قال أهل العلم والنَّقل: هي ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب. وفي ذلك أثر مرفوع (١) ، وهو مما لا خلاف فيه (٢) ، أنها هذه الأربعة. وأما قوله -
تعالى-: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ [التوبة: ٥] ؛ فليس المراد بها هذه الأربعة التي تردد في كل عام، إنما ذلك أربعة أشهر مخصوصة، يقال لها: أشهرُ السياحة، أولها: يوم الحج الأكبر من سنةِ تِسعٍ من الهجرة، وآخرها: انقضاءُ عشرٍ من ربيع الآخر سنة
стр. 37
عشر، قاله مجاهد (١) والسدي (٢) وغيرهم (٣) ، وقَّتها الله -تعالى- أجلاً، وجعلها مدَّة يسيح فيها المشركون، ولا يبقى لهم بعدها عهد، ولامهادنة، إلا السَّيف، بعث رسول الله ﷺ بذلك علياً، فقرأ عليهم سورة (براءة) يوم الحج الأكبر (٤) . -واختُلف
стр. 38
فيه؛ فقيل: يوم النحر (١) ، وقيل: يوم
عرفة (٢) -، ونبذ إليهم عهدهم، قال الله
стр. 39
-تعالى-: ﴿بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ. فَسِيحُواْ
فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ. وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [التوبة: ١-٢] ، إلى قوله -تعالى-: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٥] ، وإنما سميت هذه حُرماً؛ لأنها كُفَّ عنهم فيها، وحرم قتالهم إلى انسلاخها، وكلّ ذلك منقول مشهور عند أهل العلم.
فصلٌ: في بيان فرضِ الجهاد، وتفصيل أحكامه على الأعيان
وعلى الكفاية، وما هو من ذلك نفلٌ بحسبِ الأحوال
قال الله ﵎: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] ، وقال -تعالى-: ﴿انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١] ، وقال -سبحانه-: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ. إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٨-٣٩] .
وخرَّج مسلم (١) ، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «مَنْ مات ولم يَغْزُ،
стр. 40
ولم يحدّث نفسه بغزو؛ مات على شعبةٍ من نفاق» .
وخرَّج أبو داود (١) ، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: «مَنْ لم يَغْزُ أو
يُجهِّزْ غازياً أو يَخْلُف غازياً في أهله بخير؛ أصابه الله بقارعةٍ قبل يوم القيامة» .
وخرَّج -أيضاً- عن أنس أن النبي ﷺ قال: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم» (٢) .
стр. 41
فإذا تقرَّر ذلك، فللقيامِ بالجهاد من حيث الحاجة والاستغناء؛ ثلاثة أحوال:
حالٌ يكون فيها الجهادُ فَرضاً في الجملة على الكفاية، وحالٌ يكون فيها فرضاً على الأعيان، وحالٌ يكون فيها نَفْلاً.
فأما الحالة الأولى: حيث يكون الجهاد فرضاً في الجملة؛ فهي حالة الأصل التي تَقدَّم فرضُ القتال فيها على الكفاية، وذلك مالم يَعْرض عارضٌ ينقل الفرضَ إلى التعيين، فواجبٌ على المسلمين في الجملة غزو الكفار ابتداءً، وجهادهم على الإيمان؛ ولتكون كلمة الله هي العليا؛ حتى يقهروهم، ويضطروهم إلى أَوْكَسِ الأحوال، المرَّة بعد المَرَّة، قال بعض أهل العلم (١) : وأَقلُّه مرةً في العام، وهذا عندي صحيح (٢) ؛ لأنه قد تقدم أن الجهاد فرضٌ يتكرر على الكفاية، ولم يجعل
الله
-تعالى- لمن أبَى على مرِّ الأعصار غايةً يتعقبها الكَفُّ إلا بأحدِ أمرين: إما أن يدخلوا في الإسلام، وإمّا أن يُؤدُّوا الجزية، -على خلافٍ فيمن تُقبل الجزية منهم، نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى-.
قال الله -سبحانه-: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ -أي: شركٌ-: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله﴾ [الأنفال: ٣٩] ، وقال -تعالى-: ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ
стр. 42
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] . فدلَّ ذلك كلُّه على أنه مَهما بقي من الكفار أحدٌ يمكن التوصُّل إليه، فواجبٌ على المسلمين قتالهم حتَّى يسلموا، أو يؤدُّوا الجزية إن كانوا من أهلها.
وإذا تقرَّر هذا، فلم يَبقَ إلا أن يكون ذلك متوالياً مُتَّصلاً، لا يفترُ المسلمون عنه، وفي ذلك إجحافٌ، قد عُلم في الشَّرع التَّخفيف دونه، أو أن يتكرر ذلك على أوقاتٍ يَتَّسعُ الناس في أثنائها، فلا تجد ذلك أقلَّ من مرَّةٍ في العام، قال الله
-تعالى- في المنافقين وتقريعهم: ﴿أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٦] . فأَعْلَمَنا -سبحانه- أن فتون أهل الكفر وإصابتهم في كلٍّ عامٍ مرَّة مقنعٌ في العقاب، ومذكِّرٌ لأولي الألباب.
وقال كثيرٌ من أهل العلم (١) في حدِّ الأَداء لوجوب القيام بفرض الجهاد: هو أن يُدفع العدو، وتُحمى الثغور، ويُستظهر على أهل دار الحرب، فإذا قيم بذلك سقط الفرض، ومن قام به من المسلمين أجزأ، وهذا صحيح ما دام بالمسلمين حاجةٌ إلى ذلك، وإنما يكون القول بإيجابِ المرَّة بعد الخلو والتَّفَرّغ من ذلك كلِّه، ومُضيِّ السنين، من غير احتياجٍ إلى شيءٍ منه، ومهما احتيج في سدِّ الثغور، وصلاح أحوال المسلمين إلى التعهُّد بأكثر من ذلك، فهو يجب بحسب ما تدعو إليه الحال، كما عُلِمَ من فعلِ النبي ﷺ ، وتواتَرَ من موالاته غزو الكفار المرّة بعد المرّة.
خرّج مسلم (٢) عن بُريدة: غزا رسول الله ﷺ تسع عشرة غزوة، قاتل في
стр. 43
ثمانٍ مِنهنّ.
قال أبو محمد بن حزم (١) : غزا رسول الله ﷺ بنفسه خمساً وعشرين غزوة -ذكرها واحدةً واحدةً- أوَّلها: ودَّان، -وهي: الأبْواء-، وآخرها: غزوة تبوك، قال: وكانت له ﷺ بعوثٌ (٢) كثيرة جداً.
ففي ذلك كلِّه أدلُّ دليلٍ على موالاة غزو الكفار مع الإمكان، وإن لم تَدْعُ إلى ذلك ضرورة.
وأما الحالة الثانية: حيثُ يتعين فرضُ الجهاد، فهو إذا أَظلَّ العدو بلداً، أو جانباً من ثغور المسلمين مُقاتلاً لهم، فيتعيَّن فرض الجهاد حينئذٍ على كل واحد ممَّن هنالك من المسلمين في خاصَّته، وعلى قدْرِ طاقته، إلى أن تقع الكفاية،
стр. 44
ويحصلَ الاستقلال بقتال العدو ودفعه، فإنْ قصَّر عددُ من هنالك، أو قوَّتهم عن دفاعهم؛ وجَبَ كذلك على كل من صاقبهم وقرُبَ منهم من المسلمين إعانتهم والنفير إليهم، ثم كذلك أبداً إن غارّهم العدوُّ، حتى يعُمَّ الفرض جميع المسلمين، أو يقع الاستغناءُ من دون ذلك بمقاومتهم ودفعهم (١) ، والدليل على صحة ذلك:
قوله -تعالى-: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] ، وقوله -تعالى-: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٤١] ، فمن ترك دفاع كافرٍ عن مؤمنٍ تثاقلاً من غير عذرٍ يُسْقط به عنه القيام، فقد ترك المعاونة على البرِّ والتقوى، وجعل للكافرين سبيلاً على المؤمنين، وقد نفى الله -تعالى- ذلك أن يكون من الشَّرع؛ ففعل ذلك معصيةٌ، وتعدٍّ لحدود الله -تعالى-.
خرَّج أبو داود (٢) ، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه قال: قال رسول
стр. 45
الله ﷺ : «المؤمنون تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم، ويُجير عليهم أقصاهم، وهم يدٌ على من سواهم» .
وذلك مما لا يُعرف فيه خلاف (١) .
стр. 46
قوله: «تتكافأ دماؤهم» ، أي: هم في القصاص سواء؛ الشريف والمشروف، والرجل والمرأة. ومعنى: «يسعى بذمتهم أدناهم» : إنَّ كلَّ مسلمٍ أمَّن حرْبياً، فأمانه جائز على سائر المسلمين، سواء كان شريفاً أو وضيعاً، حراً أو عبداً، رجلاً أو امرأة. ونحوٌ منه قوله في هذا الحديث: «ويجير عليهم أقصاهم» ، أي: يلزمهم ذلك، وإن بَعُدَ، وروي هذا الحرف في غير هذا الحديث: «ويردُّ عليهم أقصاهم» (١) . قيل: هو في السَّرِيَّة تخرج من العسكر فَتَغْنَم، فيكون ذلك لها، وللعسكر الذي خرجت منه، وإن بعدت في المغزى (٢) .
ومعنى:: «وهم يدٌ على من سواهم» : أن عليهم التعاون في دفع العدو، إذا نزلَ على أحدٍ منهم، فواجب عليهم أن يكونوا يداً واحدةً في ذلك على الكفار.
ويلحق (٣) هذه الحالة في تعيين الجهاد -أيضاً- للأمر يَعْرض: حالةُ استنقاذ الأسرى إذا حازهم العدو، وكان بالمسلمين قدرة على استنقاذهم بالقتال، قال
стр. 47
الله -تعالى-: ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: ٧٥] ، قيل: يريد قتال أهل مكة لاستنقاذ من فيها من المستضعفين (١) ، وكذلك يدل
قوله ﷺ : «وهم يدٌ على من سواهم» . وقال ﷺ : «فُكُّوا العاني» ؛ خرَّجه البخاري (٢) . ولا خلاف في ذلك أعلمه. قيل: فإن لم تكن لهم قدرة على استنقاذهم بالقتال، وكانت هنالك أموالٌ يُفدَون بها؟! وَجبَ فداؤهم بالمال، وإن كانت لهم قدرةٌ، وهناك أموالٌ، كانوا بالخيار بين القتال والفداء، واجبٌ عليهم أن يمتثلوا أحدَ الأمرين (٣) .
وأما الحالة الثالثة (٤) : فهي ما وراء القيام بالفريضة في الحالتين
المتقدمتين،
فمن جاهد بعد ذلك، وقد قيم بفرض الكفاية، وتَمَّ الدفاع عن المسلمين؛ فهو له نافلةٌ، وفيه فضلٌ كثير، وأجرٌ عظيم، وهو من أفضل أعمال البر، وأعلى درجات الطاعة، قال الله -تعالى-: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء: ٩٥] ، ثم قال -تعالى-: ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥] ، فمعلومٌ أن عِدَةَ الحُسنى لا تكون لمن ترك الفرض ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء: ٩٥] .
فصلٌ: في صفة من يجب عليه الجهاد ومن لا يجب
اتفق أهل العلم، أن الحرَّ البالغ المطيق للقتال هو من أهل الجهاد الذين يتوجَّه تكليف ذلك عليهم، بعد وجوبه بحسب الأحوال التي قدَّمناها، واتفقوا كذلك أن المرأة ومن لم يبلغ، والمريض الذي لا يستطيع القتال، لاجهاد فَرْضاً عليهم،
وكذلك الفقير الذي لا يقدر على زادٍ، لا خِلاف في (١) شيءٍ من ذلك كلِّه. قال الله -تعالى-: ﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [التوبة: ٩١] .
стр. 50
واختلفوا في العبد ومن له أبوان، هل يستأذنهما؟ ومن عليه دينٌ، هل يخرج بغير إذن غُرمائه؟ فأمًّا العبد: فالجمهور على أنَّه ليس من أهل الفرضِ في الجهاد، وأنه لم يخاطب بذلك إلاَّ الأحرارُ؛ لأنَّ فِعلَ الجهاد تُصابُ (١) فيه النفس والمال بالإتلاف، وهو مقصورٌ عن ذلك بالشرع (٢) . قال قوم: ولو غزا مع سيده ليخدمه، فلا يقاتل إلا بإذنه، إلا أن يدخل العدوَّ عسكرَ المسلمين، فليقاتل ويدفعْ (٣) . فمنعوه من القتال ابتداءً؛ لأن في ذلك الهلاكَ غالباً، وهو مالٌ لمالكه محظورٌ في الشرع تصرُّفٌ فيه بما يُعرِّضه للهلاك من غير إذن سيِّده، فأما في ضرورة الاقتحام ونحوه، فذلك أمرٌ يتعيَّن فيه القتال على كلِّ مكلفٍ قادرٍ، ولا أعلم الآن من يقول بإيجاب الجهاد عليه -أعني: الذي هو فرض كفاية، كما يكون ذلك على الأحرار- إلا ما تأتي عليه أصول (٤) أهل الظاهر، فإنهم يرون الخطاب الواردَ في الشرعِ مَوْرِدَ العموم يتناول الحُرَّ والعبدَ على حدٍّ سواء، إلاّ أن يخصَّصَ شيئاً من
стр. 51
ذلك قرآن، أو سُنَّة ثابتةٌ، أو إجماعٌ صحيحٌ، وكذلك أوجبوا عليه الحجَّ بهذا الاعتبار مع الاستطاعة، ورأوا ذلك إذا فعله مُجزءاً عنه إذا عُتِقَ
بعدُ؛ لأنه كان مخاطباً بذلك في حال الرِّق، فإذا فعله سقط عنه الفرضُ.
وأمَّا من له أبوان؛ فإن كانا يضيعان بخروجه إلى الجهاد، فهو إجماعٌ على أن فرض الجهاد ساقِطٌ عنه، ذكره أبو محمد بن حزم في «مراتب الإجماع» (١) . وإن كانا ممَّن لا يضيع، فذهب الجمهور إلى أن عليه أن يستأذنهما، فإن أذنا له خرج، وإن أبَيَا عليه لم يَجُزْ له أن يخرج، رُوي ذلك عن مالكٍ، والأوزاعي، وسفيان الثوري، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل، وغيرهم من أهل العلم. قال أبو عمر بن عبد البر (٢) : «لا خلاف أعلمه أن الرجل لا يجوز له الغزو ووالداه كارهان، أو أحدهما» .
قلت: ذلك إذا لم يتعيَّن الفرض، مثل أن يفْجأ العدو (٣) ، فيُحتاج إليه في الدفع، ونحو ذلك مما يتعيَّن فيه؛ لأنه مالم يتعيَّن، يعصي والديه ويعقّهُما في غير شيء أوجبه الشرع، فذلك حرامٌ عليه، وأما إذا تعيَّن الفرض، فلايستأذنهما في ترك الفرائض (٤) ، قال الله -تعالى-: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَاهَدَاكَ
стр. 52
لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا﴾ [العنكبوت: ٨] .
خرَّج البخاري (١) ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ يستأذنه في الجهاد، فقال: «أحيٌّ والداك؟» قال: نعم. قال: «ففيهما
فجاهد» .
وخرَّج النسائي (٢) عن معاوية بن جاهمة السَّلمي، أنَّ جاهمة جاء إلى النبي
- ﷺ فقال: يارسول الله، أردْتُ أن أغزو، وقد جئتُ أسْتَشِيرُكَ، فقال: «هل لك من أمٍّ» ؟ قال: نعم. قال: «فَالْزَمْهَا؛ فإن الجنة عند رجليها» .
وخرّج أبو داود (١) ، عن عبد الله بن عمرو قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: جئت أبايعك على الهجرة، وتركتُ أبويَّ يبكيان، قال: «ارجع إليهما، فأضحكهما كما أبكيتهما» .
وفيه (٢) عن أبي سعيد الخدري، أن رجلاً هاجر إلى النبي ﷺ من اليمن فقال:
«هل لك أحدٌ باليمن» ؟ فقال: أبواي. قال: «أذنا لك» ؟ قال: لا. فقال:
стр. 55
«ارجع فاستأذنهما، فإن أذنا لك فجاهد، وإلا فبرَّهمَا» .
وقال الحسن البصري (١) ﵀: «إذا أذنَتْ له أُمُّه في الجهاد، وعلِمَ أنَ هواها أن يجلس؛ فليجلس» . وقيل للأوزاعي (٢) فيمن غزا بإذن والديه، واشترطا عليه أن لا يقاتل، فلقوا العدو، فقال: «لا طاعة للوالدين في ترك الفرائض، والجُمع، والحجِّ، والقتال» ، وهذا صحيح (٣) كما تقدم؛ وذلك أن القتال يتعيَّن عند لقاء العدو، فلم يكن للوالدين ثَمَّ طاعة.
واختلفوا في الأبوين إذا كانا مشركين؛ فقيل: لا يغزو إلا بإذنهما؛ لعموم الأمر في ذلك، رُوي ذلك عن سفيان الثوري (٤) . وقال به سحنون (٥) وغيره، قيل: إلا أن يكون يعلم أنهما يمنعانه لعداوة الإسلام. وقال الشافعي (٦) : له أن يغزو بغير إذنهما إذا كانا مشركين، فَخُصِّص الأمر في ذلك بالمسلمين.
قال ابن المنذر (٧) : والأجداد آباء، والجدَّات أمهات، فلايغزُ المرء إلا بإذنهم.
стр. 56
وأما المِدْيان فاختلفوا فيه، فرُوي عن الأوزاعي (١) أنه أرخص في خروجه إلى الجهاد من غير إذن صاحب الحق، وروي عن الشافعي أنه ليس له أن يغزو بحالٍ إلا بإذن أهل الدَّيْن، وسواء كان الدَّين لمسلم أو كافر (٢) ، وفرَّق مالكٌ بين أن يجد قضاءً أو لا يجد، واختلفت مع ذلك فيه الروايات عنه (٣) ، والأصل في هذا ما خرَّجه مالك في «الموطأ» (٤) عن أبي قتادة، أنه قال: جاء رجل إلى رسول الله
стр. 57
- ﷺ فقال: يا رسول الله، إنْ قُتِلتُ في سبيل الله صابراً محتسباً، مُقْبِلاً غير مُدبرٍ، يُكفِّر الله عَنِّي خطاياي؟ فقال رسول الله ﷺ : «نعم» ، فلمَّا أدْبَرَ الرجل، ناداه رسول الله ﷺ -أو: أمر به فنودي له- فقال رسول الله ﷺ : «كيف قُلْت» ؟ فأعاد عليه قوله، فقال: «نعم، إلاّ الدَّيْن، كذلك قال لي جبريل» .
وخرَّج مسلم (١) عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: «يُغفر للشهداء كُلُّ ذنب، إلاَّ الدَّيْن» .
وقد جاء في أمر الدَّيْن تشديد كثير غير هذا؛ فأقول:
إنّ تعلق المأثم بالدَّين، إنما يكون حيث التقصيرُ المُتْلِفُ لذلك الحقِّ، إمَّا بالمَطْل أو بالجحود، أو ترك أن يوصي به، وإمَّا أن يَدَّانَ في غير الواجب، وهو ممنَّ لا يقدر على الأداء، وما أشبه ذلك.
وللمِدْيان عند إرادة الغزو حالان: مَلاَءٌ أو عَدمٌ.
فأما المليء، فإن كان حلَّ دينه، فالظاهر أنه لا يجوز أن يغزو بغير إذن صاحب الحَقّ، فإن كان دينه لم يحلَّ بعد، فهذا له أن يغزو (٢) ، وعليه أن يوكِّل من يقضيه عنه عند حلوله، والدليل على ذلك أنَّ من كان مليئاً، وقد حلَّ الحقُّ عليه،
стр. 58
فهو مأمورٌ كل وقت بالقضاء، ففعله ما يحول بينه وبين ذلك من غير إذن صاحب الحق لا يحلُّ له.
خرَّج مسلم (١) عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «مَطْلُ الغني ظلم، وإذا أُتبع أحدكم على مليءٍ فَلْيتبَعْ» .
وأما إذا لم يَحُلْ، فلا حَقَّ عليه الآن في الأداء (٢) ، فلا يتَّصف بالمطلِ، فليس عليه أن يستأذنه، لكن عليه باتفاقٍ أن يوصي به، ويُوكِّل على قضائه، فإذا فعل ذلك فقد أدَّى ما لزِمه ساعتئذٍ، وقد قال ﷺ : «وإذا أُتبع أحدكم على مليءٍ فَلْيتْبَعْ» (٣) .
وأما إن كان عديماً لا يجد قضاءً، ولا يرجو كسباً، فهذا روي عن مالك أنه
سُئِل عنه فلم يرَ بجهاده بأساً، يعني: وإن لم يستأذن غريمه، وهذا ظاهر؛ لأنه لا منفعة له في منعه، وليس ممّن عليه حبسٌ ولا سلطان، بل هو مخلًّى بإنظار الله إيَّاه، فلا يجب له عليه شيءٌ، ما دام على حالته تلك. قال بعض المتأخرين: ولعله يُرزق في الغزو ما يؤدي به دَينه، ففي الغزو خيرٌ لهما (٤) .
стр. 59
وقد رُوِيَ -أيضاً- عن مالك ما ظاهره، أنه يجب الاستئذان على من لم يجد وفاءً من دَيْنِهِ (١) ، ولا استئذان على من ترك وفاءً.
ذكر أبو الوليد بن رُشد (٢) قال: حكى ابن حبيب في «الواضحة» عن مالكٍ، أنه كان يوسِّع لمن عليه دينٌ أن يغزو إذا خلَّف وفاءً من دينه، أو: أذن له غرماؤه بالخروج (٣) إن لم يَدَعْ وفاءً من دَيْنِهِ، قال أبو الوليد: وذلك بعيد.
فأقول: يحتمل أن يكون وجهه أنه إذا خلَّف وفاءً، فلم يتعرض لإتلاف حقٍّ الغريم بتعرِّضه للقتل في الجهاد، وإذا لم يُخلِّف وفاءً، وذِمَّتُه بالحق معمورة، والغزو مظنة الهلاك، ففي ذلك تلفٌ لحق الغريم، فوجب ألاّ يجوز إلا بإذن صاحب الحق، وهذا ظاهر، وعليه يجيء مذهب الشافعيِّ في مَنْع المديان على الإطلاق من الغزو (٤) ، والله أعلم.
والقول في استئذان المِدْيان -كما تقدم فيمن له أبوان-: هو إذا لم يتَعيَّن الفرض، فإذا تعيَّن؛ لم يكن لأحدٍ في دفعه اختيار.
*****
стр. 60
فصلٌ: في بيان الهجرة، وما يجب من ذلك
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ﴾ [الأنفال: ٧٢] ، وقال -تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء: ٩٧] .
ذكر أهل العلم أنّه لمَّا فرض الله الجهاد على رسوله ﷺ ، أوجَبَ على من كان تخلَّف من المسلمين بمكة الخروج منها، وأنْ يهجروا دار الشرك، ويلحقوا برسول الله ﷺ ، فيقال: إنَّ قوماً ممن كان بمكة أسلموا، وأقاموا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون معهم يوم بدر، فأصيب بعضهم، فنزلت فيهم ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧] ، إلى آخر الآية (١) .
стр. 61
فكانت الهجرة حينئذٍ فرضاً، يجب على كل من أسلم أن يلحق برسول الله ﷺ : مجاهداً، ومؤازراً، ومعيناً، إلا من كان له عذرٌ عذره الله -تعالى- به، قال الله
-سبحانه-: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً. فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ [النساء: ٩٨] .
ولا خلاف في وجوب الهجرة حينئذٍ على مَنْ كان من المسلمين بمكة،
стр. 62
وإنما اخْتُلِف فيمن أسلم من غير أهل مكة، فقيل: كانت الهجرة لهم نافلةً، ومُرَغَّباً فيها، ولم تكن واجبة، وقيل: إنما كانت الهجرة واجبةً على من أسلم، فأما إذا أسلم كلُّ مَنْ في الموضع، فلا هجرة عليهم، واستدلَّ من صار إلى هذا بما كان من تعليم رسول الله ﷺ ، وأمره، ونهيه؛ لوفدِ عبدِالقيس حين أسلموا، ولم يأمرهم بالهجرة، بل أقرَّهم بأرضهم (١) .
فالهجرة -على هذا- تقع على أمرين:
أحدهما: ماكان مخصوصاً بمؤازرة النبي ﷺ ومعاونته، والجهادِ معه، حتى
أعْلَى الله -تعالى- كلمة الإسلام، وأظهَرَ دين نبيه محمدٍ ﷺ ؛ الذي أرسله بالهدى ودين الحقِّ ليظهره على الدّين كلِّه، ولو كره المشركون، فهذا هو الذي وَرَدتْ فيه الآثار الصحيحة: أنه نُسخ بعد فتح مكة، وعُلوِّ الإسلام وأهله.
خرَّج البخاري (٢) عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ يوم الفتح بمكة: «لاهجرة بعد الفتح، ولكن جهادٌ ونيّة، وإذا استنفرتم فانفروا» . فقوله ﷺ : «إذا استنفرتم فانفروا» بيانٌ أن الهجرة التي نُسِخَتْ هي ماكان من مهاجرة أرضهم وديارهم في اللِّحاق بالنبي ﷺ ؛ لإقامة الجهاد معه، فلما علا الدِّينُ، وتمَّ وعد الله؛ رُفعَ ذلك عنهم، وأوجب إجابة النفير متى احتيج في أمر الجهاد إلى طائفة تستنفر من المسلمين.
стр. 63
والثاني: هجرة دار الكفر إذا أسلم هنالك أحدٌ، وكان سائرهم على الكفر (١) .
خرَّج أبو داود (٢) ، عن أبي هند، عن معاوية، قال: سمعت رسول الله ﷺ
стр. 64
يقول: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها» .
وخرَّج -أيضاً- (١) عن عبد الله بن عمرو قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» .
فهو فرض واجبٌ على كل من كان في دار الكفر من المسلمين أن يخرج منها، ويهجرها لله -تعالى- ولدين الإسلام، وحكم الفرضية في ذلك باقٍ مستمرٌ إلى يوم القيامة. قال الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١] ، وقال -تعالى-: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] ، وقال -تعالى-: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام ٦٨] ، وقال -تعالى-: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠] ، وقال -تعالى-: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٤١] .
ومعلوم أن في الإقامة معهم موالاةً لهم، ومشاهدةً لكفرهم واستهزائهم
стр. 65
وخوضهم في حدود الله وآياته، وإمكاناً لسبيلهم عليه؛ بجريان أحكامِهم هنالك
وسلطانهم، وكلّ ذلك حرام بنصِّ القرآن.
وخرَّج أبو داود (١) عن جرير بن عبد الله قال: بعث رسول الله ﷺ سريَّةً إلى خثعم، فاعتصم ناسٌ منهم بالسجود، فأسرع فيهم القتل، قال: فبلغ ذلك النبي ﷺ ؛ فأمر لهم بنصف العقل. وقال: «أنا بريءٌ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين» ، قالوا: يا رسول الله، لمَ؟! قال: «لا تُراءى ناراهما» .
وخرَّج -أيضاً- (٢) عن سمرة بن جندب: أما بعد، وقال رسول الله ﷺ : «من
стр. 66
جامعَ المشرك وسكن معه؛ فإنه مثله» .
وبالجملة؛ فلا خلاف في وجوب الخروج من دار الكفر، واللّحاق بدار المسلمين (١) .
وأمّا قوله: «لا تُراءى ناراهما» ، فسببه قولان؛ ذكرهما أبو عبيد (١) :
стр. 75
أحدهما: أنه لا يحل لمسلمٍ أن يسكن بلادَ المشركين، فيكون منهم بقدر ما يرى كلُّ واحدٍ منهما نار صاحبه، قال: فجعل الرؤية للنار، وإنما الرؤية لصاحبها، ومعناه: أن تدنو هذه من هذه.
والوجه الآخر، يقال: إنه أراد بقوله: «لا تراءى ناراهما» ؛ يريد نار الحرب، قال الله -تعالى-: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤] ، فيقول: فناراهما مختلفتان؛ هذه تدعو إلى الله، وهذه تدعو إلى الشيطان، فكيف يتفقان؟ !، وكيف يساكن المسلم المشركين في بلادهم، وهذه حال هؤلاء وهؤلاء؟! هذا الوجه الثاني أوقع في معنى الحديث، وما سيق له التعليل بذلك في تحريم المساكنة، والله أعلم.
وأما أمره ﷺ بنصْف العقل، فيحتمل أن يكون إنما أهْدَر النِّصْفَ الثاني؛ لأنهم أعانوا على أنفسهم، حيث أقاموا بدار الكفر، وعَرَّضوا أنفسهم بذلك للقتل، والله أعلم.
وفي هذا الحديث ردٌّ على من زَعمَ أنْ لا دِيَةَ لمن أقام من المسلمين بدار الحرب، مع إمكان الخروج، حتى أصابه المسلمون في مَعَرَّة الاقتحام، وإليه ذهبت المالكية (١) . *****