وقيل: الحسابات الجارية تأخذ حكم الوديعة الفقهية على خلاف بينهم:
هل أخذت حكم الوديعة لأنها مأذون باستعمالها، من جهة أن المودع يعلم أن المصرف سوف يتصرف فيها وفق العرف المصرفي، كما رجحه الأستاذ الدكتور حمد الكبيسي (١).
أو أخذت حكم الوديعة؛ لأنه لا يوجد إذن بالاستعمال كما هو نص النظام الأساسي لبنك دبي الإسلامي (٢)، واختيار فضيلة الدكتور عيسى عبده (٣)، وحسن الأمين (٤).
стр. 5602
وقيل: عقد وديعة ناقصة أو شاذة (١). وهذا التوصيف قانوني، لا يسأل عنه الفقه الإسلامي، ولولا أن الباحثين المعاصرين ذكروه لما ذكرته.
وقيل: إنها عقد مستقل بذاته، يدخل ضمن العقود غير المسماة في الفقه الإسلامي (٢).
وقيل: الوديعة الجارية إن أخذ عليها فوائد فهي عقد بيع، وإلا كانت قرضًا (٣).
وجه من قال: إن الوديعة المصرفية الجارية عقد قرض .
الوجه الأول:
أن العبرة في العقود بالمعاني لا للألفاظ والمباني، وحقيقة الوديعة لا ينطبق على الوديعة المصرفية؛ لأن الوديعة بالمعنى الشرعي الذي حدده الفقهاء يعني دفع المال من أجل حفظه ورد عينه، دون تملكه أو استخدامه، وإذا هلك بدون تعد ولا تفريط لم يضمنه.
بينما المصرف يملك الوديعة المصرفية، ويتصرف فيها، ولا يرد عينها، وإنما يرد مثلها، ويضمنها مطلقًا حتى ولو لم يتعد أو يفرط، وهذا لا يتفق مع طبيعة عقد الوديعة. فإعطاء الشخص ماله للغير إن كان على سبيل التمليك، فإن كان عن معاوضة، فهو بيع، وإن كان بلا عوض، فهو هبة، وإن كان ليملكه ويرد مثله، فهو قرض.
стр. 5603
وإن كان دفع المال للغير ليس على سبيل التمليك، فإن كان للحفظ فقط، فهو وديعة، وإن كان للانتفاع مع بقاء العين، فهو عارية، وإن كان للانتفاع مع استهلاك العين فهو قرض، والحساب الجاري هو دفع المال للغير على سبيل التمليك، ورد بدله، فلا يصح إلا أن يكون قرضًا.
الوجه الثاني:
أن القوانين الوضعية قد نصت على اعتبار الحسابات الجارية قروضًا يقدمها أصحابها إلى المصارف.
جاء في القانون المدني المصري، ما نصه: «إذا كانت الوديعة مبلغًا من النقود أو أي شيء آخر مما يهلك بالاستعمال، وكان المودع عنده مأذونًا له في استعماله، اعتبر العقد قرضًا» (١).
وهو يتفق مع القانون المدني السوري (٢)، والأردني (٣)، والعراقي (٤).
دليل من قال: الوديعة المصرفية وديعة إذا أذن صاحبها باستعمالها:
الدليل الأول:
أن التصرف في الوديعة دون إذن صاحبها ليس حرامًا إذا تحقق شرطان: أن يكون المال مثليًا، وأن يكون المتصرف مليئًا.
فالمالكية يرون أنه يحرم على الوديع أن يستلف الوديعة إن كان فقيرًا، سواء
стр. 5604
أكانت الوديعة من القيميات أم من المثليات، وذلك لتضرر مالكها بعدم الوفاء نظرًا لإعدامه.
وأما إن كان موسرًا، فإن كانت الوديعة عرضًا قيميًا فيحرم على الوديع اقتراضها؛ لانعدام المثل هنا.
وإن كانت الوديعة مثلية، فإن كانت نقودًا فيكره على الوديع اقتراضها؛ لأن المثل هنا يقوم مقام العين.
وقيل يجوز بلا كراهة. وعلل بعض المالكية الجواز بتعليلات منها:
(أ) - أن المودِع قد ترك الانتفاع بها مع القدرة عليه فجاز للمودَع الانتفاع بها، ويجري ذلك مجرى الانتفاع بظل حائطه، وضوء سراجه.
(ب) - أن المودَع لم يبطل على المودِع غرضه؛ لأنه إنما أمر بحفظها، وهذا حاصل.
(جـ) - أن الدراهم لا تتعين بالتعيين، ولذلك كان للمودَع أن يرد مثلها، ويتمسك بها مع بقاء عينها (١).
وإن كانت الوديعة المثلية ليست نقودًا، فإن كانت مما يكثر اختلافه، ولا يتحصل أمثاله، فيحرم اقتراضها كالقيميات، وإلا فيجوز تسلفها كالدراهم والدنانير في ظاهر المدونة (٢).
стр. 5605
ويناقش:
بأن هذا القول من المالكية ليس في موضع النزاع، فالخلاف بين الجمهور والمالكية في الحكم التكليفي في استقراض الوديعة دون إذن صاحبها، فمنعه الجمهور، وكرهه المالكية بالشروط السابقة، ومنهم من أجازه، ونحن لا نحرم على البنك أن يستقرض ما سلمه إليه العميل؛ لأن صاحبه إن لم يأذن في التصرف لفظًا فقد أذن بحكم العرف، والشرط العرفي كالشرط اللفظي. وأما التكييف الفقهي للوديعة فالمالكية يتفقون مع الجمهور بأن الوديعة بعد استقراضها تحولت من وديعة إلى قرض، ولم تبق وديعة، وأنتم إنما تريدون أن تحتجوا بأن مسمى الوديعة ما زال باقيًا مع استقراض المودَع، وأن استقراض المودع عندكم لا يحولها إلى قرض، وهذا لا يتفق مع مذهب المالكية، فلا يسوغ لكم الاحتجاج بمذهب المالكية، ولا يتفق مع طبيعة عقد الوديعة.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الخلاف في كون الدراهم لا تتعين بالتعيين إنما يجري في باب المعاوضات، أما في باب الوديعة فإن الرد متعلق
стр. 5606
بعين الوديعة، وليس في ذمة المودَع؛ لأن الحق ليس فيه ثمن ومثمن، فالدراهم هنا تتعين بالتعيين، ولا يجري فيها الخلاف الذي يجري في المعاوضات، ولذلك لو تلفت الوديعة بدون تعد ولا تفريط لم يضمن المودَع، ولو كانت الوديعة متعلقة بذمة المودَع لضمن.
الدليل الثاني:
أن الإذن بالاستعمال يخرج المستودَع من حكم الخيانة في التصرف في الوديعة.
يقول الأستاذ الدكتور حمد الكبيسي: «إن تهمة خيانة الأمانة مندفعة بأن المودع رضي باستخدامها، ومن جهة أنه يعلم أن المصرف سوف يتصرف بهذه الأموال وفق العرف المصرفي» (١).
ويجاب عن هذه:
أما القول بأن الإذن بالاستعمال يخرج المستودع عن تهمة الخيانة بالأمانة فهذا صحيح، ولا إشكال في أن الوديعة إذا أذن صاحبها في استعمالها فإن للمودَع أن يستعملها، ولكن إذا استعملها هل تبقى وديعة وقد استعملها، أم يزول عنها اسم الوديعة، هذا هو محل الخلاف، فأنتم تقولون: إنها لا تزال وديعة، والفقهاء يقولون: إن كانت الوديعة عرضًا، وكان استعمالها لا يؤدي إلى استهلاكها، فقد انتقلت من كونها وديعة إلى حكم العارية، وإن كانت الوديعة نقودًا تهلك بالاستعمال فقد انتقلت من كونها وديعة إلى كونها قرضًا، لوجوب مثلها في ذمة المستودَع.
стр. 5607
قال السرخسي في المبسوط: «كل ما لا يمكن الانتفاع به إلا باستهلاك لعينه يكون قرضًا» (١).
وقال الكاساني في بدائع الصنائع: «ولو قال له عندي ألف درهم عارية، فهو قرض؛ لأن عندي تستعمل في الأمانات، وقد فسر بالعارية، وعارية الدراهم والدنانير تكون قرضًا؛ إذ لا يمكن الانتفاع بها إلا باستهلاكها، وإعارة ما لا يمكن الانتفاع به إلا باستهلاكه يكون قرضًا في المتعارف» (٢).
وقال في اللباب في شرح الكتاب: «وعارية الدراهم والدنانير والمكيل والموزون قرض» (٣).
وجاء في كشاف القناع: «فإن استعارها أي الدراهم والدنانير لينفقها، أو أطلق ... فقرض تغليبًا للمعنى» (٤).
وقد بين الفقهاء لماذا كانت إعارة الدراهم والدنانير قرضًا.
فقد ذكروا أن إعارتها إذن بالانتفاع بها، والانتفاع بها إنما يكون باستهلاك أعيانها، والاستهلاك يتوقف على الملك، فيقتضي بالضرورة تمليك العين، وتمليك العين إما أن يكون من باب الهبة، وإما أن يكون من باب القرض، فلما كان صاحب المال يطالبه برد مثله لم يبق حمل العقد إلا على القرض.
ولو كان يمكن الانتفاع بالدراهم والدنانير مع بقاء العين لكان العقد عارية بلا
стр. 5608
اشتباه، فلو استعار أحد دينارًا ليزن به دنانيره اعتبر ذلك عارية حقيقية، فليس للمستعير استهلاكه، والانتفاع به بصورة غير الصورة المعينة (١).
الدليل الثالث:
أننا إذا قلنا: إن الوديعة المصرفية هي قرض في ذمة المصرف، فإن ذلك سيمنع من استخدام الوديعة أداة لوفاء الديون؛ لأنه سيؤدي إلى بيع الدين بالدين.
فلو أن رجلًا اشترى بضاعة مؤجلة، وأحال على ذلك بما له من مال لدى بنك من البنوك، فإذا اعتبرنا الوديعة قرضًا فإن هذا العقد لن يكون صحيحًا إلا إذا استلم البضاعة مباشرة؛ لأن الصفقة ستكون من باب بيع الدين بالدين. وهذا لا يرد مع اعتبار الحساب وديعة حقيقية (٢).
ويناقش:
القول بأننا إذا كيفنا الوديعة بأنها قرض فسوف يمنع ذلك من استعمال الوديعة كأداة لوفاء الديون.
هذا الإشكال لا يحله تكييف الوديعة بأنها وديعة؛ لأنه إذا أُذِن للبنك بالتصرف في الوديعة فسوف تنتقل الوديعة من أمانة المصرف إلى ذمته، وتتحول الوديعة إلى دين من الديون، فيبقى الإشكال عندكم قائمًا.
فالصحيح أن المبيع المعين المؤجل لا يدخل في باب بيع الدين بالدين؛ لأن الدين هو ما تعلق بالذمة، والمعين المؤجل لم يتعلق بالذمة، ولذلك بيع الغائب المعين الموصوف لا يسمى سلمًا؛ لأنه معين، وليس من باب بيع الديون هذا
стр. 5609
فيما يتعلق بالمبيع المعين المؤجل، وفيما يتعلق باستخدام الوديعة كأداة لوفاء الدين كذلك لا يعتبر من قبيل بيع الدين بالدين؛ لأن استخدام الوديعة كأداة لوفاء الدين إنما يتم عن طريق الحوالة عليها، والحوالة على الدين يعتبر من عقود الإرفاق، وليس من عقود المعاوضات، والله أعلم.
الدليل الرابع:
أن غاية المودع من الوديعة هو الحفظ، واستردادها متى يشاء، وهذا كل ما يطلب في الوديعة الحقيقية وهو موجود في الوديعة المصرفية.
ويناقش:
كون الغرض الأساسي لدى المودع هو حفظ الوديعة فإن هذا لا يجعل القرض وديعة، فإن المقرض تارة يقرض الشخص، ويكون غرضه الأساسي الإرفاق والإحسان بالمقترض، وهذا هو الأصل في عقد القرض، وتارة يقرض الشخص، ويكون غرضه الأساسي نفع نفسه، ومنه حفظ المال، ومع ذلك يبقى المال قرضًا.
(ث-١٥١) فقد روى البخاري في صحيحه في قصة دين الزبير، أن الدين الذي كان عليه أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه، فيقول الزبير: لا، ولكنه سلف، فإني أخشى عليه الضيعة. قال عبد الله بن الزبير: فحسبت ما عليه من الدين فوجدته ألفي ألف، ومائتي ألف ... وبعد أن قام عبد الله بن الزبير بسداد دينه، وأراد عبد الله بن الزبير أن يقسم ميراثه، فكان له أربع نسوة، فأصاب كل امرأة ألف ومائتا ألف، فجميع ماله خمسون ألف ألف، ومائتا ألف (١).
стр. 5610
فيؤخذ من هذا النص أن القرض كما يكون للفقير يكون للغني، وأن الإقراض يجوز بقصد حفظ المال، ولا يشترط أن يكون القرض بقصد الإرفاق والإحسان.
وقد ذكر الفقهاء أن ولي اليتيم إذا خاف على ماله من السرقة فإنه أفضل في حقه أن يقرضه شخصًا أمينًا مليئًا على أن يودعه لدى شخص أمين؛ لأنه في حال القرض يكون المال مضمونًا على المقترض بخلاف الوديعة فإنها ليست مضمونة، ومع كون الباعث على الإقراض هو حفظ المال لم يخرج العقد إلى الوديعة، بل بقي قرضًا، وإن كان غرضه الأساسي هو حفظ مال اليتيم، وليس نفع المقترض.
الدليل الخامس:
أن التكييف بأن الودائع الجارية هي وديعة حقيقية فيه مصلحة للعميل، لأننا إذا كيفنا الودائع الجارية بأنها قرض، ففيه مخاطرة بماله، وتعريض للضياع وذلك في حالة إفلاس المصرف لأي سبب من الأسباب؛ لأنه إذا اعتبر العميل مقرضًا للمصرف فإنه يدخل بحصته منافسًا مع بقية الغرماء الآخرين من أصحاب القروض وغيرهم، بخلاف ما لو اعتبرناها وديعة حقيقية، فإنه في مثل هذه الحالة يكون له الحق بأخذ وديعته أولًا باعتبارها أمانة، وذلك من غير أن يدخل منافسًا بحصته مع غرماء المصرف الآخرين (١).
ويناقش:
هذه المصلحة لا يمكن اعتبارها لسببين:
стр. 5611
الأول: إذا كيفنا الوديعة على أنها أمانة من أجل هذه المصلحة كان في ذلك اعتداء على حق الآخرين المقرضين أيضًا، والعدل في المساواة بين جميع المقرضين من أصحاب الحقوق.
السبب الثاني: أن من شرط تقديم صاحب الوديعة على أصحاب القروض أن يجد صاحب الوديعة عين ماله، لقول النبي ﷺ في حديث أبي هريرة المتفق عليه: من أدرك ماله بعينه عند رجل أو إنسان قد أفلس فهو أحق به من غيره (١).
وهذا غير متحقق في الودائع الجارية؛ لأن المصرف يخلط أموال الودائع الجارية بغيرها من الأموال، كأموال الودائع لأجل، والتي لا خلاف فيها أنها قرض فلا يمكن معرفة عين الودائع الجارية من بين سائر الأموال.
دليل من قال الوديعة المصرفية وديعة إذا لم يأذن صاحبها باستعمالها:
الدليل الأول:
أن التصرف في الوديعة المثلية جائز مع الضمان، بل ربما بالغ بعضهم فرأى أن التصرف واجب؛ لأن حبس المال دون الانتفاع منه خلاف المصلحة العامة.
يقول الدكتور عيسى عبده: «إذا كانت الوديعة من المثليات فالتصرف فيها جائز مع الضمان. هذا في زمن المعاملات الفردية المحدودة، أما وقد تغيرت الحال، وقامت منشآت متخصصة تشتغل بجمع الودائع وتسخيرها لنفع المجتمع، فنرى أن التصرف في جانب من الودائع (النقدية مثلًا) واجب جلبًا للمصالح» (٢).
стр. 5612
وقد ناقشت في القول السابق أن حكم التصرف في الوديعة يتعلق بالحكم التكليفي، وأن الخلاف في هذه المسألة ليس في جواز التصرف في الوديعة، ولكن الخلاف هل تبقى وديعة بعد التصرف فيها، أم تتحول إلى قرض.
الدليل الثاني:
نحن نشترط في الوديعة الجارية ألا يوجد إذن بالاستعمال أو تفويض من صاحب المال، فإن وجد إذن أو تفويض بالاستعمال تحول المال إلى مال مضاربة، وهذا عكس القول السابق.
يقول الدكتور عيسى عبده:
«وفي ممارسة الأعمال المصرفية في زماننا هذا يتعين على المودِع أن يحدد قصده، بمعنى ألا يأذن بالتصرف، أو يأذن ويفوض، فإن كانت الأولى فإن تصرف البنك تحت مسئوليته وحده، وإن كانت الثانية أخذ الوديعة حكم القراض (المضاربة) الشرعي» (١). اهـ
وإذا كان البنك قد اعتاد أن يتصرف فيها حسبما جرت به عادة المصارف فإن هذا التصرف المنفرد من جانب البنك لا يمكن أن يحسب على المودِع، وينسحب على إرادته، فيفسرها على الاتجاه من الإيداع إلى الإقراض، فإرادة المودع لم تتجه أبدًا في هذا النوع من الإيداع نحو القرض، كما أن البنك لم يتسلم هذه الوديعة على أنها قرض، بدليل أنه يتقاضى أجرة على حفظ الوديعة تحت الطلب بعكس الوديعة لأجل التي يدفع هو عليها فائدة (ربا) وبدليل الحذر الشديد في استعمالها والتصرف فيها من جانبه، ثم المبادرة الفورية بردها عند
стр. 5613
الطلب مما يدل على أن البنك حينما يتصرف فيها إنما يفعل ذلك من موقف انتهازي لا يستند إلى مركز كمركز المقترض (١).
وعلى فرض أن البنك يتصرف فيها بموجب الإجازة الضمنية الذي دل عليه العرف المصرفي، فإن مثل هذا الإذن لا يغير من إرادة المودع في الوديعة، وأن غرضه الأساسي هو طلب حفظها فلا يصرف هذا إلى غرض آخر تابع للغرض الأول أوجده العرف المصرفي لمصلحة المصارف نفسها.
ويناقش من وجوه:
الوجه الأول:
أن العميل قد أذن باستعمال الوديعة بحكم العرف المصرفي، والإذن العرفي كالإذن اللفظي.
فالعميل عندما سلم أمواله للبنك يعلم أن البنك لن يحفظ عين ماله، وأنه سوف يخلط ماله بغيره من الودائع، وأن يد البنك مطلقة باستثماره بمختلف وجوه الاستثمار ما يحل منها وما يحرم، وأن البنك ضامن لهذا المال، ولو قيل للعميل: المصرف سوف يحفظ مالك، وضمانه عليك لم يقبل، فهو يريد أن يكون المال قد دخل ضمان البنك من حين تسليمه له.
الوجه الثاني:
أن المال قبل الإيداع هو ملك لصاحبه، وبعد الإيداع إن كان ملكه ما زال باقيًا على عين المال، وأن تصرف البنك لا ينقل ملكية عين المال عن صاحبه، فإن البنك بهذه الحالة يكون وكيلًا عن صاحب المال، وربحه يجب أن يكون
стр. 5614
لصاحبه، وضمانه عليه. وإن كان ملك المودِع قد زال نهائيًا عن عين المال، وانتقل الملك إلى البنك، وأصبح البنك يملك السلطة الكاملة في التصرف في عين المال، وربح المال للبنك وحده، وضمانه عليه و إذا رد البنك المال على صاحبه فإنه سوف يرد بدله لا عينه فإن هذا لا يتفق أبدًا مع عقد الوديعة.
فالملك للمال يحدد أمرين مهمين: المال والضمان.
فالوديعة: يملك صاحبها عينها، وربحها له، وضمانها عليه.
والقرض: يملك المقترض عين المال، وربحه له، وضمانه عليه. أما أن يوجد وديعة، لا يملك صاحبها عينها، وربحها ليس له، وضمانها ليس عليه، وتبقى وديعة فإن هذا لا يعرف في الفقه الإسلامي، والله أعلم.
وجه من قال: هي وديعة ناقصة أو شاذة:
هذا الاصطلاح لا يعرف في الفقه الإسلامي، وإنما عرف هذا المصطلح في الفقه الوضعي (القانون الفرنسي).
والفرق بين الوديعة التامة والوديعة الناقصة عندهم: أن الحفظ إن كان موجهًا لعين الوديعة، فهي الوديعة التامة، وإن كان الحفظ ليس لذات ا لوديعة، وإنما يكون الحفظ موجهًا لحق المودِع في استرداد مثل ما أودعه متى ما طلب ذلك أعطوها اسم الوديعة الناقصة، والفرق بين الوديعة الناقصة وبين القرض، أن الوديعة الناقصة لصاحبها أن يطلبها في أي وقت يشاء مما يجعل المودع يحتفظ دائما بما يساوي الشيء المودع نوعًا ومقدارًا.
والفقه الإسلامي يستبعد هذا المصطلح، ولا يتفق معه؛ لأن حق الاسترداد لا يسمى حفظًا، وما دام أن الوديعة تهلك بالاستعمال فهي قرض محض، بل إن القوانين العربية، وهي في غالبها خرجت من رحم القانون الفرنسي لم تتفق معه
стр. 5615
على هذا المصطلح، فاعتبرت الوديعة التي تستهلك بالاستعمال إذا أذن صاحبها باستعمالها من قبل المودَّع صارت قرضًا، وقد نقلنا النصوص عن القانون المصري، والسوري وغيرهما في القول الأول.
والقول بأن البنك يحتفظ بما يماثل المودع نوعًا وقدرًا يخالف واقع نظام الإيداع المصرفي، وإنما يحتفظ البنك بنسبة معينة منها، وهو ما يعرف بالاحتياطي القانوني لمواجهة احتمالات طلبات الرد، لأن المودعين لا يأتون في وقت واحد يستردون ما أودعوه، وما يسترد في وقت يأتي آخرون ويودعون مثله أو أكثر، فالبنك إنما يحتفظ بجزء من هذه المبالغ، والباقي يتصرف فيها، بل إنه يستغل وجودها لإقراض الآخرين كمية من النقود تفوق ما في أرصدته، اعتمادًا على كون الدائنين لن يسحبوا النقود مرة واحدة، فيقرض هذه الودائع عدة مرات لعدة أشخاص، مع أن النقود واحدة، وهو ما يسمى بخلق الائتمان.
وجه من قال: الحساب الجاري عقد جديد، يدخل ضمن العقود غير المسماة.
ربما يرى صاحب هذا القول بأن الحساب الجاري مرتبط بفكرة فتح حساب للعميل، وفتح الحساب للعميل ليس مجرد عقد وديعة نقود لصالح البنك، بل يدخل فيه عمليات حسابية مختلفة بين البنك وبين العميل قبضًا ودفعًا، سواء كان ذلك مباشرة، أو نقلًا مصرفيًا، أو مبالغ يقبضها البنك لحساب عميله، كقيمة إسناد، أو تحصيل شيكات، أو عائدات أسهم مالية يفوض العميل البنك في استحصالها، أو عبارة عن ودائع مشتقة (ائتمانية) أنشأتها المصارف من أجل إقراض عملائها، أو منحهم ائتمانًا على شكل وديعة، أو حسابًا جاريًا يقيد باسمهم، ويكون من حقهم السحب عليه بشيكات تمامًا كما لو كانوا أودعوا لدى المصرف نقودًا.
стр. 5616
وإذا كانت الودائع الجارية مرتبطة بعقد فتح حساب للعميل، ولا توجد نصوص خاصة تحكم عقود فتح الحساب، وهو عقد جديد يتخلله عمليات مختلفة، فما المانع من كون هذا الودائع الجارية تنتظم تحت ما يسمى بالعقود غير المسماة في الفقه الإسلامي.
ويناقش:
إذا كان إطلاق هذه التسمية (عقد غير مسمى) على مجموعة هذه العمليات المجتمعة فلا إشكال في هذا، ولا مشاحة في الاصطلاح، وإن كان بعض مفردات هذه العقود لها مسمى فقهي.
وإن كان إطلاق هذه التسمية على الودائع الجارية مفردة فإن هذا العقد هو من العقود المسماة، وذلك بالنظر إلى معناه، وما يترتب عليه من أحكام.
دليل من قال: الودائع الجارية مع الفوائد عقد بيع:
الوديعة الجارية لا يمكن أن تكون وديعة حقيقية ولا شاذة؛ لأن ما دفعه العميل يملكه المصرف، ويتصرف فيه، ويضمن مثله، ويدفع عليه فائدة، وهذه الخواص ليست من سمات الودائع، بل هي على العكس من ذلك:
ولا يمكن أن تكون عقد قرض؛ لأن أخص خواص القرض الإرفاق المحض، والمعروف الخالص ابتغاء الثواب، ولهذا جاز في القرض مبادلة الريال بالريال مع التفرق، ولا يجوز ذلك في البيع.
لهذا يصح أن يقال عنه إنه عقد بيع، لأنه قائم على المعاوضة والتكسب، وهذه الأمور من خصائص عقد البيع، وليست من خصائص عقد القرض.
فالتكسب يتمثل في حق العميل بالفائدة الربوية التي يأخذها.
والتكسب في حق البنك يتمثل في تملك المال من أجل إقراضه بفائدة أعلى.
стр. 5617
ولذلك سماه النبي ﷺ بيعًا كما في حديث: لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل ... الحديث.
يقول الشيخ صالح الحصين: «لو أقرضه لأجل، بشرط أن يرد إليه مبلغ القرض بزيادة فهذا لا خلاف بين الفقهاء على تحريمه؛ لأن العقد ينقلب في هذه الحال من قرض بالاصطلاح الفقهي الإسلامي إلى بيع ربوي» (١).
الراجح:
أرى أن القول الراجح أن الوديعة الجارية إن كانت بفوائد مشروطة أو متفق عليها، وكانت مقصودة للمودع فهي عقد معاوضة: أي بيع دراهم بدراهم مع التفاضل والنساء، وهذا يجمع الربا بنوعيه، ربا الفضل وربا النسيئة، وإن كانت بلا فوائد أو كانت الفوائد غير مشروطة وغير مقصودة فهي قرض يكون المقترض فيه هو البنك، والمقرض هو صاحب الوديعة، وأن تسميتها ودائع جارية هي تسمية غربية، وليست تسمية فقهية، وإذا كانت قرضًا ترتب على ذلك الأحكام التالية:
(١) - لا يجوز إعطاء فائدة مقابل الإيداع في الحسابات الجارية؛ لأنها ستكون من الربا المحرم.
(٢) - تقاضي المصرف أجرًا في الحساب الجاري على الخدمات التي يقدمها جائز؛ لأنه يستحق هذا الأجر مقابل الأعمال التي يقوم بها، لأن المستفيد هنا المقترض، وليس المقرض.
(٣) - يجوز انتفاع صاحب الحساب الجاري بدفتر الشيكات، وبطاقة الصرف
стр. 5618
الآلي دون مقابل؛ لأن المنفعة الإضافية هنا مشتركة للطرفين، وسيأتي بحثها إن شاء الله تعالى.
(٤) القروض المتبادلة بين البنك وعميله إذا كانت مشروطة فهي محرمة، وأما إذا كانت غير مشروطة فإنها جائزة.
(٥) - الإيداع في الحساب الجاري في البنوك الربوية مختلف فيه، فهناك من اعتبره محرمًا؛ لأنه من التعاون على الإثم والعدوان، وهناك من أجازه بشروط، ولأهمية هذه المسألة أحببت أن أفرد الكلام فيها في مبحث مستقل، والله أعلم.
* * *
стр. 5619
المسألة الثانية
في حكم الودائع الجارية
المطلب الأول
أن يأخذ المودع مقدار ما دفعه من غير زيادة ولا نقصان
قال ابن تيمية: «الإعانة على الحرام حرام» (١).
وقال ابن دقيق العيد: وسيلة الطاعة طاعة، ووسيلة المعصية معصية، ويعظم قبح الوسيلة بحسب عظم المفسدة .... » (٢).
وقال ابن عابدين: ما قامت المعصية بعينه ... كره تحريمًا، وإلا فتنزيهًا (٣).
وقال الشيخ محمد العثماني قاضي باكستان: ما لم تقم المعصية بعينه لم يكن من الإعانة حقيقة، بل من التسبب، ومن أطلق عليه لفظ الإعانة فقد تجوز (٤).
[ن-٧٨] إذا أخذ المودِع مقدار ما دفعه من غير زيادة ولا نقصان. فهذا إن كان الإيداع في المصارف الإسلامية فهو جائز إن لم يكن مطلوبًا؛ لأن إقراض الغير إذا كان في ذلك إعانة على الخير ودعم للمشاريع الإسلامية، وحث للبنوك
стр. 5620
الأخرى للتوجه إلى نظام إسلامي بديل، واستقلال من التبعية الاقتصادية الغربية من الأمور المستحبة.
وإن كان الإيداع في البنوك الربوية، وكان الإنسان مضطرًا للإيداع خوفًا من السرقة، ولا يوجد مصارف إسلامية يمكن الإيداع فيها، فالإيداع جائز بالاتفاق؛ إن لم يكن مطلوبًا لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٩].
ولقوله ﷺ في الحديث المتفق عليه: إن الله كره لكم ثلاثًا، قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال (١).
وإن كان الإيداع في البنوك الربوية مع وجود مصارف إسلامية، ولكن يفضل المودع البنوك الربوية إما لكونها أكثر تنظيمًا وأيسر له في سرعة الوصول إلى الخدمات المباحة والتي تقدم لصاحب الحساب الجاري، أو لقربها من موضع سكنه، أو لغيرها من المبررات، فهل يكون الإيداع جائزًا باعتبار أن إقراض البنك لا يأخذ عليه أي فوائد محرمة، أو يكون محرمًا؛ لأنه إعانة على الإثم والعدوان في ذلك خلاف بين أهل العلم.
فقيل: الإيداع لا يجوز، وبه صدر قرار المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي (٢)، وأفتت به اللجنة الدائمة للبحوث العلمية (٣)، ومال
стр. 5621
إلى التحريم سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز (١)،
وجزم به شيخنا محمد ابن عثيمين (٢).
وقيل: يجوز، والقائلون بالجواز، إما لأنهم يرون أن الودائع الجارية هي ودائع حقيقية المقصود منها حفظ المال، فلا يكون في ذلك إعانة على الربا أصلًا كما هو رأي فضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف (٣)، وفضيلة الشيخ جاد الحق علي جاد الحق (٤).
أو يرون أن الودائع الجارية قرض إلا أنهم أجازوا إقراض البنك بشروط:
الأول: أن يكون الباعث على إقراض البنك أمرًا مشروعًا في نفسه كحفظ المال، فإن كان الباعث على الإقراض إعانة البنك أو تضمن عقد القرض ما يدل على ذلك حرم الإيداع.
стр. 5622
الثاني: أن يكون القرض في نفسه مباحًا بحيث لا يشترط فيه أي زيادة أو منفعة لا تجوز.
الثالث: ألا تتوقف معاملات البنك الربوية على عين مال القرض.
وممن ذهب إلى هذا القول فضيلة الشيخ القاضي محمد تقي العثماني قاضي محكمة النقض بباكستان (١)، والمفتي محمد شفيع الباكستاني (٢) وبه صدرت الفتوى من قطاع الإفتاء والبحوث الشرعية في وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية في دولة الكويت (٣).
دليل القائلين بالجواز باعتبار أن الوديعة قرض:
الدليل الأول:
أن الحسابات الجارية هي حسابات متحركة غير مستقرة، لهذا غالب البنوك الربوية لا يعطي عليها فوائد؛ لأنه لا يمكن للبنك من استثمارها في وظيفته الأساسية، وهي الإقراض بفائدة بسبب طبيعتها المتحركة، لهذا يجزم الباحث
стр. 5623
أن المعمول به في جميع المصارف أن البنك لا يصرف جميع ودائع الحساب الجاري في إنجاز أعماله، وإنما يمسك النسبة الأكبر منها ليتمكن من التجاوب مع متطلبات المودعين اليومية، وبما أن الودائع كلها مختلطة بعضها ببعض، فلا يمكن الجزم لمودع واحد أن ودائعه مصروفة في معاملة ربوية.
الدليل الثاني:
أن الحرام في مال البنك الربوي هو الزيادة، وهي نسبة ضئيلة بالنسبة لمجموع المال، ولذلك قال سبحانه: ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة:٢٧٩] فرأس المال حلال بمقتضى الآية، كما أن للبنك مصاريف كثيرة متنوعة، وليست جميع هذه المصاريف محظورة شرعًا، فمنها ما لا حرمة فيه بالإجماع، كالحوالات، وبيع العملات الحالة المقبوضة، وودائع مال الاكتتاب في الشركات المشروعة، وودائع شراء الأوراق المالية النقية، ومال الودائع التي يودعها أصحابها لتغطية ما يمنح من ائتمان بلا فوائد، ومال الودائع التي تودع بسبب أن أصحابها مدينون للبنك في عمليات مرابحة مشروعة، وما يأخذه البنك من أجرة على التوكيلات المباحة، وما يحتفظ به البنك من احتياطي في خزانته ونحوها لتيسير أعماله اليومية، فإذا اختلط هذا القرض، مع مجموع تلك الأموال، وكان استعمال هذا المال مختلطًا منه ما هو حلال، ومنه ما هو حرام لم يكن بمقدور أحد الجزم بأن قرض المودع قد استخدم في قرض ربوي، خاصة إذا علمنا أن نسبة الودائع الجارية إلى نسبة الودائع الآجلة هي نسبة قليلة جدًا.
ولهذا أجاز ابن قدامة بيع العنب لمن يعمل الخل والخمر معًا، ولم يلفظ بما يدل على الخمر.
قال في المغني: «إنما يحرم البيع ويبطل إذا علم البائع قصد المشتري ذلك، إما بقوله، وإما بقرائن مختصة به تدل على ذلك، فأما إذا كان الأمر محتملًا،
стр. 5624
مثل أن يشتريها من لا يعلم حاله، أو من يعمل الخل والخمر معًا، ولم يلفظ بما يدل على إرادة الخمر، فالبيع جائز» (١).
وأجازه الحنفية حتى مع العلم، جاء في الدر المختار: «وجاز بيع عصير عنب ممن يعلم أنه يتخذه خمرًا؛ لأن المعصية لا تقوم بعينه، بل بعد تغيره. وقيل: يكره؛ لإعانته على المعصية» (٢).
وقال الشافعي في الأم: «أكره للرجل أن يبيع العنب ممن يراه أنه يعصره خمرًا، ولا أفسد البيع إذا باعه ... » (٣).
فإذا كان مال البنك مختلفًا، منه ما هو حلال، ومنه ما هو حرام، وكانت معاملات البنك كذلك، منها الحلال ومنها الحرام لم يكن إقراضه حرامًا.
الدليل الثالث:
تصرف البنك في مال القرض لا يمكن أن ينسب إلى المودِع، وذلك لأن القرض الخالي من الربا عقد صحيح، والملك فيه ينتقل من المقرض إلى المقترض، فإذا قبض البنك هذا المال لم يعد المال ملكًا لصاحبه، وإنما صار ملكًا للبنك بحكم الإقراض، وإذا تصرف البنك في تلك النقود فإنه قد تصرف في ملكه، ولم يتصرف في ملك المودع، فلا ينسب هذا التصرف إلى المودِع، وعلى التنزل بأن يكون الإيداع مكروهًا لكون بعض المودعين لا كلهم ربما يكون سببًا غير مباشر في بعض العقود الربوية فإن الكراهة ترفعها الحاجة، ومن الحاجة إلى الإيداع في البنوك الربوية أن تكون أكثر تنظيمًا، وأيسر في تقديم
стр. 5625
الخدمات المباحة لصاحب الحساب الجاري، وأكثر انضباطًا في مراجعة كشف الحسابات اليومية والشهرية.
الدليل الرابع:
أن المصارف الإسلامية تتعامل مع البنوك الربوية المحلي منها والأجنبي، وجزء من هذا التعامل يدخل فيه الإيداعات المتبادلة، والمقاصات التي لا بد منها، ولا يمكن للبنوك الإسلامية أن تؤدي رسالتها إلا عن طريق هذا التعامل، فإذا كان يحرم على الفرد الإيداع في البنوك الربوية كان لزامًا على المصارف الإسلامية ألا تتعامل مع هذه البنوك، وهذا ما لا يمكن تحقيقه.
الدليل الخامس:
إذا كان يجوز التعامل مع البنوك الربوية بيعًا وشراء في المعاملات المباحة وذلك عن طريق بيوع المرابحة بالشروط الشرعية، مع أن أرباح تلك المعاملات ستقوي الجانب المالي للبنك، وتعينه على البقاء ليمارس وظيفته المحرمة في السوق، كما تعامل رسول الله ﷺ وصحابته الكرام في المدينة مع اليهود بيعًا وشراء مع أخذهم الربا وقد نهوا عنه بنص القرآن، وأكلهم السحت، وصدهم عن سبيل الله كثيرًا، وكما عامل النبي ﷺ يهود خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع على أن يعمروها من أموالهم، مع العلم بأن ما يربحه اليهود من هذه المعاملات سيقوي جانبهم المالي في التعاملات الربوية وغيرها من المعاملات المحرمة، فإذا كانت المعاوضة مع البنوك الربوية جائزة مع تضمنها إعانة هذه البنوك فإن الإيداع عندهم جائز من باب أولى.
الدليل السادس:
أن مدار الحكم في المسألة هو الباعث على المعاملة، فإن كان الباعث ليس
стр. 5626
إعانة المقترض، وإنما هو حفظ مال المقرض، وكان عقد القرض خاليًا من أي نص يدل على أن المقرض أراد نفع المقترض، وتصرف البنك بمال القرض جاء بعد أن ملكه بسبب مباح، ولم يتعين قيام الربا بعين مال القرض فإن المعاملة جائزة.
ولذلك رأى الحنفية أن من اشترى جارية، وكشف عن غرضه منها، وهو كونها مغنية فإن هذا الباعث غير مشروع، وبالتالي يكون العقد فاسدًا، فإن كان ذكر الغناء ليس لبيان الغرض من العقد، وإنما هو لبيان العيب، فأراد البائع أن يبرأ من العيب، فاشترط البراءة على المشتري فإن العقد صحيح؛ لأن العقد لم يكن الباعث عليه كونها مغنية، فدل على أن الباعث على العقد له أثر في صحته وفساده، والله أعلم (١).
دليل القائلين بجواز الإيداع باعتبار أن الوديعة أمانة:
سبق أن ذكرنا خلاف العلماء في تكييف الودائع الجارية، وبينا ضعف القول بأن الوديعة الجارية وديعة حقيقية، وقام الدليل على اعتبار أنها قرض، لذلك أرى أن جميع هذه الأدلة لهذا القول قد سيقت في غير محلها، وإنما أذكرها من باب الأمانة في النقل، واستكمال أدلة البحث.
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران:٧٥].
وجه الاستدلال:
إذا جاز إيداع أهل الكتاب مع أنهم أكالون للسحت بنص القرآن فيجوز
стр. 5627
الإيداع لدى البنوك الربوية من باب أولى؛ لأن أخذهم الربا لا يخرجهم من الإسلام، وإن كان الربا من الموبقات.
الدليل الثاني:
(ح-٨٤٧) ما رواه البخاري ومسلم من طريق إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد.
عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ اشترى من يهودي طعامًا إلى أجل، ورهنه درعه (١).
والرهن أمانة في يد المرتهن، فإذا جاز ائتمان أهل الكتاب على الرهن، جاز ائتمانهم على غيره من الأموال.
ويناقش هؤلاء:
الوديعة والرهن أمانة في يد المودَع والمرتهن، فهو لا يتصرف فيها ويستعين بها على الحرام، والكلام إنما هو في إقراض البنك، وليس في وضع أمانة عنده للحفظ لا يتصرف فيها.
دليل القائلين بالتحريم:
إقراض المصارف الربوية فيه إعانة على الإثم والعدوان، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢]. وقال تعالى: ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص:١٧].
ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
القرض عقد مباح، وما دام أن عقد القرض بنفسه لم يتطرق إليه الفساد لم
стр. 5628
يحرم القرض، وكون المقترض بعد تملكه للقرض قد يفعل به ما حرم الله هذا لا يسأل عنه المقرض، وإنما يسأل عنه المقترض، وهذا يمكن تخريجه على مذهب الشافعي الذي ينظر إلى ظاهر العقود دون ما ينويه العاقدان.
قال الشافعي: «أصل ما أذهب إليه: أن كل عقد كان صحيحًا في الظاهر لم أبطله بتهمة، ولا بعادة بين المتبايعين، وأجزته بصحة الظاهر، وأكره لهما النية إذا كانت النية لو أظهرت كانت تفسد البيع. وكما أكره للرجل أن يشتري السيف على أن يقتل به، ولا يحرم على بائعه أن يبيعه ممن يراه أنه يقتل به ظلمًا; لأنه قد لا يقتل به، ولا أفسد عليه هذا البيع وكما أكره للرجل أن يبيع العنب ممن يراه أنه يعصره خمرًا، ولا أفسد البيع إذا باعه إياه; لأنه باعه حلالًا وقد يمكن أن لا يجعله خمرًا أبدًا وفي صاحب السيف، أن لا يقتل به أحدا أبدًا» (١).
وهذا القول من الشافعي ﵀ مطرد مع أصل مذهبه من تقديم ظاهر اللفظ على النية في العقود، وهذا القول من الشافعي مرجوح، وقد ناقشته في مسألة مستقلة في باب موانع البيع.
الوجه الثاني:
أن الإعانة على المعصية حرام ولكن الإعانة الحقيقية هي ما قامت المعصية بعين فعل المعين، ولا يتحقق إلا بنية الإعانة أو التصريح بها، أو تعينها في استعمال هذا الشيء بحيث لا يحتمل غير المعصية، وما لم تقم المعصية بعينه لم يكن من الإعانة حقيقة، بل من التسبب، ومن أطلق عليه لفظ الإعانة فقد تجوز.
ثم التسبب على قسمين: بعيد وقريب.
أما البعيد فلا حرمة فيه؛ ولو اعتبر ذلك لم يبق عمل مباح على وجه الأرض،
стр. 5629
فإن زراعة الحبوب الغذائية والثمار يسبب النفع لأعداء الله، وكذلك من ينسج الثياب فإنه يهيئ لباسًا للبر والفاجر، وربما يستعمله الفاجر في فجوره.
وأما السبب القريب فهو على قسمين:
الأول: ما كان باعثًا للإثم بمعنى كونه محركًا له، بحيث لولا هذا ا لسبب لما صدرت المعصية، وإن إحداث مثل هذا السبب حرام كارتكاب المعصية سواء بسواء، وفي هذا القسم من السبب قال فيه الشاطبي في الموافقات: «إن إيقاع السبب بمنزلة إيقاع للمسبب ... » (١).
قال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨].
فلما كان سب الأصنام يؤدي إلى سب الله نهى الله عن سب الأصنام؛ سدًا للذريعة.
القسم الثاني من السبب القريب ما ليس بمحرك للمعصية في نفسه، بل تصدر المعصية بفعل فاعل مختار، مثل بيع العنب لمن يعصره خمرًا، فالعنب لم تقم المعصية بعينه، بل بعد تغيره ومثله إجارة الدار لمن يتعبد فيها للأصنام.
وجاء في التاج والإكليل: «إذا ظهرت من مكتري الدار خلاعة، وفسق، وشرب خمر لم ينتقض الكراء، ولكن الإمام يمنعه من ذلك، ويكف أذاه عن الجيران ... » (٢).
ويقول الخرشي: «الإجارة لا تنفسخ بظهور المستأجر فاسقًا يشرب فيها الخمر، أو يزني، أو نحو ذلك .. » (٣).
стр. 5630
فهذه البيوع والإجارات وإن كانت سببًا قريبًا للمعصية إلا أنها ليست جالبة أو محركة لها، وهذا النوع من السبب القريب إن كان البائع أو المؤجر قد قصد بذلك إعانة المشتري أو المستأجر على معصية فهو حرام قطعًا، وإذا لم ينو بذلك الإعانة فله حالتان:
الحال الأولى:
ألا يعلم بنية المشتري، وفي هذه الحال يجوز البيع بلا كراهة.
الحال الثانية:
أن يعلم بنية المشتري فإن البيع مكروه، فإن كان المبيع يستعمل للمعصية بعينه فالكراهة تحريمية، وإلا فهي تنزيهية.
وإذا نظرنا في الودائع المصرفية على هذا الأساس وجدنا أن إيداع رجل أمواله في الحساب الجاري ليس سببًا محركًا أو داعيًا للمعاملات الربوية، بحيث لو لم يودع هذا الرجل لم يقع المصرف في معصية، فدخل في القسم الثاني.
ولا يقصد المودع إعانة البنك بل يقصد بذلك حفظ ماله.
ولا يعلم بيقين أن ماله سوف يستخدم في معاملة ربوية، بل يحتمل أن يبقى عند المصرف، أو يستخدم في معاملة مشروعة، ولو استخدمه البنك في معاملة ربوية فإن النقود لا تتعين بالتعيين في عقود المعاوضات المشروعة فلا تنسب هذه المعاملة إلى النقود التي أودعها، وإنما تنسب إلى النقود التي صارت ملكًا للبنك، وغاية ما في الباب أن يكون هذا الإيداع مكروها كراهة تنزيهية، ولاشك أن كثيرًا من المعاملات المشروعة اليوم أصبحت مرتبطة بالبنوك، ويحتاج
стр. 5631
الإنسان لإنجازها أن يكون له حساب مفتوح في إحدى البنوك، فالحاجة ظاهرة مشاهدة، وترتفع مثل هذه الكراهة التنزيهية بمثل هذه الحاجة (١).
الراجح من الخلاف:
الذي أميل إليه أن الإيداع في البنوك الربوية مكروه، وإذا كان هناك حاجة إلى الإيداع ارتفعت الكراهة، لأن الحاجة ترفع الكراهة كما ترفع الضرورة التحريم، والله أعلم.
стр. 5632
المطلب الثاني
أخذ الزيادة غير المشروطة على مبلغ الإيداع
قال ابن عابدين: المنفعة في القرض إذا كانت غير مشروطة تجوز بلا خلاف (١).
[ن-٧٩] إذا دفع المصرف زيادة غير مشروطة على مبلغ الإيداع من باب المكافأة، ولم يكن هناك اتفاق مسبق على هذه المكافأة، ولم يكن الإيداع من أجل هذه المكافأة، فهل يجوز أخذ هذه الزيادة باعتبارها من باب حسن القضاء، أو لا يجوز؟
وإذا كانت لا تجوز فهل يتركها للبنك؟
يرى بعض أهل العلم جواز أخذ هذه الزيادة بثلاثة شروط:
الشرط الأول:
ألا يكون هناك عرف في إعطاء هذه المكافأة، فإن كان هناك عرف في دفع مثل هذه الزيادة لم يجز أخذها؛ لأن المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا.
ويناقش:
بأن هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم:
فقيل: يكره أخذ الزيادة إن كان هناك عرف أو عادة، وهذا مذهب الحنفية (٢).
стр. 5633
وقيل: يحرم، وهذا مذهب المالكية (١)، واختيار القاضي أبي يعلى من الحنابلة (٢).
وقيل: يجوز أخذ الزيادة، وهو المذهب عند الشافعية (٣)، وقول عند الحنابلة، صححه في الإنصاف (٤)، وبه قال ابن حزم (٥). وهو الراجح:
لأن النبي ﷺ كان معروفًا بحسن القضاء، ولم يكن إقراضه مكروهًا، ولا محرمًا.
وإذا كان خيار الناس أحسنهم قضاء كما جاء في الحديث، فإن هذا ينبغي أن يكون أولى الناس بقضاء حاجته، وإجابة مسألته، وتفريج كربته، وفي كراهة إقراضه أو تحريم ذلك تضييق عليه، فلا يقابل إحسانه وفعله للخير بالتضييق عليه.
وإذا جازت الزيادة عند الوفاء من غير شرط مرة واحدة جازت هذه الزيادة ألف مرة من غير فرق.
الشرط الثاني:
أن يكون البنك له معاملات حلال وأخرى حرام، ولا يدري الآخذ أنه يأخذ
стр. 5634
المكافأة من المال المحرم بعينه، فإن كان البنك كل ماله حرام، أو علم أنه يأخذ عين المال الحرام ولو كان بعض معاملاته حلالًا لم يجز له أخذ هذه المكافأة.
الشرط الثالث:
أن يكون ذلك عند سحب الرصيد، أي عند الوفاء، وليس أثناء الدين، فما دام الرصيد مفتوحًا، والمداينة قائمة فلا يجوز له أخذ هذه المكافأة على الصحيح؛ وهو مذهب المالكية (١)، والحنابلة (٢).
قال ابن تيمية: «نهى النبي ﷺ وأصحابه المقرض عن قبول هدية المقترض قبل الوفاء; لأن المقصود بالهدية أن يؤخر الاقتضاء، وإن كان لم يشرط ذلك ولم يتكلم به، فيصير بمنزلة أن يأخذ الألف بهدية ناجزة، وألف مؤخرة وهذا ربا. ولهذا جاز أن يزيد عند الوفاء ويهدي له بعد ذلك لزوال معنى الربا. ومن لم ينظر إلى المقاصد في العقود أجاز مثل ذلك وخالف بذلك سنة رسول الله ﷺ وهذا أمر بين ... » (٣).
ولأن هذه المكافأة أعطيت له من أجل القرض بدليل أنه لم تكن بينهما عادة سابقة في إعطاء مثل هذه المكافأة.
ولأن إعطاء مثل هذا قبل الوفاء يكون مدعاة لبقاء القرض مدة أطول.
стр. 5635
(ث-١٥٢) وقد روى البخاري من طريق أبي بردة، قال:
أتيت المدينة، فلقيت عبد الله ابن سلام ﵁، فقال: ألا تجيء فأطعمك سويقًا وتمرًا، وتدخل في بيت، ثم قال: إنك بأرض الربا فيها فاش، إذا كان لك على جل حق، فأهدى إليك حمل تبن، أو حمل شعير، أو حمل قت، فلا تأخذه فإنه ربا (١).
وقد خالف في ذلك الشافعية، وقالوا بالجواز (٢)، هو وراية عن أحمد (٣)، وعبر الحنفية بأن الأفضل أن يتورع المقرض عن قبول ذلك (٤).
والراجح عندي هو القول الأول، والله أعلم.
* * *
стр. 5636
المطلب الثالث
الموقف من فوائد الودائع غير المشروطة
التصرف فرع الملك، قال الرحيباني: من ملك شيئًا ملك التصرف فيه (١).
لا تترك الفوائد المحرمة لأصحابها. قال القرافي: لا يجمع له بين العوض والمعوض (٢).
[ن-٨٠] تكلمت في المبحث السابق على الخلاف في الفوائد غير المشروطة إذا أعطيت للمودع، وذكرت الشروط في جواز أخذ هذه الزيادة، وعلى القول بأنه لا يجوز أخذها مطلقًا حتى ولو تحققت تلك الشروط فما هو الموقف الفقهي من هذه الزيادة، هل يدعها للبنك، أو يأخذها ويتخلص منها بإنفاقها على وجوه الخير؟ وهل يختلف الحكم بين البنوك الربوية في بلاد المسلمين عنها في بلاد الغرب، والتي قد تستفيد من هذه الزيادة إما في دعم اقتصاديات هي محاربة للمسلمين، أو في صرف هذه الزيادة على المبشرين، وأعداء الإسلام.
في المسألة خلاف بين العلماء.
فقيل: يحرم أخذ فوائد الودائع مطلقًا، وهذا هو رأي شيخنا محمد ابن عثيمين يرحمه الله، وبه أفتى الشيخ جاد الحق علي جاد الحق، والشيخ أحمد هريدي من الأزهر الشريف (٣).
стр. 5637
وقيل: إن كان قبضها وهو يعلم حكم الله فيها فيجب صرفها في وجوه الخير، وإن كان لم يقبضها فليس له إلا رأس ماله، وهو أحد القولين عن الشيخ عبد العزيز بن باز يرحمه الله (١).
وقيل: يأخذها ويتخلص منها بإنفاقها على المضطرين، وعلى وجوه البر العامة، وهو القول الثاني لسماحة الشيخ ابن باز (٢)، والشيخ عبد الله ابن جبرين (٣)، واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (٤)،وبه صدرت الفتوى من قطاع الإفتاء والبحوث الشرعية في وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية في دولة الكويت (٥).
دليل من قال: لا يجوز:
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَاا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٨ - ٢٧٩].
стр. 5638
الدليل الثاني:
قال ﷺ كما في حديث جابر الطويل في صفة حجة النبي ﷺ ، وفيه:
(ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ..... وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا، ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله) (١).
وجه الاستدلال:
أن الرسول وضع الربا الذي كان معقودا في الجاهلية قبل تقرر الأحكام في الإسلام، فما بالك بربا حصل بعد تقرر الأحكام في الإسلام؟!
الدليل الثالث:
منع المسلمين من أخذ تلك الزيادة سوف يضطرهم إلى أن يبحثوا عن مصارف إسلامية وبنوك إسلامية يستغنون بها عن هذه البنوك الربوية؛ لأن الأزمات والحاجات والضرورات لا بد أن تبرز شيئا ما، فإذا قيل للناس: هذا الربا الذي تدعون أنه فوائد لا يحل لكم، وأنتم إذا أخذتموه فقد أكلتم الربا حين أكلتموه، وإن تصدقتم به تقربًا إلى الله لم يقبل منكم، وإن تصدقتم به تخلصًا منه، فما الفائدة من أن يلوث الإنسان يده بالنجاسة ثم يذهب ليغسلها. فنقول: إنه إذا منع هذا، فإنه لا شك أنه سيكون سببًا لكون الناس يبحثون عن مصادر إسلامية، ويكونون بنوكا إسلامية يستغنون بها عن هذه البنوك الربوية، ولذلك لما منع الفقهاء التعامل مع البنوك الربوية، ولم يستسلموا للضغوط أنتج هذا أن توجه المسلمون إلى إنشاء مصارف إسلامية تزاحم المصارف الربوية، بل
стр. 5639
إن المصارف الربوية بدأت بالتآكل حيث أخذت تتحول إلى مصارف إسلامية حرصًا على مراعاة المسلمين لكسب أموالهم (١).
تعليل من قال بالجواز:
التعليل الأول:
أن معاملات البنك قائمة على الاقتراض من العملاء بفائدة، وإقراضها عملاء آخرين بفائدة أعلى، والفارق بين الزيادتين هو كسب البنك، فترك الزيادة للبنك يعني أن يرابي بها البنك مع عميل آخر، ويتقوى بها على معاملاته المحرمة.
ويناقش:
هذه الزيادة لا بد من معرفة من يملكها أولًا، لننظر في جواز التصرف فيها، لأن التصرف هو فرع عن الملك، فمن يملك الشيء يملك التصرف فيه، فإذا رأينا أن عقد القرض هو من عقود التمليك، والمال الذي اقترضه البنك قد ملكه البنك بمقتضى عقد القرض، ونماؤه من حرام أو حلال هو من كسب البنك وفعله محسوب عليه، ولذلك لو كان نماء هذا المال حلالًا لم يجز الاعتداء عليه، فإذا تركت هذه الزيادة فأنت لم تترك مالك للبنك لكي يقرضه شخصًا آخر، وإنما تركت مال البنك الحرام للبنك، فلا تسأل عنه شرعًا، وإذا أخذته
стр. 5640
فقد أخذت ما لا يحل لك أخذه، وإذا كان لا يحل لك أخذه لم يحل لك التصرف فيه، ومنه إنفاقه في وجوه الخير.
ورد هذا:
بأن الوديعة الجارية مع الفائدة لا يمكن أن يقال عنها إنها عقد قرض؛ لأن القرض من عقود الإرفاق والإحسان، وإنما هي من عقود المعاوضات، وإذا كان العقد كذلك كانت الزيادة تبعًا للمال، وليست منفصلة عنه.
وأجيب:
بأن المسألة مفروضة في فوائد غير مشروطة بين البنك وبين المودع، فيبقى العقد فيها لم يخرج عن القرض، أما إذا كانت الفوائد مشروطة فإن العقد يخرج عن عقود الإرفاق إلى عقود المعاوضات، وحينئذ يكون العقد من أساسه عقدًا باطلًا، والعقد الباطل يجب فسخه، وفسخه يكون برد رأس المال إلى صاحبه دون زيادة، ولا يجوز بحال أخذ الزيادة؛ لأن ما ترتب على الباطل فهو باطل.
التعليل الثاني:
أن ترك الزيادة للبنك يعني أن نجمع للبنك بين العقد المحرم وبين عوضه، ونكون بذلك قد كافأنا البنك على معصيته.
ويجاب:
الجزم بأن هذه الزيادة هي عوض المال المودع لا دليل عليه، لأن البنك ملتزم بدفع هذه الزيادة مطلقًا سواء ربح المال أو خسر، فقد يكون البنك قد تصرف في هذه الوديعة في الوجوه المشروعة، وهي كثيرة، وربما أبقى المال في الخزانة كجزء من المال الاحتياطي لتيسير معاملاته اليومية، وإجابة طلبات أصحاب الودائع الجارية، وربما تأخر استثمارها في القروض المحرمة، وإذا