← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 5706–5745 · переход к 5711.

стр. 5706

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5707

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5708

وقد رأى بعض العلماء المعاصرين بأنه إذا جاز الإلزام بالوعد بالمعروف، والقضاء به إذا تم على سبب، ودخل الموعود في السبب، مع أنه تبرع محض، فلأن يلزم به في المعاوضات أولى وأحرى. وهذا القول في الحقيقة قلب للقاعدة الفقهية المعروفة: وهي أن الغرر يغتفر في باب التبرعات، أكثر منه في باب المعاوضات. ولهذا اغتفر في عقود التبرعات هبة المجهول، والوصية به، وعدم القدرة على تسليمه، وكل هذه الأمور لا يجوز بيعها.

стр. 5709

القول الراجح في هذه المسألة: أرى أن بيع المرابحة للواعد بالشراء جائزة بشرط عدم الإلزام، وأن يكون الخيار للبائع والمشتري على حد سواء، وإذا اشترى التاجر أو المصرف البضاعة، وتحقق الواعد من مطابقتها، ورغب في شرائها كان له ذلك بإيجاب وقبول جديدين. * * *

стр. 5710

الفرع الثالث في بيع المصرف السلعة قبل تسجيلها باسمه الكتابة في البيع لا يتوقف عليها ثبوت البيع، ولا صحته، ولا لزومه وإنما يحتاج إليها في إثباته عند النزاع، وفي متطلبات الإجراءات الإدارية. [ن-٩٧] تسجيل السلعة باسم البنك من سيارة أو عقار هو إجراء قانوني لا يتوقف عليه ثبوت البيع، فالبيع هو الإيجاب والقبول الصادران بالاعتبارات الشرعية، أما تسجيل السلعة لدى الدوائر الحكومية فإنه يأتي لاحقًا بعد ثبوت البيع كنوع من التوثيق، وليس شرطًا في ثبوت البيع، ولا في صحته، ولا في لزومه شأنه في ذلك شأن كتابة الدين وتوثيقه برهن ونحوه، وإذا كان الأمر كذلك فإنه لا حرج على المصرف (البنك) أن يبيع السيارة إذا ملكها قبل تسجيلها لدى الدوائر المعنية بذلك، وفي هذا مصلحة للمتعاقدين خاصة إذا كانت المكوس المدفوعة مرتفعة، كما أن فيه اختصارًا لوقت المتعاقدين، والله أعلم. * * *

стр. 5711

الفرع الرابع في بيع المصرف السلعة بعد تملكها وقبل قبضها يقول ابن تيمية: «القبض في البيع ليس هو من تمام العقد ... ولكن أثر القبض إما في الضمان، وإما في جواز التصرف» (١). [ن-٩٨] جاء في مجلة الأحكام العدلية: «القبض ليس بشرط في البيع إلا أن العقد متى تم كان على المشتري أن يسلم الثمن أولًا، ثم يسلم البائع المبيع إليه» (٢). قال ابن تيمية: «القبض في البيع ليس هو من تمام العقد، كما هو في الرهن، بل الملك يحصل قبل القبض للمشتري تابعًا، ويكون نماء المبيع له بلا نزاع، وإن كان في يد البائع، ولكن أثر القبض إما في الضمان، وإما في جواز التصرف» (٣) والذي يعنينا في هذا الباب أن البنك أحيانًا يبيع السلعة بعد تملكها، وقبل قبضها، فهل يصح البيع، أو لا بد من قبضها وحيازتها؟ و للجواب على ذلك نقول: تارة يكون القبض من تمام العقد كقبض الثمن في السلم، والتقابض يدًا بيد في الأموال الربوية، فإذا تفرق العاقدان بدون القبض بطل العقد؛ لأن تأخير

стр. 5712

القبض يوقع في محذور شرعي لا يمكن دفعه إلا بالقبض، ومثل هذا لا يجوز فيه للبنك أن يبيع السلعة قبل قبضها، ويجب عليه إقباضها قبل التفرق. وتارة يكون القبض أثرًا من آثار العقد وواحدًا من موجباته، ولا يلزم من تأخر القبض الوقوع في أي محذور شرعي، ولذلك لا مانع من اشتراط الخيار فيه، واشتراط الأجل كالعقارات والسيارات ونحوها. فإذا كان المبيع من هذا النوع فقام البنك بامتلاك هذه السلعة من سيارة أو عقار فهل يجب عليه أن يقبضها قبل أن يبيعها، أو له أن يبيعها قبل أن يقبضها ويحوزها. هذه المسألة ترجع إلى خلاف فقهي قديم في حكم التصرف في السلعة قبل قبضها: فقيل: يجوز بيع العقار قبل القبض في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى، ولا يجوز بيع المنقول حتى يقبض (١).

стр. 5713

وقيل: لا يجوز التصرف في المبيع قبل القبض مطلقًا، عقارًا كان أو منقولًا، وهو قول محمد بن الحسن، وزفر من الحنفية (١)، ومذهب الشافعية (٢)، ورواية عن أحمد (٣)، وهو قول ابن حزم (٤)، ورجحه ابن تيمية وابن القيم (٥). وقيل: لا يجوز بيع الطعام المكيل أو الموزون قبل قبضه، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية (٦). وقيل: لا يجوز بيع المكيل أو الموزون أو المعدود أو المذروع، وكذا ما اشتري بصفة أو رؤية متقدمة قبل قبضه، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٧). وقيل: لا يجوز بيع الطعام الربوي فقط قبل قبضه، وأما غير الربوي من الطعام فيجوز بيعه قبل قبضه، وهو رواية عن مالك (٨).

стр. 5714

وقد ذكرنا أدلة هذه الأقوال في مسألة: (جواز التصرف في المبيع قبل قبضه) فأغنى عن إعادته هنا. وبناء على هذا الخلاف وقع خلاف بين المعاصرين في تصرف البنك في بيع السلع بعد تملكها، وقبل قبضها. جاء في فتوى المستشار الشرعي للبنك الإسلامي الأردني: «يجوز إتمام البيع مرابحة على أساس بوليصة الشحن عن طريق تظهيرها تظهيرًا ناقلًا للملكية وذلك دون معاينة البضاعة الموضوعة في البوليصة» (١). وجاء في جواب المستشار الشرعي لبيت التمويل الكويتي عن سؤال بهذا الخصوص «الاستلام إما أن يكون فوريًا بمعاينة المبيع وعزله عن غيره وتحديده بحيث تكون البضاعة تحت حيازتك، وأنت المسئول عما يحدث لها من وقت استلامك، وإما أن يكون استلامًا مؤجلًا بأن تشترى البضاعة، وتمتلكها ولكن يؤجل الاستلام إلى حين بيعها للغير عندئذ تذهب إلى مخازن البائع، وتستلمها منه كليًا أو جزئيًا لتسلمها إلى المشتري، ويمكن تسلمها عند البيع، وعزلها في مخازن البائع بصورة مميزة، وتكون حينئذ مضمونة على المشتري، وهو بيت التمويل، وأمانة لدى البائع في مخازنه، وعلى العموم فإن الإمام مالك قال بجواز بيع ما عدا الأطعمة، فيجوز عنده للمالك أن يبيع البضاعة التي يمتلكها، ولو لم يحزها إذا لم تكن طعامًا» (٢). والذي رجحناه في التصرف في المبيع قبل قبضه نرجحه هنا، وأن المبيع إذا كان عقارًا أو سيارة فإن المشتري يملكه بالعقد، ويدخل في ضمانه، وإذا هلك

стр. 5715

هلك من ماله إلا أن يمنعه البائع من قبضه، وبالتالي يجوز التصرف فيه قبل قبضه، أما المبيع إذا كان القبض شرطًا في صحته، أو شرطًا في لزومه كما لو كان فيه حق توفية من كيل أو وزن أو عد أو ذرع فلا بد من قبضه قبل التصرف فيه، والله أعلم. * * *

стр. 5716

الفرع الخامس في الزيادة في الثمن مقابل التأجيل يشتمل بيع المرابحة على زيادة في الثمن مقابل التأجيل، فهل الأجل له قيمة في العقد؟ وللجواب على ذلك: أما في عقد القرض فلا يجوز أن يكون للأجل أي قيمة، بل يجب في القرض أن يرد مثل ما أخذ بدون اشتراط أي زيادة، وهذا مجمع عليه، وسبق بيانه. وأما الزيادة في عقد البيع مقابل التأجيل فهي محل خلاف. وللجواب على ذلك نقول: للمسألة صورتان: الصورة الأولى: أن يقول البائع للمشتري: السلعة بمائة نقدًا، أو بمائة وخمسين نسيئة. الصورة الثانية: أن يكون العقد من الأصل مؤجلًا دون أن يتعرض العاقدان لقيمة السلعة في حال التعجيل، ولكن من نظر إلى قيمة السلعة علم أن قيمتها قد زيد فيها مقابل التأجيل. وسوف نبحث كل مسألة على انفراد إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 5717

المسألة الأولى إذا عرضت السلعة نقدًا بكذا ونسيئة بكذا [م-١٢٤٤] إذا قال الرجل للرجل: بعتك هذه السلعة بعشرة نقدًا، أو بعشرين نسيئة، فإن تفرقا دون القطع بأحد الثمنين فقد اختلف العلماء في حكم البيع. فقيل: البيع لا يصح، وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣). وقيل: إن وقع البيع على وجه اللزوم فالبيع باطل، وإن وقع على وجه الاختيار فالبيع صحيح، وهذا مذهب مالك في المدونة (٤).

стр. 5718

وقيل: البيع صحيح، وهو اختيار ابن القيم (١)، وخرجه بعضهم وجهًا في مذهب الحنابلة (٢). وسبب الاختلاف عندهم: هو جهالة الثمن، لأنهم لا يدرون هل الثمن هو النقد، أو الثمن هو النسيئة. وسبق لنا تحرير هذه المسألة مع ذكر أدلتها في باب الجهالة بالثمن، في حكم إبهام الثمن على وجه التخيير، فأغنى عن إعادته هنا. [م-١٢٤٥] وإن وقع البيع على إحدى الثمنين قبل التفرق. فقيل: البيع صحيح، وهو قول عامة أهل العلم (٣)، وقد قال الحكم وحماد

стр. 5719

وإبراهيم النخعي حين سئلوا عن الرجل يشتري الشيء بكذا نقد، وإن كان إلى أجل فبكذا، قالوا: لا بأس إذا تفرقا على أحدهما. والإسناد إليهم صحيح (١). وكذا رواه عبد الرزاق بسند صحيح عن الزهري وقتادة (٢). وقال الخطابي: «إذا باته على أحد الأمرين في مجلس العقد فهو صحيح لا خلف فيه، وذكر ما سواه لغو لا اعتبار له» (٣). وهذه حكاية للإجماع. وجه القول بالجواز: إذا عرض البائع قيمتين للسلعة أحدهما حالة، والأخرى نسيئة، وكان ذلك في مرحلة سوم السلعة، فاختار المشتري أحد العرضين قبل التفرق لم يؤد ذلك إلى جهالة الثمن؛ لأن البيع سيقع بثمن بات قبل التفرق. وقيل: لا يصح، وهو ظاهر قول ابن مسعود ﵁ (٤). دليل هذا القول: (ح-٨٤٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، ثنا محمد ابن عمرو، ثنا أبو سلمة. عن أبي هريرة ﵁، قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة (٥). وقد فسره ابن مسعود ﵁ بأن البيعتين في بيعة أن يقول: إن كان بنقد فبكذا، وإن كان نسيئة فبكذا.

стр. 5720

(ث-١٥٤) فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: أخبرنا وكيع، أخبرنا سفيان، عن سماك، عن عبد الرحمن بن عبد الله. عن أبيه (عبد الله بن مسعود ﵁، قال: صفقتان في صفقة ربا، أن يقول الرجل: إن كان بنقد فبكذا، وإن كان بنسيئة فبكذا (١). [ورجاله ثقات]. والراجح القول بالجواز، وسيأتي إن شاء الله تعالى توجيه قول ابن مسعود ﵁ في المسألة التالية فانظره هناك. * * *

стр. 5721

المسألة الثانية أن يكون العقد من الأصل مؤجلًا إذا جازت الزيادة في المبيع مقابل تأجيله كما في السلم جازت الزيادة في الثمن مقابل تأجيله؛ لأنه أحد العوضين. قال ابن الهمام: إن للأجل شبهًا بالمبيع، ألا يرى أنه يزاد في الثمن لأجل الأجل (١). قد تحرم الزيادة وإن قابلها عوض كالزيادة في مقابل الجودة، وقد تجوز وإن لم يقابلها عوض كالشراء بأكثر من ثمن المثل مع علم المشتري ورضاه. [م-١٢٤٦] إذا دخل العاقدان من ابتداء العقد على أن الثمن مؤجل، ولم يتعرضا لقيمة السلعة حالة، ولكن قيمتها قد روعي فيه كون الثمن مؤجلًا، فزيد فيه من أجل ذلك، فما حكم هذه الزيادة؟ ذهب عامة أهل العلم إلى جواز مثل تلك المعاملة (٢)، إلا خلافًا شاذا قال به بعض أهل العلم (٣)، وهو قول مرجوح.

стр. 5722

دليل القائلين بجواز الزيادة في مقابل التأجيل: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥]. وجه الاستدلال: أن الآية دلت بعمومها على جواز البيع مطلقًا إلا ما نص الشارع على تحريمه، ولم يرد نص بتحريم الزيادة في ثمن المبيع مقابل التأجيل فيكون حلالًا. الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾. [البقرة: ٢٨٢]. وجه الاستدلال: دلت الآية على جواز المداينة، ومن حرم هذه الصورة فعليه الدليل على إخراجها من عموم الآية. الدليل الثالث: (ح-٨٥٠) ما رواه أحمد من طريق جرير - يعني ابن حازم - عن محمد - يعني ابن إسحاق- عن أبي سفيان، عن مسلم بن جبير، عن عمرو بن حريش، قال: سألت عبد الله بن عمرو بن العاص، فقلت: إنا بأرض ليس بها دينار،

стр. 5723

ولا درهم، وإنما نبايع بالإبل والغنم إلى أجل، فما ترى في ذلك؟ قال: على الخبير سقطت، جهز رسول الله ﷺ جيشًا على إبل من إبل الصدقة، فنفدت، وبقي ناس، فقال: رسول الله ﷺ : اشتر لنا إبلًا بقلائص من إبل الصدقة إذا جاءت حتى نؤديها إليهم، فاشتريت البعير بالاثنين، والثلاث من قلائص، حتى فرغت فأدى ذلك رسول الله ﷺ من إبل الصدقة (١). وفي لفظ أبي داود: فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة (٢). [حسن] (٣). وجه الاستدلال: دل الحديث على جواز الزيادة في مقابل التأجيل، فالأصل أن الثمن الحال أن يكون البعير في مقابل البعير، فلما أجل الثمن صار البعير في مقابل بعيرين إلى ثلاثة. واعترض على هذا الاستدلال: لا يلزم من بيع البعير بالبعيرين أن يكون ذلك في مقابل التأجيل، فالواقع يدل على أن بعض الحيوانات أفضل من بعض، فليست الحيوانات متساوية القيم حتى يقال: إن الزيادة في الثمن كانت في مقابل التأجيل، فقد يكون البعير الواحد خيرًا من الاثنين ومن الثلاثة في الوصف. وأجيب: حمل الزيادة في الثمن على أن ذلك بسبب اختلاف الوصف حمل على سبب

стр. 5724

لم يذكر مطلقًا في الحديث، وتجاهل لسبب قد نص عليه في الحديث، وهو التأجيل، وهذا غير سديد، فلو كان الباعث على الزيادة غير الأجل لذكر في البيع، فلما لم تذكر الجودة مطلقًا في الحديث، وذكر الأجل في العقد تبين أنه هو السبب في الزيادة. هذه من جهة، ومن جهة أخرى فإن الثمن في هذه الصفقة موصوف في الذمة، وليس مشاهدًا حتى يقال: إن البعير المبيع أجود من البعيرين ومن الثلاثة، فالأصل أن الثمن سيكون على صفة المبيع في الجودة مع زيادة في العدد مقابل التأجيل. الدليل الرابع: القياس على جواز الزيادة في مقدار المبيع مقابل التأجيل كما في السلم. (ح-٨٥١) لما رواه مسلم من طريق أبي المنهال. عن ابن عباس قال قدم النبي ﷺ المدينة، وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال: من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم (١). وجه الاستدلال: دل الحديث على أن الصحابة ﵃ كانوا يسلفون في الثمار السنة والسنتين، وكان الارتفاق للمزارعين بأن يستفيدوا من تقديم الثمن لإصلاح حرثهم وزرعهم، وكان التجار ينتفعون من الزيادة في المبيع مقابل تأجيله، وقد أقرهم النبي ﷺ على ذلك، فما جاز في المبيع جاز في الثمن؛ لأنه أحد العوضين. الدليل الخامس: الزيادة في ثمن السلعة مقابل التأجيل غاية ما فيه أنه قد باع السلعة بأكثر من

стр. 5725

ثمنها، وهذا لا يقتضي التحريم ما دام أن العاقدين قد رضيا بذلك، فهو لو باعها بأكثر من ثمنها والثمن حال وكان المشتري عالمًا لم يبطل البيع بمجرد الزيادة، فمن باب أولى إذا باعها مع التأجيل. الدليل السادس: حكى بعض العلماء الإجماع على جواز الزيادة في مقابل التأجيل، ولم يخالف في ذلك إلا بعض الشيعة، وبعض المعاصرين. فقد نقل الخطابي في معالم السنن في مسألة ما إذا قال: هذا الثوب نقدًا بعشرة، وإلى شهر بخمسة عشر، قال: ..... إذا باته على أحد الأمرين في مجلس العقد فهو صحيح لا خلف فيه، وذكر ما سواه لغو لا اعتبار له» (١). دليل القائلين بالتحريم: الدليل الأول: أن الزيادة في مقابل التأجيل من الربا المحرم لأنها زيادة في مقابل الأجل والإمهال، وهذه الزيادة لا يقابلها عوض إلا الأجل فيكون من الربا الصريح. ويجاب من وجهين: الوجه الأول: أن الزيادة في الأجل ليست كلها محرمة، بل هي على ثلاثة أنواع: النوع الأول: الزيادة في الأجل في مقابل القرض، وهذا محرم بالإجماع، لأن القرض قصد به الإرفاق والإحسان، واشتراط الزيادة فيه تجعل الغرض من القرض

стр. 5726

التكسب والمعاوضة، وهذا يخرج القرض عن موضوعه، ولذلك لو زاده المقترض عند الوفاء بلا اشتراط ولا عادة لم تحرم الزيادة؛ ولا تعتبر من قبيل الربا؛ لأن هذه الزيادة لم تكن مقصودة في العقد، ولم تكن هي الباعث عليه ولذلك لم يوفق من قاس تحريم الزيادة في ثمن المبيع على الزيادة في مقدار القرض؛ لاختلاف عقد القرض عن عقد البيع. النوع الثاني: الزيادة في الأجل في مقابل الدين الثابت في الذمة، كما لو باع الإنسان سلعة بمائة ريال مؤجلة، وثبت واستقر هذا الدين في ذمته، فلما حان وقت السداد زاده في مقدار الدين من أجل زيادة التأجيل، وهذا من الربا المجمع عليه، وهو من ربا الجاهلية. وقد تكلمنا عليه في ربا الديون، وقياس الزيادة في ثمن المبيع ابتداء على الزيادة في قدر الدين بعد العجز عن السداد بسبب التأجيل قياس مع الفارق: فالأولى زيادة تابعة للثمن مندمجة معه لا تتميز عن أصله، ولا تحسب هذه الزيادة في البيوع إلا مرة واحدة عند إبرام العقد، ولا تتضاعف هذه الزيادة في التأجيل إن أعسر المدين بل يؤجل الثمن إلى ميسرة في إرفاق يشبه القرض بينما الزيادة الثانية زيادة منفصلة عن الثمن انفصالًا تامًا وإنما أضيفت على قدر الدين بعد ثبوت مقداره في الذمة بسبب العجز عن السداد، فكيف يصح قياس هذه على تلك؟ النوع الثالث: الزيادة في ثمن المبيع مقابل التأجيل ابتداء عند عقد البيع فهذا جائز بمقتضى النص الشرعي.

стр. 5727

(ح-٨٥٢) فقد روى مسلم من طريق أبي الأشعث. عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ : الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد (١). فالحديث تضمن أحكامًا منها: (أ) - أن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة: يحرم فيه الزيادة كما يحرم فيه التأجيل، فالزيادة محرمة، والتأجيل كذلك. (ب) - أن بيع الذهب بالفضة، والبر بالتمر: يجوز فيه الزيادة، وليس هناك حد للزيادة الجائزة شرعًا لقوله ﷺ : (فبيعوا كيف شئتم) ولكن لا يجوز فيه التأجيل لقوله ﷺ : (إذا كان يدًا بيد). (ج) - أن بيع الذهب بالبر، يجوز فيه اجتماع الزيادة والتأجيل، والزيادة علقها بالمشيئة (فبيعوا كيف شئتم) وهذا دليل على جواز اجتماع الزيادة مع التأجيل. ولو قلنا: لا تجوز الزيادة في مقابل التأجيل مع اختلاف الجنس والعلة لكان ذلك يعني تحريم اجتماع الزيادة والتأجيل في مثل هذه البيوع، وهذا خلاف مقتضى الحديث. فالشارع الذي حرم الزيادة والتأجيل في بيع الذهب بالذهب، وأجاز الزيادة وحدها دون التأجيل في بيع الذهب بالفضة، هو الذي أجاز اجتماع الزيادة والتأجيل في بيع البر بالذهب، والسيارة بالنقود. الوجه الثاني: أن القول بأن كل زيادة لا يقابلها عوض تكون من الربا المحرم غير مسلم،

стр. 5728

فهناك زيادة محرمة وإن قابلها عوض، وهناك زيادة لا يقابلها عوض، وهي حلال. فالشارع منع من التفاضل في مبادلة المال الربوي الجيد بالرديء، وإن كانت الزيادة في مقابلة الجودة. وإذا اشترى الرجل سلعة بأكثر من ثمن المثل راضيًا بذلك جازت الزيادة، وإن كان لا يقابلها شيء. الدليل الثاني: (ح-٨٥٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، ثنا محمد ابن عمرو، ثنا أبو سلمة. عن أبي هريرة ﵁، قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة (١). ورواه يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن محمد بن عمرو به، بلفظ: من باع بيعتين في بيعة، فله أوكسهما أو الربا. [حسن، وزيادة فله أوكسهما زيادة شاذة] (٢). وجه الاستدلال: أن البيعتين في بيعة: هو أن يبيع الرجل السلعة بعشرة نقدًا، أو بعشرين نسيئة، فله أو كسهما، وهو البيع بعشرة، فإن أخذ العشرين مقابل التأجيل وقع في الربا. وبهذا فسره ابن مسعود ﵁ وكثير من السلف.

стр. 5729

(ث-١٥٥) فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: أخبرنا وكيع، أخبرنا سفيان، عن سماك، عن عبد الرحمن بن عبد الله. عن أبيه (عبد الله بن مسعود ﵁، قال: صفقتان في صفقة ربا، أن يقول الرجل: إن كان بنقد فبكذا، وإن كان بنسيئة فبكذا (١). [ورجاله ثقات]. كما فسره أيضًا بذلك سماك بن حرب. (ث-١٥٦) رواه أحمد من طريق شريك، عن سماك بن حرب، قال: الرجل يبيع البيع، فيقول: هو بنسأ بكذا وكذا، وهو بنقد بكذا وكذا. رواه أحمد. [و شريك سيء الحفظ] (٢). (ث-١٥٧) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا الثقفي، عن أيوب، عن محمد أنه كان يكره أن يستام الرجل السلعة يقول: هي بنقد بكذا، وبنسيئة بكذا (٣). [وسنده صحيح]. وقال النسائي في المجتبى: شرطان في بيع: وهو أن يقول: أبيعك هذه السلعة إلى شهر بكذا، وإلى شهرين بكذا. وقال أيضًا: بيعتين في بيعة: وهو أن يقول: أبيعك هذه السلعة بمائة درهم نقدًا، وبمائتي درهم نسيئة (٤).

стр. 5730

وأجيب عن ذلك من وجهين: الوجه الأول: أن حديث النهي عن بيعتين في بيعة حديث حسن إلا أن قوله: (فله أوكسهما أو الربا) قد تفرد بها يحيى بن زكريا ابن أبي زائدة، وهي زيادة شاذة، وقد سبق بيان ذلك في مسألة: حكم بيع العينة، فأغنى عن إعادته هنا. وأما كلام ابن مسعود ﵁ فهو محتمل، ويحمل على أن المراد أن يبيع الرجل السلعة بعشرة نقدًا، أو بعشرين نسيئة، فيفترق المتبايعان دون تعيين أحد الثمنين. وبهذا فسره أكثر أهل العلم، ونقل ذلك الترمذي في سننه (١)، وهي صورة من صور بيعتين في بيعة عند الحنفية (٢)، وهو أشهر التأويلين في مذهب الشافعية (٣)،

стр. 5731

وقال به من السلف طاووس والثوري وإسحاق (١)، وقول في مذهب الحنابلة (٢). وقد قال الحكم وحماد وإبراهيم النخعي حين سئلوا عن الرجل يشتري الشيء بكذا نقد، وإن كان إلى أجل فبكذا، قالوا: لا بأس إذا تفرقا على أحدهما. والإسناد إليهم صحيح (٣). وكذا رواه عبد الرزاق بسند صحيح عن الزهري وقتادة (٤). وقال الخطابي: «إذا باته على أحد الأمرين في مجلس العقد فهو صحيح لا خلف فيه، وذكر ما سواه لغو لا اعتبار له» (٥). وهذه حكاية للإجماع. وعلى كل فإن النهي عن بيعتين في بيعة، وإن كان محفوظًا إلا أنه لم يرد في الشرع ما يفسر معنى الحديث، وليس هناك في اللغة أو في العرف تفسير له يمكن التحاكم إليه، وقد اختلف العلماء في تفسيرها على أقوال كثيرة وصلت إلى أكثر من ستة أقوال، وقد ذكرت أقوالهم فيما سبق وأدلتهم في مسألة

стр. 5732

مستقلة، واختلافهم يدل على أنه ليس في المسألة نص عن الشارع، والذي أميل إليه أن البيعتين في بيعة ليست محصورة في صورة واحدة، بل يدخل في ذلك: كل عقدين جمعا في عقد واحد وترتب على جمعهما محذور شرعي، وإذا باع الرجل السلعة بعشرة نقدًا، أو بعشرين نسيئة، واختار المشتري أحد الأمرين قبل التفرق فلا محذور فيه شرعًا، فإن المبيع معلوم، والثمن معلوم أيضًا، ولا يصدق عليه أبدًا أنه بيعتين في بيعة، وإنما هي بيعة واحدة عرضت على المشتري بأحد الثمنين فاختار أحدهما، والله أعلم. الوجه الثاني: سلمنا أن تفسير الحديث في النهي عن بيعتين في بيعة يعني النهي بيع الرجل السلعة بكذا نقدًا أو بكذا نسيئة، فإن غاية ما فيه الدلالة على المنع من البيع إذا وقع على هذه الصورة، ولا يدل على المنع إذا وقع البيع من أول الأمر نسيئة بكذا فقط، وكان أكثر من سعر يومه، فإن العقد في هذه الصورة ليس فيه إلا بيعة واحدة جزمًا مع أن المحتجين بهذه الرواية يمنعون من هذه الصورة، ولا يدل الحديث على ذلك فالدليل أخص من الدعوى. الراجح: أن الزيادة في مقابل التأجيل لا حرج فيها، وأنه لا دليل صحيح في المنع من الزيادة في مقابل التأجيل. لكن يجب أن يتنبه إلى أن إفراد الزيادة في الذكر قد يكون سائغًا، وقد يكون حرامًا، فإن كان الثمن الذي وقع عليه العقد هو الثمن الحال في ذمة المشتري، ثم أراد المشتري تأجيل الثمن مقابل زيادة مقدرة، فهذا من الربا المحرم، والزيادة هنا ليست مقابل تأجيل ثمن السلعة، وإنما الزيادة هنا مقابل تأجيل الدين الثابت في الذمة، وهذا لا يجوز.

стр. 5733

وإن كان إفراد الزيادة في مرحلة المساومة لبيان الثمن النقدي، وما سيلحق الثمن من زيادة إن وقع عقد البيع على تأجيل الثمن، ويكون الثمن واحدًا باتًا، غير قابل للزيادة عند تأخر الأداء. فلا مانع من ذلك. * * *

стр. 5734

المبحث الخامس في الاعتماد البسيط الفرع الأول تعريف فتح الاعتماد البسيط في الاعتماد البسيط لا يتحمل العميل دفع أية فوائد على المبلغ الائتماني إذا لم يتم سحبه فعلًا عدا عمولة فتح الاعتماد. فتح الاعتماد يعطي القدرة على الاقتراض، وقد يوجد القرض وقد لا يوجد. تعريف فتح الاعتماد البسيط: «هو عقد يتعهد به البنك أن يضع تحت تصرف العميل - بطريق مباشر أو غير مباشر- أداة من أدوات الائتمان في حدود مبلغ نقدي معين لمدة محدودة أو غير محدودة ... ». وأهم الأدوات التي يقدمها البنك للعميل أربع: القرض، والخصم (١)، والقبول (٢)، والضمان.

стр. 5735

فيتفق القرض والخصم في أن البنك يتعهد فيهما أن يضع تحت تصرف العميل مبلغًا نقديًا متفقًا عليه لا يمكنه تجاوزه، ويسمى بحد الائتمان. ويتفق القبول والكفالة في أنهما على خلاف الصورتين السابقتين لا يتجرد البنك فيهما فورًا من أي مبلغ، فهما مجرد تعهد من البنك. وقد يضطر البنك إلى الدفع إذا تخلف العميل عن تنفيذ التزاماته التي تحملها قبل الغير (١). وكثيرًا ما يلجأ التجار إلى فتح الاعتماد بدلًا من القرض، لأن القرض العادي تسري عليه الفوائد بمجرد إتمام العقد، ويتم الحصول على المبلغ المقترض دفعة واحدة، أما في فتح الاعتماد فإن للعميل أن يسحب المبلغ المعتمد على دفعات، والفوائد لا تسري إلا على المبلغ المسحوب فقط، وليس على كامل المبلغ الذي يضعه البنك تحت تصرف العميل، فإذا دخل التاجر في مفاوضات

стр. 5736

لإبرام صفقة ما احتاج إلى فتح الاعتماد البسيط، فإذا قدر عدم إتمام الصفقة فإنه يمكن للتاجر ترك الاعتماد دون دفع أي فوائد ما عدا العمولة التي دفعها عند فتح الاعتماد. كما أن فتح الاعتماد يجنب التاجر مخاطر تقلب أسعار العملات، أو خسارة التحويل من عملة إلى عملة؛ بخلاف القرض. وقد يلجأ إلى فتح الاعتماد التاجر أو السائح الذي يرغب في زيارة عدة بلدان، وله مصالح متعددة، ولا يعرف مسبقًا مقدار ما يحتاجه في كل بلد سيزوره، أولا يرغب في تحويل عملته إلى عملة أجنبية قبل التأكد من إنجاز معاملته. وهكذا. * * *

стр. 5737

الفرع الثاني انعقاد فتح الاعتماد البسيط وبيان خصائصه [ن-٩٩] ينعقد فتح الاعتماد البسيط كأي عقد تبادلي بين طرفين بالتراضي، وذلك من خلال تلاقي إرادة الإيجاب بالقبول. وهو عقد لازم من طرف واحد، وهو البنك، وجائز في حق العميل، فقد يستعمله العميل، وقد لا يستعمله، ولا يملك البنك إجبار العميل على استعمال حقه في استغلال الاعتماد. وهو حق مؤقت بمدة معينة يحق للعميل استعمال المبلغ خلالها، وتتراوح عادة من ستة أشهر إلى سنة، وينتهي الاعتماد بانتهائها سواء استفاد منه العميل أو لم يستفد منه. كما أن المبلغ الذي يضعه البنك تحت تصرف العميل محدد، فلا يمكن للعميل تجاوزه، ويسمى بحد الائتمان. كما أن حق الاعتماد يعتبر حقًا شخصيًا للمستفيد، فلا يلتزم فيه المصرف إلا اتجاه شخص العميل ذاته، فلا يجوز للعميل أن يحيل حقه إلى شخص آخر بدون رضا البنك، ولا ينتقل حق العميل إلى الورثة. كما أن المطالبة بتنفيذ الاعتماد شخصية، ترجع إلى تقدير شخص المستفيد، فلا يجوز لدائنيه أن يحلوا محله في طلبها، ولا أن يحجزوا على هذا الحق تحت يد البنك (١).

стр. 5738

الفرع الثالث آثار عقد فتح الاعتماد [ن-١٠٠] لعقد فتح الاعتماد آثار هي ما يقتضيه من التزامات كل من العميل والبنك، وفيما يلي بيان ما يلزم كل منهما. التزامات العميل: (١) - يلتزم العميل دفع عمولة للبنك مقابل تعهد البنك بإقراض العميل، سواء استعمل العميل هذا الاعتماد أو لم يستعمله، فالعمولة يستحقها البنك بمجرد تقديمه هذا التعهد بفتح الاعتماد، وقد لا يأخذ البنك عمولة على فتح الاعتماد اكتفاء بالفوائد التي يأخذها على القرض، وبالعمولات الأخرى المختلفة، كأن يأخذ البنك عمولة نظير فتح حساب للاعتماد لدى البنك. (٢) - يلتزم العميل للمصرف بتقديم ضمانات معينة مقابل فتح الاعتماد له، وقد تكون هذه الضمانات شخصية أو عينية بحسب الاتفاق ... وإذا وقع نقص هام في الضمانات العينية أو الشخصية المقدمة من العميل المعتمد له جاز للمصرف فاتح الاعتماد وفقا لمقتضيات الحال، إما أن يطلب من العميل تقديم ضمانات إضافية، وإما أن يخفض مبلغ الاعتماد إلى الحد الذي يتناسب مع الضمانات الباقية، وإما أن يقفل الاعتماد. (٣) - يلتزم العميل برد كافة المبالغ التي استعملها في الميعاد المتفق عليه. (٤) - يلتزم العميل بدفع فوائد على المبالغ المسحوبة فعليًا من الاعتماد المخصص للعميل، وليس على كامل المبلغ الموضوع تحت تصرف العميل، وهذه الفوائد غير العمولة؛ لأن العمولة تستحق بمجرد التعهد كما مر سابقًا، وإذا لم يسحب العميل أية مبالغ من الاعتماد فلا يتحمل دفع أية فوائد.

стр. 5739

التزامات البنك: يلتزم البنك بحكم عقد فتح الاعتماد البسيط أن يضع تحت تصرف العميل أداة الائتمان المتفق عليها من نقد، أو قبول، أو خصم، أو ضمان. ولا يجوز للبنك الرجوع في الوعد قبل الأجل المحدد هذا هو الأصل قانونًا، إلا أن فتح الاعتماد لما كان يستند إلى ثقة البنك بالعميل، وله لذلك طابع شخصي واضح، فالرأي مستقر على أن البنك له أن يفسخ العقد أو ينهيه ليس فقط عند وفاة العميل، أو إفلاسه، أو نقص أهليته (كما هو الأمر في سائر العقود التي تقوم على الاعتبار الشخصي) وإنما يكون له ذلك أيضًا إذا حدث تغيرات هامة في سمعة العميل، أو في إمكانياته، كما إذا أدين في جريمة مخلة بالشرف أو الأمانة، أو ثبت دخوله في عمليات خطرة لها طابع المقامرة. ولكي يتجنب البنك ما قد يثيره العميل من منازعات قضائية في هذه الظروف، فإنه يعمد عادة إلى وضع شرط صريح في العقد، يسمح لنفسه فيه بأن يطلب - في أي وقت يشاء - إنهاء العقد فورًا، واسترداد ما يكون العميل قد أخذه من المبلغ المفتوح به الاعتماد، دون تقيد بمدة محدودة، وبديهي أن البنك لا يقدم على استعمال هذا الشرط إلا في الحالات التي تختل فيها ثقته في العميل، إذ إنه يفضل في الظروف العادية أن يحصل على الفوائد المتفق عليها خلال مدة فتح الاعتماد (١). وأرى أن صحة هذا الشرط ينبني على الخلاف في الإلزام بالوعد، هل يجب

стр. 5740

الوفاء به، أو لا يجب، أو يجب في حال إذا كان الوعد معلقًا على سبب، ودخل الموعود بالسبب بكلفة من أجل الوعد، وسيأتي تحريره إن شاء الله تعالى عند الكلام على توصيف هذا العقد. * * *

стр. 5741

الفرع الرابع الخلاف في توصيف عقد فتح الاعتماد البسيط فتح الاعتماد يشكل وعدًا بالقرض، ويتحول إلى قرض بات عند تنفيذ الوعد. [ن-١٠١] اختلف الباحثون في توصيف عقد فتح الاعتماد إلى أقوال منها: القول الأول: يرى بعض الباحثين بأن فتح الاعتماد يعتبر من عقود القرض (١). وأجيب بأن هناك فرقًا كبيرًا بين عقد القرض، وعقد فتح الاعتماد من وجوه: الوجه الأول: أن عقد القرض يتم التسليم فيه بإعطاء المبلغ للعميل نقدًا دفعة واحدة، أو قيده في حسابه الدائن لدى المصرف، وأما في فتح الاعتماد فإن العميل غير ملزم بقبض المبلغ؛ إذ هو مجرد تعهد من البنك بوضع المبلغ تحت تصرف العميل، إن شاء أخذ المبلغ كله، أو بعضه، وإن شاء تركه، وفي حال تركه لا يكون العميل مدينًا للبنك. الوجه الثاني: أن القرض من البنك يدفع العميل فوائد القرض كاملة، وأما في فتح الاعتماد فإن العميل لا يدفع أية فوائد على كامل المبلغ الذي يضعه البنك تحت تصرفه، وإنما يتحمل فقط فوائد المبالغ التي يتم سحبها فعليًا.

стр. 5742

الوجه الثالث: أن في عقد فتح الاعتماد البسيط يحق للعميل أن يرد ما سحبه ثم يسحبه مرة أخرى إذا كان الاعتماد مرتبطًا بحساب جار، وكان ذلك خلال مدة الاعتماد، وفي حدود مبلغه، لأن الدفع في الحساب الجاري لا يعتبر وفاء بخلاف القرض (١). القول الثاني: ذهب بعضهم إلى أن عقد الاعتماد قرض معلق على شرط واقف، وهو استفادة العميل من الاعتماد فعلًا. وأجيب: بأن عقد الاعتماد ليس عقدًا معلقًا، بل هو عقد بات منذ إبرامه، كما أنه لا يعتبر قرضًا لوجود الفارق الكبير بينه وبين القرض كما قدمنا. القول الثالث: رأى بعضهم بأنه عقد غير مسمى، يدخل ضمن العقود الحديثة. القول الرابع: أنه عقد مركب من قرض ووديعة (٢). وجه ذلك: أن العميل يهدف من فتح الاعتماد تحقيق غرضين متتاليين: أولًا: أن يطمئن إلى الحصول على هذا المبلغ النقدي.

стр. 5743

ثانيًا: أن يطمئن إلى أن هذا المبلغ موجود في مكان أمين حتى يستفيد منه عندما يحتاج إليه في عملياته التجارية المختلفة، فلو أن العميل أراد أن يصل إلى هذين عن طريق العقود المدنية فإنه لا بد أن يلجأ إلى عقدين لا إلى عقد واحد، يلجأ أولًا إلى اقتراض المبلغ الذي يكفيه، ثم يلجأ إلى إيداع هذا المبلغ عند أمين، إذ لا بد له من عقد قرض يتبعه عقد وديعة، ولما كان العميل يقترض من البنك ثم يقوم بالإيداع في ذات البنك فلا مناص من اندماج هذين العقدين في عملية واحدة هي بلا شك عملية فتح الاعتماد (١). ويناقش: بأن فتح الاعتماد يعني القدرة على الاقتراض، والتمكن من الاقتراض لا يعني القرض، فقد ينتهي الاعتماد دون أن يكون العميل قد اقترض شيئًا، وإذا لم يقترض لم تقم حاجة إلى إيداع القرض، وقد يقترض ولا يوجد حاجة إلى الإيداع، لأن الاعتماد لا يرتبط بفتح حساب للعميل، وبالتالي لا يصح التكييف بأن الاعتماد عقد مركب من قرض ووديعة. القول الخامس: التوصيف القانوني، وما عليه أكثر الباحثين أن العقد يشكل وعدًا بالقرض، ويتحول إلى قرض بات عند تنفيذ الوعد (٢). وجه كونه وعدًا بالقرض: لما كان فتح الاعتماد هو تعهد من البنك لعميله، وكان موضوع هذا التعهد

стр. 5744

هو وضع أداة من أدوات الائتمان السابق ذكرها تحت تصرف العميل عند حاجته إليها، وهذا يعني أن التعهد غير ناجز؛ لأن ظرف تنفيذه الزمن المستقبل، وهو وقت حاجة العميل، وعليه فإن تعهد البنك أقرب ما يكون إلى حقيقة الوعد، إذ تتوفر فيه أركانه من (واعد - موعود له - موعود به - زمن مستقبل). أما بعد تنفيذه كأن يقدم البنك لعميله مبلغًا من النقود، أو يسحب عميله عليه شيكًا، وما شاكل ذلك فإن هذا يخرج على أنه قرض بفائدة (١). ويناقش: بالرغم من أن هذا التخريج هو أقوى التخريجات إلا أنه لا يسلم من بعض الانتقادات. الانتقاد الأول: أن فتح الاعتماد مقصوده المعاوضة والتكسب، والوعد بمفرده ليس محلًا للمعاوضة. وفتح الاعتماد يعتبر عقدًا طرفاه البنك والعميل، ويشترط له ما يشترط للعقود من التراضي بين طرفيه، وأهليتهما، والوعد لا يعتبر عقدًا. ويجاب: بأن عقد الاعتماد البسيط لما كان مركبًا من وعد وعقد تداخلا، لذلك اشتبهت صورة الوعد بصورة العقد. فالوعد تتجلى صورته عندما يرى العميل أنه لا حاجة إلى سحب المبلغ

стр. 5745

الموضوع تحت تصرفه، فهنا لا يمكن أن نقول: إن هناك قرضًا أصلًا، وكون البنك أخذ عمولة مقابل هذا التعهد (الالتزام بالوعد) فهذه المعاوضة باطلة شرعًا؛ لأنها من أكل أموال الناس بالباطل، وهذه المخالفة لا تخرج المسألة عن كونها وعدًا ملزمًا. وقد يقال: إن مجرد الوعد لا يكلف الواعد شيئًا قبل التنفيذ بخلاف تعهد البنك للعميل فإنه يكلفه بتجميد مبلغ معين تحت الطلب ليفي البنك بالتزاماته عند التنفيذ. الانتقاد الثاني: أن الهدف من القرض أو الوعد بالقرض هو مجرد الحصول على مبلغ معين من المال، أما في فتح الاعتماد فطالبه قد لا يعرف مدى حاجته إلى القرض، ولا مواعيد هذه الحاجة، وقد لا يعرف أن ثمة حاجة مقبلة تلجئه إلى استعمال الاعتماد المفتوح، وإنما يقصد من عقد الاعتماد إلى الحصول على مجرد الاطمئنان إلى قوة مركزه الائتماني إزاء ديون قد تحل وقد لا تحل، أو عمليات تجارية قادمة قد يبرمها، وقد لا يبرمها، لذلك قد تكون الاستفادة من فتح الاعتماد المفتوح عن طريق سحب شيكات، أو تحرير أوراق تجارية، أو تكليف البنك بالقيام بعمليات معينة لصالح العميل، وإذا اقترن فتح الاعتماد بفتح الحساب الجاري كما هو الغالب في العمل فإن كل هذه العمليات بما فيها عملية فتح الاعتماد تصبح مدفوعات متبادلة متشابكة لا يمكن أن نصف أحدها بأنه قرض، أو بأنه وفاء لهذا القرض (١).
следующие страницы →