← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 14479

الأحاديث التي أعل الإمام البخاري متونها بالتناقض

بسام العطاوي

Полный текст (96 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فقد روى ابن أبي شيبة (١) قال: حدثنا ابن علية عن يحيى بن أبي إسحاق أنه سمع أنس بن مالك سئل عن المسح علي الخفين، فقال: امسح عليهما. فقالوا له: أسمعته من النبي صلي الله عليه وسلم؟ قال: لا، ولكني سمعته ممن لا يتهم من أصحابنا، يقولون: المسح علي الخفين وإن صنع كذا وكذا، لا يكني. وأخرجه أحمد بن منيع في مسنده (٢) عن ابن علية به بنحوه. وهذا سند صحيح عن أنس ﵁، فابن علية هو إسماعيل بن إبراهيم ثقة حافظ (٣)، ويحيى ابن أبي إسحاق هو النحوي الحضرمي ثقة صاحب قرآن وعربية (٤). وبهذا الحديث الثابت عن أنس أعلّ البخاري أيضا حديث زياد بن عبيدة أنه سمع أنسا يقول: رأيت النبي صلي الله عليه وسلم يمسح. قال البخاري عقبه: ولا يصح؛ قال يحيى بن أبي إسحاق عن أنس: لم أر النبي صلي الله عليه وسلم يمسح (٥). وحديث زياد أخرجه أحمد بن منيع في مسنده (٦) قال: حدثنا مروان بن معاوية حدثنا زياد بن عبيدة أو عبيدة - شك أحمد بن منيع - أخبرنا أنس بن مالك ﵁ قال: كنت مع رسول الله صلي الله عليه وسلم في مسير فقام بالغلس، وقال: «يا أنس، في إداوتك ماء؟». قلت: نعم. قال: فتنحي فبال، وصببت عليه الماء فتوضأ، فلما أراد أن يمسح طأطأت ظهري لأنظر ما يصنع، فقال: «هو ما تري»، ومسح علي خفيه.

стр. 37

وهذا سند ضعيف لأجل زياد بن عبيدة؛ فإنه مجهول. قال أبو حاتم الرازي: هو مجهول والحديث الذي رواه باطل (١). وبذلك الحديث الثابت عن أنس أعلّ البخاري أيضا حديث عبد العزيز بن مسلم فقد ذكر في ترجمته في «التاريخ الكبير» (٢) ما حدث به ابن وهب عن معاوية عن عبد العزيز بن مسلم عن أبي معقل عن أنس ﵁: رأيت النبي صلي الله عليه وسلم مسح. قال البخاري: وقال يحيى بن أبي إسحاق عن أنس ﵁: لم أر النبي صلي الله عليه وسلم مسح. وهذا أصح. ثم قال البخاري في الترجمة التي تلي السابقة (٣): قال نعيم حدثنا ابن وهب عن معاوية بن صالح عن عبد العزيز بن مسلم عن أبي معقل عن أنس ﵁: رأيت النبي صلي الله عليه وسلم مسح علي خفيه. ولم يصح. ولم أجد من أخرج رواية أبي معقل عن أنس في المسح علي الخفين، وإنما وجدت من أخرج من هذه الطريق نفسها حديث مسح مقدم الرأس من تحت العمامة. وهذا الحديث أخرجه أبو داود (٤) قال: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب حدثني معاوية بن صالح عن عبد العزيز بن مسلم عن أبي معقل عن أنس بن مالك قال: رأيت رسول الله صلي الله عليه وسلم يتوضأ، وعليه عمامة قطرية، فأدخل يده من تحت العمامة، فمسح مقدم رأسه، ولم ينقض العمامة. وأخرجه ابن ماجه (٥) عن أحمد بن عمرو بن السرح عن عبد الله بن وهب به.

стр. 38

وهذا سند ضعيف؛ فأبو معقل مجهول (١)، وكذلك الرواي عنه (٢). ٥ - وقال البخاري في «التاريخ الكبير» (٣) في ترجمة صالح بن محمد بن زائدة: منكر الحديث يروي عن سالم عن ابن عمر عن عمر رفعه: «من غلّ فأحرقوا متاعه». وقال ابن عباس عن عمر عن النبي صلي الله عليه وسلم في الغلول، ولم يحرق. وذكر الترمذي أنه سأل البخاري عن هذا الحديث فقال: إنما روى هذا صالح بن محمد بن زائدة، وهو أبو واقد الليثي، وهو منكر الحديث. قال محمد يعني البخاري: وقد روي في غير حديث عن النبي صلي الله عليه وسلم في الغالّ، فلم يأمر فيه بحرق متاعه. فالبخاري أعلّ حديث صالح الذي فيه الأمر بتحريق الغال بمخالفته الحديث الصحيح في تحريم الغلول وبيان شدة قبحه؛ إذ ليس فيه ذكر تحريق متاع الغال، وهو من رواية عمر ﵁ نفسه الذي روي عنه حديث التحريق. وحديث عمر الذي أشار إليه البخاري رواه مسلم (٤) من طريق أبي زميل الحنفي قال: حدثني عبد الله بن عباس قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم خيبر أقبل نفر من صحابة النبي صلي الله عليه وسلم، فقالوا: فلان شهيد، فلان شهيد، حتي مروا علي رجل فقالوا: فلان شهيد. فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «كلا، إني رأيته في النار؛ في بردة غلّها أو عباءة». ثم قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «يا ابن الخطاب، اذهب فناد في الناس أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون». قال: فخرجت، فناديت: ألا إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون.

стр. 39

وأما حديث صالح الذي أعلّه البخاري هنا فقد رواه أبو داود (١)، والترمذي (٢) واللفظ له من طريق عبد العزيز بن محمد عن صالح بن محمد بن زائدة عن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر عن عمر أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: «من وجدتموه غلّ في سبيل الله فأحرقوا متاعه». قال صالح: فدخلت علي مسلمة، ومعه سالم بن عبد الله، فوجد رجلا قد غلّ فحدّث سالم بهذا الحديث، فأمر به فأحرق متاعه، فوجد في متاعه مصحف، فقال سالم: بع هذا، وتصدق بثمنه. وهذا سند ضعيف لأجل صالح بن محمد بن زائدة فإنه ضعيف (٣)، وعدّ العلماء هذا الحديث من منكراته، ومنهم البخاري كما تقدم. قال الدارقطني: أنكروا هذا الحديث علي صالح بن محمد، وهذا حديث لم يتابع عليه، ولا أصل لهذا الحديث عن رسول الله صلي الله عليه وسلم (٤). ٦ - وذكر البخاري في «التاريخ الكبير» (٥) حديث الزبير بن الشعشاع عن أبيه أنه سمع عليا يقول: كل لحوم الحمر الأهلية. ثم قال البخاري: ولا يصح؛ لأن عليا روى أن النبي صلي الله عليه وسلم نهي عنه. وقد روى حديث الزبير بن الشعشاع العقيلي (٦) فقال: حدثنا بهذا الحديث محمد بن إسماعيل الصايغ قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا طلحة بن الحسين العبدي قال: حدثنا الزبير بن الشعشاع أبو خثرم الشني عن أبيه قال: سألت عليا عن أكل لحوم الحمر الأهلية فقال علي: كلها، هكذا وهكذا وهكذا.

стр. 40

وهذا سند ضعيف، فالزبير بن الشعشاع مجهول الحال، ذكر البخاري وابن أبي حاتم ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا (١)، وذكره العقيلي في ضعفائه (٢). وأبوه مجهول أيضا. قال ابن حجر منتقدا الذهبي في عدم ذكره الشعشاع في «ميزانه»: ذكر الشعشاع في الضعفاء أولي (٣) يعني من ذكر ابنه. وطلحة بن الحسين العبدي لم أجد له ترجمة. وقد أعلّ البخاري الحديث بمخالفته ما ثبت عن علي ﵁ من روايته تحريم لحوم الحمر الأهلية عن النبي صلي الله عليه وسلم، وما كان علي ليخالف نهي النبي صلي الله عليه وسلم عنها ويفتي بخلافه. ففي الصحيحين (٤) من طريق محمد بن علي أن عليا ﵁ قال لابن عباس: إن النبي صلي الله عليه وسلم نهي عن المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر. ٧ - وأعلّ البخاري حديث مجاهد عن ابن عمر الذي أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٥) فقال: حدثنا أبو بكر بن عياش عن حصين عن مجاهد قال: ما رأيت ابن عمر يرفع يديه إلا في أول ما يفتتح. وهذا سند ضعيف؛ لأن أبا بكر بن عياش راويه ساء حفظه بأخرة كما قال ابن حجر (٦).

стр. 41

وقد ضعّف الحديث بهذه العلة صدقة بن الفضل شيخ البخاري فيما نقله عنه البخاري موافقا إياه فيه (١). وممن ضعّف هذا الحديث البيهقي: وذكر أن أبا بكر بن عياش كان يرويه في القديم عن حصين عن إبراهيم عن ابن مسعود مرسلا وموقوفا، ثم اختلط عليه حين ساء حفظه فصار يرويه عن حصين عن مجاهد عن ابن عمر مخالفا فيه الصواب (٢). قال البخاري في جزء رفع اليدين في الصلاة (٣) بعد أن روى عن نافع أن ابن عمر كان إذا رأي رجلا لا يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع رماه بالحصي قال: ألا تري أن ابن عمر ﵄ كان يرمي من لا يرفع يديه بالحصي، فكيف يترك ابن عمر شيئا يأمر به غيره وقد رأي النبي صلي الله عليه وسلم فعله. ثم نقل البخاري عن يحيى بن معين قوله: حديث أبي بكر عن حصين إنما هو توهم لا أصل له. وقال البخاري أيضا: ولو تحقق حديث مجاهد أنه لم ير ابن عمر رفع يديه لكان حديث طاوس، وسالم، ونافع، ومحارب بن دثار، وأبي الزبير حين رأوه أولي؛ لأن ابن عمر ﵄ رواه عن رسول الله صلي الله عليه وسلم، فلم يكن يخالف الرسول صلي الله عليه وسلم مع ما رواه أهل مكة والمدينة واليمن والعراق أنه كان يرفع يديه (٤). فمما أعلّ به البخاري حديث مجاهد عن ابن عمر مناقضة متنه ما ثبت عن ابن عمر من وجوه كثيرة صحيحة تثبت عن ابن عمر ما نفاه حديث مجاهد عنه. وهو أيضا يخالف ما رواه ابن عمر نفسه عن النبي صلي الله عليه وسلم في ذلك، وما كان ابن عمر ليخالف سنة النبي صلي الله عليه وسلم، وهو الذي يرويها ويأمر بها.

стр. 42

ففي الصحيحين (١) عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبّر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك أيضا وقال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد. وكان لا يفعل ذلك في السجود.

стр. 43

القسم الثالث: الأحاديث التي أعلّها البخاري بمناقضة متونها عمل الصحابة لا يتصور أن يوجد حديث صحيح عن النبي صلي الله عليه وسلم يترك الصحابة جميعا العمل به، وهم مخاطبون به، فالأمة وفي مقدمتهم الصحابة لا تجتمع علي ضلالة، فإذا روي حديث بهذه الصفة فهو حديث لا أصل له. وقد استعمل البخاري هذه القاعدة في ردّ بعض الأحاديث. فقد قال في «التاريخ الأوسط» (١): وروى حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي نضرة أن معاوية لما خطب علي المنبر، فقام رجل، فقال - قال ورفعه -: «إذا رأيتموه علي المنبر فاقتلوه». وقال آخر: اكتبوا إلي عمر، فكتبوا، فإذا عمر قد قتل. وهذا مرسل (٢)؛ لم يشهد أبو نضرة تلك الأيام. ثم قال البخاري مضعّفا هذا الحديث: وقد أدرك أصحاب النبي صلي الله عليه وسلم معاوية أميرًا في زمان عمر، وبعد ذلك عشرين سنة، فلم يقم إليه أحد، فيقتله. وهذا مما يدل علي أن هذه الأحاديث ليس لها أصول، ولا يثبت عن

стр. 44

النبي صلي الله عليه وسلم خبر علي هذا النحو في أحد من أصحاب النبي صلي الله عليه وسلم، إنما يقوله أهل الضعف بعضهم في بعض إلا ما يذكر أنهم ذكروا في الجاهلية، ثم أسلموا، فمحا الإسلام ما كان قبله. فقد عرض البخاري الحديث علي عمل الصحابة، فلم يجد أحدًا منهم عمل به، فاستدلّ بذلك علي بطلان الخبر؛ إذ لو كان ثابتا عندهم لبادروا إلي تنفيذه. وقد سبقه إلي هذا الاستدلال الأوزاعي؛ فقد قال: أدركت خلافة معاوية عدة من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم، منهم سعد، وأسامة، وجابر، وابن عمر، وزيد بن ثابت، ومسلمة بن مخلد، وأبو سعيد، ورافع بن خديج، وأبو أمامة، وأنس بن مالك، ورجال أكثر ممن سمينا بأضعاف مضاعفة، كانوا مصابيح الهدى وأوعية العلم، حضروا من الكتاب تنزيله، وأخذوا عن رسول الله صلي الله عليه وسلم تأويله، ومن التابعين لهم بإحسان إن شاء الله منهم المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير وعبد الله بن محيريز، في أشباه لهم، لم ينزعوا يدا عن مجامعة في أمة محمد صلي الله عليه وسلم (١). وقال ابن كثير: وهذا الحديث كذب بلا شك. ولو كان صحيحا لبادر الصحابة إلي فعل ذلك؛ لأنهم كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن قرر أن هذا الحديث عند أهل المعرفة بالحديث كذب موضوع مختلق علي النبي صلي الله عليه وسلم: ومما يبيّن كذبه أن منبر النبي صلي الله عليه وسلم قد صعد عليه بعد معاوية من كان معاوية خيرا منه باتفاق المسلمين، فإن كان يجب قتل من صعد عليه لمجرد الصعود علي المنبر وجب قتل هؤلاء كلهم. ثم هذا خلاف المعلوم بالاضطرار من دين

стр. 45

الإسلام؛ فإن مجرد صعود المنبر لا يبيح قتل مسلم. وإن أمر بقتله لكونه تولّي الأمر وهو لا يصلح فيجب قتل كل من تولي الأمر بعد معاوية ممن معاوية أفضل منه. وهذا خلاف ما تواترت به السنن عن النبي صلي الله عليه وسلم من نهيه عن قتل ولاة الأمور وقتالهم. ثم الأمة متفقة علي خلاف هذا؛ فإنها لم تقتل كل من تولي أمرها، ولا استحلّت ذلك. ثم هذا يوجب من الفساد والهرج ما هو أعظم من ولاية كل ظالم، فكيف يأمر النبي صلي الله عليه وسلم بشيء يكون فعله أعظم فسادا من تركه؟! (١). والحديث رواه ابن عدي (٢) من طريق حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: «إذا رأيتم معاوية علي هذه الأعواد فاقتلوه» فقام إليه رجل من الأنصار، وهو يخطب، بالسيف، فقال أبو سعيد: ما تصنع؟ قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: «إذا رأيتم معاوية يخطب علي الأعواد فاقتلوه». فقال له أبو سعيد: إنا قد سمعنا ما سمعت، ولكنا نكره أن نسلّ السيف علي عهد عمر حتي نستأمره. فكتبوا إلي عمر ذلك، فجاء موته قبل أن يجيء جوابه. وقد رواه جماعة عن علي بن زيد به، كما ذكر الذهبي (٣). وآفة هذا الإسناد علي بن زيد بن جدعان فقد صرح جمهور النقاد بأنه ضعيف (٤). وذكر ابن عدي أنه كان يغالي في التشيع (٥). وهذا الحديث يؤيد بدعته، وهو من منكراته التي أنكرها عليه الأئمة (٦)، بل ذكر بعض النقاد أن

стр. 46

هذا الحديث هو أنكر ما رواه (١). وقد حكم كثير من العلماء علي هذا الحديث بأنه موضوع، منهم - غير من تقدم - الجوزقاني فقد قال: هذا حديث موضوع باطل لا أصل له في الأحاديث. وليس هذا إلا من فعل المبتدعة الوضّاعين، خذلهم الله في الدارين. من اعتقد هذا وأمثاله أو خطر بباله أن هذا مما جري علي لسان رسول الله صلي الله عليه وسلم فهو زنديق، خارج من الدين (٢). ومنهم ابن الجوزي في «الموضوعات» (٣)، وابن القيم؛ إذ ذكر أن كل حديث في ذم معاوية كذب (٤)، والسيوطي (٥)، وابن عراق فقد ذكره في الأحاديث التي لم يخالف ابن الجوزي في الحكم عليها بالوضع (٦)، والشوكاني (٧)، والألباني (٨).

стр. 47

القسم الرابع: الأحاديث التي أعلّها البخاري بمناقضة متوناه رأي من رواها ومذهبه إن إعلال الحديث بهذه العلة قاعدة سار عليها كثير من الأئمة النقاد. قال ابن رجب: قاعدة في تضعيف حديث الراوي إذا روى ما يخالف رأيه، قد ضعف الإمام أحمد وأكثر الحفاظ أحاديث كثيرة بمثل هذا. ثم ذكر أمثله هذه القاعدة (١). وقد عمل البخاري بهذه القاعدة. ١ - فقد روى في «التاريخ الأوسط» (٢) قال: حدثنا عبد الله قال: حدثني الليث عن يونس عن الزهري: سمعت ابن أكيمة يحدّث عن سعيد بن المسيب يقول: سمعت أبا هريرة يقول: صلّي لنا النبي صلي الله عليه وسلم صلاة جهر فيها، قال: «ما لي أنازع القرآن»، فانتهي الناس عن القراءة فيما جهر الإمام. قال البخاري: وقوله: «فانتهي» هو من كلام الزهري. ثم روى من طريق الأوزاعي عن الزهري: فاتّعظ الناس بذلك، فلم يكونوا يقرؤون فيما جهر. قال البخاري: وأدرجوه في حديث النبي صلي الله عليه وسلم، وليس هو في حديث أبي هريرة. والمعروف عن أبي هريرة أنه كان يأمر

стр. 48

بالقراءة. ثم ذكر البخاري قول أبي السائب: قال لي أبو هريرة: اقرأ بها في نفسك يا فارسي. فالبخاري رجح الوجه الذي يفيد أن هذه الجملة مدرجة في الحديث، وليست منه، بمخالفتها مذهب أبي هريرة راوي الحديث (١)، فقد كان يري وجوب قراءة الفاتحة علي المأموم في الصلاة ولو كانت جهرية. فقد أخرج مسلم في صحيحه (٢) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «من صلّي صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج - ثلاثا - غير تمام». فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام! فقال: اقرأ بها في نفسك. ورواه ابن ماجة (٣) من طريق أبي السائب عن أبي هريرة به، وفيه قول أبي السائب: فقلت: يا أبا هريرة، فإني أكون أحيانا وراء الإمام؟ فغمز ذراعي، وقال: يا فارسي اقرأ بها في نفسك. فيستبعد أن يروي أبو هريرة ﵁ أن الناس انتهوا عن القراءة خلف الإمام فيما جهر به، وهو يفتي بوجوبها. وهذا مما جعل البخاري يرجح الطريق الأخرى التي بيّنت أن تلك الجملة من كلام الزهري، لا أبي هريرة. والحديث أخرجه مالك في «الموطأ» (٤) عن ابن شهاب عن ابن أكيمة الليثي عن أبي هريرة أن رسول الله صلي الله عليه وسلم انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: «هل قرأ معي منكم أحد آنفا؟». فقال رجل: نعم، أنا يا رسول الله.

стр. 49

قال: فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «إني أقول ما لي أنازع القرآن». فانتهي الناس عن القراءة مع رسول الله صلي الله عليه وسلم فيما جهر فيه رسول الله صلي الله عليه وسلم بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله صلي الله عليه وسلم. ومن طريق مالك أخرجه أبو داود (١)، والترمذي (٢)، والنسائي (٣). وأما الرواية التي تبيّن الإدراج فقد أخرجها البيهقي في سننه (٤) من طريق الأوزاعي: حدثني الزهري عن سعيد بن المسيب أنه سمع أبا هريرة يقول: قرأ ناس مع رسول الله صلي الله عليه وسلم في صلاة يجهر فيها بالقراءة، فلما قضي رسول الله صلي الله عليه وسلم أقبل عليهم، فقال: «هل قرأ معي منكم أحد؟». فقالوا: نعم يا رسول الله. فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «إني أقول ما لي أنازع القرآن»، قال الزهري: فاتعظ المسلمون بذلك، فلم يكونوا يقرؤون. قال ابن عبد البر: وأما قوله في هذا الحديث: «فانتهي الناس عن القراءة» إلي آخر الحديث فأكثر رواة ابن شهاب عنه لهذا الحديث يجعلونه كلام ابن شهاب، ومنهم من يجعله كلام أبي هريرة (٥). وقال النووي: الحفاظ من المتقدمين والمتأخرين يتفقون علي أن هذه الزيادة وهي قوله: «فانتهي الناس عن القراءة مع رسول الله صلي الله عليه وسلم فيما جهر فيه» ليست من كلام أبي هريرة بل هي من كلام الزهري مدرجة في الحديث. وهذا لا خلاف فيه بينهم. قال ذلك الأوزاعي ومحمد بن يحيى الذهلي شيخ البخاري وإمام أهل نيسابور، وقاله البخاري في تاريخه، وأبو داود في سننه، والخطابي، والبيهقي، وغير هم (٦).

стр. 50

٢ - وذكر البخاري في «التاريخ الكبير» (١) حديث حسين بن عطاء عن زيد بن أسلم عن ابن عمر عن أبي ذر رفعه في صلاة الضحي. ثم قال معلاّ هذا الحديث: وقال الشعبي عن ابن عمر: صلاة الضحى بدعة، ونعمت البدعة. وهذا أصح. وحديث حسين بن عطاء أخرجه البزار في مسنده (٢) قال: حدثنا عمرو بن علي ومحمد بن المثنى وإبراهيم بن هانيء قالوا: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عبد الحميد بن جعفر قال: حدثنا حسين بن عطاء عن زيد بن أسلم عن ابن عمر قال: قلت لأبي ذر: يا عماه أوصني. قال: سألتني كما سألت رسول الله صلي الله عليه وسلم، فقال: «إن صليت الضحى ركعتين لم تكتب من الغافلين، وإن صليت أربعا كنت من العابدين، وإن صليت ستا لم يلحقك ذنب، وإن صليت ثمانيا كتبت من القانتين، وإن صليت ثنتي عشرة بني لك بيتا في الجنة. وما من يوم ولا ليلة ولا ساعة إلا ولله فيها صدقة يمنّ بها علي من يشاء من عباده، وما منّ على عبد بمثل أن يلهمه ذكره». قال البزار: وهذا الكلام لا نعلمه يروى عن النبي صلي الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه، ولا نعلم روى ابن عمر عن أبي ذر حديثا مسندا إلا هذا الحديث. وهذا سند ضعيف جدا، فالحسين بن عطاء قال فيه أبو حاتم الرازي: شيخ منكر الحديث وهو قليل الحديث، وما حدّث به فمنكر (٣). وقال أبو داود: ليس هو بشيء. وقال ابن الجارود: كذاب (٤). وقد قال أبو حاتم الرازي حين سأله

стр. 51

ولده عن هذه الطريق وطريق أخري لهذا الحديث: أيهما أشبه؟ فقال: جميعا مضطربين ليس لهما في الرواية معني (١). ومما يدلّ علي أن هذا الحديث ليس له أصل عن ابن عمر أن ابن عمر ثبت عنه أنه حين سئل عن صلاة الضحى أجاب بأنها بدعة، فلو كان روى عن أبي ذر هذا الحديث في صلاة الضحى لم يحكم عليها بأنها بدعة، وهذا ما نبّه عليه البخاري ﵀. روى الشيخان في صحيحيهما (٢) من طريق جرير عن منصور عن مجاهد قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد، فإذا عبد الله بن عمر ﵄ جالس إلي حجرة عائشة وإذا ناس يصلّون في المسجد صلاة الضحى. قال: فسألنا عن صلاتهم، فقال: بدعة. وروى البخاري (٣) من طريق توبة عن مورق قال: قلت لابن عمر ﵄: أتصلّي الضحي؟ قال: لا. قلت: فعمر؟ قال: لا. قلت: فأبو بكر؟ قال: لا، قلت: فالنبي صلي الله عليه وسلم؟ قال: لا إخاله. وروى ابن أبي شيبة في مصنفه (٤) عن ابن علية عن الجريري عن الحكم بن الأعرج قال: سألت ابن عمر عن صلاة الضحى، وهو مسند ظهره إلي حجرة النبي صلي الله عليه وسلم، فقال: بدعة ونعمت البدعة. وهذا سند صحيح عن ابن عمر ﵄، رجاله كلهم ثقات. ٣ - وقال البخاري في «التاريخ الكبير» (٥): وقال لي مسدد: حدثنا

стр. 52

عيسي بن يونس عن هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «من استقاء فعليه القضاء». ثم قال البخاري: ولم يصح. ثم ذكر ما يؤيد عدم صحته، وهو ما رواه عمر بن حكم بن ثوبان أنه سمع أبا هريرة قال: إذا قاء أحدكم فلا يفطر؛ فإنما يخرج ولا يولج. أما الحديث المرفوع فأخرجه أبو داود (١) قال: حدثنا مسدد حدثنا عيسي بن يونس حدثنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «من ذرعه قيء وهو صائم فليس عليه قضاء، وإن استقاء قليقض». وأخرجه الترمذي (٢) عن علي بن حجر عن عيسي بن يونس به. وأخرجه ابن ماجه (٣) من طريق الحكم بن موسي عن عيسي عن هشام به، ومن طريق حفص بن غياث عن هشام به. وسند هذا الحديث ظاهره الصحة لكن الأئمة ضعفوه، وعدّوه من أوهام هشام بن حسان. قال عيسي بن يونس: زعم أهل البصرة أن هشاما وهم فيه (٤). وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ليس من ذا شيء. قال الخطابي: يريد أن الحديث غير محفوظ (٥). ونقل الترمذي عن البخاري قوله في هذا الحديث: لا أراه محفوظا (٦).

стр. 53

وقال الترمذي: وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي صلي الله عليه وسلم، ولا يصح إسناده (١). ومما استدل به البخاري علي أن هذا الحديث ليس له أصل عن أبي هريرة أنه يخالف ما ثبت عنه من القول بعدم الفطر بالقيء، فقد روى البخاري في صحيحه (٢) عن يحيى بن صالح قال: حدثنا معاوية بن سلام حدثنا يحيى عن عمر بن الحكم بن ثوبان سمع أبا هريرة ﵁: إذا قاء فلا يفطر؛ إنما يخرج ولا يولج. فلو كان أبو هريرة ﵁ روى حديث «من استقاء فليقض» لم يفت بخلافه. ٤ - وذكر البخاري في «التاريخ الكبير» (٣) بعض طرق حديث «أفطر الحاجم والمحجوم». ثم ذكر أنه رواه ليث عن عطاء عن عائشة عن النبي صلي الله عليه وسلم. قال البخاري: ولا يصح. ثم ذكر ما يؤيد عدم صحته عن عائشة فقال: حدثني يحيى بن سليمان قال: حدثنا ابن وهب أخبرنا مخرمة عن أبيه عن أم علقمة: كنا نحتجم عند عائشة ونحن صيام وبنو أخي عائشة فلا تنهاهم. يريد أنه لو كانت عائشة ﵂ روت حديث: «أفطر الحاجم والمحجوم» لنهت من احتجم عندها عن ذلك أو ذكرت لهم الحديث. وسند هذا الأثر حسن، وقد علّقه البخاري في صحيحه (٤) جازما به. وحديث عائشة أخرجه أحمد في مسنده (٥) قال: حدثنا أبو النضر

стр. 54

حدثنا أبو معاوية يعني شيبان عن ليث عن عطاء عن عائشة قالت: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «أفطر الحاجم والمحجوم». وهذا سند ضعيف؛ فليث هو ابن أبي سليم قال فيه ابن حجر: صدوق اختلط جدا، ولم يتميز حديثه فترك (١). وقد اضطرب في هذا الحديث فرواه علي أوجه مختلفة (٢). فالحديث لا يصح عن عائشة ﵂، وإن كان صحيحا من رواية جمع من الصحابة ﵃، بل جزم السيوطي بأنه متواتر (٣)، وكذلك قال غير واحد من الحفاظ (٤). ٥ - وذكر البخاري في «التاريخ الكبير» (٥) حديث كريب عن ابن عباس أن امرأة رفعت صبيا لها إلي النبي صلي الله عليه وسلم، فقالت: ألهذا حج؟ قال: «نعم، ولك أجر»، وبعد أن ذكر طرق هذا الحديث قال: أخشي أن يكون هذا الحديث مرسلا في الأصل. قال أبو عبد الله (يعني نفسه): وقال أبو ظبيان وأبو السفر عن ابن عباس: «أيما صبي حج ثم أدرك فعليه الحج». وهذا المعروف عن ابن عباس. وحديث كريب أخرجه مسلم في صحيحه (٦) قال: حدثني محمد بن المثني حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن إبراهيم بن عقبة عن كريب أن امرأة رفعت صبيا، فقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ قال: «نعم، ولك أجر».

стр. 55

وقد اختلف الرواة في رواية هذا الحديث، فمنهم من رواه موصولا: عن كرب عن ابن عباس عن النبي صلي الله عليه وسلم، كما رواه مسلم في صحيحه، ومنهم من رواه مرسلا: عن كريب عن النبي صلي الله عليه وسلم. والراجح الوصل كما ذهب إليه أحمد، ومسلم، وغيرهما (١). قال ابن عبد البر: ومن وصل هذا الحديث وأسنده فقوله أولي. والحديث صحيح مسند ثابت الاتصال، لا يضرّه تقصير من قصر به؛ لأن الذين أسندوه حفاظ ثقات (٢). والبخاري ذكر هنا ما يؤيد الوجه المرسل، وهو ما رواه ابن أبي شيبة (٣) قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال: «احفظوا عني - ولا تقولوا قال ابن عباس - أيما عبد حج به أهله ثم أعتق؛ فعليه الحج. وأيما صبي حج به أهله صبيا ثم أدرك؛ فعليه حجة الرجل. وأيما أعرابي حج أعرابيا ثم هاجر فعليه حجة المهاجرين». وهذا سند صحيح عن ابن عباس ﵄. أبو ظبيان هو حصين بن جندب الجنبي الكوفي ثقة من رجال الجماعة (٤). وما رواه الشافعي في «الأم» (٥) قال: أخبرنا سعيد عن مالك بن مغول عن أبي السفر قال: قال ابن عباس: «أيها الناس أسمعوني ما تقولون، وافهموا ما أقول لكم: أيما مملوك حج به أهله فمات قبل أن يعتق؛ فقد

стр. 56

قضى حجه، وإن عتق قبل أن يموت فليحجج. وأيما غلام حج به أهله، فمات قبل أن يدرك فقد قضى عنه حجه، وإن بلغ فليحجج». وهذا سند حسن. سالم هو ابن سعيد القداح صدوق حسن الحديث (١). ومالك بن مغول ثقة ثبت (٢)، وأبو السفر هو سعيد بن يحمد الهمداني ثقة (٣). فرأي البخاري أن حديث ابن عباس المرفوع الذي فيه أن للصبي حجا يخالف ما أفتى به من أن على الصبي الذي حج حجة أخرى إذا بلغ، فلو كان ابن عباس قد روى ذلك الحديث ما أفتى بخلافه. وقد ذكر ابن رجب أن البخاري رد حديث ابن عباس المرفوع بأن ابن عباس كان يقول: «أيما صبي حج به ثم أدرك فعليه الحج» (٤). والصواب أنه يمكن الجمع بين الحديثين بلا أدني تكلف. قال الطحاوي: هذا الحديث إنما فيه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم أخبر أن للصبي حجا وهذا مما قد أجمع الناس جميعا عليه، ولم يختلفوا أن للصبي حجا كما أن له صلاة، وليست تلك الصلاة بفريضة عليه، فكذلك أيضا قد يجوز أن يكون له حج، وليس ذلك الحج بفريضة عليه، وإنما هذا الحديث حجة علي من زعم أنه لا حج للصبي، فأما من يقول: إن له حجا وإنه غير فريضة فلم يخالف شيئا من هذا الحديث .... وهذا ابن عباس ﵄ هو الذي روى هذا الحديث عن رسول الله صلي الله عليه وسلم ثم قد صرف هو حج الصبي إلي غير الفريضة، وأنه لا يجزيه بعد بلوغه من حجة الإسلام. ثم ذكر ما هو مقرر عند أهل العلم من أن راوي الحديث أعلم بتأويله (٥).

стр. 57

٦ - وذكر البخاري في «التاريخ الكبير» (١) حديث سالم البراد عن ابن عمر ﵄ عن النبي صلي الله عليه وسلم في أجر الصلاة على الجنازة. وقال البخاري عقبه: وهذا لا يصح؛ لأن الزهري قال: عن سالم أن ابن عمر أنكر على أبي هريرة حتي سأل عائشة. وقال الترمذي: سألت محمدا عن حديث سالم البراد عن ابن عمر فقال: رواه عبد الملك بن عمير عن سالم البراد عن أبي هريرة، وهو الصحيح. وحديث ابن عمر ليس بشيء؛ ابن عمر أنكر على أبي هريرة حديثه (٢). وقال ابن حجر بعد أن ذكر أن البخاري أعلّ هذا الحديث: وقد راج هذا السند علي الحافظ الضياء فأخرج هذا الحديث في «المختارة»، وهو معلول كما تري (٣). أما حديث البراد فأخرجه أحمد في مسنده (٤) قال: حدثنا يحيى عن إسماعيل حدثني سالم أبو عبد الله عن ابن عمر عن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: «من تبع جنازة حتي يصلّى عليها؛ فإنّ له قيراطا»، فسئل رسول الله صلي الله عليه وسلم عن القيراط، فقال: «مثل أحد». وهذا سند ظاهره الصحة فرجاله ثقات من رجال الشيخين سوي سالم البراد؛ فمن رجال أبي داود والنسائي، وهو ثقة (٥)؛ لكن البخاري أعلّه بما ثبت عن ابن عمر ﵄ من أنه لم يكن يعرف فضل الصلاة على الجنازة واتباعها حتي أخبره أبو هريرة، ووافقته عائشة، ولو كان ابن عمر روى عن النبي صلي الله عليه وسلم ذلك ما أنكره على أبي هريرة أولا.

стр. 58

ففي الصحيحين (١) من طريق جرير بن حازم قال: سمعت نافعا يقول: حُدّث ابن عمر أن أبا هريرة ﵃ يقول: «من تبع جنازة فله قيراط» فقال: أكثر أبو هريرة علينا. فصدقت - يعني عائشة - أبا هريرة، وقالت: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقوله. فقال ابن عمر ﵄: لقد فرطنا في قراريط كثيرة. وفي لفظ مسلم أن ابن عمر بعث إلي عائشة فسألها، فصدقت أبا هريرة. وروى مسلم (٢) عن ابن شهاب الزهري أنه قال: قال سالم بن عبد الله بن عمر: وكان ابن عمر يصلّي عليها ثم ينصرف، فلما بلغه حديث أبي هريرة قال: لقد ضيّعنا قراريط كثيرة. وحديث إسماعيل بن أبي خالد عن سالم البراد عن ابن عمر الذي أعلّه البخاري رواه عبد الملك بن عمير والقاسم بن أبي بزة عن سالم البراد عن أبي هريرة. وهذا الوجه هو الذي صححه البخاري كما تقدم في كلام الترمذي، وذكر الدارقطني أنه المعروف (٣). وهذا الوجه أخرجه أحمد في مسنده (٤) قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة عن عبد الملك بن عمير قال: سمعت سالما البراد أبا عبد الله قال: سمعت أبا هريرة قال: سمعت النبي صلي الله عليه وسلم يقول: «من تبع جنازة فصلّي عليها - أو قال: من صلّي عليها. شُعبة شك - فله قيراط. فإن شهد دفنها فله قيراطان، القيراط مثل أحد».

стр. 59

وأخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده (١) عن وهب بن جرير عن شعبة به بنحوه. وهذا إسناد صحيح. وقد سئل الدارقطني عن حديث إسماعيل بن أبي خالد الذي أعلّه البخاري هنا فقال: هو محفوظ (٢). فيبدو أن الوهم من سالم البراد، وليس من الرواة عنه. وذهب بعض العلماء إلي تصحيح الوجهين، وأن البراد سمعه من ابن عمر، ومن أبي هريرة، وأن ابن عمر بعد أن أخذ الحديث من أبي هريرة وعائشة صار يرويه عن النبي صلي الله عليه وسلم مباشرة بلا ذكر للواسطة، فيكون من مراسيل الصحابة، وهي مقبولة عند العلماء (٣). قال أحمد شاكر: هذا الحديث من مراسيل الصحابة يقينا؛ فإن عبد الله بن عمر إنما سمعه من أبي هريرة، ومن عائشة حين صدقت أبا هريرة، وكانوا يصدق بعضهم بعضا فيروي أحدهم ما سمع من أخيه، ثقة به وتصديقا (٤). وما ذكره احتمال يردّه أو يبعده أنه لم يرو هذا الحديث عن ابن عمر غير سالم البراد دون سائر أصحاب ابن عمر المعروفين بالرواية عنه. وسالم البراد ليس له عن ابن عمر في الكتب التسعة سوى هذا الحديث، وهو مقل من الحديث فأحاديثه في الكتب التسعة ثلاثة هذا أحدها، والآخر عن أبي هريرة الذي هو الوجه الآخر من وجهي هذا الحديث. وهذا يؤيد أن ذكر ابن عمر وهم من سالم، وأن الحديث حديث أبي هريرة كما صححه البخاري.

стр. 60

قال ابن المديني: والحديث عندي حديث أبي هريرة، وحديث ابن أبي خالد وهم (١). ٧ - وذكر البخاري في «التاريخ الكبير» (٢) حديث سالم بن رزين عن سالم بن عبد الله عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: «لا يحلّ له حتي يذوق العسيلة». ثم ذكر الاختلاف في إسناده ثم قال: وقال لي إبراهيم بن المنذر: حدثنا أنس بن عياض سمع موسي بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال: لو فعله أحد، وعمر حي؛ لرجمهما. قال البخاري عقبه: وهذا أشهر. ولا تقوم الحجة بسالم بن رزين، ولا برزين؛ لأنه لا يدري سماعه من سالم، ولا من ابن عمر. وذكر الترمذي أنه سأل البخاري عن هذا الحديث، فذكر البخاري الاختلاف فيه ثم قال: ويروى عن سعيد بن المسيب خلاف هذا (٣). والحديث أخرجه النسائي (٤) أخبرنا عمرو بن علي قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة عن علقمة بن مرثد قال: سمعت سالم بن رزين يحدث عن سالم بن عبد الله عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر عن النبي صلي الله عليه وسلم في الرجل تكون له المرأة يطلقها، ثم يتزوجها رجل آخر فيطلقها قبل أن يدخل بها، فترجع إلي زوجها الأول، قال: «لا، حتي تذوق العسيلة». وأخرجه ابن ماجه (٥) عن محمد بن بشار عن محمد بن جعفر به بنحوه.

стр. 61

وهذا سند ضعيف، فسالم بن رزين، ويقال: رزين بن سالم مجهول (١). ومما يؤيد أن هذا الحديث ليس له أصل عن سعيد بن المسيب أنه يخالف مذهبه في هذه المسألة. فقد روى سعيد بن منصور في «سننه» (٢) قال: حدثنا هشيم أخبرنا داود بن أبي هند عن سعيد بن المسيب قال: أما الناس فيقولون: حتي يجامعها، وأما أنا فإني أقول: إذا تزوجها تزويجا صحيحا لا يريد بذلك إحلالا لها فلا بأس أن يتزوجها الأول. وهذا سند صحيح عن سعيد بن المسيب. وقد ذكر ابن حجر أن ابن المنذر أخرجه بسند صحيح. ثم قال: وهكذا أخرجه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور. وفيه تعقب علي من استبعد صحته عن سعيد. وفيه دلالة علي ضعف الخبر الوارد في ذلك، ثم ذكر هذا الحديث حديث سالم بن رزين، وقال: الحديث لو كان عند سعيد بن المسيب عن ابن عمر مرفوعا ما نسبه إلي مقالة الناس الذين خالفهم (٣). ومما يؤيد أن هذا الحديث ليس له أصل عن ابن عمر الأثر الذي ذكره البخاري عن ابن عمر، وهو ما رواه عبد الرزاق في «مصنفه» (٤) عن ابن جريح عن موسي بن عقبة عن نافع أن ابن عمر قال: لو أن رجلا طلق امرأته ثلاثا، ثم نكحها رجل بعده، ثم طلقها قبل أن يجامعها، ثم ينكحها زوجها الأول، فيفعل ذلك، وعمر حي؛ إذن لرجمها (٥). وهذا سند صحيح عن ابن عمر. قال البخاري: وهذا أشهر. يريد أن

стр. 62

الذي ثبت عن ابن عمر في هذه المسألة هو هذا الحديث الموقوف. وابن عمر هنا علّل الأمر بمخالفة عمر، فلو كان روى الحديث المرفوع لعلّله بمخالفة أمر النبي صلي الله عليه وسلم. ٨ - وروى البخاري في «التاريخ الكبير» (١) قال: حدثني بشر بن آدم قال: حدثنا روح بن عبادة قال: حدثنا عثمان بن غياث عن برد بن عرين عن عمته زينب بنت منجل: سألنا عائشة عن الجراد فقالت: زجر النبي صلي الله عليه وسلم صبياننا، وكانوا يأكلونه. ثم روى البخاري بعده ما يدل علي ضعفه فقال: حدثني عبد الأعلي قال: حدثنا أبو عوانة عن السدي عن عبد الله البهي: رأيت عائشة تأكل الجراد. تابعه عبيد الله عن إسرائيل عن السدي نحوه. حدثني محمود قال: حدثنا أبو النضر قال: حدثنا شيبان عن زياد عن حسان بن أنس الثعلبي: كنت عند ابن أخت عائشة، فأرسلت إليه بجراد. ثم قال البخاري: وهذا أكثر، وهذا أصح. حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا شعبة عن أبي يعفور قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى يقول: غزوت مع النبي صلي الله عليه وسلم سبع غزوات أو ست غزوات نأكل الجراد. وحديث زينب بنت منجل عن عائشة في النهي عن الجراد ضعيف؛ فبرد بن عرين وعمته مجهولان. وهو حديث منكر كما قال الذهبي (٢)؛ لمخالفته الأحاديث الثابتة في هذا الباب عن عائشة، وعن غيرها كما بيّن البخاري.

стр. 63

وحديث ابن أبي أوفى أخرجه البخاري في «صحيحه» (١) قال: حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة عن أبي يعفور قال: سمعت ابن أبي أوفى ﵄ قال: غزونا مع النبي صلي الله عليه وسلم سبع غزوات أو ستا، كنا نأكل معه الجراد. وأخرجه مسلم (٢) من طريق أبي عوانة وابن عيينة وشعبة عن أبي يعفور به بنحوه. ٩ - وذكر البخاري في «التاريخ الكبير» (٣) حديث أبي سفيان طريف بن شهاب عن أبي نضرة عن أبي سعيد أنه قال: أمرنا النبي صلي الله عليه وسلم أن نقرأ فاتحة الكتاب وما تيسر. ثم روى ما أعلّ به هذا الحديث فقال: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن العوام بن حمزة حدثنا أبو نضرة: سألت أبا سعيد عن القراءة خلف الإمام، قال: فاتحة الكتاب. ثم قال البخاري: وهذا أولي؛ لأن أبا هريرة وغيره واحد ذكروا عن النبي صلي الله عليه وسلم: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب»، وقال أبو هريرة: إن زدت فهو خير، وإن لم تفعل أجزأك. وحديث أبي سفيان أخرجه ابن ماجه (٤) قال: حدثنا أبو كريب حدثنا محمد بن الفضيل ح وحدثنا سويد بن سعيد حدثنا علي بن مسهر جميعا عن أبي سفيان السعدي عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد لله وسورة في فريضة أو غيرها». وأخرجه الترمذي (٥) عن سفيان بن وكيع عن محمد بن الفضيل به بزيادة في أوله.

стр. 64

وهذا سند ضعيف؛ لأجل طريف بن شهاب فإنه ضعيف (١). ومتنه يخالف ما ثبت عن أبي نضرة أنه سأل أبا سعيد عن القراءة خلف الإمام، قال: فاتحة الكتاب. وقد رواه البخاري كما تقدم بسند حسن. ورواه في جزء القراءة خلف الإمام (٢) بالإسناد نفسه. ورواه البيهقي (٣) من طريق محمد بن عبد الله بن المثني عن العوام بن حمزة به. وهذا يدل علي أن حديث أبي سفيان طريف بن شهاب ليس له أصل عن أبي سعيد؛ إذ لو كان أبو سعيد رواه ما خالفه بفتواه. ونبّه البخاري أن حديث طريف يخالف الأحاديث الصحيحة التي فيها أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، ولم توجب زيادة عليها. ففي الصحيحين (٤) من حديث عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». وفي الصحيحين (٥) أيضا من حديث عطاء أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: في كل صلاة يقرأ فما أسمعنا رسول الله صلي الله عليه وسلم أسمعناكم، وما أخفي عنا أخفينا عنكم. وإن لم تزد علي أم القرآن أجزأت، وإن زدت فهو خير. وفي إحدى روايات مسلم أن رجلا قال لأبي هريرة: إن لم أزد علي أم القرآن؟ فقال: إن زدت عليها فهو خير، وإن انتهيت إليها أجزأت عنك. ١٠ - وروى البخاري في «التاريخ الأوسط» (٦) حديثا فقال: حدثنا

стр. 65

أبو عاصم عن ابن جريح عن مظاهر بن أسلم عن القاسم عن عائشة رفعه: «طلاق الأمة تطليقتان، وعدّتها حيضتان» قال أبو عاصم: ثم لقيت مظاهرا فحدثني به. وكان أبو عاصم يضعف مظاهرا. ثم روى البخاري ما أعلّ به حديث مظاهر فقال: حدثني يحيى بن سليمان قال: حدثني ابن وهب قال: حدثني أسامة بن زيد عن أبيه عن القاسم وسالم: عدة الأمة حيضتان وطلاق الحر الأمة ثلاث، وطلاق العبد الحرة تطليقتان. وقالا: ليس هذا في كتاب الله ولا سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم، ولكن عمل بها المسلمون. قال البخاري: وهذا يردّ حديث مظاهر. ففي حديث مظاهر عن القاسم عن عائشة ﵂ أن النبي صلي الله عليه وسلم جعل عدة الأمة حيضتين، وهذا يخالف ما ثبت عن القاسم أنه نفي أن يكون هذا الحكم قد نص عليه في الكتاب أو السنة، وهذا يدل علي أنه لم يرو الحديث الذي حدّث به عنه مظاهر. ولهذا أعلّ البخاري الحديث. وحديث مظاهر أخرجه أبو داود (١)، والترمذي (٢)، وابن ماجه (٣) كلهم من طريق أبي عاصم عن ابن جريج عن مظاهر بن أسلم عن القاسم عن عائشة أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: «طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان»، وهذا لفظ الترمذي. وهذا سند ضعيف؛ لأجل مظاهر بن أسلم؛ فإنه ضعيف (٤)، وعدّ العلماء هذا الحديث من منكراته (٥). قال أبو عاصم النبيل راوي الحديث عن مظاهر: ليس بالبصرة حديث أنكر من حديث مظاهر هذا (٦).

стр. 66

وأما الروايات التي تفيد أن القاسم نفي أن تكون هذه المسألة قد نص علي حكمها الكتاب أو السنة، فقد ذكر البخاري إحداها، وهي رواية أسامة بن زيد بن أسلم عن القاسم بذلك. وروى الدارقطني في «سننه» (١) من طريق الليث عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم قال: سئل القاسم عن الأمة كم تطلق؟ قال: طلاقها اثنتان، وعدتها حيضتان. قال: فقيل له: أبلغك عن النبي صلي الله عليه وسلم في هذا؟ قال: لا. وروى عقبه من طريق أبي عامر عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم قال: سئل القاسم عن عدة الأمة، فقال: الناس يقولون: حيضتان. وإنا لا نعلم ذلك، أو قال: لا نجد ذلك في كتاب الله تعالي، ولا في سنة نبيّة صلي الله عليه وسلم. قال ابن حجر: إسناده صحيح (٢). وممن صحح هذا الخبر عن القاسم أبو بكر النيسابوري (٣).

стр. 67

القسم الخامس: الأحاديث التي أعلّها البخاري بمناقضة متونها الواقع من المقاييس التي استعملها المحدثون في نقد المتن عرض المتن علي الواقع (١)، فكانوا يردّون الخبر إذا كان مخالفا الحقائق المعروفة والأحداث التاريخية المعلومه. قال ابن حجر: مما يستدل به علي وضع الحديث مخالفة الواقع (٢)؛ إذ يستحيل أن يناقض قول الله أو قول رسوله الواقع. وقد قال تعالي: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ [النساء: ٨٧]، وقال: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)﴾ [النساء: ١٢٢]. وقال عن نبيه صلي الله عليه وسلم: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤]. وانتفاء مخالفة الواقع ليس شرطا في الحديث المرفوع فحسب؛ بل كل خبر صحيح لا بد أن يكون موافقا الواقع؛ لأن الذي يخالف الواقع هو الكذب، وهو ينافي الصحة. وقد أعلّ البخاري عدة أحاديث بمناقضة متنها الواقع. ١ - فقد روى في «التاريخ الأوسط» (٣) عن عبد الوهاب بن عبد المجيد قال: حدثنا عوف عن المهاجر بن أبي مخلد حدثنا أبو العالية قال: حدثني

стр. 68

أبو مسلم قال: كان أبو ذر بالشام وعليها يزيد بن أبي سفيان، فغزا الناس فغنموا. ثم قال البخاري مضعفا هذه الرواية: والمعروف أن أبا ذر كان بالشام زمن عثمان ﵁، وعليها معاوية ﵁، ومات يزيد في زمن عمر ﵁، ولا يعرف لأبي ذر ﵁ قدوم الشام زمن عمر ﵁. فالبخاري أعلّ الحديث هنا بمناقضته الواقع التاريخي الذي ينفي وجود أبي ذر في الشام زمن الحادثة المذكورة في الحديث. فقد جاء في روايات متعددة أن أبا ذر ﵁ انتقل من المدينة إلي الشام في خلافة عثمان ﵁، حين كان معاوية ﵁ أميرًا عليها (١). والحديث أخرجه أبو يعلي (٢)، وابن خزيمة (٣)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٤) واللفظ له، ثلاثتهم من طريق عبد الوهاب بن عبد المجيد عن عوف بن أبي جميلة عن مهاجر بن مخلد أبي مخلد عن أبي العالية عن أبي مسلم قال: غزا يزيد بن أبي سفيان بالناس فغنموا، فوقعت جارية نفيسة في سهم رجل، فاغتصبها يزيد، فأتي الرجل أبا ذر فاستعان به عليه فقال له: ردّ علي الرجل جاريته، فتلكأ عليه ثلاثا، فقال: إني (٥) فعلت ذاك؛ لقد سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: «أول من يبدّل سنتي رجل من بني أمية، يقال له يزيد»، فقال له يزيد بن أبي سفيان: نشدتك بالله أنا منهم؟ قال: «لا». قال: فردّ علي الرجل جاريته. وهذا الإسناد ضعيف؛ لضعف مهاجر بن مخلد (٦).

стр. 69

٢ - وذكر البخاري في «التاريخ الأوسط» (١) حديث عبد الله بن سلمة عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: كنت مع النبي صلي الله عليه وسلم ليلة الجن. ثم قال البخاري: ولا يصح. ثم ذكر روايات تنفي وجود ابن مسعود مع النبي صلي الله عليه وسلم ليلة الجن. فالبخاري أعلّ الحديث الذي فيه أن ابن مسعود كان مع النبي صلي الله عليه وسلم ليلة الجن بمخالفته الواقع التاريخي الذي ينفي ذلك. أما حديث عبد الله بن سلمة فأخرجه ابن المظفر في حديث شعبة (٢) من طريق مسكين بن بكير عن شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة عن عبد الله بن مسعود أنه كان مع رسول الله صلي الله عليه وسلم ليلة الجن. ومن طريق ابن المظفر رواه ابن دقيق العيد في كتابه «الإمام» (٣). وعبد الله بن سلمة المرادي الكوفي فيه ضعف. وقد قال عمرو بن مرة راوي هذا الحديث عنه: كان عبد الله بن سلمة يحدثنا فنعرف وننكر، كان قد كبر (٤). وهذا الحديث من منكراته؛ لأن متنه يخالف الواقع التاريخي الذي تعددت الروايات الصحيحة في إثباته. ومن هذه الروايات التي ذكرها البخاري في هذا الموضع حديث داود عن عامر قال: سألت علقمة: هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله صلي الله عليه وسلم ليلة الجن؟ قال: فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود، فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله صلي الله عليه وسلم ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله ذات ليلة ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: استطير أو اغتيل، قال: فبتنا بشرّ ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل

стр. 70

حراء .... الحديث، رواه مسلم (١). ورواه عقبه من طريق إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال: لم أكن ليلة الجن مع النبي صلي الله عليه وسلم، ووددت أني كنت معه. ومن الروايات التي ذكرها البخاري قول عمرو بن مرة: سأت أبا عبيدة (٢): أكان أبوك مع النبي صلي الله عليه وسلم ليلة الجن؟ فقال: لا، ما كان ذاك. رواه أحمد في «العلل» (٣) من طريق شعبة عن عمرو به. ٣ - وذكر البخاري في «التاريخ الكبير» في ترجمة أسماء بن الحكم الفزاري حديثه عن علي أنه قال: كنت إذا حدثني رجل عن النبي صلي الله عليه وسلم حلّفته، فإذا حلف لي صدقته. ثم قال البخاري: ولم يرو عن أسماء بن الحكم إلا هذا الواحد وحديث آخر، ولم يتابع عليه. وقد روى أصحاب النبي صلي الله عليه وسلم بعضهم عن بعض، فلم يحلّف بعضهم بعضا. ونقل العقيلي (٤) هذا لنص عن البخاري، وزاد فيه: وقد روى علي عن عمر، ولم يستحلفه. وحديث أسماء أخرجه أبو داود (٥) قال: حدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة عن عثمان بن المغيرة الثقفي عن علي بن ربيعة الأسدي عن أسماء بن الحكم الفزاري قال: سمعت عليا ﵁ يقول: كنت رجلا إذا سمعت من رسول الله صلي الله عليه وسلم حديثا نفعني الله منه بما شاء أن ينفعني وإذا حدثني أحد من أصحابه استحلفته، فإذا حلف لي صدقته. قال: وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: «ما من عبد يذنب ذنبا

стр. 71

فيحسن الطهور، ثم يقوم فيصلّي ركعتين ثم يستغفر الله إلا غفر الله له» ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا﴾ [آل عمران: ١٣٥] إلي آخر الآية. وأخرجه الترمذي (١) عن قتيبة عن أبي عوانة به بنحوه. وأخرجه ابن ماجه (٢) من طريق مسعر وسفيان عن عثمان به بنحوه. وهذا سند ضعيف، فأسماء بن الحكم الفزاري مجهول لم يرو عنه سوي علي بن ربيعة الأسدي (٣). وقال الترمذي بعد روايته حديثه: ولا نعرف لأسماء بن الحكم حديثا مرفوعا إلا هذا. وقال البزار في مسنده (٤): وقول علي: «كنت امرءا إذا سمعت من رسول الله صلي الله عليه وسلم حديثا» إنما رواه أسماء بن الحكم، وأسماء مجهول، لم يحدّث بغير هذا الحديث، ولم يحدّث عنه إلا علي بن ربيعة، فلم يرو عن علي إلا من هذا الوجه. وأعلّ البخاري متنه بأنه يناقض واقع الصحابة ﵁؛ إذ كان يروي بعضهم عن بعض، فلم يحلّف بعضهم بعضا. روى ابن سعد (٥) بسنده عن حميد عن أنس بن مالك أنه حدّث بحديث عن رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال له رجل: أنت سمعته من رسول الله صلي الله عليه وسلم؟ فغضب غضبًا شديدا، وقال: لا والله، ما كل ما نحدّثكم سمعنا من رسول الله صلي الله عليه وسلم، ولكنا لا يتهم بعضنا بعضا. ورواه الحاكم في «المستدرك» (٦) وفيه: ولكن كان يحدث بعضنا بعضا، ولا يتهم بعضنا بعضا.

стр. 72

وروى الفريابي في كتاب «الصيام» (١) بسنده عن البراء بن عازب قال: ما كل ما نحدّثكم عن رسول الله صلي الله عليه وسلم سمعناه، منه ما سمعناه ومنه ما حدثنا عنه أصحابه، ونحن لا نكذب. وقد ناقش المزي البخاري في إعلاله الحديث بهذه العلة فقال: وأما ما أنكره من الاستحلاف فليس فيه أن كل واحد من الصحابة كان يستحلف من حدّثه عن النبي صلي الله عليه وسلم، بل فيه أن عليا ﵁ كان يفعل ذلك، وليس ذلك بمنكر أن يحتاط في حديث النبي صلي الله عليه وسلم كما فعل عمر ﵁ في سؤاله البينة بعض من كان يروي له شيئا عن النبي صلي الله عليه وسلم كما هو مشهور عنه، والاستحلاف أيسر من سؤال البينة (٢). والجواب أن عمر ﵁ ثبت ذلك عنه في حادثة معينة (٣)، ولم يرد أنه كان يفعل ذلك في كل حديث يأخذه عن غيره من الصحابة، وأما علي ﵁ فلم يرد عنه في غير هذا الحديث أنه استحلف أحدًا من الصحابة علي شيء حدّثه به عن النبي صلي الله عليه وسلم مع أن هذا الحديث يفيد أن الاستحلاف عادة علي ﵁ مع كل من يحدثه عن النبي صلي الله عليه وسلم. وهو في هذا الحديث الذي حدّثه به أبو بكر الصديق ﵁ لم يستحلف أبا بكر. وذكر البخاري أيضا أن عليا روى عن عمر، ولم يستحلفه. وقال علي ﵁: أرسلنا المقداد بن الأسود إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم، فسأله عن المذي يخرج من الإنسان، كيف يفعل به؟ فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «توضأ وانضح فرجك»، متفق عليه، وهذا لفظ مسلم (٤)، ورواه النسائي (٥) من طريق عطاء عن ابن عباس قال: تذاكر علي

стр. 73

والمقداد وعمار، فقال علي: إني امرؤ مذّاء، وإني أستحيي أن أسأل رسول الله صلي الله عليه وسلم؛ لمكان ابنته مني، فيسأله أحدكما، فذكر لي أن أحدهما - ونسيته - سأله فقال النبي صلي الله عليه وسلم: «ذاك المذي، إذا وجده أحدكم فليغسل ذلك منه، وليتوضأ وضوء للصلاة» أو «كوضوء الصلاة»، ولم يذكر أنه استحلفه. ٤ - وقال الترمذي: سألت محمدا (يعني البخاري) عن حديث الحسن: خطبنا ابن عباس فقال: «إن رسول الله صلي الله عليه وسلم فرض صدقة الفطر»، فقال: روى غير يزيد بن هارون عن حميد عن الحسن قال: خطب ابن عباس - وكأنه رأي هذا أصح - وإنما قال محمد هذا لأن ابن عباس كان بالبصرة في أيام علي، والحسن البصري في أيام عثمان وعلي كان بالمدينة (١). أما حديث الحسن بلفظ «خطبنا ابن عباس» الذي لم يرجحه البخاري لمناقضته الواقع التاريخي؛ فقد أخرجه البزار (٢) قال: حدثنا محمد بن المثني حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا حميد عن الحسن قال: خطبنا ابن عباس بالبصرة، فذكر الحديث. قال البزار: لا نعلم روى الحسن عن ابن عباس غير هذا. وقوله «خطبنا ابن عباس» فإنما خطب أهل البصرة، وكان وقت خطبة ابن عباس بالبصرة، ولم يكن شاهدا، ولا دخل البصرة بعد؛ لأن ابن عباس خطب يوم الجمل، ودخل الحسن أيام صفين، ولم يسمع الحسن من ابن عباس. وأما بلفظ «خطب ابن عباس» الذي رجحه البخاري فرواه أبو داود (٣) قال: حدثنا محمد بن المثني حدثنا سهل بن يوسف قال حميد: أخبرنا عن الحسن قال: خطب ابن عباس ﵄ في آخر رمضان، علي منبر البصرة،

стр. 74

فقال: «أخرجوا صدقة صومكم ...» الحديث. وأخرجه النسائي (١) قال: أخبرنا علي بن حجر قال: حدثنا يزيد وهو ابن هارون قال: أنبأنا حميد عن الحسن أن ابن عباس خطب بالبصرة فقال: «أدّوا زكاة صومكم ...» الحديث. وعلي كال حال فإن السند منقطع؛ لأن الحسن لم يسمع من ابن عباس كما قال جمع من الأئمة (٢). ٥ - وروى البخاري في «التاريخ الأوسط» (٣) عن عبد الله عن الليث عن يونس عن ابن شهاب قال: أخبرني إبراهيم بن عبد الرحمن: استسقي بهم النبي صلي الله عليه وسلم. ورأي بعضهم في كتاب أن النبي صلي الله عليه وسلم استسقي بهم، ولا أراه يصح؛ لأن أم كلثوم زوّجها الوليد، وأسلم الوليد يوم الفتح. وكان البخاري قد ذكر قبل هذا أن أم إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف هي أم كلثوم بنت عقبة. وقول البخاري: «أم كلثوم زوّجها أخوها الوليد» قال ابن حجر: يعني لعبد الرحمن بن عوف أيام الفتح (٤). فالبخاري أعلّ حديث إبراهيم الذي فيه أن النبي صلي الله عليه وسلم استسقي بهم بمناقضته الواقع التاريخي الذي يدلّ علي أن إبراهيم راوي هذا الحديث كان عمره حين توفي النبي صلي الله عليه وسلم دون السنتين علي أقل التقديرات؛ لأن أباه تزوج أمه في فتح مكة أي في رمضان في السنة الثامنة، فتكون ولادته في السنة التاسعة علي أقل التقديرات، فيكون عمره عند وفاة النبي صلي الله عليه وسلم دون السنتين، فلا يتصور أن يقول: إن النبي صلي الله عليه وسلم استسقي بهم!؛ مما يدل علي عدم صحة

стр. 75

هذه الرواية. وقد جزم ابن حجر بأن مولد إبراهيم كان قبل وفاة النبي (١). وليس له رواية عن النبي صلي الله عليه وسلم، وإنما يروي عن الصحابة (٢). وقد ذكره ابن سعد، ويعقوب بن سفيان، ويعقوب بن شيبة في التابعين (٣). ٦ - وروى البخاري في «التاريخ الأوسط» (٤) قال: حدثنا ابن الأصبهاني حدثنا المحاربي عن ليث عن مجاهد قال لي أبو هريرة: يا فارسي أشكم درد. قال ابن الأصبهاني: ورفعه ذواد. وليس له أصل؛ أبو هريرة لم يكن فارسيا، إنما مجاهد فارسي. فقد ردّ البخاري الرواية المرفوعة لمخالفة متنها الواقع؛ إذ إن أبا هريرة ﵁ عربي دوسي (٥) فلا يمكن أن يقول له النبي صلي الله عليه وسلم: يا فارسي، ويخاطبه بالفارسية أيضا. ثم أشار البخاري إلي إمكان ترجيح الرواية الموقوفة، فيكون أبو هريرة ﵁ هو الذي خاطب مجاهدا بذلك، فمجاهد لم يكن عربيا، وإنما كان مولي لأحد بني مخزوم (٦). قال ابن الجوزي بعد أن ذكر الرواية الموقوفة: فقد بان بهذا أن المتكلم بالفارسية أبو هريرة لا رسول الله صلي الله عليه وسلم، وإنما الذي رفعه وهم (٧). والرواية المرفوعة أخرجها ابن ماجه (٨) قال: حدثنا جعفر بن مسافر حدثنا السري بن مسكين حدثنا ذواد بن علبة عن ليث عن مجاهد عن أبي هريرة قال: هجر النبي صلي الله عليه وسلم فهجرت فصلّيت، ثم جلست، فالتفت إلي
следующие страницы →