدي أو التقصير، أو تجاوز شروط عقد المضاربة. لأن طبيعة عقد المضاربة يقتضي المشاركة في الربح والخسارة، والالتزام بضمان رأس المال في عقد المضاربة يخرج العقد عن مقصوده أيًا كانت جهة الالتزام فمتى اشترط ضمان ودائع الاستثمار على البنك (عامل المضاربة) فسد عقد المضاربة، وهذا مجمع عليه بين الفقهاء. يقول ابن رشد: «وأجمعوا على أن صفته: أن يعطي الرجل الرجل المال على أن يتجر به على جزء معلوم يأخذه العامل من الربح ... وأنه لا ضمان على العامل فيما تلف من رأس المال إذا لم يتعد» (١). وقال ابن قدامة: «متى شرط على المضارب ضمان المال، أو سهمًا من الوضعية، فالشرط باطل، لا نعلم فيه خلافًا» (٢). وفي هذا نعلم أن اشتراط الفقهاء في المضاربة ألا يكون المال والربح مضمونًا على العامل مرده إلى أن هذا الشرط يخرج العقد من كونه قراضًا إلى كونه قرضا.

стр. 5659

وقد أجاز المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلمي التأمين على الحسابات الاستثمارية تأمينًا تعاونيًا بهدف حمايتها: جاء في قرار المجمع الفقهي الإسلامي في دورته السادسة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة في المدة من ٢١ - ٢٦/ ١٠/١٤٢٢ قد نظر في موضوع حماية الحسابات الاستثمارية في المصارف الإسلامية، وبعد استعراض البحوث التي قدمت، والمناقشات المستفيضة حول الموضوع قرر ما يأتي: خامسًا: يجوز لأرباب الأموال أصحاب الحسابات الاستثمارية التأمين على حساباتهم الاستثمارية تأمينًا تعاونيًا بالصيغة الواردة في القرار الخامس للمجمع في دورته الأولى من عام ١٣٩٨ هـ * * *

стр. 5660

المبحث الثالث في الحوالة المصرفية الفرع الأول التعريف بالحوالة المصرفية تعريف الحوالة المصرفية: الحوالة المصرفية هي «عملية نقل نقود، أو أرصدة الحسابات من حساب إلى حساب، أو من بنك إلى بنك، أو من بلد لآخر، وما يستتبع ذلك من تحويل العملة المحلية بالأجنبية، أو الأجنبية بأجنبية أخرى» (١). تعريف الحوالة الحقيقية: ذكر الفقهاء بأن الحوالة: هي نقل الدين وتحويله من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه (٢). وقيل: هي نقل دين من ذمة إلى ذمة (٣). واختلفوا: هل هي بيع دين بدين، أو عقد إرفاق:

стр. 5661

فقيل: هي بيع دين بدين رخص فيه على خلاف القياس، فاستثني من النهي عن بيع دين بدين. وهذا مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، وقول في مذهب الحنابلة (٣). وقيل: هي عقد إرفاق وإبراء ذمة، لا بيع. وهذا هو المعتمد في مذهب الحنفية (٤)، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية (٥)، والأصح في مذهب الحنابلة (٦). بدليل جوازها في الدين بالدين، وجواز التفرق قبل القبض، واختصاصها بالجنس الواحد، واختصاصها باسم خاص، ولا يدخلها خيار؛ لأنها ليست بيعًا ولا في معناه؛ لعدم العين فيها، ولكونها لم تبن على المغابنة. ويشترط في صحتها رضا المحيل بلا خلاف، والمحتال عند الأكثر، والمحال عليه عند بعض من شذ (٧).

стр. 5662

وسوف يأتي تفصيل كل ذلك إن شاء الله في باب مستقل للحوالة، نذكر فيه شروطها، المتفق عليه، والمختلف فيه، وحجة كل قول، وبيان الراجح بلغنا الله ذلك بعونه وتوفيقه. * * *

стр. 5663

الفرع الثاني الفرق بين الحوالة المصرفية والحوالة الحقيقية (الفقهية) قد تكون الحوالة المصرفية لا تختلف عن الحوالة الحقيقية في بعض صورها، وإن كانت هذه الصور نادرة في واقع التعامل المصرفي، وقد تختلف الحوالة المصرفية عن الحوالة الفقهية وهذا هو الغالب عليها، لذلك نعرض صور الحوالة المصرفية، لنعرف ما يتفق فيها مع الحوالة الحقيقية، وما يختلف منها: الصورة الأولى: [ن-٨٥] وأطراف العقد فيها ثلاثة: أن يكون المحيل المصرف (أ) مدينًا للمحال. والمحال عليه: المصرف (ب) مدينًا للمصرف (أ) والمحال: شخص دائن للمصرف (أ). فيقوم المصرف (أ) بإحالة الدائن على المصرف (ب) بالحق الذي له عليه. وهذه الصورة من الحوالة المصرفية إن وجدت فهي لا تختلف عن الحوالة الحقيقية. الصورة الثانية: [ن-٨٦] صورة مختلف فيها هل تكون حوالة حقيقية، أو كفالة، أو وكالة باقتراض، وأطراف هذه الصورة ثلاثة أيضًا: المحيل: المصرف (أ) مدين للمحال. المحال عليه: المصرف (ب) غير مدين للمصرف (أ).

стр. 5664

المحال: شخص دائن للمصرف (أ). فهنا المصرف (أ) المدين يحيل على المصرف (ب) وهو غير مدين للمحيل، فإذا رضي المحال عليه وقبل الحوالة، فهل يكون العقد حوالة، في ذلك خلاف بين أهل العلم: فقيل: تعتبر حوالة صحيحة، وهذا مذهب الحنفية. وذلك لأنهم لا يشترطون لصحة الحوالة مديونية المحال عليه للمحيل، ويسمونها بالحوالة المطلقة (١). وقيل: تعتبر حوالة فاسدة (غير صحيحة)، وهذا مذهب الشافعية (٢). ووجهه: أن الحوالة عندهم بيع، وإذا كانت الحوالة بيعًا، لم تصح الحوالة على من لا دين عليه؛ لعدم الاعتياض، إذ ليس عليه شيء يجعله عوضًا عن حق المحتال (٣). وقيل: بل تعتبر كفالة، وهذا القول هو مذهب المالكية (٤)، وقول عند الشافعية (٥).

стр. 5665

وقيل: تعتبر وكالة بالاقتراض، فإذا قبض المحال رجع المحال عليه على المحيل. وهذا مذهب الحنابلة (١) وإنما لم تكن حوالة؛ لأنه ليس فيها تحويل حق من ذمة إلى أخرى. [ن-٨٧] الصورة الثالثة: وأطرافها ثلاثة أيضًا: المحيل: مصرف (أ) غير مدين. والمحال عليه: مصرف (ب) مدين للمصرف (أ). والمحال: شخص غير دائن. وهذه الصورة من الحوالة المصرفية نادرة، وإن وجدت فهي لا تعتبر حوالة حقيقية؛ لأن الحوالة تعني تحويل الحق وانتقاله من ذمة إلى أخرى، ولا حق هنا ينتقل، وإنما فيه عقد وكالة، حيث فوض المصرف (أ) شخصًا نيابة عنه في قبض حقه من المصرف (ب) المحال عليه. الصورة الرابعة: وهي الشائعة: [ن-٨٨] المحيل: المصرف (أ) وهو غير مدين للمحال. والمحال عليه: فرع للمصرف السابق، أو وكيل عنه. والمحال: شخص غير دائن للمصرف (أ). هذه الصورة هي الصورة الشائعة في الحوالة المصرفية، وهي التي ينصرف إليها الذهن عند الكلام على الحوالات المصرفية، وهي ليست حوالة حقيقية؛ لأن أطرافها ثنائية، فالمصرف المحيل غير مدين للمحال، والمحال بطلبه قد تم

стр. 5666

نقل نقوده ليقبضها هو أو وكيله من المحال عليه، وهو بمثابة الأصل؛ لأنه فرع للمحيل أو وكيل عنه. [ن-٨٩] وتختلف هذه عن الحوالة الحقيقية بما يلي: أولًا: أن الحوالة الحقيقية لا يجوز أخذ الأجرة عليها، لأنها على الراجح عقد إرفاق واستيفاء بينما الحوالة المصرفية يأخذ المصرف أجرة عليها، وسوف يأتي إن شاء الله الكلام على هذه المسألة بالتفصيل عند بحث بطاقات الائتمان فانظرها هناك، أسال الله وحده عونه وتوفيقه. ثانيًا: أن من أركان الحوالة محيلًا، ومحالًا عليه، ومحتالًا، وكثير من الحوالات المصرفية المعاصرة قد يقوم المحيل بالحوالة إلى نفسه، مثل أن يحيله إلى حسابه في مصرف آخر، وإذا كان التحويل إلى فرع له فإنه لا يوجد المحال عليه، ومن المعلوم أنه إذا لم يوجد أحد أركان العقد فإن العقد لا ينعقد. ثالثًا: أن من شروط الحوالة الشرعية أن يكون ما على المحال عليه مجانسًا لما على المحيل قدرًا وصفة، والحوالات المصرفية تكون في الغالب بين نقدين مختلفين. وهذا الفرق إنما هو بناء على قول الجمهور، والذي يشترط وجود دين في ذمة المحال عليه، أما الحنفية والذين أجازوا الحوالة المطلقة، فلم يشترطوا أن يكون في ذمة المحال عليه دين أصلًا، لا من جنس المحال به، ولا من غيره، والله أعلم. رابعًا: أن عقد الحوالة: هو نقل دين من ذمة إلى أخرى، بينما الحوالات المصرفية قد لا يوجد هناك دين أصلًا.

стр. 5667

[ن-٩٠] وتتم التحويلات المصرفية المعاصرة بواحدة من الطريقتين: الأولى: حوالة عاجلة، يأمر بها المصرف المحلي فرعه، أو المصرف الأجنبي الذي يراسله عن طريق الإبراق، أو الهاتف، أو غيرها من وسائل الاتصال الفوري الحديثة، فيضع المبلغ المتفق عليه تحت تصرف المستفيد (المحول إليه) في الحال. الطريقة الثانية: حوالة كتابية لدى الاطلاع، بأن يسلم المصرف المحلي أمرًا كتابيًا يسلمه المصرف للعميل ليتولى إرساله للمستفيد، أو يرسله المصرف بالبريد إلى فرعه أو مراسله ويطلب فيه دفع المبلغ المطلوب إلى المستفيد. والحوالة إما أن تكون بنفس العملة المحلية. وإما أن تكون بعملة مغايرة، وفي هذا يجتمع عقدان: هما الحوالة والصرف. وقد سبق الكلام عليهما في كتاب الصرف. * * *

стр. 5668

الفرع الثالث التوصيف الفقهي للحوالة المصرفية [ن-٩١] اختلف العلماء المعاصرون في التوصيف الفقهي للحوالة المصرفية: القول الأول: قيل: هذه المعاملة سفتجة (١)، فالعميل يعتبر قد أقرض المصرف (البنك) المبلغ المحول، والإيصال الذي يستلمه أو الشيك يعتبر صك السفتجة الذي يُمَكِّن العميل من استيفاء حقه إما بنفسه، أو يمكن وكيله من استيفاء المبلغ نيابة عنه، وقد قال بهذا القول فضيلة الشيخ مصطفى الزرقا، والشيخ عبد الله ابن منيع (٢).

стр. 5669

القول الثاني: ذهب قوم إلى تخريجها على أنها حوالة حقيقية (١). وجه ذلك: أن المصرف حين يستلم المبلغ من العميل يصبح مدينًا له، فيكون محيلًا. والمستفيد يكون محتالًا. والمصرف الثاني أو فرع المصرف الأول محالًا عليه، وبذلك يتوفر أركان الحوالة. القول الثالث: تخريجها على أنها عقد وكالة، فالعميل يوكل المصرف على نقل النقود، والمصرف الأول يوكل المصرف الثاني في دفعها، وقد صدر بهذا قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي (٢)، وبه قال الشيخ عبد الله

стр. 5670

العبادي، والأستاذ سامي حسن حمود (١). القول الرابع: تخريج الحوالة المصرفية على أنها عقد إجارة على نقل النقود. وقد قال بهذا القول جماعة، منهم الشيخ أحمد إبراهيم بك، وستر الجعيد، وصالح بن زابن المرزوقي (٢). القول الخامس: تخريجها على أنها عقد جديد مستحدث، مركب من عدة عقود (٣). ويترتب على هذا التخريج جواز هذه المعاملة؛ لأن القول الصحيح أن الأصل في العقود المركبة هو الحل ما لم يكن في اجتماعها محذور شرعي من ربا، أو غرر، أو ظلم لأحد المتعاقدين، وهذه المعاملة خالية من ذلك كله. جاء في الموسوعة الكويتية: «والنتيجة .... أن التحويل المصرفي أو البريدي عملية مركبة من معاملتين أو أكثر، وهو عقد حديث بمعنى أنه لم يجر العمل به على هذا الوجه المركب في العهود السابقة، ولم يدل دليل على منعه، فهو

стр. 5671

صحيح جائز شرعا من حيث أصله بقطع النظر عما يحيط به من مواد قانونية يجب لمعرفة حكمها استقصاؤها تفصيلا ودراستها للحكم فيها» (١). الراجح من أقوال أهل العلم: بعد استعراض الأقوال أجد أن أقوى قولين قيلا في تخريجها: هما: الأول: أنه عقد صرف مع وكالة بأجر في نقل المبلغ المصروف إلى مكان آخر، والقول الآخر: أنه عقد جديد مستحدث، والأصل فيه الجواز، ما عدا هذين القولين تجد أنها لا تسلم من اعتراضات وجيهة. هذه هي الأقوال في تخريج الحوالة المصرفية، وإذا أردت أن تعرف أدلة هذه التخريجات وحكم الحوالة المصرفية بناء عليها، وما قيل من اعتراضات على هذه التخريجات فارجع إليها في مسألة: اجتماع الصرف والحوالة من هذا المجلد، فقد ناقشنا هذه التخريجات، وذكرنا الاعتراضات عليها هناك، فأغنى عن إعادتها هنا. * * *

стр. 5672

المبحث الرابع في بيع المرابحة المصرفية الفرع الأول تعريف بيع المرابحة الإلزام بالوعد يصير الوعد عقدًا؛ لأن الإلزام من أبرز خصائص العقد. قال الونشريسي: «الأصل منع المواعدة بما لا يصح وقوعه في الحال حماية» (١). المرابحة المصرفية منتج مصرفي قائم على فكرتين: الأولى: الأمر بالشراء والثانية: الإلزام بالوعد، وهي صيغة جرى تطويرها لكي تتلاءم مع أغراض البنك وطبيعة نشاطه باعتباره وسيطًا ماليًا. [ن-٩٢] سبق لنا تعريف المرابحة الفقهية (البسيطة) في الاصطلاح الفقهي، والذي هو أحد بيوع الأمانة، كالتولية والمواضعة، والمشاركة، وهذه البيوع جائزة لدى عامة الفقهاء، وفيها خلاف ضعيف، فقد ذهب إلى منعها إسحاق بن راهوية، وابن حزم الظاهري، وبعضهم اعتبرها خلاف الأولى، وليس هذا موضع ذكر هذه المسألة، ولا تحرير الخلاف فيها. أما المرابحة المصرفية، أو المرابحة للآمر بالشراء، ويقال: للواعد بالشراء فيقصد بها نوع آخر من البيوع له صور كثيرة، منها المتفق على جوازها، ومنها

стр. 5673

المختلف فيها، فهي تتفق مع الصورة الأولى أنه يشتري السلعة ويبيعها بربح معلوم ويختلف عنها أن البائع ربما لا تكون السلعة عنده، ويبيعها نسيئة. وتعتبر المرابحة للآمر بالشراء أحد أهم صيغ التمويل للمصارف الإسلامية باعتبار أن البنك وسيط مالي بين فئة تملك فائضًا ماليًا، وفئة أخرى لديها عجز مالي، وحتى ينهض المصرف بوظيفته يحتاج إلى صيغ بديلة عن صيغة الإقراض بالفائدة والتي تقوم عليها البنوك التقليدية، ويمكن تقسيم هذه الصيغ التي يلجأ إليها المصرف الإسلامي إلى مجموعتين رئيسيتين: الأولى: الصيغ المعتمدة على الاشتراك في الربح والخسارة كالمضاربة، والمشاركة، وهذه لا تزال ضعيفة لدى المصارف الإسلامية؛ لأن الاستثمار فيها ينبني على مخاطر عالية. الثانية: الصيغ المعتمدة على الديون، ويقصد بها تلك التي تتمخض في دفاتر البنك عن التزامات مطلقة بالدفع من قبل المستفيدين من التمويل. وأصول المصرف الإسلامي فيها شبيهة بأصول المصرف التقليدي مع فارق مهم: الأول: أن هذه الديون محلها السلع، وليست النقود كما هي البنوك الربوية. الثانية: أنه في حال أن أعسر المدين فإن قيمة السلعة لا تتضاعف بل يؤجل الثمن إلى ميسرة في إرفاق يشبه القرض. وهذا فارق مهم. وصيغة المرابحة تعتبر من أهم هذه الصيغ المعتمدة على الديون. وصورته: أن يطلب المشتري من المصرف (البنك) سلعة ليست عنده، سواء كانت معينة أو موصوفة، ويعده بشرائها نسيئة مع ربح معلوم، فيقوم المصرف بشرائها ثم يبيعها إياه.

стр. 5674

وهي غالبًا ما تتم بين ثلاثة أطراف: عميل يريد شراء البضاعة. وبنك ليس لديه هذه البضاعة. ومورد يملك البضاعة. وتبدأ هذه العملية من تقدم العميل للمصرف طالبًا الحصول على سلعة لا يملك ثمنها، فيعقد مواعدة على الشراء من المصرف نسيئة بربح يتحدد كنسبة مئوية من تكاليف الحصول عليها، فإذا قام المصرف بدارسة ملاءة العميل وطلب الضمانات الكافية قام بشراء هذه السلعة وعند ورود مستندات ملكية البنك للسلعة يوقع مع العميل عقد بيع يتضمن الثمن الفعلي وكافة المصاريف الأخرى، والربح المتفق عليه، ثم يذهب العميل ليتسلم السلعة من المورد. والأصل في البيع أن تكون السلعة المباعة حاضرة عند البيع لدى البائع، ولكن هذا غير متاح بالنسبة للمصرف؛ لأنه بحكم وظيفة الوساطة المالية التي يتميز بها عن التاجر لا يتمكن من إيجاد المستودعات المليئة بالسلع والأصول كالسيارات، والطائرات والسفن والمنازل والأثاث ونحوها، لذلك أدخلت في العقد فكرة (الأمر بالشراء) أي أن المصرف لا يشتري السلعة إلا إذا أمره العميل بذلك. والمصرف سيتعرض لمخاطرة عالية لو أنه استجاب لأمر كل عميل يطلب سلعة معينة لاسيما وأن وقتًا وجهدًا ليس بالقليل ربما يفصل بين أمر العميل وإتمام البنك لعملية الشراء وتوفير السلعة، ولذلك أدخلت في هذه الصيغة فكرة الإلزام بالوعد، وأن العميل الذي يعد البنك يجب أن يكون جادًا ملتزمًا بتنفيذ الوعد، وإذا نكل عن الشراء فقد أجاز بعض الفقهاء المعاصرين أن يلزم

стр. 5675

المصرف العميل بالتعويض عن الضرر الذي يلحق المصرف من جراء عدم الوفاء، وهذا الضرر يتمثل في الخسارة التي ربما لحقت بالبنك عندما يبيع السلعة إلى عميل آخر، فإذا باعها بنفس التكلفة أو بربح فليس له أن يطالب ذلك العميل بأي تعويض، وهو إن خسر لا يطالبه إلا بالخسارة الحقيقية. هذه تقريبًا الصورة الشائعة لبيع المرابحة المصرفية، وفكرة الإلزام بالوعد عن طريق تحمل الخسائر. * * *
следующие страницы →