← Фикх общий

Фикх общий · id 1449

الإنجاد في أبواب الجهاد

ابن المناصف

Полный текст (664 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

منهن حدثٌ يوجب قتلهن: من قتال، أو قَتلِ أحدٍ من المسلمين، وغير ذلك مما أثبته الشرع. فأما إنْ تعدَّيْنَ في مثل ذلك؛ فلا يمتنع القتل. خرَّج أبو داود (١) عن عائشة قالت: لم يقتل من نسائهم -يعني بني قريظة- إلا امرأة، إنها لعندي تُحَدِّثُ، تضحك ظهراً وبَطْناً، ورسول الله ﷺ يقتل رجالهم بالسوق، إذْ هَتَفَ هاتفٌ باسمها: أين فُلانة؟ قالت: أنا، قلت: وما شأنك؟ قالت: حَدَثٌ أحدثته. قالت: فانطُلِق بها فضربت عنقها. فليس النهي عن قتل النساء يراد به العموم والإطلاق؛ ألا ترى إلى قتل المرأة قوداً بالنفس؛ وحدّاً في الزنا؟ وكذلك الردّةُ، والله أعلم. فصل وأما اختلافهم في ميراث المرتد إذا قُتِل أو مات على رِدّته، ففي ذلك قولان

стр. 597

مشهوران: ذهبت طائفة إلى أنه يرثه ورثته من المسلمين، رُوي عن علي (١) ، والحسن البصري (٢) ،

стр. 598

والشعبي (١) ، وهو قول أبي حنيفة (٢) ، والليث وإسحاق (٣) . وذهبت طائفة إلى أنه لا حق لورثته في ميراثه، وإنما ماله فيءٌ لجماعة المسلمين، وهو قول مالكٍ (٤) ، والشافعي (٥) ،

стр. 599

وأبي ثور (١) ، وغيرهم (٢) ، وهو الأرجح، لما خرَّجه مسلم (٣) عن أسامة بن زيد، أن النبي ﷺ قال: «لا يرث المسلم الكافر» . وهذا نص في ذلك. وفي المسألة قول ثالث: قال أبو محمد بن حزم (٤) : كل ما ظفر به من مال المرتد، فسواءٌ رجع إلى الإسلام أو لم يرجع؛ هو لجماعة المسلمين، وأما ما لم يظفر به من ماله قبل قتله؛ فهو باقٍ على ملكه: إن رجع إلى الإسلام؛ وَرِثه ورثته من المسلمين، وإن لم يرجع؛ ورثه ورثته من الكفار، إن كان له ورثة كفار، فإن لم يكونوا (٥) له؛ فهو لجماعة المسلمين. مسألة واختلفوا في حكم ولد المرتد، فقال الشافعي (٦) : ولد المرتد على حكم

стр. 600

الإسلام، فإن بلغوا فأبوا من الإسلام؛ قتلوا بعد أن يستتابوا، ولا تُسبى للمرتد ذرية، وقال الأوزاعي (١) : «إن كان تزوج في دار الحرب، ووُلد له، ثم راجع الإسلام؛ أُلحقت به ذريته، وَوُضِعَت امرأته في المقاسم، [وإن أبى أن يُسلم؛ وضعت امرأته وولدها في المقاسم] » . وقال أبوحنيفة (٢) : «إن ارتد رجل وامرأته عن الإسلام معاً؛ فهما على النكاح، فإن لحقا بدار الحرب، فحملت في دار الحرب فولدت، ثم ظُهر على ولدها؛ فهو فيء (٣) ، ويجبر على الإسلام إذا سُبي صغيراً، وإن وُلد لولدهما ولد، ثم ظُهر على ولد الولد؛ كان فيئاً، ولم يجبر على

стр. 601

الإسلام، إنما يجبر على الإسلام المرتدون وأبناؤهم (١) لأصلابهم، وأما ولد ولدهم الذين ولدوا في دار الحرب، فهم فيء لا يجبرون على الإسلام» . قال أبو محمد بن حزم (٢) : «كل من نالته ولادة مسلم أو مسلمة، بأي وجه كان، لم يقبل منه إلا الإسلام أو السيف، وإن بَعُدَ إلى ألف أم، أو ألف أب وأكثر، وسواء بانَ المرتدون بدارهم أو لم يَبيِنوا، دافعوا عن أنفسهم أو لم يدافعوا؛ لحقوا بأرض الحرب أو لم يلحقوا؛ حكمهم في كل شيءٍ كما ذكرنا» . يعني ما تقدم من قوله في وجوب القتل وأحكام الوراثة وغير ذلك. قال: «إلا أنهم إن دافعوا، غُنِمت أموالهم وقسمت، كأموال أهل الحرب ولا فرق، والمرأة المرتدة في كل ما ذكرنا من قتل وغيره كالرجل، والعبد والأَمَة كذلك فلم يَجُزْ سباؤهم، ولا استحياؤهم، إلا أن يكونوا أصاغر فيستحيون حتى يبلغوا؛ فإن أسلموا؛ وإلا قتلوا» . والأرجح ما توافق عليه قوله وقول الشافعي، ونحوه من مذهب مالك في إجبار ولد المرتد على الإسلام (٣) ، فإن كانوا أصاغر فبلغوا فأبوا دين الإسلام قتلوا، ولا تسبى للمرتد ذرية، وقد تقدم من القول في وجه الدليل على صحة

стр. 602

الأصل الذي يشتمل على هذا وأمثاله في (فصل: المفاداة بأبنائه المشركين) ، من (الباب الخامس) ما فيه غُنْية لمن تأمله. قال أبو الوليد بن رشد (١) في ارتداد أهل بلد أو حصن: «الذي ذهب إليه جمهور العلماء وأئمة السلف: أن يُقتالوا؛ فيقتل رجالهم، ولا تسبى ذراريهم، وأما أموالهم فهي فيءٌ للمسلمين. قال: وقال أصبغ: تُسبى ذراريهم ونساؤهم، وتقسم أموالهم، ويقتل كبارهم على حكم الناقضين من أهل الذمة؛ لأنهم جماعة، وإنما يكون الارتداد في الواحد وشبهه، وهو الذي خالفت فيه سيرةُ عمر بن الخطاب سيرةَ أبي بكر الصديق -رضي الله تعالى عنهما- في الذين ارتدوا من العرب بعد وفاة رسول الله ﷺ ؛ سار فيهم أبو بكر سيرة الناقضين، فقتَلَ الكبارَ، وسبَى النساءَ والصغار، وجرت فيهم المقاسم وفي أموالهم، فلما وُلِّيَ عمر بعده نقض ذلك، وسارَ فيهم سيرة المرتدين: رَدَّ نساءهم وصبيانهم إلى عشائرهم وإلى الحرية، وأخرجهم من الرقّ والسِّباء، وحملهم محمل ذرية المرتدين: أنهم على الإسلام، إلاّ من أباهُ منهم بعد بلوغه، وما أَباه (٢) أحد منهم على عمر، ولا قبل ذلك، بل أَقَرَّ كلُّهم بالإسلام ساعة سُبُوا» . قلت: فذهب أصبغ في سباء ذرية المرتدين إذا كانوا جماعة مذهباً شاذّاً؛ حيث فرَّق بين حكم الجماعة والآحاد من غير دليل، كما ذهب أشهب في أهل الذمة إذا نقضوا مذهباً شاذّاً: أن لا يُسبوا، وكلا القولين غير سديد، وقد تقدم الرَّدُّ على أشهب. مسألة واختلفوا في حكم ما أصاب المرتدُّ حال ارتداده من دمٍ ومال، فقيل: حالهم في ذلك كلِّه، والحكمُ عليهم بما أصابوه كحال المسلمين، لا يختلف في

стр. 603

العقل والقود والضمان، وإليه ذهب الشافعي (١) ، قال: وسواءٌ قبل يقهرون (٢) وبعدما قهروا، فتابوا أو لم يتوبوا، لا يختلف ذلك. وقيل: إنهم إذا حاربوا أو نابذوا المسلمين، لم يؤخذوا بشيءٍ من ذلك، وهم فيه كالمشركين، رُوي ذلك في قولٍ عن الشافعي -أيضاً- (٣) . وحكى أبو الوليد بن رشد (٤) : أنه لا اختلاف -يعني: بين المالكية- في أن المرتدَّ إذا لحق بدار الشرك فتَنَصَّرَ، وأصاب الدماء والأموال، ثم أُخِذ فأسلم؛ أنه يُهدر عنه جميع ما أصاب (٥) ، كالحربي إذا أسلم سواء، وهذا إذا صحَّ ارتداده بكونه على بصيرةٍ منه في الكفر، وأنه لم يفعل ذلك مُجوناً وفسقاً. قال: «ولو ارتدَّ وأصاب الدماء في بلد الإسلام، ثم أسلم» ؛ فَذَكَرَ ما ظاهره: أن لا خلاف بين المالكية في أنَّ الارتداد لا يُسْقِطُ عن المرتد شيئاً من حقوق الناس، في الدماء والأموال والجراح. واختلف في حقوق الله -تعالى- من الزنى، والسرقة، وحد الحرابة؛ فعن ابن القاسم: أن ذلك يُهدر عنه، وحكى ابن حبيب عن أصبغ، واختاره (٦) هو: أن

стр. 604

الرِّدَّة لا تُسْقِطُ شيئاً من ذلك؛ لأنه يتهم أن (١) يرتد في الظاهر؛ ليُسْقِطَ ذلك عن نفسه، وقال أبو حنيفة (٢) : ما جَنَى في رِدَّته؛ فهو عليه في ماله (٣) . فصل: في الزِّنديق (٤)

стр. 605

يُقتل (١) على كل حال؟ فقالت طائفة: يُكَفُّ عنه إذا أظهر الإسلام؛ لأن ما أظهره من ذلك عصمةٌ لدمه، وإليه ذهب الشافعي (٢) ، وقالت طائفة: يقتل أبداً ولا يستتاب، ولا يقبل منه ما أظهره من الإسلام، وهو قول مالك (٣) ، والليث،

стр. 606

وأحمد (١) ، وإسحاق (٢) ، وكذلك أهل الظاهر (٣) : يرون قتله من حيث أصلهم في المرتد: أنه لا تعتبر مراجعته الإسلام في إسقاط ما ثبت عليه من القتل، وليس هذا هو مسلك مالك ومن ذكر معه في قتل الزنديق من غير استتابة؛ لأنهم يرون استتابة المرتد دون الزنديق، وإنما فرقوا بينهما في ذلك من حيث أن الزنديق ليس على دينٍ يعتقده، فيرى التزامَه وإظهارَه عبادةً، حتى لا يسمح بالرجوع عنه إلا بعد أن ينتقل عن ذلك الاعتقاد، ويعتقد ما يظهره من الإسلام، وإنما الزنديق جاحدٌ مبطل لا يعتقد شيئاً دِيناً، فتظاهره بالإسلام خداعٌ ودفاع، وليس مَبْنيّاً على صحة اعتقاد، هذا وجه ما ذهبوا إليه. قال مالك في «الموطأ» (٤) : «معنى قول النبي ﷺ -فيما نرى والله أعلم-:

стр. 607

«من غيَّر دينه فاضربوا عنقه» (١) : أنه من خرج من الإسلام إلى غيره: مثل الزنادقة وأشباههم، فأولئك إذا ظُهِرَ عليهم قتلوا ولم يُسْتَأْنوا؛ لأنه لا تعرف توبتهم، وأنهم كانوا يُسِرُّون الكفر، ويعلنون الإسلام، فلا أرى أن يستتاب هؤلاء، ولا يقبل منهم قولهم. وأما من خرج من الإسلام إلى غيره، وأظهر ذلك فإنَّه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل» . ودليل ما ذهب إليه الشافعي: ما خرَّجه مسلم (٢) ، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «أمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوا: لا إله إلا الله؛ عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقِّها، وحسابهم على الله» . ثم قرأ: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ. لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢] . وخرَّج -أيضاً- (٣) ، عن أسامة بن زيد قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سريَّة، فصبَّحنا الحُرقاتِ من جُهينة، فأدركتُ رجلاً فقال: لا إله إلا الله، فَطَعَنْتُهُ، فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبي ﷺ فقال: «أقال: لا إله إلا الله وقَتَلْتَهُ» ؟! قال: [قلت] (٤) : يا رسول الله، إنما قالها خوفاً من السلاح! قال: «أفلا شَقَقْتَ عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا» ؟! فما زال يكررها حتى تمنيت أني أسلمتُ يومئذٍ. واحتجَّ الشافعيُّ بقوله -تعالى- في المنافقين: ﴿اتَّخَذوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المجادلة: ١٦، المنافقون: ٢] . قال (٥) : «فهذا يدل على أن إظهار الإيمان جُنَّةٌ من

стр. 608

القتل» . وهذه كلها أدلةٌ واضحة، وحجج قوية فيما ذهب إليه الشافعي، والله أعلم (١) . فصل: فيمن سبَّ النبي ﷺ الذي عليه الجماعة من أهل العلم: أنًّ من سبَّ النبي ﷺ وجب قتله، وممن قال بذلك: مالك (٢) ، والشافعي (٣) ، والليث بن سعد (٤) ،

стр. 609

وأحمد (١) ، وإسحاق (٢) ، وأهل الظاهر. قال أبو محمد بن حزم (٣) : كل من سبَّ الله ، أو مَلَكاً من الملائكة، أو نبياً من الأنبياء، وهو يدري أنه مَلَكٌ أو نبيٌّ، أو سبَّ القرآن، أو سورةً منه، أو آية، أو شيئاً من شرائع الإسلام، أو استهزأ بشيء مما ذكرنا، أو استخفّ به، فإن كان مسلماً قتل على الرِّدَّة على ما قدمنا -يعني في أنه لا تقبل توبته، وفي غير ذلك من أحكام ماله ووراثته وسائر أحواله-. قال: وإن كان ذميّاً قتل، وأخذ ماله، إلا أن يُبادر فيسلم؛ فلا شيء عليه، ومالُه الذي لم يؤخذ بَعْدُ لَهُ، وأما الذي أخذ فلجماعة المسلمين.

стр. 610

وحُكي عن أبي حنيفة (١) أنه قال: لا يقتل من سب النبي ﷺ من أهل الذمَّة، ما هم عليه من الشرك أعظم. والدليل على وجوب قتل من سب النبي ﷺ (٢) : أنه بذلك منتقصٌ له، مستهينٌ بحرمته، وفي ذلك تكذيب بما ورَدَ في القرآن، وثبت بالتواتر والإجماع من علوِّ قدره ﷺ ، وكَرَمه (٣) ، وما فضَّله الله -تعالى- به، وكذلك القول في جميع الأنبياء ﵈ وملائكةالله الكرام، وفي القرآن، وشرائع الإسلام كما ذكر أبو محمد؛ لأن كل ذلك مما جاء بالشرع المتواتر: أن الله -تعالى- اصطفاه

стр. 611

واختاره وفضّله، فمن وصفَ شيئاً من ذلك بَعْدُ بغير ما وصَفَه الله مما ينافيه ويضاده؛ فقد كذَّب بما أعلم به الله من ذلك في كتابه وتواتر عن رسوله ﷺ ، وعلم من دين الأمة ضرورة، وذلك هو نفس الكفر وصريحه، وهذا مأخذ في الاستدلال على هذا المعنى، وإن لم أقف عليه نصاً على هذا المسلك لأحد، فهو نظر صحيح لا يعترض، بل إن لم يكن هذا هو المستند، فلا يوجد على القتل دليل يُرضَى. ومما يزيد -عندي- هذا المأخذ -الذي أنا من صحته على يقين- وضوحاً في ذلك: قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً﴾ [الأحزاب: ٥٧] ، فجعل -تعالى- اللعنةَ والوعيد لمن آذى نبيَّه ﷺ مأخذةً، مع اللعنةِ والوعيدِ لمن آذى الله سبحانه وتنزَّهَ، إذا هو وصفه بغير صفته، أو نَسَب إليه ما لا ينبغي في جلاله وعظمته وربوبيته، تعالى الله عما يقول المبطلون علوّاً كبيراً، وهو الكفر الصريح لا محالة. فلمّا سوَّى اللهُ -تعالى- في ذلك مُؤْذِيَهُ بِمُؤْذي رسوله ﷺ ، وفرق بينه وبين غيره من كافة المسلمين؛ فقال -تعالى- في الآية بعده: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُواْ فَقَدِ احْتَمَلُواْ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً﴾ [الأحزاب: ٥٨] ، وشتَّان بين هذا الوعيد والأول؛ كان ذلك أدلَّ دليلٍ على أن سبَّ النبي ﷺ وتنقصه وغير ذلك، مما يفضي إلى الاستهزاء والأذى: كفر بما أنزل الله ، وهذا كله دليل صحيح واضح، والحمد لله. وإذا تقرر هذا؛ فكان يجب أنه متى تاب فاعل ذلك، وراجع الحق: أُقيل، على مذهب من يرى قبول توبة المرتد، وهم أكثر أهل العلم، إلا أني لا أعلم قالوا ذلك فيمن كان مسلماً قَبْلُ: إنما هو القتل بكل حال؟ فلعل ذلك محمول عندهم محمل إقامة الحدود: إذا وجبت أقيمت، ولا تغني التوبة في دفعها شيئاً، لكنه يلزمهم مثل ذلك في القضاء بقتل المرتد على كل حال، كما ذهب إليه أهل الظاهر وغيرهم ممن يقول به، ولذلك لم يلزمهم هنا هذا الاعتراض ولا الانتقاض.

стр. 612

قال أبو بكر بن المنذر (١) : ومما يحتج به في هذا الباب -يعني قتل من سب النبي ﷺ -: قصة كعب بن الأشرف، وأنَّ النبي ﷺ قال: «من لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسوله؟» فانتدب له جماعة بإذن النبي ﷺ ، فقتلوه (٢) . الفصل الثاني: في أحكام المحاربين قال الله : ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوا مِنَ الأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ. إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣- ٣٤] . واختلف أهل العلم في المحارب المراد بالآية وأحكامِه في ثلاثة مواضع: الأول: هل المراد بالآية الكفار أو المسلمون؟ والثاني: في وضع العقوبات المحدودة في الآية عليه: هل ذلك على التخيير أو على الترتيب؟ والثالث: في حكم توبته، وما الذي يُهدر عنه إذا جاء تائباً من جناياته؟ فصل فأما اختلافهم في المحارب المراد بالآية، ففي ذلك أقوال:

стр. 613

قالت طائفة: لا يطلق على المسلم أنه محاربُ الله ورسولَه، إنما ذلك في الكفار المعاندين لدين الله ، وأما المسلم الذي يخرج متلصِّصاً، فلا يُسَمَّى بذلك. رُوي هذا القول عن ابن عباس (١) ، ويُعزى كذلك إلى الحسن البصري وعطاء وغيرهم (٢) . واحتج بعض من ذهب إلى هذا بخبر العُرَنيِيِّن (٣) ، بما وقع في بعض طرقه:

стр. 614

«أنهم كفروا بعد إسلامهم» ، وفيهم نزلت الآية. وقال أكثر الفقهاء (١) : إن كل من خرج من المسلمين فسوقاً، فشهر السلاح، وحارب المسلمين وأخافهم؛ فيصح عليه أنه حارب الله ورسوله، أي: أهل دين الله؛ فيكون حكمه ما ذكر الله في الآية. خرّج مسلم (٢) ، عن النبي ﷺ قال: «من حمل علينا السلاح فليس منّا» . وبه قال مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأبو ثور، وأحمد، وأهل الظاهر، وغيرهم (٣) . واحتج المستدلُّ على صحة هذا المذهب، ردًّا علىمن زعم أن الآية في المشركين بأشياء راجحة، منها: إجماع العلماء على أن المشرك إذا فعل هذه الأشياء، ثم أسلم قبل أن يتوب منها؛ أنه لا يقام عليه شيء من حدودها؛ لقول الله -تعالى-: ﴿قُل لِلَّذِينَ

стр. 615

كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] . وأيضاً؛ فلو كانت في المشركين؛ لوجب أن يقام ذلك على كل من قُدر عليه منهم قبل أن يتوب، فكان يكون ذلك حكم الأسرى، وهو مما لم يقله أحدٌ بإجماع (١) . فصل وأما اختلافهم في وضع العقوبات التي ذكر الله -تعالى- في المحارب: هل ذلك على التخيير أو هو مرتب على قدر جناياته؟. فالذي ذهب إليه مالك (٢) ، وأبو ثور (٣) ، وقاله أبو محمد بن حزم (٤) : أن الأمر في ذلك إلى الإمام، يجتهد فيه، وينظر على حسب الحال والمصلحة، وموقع الكف والنَّكال، وروي التخيير كذلك عن ابن عباس (٥) ، وقاله سعيد بن

стр. 616

المسيب (١) ، وعمر بن عبد العزيز (٢) ، ومجاهد (٣) ، والضحاك (٤) . وذهب الشافعي (٥) ، وأبو حنيفة (٦) ، والأوزاعي (٧) ، وسفيان الثوري، وأبو

стр. 617

يوسف، وأحمد بن حنبل (١) : إلى أنَّ العقوبات مرتبةٌ على مقادير الجنايات، بحسب ما عرف من الشرع في جزاء أمثالها، وليس في شيءٍ من ذلك للإمام اختيار، ورُوي -أيضاً- هذا القول الثاني عن ابن عباس (٢) ، إلا أنهم اختلفوا في ترتيب ذلك اختلافاً، نشير منه إلى أشهره -إن شاء الله تعالى-. فأما مستند من ذهب إلى أن الإمام مخير (٣) في عقوبات المحاربين بحسب

стр. 618

المصلحة (١) ، فذلك ظاهر الآية؛ لأن عرف اللغة في سياق (أو) على مثل ذلك: أن يكون بمعنى التخيير، كآية كفارة اليمين، وآية فدية الأذى، لا اختلافَ في ذلك أنه تخيير، فكذلك ها هنا، ولله -تعالى- أن يعاقب من شاء كيف شاء. ومستند من ذهب إلى وضع العقوبات مرتبةً على الجنايات بحسب ما عهد من إجرائها في الشرع: ما تقرر ووجب من حفظ الدماء والأبشار إجماعاً؛ فلم يكن التصرف في واحدٍ منها إلا بيقين. ولما شرع في عقوبات المحارب أشياء تختلف، وكانت جناياته كذلك تختلف؛ كان الوجه: وضع كل عقوبة منها على ما يقابلها مما تقرر في مثله، أو جنسه بنصِّ الشَّرع؛ لأن التَّخيير هنا ليس نصّاً مقطوعاً عليه، ولا ظاهراً -أيضاً-؛ ألا ترى أن (أو) قد تقع في اللغة هذا الموقع، ثم لا يُراد بها التخيير، وتكون للتفصيل (٢) : ترد كل قسم إلى ما يليق به مما عرف قبل ذلك أو معه، بنصٍّ أو قرينة، وذلك مثل قول القائل: حد الزاني: جلد أو رجم، لا يُراد بها التخيير في عقوبة كل زانٍ، بل معناه تفصيلُ العقوبة وتنويعها، بحسب أنواع الزناة، فالزاني البكر يجلد، والثيّب يرجم، فليست (أو) في نحو هذا من التخيير في شيء. ومن ذلك قول جعفر بن عُلَيَّة الحارثي: أَلَهْفَى بِقُرَّى سَحْبلٍ حينَ أَجْلَبتْ ... علينا الولايا والعدوُّ المباسِلُ

стр. 619

فقالوا: لنا ثنتان لا بُدَّ منهما ... صُدورُ رماحٍ أشرعت أو سَلاسِلُ (١) لم يرد أنَّا نتخير في ذلك واحدة، وإنما أراد أن كلتيهما مفعول، يتنوع بحسب ما يكون منكم، فمن قاتل، أصابته رِماحُنا، ومن ألقى بيده، أَسَرْناه في السلاسل. فيكون على هذا معنى الآية: إنَّ لكل حالةٍ نوعاً من هذه العقوبات على ترتيب أوضاعها بالشرع. وبالجملة؛ فلكلِّ مذهبٍ مُستندٌ قويٌّ، إلاَّ أنَّ الأولى أن لا يُقدَمَ على دمِ مسلمٍ إلا بيقين، والخطأ في استحيائه أقرب من الخطأ في قتله، والله أعلم. واتفق القائلون بترتيب العقوبات على أنه لا يُقتلُ المحارب إلا إن قَتَلَ، وأنه إنْ قَتَل يُقْتلُ على كل حال، وليس لولي دم المقتول مَدخلٌ في العقوبات؛ لأنَّ قتله واقعٌ موقع الحدِّ في الحرابة. ثم اختلفوا في أشياء؛ فقال قوم: إذا شهر السلاح وقَتَل؛ قُتِل، فَإنْ أخذَ المالَ ولم يَقْتُل؛ قُطِع من خلاف، وإن قَتَلَ وأخذ المال؛ قُتِل وصُلِبَ، رُوي ذلك عن قتادة وعطاء الخراساني (٢) ، وإليه ذهب الأوزاعي (٣) ، إلا أنه قال في الذي يَقْتُلُ

стр. 620

ويأخذ المال: يُصلبُ أوّلاً ثم يقتل مصلوباً. ورُوي عن بعضهم: فيمن قَتلَ وأخذ المال: أنه يُقطع من خلاف، ثم يصلب، فجَمَعَ عليه عقوبتين. وقال أبو حنيفة (١) : «إذا قَتَل قُتل، وإذا أخذ المال ولم يَقْتُل، قُطعت يده ورجله من خلاف، وإذا أخذَ المال وقَتَل؛ فالسلطان مخير فيه: إن شاء قطع يده ورجله وقَتَله، وإن شاء لم يَقْطَعْ يده ورجله، وقَتَله وصلبه» . وهذا أبعد من الأول؛ لأنه جعل الخيرة إلى الإمام بغير دليل، وهو لا يرى الآية على التخيير، وجمع عليه عقوبتين. وقال الشافعي (٢) : «إذا أخذ المال؛ قطعت يده اليمنى وحُسمت، ثم قُطعت رجله اليسرى وحُسمت في مكان واحد وخُلِّي، وإذا قَتَل؛ قُتل ودُفع إلى أوليائه يدفنونه، وإذا أخذ المال وقَتل؛ قُتِل وصُلب. ورُوي عنه أنه يُصلبُ ثلاثة أيام» . قال (٣) : «وإن حضر وكَثَّر وهَيَّب، وكان رِدْءاً للعدوِّ؛ عُزِّر وحُبس» . قال أبو محمد بن حزم (٤) فيما ذهب إليه، من أن العقوبات في ذلك على التخيير، كما ذهب إليه مالك (٥) ومن ذُكر معه: «الإمام مخير فيه، إن شاء ضربَ

стр. 621

عنقه، وأمر بغسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، وجائز للإمام أن يُصلي عليه، وإن شاء قطع يده ورجله من خلاف: اليمنى من جهة، إمَّا مِنْ يدٍ، وإمَّا مِنْ رجل، واليسرى من جهةٍ كذلك، ثم يكويه؛ ليرقأ الدم، ويُطلِقهُ، ولا يحلُّ له أنْ يسجنه، ولا أن يضربه، وإن شاء صلبه حيّاً، وتركه حتى يموت، وَيَجِفَّ وييبس، فإذا يبس جِلده، وسَالَ ودكُه؛ أمر بإنزاله، وغَسْله، وتكفينه، والصلاة عليه، ودفنه. وللإمام أن يصلي عليه، ولا يحل أن يُنْحَرَ برمحٍ، ولا أنْ يُرْمى بِنَبْلٍ ولا حجارة، ولا أن تضرب عنقه ثم يصلبه، ولا أن تُقْطَعَ له يَدٌ ورجل، ثم يُقتلَ أو يصلب، ولا أن يضرب.

стр. 622

وإن شاء نفاه. وصِفَةُ نَفْيِهِ أنه كلما حَصَل في بلد نُفي عنه أبداً، هكذا حتى يموت، وسواء قَتل وأخذ المال، أو لم يفعل شيئاً من ذلك، يعني: إذا كان قد أخاف الطريق، وحارب أهله على أموالهم؛ فهو عنده محارب، سواء كان في المصر أو خارج المصر، ليلاً أو نهاراً» . هكذا نصُّ قوله. وكان مما اختلفوا فيه من هذا الفصل: صفة النفي الذي ذكره الله -تعالى-، فقال الكوفيون (١) : لما قال الله : ﴿أَوْ يُنفَوا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] عُلِم أنهم لا بد لهم أن يستقروا في الأرض؛ لم يكن شيء أولى بهم من الحبس؛ لأنه إذا حُبِس فقد نُفي من الأرض، من موضع استقراره. وقال مالك (٢) : «ينفى من البلد الذي أَحْدَثَ فيه هذا إلى غيره، ثم يحبس فيه» ، حَملاً على قولهم في نفي الزاني. وقال الزهري (٣) : نَفْيُهُ: أن يُطلبَ فلا يُقْدر عليه، كلما سُمع به في أرض طُلب. وعلى نحو ذلك يجيء ما رُوي عن الشافعي: أنَّ نفيهم: أن يُطلبوا حتَّى يؤخذوا، فتقام عليهم الحدود (٤) .

стр. 623

فصل وأما اختلافهم في المحارب يجيء تائباً من قبل أن يُقْدَر عليه: ما الذي يُهْدَرُ (١) عنه بالتوبة؟ فقال قتادة والزهري في قوله -تعالى-: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤] : ذلك لأهل الشرك (٢) . فظاهر هذا القول أن المحارب المسلم لا يُهدر عنه شيءٌ من جناياته، والله أعلم. وقال أكثر أهل العلم: إنه (٣) يتناول المحارب المسلم، فإذا تاب قبل أن يُقدر عليه، وكان جَنَى في حرابته جنايات، سقط عنه ما كان من حدٍّ لله، وأُخذ بحقوق الآدميين، فاقتص منه في النفس والجراح، وضمن ما استهلك من الأموال، وأخذ ما وجد من

стр. 624

ذلك عنده، وهذا مذهب مالك (١) ، والشافعي (٢) ، وأبي ثور (٣) ، وأصحاب الرأي (٤) . وقال أبو محمد بن حزم (٥) : إن تاب المحارب قبل أن يُقدر عليه، سقط عنه كل ما ذكرنا -يعني: حد الحرابة-، المختص القيام فيها إلى السلطان. قال: ولا شيء عليه إلا ضمان ما أتلف من مال، والخيار لوليِّ المقتول إن كان قتل أحداً، والقصاص في الأعضاء إلى المجني عليه. ونقل عن بعض السلف أنهم ذهبوا إلىأن كلَّ ذلك يُهدَرُ عنه، إلاّ مالاً قد وجد بعينه، فهو مردود، وقد يُعزى إلى مالك بعض ذلك في رواية عنه. فأقول: لما كان حكم الله فيمن أصاب حدّاً من حدود الله أو حقّاً لذي حق؛ أن يقام ذلك عليه، ولا يسقط شيء من ذلك إلا بيقين، وكان المحارب استحق على حَرابته العقوبة التي سَمَّى الله -تعالى- في قوله: ﴿إِنَّمَا

стр. 625

جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى قوله: ﴿ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣] ؛ وجب أن يكون الاستثناء في قوله -تعالى-: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤] عائداً على ما سُمِّيَ من عقوبات الحرابة التي لم يَجْرِ إلا ذكرها، واستحال أن يرجع ذلك على ما لم يَجْرِ في الخطاب، لا بصيغةٍ ولا بمفهوم؛ فكان كلُّ جناية جناها المحارب سوى نفس الحرابة باقياً على ما ثبت لها من أحكام الشرع، فوجب بيقينٍ أن يقام على المحارب بعد توبته كلُّ حدٍّ لله أصابه في حرابته، أو قبلها: من زنىً، وسرقةٍ، وشُربٍ، وغيرِ ذلك، وكذلك حقوق الناس في الأموال، والأبدان، والأعراض ولا بُدَّ، إلاَّ أن يُسقِطَ شيئاً من ذلك عنه أحَدٌ مِمَّن وَجَب له ذلك، ولا يندفع عنه بالتوبة إلا حَدُّ الحرابة فقط -والله الموفق-. مسألة اختلفوا فيمن شهر السلاحَ، وقطع الطريق في مصرٍ من الأمصار، أو قرية من القرى، فَقَتَلَ وأخذ المال: فقال قوم: لا تكون المحاربة في المصر، إنما تكون خارجاً من المصر، قاله أبو حنيفة (١) ، والثوري، وإسحاق (٢) . وقال قوم: حكم ذلك في الصحراء والطرق والمنازل والأمصار واحد، فحدودهم واحدة، قاله الشافعيُّ (٣) ،..............................................

стр. 626

وأبو ثور (١) ، وغيرهم (٢) . قال أبو محمد بن حزم (٣) : سواء ذلك في المصر وخارج المصر، ليلاً أو نهاراً، كل ذلك إذا أخاف الطريق، وحارب أهله على أموالهم؛ فهو المحارب. واختلف في ذلك عن مالك، فمرةً أثبتَ له حكم المحاربة، ومرةً نَفَى (٤) ، والأرجح الإثبات (٥) إذا كان منه من المحاربة والفساد الذي ذكره الله -تعالى- ما يكون من فاعل ذلك في الطرق والبراري وغيرها؛ لأن الآية عامةٌ، لا تخصُّ موضعاً دون موضع، ولا وقتاً دون وقت. قال بعض أهل العلم: وربما كان ذلك في المصر أعظم جرماً (٦) .

стр. 627

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 628

فصل: في دفاع الرجل عن نفسه وماله خرَّج مسلم (١) عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ قال: «من قتل دون ماله فهو شهيد» . وخرّج (٢) عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: «فلا تعطه مالك» ، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: «قاتله» ، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: «فأنت شهيد» ، قال: أرأيت (٣) إن قَتَلْتُهُ؟ قال: «هو في النار» . والمحفوظ عن جماعة أهل العلم (٤) : أن للرجل أن يقاتل عن نفسه وماله وأهله إذا أريد ظلماً، وممن قال بذلك: مالك (٥) ، والشافعي (٦) ،

стр. 629

وأبو حنيفة (١) ، وأحمد (٢) ، وإسحاق (٣) ، وعوام أهل العلم (٤) . قال أبو بكر بن المنذر (٥) : «إلا السلطان، فإن جماعة أهل الحديث كالمجتمعين (٦) : على أن من لم يُمكنه أن يمنع نفسه وماله إلا بالخروج على السلطان ومحاربته: أنه لا يحاربه، ولا يخرج عليه؛ للأخبار الدالة على ذلك عن رسول الله ﷺ ، التي فيها الأمر بالصبر على ما يكون منهم من الجور والظلم،

стр. 630

وترك قتالهم والخروج عليهم، ما أقاموا الصلاة» (١) . خرَّج مسلم (٢) ، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «من رأى من أميره شيئاً يكرهه؛ فليصبر، فإنه من يفارق الجماعة شبراً فمات؛ فميتته جاهلية» . وخرَّج -أيضاً- (٣) عن أم سلمة زوج النبي ﷺ أنه قال: «يستعمل عليكم أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سَلم، ولكن من رضي وتابع» ، قالوا: يا رسول الله: أفلا نقاتلهم؟! قال: «لا! ما صلُّوا» . (أي: من كره بقلبه، وأنكر بقلبه) ، كذا في كتاب مسلم متصلاً بالحديث. وخرَّج -أيضاً- (٤) عن عوف بن مالك الأشجعي: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خيار أئمتكم: الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم: الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم» قال: قلنا: يا رسول الله، أفلا ننابذهم عند ذلك؟! قال: «لا! ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا مَنْ وَلِيَ عليه والٍ؛ فرآه يأتي شيئاً من معصية الله؛ فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعنَّ يداً من طاعة» .

стр. 631

الفصل الثالث: في حكم قتال أهل البغي قال الله : ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩] . خرَّج مسلم (١) ، عن أنس بن مالك قال: قيل للنبي ﷺ : لو أتيت عبد الله بن أُبَيّ؟ قال: فانطلق (٢) إليه، وركب حماراً، وانطلق المسلمون، وهي أرض سَبِخَةٌ (٣) ، فلما أتاه النبي ﷺ قال: إليك عَنّي، فوالله لقد آذاني نتن حمارك. قال: فقال رجل من الأنصار: والله! لحمار رسول الله ﷺ أطيب ريحاً منك. قال: فغضب لعبد الله رجل من قومه، فغضب لكل واحد منهما أصحابُه. قال: فكان بينهم ضرب بالجريد وبالأيدي وبالنِّعال، فبلغنا أنها أنزلت فيهم: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] . قال ابن المنذر (٤) : فأمر الله سبحانه النبي ﷺ والمؤمنين، إذا اقتتل طائفتان من المؤمنين: أن يدعوهم إلى حكم الله، وينصفَ بعضهم من بعض، فمن أبى منهم فهو باغٍ، وحقٌّ على الإمام والمؤمنين أن يجاهدوهم؛ حتى يفيئوا إلى أمر الله. وخرَّج مسلم (٥) عن أبي هريرة قال: لمَّا توفي رسول الله ﷺ ، واستُخْلِف

стр. 632

أبو بكر بعده، وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله، فقد عصمَ منِّي ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله» ؟! فقال أبو بكر: والله لأقاتلنّ من فَرَّق بين الصلاة والزكاة، فإنَّ الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدُّونه لرسول الله ﷺ لقَاتَلْتُهُم على منعه، فقال عمر بن الخطاب: فوالله ما هو إلا أن رأيتُ الله قد شَرَح صدرَ أبي بكر للقتال؛ فعرفت أنه الحق. قال ابن المنذر (١) : «يقال: إن أبا بكر قاتل الذين منعوا الصدقة، وقاتل قوماً كفروا بعد إسلامهم، ولم يختلف الناس أن قتال الكفار يجب، ولا يجوز أن يظن بعمر بن الخطاب أنه شكَّ في قتال أهل الكفر، وإنما وقف عن قتال من منع الزكاة، إلى أن شرح الله صدره للذي شرح صدر أبي بكر له. وقال الشافعي (٢) : أهل الردة بعد رسول الله ﷺ ضربان: ضربٌ منهم كفروا بعد إسلامهم، وقوم تمسكوا بالإسلام ومنعوا الصدقات» (٣) . فقوم ارتدوا بالكفر، وقوم قيل لهم ذلك بمنع الحق، قال (٤) : «ومن رجع عن شيء جاز أن يقال: ارتد عن كذا» ، يعني: فلذلك جاز أن يطلق عليهم اسم الردة، وإن كان منهم مسلمون. قال ابن المنذر (٥) : «فقاتل أبو بكر الصديق ﵁ جميع هؤلاء، ولم يُعْلَمْ أَحَدٌ في الوقت الذي رأى عمر مثل ما رأى أبو بكر ﵄ من أصحاب رسول الله ﷺ امتنع مِنْ قتالهم، ولا رأى خلافه، فكان هذا -مع دلائل سنن رسول الله ﷺ - كالإجماع من المهاجرين والأنصار

стр. 633

على أن ذلك بحقٍّ وجب عليه القيام به» . فإذا ثبت ذلك، فمعنى قول أهل العلم: إنه يجب على من اعتزل جماعة المسلمين وإمامهم، ومنعوه حقّاً من الحقوق الواجبة عليهم، وأداء الطاعة فيما افترضه الله له قبلهم، من غير علة يحق على الإمام رفعها عنهم، ثم دعاهم مع ذلك الإمام إلى الإنابة والإقلاع فلم يقبلوا منه، فواجبٌ عليه حربهم وقتالهم، وحقٌّ عليهم وعلى المسلمين القيام في ذلك معه، والنُّصرة على الحق؛ لقيام الأدلة على ذلك، وقال الله -تعالى-: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] . وفي حديث عبد الله بن مسعود، عن رسول الله ﷺ : « ... إنها تخلف من بعدهم خُلوف: يقولون ما لايفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ... » الحديث، وقد تقدّم بكماله، خرّجه مسلم (١) . وكان من خاصِّ ما وردَ في هذا الباب: الآثار الثابتة في أمر الخوارج، ووجوب قتالهم وقتلهم. خرَّج مسلم (٢) ، عن عليٍّ ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سيخرج في آخر الزمان قوم: أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يقرؤون القرآن، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّميَّة، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم، فإنَّ في قتلهم أجراً لمن قَتلهم عند الله يوم القيامة» . وخرّجَ -أيضاً- (٣) ، عن أبي سعيد، أن النبي ﷺ ذكر قوماً يكونون في أمته، يخرجون في فرقة من الناس، سيماهم التَّحالُقُ، قال: «هم شر الخلق -أو: من شرِّ

стр. 634

الخلق-، يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق» . وفي الباب عن أبي ذرٍّ (١) ، وجابرٍ (٢) ، وسهل بن حنيف (٣) ، وغيرهم. والنظر في هذا الفصل يتعلق بثلاثة أشياء: الأول: في تقسيم أهل البغي وأحوالهم، ومتى يجب التعاون على قتالهم أو يحرم؛ لاختلاط الفتن؟ الثاني: معرفة الحدِّ الواجب في قتالهم، ومتى يجب الكفُّ عنهم؟ الثالث: معرفة الحكم في جناياتهم، وما يُسْتَولى عليه من أموالهم.

стр. 635

النظر الأول: في تقسيم أهل البغي وأحوالهم المخالفون على الجماعة ضربان: * ضرب امتنعوا عن أداء الحقوق، ونزعوا أيديهم من الطاعة؛ فسقاً، ومجوناً، واجتراءً على حدود الله، من غير أن يُنَصِّبوا إماماً، ولا يعتقدوا طاعة، فهؤلاء أهل كبيرةٍ، ومنكرٍ ظاهرٍ يجب تغييره، (فإن لم) (١) تنفع في ذلك موعظتهم وتذكيرهم بالله -تعالى-، وتخويفهم من عقابه، ولم يمكن حملهم على منهج الشرع إلا بقتالهم، ولم يكن قتالهم يؤول إلى فتنة يُتّقى فيها من تفاقم الأمر، والانجرار إلى ما هو أفجر وأنكر من الأول؛ فواجبٌ مقاتلتهم على ذلك؛ حتى يفيئوا إلى أمر الله: يرجعوا إلى الحقِّ، وأداء ما لزمهم، وينزعوا عن باطلهم. والدليل على ذلك ما تقدم من الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: فقوله -تعالى-: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] ، وأما السنة: فقوله ﷺ : « ... فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن» (٢) ، وأما الإجماع: ففي قتال (٣) مانعي الزكاة (٤) . ** والضرب الثاني: من خالف على إمام المسلمين، فعقدوا البيعة لآخر، يزعمون أنه أحق، وهذا الضرب له حالتان: فالواحدة: أن تكون الإمامة قد صَحَّت وانعقدت بتمام البيعة لرجل عَدْلٍ، مستوفٍ شروط الإمامة، فيخرج عليه بعض من بايعه.
следующие страницы →