← Фикх общий

Фикх общий · id 1449

الإنجاد في أبواب الجهاد

ابن المناصف

Полный текст (664 стр.). Показаны 631–664 · переход к 636.

стр. 631

الفصل الثالث: في حكم قتال أهل البغي قال الله : ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩] . خرَّج مسلم (١) ، عن أنس بن مالك قال: قيل للنبي ﷺ : لو أتيت عبد الله بن أُبَيّ؟ قال: فانطلق (٢) إليه، وركب حماراً، وانطلق المسلمون، وهي أرض سَبِخَةٌ (٣) ، فلما أتاه النبي ﷺ قال: إليك عَنّي، فوالله لقد آذاني نتن حمارك. قال: فقال رجل من الأنصار: والله! لحمار رسول الله ﷺ أطيب ريحاً منك. قال: فغضب لعبد الله رجل من قومه، فغضب لكل واحد منهما أصحابُه. قال: فكان بينهم ضرب بالجريد وبالأيدي وبالنِّعال، فبلغنا أنها أنزلت فيهم: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] . قال ابن المنذر (٤) : فأمر الله سبحانه النبي ﷺ والمؤمنين، إذا اقتتل طائفتان من المؤمنين: أن يدعوهم إلى حكم الله، وينصفَ بعضهم من بعض، فمن أبى منهم فهو باغٍ، وحقٌّ على الإمام والمؤمنين أن يجاهدوهم؛ حتى يفيئوا إلى أمر الله. وخرَّج مسلم (٥) عن أبي هريرة قال: لمَّا توفي رسول الله ﷺ ، واستُخْلِف

стр. 632

أبو بكر بعده، وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله، فقد عصمَ منِّي ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله» ؟! فقال أبو بكر: والله لأقاتلنّ من فَرَّق بين الصلاة والزكاة، فإنَّ الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدُّونه لرسول الله ﷺ لقَاتَلْتُهُم على منعه، فقال عمر بن الخطاب: فوالله ما هو إلا أن رأيتُ الله قد شَرَح صدرَ أبي بكر للقتال؛ فعرفت أنه الحق. قال ابن المنذر (١) : «يقال: إن أبا بكر قاتل الذين منعوا الصدقة، وقاتل قوماً كفروا بعد إسلامهم، ولم يختلف الناس أن قتال الكفار يجب، ولا يجوز أن يظن بعمر بن الخطاب أنه شكَّ في قتال أهل الكفر، وإنما وقف عن قتال من منع الزكاة، إلى أن شرح الله صدره للذي شرح صدر أبي بكر له. وقال الشافعي (٢) : أهل الردة بعد رسول الله ﷺ ضربان: ضربٌ منهم كفروا بعد إسلامهم، وقوم تمسكوا بالإسلام ومنعوا الصدقات» (٣) . فقوم ارتدوا بالكفر، وقوم قيل لهم ذلك بمنع الحق، قال (٤) : «ومن رجع عن شيء جاز أن يقال: ارتد عن كذا» ، يعني: فلذلك جاز أن يطلق عليهم اسم الردة، وإن كان منهم مسلمون. قال ابن المنذر (٥) : «فقاتل أبو بكر الصديق ﵁ جميع هؤلاء، ولم يُعْلَمْ أَحَدٌ في الوقت الذي رأى عمر مثل ما رأى أبو بكر ﵄ من أصحاب رسول الله ﷺ امتنع مِنْ قتالهم، ولا رأى خلافه، فكان هذا -مع دلائل سنن رسول الله ﷺ - كالإجماع من المهاجرين والأنصار

стр. 633

على أن ذلك بحقٍّ وجب عليه القيام به» . فإذا ثبت ذلك، فمعنى قول أهل العلم: إنه يجب على من اعتزل جماعة المسلمين وإمامهم، ومنعوه حقّاً من الحقوق الواجبة عليهم، وأداء الطاعة فيما افترضه الله له قبلهم، من غير علة يحق على الإمام رفعها عنهم، ثم دعاهم مع ذلك الإمام إلى الإنابة والإقلاع فلم يقبلوا منه، فواجبٌ عليه حربهم وقتالهم، وحقٌّ عليهم وعلى المسلمين القيام في ذلك معه، والنُّصرة على الحق؛ لقيام الأدلة على ذلك، وقال الله -تعالى-: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] . وفي حديث عبد الله بن مسعود، عن رسول الله ﷺ : « ... إنها تخلف من بعدهم خُلوف: يقولون ما لايفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ... » الحديث، وقد تقدّم بكماله، خرّجه مسلم (١) . وكان من خاصِّ ما وردَ في هذا الباب: الآثار الثابتة في أمر الخوارج، ووجوب قتالهم وقتلهم. خرَّج مسلم (٢) ، عن عليٍّ ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سيخرج في آخر الزمان قوم: أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يقرؤون القرآن، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّميَّة، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم، فإنَّ في قتلهم أجراً لمن قَتلهم عند الله يوم القيامة» . وخرّجَ -أيضاً- (٣) ، عن أبي سعيد، أن النبي ﷺ ذكر قوماً يكونون في أمته، يخرجون في فرقة من الناس، سيماهم التَّحالُقُ، قال: «هم شر الخلق -أو: من شرِّ

стр. 634

الخلق-، يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق» . وفي الباب عن أبي ذرٍّ (١) ، وجابرٍ (٢) ، وسهل بن حنيف (٣) ، وغيرهم. والنظر في هذا الفصل يتعلق بثلاثة أشياء: الأول: في تقسيم أهل البغي وأحوالهم، ومتى يجب التعاون على قتالهم أو يحرم؛ لاختلاط الفتن؟ الثاني: معرفة الحدِّ الواجب في قتالهم، ومتى يجب الكفُّ عنهم؟ الثالث: معرفة الحكم في جناياتهم، وما يُسْتَولى عليه من أموالهم.

стр. 635

النظر الأول: في تقسيم أهل البغي وأحوالهم المخالفون على الجماعة ضربان: * ضرب امتنعوا عن أداء الحقوق، ونزعوا أيديهم من الطاعة؛ فسقاً، ومجوناً، واجتراءً على حدود الله، من غير أن يُنَصِّبوا إماماً، ولا يعتقدوا طاعة، فهؤلاء أهل كبيرةٍ، ومنكرٍ ظاهرٍ يجب تغييره، (فإن لم) (١) تنفع في ذلك موعظتهم وتذكيرهم بالله -تعالى-، وتخويفهم من عقابه، ولم يمكن حملهم على منهج الشرع إلا بقتالهم، ولم يكن قتالهم يؤول إلى فتنة يُتّقى فيها من تفاقم الأمر، والانجرار إلى ما هو أفجر وأنكر من الأول؛ فواجبٌ مقاتلتهم على ذلك؛ حتى يفيئوا إلى أمر الله: يرجعوا إلى الحقِّ، وأداء ما لزمهم، وينزعوا عن باطلهم. والدليل على ذلك ما تقدم من الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: فقوله -تعالى-: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] ، وأما السنة: فقوله ﷺ : « ... فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن» (٢) ، وأما الإجماع: ففي قتال (٣) مانعي الزكاة (٤) . ** والضرب الثاني: من خالف على إمام المسلمين، فعقدوا البيعة لآخر، يزعمون أنه أحق، وهذا الضرب له حالتان: فالواحدة: أن تكون الإمامة قد صَحَّت وانعقدت بتمام البيعة لرجل عَدْلٍ، مستوفٍ شروط الإمامة، فيخرج عليه بعض من بايعه.

стр. 636

والأخرى: أن يفترق الناس فرقتين، فيعقد كل فريق الإمامة لرجلٍ منهم، ويدعو كلٌّ إلى حزبه. فأما الحالة الأولى، حيث يخرج على الإمام العدل بعض من بايعه (١) ، يدَّعي أنه أحق بالأمر منه، أو يزعم أنه أنكر على الإمام أمراً من الباطل والجور، وما أشبه ذلك من ضروب التأويل التي يدعيها أمثال هؤلاء، أو يكون طالبَ دنيا فقط، أو متعصِّباً لباطل، وما أشبه ذلك، فيجب في أهل التأويل على الإمام العادل أن ينظر فيما ذكروا أنهم أنكروا عليه، فإن صحَّ ما زعموه من ظلم وباطل، أو جَوْرٍ، وغير ذلك من شيء أنكروه، مما لعله غفل عنه، أو غلط فيه، ونحو ذلك من وجوه الإمكان التي لا تستحيل على البشر، فها هنا يَتَعيَّنُ عليه الرجوع إلى صواب ما أوجبه الشرع من الحق. قال الله -تعالى-: ﴿يا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦] . فإذا رجع عن ذلك، ووجب عليهم العود فلم يفعلوا، أو كان ما نسبوه إليه، أو أوَّلوه عليه باطلاً، أو كانوا إنما يطلبون المال، أو تعصباً، أو غير ذلك من أنواع الباطل، ثم وعظهم فلم يتعظوا، وخَوَّفهم فلم ينزجروا؛ فواجبٌ عند ذلك قتالهم، وعلى الناس المعونة لإمامهم العدل على هؤلاء، حتى يراجعوا الحق (٢) . فقال الشافعي (٣) : إذا كان لأهل البغي جماعة تكثر، واعتقدوا ونصبوا إماماً، وأظهروا حكماً، وامتنعوا من حكم الإمام العادل، فهذه هي الفئة الباغية، فينبغي إذا فعلوا هذا أن يسألهم: ما نقموا؟ فإن ذكروا مظلمةً بيِّنةً رُدَّت، وإن لم يذكروها، قيل لهم: عودوا. فإن فعلوا قُبِلَ منهم، وإن لم يجيبوا قوتلوا بعد أن يدعوا. خرَّج مسلم (٤) ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 637

« ... ومن بايع إماماً، فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فلْيطعه إن استطاع، فإذا جاء آخر فنازعه؛ فاضربوا عنق الآخر» . وخرَّج -أيضاً- (١) ، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا بويع لخليفتين، فاقتلوا الآخر منهما» . وخرَّج -أيضاً- (٢) ، عن عرفجة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنها ستكون هناتٌ وهناتٌ، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع؛ فاضربوه بالسيف، كائناً من كان» . وخرَّج -أيضاً- (٣) ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «مَن خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، ثم مات؛ مات ميتةً جاهلية، ومن قتل تحت راية عمية، يغضب للعصبة (٤) ، ويقاتل للعصبة؛ فليس من أمتي، ومن خرج من أمتي على أمتي، يضرب بَرَّها وفاجرها، لا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهدها؛ فليس منِّي» . قوله: «تحت راية عميَّة» ، أي: فتنة وجهالة، كأنه مأخوذ من العمى، قال في «مختصر العين» (٥) : العُمِّيَّة والعِمِّيَّة: الضلالة، يقال: قتل فلان عمِّياً، وهي فَعيلةٌ وفِعلى: من العمى. فصل وأما الحالة الثانية: حيث يفترق الناس على إمامين، ويكثر العدد في كل فريق

стр. 638

من الجهتين، ويُشْكل الأمر، ويجلّ الخطب، فذلك حين قيح الفتن؛ فالواجب عند ذلك الكفُّ، والتوقف عن كل فريق، وطَلبُ السلامة لدينه، بالاعتزال والفرار عن الفتنة، والاستسلام لأمر الله (١) ، كما صحَّ في مثل ذلك عن رسول الله ﷺ ، أنه أمر وأوصى، وكما فعل السلف الصالح، وفي مثل ذلك وشبهه يكون موقعُ قولهِ -تعالى-: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ ... ﴾ [المائدة: ١٠٥] . خرَّج مسلم (٢) عن أبي بَكْرَة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا تواجه المسلمان بسيفيهما؛ فالقاتل والمقتول في النار» ، قال: فقلت -أو قيل-: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: «إنه قد أراد قتل صاحبه» . وخرَّج -أيضاً- (٣) ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ستكون فتن، القاعد فيها خيرٌ من القائم، والقائم فيها خيرٌ من الماشي، والماشي فيها خيرٌ من الساعي، من تَشَرَّف لها تَسْتَشْرِفُهُ، ومن وجد فيها ملجأً فَلْيعُذ به» . وخرَّج -أيضاً- (٤) ، عن أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إنها ستكون فتن، ألا ثم تكون فتنٌ، القاعد فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي إليها، ألا، فإذا نزلت أو وقعت، فمن كان له إبلٌ فليلْحق بإبله، ومن كانت له غنم

стр. 639

فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه» . قال: فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت من لم تكن له إبل ولا غنم ولا أرض؟ قال: «يعمد إلى سيفه، فيدقّ على حدِّه بحجر، ثم ليَنْجُ إن استطاع النَّجاء، اللهم هل بلَّغتُ؟ اللهم هل بلَّغت؟ (١) » قال: فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت إن أكرهتُ حتى يُنْطَلَق بي إلى أحد الصَّفين، أو إحدى الفئتين، فضربني رجل بسيفه، أو يجيء سهم فيقتلني؟ قال: «يبوء بإثمه وإثمك، ويكون من أصحاب النار» . وخرَّج (٢) عن حذيفة بن اليمان قال: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنتُ أسأله عن الشَّر؛ مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنّا كنّا في جاهلية وشرّ، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير شر؟ قال: «نعم» ، فقلت: هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: «نعم، وفيه دَخَن» ! قال: قلت: وما دخنه؟ قال: «قوم يُستَنُّون بغير سُنَّتي، ويهتدون بغير هَدْيي، تعرف منهم وتنكر» ، فقلت: هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: «نعم، دعاةٌ على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها» ، فقلت: يا رسول الله، صِفْهُم لنا، قال: «نعم، قوم من جلدتنا ويتكلَّمون بألسنتنا» ، قلت: يا رسول الله، فما ترى إنْ أدركني ذلك؟ قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامَهم» ، فقلت: فإن لم تكُن لهم جماعةٌ ولا إمام؟ قال: «فاعتزل تلك الفرق كلَّها، ولو أن تَعَضَّ على أصل شجرة، حتى يدركك الموتُ، وأنت على ذلك» . وخرّج -أيضاً- (٣) ، عن أبي سعيد قال: قال رجل: أي الناس أفضل يا

стр. 640

رسول الله؟ قال: «مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله» ، قال: ثم من؟ قال: «رجل معتزل في شعب من الشعاب، يعبد ربه، ويدع الناس من شَره» . وروَى أبو بكر بن المنذر (١) مسنداً إلى أيوب بن عبد الله اللخمي قال: كنت عند عبد الله بن عمر، وهو يخلط لبعيره عَلَفاً، فجاءه نَفَر، فقالوا: ما تأمرنا يا أبا عبد الرحمن؟ هذا ابن الزبير، وابن مروان، ونَجدة، كلُّ واحدٍ منهم يدعو إلى نفسه! فقال رجل منهم: يقول الله ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] ، فقال ابن عمر: قد قاتلتُ أنا وأصحابي حتى كان الدِّين كلُّه لله، وذهب الشِّرك، ولكنك وأصحابك تقاتلون حتى تكون فتنة، ويكون الدين لغير الله! فقال رجل: لو فعل الناس مثل ما فَعَلْتَ؛ ما قام لله دين! فقال ابن عمر: لو فعَلَ الناس مثل ما فَعَلْتَ؛ ما أغلقت أمُّك عليها بابها، ولا اتَّكَأتَ في بيتك مضطجعاً! وأسند إلى ابن عباس، أن سائلاً سأله، قال: إني بايعتُ ابن الزبير على أن أقاتل أهل الشام! قال: فقال: لا تقاتل أهل القبلة، ولكن ابْتعْ بَغْلاً أو بغلين، أو غلاماً أو غلامين، ثم انطلق نحو المشرق، فإنّك إنْ قُتلتَ على ما أنتَ عليه؛ قُتلتَ

стр. 641

إن شاء الله شهيداً. وأسند -أيضاً- إلى عبد الملك بن عمير، قال: رأيت أبا موسى أيام الفتنة يخرج من داره، فيصلِّي مع الإمام، فإذا قال الإمام: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله؛ وَثَبَ، فدخل داره، ورأيتُ عليه عمامةً سوداء، وبُرنساً أسود (١) . وعن طلحة بن عبيد الله، كان يقول: «أقلُّ العيب على المرء أن يجلس في داره» (٢) . وعن أبي الدَّرداء قال: «نِعم صومعة المرء المسلم بيته، يكفُّ سمعه وبصره ودينه وعرضه، وإياكم والجلوس في الأسواق، فإنها تُلهي وتُلغي» (٣) .

стр. 642

وعن أبي ذرٍّ الغفاري قال: «الوحدة خير من جليس السوء، والجليس الصالح خيرٌ من الوحدة، وإملاء الخير خير من السكوت، والسكوت خير من إملاء الشر» (١) .

стр. 643

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 644

النظر الثاني: في معرفة حدِّ قتال أهل البغي الفرقة الباغية على الوجوه المتقدِّمة، إذا لم ترجع بوعظ ولا استصلاح إلى الإمام العادل، ولم يُرْجَ إقلاعهم، فإنَهم يقاتلون على ذلك، ما داموا على حالهم من الامتناع والخلاف، حتى يفيئوا إلى أمر الله. واختلف أهل العلم في قتلهم إذا أدبروا منهزمين، أو أُخذوا مأسورين، أو أُثبتوا مثخنين، فقال الشافعي (١) : «لا يقتل منهم المُدْبِر ولا الأسير ولا الجريح

стр. 645

بحال» ، وهو المرويُّ عن علي بن أبي طالب ﵁، أنه قال يوم الجمل: «لا تقتلوا مدبراً، ولا تذفِّفوا على جريح، ولا تقتلوا أحداً صبراً، ولا توطأ أم ولد، ولا النساء على عدتهن، والميراث على كتاب الله» (١) . وروي -أيضاً- أنه قال في يوم الجمل: «لا يذفف على جريح، ولا يهتك ستر، ولا يفتح باب، ومن أغلق بابه فهو آمن، ولا يتبع مدبر» (٢) . وقد روي نحو ذلك عن عمار بن ياسر (٣) . وقال أصحاب الرأي في الخوارج: إذا هُزموا ولهم فئة يلجؤون إليها، فينبغي لأهل الجماعة أن يقتلوا مدبرهم، وأن يُجهزوا على جريحهم، وأن يقتلوا من أسروا منهم، فإن انهزموا، ولم تكن لهم فئةٌ يلجؤون إليها؛ لم يقتل مدبرهم،

стр. 646

ولم يجهز على جريحهم، ولم يقتل أسراهم، ولكن يعاقبون، ويضرب من أخذ منهم ضرباً وجيعاً، ويُحبسون حتى يُقلعوا عما هم عليه، ويحدثوا توبة (١) . وإليه ذهب الأوزاعي في قتل من له فئة (٢) . وقال أبو محمد بن حزم (٣) : «ومن انهزم منهم، فإن كانت هزيمته إلى حصن، أو إلى جماعة منهم، أو ليبتعدوا عن الطلب، ويبقوا على رأيهم؛ أُتْبِعوا ولا بُدَّ، وإن كانت هزيمتهم افتراقاً، وتركاً لما هم عليه؛ لم يجز أن يُتْبَعُوا، ولا يُجْهَزُ على جريح من أحدِ هذه الطوائف، ولا يقتل منهم أسير، فمن قتله فعليه القود» . فلم يفرق أبو محمد في الجريح والأسير بين أن تكون له فئةٌ أو لا تكون، لا يحل قتلهم بحال. وروي عن ابن عباس -وقد سُئل عن أناس من الخوارج قاتلوا فانهزموا: أنقتلهم؟ قال: «اقتلهم ما كانت لهم فئةٌ يرجعون إليها، فإذا لم تكن لهم فئة؛ فلا تقتلوا مقبلاً ولا مدبراً» (٤) . لعله إنما يعني مقبلاً في غير قتال، لا على أن يكون مقبلاً في القتال، فإن كل مقاتل على باطل؛ فلا ينبغي تركه، ولا يجب الكَفُّ عنه، والله أعلم. والأظهر ما قاله الشافعي (٥) في وجوب الكفّ عن المدبر والجريح المُثْخَنِ

стр. 647

والأسير، وهو ظاهر فعل عليٍّ ﵁، ولم يفرِّق بين أن تكون لهم فئة أَوْ لا، واحتجَّ الشافعي لذلك قال (١) : «يقول الله في الفئة الباغية: ﴿ ... حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ [الحجرات: ٩] ، ولم يستثنِ الله -تعالى-، فسواءٌ كانت للذي فاء فئةٌ، أو لم تكن، فمتى فاء -والفيئة: الرجوع-؛ لم يحلَّ دمه» . قال أبو بكر بن المنذر (٢) : «وقد رُوينا في هذا الباب حديثاً مرفوعاً، في إسناده مقال، ولو كان صحيحاً كانت فيه حجة لمن قال هذا القول» ، وذكر بإسناده، عن كوثر بن حكيم، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال لرجل: «هل تدري كيف حكم الله فيمن بَغَى من هذه الأمة؟ قال: لا يُجْهَز على جريحها، ولا يُطْلَب هاربها، ولا يُقْتَل أسيرها» (٣) .

стр. 648

قال: «وقد تُكُلِّم في كوثر؛ كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة عنه، وقال محمد بن إسماعيل: كوثر عن نافع: منكر الحديث» . النظر الثالث: في معرفة أحكام جناياتهم، وما أصابوه وأصيب منهم أهل البغي -كما تقدم- ضربان: متأوِّل وطالب دنيا بالفسوق، فأما الفسّاق فلا يختلف أنهم متبعون بكل ما جنوا وأصابوا من دمٍ، ومالٍ، وحقٍّ لذي حق، وكذلك في الحدود إن أصابوا من النساء حراماً، وغير ذلك؛ لأن هؤلاء أصابوا ما أصابوه وهم عالمون بالتَّحريم، متعمّدون لارتكاب المعاصي، غير متأولين، ولا معتقدين لصواب ذلك من دينهم، فوجب أن يُقادَ منهم بمن قتلوا عمداً، ويُقتصَّ لمن جَرَحوا، وتقام عليهم حدود الله فيما ثبت من ذلك منهم، ويغرمون جميع ما استهلكوا من مال، ويرجع جميع ما يوجد في أيديهم لإنسان. قال الله -تعالى-: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءِ للَّهِ﴾ [المائدة: ٨] ، وقال -تعالى-: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ، وقال -تعالى-: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] . وليس في هذا النوع خلافٌ أعلمه، وكذلك ما استولي عليه من أموالهم وأحوالهم (١) هي لهم، وعلى ملكهم، لا يحل لأهل العدل الذين قاتلوهم ولا غيرهم أن يتمسكوا من ذلك بشيء، بل يُرَدُّ كل حق إلى مستحقِّه، وتُستوفى منهم الحقوق

стр. 649

التي وجبت عليهم؛ لأنه لم يكن منهم فيما فعَلوا قول ولا عمل يخرجهم عن الإسلام، ولا يوجب استحلال أموالهم ولا أحوالهم (١) إلا بحقِّها، قال الله -تعالى-: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] . وخرَّج مسلم (٢) ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : « ... كلُّ المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه» . وأما ما اختلف أهل العلم في أهل البغي الذين يخرجون متأولين: كالخوارج وأضرابهم؛ ممَّن عرضت لهم شبهة في النظر، فاعْتَقَدَ (٣) تكفيرَ من خالف مذهبهم، واستباحوا بذلك الدماء والأموال والفروج بالسِّباء في المسلمين؛ فقالت طائفة: ما أصاب هؤلاء أو أصيب منهم، من دم وجراحة فهو هَدْرٌ، رُوي ذلك عن سعيد بن المسيب (٤) ، وقال ابن القاسم: بلغني عن مالك أنه قال: الدماء موضوعة عنهم، وأما الأموال: فرأيي إن وَجدوا شيئاً بعينه أخذوه، قال: ولم يُتبعوا بشيء، يعني: مما استهلكوه؛ لأنهم إنما استهلكوها على التأويل (٥) .

стр. 650

وقال الشافعي (١) : «ما أصاب أهل البغي في حال الامتناع على وجهين: أحدهما: ما أصابوه من دم ومالٍ [وفَرْج] (٢) على التأويل، ثم ظُهِر عليهم بَعْدُ؛ لم يقم عليهم منه شيء، إلا أن يوجد مال بعينه فيؤخذ» . والوجه الثاني: ما أصابوه على غير وجه التأويل من حدٍّ لله أو للناس، ثم ظُهر عليهم؛ رأيت أن يُقام عليهم، كما يقام على غيرهم، ممَّن هرب من حدٍّ، أو أصابه وهو في بلادٍ لا واليَ لها، ثم جاءها والٍ» . وقال أهل الرأي (٣) نحواً مما قال الشافعي في الدم والمال يصيبه أهل البغي

стр. 651

بالتأويل، قالوا: وكذلك لا يؤخذ (١) للخوارج ما أصاب أهل الجماعة منهم، من دمٍ أو جراحٍ، إلا أن يوجد مالٌ بعينه فَيُردُّ عليهم. فأقول: يحتمل -إن شاء الله- أن يقال: ما أصابه أهل البغي من أموال أهل العدل بالتأويل، فهو على وجهين: * منه تأويل يشكل مثله، وتكون له شبهةٌ يخفى الخطأ فيه، ومَأخذٌ لا يَبْعدُ أن يؤدَّى إليه سابقٌ من النَّظر عند قوم، وإن كان ذلك خطأ عند أهل التحقيق، فما كانت هذه سبيله؛ أمكن أن يقال: إنهم لا يُتبعون فيما استهلكوه على ذلك بشيء، وعليه أكثر العلماء، وقد قيل -أيضاً-: إنهم يضمنون. ** وما كان مما لا يُشكل، والخطأ فيه ظاهر، وهو لايجري على طريقة أخذِ العلماء ونظرهم وتأويلهم بوجهٍ من الوجوه وإن بَعُد، بل يكون وقوعهم فيه بجهلٍ، وخروجٍ عن طرق العلم بكل حال، وتأويلهم باطل باتفاق؛ فسبيل ما كان هكذا: أن يتبعوا به؛ لأنه -بلا شك- أكلُ مالٍ بالباطل، وقد حرم الله ذلك، وأمر بالقيام بالقسط، وقال -تعالى- في الفئة الباغية: ﴿فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا﴾ [الحجرات: ٩] ، فمن الإصلاح بالعدل: أن تُردَّ الحقوق والظلامات إلى مستحقّها، ويُعدى المظلوم على الظالم، هذا هو العدل والإقساط كما أمر الله -تعالى-، والكلام إنما هو فيما استهلكوه من الأموال، وأما ما وجد؛ فالاتفاق على أنه مردود لصاحبه، وهذا كله تفصيل في الأموال، وأما في الدماء والجراحات؛ فالأظهر أن لا قودَ في شيء من ذلك على حال، إذا كان إصابتهم ذلك بتأويل، سواءٌ في ذلك ما كان لهم فيه شبهة، أو كان من الخطأ المتفق عليه. والفرق بين الأموال فيما فَصَّلْتُهُ وحقوقِ الأبدان: أنَّ القصاص لا يثبت إلا

стр. 652

بتعمّد التّعدي والظلم، وغُرْمُ المال المتلف ثابتٌ على كل حالٍ من قصد الغَصْب، أو ظنّ الاستباحة والحِلِّيَّة، أو غير ذلك من الأحوال؛ بل يجب ذلك مع الأحوال التي لا يقع عليها التكليف، كالناسي والطفل: جَعَل الشرع ذلك كلَّه أسباباً للتَعَبُّد (١) بالغرم، فلم يتوقف إغرام المتلفات من الأموال على قصد التَعَدِّي فقط. وأما أمر القود والقصاص: فمن باب العقوبة والعذاب؛ فلم يثبت إلا على من تعمد ظلماً، لكن قد ينبغي أن يقال: فإذا سقط القود من مثل ذلك؛ لكونه لم يتعمد العدوان؛ فكان يجب أن يعقبه العقل والأرش إذا كان التأويل باتفاق، كالحال في جنايات الخطأ، فيكون ذلك فرق ما بين التأويلين في الدماء، كما كان الغرم فرق ما بين التأويلين في الأموال؛ فهو قول صحيح، ووجه ظاهر مستقيم، وهو الأرجح عندي، والله أعلم. ونحوه يقول أبو محمد بن حزم (٢) ، قال في أهل البغي: إن خرجت طائفة، إما بتأويلٍ خطأ: كالخوارج ومن سَلَكَ تلك الطريق، وإما بلا تأويل، لكن طلب رئاسة، أو تعصباً لإنسان بعينه، أو لأهل بيتٍ بعينه، لا لإنكار منكر؛ فإنَّ هاتين الطائفتين هي الطائفة الباغية، ففرضٌ على أهل العدل قتالهم، إمَّا حتى يفيئوا إلى الله، ويتركوا طلبهم للريّاسة (٣) ، وتأويلهم الفاسد، فإذا تركوا ذلك؛ فلا شيء عليهم إلا القود في المتعصّبةِ وطالبةِ الدُّنيا فيمن قَتَلوا، أو الدِّية، يعني: إذا قَبِلَ ذلك منهم أولياءُ المقتول. قال: وأما المتأولة: فالدية فقط، ولا قودَ في ذلك، وكلهم يضمنون ما أتلفوا من الأموال. وعند الشافعية قولان: أحدهما ما تقدم من قول الشافعي وتفصيله.

стр. 653

والثاني: أنه يجب على أهل البغي الضَّمان على كلِّ حالٍ فيما أتلفوا؛ لأنه بعدوان (١) . ولهم في تأويل هذا القول وجهان: أحدهما: أنه يراد به الضمان في القصاص وسائر الأحكام. والثاني: أن ذلك في غير القصاص، وأما القصاص فلا يجب قولاً واحداً؛ لأنه يسقط بالشبهة، وقد كان لأهل البغي شبهةٌ في القتل بتأويلهم، فهذا القول نحوٌ مما ذكرناه. فصل واختلف أهل العلم فيما وُجد بعينه من أموال أهل البغي في أيدي فريق العدل؛ فقال الشافعي (٢) : «يجب ردُّه على صاحبه؛ لأنه مالُ مسلمٍ، قال: ولا يستمتع من أموالهم بدابة تركب، ولا متاعٍ، ولا سلاحٍ يقاتل به في حربهم، وإن كانت قائمة، ولا بعد تَقَضّيها، ولا غير ذلك من أموالهم، وذلك أن الأموال في القتال إنما تحل من أهل الشرك الذين يتحولون إذا قدر عليهم؛ فأما من أسلم، فلا يؤخذ ماله» . وروي نحو ذلك عن عليٍّ (٣) ﵁. وذهبت طائفة (٤) في الخوارج إلى أنهم تُغنم أموالهم، وحملوهم محمل

стр. 654

أهل الكفر، واستدل من ذهبَ إلى ذلك بما تضمَّنتهُ ظواهر الآثار في شأنهم، وأنهم: «لا يجاوز إيمانهم حناجرهم» ، وأنهم: «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» (١) ، وأنهم: «شرُّ الخليقة» (٢) ، إلى غير ذلك مما ورَدَ فيهم، مما ظاهره التكفير (٣) ، وفرقوا بينهم وبين غيرهم من أهل البغي.

стр. 655

وذهب قوم إلى التفريق بين أن يظفر بعسكرهم، ولهم فئة يلجؤون إليها أو لا تكون لهم فئة؛ فمن تاب منهم، رُدَّ إليه ما عُرف أنه له من مالٍ وسلاح وكُراع، دون من كانت له فئة وأَصَرَّ على أمره، وأظنه قول أصحاب الرأي (١) ، قال أبو محمد

стр. 656

ابن حزم (١) : ولا يحل أخذ شيءٍ من أموالهم، وهي مضمونة على من أخذها إلا ما عُقر في حال القتال من فرس، أو كسر من سلاح، فلا ضمان فيه؛ وكذلك لا شيء فيمن قتل منهم في القتال. وهذا نحو قول الشافعي في ذلك، وقد احتج له الشافعي حسبما ذكرنا عنه، وهو الصحيح: أن لا يستباح منهم مال بِحال، إلا ما استُهلك في حومة القتال لضرورة دفاعهم، والنظر في استصلاحهم المأمور به شرعاً، لأن الله -تعالى- يقول: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] ، وهؤلاء إنما أبيح قتالهم لاستصلاح فاسدهم، وردعهم عن الإقبال على باطلهم، حتى يفيئوا إلى أمر الله، فلم يؤذن في أموالهم؛ ولا في سِبائهم بالوجه الذي أذن به في الكفار، بل كل ذلك منهم معصوم بحرمة الإسلام، إلا المقدار الذي شرع من قتالهم فقط، وليس كل من وجَبَ قتله أو قتاله يستباح لذلك ماله، وفيما نَبَّه عليه الشافعي ﵀ من ذلك مُقنعٌ، والحمد لله. قال الله ربنا ﷻ : ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ. الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُو الأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٧-١٨] . باب: من الدعاء والذِّكر المروي عن رسول الله ﷺ مما يختم به هذا المجموع بحول الله -تعالى- مسلم (٢) ، عن زيد بن أرقم، أن رسول الله ﷺ كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل، والهرم وعذاب القبر، اللهم آتِ نفسي تقواها، وزكِّها أنت خير من زكّاها، أنتَ وليُّها ومولاها، اللهمَّ إنِّي أعوذ بك من علمٍ لا ينفع، ومن قلبٍ لا يخشع، ومن نفسٍ لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها» .

стр. 657

ما يقال إذا خرج من بيته، أو شرع في سفره الترمذي (١) ، عن أم سلمة، أن النبي ﷺ كان إذا خرج من بيته قال: «بسم الله، توكلت على الله، اللهم إني (٢) أعوذ بك من أن نَزِلَّ، أو نَضِلَّ، أو نَظْلِم، أو نُظْلَم، أو نَجْهَل، أو يُجْهَلَ علَينا» . أبو داود (٣) ، عن أبي هريرة قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَافَرَ قَالَ: «اللَّهُمَّ

стр. 658

أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ، وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الأَهْلِ وَالْمَالِ، اللَّهُمَّ اطْوِ لَنَا الأَرْضَ، وَهَوِّنْ عَلَيْنَا السَّفَرَ» . وفيه (١) ، عن ابْنَ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بِعِيرِهِ خَارِجًا إِلَى سَفَرٍ، كَبَّرَ ثَلاثًا، ثُمَّ قَالَ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا، وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٣] ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى، وَمِن الْعَمَلِ مَا تَرْضَى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا، اللَّهُمَّ اطْوِ لَنَا الْبُعْدَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ وَالْمَالِ» ، وَإِذَا رَجَعَ قَالَهُنَّ، وَزَادَ فِيه: «آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ» . ما يقال إذا ودَّع مسافراً أو جيشاً أبو داود (٢) ، عن عبد الله الخطمي قال: كان النبي ﷺ إذا أراد أن يستودع

стр. 659

الجيش قال: «أَستودع الله دينكم، وأمانتكم، وخواتم أعمالكم» . ما يقال إذا صَعَّد في سفره أو صوَّب أبو داود (١) ، من حديث ابن عمر: ... وكان النبي ﷺ وجيوشه إذا علوا الثنايا؛ كبروا، وإذا هبطوا؛ سبَّحوا، فوضعت الصلاة على ذلك. البخاري (٢) ، عن أبي موسى الأشعري: قال: كنا مع رسول الله ﷺ ، فكُنَّا إذا أشرفنا على وادٍ؛ هلَّلْنا وكبَّرنا، وارتفعت أصواتنا، فقال النبي ﷺ : «يا أيها النَّاس! ارْبَعُوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائباً، إنه معكم، إنه سميع قريب» . مسلم (٣) ، عَنْ أَبِي مُوسَى، أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُمْ يَصْعَدُونَ فِي ثَنِيَّةٍ، قَالَ: فَجَعَلَ رَجُلٌ كُلَّمَا عَلا ثَنِيَّةً؛ نَادَى: لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، قَالَ: فَقَالَ

стр. 660

نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّكُمْ لاَ تُنَادُونَ أَصَمَّ، وَلا غَائِبًا» ، قَالَ: فَقَالَ: «يَا أَبَا مُوسَى -أَوْ: يَا عَبْدَاللَّهِ بْنَ قَيْسٍ- أَلاَ أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ مِنْ كَنْزِ الْجَنَّةِ» ؟ قُلْتُ: مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ» . ما يقال في السفر إذا أقبل الليل، أو نزل منزلاً أبو داود (١) ، عن عبد الله بن عمر قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَافَرَ، فَأَقْبَلَ

стр. 661

الليْل قَالَ: «يَا أَرْضُ، رَبِّي وَرَبُّكِ اللَّهُ، أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّكِ، وَشَرِّ مَا فِيكِ، وَشَرِّ مَا خُلِقَ فِيكِ، وَمِنْ شَرِّ مَا يَدبُّ عَلَيْكِ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ أَسَدٍ وَأَسْوَدَ، وَمِنْ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ، وَمِنْ سَاكِنِ الْبَلَدِ، وَمِنْ وَالِدٍ وَمَا وَلَدَ» . مسلم (١) ، عَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ نَزَلَ مَنْزِلاً، ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ؛ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ» . ما يقال في الانتصار بالله إذا غزا، وعند خوف العدو أبو داود (٢) ، عن أنس قال: كَانَ النَّبيُّ ﷺ إِذَا غَزَا قَالَ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ عَضُدِي وَنَصِيرِي، بِكَ أَحُولُ، وَبِكَ أَصُولُ، وَبِكَ أُقَاتِلُ» . وأسند ابن المنذر (٣) إلى أبي موسى، أن رسول الله ﷺ كان إذا خاف قوماً

стр. 662

قال: «اللهم إني أجعلك في نحورهم، وأعوذ بك من شرورهم» . مسلم (١) ، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: دعا رسول الله ﷺ على الأحزاب فَقَالَ: «اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ، سَرِيع الحِسَاب، هَازِمَ الأَحْزَابِ، اللهم اهْزِمْهُمْ وزلزلهم» . وفي بعض طرقه (٢) : «اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الأَحْزَابِ؛ اهْزِمْهُمْ، وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ» . ما يقال إذا رأى قريةً يريد دخولها، أو بلداً أسند ابن المنذر (٣) إلى صهيب؛ أن رسول الله ﷺ لم ير قرية قطُّ يريد

стр. 663

دخولها، إلا قال حين يراها: «اللهم ربَّ السموات السبع وما أَظْلَلْنَ، وربَّ الأرضين السَّبع وما أَقْلَلْنَ، وربَّ الشَّياطين وما أَضْلَلْنَ، وربَّ الرياح وما أَذْرَيْنَ؛ أسألك خيرَ هذه القرية، وخيرَ أهلها، وخيرَ ما فيها، وأعوذ بك من شرِّها، وشرِّ أهلها، وشرِّ ما فيها» . ما يقال إذا قفل من غزو أو سفر مسلم (١) ، عن عبد الله بْنِ عُمَرَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَفَلَ مِنْ الْجُيُوشِ أَو السَّرَايَا أَوْ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ، إِذَا أَوْفَى عَلَى ثَنِيَّةٍ، أَوْ فَدْفَدٍ؛ كَبَّرَ ثَلاثاً، ثُمَّ قَالَ: «لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، سَاجِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ» .

стр. 664

البخاري (١) ، عَنْ أَنَسِ بنِ مالِكٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ رسول الله ﷺ مَقْفَلَهُ مِنْ عُسْفَانَ.. الحديث، وفيه: فَلَمَّا أَشْرَفْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ قَالَ: «آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ» . فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ ذَلِكَ حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ، ﷺ تسليماً. تم كتاب (الإنجاد) ، والحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليماً. وهذه النسخة المباركة أمر بنسخها سيدنا ومولانا: الخليفة الإمام، الواثق بالله -تعالى-، المعتمد عليه، أمير المؤمنين أبو العُلى، ابن سيدنا ومولانا، الأمير المجاهد في سبيل الله: أبي عبد الله، ابن سيدنا ومولانا المجاهد في سبيل الله: أبي حفص، ابن سيدنا ومولانا الخليفة الإمام أمير المؤمنين، أدام الله -تعالى- أيامهم، وشكر اعتناءهم بالعلم واهتمامهم، وجعل ... (٢) إليهم، في وقت تتكامل سعوده، وتتتابع بالمسرة وفُودُه بمنِّه. وكان كمالها في عشر جمادى الأولى سنة ... . نقلت هذه النسخة المباركة من الأصل العتيق الذي ... هو أصل المؤلف الذي بخطه ... وذلك على يَدِ عبد الله (وهنا اسم الناسخ داخل شكل عدليٍّ غير واضح) (٣) . انتهت بحمد الله وتوفيقه. *****