← Фикх общий

Фикх общий · id 1449

الإنجاد في أبواب الجهاد

ابن المناصف

Полный текст (664 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 72

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 73

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 74

وأمّا قوله: «لا تُراءى ناراهما» ، فسببه قولان؛ ذكرهما أبو عبيد (١) :

стр. 75

أحدهما: أنه لا يحل لمسلمٍ أن يسكن بلادَ المشركين، فيكون منهم بقدر ما يرى كلُّ واحدٍ منهما نار صاحبه، قال: فجعل الرؤية للنار، وإنما الرؤية لصاحبها، ومعناه: أن تدنو هذه من هذه. والوجه الآخر، يقال: إنه أراد بقوله: «لا تراءى ناراهما» ؛ يريد نار الحرب، قال الله -تعالى-: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤] ، فيقول: فناراهما مختلفتان؛ هذه تدعو إلى الله، وهذه تدعو إلى الشيطان، فكيف يتفقان؟ !، وكيف يساكن المسلم المشركين في بلادهم، وهذه حال هؤلاء وهؤلاء؟! هذا الوجه الثاني أوقع في معنى الحديث، وما سيق له التعليل بذلك في تحريم المساكنة، والله أعلم. وأما أمره ﷺ بنصْف العقل، فيحتمل أن يكون إنما أهْدَر النِّصْفَ الثاني؛ لأنهم أعانوا على أنفسهم، حيث أقاموا بدار الكفر، وعَرَّضوا أنفسهم بذلك للقتل، والله أعلم. وفي هذا الحديث ردٌّ على من زَعمَ أنْ لا دِيَةَ لمن أقام من المسلمين بدار الحرب، مع إمكان الخروج، حتى أصابه المسلمون في مَعَرَّة الاقتحام، وإليه ذهبت المالكية (١) . *****

стр. 76

الباب الثاني في فضل الجهاد والرباط والنفقة في سبيل الله، وما جاء في طلب الشهادة، وأجر الشهداء

стр. 77

قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الّجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١] ، وقال -تعالى-: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [التوبة: ٢٠] ، وقال -تعالى-: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء: ٩٥] . وخرَّج البخاري (١) عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: دُلَّني على عمل يَعْدِل الجهاد، قال: «لا أجده» ، قال: «هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك، فتقوم ولا تَفْتر، وتصوم ولا تُفطر؟» ، قال: ومن يستطيع ذلك؟ قال أبو هريرة: إنَّ فرس المجاهد ليَسْتَنُّ في طِوَلِهِ، فتكتب له حسنات. معنى «يستنُّ» : يعدو، أي: يجول ويُسْرع في طِوَلِهِ مقبلاً ومدبراً. والطِّوَلُ

стр. 78

والطِّيَلُ لغتان، ما أطال فيه من الحَبْل وغيره. قال طرفة (١) : لعمركَ إنَّ الموتَ ما أخطأ الفتى ... لَكَالطِّوَلِِ المُرخَى وثِنْيَاهُ باليدِ وخرَّج البخاري (٢) -أيضاً- عن أبي سعيدٍ قال: قيل: يا رسول الله؛ أي الناس أفضل؟ فقال رسول الله ﷺ : «مؤمنٌ يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله» ، قالوا: ثم من؟ قال: «مؤمنٌ في شِعْبٍ من الشِّعاب، يتقي الله، ويَدعُ الناس من شَرِّه» . وخرَّج -أيضاً- (٣) عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: «لغدوةٌ في سبيل الله، أو روحة، خيرٌ من الدنيا وما فيها» . وخرَّج -أيضاً- (٤) عن أبي عَبْسٍ أن رسول الله ﷺ قال: «ما اغْبَرَّتْ قدما

стр. 79

عبدٍ في سبيل الله فتمسَّهُ النار» . وخرَّج النسائي والترمذي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «لا يلجُ النارَ رجلٌ بكى من خشية الله، حتَّى يعودَ اللَّبَنُ في الضّرع، ولا يجتمع غبارٌ في سبيل الله ودخانُ جهنَّم» (١) ، زاد النسائي (٢) : «في مِنْخَرَيْ مسلمٍ أَبداً» ، قال فيه الترمذي:

стр. 80

حسن صحيح. وخرَّج مسلم (١) عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «لا يجتمع كافرٌ وقاتله في النار أبداً» . وخرَّج مسلم (٢) -أيضاً- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «تضمن الله لمن خرج في سبيله، لا يُخرجه إلا جهاد في سبيلي، وإيمانٌ بي، وتصديقٌ برسلي، فهو عليَّ ضامنٌ أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مَسْكنِهِ الذي خرج منه نائلاً ما نال من أجرٍ أو غنيمة. والذي نفسُ محمدٍ بيده! ما من كَلْمٍ يُكلَمُ في سبيل الله، إلا جاء يوم القيامة كهيئته حين كُلِم، لونه لونُ دم، وريحه ريح مسك، والذي نفس محمدٍ بيده! لولا أن يشقَّ على المسلمين؛ ما قعدتُ خلافَ سريَّةٍ تغزو في سبيل الله أبداً، ولكن لا أجد سعةً فأحمِلُهُم، ولا يجدون سعةً، ويَشُقُّ عليهم أن يَتخلفوا عَنِّي، والذي نفسُ محمدٍ بيده! لوَدِدْتُ أني أغزو في سبيل الله فأُقتلُ، ثم أغزو فأُقتلُ، ثم أغزو فأُقتل» . في فضلِ من جهَّز غازياً أو خلَفَه بخير في «الصحيحين» (٣) البخاري ومسلم، عن زيد بن خالد، أن رسول الله ﷺ قال: «من جهَّز غازياً في سبيل الله فقد غزا، ومن خَلَفَ غازياً في سبيل الله بخيرٍ فقد غزا» . قال ابن عباس في قوله -تعالى-: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ

стр. 81

إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] ؛ معناه: لا تُمسكوا عن الإنفاق في سبيل الله فتهلكوا. وقال -أيضاً-: إن لم يجد الرجل شيئاً إلا مِشْقَصاً (١) فليُجَهِّزْ به في سبيل الله، ولا تقولن: لا أجد شيئاً، وقد هلكت (٢) . وأكثر المفسرين على أنَّ قوله -تعالى-: ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] في تَرك النَّفقة (٣) . في حرمة نساء المجاهدين خرَّج مسلم عن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ : «حرمَةُ نساء المجاهدين على القاعدين كحرمةِ أمهاتِهم، وما من رجلٍ من القاعدين يخلف رجلاً من المجاهدين في أهله فيخونه (فيهم) (٤) ؛ إلا وُقِفَ له يوم القيامة؛ فيأخذ من عمله ما شاء، فما

стр. 82

ظنكم؟!» . قال في النسائي: «نُصِب له يوم القيامة فيقال: يا فلان، هذا فلان، خُذ من حسناته ما شئت، ثم التفت رسول الله ﷺ إلى أصحابه، فقال: ما ظنكم؟! تَرَوْن يَدعُ له من حسناته شيئاً؟» (١) . فضل الجهاد على الحج إذا أُدِّيت الفريضة خرَّج مسلم (٢) عن زيد بن أرقم، أن رسول الله ﷺ غزا تسع عشرة غزوة، وحَجَّ بعدما هاجر حَجَّةً، لم يَحجَّ غيرها، حَجَّة الوداعِ. وخرَّج مسلم (٣) عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله ﷺ : أي الأعمال أفضل؟ قال: «إيمانٌ بالله» ، قال: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» ، قال: ثم ماذا؟ قال: «حجٌّ مبرور» . البخاري (٤) عن عائشة قالت: يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا

стр. 83

نجاهد؟ قال: «لكن أفضل الجهاد: حجٌّ مبرور» . معنى ذلك -إن شاء الله- في حقِّ النساء؛ لأنهن ممَّن لا غناء عندهن، ولا طاقة لهن بالقتال (١) ، مع ما كتب عليهن من الحجاب، وتَرْك التعرُّض لمواطن الرّجال (٢) ، ولهذا المعنى؛ قد يروي هذا الحَرْفَ بعض الرواة (٣) : «لكُنَّ أفضل الجهاد: حجٌّ مبرور» ، فجَعَل (لَكُنَّ) ضميرَ النساء، ويدل على ذلك ما خرَّجه البخاري (٤) عن عائشة ﵂، قالت: استأذنت النبيَّ ﷺ في الجهاد، فقال: «جهادكنَّ الحج» .

стр. 84

وخرَّج -أيضاً- (١) عنها عن النبي ﷺ ، سأله نساؤه عن الجهاد، فقال: «نِعْم الجهاد الحج» . قلت: فأمَّا الرجلُ أو الإمام يغزو بالمرأة، أو النساء؛ لما يعرض من المصالحِ، والرِّفق بالجرحى في المداواة، والقيام عليهم، وغيرِ ذلك من ضرورات الجيش عند القتال (٢) ، فذلك من السُّنَّة، إلاَّ أن يكون في الجمع قِلَّةٌ وخوفٌ أن ينالهنَّ

стр. 85

العدوُّ، فيجبُ التوقِّي والإمساكُ عن حضورهنَّ (١) . خرَّج مسلم (٢) عن أنس قال: «كان رسول الله ﷺ يغزو بأمِّ سليمٍ، ونسوةٍ من الأنصار معه إذا غزا؛ فَيَسْقِينَ الماء، ويداوين الجرحى» . في زيادة الأجر للمجاهدين عند الإخفاق خرَّج مسلم، والنسائي، وأبو داود، عن عبد الله بن عمرو: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من غازية تغزو في سبيل الله، فيصيبون غنيمةً؛ إلاَّ تعجَّلوا ثلثي أجرهم من الآخرة، ويبقى لهم الثلث، فإن لم يصيبوا غنيمةً؛ تمَّ لهم أجرهم» (٣) .

стр. 86

ظاهر هذا الحديث أن من غزا فغنِمَ نقصَ أجرُ جهاده -كما ذهب إلى ذلك قوم (١) -، وليس معنى ذلك كذلك عند أهل العلم والتحقيق، بل أجر الجهاد كاملٌ لكلِّ واحدٍ منهم، بفضل الله -تعالى-، وإنما يفترقون في زيادة الأجر فوق ثواب الجهاد (٢) ؛ فأمّا من غنم، فقد حَصَل له في الحال من السرور، ونشاط النفس بالظهور، والغُنْم، ما يَدْفع عنه آثار الجهد في الغزو، وتخلف المال في النفقة، ونحو ذلك مما تَفترق فيه حالهُ مِنْ حال مَنْ غزا فلم يُصبْ شيئاً، ولا عفَّى على كدِّه ونفقته خَلَفٌ، فلهؤلاء زيادةُ أجرٍ فوق أجر الجهاد، من حيثُ تضاعف آثار الجَهدِ

стр. 87

والكرب بفوت المغنم، كما يؤجر من أصيب بجهدٍ في نفسه، أو تَلفِ شيءٍ من ماله، وذلك أنَّ حالَهم بالإضافة إلى من غَنِمَ حالُ من أصيب بفوتِ مثل ذلك (١) . وقد خرّج مسلم (٢) في بعض طرقه ما يُتنَبَّهُ به على هذا المعنى؛ قال رسول الله ﷺ : «ما مِنْ غازية -أو: سريَّةٍ- تغزو فتغنم وتَسْلَمُ؛ إلا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجورهم، وما من غازيةٍ -أو: سريّةٍ- تُخْفِقُ وتصاب؛ إلاَّ تمَّ أجورهم» . فعلى نحو هذا تترتَّبُ زيادةُ الأجرِ لمن لم يغنم، ويَتَّصِفُ من غَنِمَ بنقصان الأجر إذا أضيف أجره في ذلك إلى الحَظِّ الذي زِيدَ في ثواب من لم يغنم، والله أعلم. وقد روي في نحو ذلك حديثٌ آخر؛ ذكره أبو عبيد في «غريب الحديث» (٣) له مقطوعاً، أنَّ النبي ﷺ قال: «أيُّما سريَّة غزت فأخفقت؛ كان لها أجرها مرتين» ، قال: حدثناه مروان بن معاوية، عن إبراهيم بن أبي حُصين، عمَّن حدثه، يرفع الحديث. فهذا يَدُلُّك أنه زيادة أجرٍ فوق الجهاد، لا نُقصان منه، وأدَلُّ دليلٍ في ذلك وأوضحه: قوله ﷺ -وقد ذكر مافضَّله الله -تعالى- به، وخصَّه من كرمه-: «أُعطيت خمساً لم يُعطهنّ أحدٌ قبلي؛ كان كلُّ نبيٍّ يُبعث إلى قومه خاصَّة، وبُعثتُ إلى كل أحمر وأسود، وأُحِلَّت لي الغنائم، ولم تَحِلَّ لأحدٍ قبلي» ... الحديث؛

стр. 88

ثبت في «الصحيحين» ؛ البخاري ومسلم (١) . فلو كانت الغنيمة تُحبطُ أجرَ الجهاد أو تُنْقِصُه، ما كانت فضيلة، وهذا ظاهر. قال أبو عبيد (٢) : «الإخفاق: أن تغزو فلا تغنم شيئاً، وكذلك كل طالبِ حاجة إذا لم يقضها؛ فقد أخفق إخفاقاً، وأصلُ ذلك في الغنيمة» . ما جاء في فضل الرِّباط والحراسةِ في سبيل الله قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] . قال الحسن وقتادة وغيرهما: معناه: رابطوا في سبيل الله (٣) . وقد قيل غير ذلك (٤) .

стр. 89

والرّباط عمل من أعمال الجهاد، مختصٌّ بحراسة المسلمين في الثغور، وملازمتها لذلك، وهو من أفضل العبادات، والأجر فيه على قدر الخوف في ذلك الثغر، وحاجة من فيه من المسلمين إلى ذلك. خرَّج البخاري (١) ، عن سهل بن سعد الساعدي، أن رسول الله ﷺ قال: «رِباط يوم في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خيرٌ من الدنيا وما عليها، والرَّوحة يروحها العبدُ في سبيل الله -أو: الغدوة- خيرٌ من الدنيا وما عليها» . وخرّج النسائي (٢) عن عثمان بن عفَّان: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ربِاطُ يومٍ في سبيل اللهِ خيرٌ من ألفِ يومٍ فيما سواه من المنازلِ» . وخرَّج مسلم (٣) ، عن سلمان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «رباط يومٍ

стр. 90

وليلة خير من صيام شهرٍ وقيامه، وإن مات جَرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأُجري عليه رزقه، وأُمنَ الفَتَّان» . وخرَّج أبو داود (١) ، عن فضالة بن عُبيد، أن رسول الله ﷺ قال: «كل الميت يُختم على عمله، إلا المرابط؛ فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة، ويؤمن من فَتَّان القبر» . وقد روي عن بعض أهل العلم اختلافٌ في الجهاد والرباط، أيهما أفضل؟ قال ابن وهب: سمعت مالكاً يقول: «الغزو على الصواب -يعني: السُّنَّة- أحبُّ إليَّ من الرباط، والرِّباط أعجبُ إليَّ من الغزوِ على غير الصَّواب» (٢) .

стр. 91

ورُوي عن عبد الله بن عمر، في تفضيل الرِّباط، أنه قال: «فُرِضَ الجهادُ لِسفْكِ دماءِ المشركين، والرباط لحقنِ دماء المسلمين، فَحقْنُ دماءِ المسلمين أحبُّ إليَّ من سفكِ دماءِ المشركين» (١) . قلت: لعلَّه إنما يعني مثل قول مالكٍ في فساد الغزو، ومحدثات الأمور فيه، حتَّى لا يُحْلَى منه إلا سفكُ دماء المشركين مُجَرَّداً، دونَ الاهتمامِ بحدود ذلك، وحقوقه الواجبة في الجهاد، أو إنما يعني حالة يضطر فيها أهل ثغرٍ من المسلمين إلى الحراسة؛ لِشدة الخوف عندهم، وتوقع هجومِ العدو في اهْتِبال غَفْلةٍ، أو إصابةِ غُرَّة، والله أعلم. فأمَّا أنْ يكون ذلك على الإطلاق، فلايستقيم أن يقال: الرِّباط أفضل من الجهاد؛ لأنَّ الجهادَ فرضٌ برأسه، كسائر الأركان، والرِّباط لايجبُ إلاَّ لعارضِ الخوف. وأيضاً، فلا نقول: إن الجهاد فُرِضَ لسفك دماء المشركين، حتى إذا قوبل بحقن دماء المسلمين كان الرباط أولى، لكن نقول: فُرِضَ الجهاد لأن تكون كلمة الله هي العُليا، وتلك خصوصيةٌ لا تُعَادل، ولا يُفَاضَلُ عليها بحالٍ، وفي كلِّ ذلك -والحمد لله- أجرٌ كبير، وفضلٌ عظيم. ما جاء في ارتباط الخيلِ في سبيل الله، وفضل الرَّمي (٢)

стр. 92

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 93

تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] . خرَّج مسلم (١) ، عن عقبة بن عامر قالٍ: سمعت رسول الله ﷺ -وهو على المنبر- يقول: « ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] ألا إنَّ القوة الرَّمي، ألا إنَّ القوة الرَّميُ، ألا إنَّ القوة الرَّميُ» . وخرَّج الترمذي (٢) ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «الخيل معقودٌ في نواصيها الخيرُ إلى يوم القيامة، الخيل لثلاثة: هي لرجلٍ أجرٌ، وهي لرجلٍ سِترٌ، وعلى رجلٍ وزر؛ فأما الذي له أجرٌ، فالذي يتخذها في سبيل الله، فيعِدُّها له، هي له أجرٌ، لايغيب في بطونها شيءٌ، إلا كتب الله له أجر ... » الحديث. وقال فيه: «حديث حسن صحيح» . أبو داود (٣) ، عن عقبة بن عامرٍ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنَّ الله

стр. 94

يُدخلُ بالسَّهم الواحد ثلاثة نفرٍ في الجنة: صانعه يحتسب في صنعته الخير، والرَّامي به، ومنبِّله، وارموا واركبوا، وأن ترموا أحبُّ إليَّ من أن تركبوا. ليس من اللهو إلا ثلاث: تأديب الرجل فرسه، وملاعبته أهله، ورميه بقوسه ونبْلِهِ، ومن ترك الرمي بعد ما علمه، رغبةً عنه، فإنَّها نعمةٌ تركها» ، -أو قال: «كَفَرَها» -.

стр. 95

قوله: «ومُنبّلُه» ، المُنَبِّل: الذي يناول الرَّامي النَّبلَ واحداً بعد واحد، أو يَردُّ عليه النَّبلَ المرميَّ. وقوله: «ليس من اللهو إلا ثلاث» ، أي: ليس يثبت من اللهو في الشرع إلا ثلاث، يريد: إن ما عَدا ذلك من اللهو فهو باطل (١) . ووقع في الترمذي (٢) هذان الحرفان مفسَّرين؛ قال: «في السهم (٣) ، والرامي به، والمُمِدّ به» ، وقال: «كلُّ ما يلهو به الرجل المسلم باطل، إلا رَمْيَه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، فإنهنَّ من الحقّ» . ما جاء في فضل الإنفاق في سبيل الله قال الله -تعالى-: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] .

стр. 96

خرَّج النسائي (١) ، عن خُريم بن فاتكٍ الأسديِّ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أنفق نفقةً في سبيل الله، كُتبت بسبع مئة ضعف» . البخاري (٢) ، عن أبي هريرة قال النبي ﷺ : «من احتبس فرساً في سبيل الله، إيماناً بالله، وتصديقاً بوعده؛ فإنَّ شَبَعَهُ وَرِيَّهُ ورَوْثَه وبولَه في ميزانه يوم القيامة» . وفيه (٣) عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «من أنفق زوجين في سبيل الله؛ دعاه خزنة الجنة، كُلُّ خزنة بابٍ: أي فُلُ هَلُمَّ» . قال أبو بكر: يا رسول الله، ذلك الذي لا تَوَى عليه! فقال النبي ﷺ : «إنِّي لأرجو أنْ تكون منهم» . قوله: «أي فُل» : نداء مخصوص، كما تقول: أي هذا، يقال: فلانٌ وفُلُ، محذوف -لُغتان-، وليس على طريق الترخيم. قال الشاعر (٤) :

стр. 97

في لَجَّةٍ أمْسِكْ فلاناً عن فُلِ وقوله: «لا تَوَى عليه» ، أي: لا هلاك عليه (١) ، ورجلٌ تَوٍ، مثل: عم (٢) . وفي «الموطأ» (٣) ، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «من أنفق زوجين في سبيل الله؛ نُودي في الجنة: يا عبد الله، هذا خيرٌ، فمن كان من أهل الصلاة، دُعي

стр. 98

من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الرَّيَّان» ، فقال أبو بكر: يا رسول الله، ما عَلى من يُدْعى من هذه الأبواب من ضرورة، فهل يُدْعى أحدٌ من هذه الأبواب كلِّها؟، قال: «نعم، وأرجو أن تكون منهم» . النسائي (١) ، عن صَعْصَعة بن معاوية قال: لقيتُ أبا ذر، قال: قلت: حدثني،

стр. 99

قال: نعم، قال رسول الله ﷺ : «ما مِنْ عبدٍ مسلمٍ يُنفق من كل مالٍ له زوجين في سبيل الله؛ إلا اسْتَبَقَتْهُ حَجَبةُ الجنَّة، كلّهم يدعوه إلى ما عنده» ، فقلت: وكيف ذلك؟، قال: «إن كانت إبلاً فبعيرين، وإن كانت بقراً فبقرتين» . وروي نحو هذا التفسير عن الحسن البصري (١) قال: اثنين من جنسٍ واحد، كدرهمين -أو: دينارين- وقد قيل: إنه يدخل في ذلك -أيضاً- سائر الطاعات، مثل: أن يصوم ويصلي نفلين، ويغزو مرَّتين، وماأشبه ذلك. ويحتمل أن يكون قوله: «من كان من أهل الصلاة، من كان من أهل الجهاد» ، إشارةً إلى هذا المعنى؛ نُسبَ إلى الأعمال المتكررة منه. وقيل: يحتمل أن يكون ذلك العملُ أغلبَ عليه، وأكثر في عباداته، وهذا يرجع إلى ما قلناه، مِن أنه: العمل الذي يكثر تكراره في نوعه، والله أعلم (٢) . وأمّا قوله في حديث «الموطأ» : «هذا خير» ، فقيل (٣) : معناه: هذا خيرٌ نِلْتَهُ وأدركته بعملك، هو هنا معدٌّ لك، وليس معناه: هذا أفضل.

стр. 100

قلت: ولا يبعد أن يكون بمعنى: هذا أفضل، يُراد: أنَّ ما أعدَّ لك ها هنا خيرٌ مما أَنْفَقْتَ في الدنيا، يُغبط بفعله، ويُعَرَّفُ قدر نعمة الله -تعالى- وفضله في تضعيف الجزاء له، كما قال -تعالى-: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيضَاعِفَهُ لَهُ﴾ [البقرة: ٢٤٥] ، فهم يستبقون إلى تبشيره بذلك، كلُّ خازنٍ بما عنده، والله أعلم. ما جاء في طلب الشهادة، وأجر الشهداء في «الموطأ» (١) ، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «وَدِدْتُ أني أقاتِلُ في سبيل الله، فأُقتل، ثم أُحيا فأُقتل، ثم أُحيا فأقتل» . البخاري (٢) ، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: «ما أحدٌ يدخل الجنة، يحب أن يرجع إلى الدنيا، وله ما على الأرض من شيءٍ إلا الشهيد؛ يتمنَّى أن يرجع إلى الدنيا، فيُقتَلَ عشر مرات؛ لما يرى من الكرامة» . الترمذي (٣) ، عن المقدام بن معدي كَرِبَ قال: قال رسول الله ﷺ : «للشهيد

стр. 101

عند الله سِتّ خصال؛ يُغْفَر له في أول دَفعة، ويُرَى مقعده من الجنة، ويُجار من عذابِ القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسهِ تاج الوقار، الياقوتة منه خيرٌ من الدنيا وما فيها، ويزوَّج اثنتين وسبعين زوجةً من الحور العين، ويُشفَّع في سبعين من أقاربه» . قال فيه: حسن صحيح غريب. وفي «الموطأ» (١) ، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، أن رسول الله ﷺ رغَّب في الجهاد، وذَكرَ الجنة، ورجلٌ من الأنصار يأكل تمراتٍ في يده، فقال: إني لحريص على الدنيا إن جلستُ حتى أَفْرُغ منهنَّ، فرمى ما في يده، فحمل بسيفِه، فقاتل حتى قُتِل. أبو داود (٢) ، عن معاذ بن جبل، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «من قاتل في

стр. 102

سبيل الله فُواقَ ناقةٍ، فقد وَجَبتْ له الجنة، ومن سأل الله القتلَ من نفسه صادقاً، ثم مات -أو: قُتِلَ-، فإنَّ له أجرَ شهيد» . الترمذي (١) ، عن معاذ بن جبل، عن النبي ﷺ قال: «من سأل الله القتل في سبيله صادقاً من قلبه، أعطاه الله أجرَ الشهادة» قال فيه: حسنٌ صحيح. مسلم (٢) ، عن سهل بن حنيف، أن رسول الله ﷺ قال: «من سأل الله الشهادة بصدقٍ، بلَّغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه» . وفيه (٣) عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «من طلبَ الشهادة صادقاً؛ أُعطيها، ولو لم تُصبه» . أبو داود (٤) ، عن أبي مالك الأشعري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:

стр. 103

«من فَصَلَ في سبيل الله فمات -أو: قتل- فهو شهيد، أو: وَقَصهُ فرسه -أو: بعيره-، أو: لدغته هامَّةٌ، أو: مات على فراشه بأي حتفٍ شاء الله، فإنَّه شهيد، وإنَّ له الجنة» . قلت: ومصداق ذلك في كتاب الله: قوله -تعالى-: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠] . ما جاء في الشهداء قال الله -تعالى-: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ... ﴾ الآية [آل عمران: ١٦٩] . خرّج مسلم (١) عن مسروق قال: سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية، قال: أمَا إنَّا قد سألنا عن ذلك، فقال: «أرواحهم في جَوفِ طيرٍ خُضرٍ، لها قناديل معلَّقةٌ بالعرش، تَسرحُ من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطَّلع إليهم ربهم اطِّلاعةً، فقال: هل تشتهون شيئاً؟، قالوا: أيُّ شيءٍ نشتهي، ونحن نسرحُ من الجنة حيث شئنا!، ففعل ذلك بهم ثلاث مرَّات، فلما رأوا أنهم لن يُتركوا من أن

стр. 104

يسألوا، قالوا: يارب! نريد أن تَرَدُّ أرْواحَنا في أجسادنا؛ حتى نُقتلَ في سبيلكَ مرةً أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجةٌ؛ تُرِكوا» . الترمذي (١) ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ما يجد الشهيد من

стр. 105

مسِّ القتل، إلا كما يجد أحدكم مسَّ القَرْصة» . قال فيه: حسن صحيح. وفيه -أيضاً- (١) ، عن أبي يزيد الخولاني، أنه سمع فُضالة بن عبيد يقول: سمعتُ عمر بن الخطاب يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الشهداء أربعة؛

стр. 106

رجل مؤمن جَيِّد الإيمان، لقي العدوَّ، فَصَدق الله حتى قُتِلَ، فذلك الذي يرفع الناس إليه أعينهم يوم القيامة هكذا» ، ورفع رأسه حتى وقعت قُلُنْسُوَتُه، -قال: فما أدري! أقلنسوة عمر، قال، أم قلنسوةُ النبي ﷺ -؟ قال: «ورجل مؤمن جَيِّد الإيمان لقي العدوَّ، فكأنما ضُرِبَ جِلدُه بشوكِ طَلْحٍ من الجُبنِ، أتاه سهمٌ غَرْبٌ فَقَتله، فهو في الدرجة الثانية، ورجلٌ مؤمن؛ خَلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، لقي العدوَّ، فصدق الله حتى قُتِلَ، فذلك في الدرجة الثالثة، ورجل مؤمنٌ أسْرَفَ على نفسه، لقي العدوَّ، فَصَدقَ الله حتى قُتِلَ، فذلك في الدرجة الرابعة» . قال فيه: «حسن غريب» . قوله: «سَهْمٌ غربٌ» ؛ أي: لا يُعرفُ راميه. قال أبو عبيد (١) : قال الكسائي والأصمعيّ: إنما هو سَهمُ غَرَبٍ، بفتح الراء، قال: والمحدثون يُحدِّثونه بتسكين الراء، والفتحُ أجود، وأكثرُ في كلام العرب. وقال ابن هشام في «المغازي» (٢) لابن إسحاق: سهمُ غَرْبٍ، وسهمٌ غَرْبٌ، بإضافةٍ وغير إضافة: لا يُعرف من أين جاء، ولا منْ رمى به. البخاري ومسلم (٣) ، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «الشهداء خمسةٌ: المَطعون، والمَبْطونُ، والغَرِقُ، وصاحبُ الهَدْمِ، والشهيدُ في سبيل الله» . «الموطأ» (٤) ، عن جابر بن عتيك، قال رسول الله ﷺ : «الشهداء سبعة،

стр. 107

سِوى القتلِ في سبيل الله: المطعون شهيد، والغَرِقُ شهيد، وصاحبُ ذاتِ الجَنْب شهيدٌ، والمبطون شهيد، والحَرِقُ شهيدٌ، والذي يموت تحت الهدْمِ شهيد، والمرأة تموت بجُمعٍ شهيد» . قوله: «المطعون» : هو الذي يموت في الطاعون. وفي حديثٍ عن عائشة، قال رسول الله ﷺ : «إن فناء أمَّتي بالطعن والطاعون» ، قالت: الطَّعن قد عرفناه، فما الطاعون؟ قال: «غُدَّةٌ كغدة البعير، تخرج في المراقِّ والآباط، من مات منه مات شهيداً» (١) .

стр. 108

وقوله: «صاحب ذات الجنب» ، قيل: هو الذي تصيبه الشُّوصة. وجاء في بعض الآثار (١) : «المجنوب شهيد» ، يريد: صاحب ذات الجنب. و «المبطون» ؛ قيل: هو المَحْبون. والحبن: داءٌ يعظُم له البطن، وقيل: المبطون: الذي غَلبَ عليه الإسهالُ حتى قتله، فهو شهيد. وقوله في المرأة: «تموت بجُمْعٍ» ، قال أهل اللُّغة: هو إذا ماتت وفي بطنها ولد، يقال: هي بجُمْع؛ إذا كانت مُثقلةَ الحَمْل، وقال بعض أهل العلم: وإذا ماتت من النَّفاس فهي كذلك شهيد، سواء بقي في بطنها، أو وضعته ثم ماتت عقب ذلك. وفيه لأهل اللغة معنى آخر: وهو أنه كذلك -أيضاً- يقال للبِكْر التي لم تُفْتَضَّ: هي بجُمعٍ، وقاله بعض أهل العلم في معنى الحديث، والمعنى الأول أقرب؛ توجهاً إلى رتبة الشهادة، وزيادة الأجر على ما فهم من الشرع، والله أعلم. وأما الحَرقُ بالنار، والغرق في الماء، والذي يموت تحت الهدم، فكل ذلك ظاهر، وأرى -والله أعلم- أنَّ هؤلاء لشدة أسباب موتهم؛ كتبهم الله في الشهداء برحمته.

стр. 109

* مسألة في غَسل الشهداءِ، والصلاة عليهم: اختلف أهل العلم في غسل من قُتِل شهيداً في جهاد الكفار، والصلاة عليهم: فأما الغسلُ: فذهب جمهور أهل العلم إلى أنهم لا يُغسَّلون إذا ماتوا في المعركة، وممَّن قال بذلك: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، والليث، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وداود، وغيرهم (١) ، وخالفهم سعيد بن المسيّب، والحسنُ

стр. 110

البصريُّ (١) ، وغيرهما (٢) ، فقالوا: يغسل الشهداء وغيرهم.
следующие страницы →