Полный текст (351 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
أهمية السيرة ومكانتها:
١- السيرة النبوية هي السبيل إلى فهم شخصية الرسول ﷺ ، من خلال حياته وظروفه التي عاش فيها، للتأكد من أنه ﷺ لم يكن مجرد عبقري سمت به عبقريته، ولكنه قبل ذلك رسول أيده الله بوحي من عنده.
٢- تجعل السيرة النبوية بين يدي الإنسان صورة للمثل الأعلى في كل شأن من شؤون الحياة الفاضلة، يتمسك به ويحذو حذوه، فقد جعل الله تعالى الرسول محمدًا ﷺ قدوة للإنسانية كلها، حيث قال سبحانه: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) (الأحزاب:٢١) .
٣- السيرة النبوية تعين على فهم كتاب الله وتذوق روحه ومقاصده، فكثير من آيات القرآن الكريم إنما تفسرها وتجليها الأحداث التي مرت برسول الله ﷺ .
٤- السيرة النبوية صورة مجسدة نيرة لمجموع مبادئ الإسلام وأحكامه، فهي تكوّن لدى دارسها أكبر قدر من الثقافة والمعارف الإسلامية، سواء ما كان منها متعلقًا بالعقيدة أو الأحكام أو الأخلاق.
٥- السيرة النبوية نموذج حي عن طرائق التربية والتعليم، يستفيد منه المعلم والداعية المسلم. فقد كان الرسول محمد ﷺ معلمًا ناجحًا ومربيًا فاضلاً، لم يأل جهدًا في تلمس أجدى الطرق الصالحة في التربية والتعليم، خلال مختلف مراحل دعوته.
٦- من خلال السيرة نتعرّف على جيل الصحابة الفريد، الذي كان صدى للقرآن، وكان التطبيق العملي لحكم الله أمرًا ونهيًا.
٧- تمتاز سيرة الرسول ﷺ بأنها نُقلت إلينا كاملة في كلياتها وفي جزئياتها، ولا تملك الإنسانية اليوم سيرة شاملة لنبي غير السيرة النبوية على صاحبها صلوات الله وتسليمه.
стр. 177
(بتصرف من كتاب «فقه السيرة» للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي) .
стр. 178
حياته ﷺ من مولده إلى بعثته
стр. 179
نَسَبُه ﷺ :
الرسول ﷺ هو: (محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم ابن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مُرة بن كعب بن لُؤَيّ بن غالب بن فِهر بن مالك ابن النَّضر بن كِنانة بن خُزيمة بن مُدركة بن إلياس بن مُضر بن نزار بن معد بن عدنان) (رواه البخاري) ، وعدنان من ولد إسماعيل الذبيح بن إبراهيم ﵉.
وأبوه: عبد الله بن عبد المطلب، كان أجمل قريش (قبيلة قريش) وأحب شبابها إليها، عاش طاهرًا كريمًا حتى تزوج بآمنة بنت وهب أم الرسول ﷺ .
وأمّه: آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، وزهرة هو أخو قصي بن كلاب جد الرسول ﷺ ، وكان أبوها سيد بني زهرة.
وجدّه: عبد المطلب بن هاشم، هو سيد قبيلة قريش، أعطته رياستها لخصاله الوافرة، وقوة إرادته، وعزيمته على فعل الخير لكل الناس، وقد اشتهر بحفر بئر (زمزم) التي تسقي الناس بمكة المكرمة إلى يومنا هذا.
стр. 180
مولده ﷺ :
ولد النبي ﷺ في يوم الاثنين، لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، من عام الفيل، وقصة أصحاب الفيل معروفة ذكرها القرآن الكريم في سورة الفيل (١ـ٥) ، وذلك أن أبرهة ملك اليمن أراد أن يهدم الكعبة (بيت الله الحرام في مكة) فساق إليها جيشًا عظيمًا ومعهم فيل، فردّ الله كيدهم وحفظ الكعبة، ورسول الله ﷺ لا يزال جنينًا في بطن أمه التي رأت حين وضعته نورًا خرج منها أضاءت منه قصور بُصرى من أرض الشام.
ومات أبوه عبد الله، وهو لا يزال جنينًا في بطن أمه، فلما ولد كان في حجر جده عبد المطلب يرعاه وينظر حاجته هو وأمه.
стр. 181
مرضعاته ﷺ :
جاءت نسوة من بني سعد بن بكر يطلبن أطفالاً يرضعنهم، فكان الرضيع المبارك من نصيب حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية، واسم زوجها أبو كبشة، ودرّت البركات على أهل ذاك البيت الذين أرضعوه مدة وجوده بينهم، وقد مكث فيهم ما يربو على أربع سنوات.
وقد صحّ أن ثويبة -مولاة أبي لهب- أرضعته قبل أن تذهب به حليمة السعدية.
стр. 182
معجزة شق صدره ﷺ :
وقعت هذه المعجزة للنبي ﷺ مرتين، الأولى في بادية بني سعد وهو عند مرضعته حليمة، وكان في الرابعة من عمره.
وقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك: (أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل ﵇ وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه فشق عن قلبه فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة فقال: هذا حظ الشيطان منك ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأَمه -أي جمعه وضم بعضه إلى بعض- ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمّه -يعني ظِئْره أي مرضعته- فقالوا: إن محمدًا قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون. قال أنس: وقد كنتُ أرى أثر المخيط في صدره) .
وأما المرة الثانية التي وقعت فيها تلك المعجزة فقد كانت في ليلة الإسراء كما روى ذلك البخاري ومسلم.
стр. 183
وفاة آمنة أُمّه ﷺ :
خافت حليمة وزوجها على محمد ﷺ بعد حادثة شق الصدر، فعادا به إلى أُمِّه آمنة، فمكث عندها إلى أن بلغ ست سنين، ثم خرجت به إلى المدينة إلى أخواله بني عدي بن النجار، تزورهم به، ومعها أم أيمن تحضنه، فأقامت عندهم شهرًا ثم رجعت به إلى مكة فتوفيت بالأبواء (قرية على يمين الطريق المتجه إلى مكة المكرمة من المدينة المنورة) .
стр. 184
رعاية جّده عبد المطلب له ﷺ :
ترك يُتم النبي ﷺ في نفسه أبلغ الأثر، إذ وُلد يتيم الأب وماتت أمُّه وهو ابن ست سنين، فلما توفيت ضمّه جدُّه عبد المطلب إليه ورقّ عليه رِقةً لم يرقها على ولده، وقرّبه وأدناه، وإن قومًا من بني مدلج قالوا لعبد المطلب: احتفظ به، فإنّا لم نر قدمًا أشبه بالقدم التي في المقام منه (هي أثر إبراهيم ﵇ في المقام الإبراهيمي بجوار الكعبة) ، فقال عبد المطلب لأبي طالب: اسمع ما يقول هؤلاء، فكان أبو طالب يحتفظ به. فلما حضرت عبدَ المطلب الوفاةُ أوصى أبا طالب بحفظه. ومات عبد المطلب فدفن بالحَجون (جبل بأعلى مكة) ، وهو ابن اثنتين وثمانين سنة، ولمحمد يومئذ ثماني سنين، ولا شك أن محمدًا ﷺ أحسَّ بفقدان جده عبد المطلب لما كان يَحْبُوه به من العطف والرعاية.
стр. 185
كفالة عمه أبي طالب له ﷺ :
أوصى عبد المطلب ابنه أبا طالب بحفظ رسول الله ﷺ ورعايته، فلما توفي عبد المطلب ضم أبو طالب رسولَ الله ﷺ فكان معه، وكان أبو طالب لا مال له، وكان يحبّ محمدًا ﷺ حبًّا شديدًا لا يحبه ولده، وكان لا ينام إلا إلى جنبه، ويخرج فيخرج معه، وكان يخصه بالطعام، وكان إذا أكل عيال أبي طالب جميعًا أو فرادى لم يشبعوا، وإذا أكل معهم رسول الله ﷺ شبعوا، فيقول أبو طالب: إنك لمبارك.
ومما يدل على شدة محبة أبي طالب إياه، صحبته له في رحلته إلى الشام، ويبدو أنه في فترة حضانة أبي طالب له ساعده محمد ﷺ في رعي غنمه، وقد ثبت في البخاري ومسلم أنه عمل على رعيها لأهل مكة، مقابل قراريط.
ولعل ضيق حال أبي طالب هو الذي دفع محمدًا ﷺ إلى العمل لمساعدته. ورعي الغنم فيه دربة لرسول الله ﷺ على رعاية البشر فيما بعد، فقد أَلِفَ العمل والكفاح منذ طفولته، واعتاد أن يهتم بما حوله، ويبذل العون للآخرين، وربما يذكرنا رعيه للغنم بأحاديثه التي تحث على الإحسان للحيوان.
стр. 186
زواجه ﷺ من خديجة بنت خويلد ﵂:
لما بلغ رسول الله ﷺ خمسًا وعشرين سنة، تزوج خديجة بنت خويلد، وهي من سيدات قريش، ومن فضليات النساء، وكانت أرملة توفي زوجها أبو هالة، وكانت إذ ذاك في الأربعين من عمرها، وقيل في الثامنة والعشرين، وكانت امرأة تاجرة، تستأجر الرجال في مالها، وتضاربهم بشيء تجعله لهم.
وخديجة ﵂ أول امرأة يتزوجها الرسول ﷺ ، ولم يتزوج عليها في حياتها، وولدت له كل ولده إلا إبراهيم، فولدت القاسم وعبد الله (الملقب بالطيب والطاهر) ، وثلاث بنات هن: أم كلثوم، ثم فاطمة، ثم رقية. أما إبراهيم فقد ولدته مارية القبطية التي أهداها له مقوقس مصر.
وقد مات القاسم وعبد الله قبل الإسلام، أما البنات فأدركن الإسلام وأسلمن ﵅، وتوفيت خديجة ﵂ قبل هجرة النبي ﷺ إلى المدينة بثلاث سنين.
وكان النبي ﷺ يثني عليها، ويظهر محبتها وتأثره لدى ذكرها بعد وفاتها، فقد كانت لها مواقف عظيمة في الإسلام، وفي نصرة الرسول ﷺ والإيمان به.
стр. 187
مظاهر من حفظ الله لرسوله ﷺ قبل بعثته:
١ - حفظه صغيرًا بداية من إرضاعه واصطفائه من أوسط النسب وأشرفه، وولادته من نكاح صحيح وليس من سفاح باطل.
٢ - كفالة جده عبد المطلب -وهو سيد قريش- له طفلاً إلى أن بلغ الثامنة من عمره وتوفي جدّه، فانتقل إلى كفالة عمه أبي طالب -وهو سيد قريش أيضًا- وفي ذلك ما فيه من المنعة. والتاريخ يحدّث بحب عبد المطلب وأبي طالب الشديد للرسول ﷺ .
٣ - حفظه شابًا من أن يقع فيما يقع فيه الشباب من الفحش والخنا، والأدلة على ذلك كثيرة منثورة في كتب السيرة، وقد اشتهر ﷺ بين قومه وهو شاب بالصدق والأمانة.
٤ - حفظ قلبه طاهرًا فلم يعبد إلهًا غير الله ، ولم يسجد لصنم، ولم يتمسح بوثن، ولم يحلف بغير الله، هذا مع بغضه الشديد لآلهة قومه (اللات والعُزّى وغيرهما) .
٥ - إعداده إعدادًا معصومًا من نزغ الشيطان ونفثه، وحفظ باطنه صحيحًا، وقد تجلى هذا في حادثة شق الصدر الأولى والثانية.
وجملة القول: إن الله تعالى هيأ لرسوله ﷺ من الحفظ والرعاية ما جعله جديرًا بتلقي الرسالة الخاتمة لهداية البشر.
стр. 188
البشارات برسالته ﷺ :
جاءت في القرآن الكريم بشارة عيسى ﵇ لقومه ببعثة محمد ﷺ ، قال الله : (وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقًا لما بين يديَّ من التوراة ومبشرًا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين) (الصف:٦) .
وجاءت في إنجيل برنابا عبارات مصرحة باسم النبي ﷺ ، مثل العبارة: (١٦٣/٧: أجاب التلاميذ: يا معلم! مَن عسى أن يكون ذلك الرجل الذي تتكلم عنه، الذي سيأتي إلى العالم، أجاب يسوع بابتهاجِ قلبٍ: إنه محمد رسول الله) .
وتكررت مثل هذه العبارات في إنجيل برنابا (حرمت الكنسية تداوله في آخر القرن الخامس الميلادي وهو الآن مطبوع) ، وكذلك في إنجيل لوقا (٢/١٤) بلفظ: (أحمد) ، وفي إنجيل يوحنا جاءت البشارة بلفظ: (الفار قليط) ، ومعناها الحامد أو الحمّاد أو أحمد.
وفي التوراة كان الإخبار والتبشير بنبوته ﷺ ، ولكن يد التحريف طالتها، قال الله : (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل والقرآن، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم) (الأعراف:١٥٧) .
قال ابن تيمية (في الجواب الصحيح) : (والأخبار بمعرفة أهل الكتاب بصفة محمد ﷺ عندهم في الكتب المتقدمة متواترة عنهم) . هذا عدا ما كانت تحدث به يهود، ورهبان النصارى، والعرب وكثير من الأمم بأن نبيًا قد اقترب زمانه وآن أوانه.
والبشارات برسالته ﷺ كثيرة، يضيق المقام عن حصرها، وتلتمس في مظانها.
стр. 189
أسماؤه ﷺ :
ومن أسمائه ﷺ : محمد , أحمد , الماحي. الذي يمحو الله به الكفر، والحاشر الذي يحشر الناس على عقبيه، والعاقب الذي ليس بعده نبي، ونبي التوبة، وسماه الله تعالى رؤوفا رحيماً.
стр. 190
صفته ﷺ :
كان ﷺ ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير، والا بالأبيض الأمهق (اي ليس شديد البياض) ، ولا الآدم (الأسمر) ، ولا بالجعد القطط (لم يكن ذا شعر ملتو قصير) ، ولا السبط (المسترسل) ، رَجَل الشعر (بين البسط والجعد) ، أزهر اللون (أبيض مشرق) ، مشرباً بحمرة في بياض ساطع، كأن وجهه القمر حسناً، ضخم الكراديس (المفاصل) ، أوطف الأشفار (طول شعر الجفنين) ، أدعج العينين (شديد سوادها وبياضها مع اتساعها) ، في بياضهما عروق حمر رقاق، حسن الثغر، واسع الفم، حسن الأنف، إذا مشى كأنه يتكفأ (يندفع إلى الأمام) ، إذا التفت التفت بجميعه، كثير النظر إلى الأرض، ضخم اليدين لينهما، قليل لحم العقبين، كث اللحية واسعها، أسود الشعر، ليس لرجليه أخمص (باطن القدم) ، إذا طوّل شعره فإلى شحمة أذنيه (أسفلها) ، وإذا قصّره فإلى أنصاف أذنيه، لم يبلغ شيب رأسه ولحيته عشرين شيبه وكان على نُغض (العظم الرقيق) كتفه الأيسر خاتم النبوة كأنه بيضة حمام، لونه لون جسده، عليه خيلان (جمع خال وهي الشامة) ، ومن فوقه شعرات.
стр. 191
شهوده ﷺ بنيان الكعبة:
لما بلغ رسول الله ﷺ خمساً وثلاثين سنة شهد بنيان الكعبة، وتراضت قريش بحكمه فيها، وكانوا قد اختلفوا فيمن يضع الحجر الأسود مكانه فاتفقوا على أن يحكم بينهم أول داخل يدخل المسجد، فدخل رسول الله ﷺ فقالوا: هذا الأمين، فقال: هلموا ثوباً، فوضع الحجر فيه وقال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من نواحيه وارفعوه جميعاً، ثم أخذ الحجر بيده فوضعه في مكانه.
стр. 192
من مصادر هذه المرحلة:
١. الطبقات الكبرى، لمحمد بن سعد.
٢. السيرة النبوية، لابن الجوزي.
٣. دلائل النبوة، لأبي نعيم الأصبهاني.
٤. نور اليقين في سيرة سيد المرسلين، لمحمد الخضري بك.
٥. السيرة النبوية الصحيحة، للدكتور أكرم ضياء العمري.
٦. نبوة محمد ﷺ بين الشك واليقين، فاضل صالح السامرائي.
стр. 193
المرحلة المكية
من بعثته ﷺ إلى هجرته إلى المدينة
стр. 194
بدأ الوحي:
عن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها قالت: أول ما بُدِئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلاّ جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبّب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنّث فيه - أي يتعبّد - الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطّني - أي ضمّني ضماً شديداً - حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطّني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ، فقلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطّني الثالثة، ثم أرسلني فقال: (اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم.) (العلق/ ١-٣) ، فرجع رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد ﵂ فقال: زمّلوني زمّلوني - أي ضعوا عليّ غطاءً -، فزمّلوه حتى ذهب عنه الروع - يعني الخوف -، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ -أي المريض المتعب -، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق - يعني الموت -.
فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى، ابن عم خديجة، وكان امرءاً تنصّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ماشاء الله أن يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن العم اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا النّاموس الذي نزّل الله على موسى - يعني جبريل ﵇، يا ليتني فيها جذعٌ - أي شاب -، ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ : أو مخرجي هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً، ثم لم ينشب - يلبث - ورقة أن توفي، وفتر الوحي - أي انقطع فترة -. (رواه البخاري ومسلم) .
стр. 195
تتابع نزول الوحي وكيفيته:
استمر الرسول ﷺ في تعبده في غار حراء، فعاد الوحي وكان أول ما نزل بعد فترة انقطاعه الأولى قوله تعالى: (يا أيها المدثر) . ثم أبطأ الوحي عدة ليال فقال المشركون: قد ودّع محمداً ربُّه، فأنزل الله (والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى) (الضحى/ ١-٣) .
وكان الرسول ﷺ حريصاً على حفظ القرآن فيحرك لسانه به، فنزلت الآية: (لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه) (القيامة/٩) .
وقد كان يأتيه الوحي مثل صلصلة الجرس - وهو أشد الوحي عليه - فيفصم عنه وقد وعى عنه ما قال، وأحياناً كان يأتيه الملك على هيئة رجل فيكلمه فيعي ما يقول. والمشهور أن نزول الوحي استغرق ثلاثاً وعشرين سنة منها ثلاثة عشر عاماً بمكة، وعشر سنين بالمدينة.
стр. 196
أوائل المسلمين إسلاماً:
كانت خديجة ﵂ أول من آمن، ثم آمن من الصبيان عليّ ﵁، ثم آمن من الرجال أبو بكر الصديق ﵁، وزيد بن حارثة، وبلال بن رباح، وسعد بن أبي وقاص، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وخالد بن سعيد بن العاص، وعبد الله بن مسعود، وخباب بن الأرت، وعمار بن ياسر، وعمرو بن عبسة السلمي، وأبو ذر الغفاري، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح، وعثمان بن مظعون، وسعيد بن زيد، وأسماء بنت أبي بكر، وفاطمة بنت الخطاب، وخلق آخرون، ثم عمربن الخطاب الذي قيل إن الله أتم به أربعين من الصحابة، وقبله أسلم حمزة بن عبد المطلب عمّ الرسول ﷺ وأخوه من الرضاعة، وأسلم أيضاً المقداد بن الأسود ولكنه كان يكتم إيمانه، ﵃ أجمعين.
وأسلم الطفيل بن عمرو الدوسي ﵁، ودعا قومه إلى الإسلام ولقي منهم صدوداً، فطلب من رسول الله ﷺ أن يدعو عليهم، ولكن الرسول دعا لهم بالهداية، فهداهم الله وجاءت دوس مسلمة لله ورسوله بعد عدة سنوات.
стр. 197
استماع الجن للقرآن وإسلامهم
انطلق قوم من الجن - بعد أن حيل بين الجن وبين خبر السماء - نحو تهامة إلى رسول الله ﷺ بنخلة - مكان على مسيرة ليلة من مكة - وهو عامد إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن تسمّعوا له، فقالوا هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك رجعوا إلى قومهم فقالوا: (إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحداً..] ) (الجنّ/ ١-٢) ، وأوحى الله إلى رسوله ﷺ قولهم هذا، وقد دعا الجنُّ رسول الله ﷺ بعد هذه الحادثة، وذهب وقرأ عليهم القرآن، ثم عاد وأرى أصحابه آثارهم ونيرانهم.
стр. 198
الدعوة السرّيّة إلى الإسلام
بدأ رسول الله ﷺ يدعو إلى الإسلام، من أول ما أنزلت عليه النبوة ثلاث سنين مستخفياً، ثم أُمر بإظهار الدعوة بنزول قول الله : (وأنذر عشيرتك الأقربين) (الشعراء/ ٢١٤) .
стр. 199
صبره ﷺ هو وأصحابه على إيذاء المشركين
جاهرت قريش رسول الله ﷺ بالعداوة والأذى، وكان عمه أبو طالب يمنعهم مع بقائه على دين قومه، في حين أن عمه أبا لهب كان أشد قومه وأولهم إيذاءً لرسول الله ﷺ ، واشتركت بطون قريش ورجال منها في إيذائه كذلك، واشتدوا في هذا الإيذاء، يعذبون من لا منعة - حماية - عنده ويؤذون من لا يقدرون على عذابه، والإسلام على هذا ينتشر في الرجال والنساء، ولقي أصحاب رسول الله ﷺ من العذاب أمراً عظيماً، ورزقهم الله تعالى على ذلك من الصبر أمراً عظيماً.
стр. 200
بعض مظاهر أذى قريش للمسلمين
стр. 201
الضرر المادي والسب العلني:
ومن ذلك وضعهم بقايا الحيوانات ودماءها ومشيمتها - غشاء رقيق يحيط بالجنين- بين كتفي النبي ﷺ وهو ساجد. وقد خنق عقبة بن أبي معيط رسول الله ﷺ وهو يصلي في فناء مكة، وكانت قريش تسبّ الرسول ﷺ وتقول له مذمم - من الذم وهو عكس الحمد -، وتسبّ القرآن ومن أنزله ومن جاء به، وقد اجتمعت قريش لقتل الرسول ﷺ مما كان سبباً مباشراً للهجرة إلى المدينة.
ومن أذى المشركين للمسلمين طعن أبي جهل للسيدة سمية أم عمار بن ياسر بحربة في فرجها فقتلها، وطرحهم لبلال بن رباح على الرمضاء في حر مكة، وإلقاؤهم صخرة عظيمة على بطنه بعد أن ألبسوه درعاً من الحديد في الحرّ الشديد.
стр. 202
السخرية والاستهزاء والضرر النفسي:
وهذا من الأساليب التي اتبعتها قريش في الإيذاء، حيث اتهموا الرسول ﷺ بالكذب وبالسحر وبالكهانة، ووضعوا في عنق بلال بن رباح حبلاً وأسلموه للصبيان ليطوفوا به شعاب مكة وهو يقول: أحد أحد، وغير ذلك من الأمثلة التي تبين مدى استهزائهم بالمسلمين.
стр. 203
الحصار الاقتصادي والاجتماعي:
لم يمنع الإيذاء البدني والنفسي الناس عن الدخول في الإسلام فتعاقد كفّار قريش على بني هاشم وبني المطلب - وهم بطن النبي ﷺ من قريش - ألا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يكلموهم ولا يجالسوهم، وكتبوا في ذلك صحيفة، وحصروهم في شعب أبي طالب مدة طويلة (قيل ثلاث سنوات أو أقل) وقد كان الحصار كاملاً بمعنى الكلمة، وذلك حتى يسلموا رسول الله ﷺ للقتل، ولكن الله عصمه رغم البلاء والشدة.
стр. 204
هجرة المسلمين الأولى والثانية إلى الحبشة
حينما اشتد البلاء والفتنة والإيذاء على المسلمين في مكة، قال لهم رسول الله ﷺ : "إن بأرض الحبشة ملكاً لا يظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً مما أنتم فيه" (رواه البخاري) .
فخرج المسلمون حتى نزلوا بالحبشة فأكرمهم النجاشي وأمّنهم، وكان أول من هاجر من المسلمين عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت رسول الله ﷺ ، وتبعه جمع من كبار الصحابة، وكانت الهجرة الأولى سنة خمس من مبعث الرسول ﷺ ، وعدد الذين هاجروا فيها أحد عشر رجلاً وأربع نسوة.
وأما الثانية فكان عدد الذين هاجروا فيها اثنين وثمانين رجلاً وثماني عشرة امرأة، وأبناؤهم، وسببها أن المهاجرين الأوائل سمعوا بإسلام قريش فعاد بعضهم ومنهم عثمان بن عفان وزوجته فلم يجدوا قريشاً أسلمت، ووجدوا المسلمين في بلاء عظيم وشدة، فهاجروا مرة أخرى ومعهم هذا العدد الكبير.
وقد أرسلت قريش في أثرهم عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة بهدايا إلى النجاشي ليردّ المسلمين، ولكن هيهات فقد أسلم النجاشي وأبى أن يردّهم، بل أعطاهم الأمان في أرضه وأقرّهم على دينهم، وردّ رسل قريش لم ينالوا شيئاً.
стр. 205
وفاة أبي طالب وخديجة ﵂
ما إن أعز الله الإسلام بعمر بن الخطاب، وحمزة بن عبد المطلب، وخروج بني هاشم من شعب أبي طالب، حتى توفي أبو طالب في أواخر العام العاشر من البعثة. وبموته فقد الرسول ﷺ سنداً كبيراً، لم يجد من يقوم مقامه من بني هاشم، ولذلك بدأ الرسول ﷺ يعرض نفسه على القبائل ليطلب نصرتها، ورحل إلى الطائف لأجل تلك النصرة ولكنها لم تحدث. فقد خذله أهل الطائف وسلطوا عليه صبيانهم فقذفوه بالحصى حتى أدموا قدميه واستهزأوا به كثيراً ولكن هذا لم يجعله ييأس ﷺ .
وتوفيت خديجة أم المؤمنين ﵂ في نفس العام، ففقد الرسول ﷺ سنداً ثانياً من داخل كيانه الأسري.
стр. 206
الإسراء والمعراج
في تلك الظروف الصعبة كانت المواساة لرسول الله ﷺ بحادثة الإسراء والمعراج، يقول الله : (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذى باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير) (الإسراء/ ١) . وفي الصحيحين عن أنس ﵁ قال: "كان أبو ذر يحدث أن رسول الله ﷺ قال: "فرج سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيماناً فأفرغه في صدري ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء الدنيا.."، وفي رواية لمسلم: "أتيت بالبراق - وهو دابة - أبيض طويل، فوق الحمار، ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه، قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدس، قال فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، قال ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت، فجاءني جبريل ﵇ بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل: اخترت الفطرة، قال ثم عرج بنا إلى السماء..".
وقصة الإسراء والمعراج مبسوطة في الصحاح، وقد لقي ﷺ في معراجه الأنبياء آدم، ويوسف، وإدريس، وعيسى، ويحيي، وهارون، وموسى، وإبراهيم، ﵈، وسمع صريف الأقلام، وفرضت عليه الصلاة، ثم رفع إلى سدرة المنتهى، ثم رفع له البيت المعمور في السماء السابعة، ورأى نهر الكوثر وأنهار الجنة ورأى جبريل ﵇ على هيئته، ورأى أقواماً يعذبون على جرائمهم.
ورغم أن حادثة الإسراء والمعراج كانت مواساة وتطميناً للرسول ﷺ إلا أنها كانت فتنة لبعض المسلمين وللكافرين ممن لم يصدقوا بها، وجمهور العلماء على أن الإسراء كان يقظة بالروح وبالجسد.
стр. 207
بيعة العقبة الأولى
كان رسول الله ﷺ يعرض نفسه في موسم الحج على القبائل، فتعرض لستة نفر من الخزرج سنة ١١ من النبوة، منهم أسعد بن زرارة، وعقبة بن عامر، وجابر بن عبد الله، ودعاهم إلى الإسلام وإلى معاونته في تبليغ رسالة ربه، فآمنوا به وصدقوه ووعدوه المقابلة في الموسم القابل، وهذه بداية إسلام الأنصار.
فلما كان الموسم التالي سنة ١٢ من النبوة أتوا، ويقول عبادة بن الصامت: "كنا اثني عشر رجلاً في العقبة الأولى، فبايعنا رسول الله ﷺ علي بيعة النساء أن لا نشرك بالله شيئاً ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولانأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف، فمن وفّى فله الجنة، ومن غش من ذلك شيئاً فأمره إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له" (رواه البخاري ومسلم) .
وعاد الأنصار إلى المدينة ومعهم مصعب بن عمير، يعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين ويقرئهم القرآن.
стр. 208
بيعة العقبة الثانية
قدم وفد الأنصار في موسم الحج في السنة الثالثة عشر من النبوة، واجتمع منهم في الشعب عند العقبة ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان، وجاءهم الرسول ﷺ ومعه عمه العباس - وكان لا يزال على دين قومه - وكان العباس هو أول المتكلمين في هذا الاجتماع قال: يا معشر الخزرج إن محمداً منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا من هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز من قومه ومنعة بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده.
قال كعب بن مالك الأنصاري: فقلنا له: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت..، وهذا الجواب من الأنصار يدل على تصميمهم وشجاعتهم وإيمانهم وإخلاصهم في تحمل هذه المسؤولية العظيمة.
وتكلم رسول الله ﷺ فدعاهم إلى الله ورغبهم في الإسلام، وقال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم، فبايعوه وتمت البيعة، وعاد الأنصار إلى المدينة يترقبون هجرة الرسول ﷺ بعد أن جعل عليهم اثني عشر نقيباً.
стр. 209
هجرته ﷺ إلى المدينة
قوي جانب المسلمين بعد بيعة العقبة الثانية، وأخذ الرسول ﷺ يحث المؤمنين على الهجرة إلى يثرب، ويثرب هي دار الهجرة التي أريها الرسول ﷺ في منامه، وكثر دخول الأوس والخزرج - قبيلتان من يثرب المدينة - في الإسلام، وبعد إذن رسول الله ﷺ للمؤمنين بالهجرة خرج المسلمون أرسالاً - جماعات وفرادى - رغم كل العقبات والصعاب التي وضعتها قريش واعترضت بها المهاجرين.
وكان أول من هاجر من مكة إلى المدينة أبو سلمة بن عبد الأسد، ومن أوائل من هاجروا مصعب بن عمير، وعبد الله بن أم مكتوم، وبلال بن رباح، وسعد بن أبي وقاص، وعمار بن ياسر، وعمر بن الخطاب في عشرين من الصحابة، وتبعهم كبار الصحابة وصغارهم بعد ذلك، ولم يبق بمكة إلا رسول الله ﷺ ، وعلي بن أبي طالب، وأبي بكر الصديق، ومن حبس كرهاً.
стр. 210
معالم من هجرة الرسول ﷺ إلى المدينة
· اعتزمت قريش قتل النبي ﷺ ، قال الله : (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك. ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين) (الأنفال/٣٠) ، ولكن قريشاً فشلت في عزمها، ففي هذه الساعة الحرجة قال رسول الله ﷺ لعلي بن أبي طالب: نم على فراشي، وتسجّ - أي تغطّ - ببردي هذا الحضرمي الأخضر فنم فيه، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم، ثم خرج الرسول ﷺ من بينهم - أي من بين الكفار الذين اجتمعوا ببابه وعلى رأسهم أبو جهل - سالماً بإذن الله.
· رتب رسول الله ﷺ وأبو بكر للهجرة، وأعدّا لها عدتها ووضعا لها خطتها، وانطلقا إلى غار ثور.
· علف أبو بكر راحلتين كانتا عنده أربعة أشهر، ودفع بهما إلى الدليل - عبد الله بن أريقط- وكان على دين الكفار، وواعده غار ثور بعد ثلاث ليال بالراحلتين، وأما أسماء بنت أبي بكر - ذات النطاقين - فكانت تأتيهما بالطعام، وكان عبد الله بن أبي بكر يبيت عندهما ويعود قبيل الصبح، فيصبح مع قريش بمكة كبائت فيها، فيتسمع لهما الأخبار، وأما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر فكان يرعى غنماً يريحها عليهما ساعة من العشاء، فيأخذان منها حاجتهما من اللبن، (البخاري، باب هجرة النبي ﷺ
· انطلق الركب المبارك، رسول الله ﷺ وأبو بكر والدليل وعامر بن فهيرة، فأخذوا طريق السواحل، وكانت قريش قد رصدت جائزة لمن يدل على محمد أو يأتي به، فلحقهم سراقة بن مالك بن جُعشم، طمعاً في الجائزة فلما قرب منهم عثرت فرسه، ثم ساخت يداها في الأرض حتى بلغتا الركبتين، ورأى غباراً ساطعاً إلى السماء مثل الدخان، فنادى بالأمان، فقال له الرسول ﷺ : أخف عنّا، وكتب له كتاباً بالأمان. ولقيا الزبير بن العوام قافلاً من تجارة بالشام فكساهما الزبير ثياب بياض.
· كان المسلمون بالمدينة يغدون كل غداة إلى الحرّة، ينتظرون رسول الله ﷺ حتى يردّهم حرّ الظهيرة، فرآه يهودي فقال بأعلى صوته: يا معاشر العرب هذا جدّكم الذي تنتظرون، فصار المسلمون إلى السلاح، فتلقوا رسول الله ﷺ ، وقيل إن عدد الذين استقبلوه خمسمائة من الأنصار، فأحاطوا بالرسول ﷺ وبأبي بكر، وأهل المدينة يتنادون: جاء نبي الله، جاء نبي الله ﷺ ، وصعد الرجال والنساء فوق البيوت، وتفرق الغلمان في الطرق ينادون، يا محمد يا رسول الله، يا محمد يا رسول الله ﷺ ، قال الصحابي البراء بن عازب: ما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله ﷺ .
· كان وصول رسول الله ﷺ يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، ولبث في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وأسس المسجد الذي أُسس على التقوى - مسجد قباء - وصلّى فيه، ثم ركب راحلته، فسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد رسول الله ﷺ ، فقال: هذا إن شاء الله المنزل، ثم بناه رسول الله ﷺ مسجداً.
стр. 211
من مصادر هذه المرحلة
١- صحيح البخاري، باب هجرة النبي ﷺ .
٢- السيرة النبوية، لابن الجوزي.
٣- جوامع السيرة النبوية، لابن حزم الأندلسي.
٤- نور اليقين في سيرة سيد المرسلين، لمحمد الخضري.
٥- الرحيق المختوم، لصفي الرحمن المباركفوري.
٦- السيرة النبوية الصحيحة، للدكتور أكرم ضياء العمري.
стр. 212
المرحلة المدنية
стр. 213
المرحلة المدنية
يمكن تقسيم المرحلة المدنية إلى ثلاث فترات:
١- فترة أثيرت فيها القلاقل والفتن من الداخل، وزحف الأعداء من الخارج لاستئصال المسلمين، وتنتهي هذه الفترة عند صلح الحديبية في سنة ست من الهجرة.
٢- فترة الهدنة مع المشركين وتنتهي بفتح مكة سنة ثمان للهجرة، وفيها كانت دعوة الملوك إلى الإسلام.
٣- فترة دخول الناس في دين الله أفواجاً، وتمتد هذه الفترة إلى انتهاء حياة الرسول ﷺ ، سنة إحدى عشرة للهجرة.
стр. 214
أولاً: فترة القلاقل والفتن (١هـ -٦ه ـ)
стр. 215
الوضع في المدينة عند الهجرة:
تمثل الهجرة تحولاً ضخماً لإقامة مجتمع جديد في بلد آمن، ولذلك كانت الهجرة قبل الفتح - فتح مكة- فرضاً على كل مسلم قادر، ليسهم في بناء هذا الوطن الجديد، ومن هنا نرى أهمية التأريخ للإسلام بالهجرة ذلك الحدث العظيم.
أما مجتمع المدينة الجديد فقد كان يتألف من ثلاث فئات:
١- من المسلمين المهاجرين الذين هاجروا مع الرسول ﷺ ، والأنصار الذين آووا ونصروا.
٢- ومن المشركين الذين لم يؤمنوا بعد من قبائل المدينة.
٣- ومن اليهود، وكان في يثرب منهم ثلاث قبائل، بنو قينقاع، وبنو النّضير، وبنو قريظة.
وكانت تواجه الرسول ﷺ عدة قضايا في بداية الهجرة وفي تلك الفترة بالذات منها:
١- تكوين مجتمع إسلامي بالمدينة يمثل الدعوة الإٍسلامية ويتكامل فيه التشريع والتقنين والتربية، وتنهض فيه الحضارة والعمران والاقتصاد والسياسة ومسائل السلم والحرب.
٢- دعوة مشركي المدينة إلى الإسلام، وإيجاد صيغة للتعايش معهم حتى يدخلوا في الإسلام ويكفّوا أيديهم عن الكيد للمسلمين.
٣- مواجهة دسائس ومؤامرات اليهود وعتّوهم وفسادهم وعداوتهم لرسول الله ﷺ وللمسلمين.
٤- الإعداد والتجهيز للقوى المناوئة للإسلام خارج المدينة وعلى رأسها قريش، فحالة الحرب واقعة يقيناً بين هؤلاء الطغاة من أهل مكة وبين المسلمين في وطنهم الجديد.
следующие страницы →