← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 14500

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - كتاب الطهارة

ابن تيمية

Полный текст (465 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : («عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ قَصُّ الشَّارِبِ وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ وَالسِّوَاكُ وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ وَقَصُّ الْأَظْفَارِ وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ وَنَتْفُ الْإِبِطِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ وَانْتِفَاضُ الْمَاءِ يَعْنِي الِاسْتِنْجَاءَ، قَالَ مُصْعَبٌ: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ») رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوُ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَ: («خَمْسٌ كُلُّهَا فِي الرَّأْسِ وَذَكَرَ مِنْهَا الْفَرْقَ») وَجَمِيعُ هَذِهِ الْخِصَالِ مَقْصُودُهَا النَّظَافَةُ وَالطَّهَارَةُ وَإِزَالَةُ مَا يَجْمَعُ الْوَسَخَ وَالدَّرَنَ مِنَ الشُّعُورِ وَالْأَظْفَارِ وَالْجِلْدِ. وَأَمَّا قَصُّ الشَّارِبِ، فَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : («مَنْ لَمْ يَأْخُذْ شَارِبَهُ فَلَيْسَ مِنَّا») رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : («جُزُّوا الشَّوَارِبَ وَأَرْخُوا اللِّحَى خَالِفُوا الْمَجُوسَ») رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.

стр. 177

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: («خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ وَفِّرُوا اللِّحَى وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ») مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ: " «كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا حَجَّ أَوِ اعْتَمَرَ قَبَضَ عَلَى لِحْيَتِهِ فَمَا فَضَلَ أَخَذَهُ» "، وَتَحْصُلُ السُّنَّةُ بِقَبْضَةٍ حَتَّى يَبْدُوَ الْإِطَارُ وَهُوَ طَرَفُ الشَّفَةِ، وَكُلَّمَا أُخِذَ فَوْقَ ذَلِكَ فَهُوَ أَفْضَلُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَا يُسْتَحَبُّ حَلْقُهُ؛ لِأَنَّ فِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: («انْهَكُوا الشَّوَارِبَ وَأَعْفُوا اللِّحَى»). قَالَ الْبُخَارِيُّ " وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُحْفِي شَارِبَهُ حَتَّى يُنْظَرَ إِلَى مَوْضِعِ الْحَلْقِ " وَرَوَى حَرْبٌ فِي مَسَائِلِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ وَسَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ وَجَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنَ عُمَرَ وَأَبَا أُسَيْدٍ

стр. 178

يَجُزُّونَ شَوَارِبَهُمْ أَخَا الْحَلْقِ، وَأَمَّا إِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ فَإِنَّهُ يَتْرُكُ وَلَوْ أَخْذَ مَا زَادَ عَلَى الْقَبْضَةِ لَمْ يُكْرَهْ، نَصَّ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَكَذَلِكَ أَخْذُ مَا تَطَايَرَ مِنْهَا. وَقَدْ رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ («كَانَ يَأْخُذُ مِنْ لِحْيَتِهِ مِنْ عَرْضِهَا وَطُولِهَا») رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ، فَأَمَّا حَلْقُهَا فَمِثْلُ حَلْقِ الْمَرْأَةِ رَأْسَهَا وَأَشَدُّ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْمُثْلَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ، وَيُكْرَهُ نَتْفُ الشَّيْبِ وَإِزَالَتُهُ بِمِنْقَاشٍ وَنَحْوِهِ؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : («نَهَى عَنْ نَتْفِ الشَّيْبِ») رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ: («لَا تَنْتِفُوا الشَّيْبَ

стр. 179

فَإِنَّهُ نُورُ الْمُسْلِمِ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَشِيبُ شَيْبَةً فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً وَرَفَعَهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً»). فَأَمَّا خِضَابُهُ بِالْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ فَسُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : («إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ») رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ. قَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهِبٍ: «دَخَلْنَا عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ " فَأَخْرَجَتْ إِلَيْنَا مِنْ شَعْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَإِذَا هُوَ مَخْضُوبٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ، وَلِلْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ مَوْهِبٍ «أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ أَرَتْهُ شَعْرَ النَّبِيِّ ﷺ أَحْمَرَ»، وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : («إِنَّ أَحْسَنَ مَا غَيَّرْتُمْ بِهِ هَذَا الشَّيْبَ الْحِنَّاءُ وَالْكَتَمُ») رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

стр. 180

وَعَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ («كَانَ يُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ») رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَيُكْرَهُ الْخِضَابُ بِالسَّوَادِ؛ لِمَا رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «جِيءَ بِأَبِي قُحَافَةَ يَوْمَ الْفَتْحِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَأَنَّ رَأْسَهُ ثُغَامَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (اذْهَبُوا بِهِ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ فَلْيُغَيِّرْهُ بِشَيْءٍ وَجَنِّبُوهُ السَّوَادَ)» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا الْبُخَارِيَّ وَالتِّرْمِذِيَّ؛ وَلِأَنَّ التَّسْوِيدَ يُشْبِهُ تَكَوُّنَ الْخِلْقَةِ وَذَلِكَ تَزْوِيرٌ وَتَغْيِيرٌ لِخَلْقِ اللَّهِ، فَيُكْرَهُ كَمَا كُرِهَ وَصْلُ الشَّعْرِ وَالنَّمْصُ وَالتَّفَلُّجُ. وَأَمَّا الِاسْتِحْدَادُ فَهُوَ اسْتِعْمَالُ الْحَدِيدِ فِي إِزَالَةِ شَعْرِ الْعَانَةِ وَلَوْ قَصَّهُ أَوْ نَتَفَهُ أَوْ تَنَوَّرَ جَازَ، وَالْحَلْقُ أَفْضَلُ، وَالْأَفْضَلُ فِي الْإِبِطِ أَنْ يَنْتِفَهُ وَلَوْ حَلَقَهُ أَوْ قَصَّهُ أَوْ نَوَّرَهُ جَازَ أَيْضًا، وَلَوْ نَوَّرَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ شِعْرِ السَّاقَيْنِ وَالْفَخِذَيْنِ جَازَ أَيْضًا، نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا اطَّلَى بَدَأَ

стр. 181

بِعَوْرَتِهِ فَطَلَاهَا بِالنُّورَةِ وَسَائِرَ جَسَدِهِ أَهْلُهُ»، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَفِيهِ مَقَالٌ لَكِنْ لَا يُنَوِّرُ عَوْرَتَهُ إِلَّا هُوَ أَوْ مَنْ يَحِلُّ لَهُ مَسُّهَا مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ أَمَةٍ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ النَّسَائِيُّ: " ضَرَبْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ نُورَةً وَنَوَّرْتُهُ بِهَا فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى عَانَتِهِ نَوَّرَهَا هُوَ " وَقَالَ نَافِعٌ: " كُنْتُ أَطْلِي ابْنَ عُمَرَ فَإِذَا بَلَغَ عَوْرَتَهُ نَوَّرَهَا هُوَ بِيَدِهِ " رَوَاهُ الْخَلَّالُ، وَتَرْكُ التَّنُّورِ أَفْضَلُ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: " هُوَ مِمَّا أَحْدَثُوا مِنَ النَّعِيمِ " وَأَمَّا قَصُّ الْأَظْفَارِ فَمِنَ السُّنَّةِ لِإِزَالَةِ فُحْشِهَا وَدَفْعِ مَا يَجْتَمِعُ تَحْتَهَا مِنْ وَسَخِ الْأَرْفَاغِ وَنَحْوِهَا، وَقَدْ ذَكَرَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: («مَا لِي لَا أَهِمُ وَرُفْغُ أَحَدِكُمْ بَيْنَ ظُفْرِهِ وَأُنْمُلَتِهِ») إِلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي الِاقْتِصَادُ فِي قَصِّهَا وَأَلَّا يَحِيفَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثٍ ذَكَرَهُ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: («أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَلَّا نُحْفِيَ مِنَ الْأَظْفَارِ فِي الْجِهَادِ») وَقَالَ عُمَرُ: " وَفِّرُوا الْأَظْفَارَ فِي أَرْضِ

стр. 182

الْعَدُوِّ فَإِنَّهُ سِلَاحٌ " قَالَ أَحْمَدُ: هُوَ يَحْتَاجُ إِلَيْهَا فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَحُلَّ الْحَبْلَ أَوِ الشَّيْءَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَظْفَارٌ لَمْ يَسْتَطِعْ، وَرَوَى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ بِإِسْنَادِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: («مَنْ قَصَّ أَظْفَارَهُ مُخَالِفًا لَمْ يَرَ فِي عَيْنَيْهِ رَمَدًا») وَفَسَّرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ ذَلِكَ بِأَنْ يَقُصَّ الْخِنْصَرَ مِنَ الْيُمْنَى ثُمَّ الْوُسْطَى ثُمَّ الْإِبْهَامَ ثُمَّ الْبِنْصِرَ ثُمَّ السَّبَّاحَةَ وَيَقُصَّ الْيُسْرَى الْإِبْهَامَ ثُمَّ الْوُسْطَى ثُمَّ الْخِنْصَرَ ثُمَّ السَّبَّاحَةَ ثُمَّ الْبِنْصِرَ، وَذَكَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ رَجَاءٍ فَسَّرَهُ كَذَلِكَ، وَجَاءَ فِيهِ لَوْنٌ آخَرُ ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى عَنْ وَكِيعٍ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : («يَا عَائِشَةُ إِذَا أَنْتِ قَلَّمْتِ أَظْفَارَكِ فَابْدَئِي بِالْوُسْطَى ثُمَّ الْخِنْصَرِ ثُمَّ الْإِبْهَامِ ثُمَّ الْبِنْصِرِ ثُمَّ السَّبَّابَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُورِثُ الْغِنَى») هَذِهِ الصِّفَةُ لَا تُخَالِفُ الْأُولَى إِلَّا فِي الِابْتِدَاءِ بِالْوُسْطَى قَبْلَ الْخِنْصَرِ، وَمَبْنَى ذَلِكَ عَلَى الِابْتِدَاءِ بِالْأَيْمَنِ فَالْأَيْمَنِ مِنْ كُلِّ يَدٍ مَعَ الْمُخَالَفَةِ، وَيُسْتَحَبُّ غَسْلُ رُءُوسِ الْأَنَامِلِ بَعْدَ قَصِّ الْأَظْفَارِ لِإِزَالَةِ مَا عَلَيْهَا مِنَ الْوَسَخِ؛ وَلِأَنَّهُ يُقَالُ: إِنَّ حَكَّ الْجَسَدِ بِهَا قَبْلَ الْغَسْلِ يَضُرُّهُ.

стр. 183

وَفِي حَدِيثِ الْفِطْرَةِ: غَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَالْبَرَاجِمُ الْعُقَدُ الَّتِي فِي ظُهُورِ الْأَصَابِعِ وَالرَّوَاجِبُ مَا بَيْنَهَا، وَمَعْنَاهُ غَسْلُ الْمَوَاضِعِ الَّتِي تَتَّسِخُ وَيَجْتَمِعُ فِيهَا الْوَسَخُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْخُذَ الظُّفْرَ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : " «كَانَ يَأْخُذُ أَظْفَارَهُ وَشَارِبَهُ فِي كُلِّ جُمْعَةٍ» " وَإِنْ تَرَكَهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ مَا لَمْ يُجَاوِزْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا؛ لِمَا رَوَى أَنَسٌ قَالَ: " «وَقَّتَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قَصِّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَنَتْفِ الْإِبِطِ وَحَلْقِ الْعَانَةِ أَلَّا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» " رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا الْبُخَارِيَّ. وَيُسْتَحَبُّ فِيمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَنْ يَكُونَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ بَطَّةَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: " مَنْ قَصَّ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الْجُمْعَةِ أُدْخِلَ فِي شِفَاءٍ وَأُخْرِجَ مِنْهُ دَاءٌ " وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ مَرْوَانَ فِي

стр. 184

حَدِيثٍ لَهُ: مَنْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الْجُمْعَةِ لَمْ يَمُتْ بِالْمَاءِ الْأَصْفَرِ " وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ " أَنَّهُ كَانَ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ وَيَقُصُّ شَارِبَهُ كُلَّ جُمْعَةٍ " وَذَكَرَ غَيْرُهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ، ثُمَّ قَالَ: («يَا عَلِيُّ، قَصُّ الظُّفُرِ وَنَتْفُ الْإِبِطِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَالْغُسْلُ وَاللِّبَاسُ وَالطِّيبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ»). وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : («يُصْبِحُ الْمُؤْمِنُ يَوْمَ الْجُمْعَةِ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَإِذَا صَلَّى حَلَّ فَإِذَا مَكَثَ فِي الْجَامِعِ حَتَّى يُصَلِّيَ الْعَصْرَ مَعَ إِمَامِهِ كَانَ كَمَنْ أَتَى بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى نَتَأَهَّبُ لِلْجُمْعَةِ؟ قَالَ: يَوْمَ الْخَمِيسِ») رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَيُسْتَحَبُّ دَفْنُ مَا أَزَالَ مِنْ شِعْرِهِ وَظُفْرِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ وَحَكَاهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.

стр. 185

لِمَا «رَوَتْ مِيلُ بِنْتُ مِشْرَحٍ الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهَا رَأَتْ أَبَاهَا مِشْرَحًا " يُقَلِّمُ أَظْفَارُهُ ثُمَّ يَجْمَعُهَا وَيَدْفِنُهَا وَيُخْبِرُ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ ذَلِكَ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وَالْخَلَّالُ وَابْنُ بَطَّةَ، وَرَوَى حَرْبٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: («ادْفِنُوا شُعُورَكُمْ وَأَظْفَارَكُمْ وَدِمَاءَكُمْ لَا تَلْعَبُ بِهَا سَحَرَةُ بَنِي آدَمَ») وَعَنْ عَائِشَةَ: " أَنَّهَا قَلَّمَتْ أَظْفَارَهَا فَدَفَنَتْهَا " وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ " أَنَّهُ حَلَقَ رَأْسَهُ فَأَمَرَ بِدَفْنِ شَعْرِهِ " وَرَوَى ابْنُ بَطَّةَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ قَالَ: («أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِدَفْنِ الدَّمِ وَالشَّعْرِ»). وَأَمَّا الْخِتَانُ فَوَاجِبٌ عَلَى الرِّجَالِ فِي الْمَنْصُوصِ الْمَعْرُوفِ مِنَ الذَّهَبِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، وَالْخِتَانُ مِنْ مِلَّتِهِ لِمَا

стр. 186

رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: («اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ بَعْدَ مَا أَتَتْ عَلَيْهِ ثَمَانُونَ سَنَةً وَاخْتَتَنَ بِالْقَدُومِ») مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَإِنْ قِيلَ: ضَمَّنَ مِلَّتَهُ سَائِرَ خِصَالِ الْفِطْرَةِ وَهِيَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَرَنَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا فِي نَسَقٍ وَاحِدٍ، قُلْنَا: إِزَالَةُ الشُّعُورِ وَالْأَظْفَارِ الْقَصْدُ بِهَا إِزَالَةُ مَا يَجْتَمِعُ بِسَبَبِهَا مِنَ الْعَرَقِ وَالْوَسَخِ وَالدَّرَنِ، وَإِزَالَةُ الْأَوْسَاخِ لَيْسَتْ وَاجِبَةً وَكَذَلِكَ مَا قُصِدَتْ بِهِ. وَأَمَّا قُلْفَةُ الذَّكَرِ فَالْمَقْصُودُ بِقَطْعِهَا التَّطْهِيرُ مِنَ النَّجَاسَةِ الَّتِي تَحْتَقِنُ فِيهَا، وَنَجَاسَةُ الْبَوْلِ تَجِبُ إِزَالَتُهَا وَعَامَّةُ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهَا، فَلِذَلِكَ وَجَبَ إِزَالَةُ مَا يُوجِبُ احْتِقَانَهَا وَاجْتِمَاعَهَا، يُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَقْطُوعَ هُنَا مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ، وَكَذَلِكَ يُحْشَرُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرْلًا، فَلَوْلَا أَنَّ إِزَالَتَهَا مِنَ الْوَاجِبَاتِ لَمَا تَكَلَّفَ قَطْعَهُ بِخِلَافِ الشَّعْرِ وَالظُّفُرِ؛ وَلِأَنَّ الْبَوْلَ الْمُحْتَقِنَ فِي الْقُلْفَةِ نَجَاسَةٌ شُرِعَ زَوَالُهَا، فَكَانَ وَاجِبًا كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ. وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " الْأَقْلَفُ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ لَهُ صَلَاةً وَلَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ " وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَفِيهَا رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: أَنَّ خَفْضَهَا

стр. 187

وَاجِبٌ كَالرَّجُلِ، وَالثَّانِيَةُ: لَاَ يَجِبُ؛ لِأَنَّ تَرْكَ خِتَانِ الرَّجُلِ مَظِنَّةُ احْتِقَانِ النَّجَاسَةِ بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: («الْخِتَانُ سُنَّةٌ لِلرَّجُلِ مَكْرُمَةٌ لِلنِّسَاءِ») رَوَاهُ أَحْمَدُ يَعْنِي بِالسُّنَّةِ الطَّرِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ، وَإِنَّمَا يَجِبُ إِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ سَلَامَةُ الْمَخْتُونِ، فَأَمَّا إِنْ خُشِيَ عَلَيْهِ لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بَلْ يُمْنَعُ مِنْهُ. وَإِنَّمَا يَجِبُ الْخِتَانُ إِذَا وَجَبَتِ الطَّهَارَةُ وَالصَّلَاةُ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا شُرِّعَ لِذَلِكَ، وَالْخِتَانُ قَبْلَ ذَلِكَ أَفْضَلُ، وَهُوَ قَبْلَ التَّمْيِيزِ أَفْضَلُ مِنْ بَعْدِهِ فِي الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ وَطُهْرَةٌ فَتَقْدِيمُهَا أَحْرَزُ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَخْلِيصًا مِنْ مَسِّ الْعَوْرَةِ وَنَظَرِهَا، فَإِنَّ عَوْرَةَ الصَّغِيرِ لَا حُكْمَ لَهَا؛ وَلِذَلِكَ يَجُوزُ مَسُّهَا وَتَقْبِيلُهَا كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ («يُقَبِّلُ زَبِيبَةَ الْحَسَنِ») وَقِيلَ: التَّأْخِيرُ إِلَى سِنِّ التَّمْيِيزِ أَوْلَى؛ لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِثْلُ مَنْ أَنْتَ حِينَ قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ ؟ قَالَ " أَنَا يَوْمَئِذٍ مَخْتُونٌ، قَالَ: وَكَانُوا لَا يَخْتِنُونَ الرَّجُلَ حَتَّى يُدْرِكَ " يَعْنِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ حَتَّى يُقَارِبَ الْإِدْرَاكَ مِثْلَ تَرَاهَقَ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ

стр. 188

" تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ مَخْتُونٌ ". وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ تَخْتَتِنَ الْجَارِيَةُ قَبْلَ سَبْعِ سِنِينَ، وَلَا يُكْرَهُ بَعْدَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ، وَقَبْلَهَا فِيهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: يُكْرَهُ لِأَنَّهُ فِعْلُ الْيَهُودِ، فَكُرِهَ التَّشَبُّهُ بِهِمْ، وَالْأُخْرَى: لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ نَهْيٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّ فَاطِمَةَ كَانْتَ " تَخْتِنُ وَلَدَهَا يَوْمَ السَّابِعِ " وَرُوِيَ عَنْ مَكْحُولٍ وَغَيْرِهِ " أَنَّ إِبْرَاهِيمَ خَتَنَ ابْنَهُ إِسْمَاعِيلَ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً وَخَتَنَ ابْنَهُ إِسْحَاقَ لِسَبْعَةِ أَيَّامٍ ". وَيُؤْخَذُ فِي خِتَانِ الرَّجُلِ جِلْدَةُ الْحَشَفَةِ وَإِنْ أُخِذَ أَكْثَرُهَا جَازَ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَيُسْتَحَبُّ أَلَّا يَجْتَذَّ خَافِضُهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لِخَتَّانَةٍ: " أَبْقِي مِنْهُ شَيْئًا إِذَا خَفَضْتِ " وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى

стр. 189

اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ («أَمَرَ خَتَّانَةً تَخْتِنُ فَقَالَ: إِذَا خَتَنْتِ فَلَا تُنْهِكِي فَإِنَّ ذَلِكَ أَحْظَى لِلْمَرْأَةِ وَأَحَبُّ لِلْبَعْلِ») رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَقَالَتْ مَيْمُونَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ لِخَتَّانَةٍ: " إِذَا خَفَضْتِ فَأَشِمِّي وَلَا تُنْهِكِي فَإِنَّهُ أَسْرَعُ لِلزَّوْجِ وَأَحْظَى لَهَا عِنْدَ زَوْجِهَا " رَوَاهُ حَرْبٌ فِي مَسَائِلِهِ.

стр. 190

[بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ] [ مَسْأَلَةٌ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا] مَسْأَلَةٌ: " يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا مِنَ الْجَوَارِبِ الصَّفِيقَةِ الَّتِي تَثْبُتُ فِي الْقَدَمَيْنِ وَالْجَرَامِيقِ الَّتِي تُجَاوِزُ الْكَعْبَيْنِ فِي الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى يَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ وَثَلَاثًا لِلْمُسَافِرِ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : («يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ وَالْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً») ". هَذَا الْكَلَامُ فِيهِ فُصُولٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ جَائِزٌ فِي الْوُضُوءِ لِلسُّنَّةِ الْمُسْتَفِيضَةِ الْمُتَلَقَّاةِ بِالْقَبُولِ، وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] بِالنَّصْبِ خِطَابٌ لِمَنْ رِجْلُهُ فِي غَيْرِ الْخُفَّيْنِ الْمَشْرُوطَيْنِ، وَقِرَاءَةُ الْخَفْضِ خِطَابٌ لِلَابِسِي الْخِفَافِ أَوْ يَكُونُ الْمَسْحُ عَلَى كِلْتَا الْقِرَاءَتَيْنِ يَجْمَعُ الْمَسْحَ عَلَى الرِّجْلِ مَعَ الْحَائِلِ وَعَدَمِهِ، أَوْ تَكُونُ كِلْتَا الْقِرَاءَتَيْنِ فِي غَيْرِ اللَّابِسِينَ، وَعُلِمَ ذَلِكَ كُلُّهُ بِالسُّنَّةِ، وَهِيَ مَا رُوِيَ عَنْ جَرِيرٍ أَنَّهُ «بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ فَقِيلَ لَهُ: تَفْعَلُ هَذَا؟ قَالَ: " نَعَمْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ» " قَالَ إِبْرَاهِيمُ: فَكَانَ يُعْجِبُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ؛ لِأَنَّ إِسْلَامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ " رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.

стр. 191

وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ قَالَ: «مَا أَسْلَمْتُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ نَزَلَتِ الْمَائِدَةُ وَأَنَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ بَعْدَ مَا أَسْلَمْتُ». قَالَ أَحْمَدُ: " سَبْعَةٌ وَثَلَاثُونَ نَفْسًا يَرْوُونَ الْمَسْحَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَيَرْوُونَ عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَبْعُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ".

стр. 192

الْفَصْلٌ الثَّانِي إِنَّهُ جَائِزٌ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَعَلَى كُلِّ مَا أَشْبَهَهُمَا مِنَ الْجَوَارِبِ وَالْجَرَامِيقِ سَوَاءٌ لُبِسَ ذَلِكَ عَلَى مَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى مَا لَا يُمْسَحُ عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَسْتُرَ مَحَلَّ الْغَرَضِ وَهُوَ الْقَدَمُ إِلَى مَا فَوْقَ الْكَعْبَيْنِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَثْبُتَ فِي الْقَدَمِ بِنَفْسِهِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يُمْكِنَ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ. لِمَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ عَنْ بِلَالٍ " «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَوَضَّأُ وَيَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ وَمُوقَيْهِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْمُوقُ " الَّذِي يُلْبَسُ فَوْقَ الْخُفِّ، فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ " وَالْمُوقُ إِنَّمَا يُلْبَسُ غَالِبًا فَوْقَ الْخُفِّ، وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ " «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَلِأَنَّ مَا يُلْبَسُ فِي الرِّجْلِ إِذَا كَانَ الْمَحَلُّ الْفَرْضُ يُمْشَى فِيهِ عَادَةً فَقَدْ شَارَكَ الْخُفَّ فِي الْمَعْنَى الَّذِي أُبِيحَ لَهُ الْمَسْحُ فَيُشَارِكُهُ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُقْطَعُ بِهِ الْمَنَازِلُ وَالْقِفَارُ أَوْ لَا، وَلِهَذَا يُمْسَحُ عَلَى الْخُفِّ مِنْ جِلْدٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ

стр. 193

نَعْلٌ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَشْيَ فِيهِ عَادَةً هُوَ مَظِنَّةُ الْحَاجَةِ إِلَى لُبْسِهِ وَسَتْرِهِ لِمَحَلِّ الْغَرَضِ لِيَنْتَقِلَ الْغَرَضُ إِلَيْهِ، فَإِذَا حَصَلَا تَعَيَّنَ جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَيْهِ. وَلِذَلِكَ كَانَ الْمَسْحُ عَلَى ذَلِكَ مُنْتَشِرًا فِي الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ مُخَالِفٍ، قَالَ أَحْمَدُ: " يُذْكَرُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ عَنْ سَبْعَةٍ أَوْ ثَمَانِيَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ " وَجَوْرَبُ الْخِرَقِ كَجَوْرَبِ الصُّوفِ إِذَا كَانَ صَفِيقًا حَيْثُ يُمْشَى فِي مِثْلِهِ عَادَةً، وَإِنْ كَانَ رَقِيقًا يَتَخَرَّقُ فِي الْيَوْمَيْنِ أَوِ الثَّلَاثَةِ أَوْ لَا يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ لَمْ يُمْسَحْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ فِي مِثْلِهِ لَا يُمْشَى فِيهِ عَادَةً وَلَا يُحْتَاجُ إِلَى الْمَسْحِ عَلَيْهِ. وَإِذَا ثَبَتَ الْجَوْرَبَانِ بِنَعْلَيْنِ يُمْسَحُ عَلَيْهِمَا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ، وَقَالَ أَحْمَدُ: يُذْكَرُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَيُمْسَحُ عَلَى الْجَوْرَبِ وَعَلَى سُيُورِ النَّعْلِ الَّتِي عَلَى ظَاهِرِ الْقَدَمِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ، وَلَا يُمْسَحُ أَسْفَلُهُ وَعَقِبُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلِّ الْمَسْحِّ فِي

стр. 194

الْخُفِّ، فَإِنْ مَسَحَ الْجَوْرَبَ وَحْدَهُ أَوِ النَّعْلَ وَحْدَهُ، فَقِيلَ: لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ إِنَّمَا جَاءَتْ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ خَاصَّةً، وَقِيلَ: يُجْزِئُ؛ لِأَنَّهُمَا أُجْرِيَا مَجْرَى جَوْرَبٍ مُنَعَّلٍ. فَأَمَّا الشَّرْطُ الْأَوَّلُ فَيُفِيدُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ الْمُخَرَّقِ أَوِ الْوَاسِعِ الَّذِي يُرَى مِنْهُ بَعْضُ الْقَدَمِ أَوِ الْخَفِيفِ الَّذِي يَصِفُ الْقَدَمَ أَوِ الْقَصِيرِ الَّذِي هُوَ دُونَ الْكَعْبَيْنِ؛ لِأَنَّ الرِّجْلَ مَتَى بَدَتْ هِيَ أَوْ بَعْضُهَا كَانَ الظَّاهِرُ (مِنْهَا حُكْمُهُ) الْغَسْلُ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْمَسْحِ وَالْغَسْلِ لَا يَجُوزُ فَيَتَعَيَّنُ غَسْلُ الْجَمِيعِ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إِنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْمَخْرُوقِ الَّذِي يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ " جَائِزٌ "؛ لِأَنَّ خِفَافَ الْقَوْمِ لَمْ تَكُنْ تَخْلُو مِنْ مِثْلِ هَذَا، وَلَمْ تُقَيَّدِ الرُّخْصَةُ بِالسَّاتِرِ دُونَ غَيْرِهِ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ فِيهِ خَرْقٌ يَنْضَمُّ عَلَى الرِّجْلِ، وَلَا تَبْدُو مِنْهُ الْقَدَمُ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْقَدَمَ مَسْتُورٌ بِالْخُفِّ. وَأَمَّا إِنْ لَمْ يَثْبُتْ وَمَا فِي مَعْنَاهُ بِنَفْسِهِ إِمَّا لِسَعَةٍ فِيهِ أَوْ شَرَجٍ فَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يُجْزِئُهُ مَسْحُهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ شَدَّهُ أَوْ شَرَّجَهُ لِأَنَّهُ كَاللِّفَافَةِ. قَالَ أَحْمَدُ " فِي الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ بِغَيْرِ نَعْلٍ: إِذَا كَانَ يَمْشِي عَلَيْهِمَا وَيَثْبُتَانِ فِي رَجْلِهِ فَلَا بَأْسَ ". وَقَالَ أَيْضًا: " إِذَا كَانَ يَمْشِي فِيهِ فَلَا يَنْثَنِي فَلَا بَأْسَ بِالْمَسْحِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ إِذَا انْثَنَى ظَهَرَ مَوْضِعُ الْوُضُوءِ ".

стр. 195

قَالُوا: هَذَا كَانَ الْقِيَاسَ فِي الْجَوْرَبَيْنِ مَعَ النَّعْلَيْنِ لَكِنْ خَالَفْنَاهُ لِلْخَبَرِ؛ وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَى لُبْسِ الْجَوْرَبَيْنِ كَذَلِكَ بِخِلَافِ مَا لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِشَدِّهِ، فَإِنَّهُ لَا يُلْبَسُ غَالِبًا (إِلَّا بِشَدِّهِ) وَقَدْ خَرَّجَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَجْهًا فِي اللِّفَافَةِ أَنَّهُ يَمْسَحُ عَلَيْهَا إِذَا وَجَدَ مَشَقَّةً بِنَزْعِهَا فَالْخُفُّ وَالْجَوْرَبُ الَّذِي يَثْبُتُ بِالشَّدِّ أَوْلَى، وَهَذَا قِيَاسُ الْجَوْرَبَيْنِ إِذَا ثَبَتَا بِنَعْلَيْنِ فَإِنْ ثَبَتَ بِنَفْسِهِ لَكِنْ بِشَدِّهِ أَوْ شَرْجِهِ سَتْرُ الْقَدَمِ مَسَحَ عَلَيْهِ فِي أَقْوَى الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ كَالسَّاتِرِ بِنَفْسِهِ، وَمَشَقَّةُ خَلْعِهِ أَظْهَرُ، وَفِي الْآخَرِ لَا يُجْزِئُهُ اخْتَارَهُ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ؛ لِأَنَّهُ كَمَا لَمْ يَكْفِ ثُبُوتُهُ بِالشَّدِّ وَالشَّرْجِ فَكَذَلِكَ سَتْرُهُ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ السَّتْرَ لَيْسَ هُوَ مَقْصُودَ اللُّبْسِ، وَإِنَّمَا اعْتَبَرْنَاهُ؛ لِئَلَّا يَجِبَ غَسْلُ الْبَادِي بِخِلَافِ ثُبُوتِهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ سَتَرَ الْقَدَمَ بِانْضِمَامِ بَعْضِهِ إِلَى بَعْضٍ لَجَازَ الْمَسْحُ عَلَى الْمَنْصُوصِ فَهَذَا أَوْلَى، وَسَوَاءٌ كَانَ الْخُفُّ مِنْ جُلُودٍ أَوْ لُبُودٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ زُجَاجٍ فِي أَشْهَرِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي مَلْبُوسٍ مُعْتَادٍ كَمَا لَمْ يَجُزْ فِي اللَّفَائِفِ فَلَا يَجُوزُ فِي الْخَشَبِ وَالزُّجَاجِ وَالصُّفْرِ وَالنُّحَاسِ، وَأَمَّا مَا لَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ إِمَّا لِضِيقِهِ أَوْ ثِقَلِهِ أَوْ تَكَسُّرِهِ بِالْمَشْيِ أَوْ تَعَذُّرِهِ كَرَقِيقِ الْخَرَقِ أَوِ اللُّبُودِ لَمْ يَجُزْ مَسْحُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ. وَأَمَّا الْخُفُّ الْمُحَرَّمُ كَالْحَرِيرِ وَالْمَغْصُوبِ فَقِيلَ: هُوَ عَلَى رِوَايَتَيِ الصَّلَاةِ فِي

стр. 196

الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُ قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ رُخْصَةٌ فَلَا يُسْتَبَاحُ بِمَعْصِيَةٍ كَالْقَصْرِ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ، وَصَلَاةِ الْخَوْفِ فِي الْقِتَالِ الْمُحَرَّمِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذَا فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَغْصُوبِ وَلَوْ لَبِسَ جِلْدًا نَجِسًا لِحَاجَةٍ كَبِلَادِ الثَّلْجِ الَّتِي يَخْشَى فِيهَا مِنْ سُقُوطِ أَصَابِعِهِ بِخَلْعِهِ أَجْزَأَهُ مَسْحُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ، وَإِنْ تَنَجَّسَ الْمَاءُ بِالْمُلَاقَاةِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ كَمَا لَا يَمْنَعُ تَنَجُّسُهُ عَلَى بَدَنِ الْجُنُبِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَلَا يُجْزِئُهُ فِي الْآخَرِ، وَهُوَ أَقْوَى؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِخَلْعِهِ فِي الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ لُبْسُهُ هُنَا لِلضَّرُورَةِ فَأَشْبَهَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ خَلْعَ الْخُفِّ الطَّاهِرِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، فَإِنَّ هَذِهِ حَالَةٌ نَادِرَةٌ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ فَرْضِهِ الْغَسْلَ، وَقَدْ عَجَزَ عَنْهُ لِقُرُوحٍ أَوْ بَرْدٍ فَيَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي وَلَوْ كَانَ بِقَدَمِهِ أَوْ بِبَاطِنِ خُفِّهِ نَجَاسَةٌ لَا تُزَالُ إِلَّا بِنَزْعِهِ فَقَدْ قِيلَ هُوَ كَالْوُضُوءِ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تُمْكِنُ مَعَ هَذِهِ الطَّهَارَةِ غَالِبًا إِلَّا بِنَقْضِهَا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَصِحُّ لِطَهَارَتِهِ، وَيَسْتَفِيدُ بِذَلِكَ مَسَّ الْمُصْحَفِ وَالصَّلَاةَ إِنْ عَجَزَ عَنْ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ كَمَا لَوْ تَوَضَّأَ وَعَلَى فَرْجِهِ نَجَاسَةٌ مِنْ غَيْرِهِ بِخِلَافِ النَّجَاسَةِ الْخَارِجَةِ، فَإِنَّهَا لَمَّا أَوْجَبَتْ طَهَارَتَيْنِ جُعِلَتْ إِحْدَاهُمَا تَابِعَةً لِلْأُخْرَى. وَمَنْ كَانَ لَابِسًا خُفًّا فَالْمَسْحُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ مِنْ أَنْ يَخْلَعَهُ وَيَغْسِلَ فِي أَقْوَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّ هَذَا كَانَ عَادَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ خَلَعَ وَغَسَلَ؛ وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ رَدًّا لِلرُّخْصَةِ وَتَشَبُّهًا لِأَهْلِ الْبِدَعِ فَيَكُونُ مَفْضُولًا. وَالثَّانِيَةُ: الْمَسْحُ وَالْغَسْلُ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ، وَأَمَّا

стр. 197

مَنْ لَا خُفَّ عَلَيْهِ فَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَلْبَسَهُ لِقَصْدِ الْمَسْحِ، كَمَا لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ لِأَنْ يَقْصُرَ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْمَسْحَ إِنَّمَا يَجُوزُ فِي الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى دُونَ الْكُبْرَى، لِمَا رَوَى صَفْوَانُ بْنُ عَسَّالٍ الْمُرَادِيُّ قَالَ: " «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كُنَّا سَفَرًا - أَوْ مُسَافِرِينَ - أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَلِأَنَّ الطَّهَارَةَ الْكُبْرَى يَجِبُ فِيهَا غَسْلُ مَا يُمْكِنُ غَسْلُهُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ وَإِنْ كَانَ مَسْتُورًا بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ كَبَاطِنِ شَعْرِ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ فَمَا هُوَ مَسْتُورٌ بِغَيْرِ الْخِلْقَةِ أَوْلَى، بِخِلَافِ الْوُضُوءِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ فِيهِ غَسْلُ مَا اسْتَتَرَ بِنَفْسِ الْخِلْقَةِ فَجَازَ أَنْ يُشَبَّهَ بِهِ الْخُفُّ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْوُضُوءَ يَتَكَرَّرُ بِخِلَافِ الْغُسْلِ؛ وَلِأَنَّ الْغُسْلَ يُشَبَّهُ بِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ مِنْ حَيْثُ لَا يَتَعَدَّى حُكْمُهُ مَحَلَّهُ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ. وَلِأَنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً، فَيَحْتَاجُ إِلَى بَلِّ الشَّعْرِ وَإِنْقَاءِ الْبَشَرِ. الرَّابِعُ: أَنَّ الْمُقِيمَ يَمْسَحُ يَوْمًا وَلَيْلَةً والْمُسَافِرَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ، فَإِذَا مَضَتِ الْمُدَّةُ بَطَلَ حُكْمُ الطَّهَارَةِ وَيَحْتَاجُ إِلَى لُبْسٍ ثَانٍ عَلَى طَهَارَةِ غُسْلٍ إِنْ أَحَبَّ الْمَسْحَ ثَانِيًا وَهَلُمَّ جَرَّا؛ سَوَاءٌ كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، أَوْ دَارِ الْإِسْلَامِ وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ حَالُ شِدَّةِ الْبَرْدِ وَغَيْرِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ صَفْوَانَ.

стр. 198

وَعَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ قَالَ: «سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَتْ: سَلْ عَلِيًّا فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنِّي كَانَ يُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ وَلِلْمُقِيمِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ») رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. وَعَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ عَنِ «النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَ: " لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ وَلِلْمُقِيمِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالسَّفَرُ الْمُعْتَبَرُ لِلْمُدَّةِ هُوَ السَّفَرُ الْمُبِيحُ لِلْقَصْرِ فِي قَدْرِهِ وَإِبَاحَتِهِ. فَإِنْ كَانَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ أَوْ كَانَ مُحَرَّمًا مَسَحَ كَالْمُقِيمِ، جَعْلًا لِوُجُودِ هَذَا السَّفَرِ كَعَدَمِهِ، وَقِيلَ فِي السَّفَرِ الْمُحَرَّمِ لَا يَمْسَحُ أَصْلًا عُقُوبَةً لَهُ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ فِي الْأَصْلِ رُخْصَةٌ فَلَا يُعَانُ بِهِ عَلَى سَفَرِهِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، فَإِنَّ الرُّخَصَ الَّتِي لَا تَخْتَصُّ السَّفَرَ يَجُوزُ لِلْعَاصِي بِسَفَرٍ فِعْلُهَا كَالْفِطْرِ فِي الْمَرَضِ، وَالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ لَهُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَأَوَّلُ الْمُدَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ مِنْ وَقْتِ الْحَدَثِ بَعْدَ أَنْ يَلْبَسَ الْخُفَّ إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ فِي أَشْهَرَ الرِّوَايَتَيْنِ وَفِي الْأُخْرَى مِنْ حِينِ الْمَسْحِ بَعْدَ الْحَدَثِ إِلَي مِثْلِهِ؛ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ: يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ فَلَوْ كَانَ أَوَّلُهُ الْحَدَثَ لَكَانَ

стр. 199

الْمَسْحُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ وَقَدْ لَا يُمْسَحُ أَصْلًا إِذَا عَدِمَ الْمَاءَ بَعْدَ الْحَدَثِ ثَلَاثًا، وَقَالَ عُمَرُ: " امْسَحْ إِلَى مِثْلِ سَاعَتِكَ الَّتِي مَسَحْتَ فِيهَا " رَوَاهُ الْخَلَّالُ. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ أَمَرَ فِي حَدِيثِ صَفْوَانَ أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ مِنَ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ وَالنُّوْمِ، فَمَفْهُومُهُ إِنَّمَا يُنْزَعُ لِثَلَاثٍ يَضْمَنُهُنَّ مِنَ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ وَالنَّوْمِ وَلِأَنَّ مَا بَعْدَ الْحَدَثِ وَقْتٌ يُبَاحُ فِيهِ الْمَسْحُ فَكَانَ مِنَ الْمُدَّةِ كَمَا بَعْدَ الْحَدَثِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ. وَهَذَا لِأَنَّ وَقْتَ الْعِبَادَةِ مَا جَازَ فِيهِ فِعْلُهَا إِلَّا مَا وَقَعَ فِعْلُهَا كَالصَّلَاةِ وَالْأُضْحِيَّةِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ ثَلَاثًا أَيْ لَا يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ ثَلَاثًا بِدَلِيلِ مَا بَعْدَ الْحَدَثِ الثَّانِي فَإِنَّهُ مِنَ الْمُدَّةِ، وَقَدْ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الْمَسْحِ، أَوْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْغَالِبَ وُقُوعُ الْمَسْحِ عَقِيبَ الْحَدَثِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ عُمَرَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [مَسْأَلَةٌ متى تبطل طهارة المسح على الخفين] مَسْأَلَةٌ: " وَمَتَى مَسَحَ ثُمَّ انْقَضَتِ الْمُدَّةُ أَوْ خَلَعَ قَبْلَهَا بَطَلَتْ طَهَارَتُهُ " لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ إِذَا انْقَضَتِ الْمُدَّةُ الْمُعْتَبَرَةُ " أَوْ خَلَعَ " قَبْلَهَا بَطَلَ حُكْمُ الْمَسْحِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ؛ سَوَاءٌ نَزَعَ خُفَّيْهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ أَوْ لَمْ يَنْزِعْهُمَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْحَالَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبْتَدِئَ طَهَارَةَ الْمَسْحِ فِيهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا أَذِنَ فِي الْمَسْحِ ثَلَاثًا لِمَنْ لَيْسَ عَلَى طَهَارَةِ غُسْلٍ، وَأَمَرَ بِالْخَلْعِ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ فَمَتَى انْقَضَتِ الْمُدَّةُ خَلَعَ الْخُفَّ، فَإِنَّهُ شَرْطُ الْمَسْحِ، وَكُلُّ حَالٍ لَا يَجُوزُ فِيهَا ابْتِدَاءُ الطَّهَارَةِ لَا يَجُوزُ فِيهَا اسْتِدَامَتُهَا كَالتَّيَمُّمِ بَعْدَ رُؤْيَةِ الْمَاءِ، وَهَذَا لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الطَّهَارَةِ خُصُوصًا أَقْوَى مِنَ اسْتِدَامَتِهَا؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ وَذَاكَ حُكْمٌ، وَلِهَذَا يَجُوزُ ابْتِدَاؤُهَا مَعَ قِيَامِ الْحَدَثِ وَطَهَارَةِ

стр. 200

الْمُتَيَمِّمِ وَالْمُسْتَحَاضَةِ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ وَلَا يَجُوزُ اسْتِدَامَتُهَا، فَإِذَا كَانَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ وَخَلْعِ الْخُفِّ يَمْتَنِعُ ابْتِدَاءُ طَهَارَةِ الْمَسْحِ، فَكَذَلِكَ يَمْتَنِعُ اسْتِدَامَتُهَا، وَيُفَارِقُ هَذَا إِذَا أَزَالَ شَعْرَهُ أَوْ ظُفْرَهُ أَنَّ طَهَارَتَهَا بِحَالِهَا؛ لِأَنَّ مَا تَحْتَ الشَّعْرِ وَالظُّفُرِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ الْحَدَثُ الْأَصْلِيُّ قَبْلَ ظُهُورِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ طَهَارَتُهُ وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ بِهِ الْحَدَثُ الْأَصْلِيُّ قَبْلَ ظُهُورِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ طَهَارَتُهُ وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ بِهِ الْحَدَثُ التَّابِعُ كَغَيْرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، فَإِذَا زَالَ الْحَدَثُ عَنْ مَحَلِّ الْوُضُوءِ زَالَ عَنْهُ تَبَعًا فَلَا يَعُودُ إِلَيْهِ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهَا، وَالرِّجْلُ تَعَلَّقَ بِهَا الْحَدَثُ الْأَصْلِيُّ بِدَلِيلِ أَنَّهَا تُشْرَعُ طَهَارَتُهَا فَلَوْ غَسَلَهَا فِي الْخُفِّ أَجْزَأَ؛ وَلِهَذَا يَتَعَدَّى حُكْمُ الْحَدَثِ فِي إِحْدَى الرِّجْلَيْنِ إِلَى الْأُخْرَى، وَلَا يَتَعَدَّى مَوْضِعَ الشَّعْرِ وَالظُّفُرِ إِلَى غَيْرِهِ، فَإِذَا زَالَ عَنْهَا بِشَرْطٍ عَادَ إِلَيْهَا بِفَوَاتِهِ، وَتَبْطُلُ الطَّهَارَةُ بِذَلِكَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ كَمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ، فَإِذَا أَرَادَ عَوْدَهَا احْتَاجَ إِلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ، وَفِي الْأُخْرَى تَبْطُلُ طَهَارَةُ الرِّجْلَيْنِ خَاصَّةً فَيَكْفِيهِ غَسْلُهُمَا؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ وَاللُّبْسَ إِنَّمَا هُوَ مُعْتَبَرٌ فِيهِمَا خَاصَّةً، فَإِذَا زَالَ كَانَتَا كَرِجْلَيْنِ لَمْ تُغْسَلَا فَيَكْفِي غَسْلُهُمَا خَاصَّةً، وَهَذَا بِمَثَابَةِ مَنْ تَوَضَّأَ إِلَّا غَسْلَ رِجْلَيْهِ فَانْقَلَبَ الْمَاءُ فَيَتَيَمَّمَ لَهُمَا فَلَوْ وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَسِيرٍ أَوْ بِكَثِيرٍ وَقُلْنَا: الْمُوَالَاةُ لَيْسَتْ شَرْطًا كَفَاهُ غَسْلُ رِجْلَيْهِ، وَبَنَوْا هَذَا عَلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ تَتَبَعَّضُ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ تَفْرِيقُهَا كَالْغُسْلِ، فَأَمَّا أَنْ نَقُولَ: إِنَّ الْحَدَثَ لَمْ يَرْتَفِعْ عَنِ الرِّجْلِ خَاصَّةً فَيَغْسِلُ بِحُكْمِ الْحَدَثِ السَّابِقِ أَوْ نَقُولُ: ارْتَفَعَ عَنْهَا وَعَادَ إِلَيْهَا خَاصَّةً، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ مَا أَبْطَلَ طَهَارَةَ عُضْوٍ أَبْطَلَ طَهَارَةَ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ، كَسَائِرِ النَّوَاقِضِ؛ ثُمَّ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ بَنَى هَذَا عَلَى أَنَّ الْمُوَالَاةَ وَاجِبَةٌ فَإِذَا تَأَخَّرَ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ لَمْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ كَانَتَا طَاهِرَتَيْنِ، وَالْتَزَمُوا عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْخَلْعُ وَانْقِضَاءُ الْمُدَّةِ عَقِيبَ الْمَسْحِ كَفَى غَسْلُ رِجْلَيْهِ وَبَنَوْا هَذَا عَلَى أَنَّ طَهَارَةَ الْمَسْحِ لَا تَرْفَعُ حَدَثَ الرِّجْلِ وَإِنَّمَا تُبِيحُ الصَّلَاةَ بِهَا؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ مُؤَقَّتَةٌ فَلَمْ يَرْتَفِعِ الْحَدَثُ كَالتَّيَمُّمِ وَطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ فَإِذَا طَهُرَتِ الرِّجْلُ وَانْقَضَتِ الْمُدَّةُ طَهُرَ حُكْمُ

стр. 201

السَّابِقِ، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ الْوُضُوءِ سَوَاءٌ طَالَ الْفَصْلُ أَوْ قَصُرَ بِنَاءً عَلَى شَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَسْحَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ رَفْعًا مُؤَقَّتًا؛ لِأَنَّ رَفْعَ الْحَدَثِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى غَسْلِ رِجْلَيْهِ بِخِلَافِ الْمُتَيَمِّمِ وَالْمُسْتَحَاضَةِ فَإِنَّهُمَا عَاجِزَانِ عَنْ رَفْعِ الْحَدَثِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا ارْتَفَعَ ثُمَّ عَادَ إِلَى الرِّجْلِ سَرَى إِلَى بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ لَا يَتَبَعَّضُ، فَلَا يَرْتَفِعُ عَنْ عُضْوٍ حَتَّى يَرْتَفِعَ عَنِ الْجَمِيعِ. بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُسْتَفَادُ بِبَعْضِهِ فَائِدَةٌ أَصْلًا، وَأَنَّ حُكْمَهُ يَتَعَدَّى مَحَلَّهُ؛ وَذَلِكَ مُعَلَّقٌ عَلَى طَهَارَةِ جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُبْنَى عَلَى أَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَرْفَعْ لَكِنَّ الْإِبَاحَةَ لَا تَتَعَلَّقُ بِبَعْضِ الْأَعْضَاءِ دُونَ بَعْضٍ فَمَتَى اسْتَبَاحَ الصَّلَاةَ بِمَسْحِ الرِّجْلِ، ثُمَّ زَالَتِ الْإِبَاحَةُ عَنْهَا زَالَتْ عَنْ جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ، وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا مَتَى تَيَمَّمَ لِرِجْلَيْهِ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ عَقِيبَ ذَلِكَ أَنَّهُ يُعِيدُ الْوُضُوءَ، وَخَلْعُ أَحَدِ الْخُفَّيْنِ كَخَلْعِهِمَا فَيُوجِبُ عَلَيْهِ غَسْلَهُمَا أَوْ جَمِيعُ الطَّهَارَةِ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ، كَمَا لَوْ ظَهَرَ بَعْضُ الْقَدَمِ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَخْرَجَ الْقَدَمَ أَوْ بَعْضَهُ إِلَى سَاقِ الْخُفِّ خُرُوجًا لَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ مَعَهُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي الْأُخْرَى إِنْ جَاوَزَ الْعَقِبُ مَوْضِعَ الْغَسْلِ فَهُوَ كَنَزْعِهِ وَإِنْ كَانَ دُونَهُ لَمْ يُؤَثِّرْ؛ لِأَنَّهُ يَسِيرٌ، وَالْأُولَى أَقْوَى لِأَنَّ اسْتِقْرَارَ الْقَدَمِ هُوَ الشَّرْطُ فِي جَوَازِ الْمَسْحِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ أَحْدَثَ قَبْلَ اسْتِقْرَارِهَا فَإِنَّهُ لَا يَمْسَحُ، وَمَا كَانَ شَرْطًا فِي ابْتِدَاءِ الطَّهَارَةِ كَانَ شَرْطًا فِي بَقَاءِ حُكْمِهَا كَمَا تَقَدَّمَ.

стр. 202

[مَسْأَلَةٌ مدة المسح لمن مسح مسافرا ثم أقام أو مسح مقيما ثم سافر] مَسْأَلَةٌ " وَمَنْ مَسَحَ مُسَافِرًا ثُمَّ أَقَامَ أَوْ مُقِيمًا ثُمَّ سَافَرَ أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ " أَمَّا إِذَا مَسَحَ بَعْضَ الْمُدَّةِ وَهُوَ مُسَافِرٌ ثُمَّ أَقَامَ أَتَمَّ عَلَى مَسْحِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ مَسَحَهُمَا قَبْلَ إِقَامَتِهِ فَيَخْلَعُ، وَهَذَا بِلَا تَرَدُّدٍ، وَأَمَّا إِذَا مَسَحَ بَعْضَ الْمُدَّةِ مُقِيمًا ثُمَّ سَافَرَ فَفِيهَا رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا: يُتِمُّ مَسْحَ مُسَافِرٍ اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ أَبُو بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ سَافَرَ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَحْدَثَ، وَلَوْ لَمْ يَمْسَحْ حَتَّى سَافَرَ فَإِنَّهُ يَمْسَحُ تَمَامَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ وَإِنْ كَانَ ابْتَدَأَهُنَّ مِنْ حِينِ الْحَدَثِ الْمَوْجُودِ فِي الْحَضَرِ؛ وَلِأَنَّ الْمَسْحَاتِ عِبَادَاتٌ لَا يَرْتَبِطُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، وَلَا يَفْسُدُ أَوَّلُهَا بِفَسَادِ آخِرِهَا، فَاعْتُبِرَ كُلُّ مَسْحٍ بِالْحَالِ الْحَاضِرَةِ كَالصَّلَوَاتِ وَالصِّيَامِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ الْوَاحِدَةِ، وَالْأُخْرَى يُتِمُّ مَسْحَ مُقِيمٍ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ وَالْقَاضِي وَأَكْثَرِ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ عِبَادَةٌ يَخْتَلِفُ قَدْرُهَا بِالْحَضَرِ وَالسَّفَرِ فَإِذَا وُجِدَ أَحَدُ طَرَفَيْهَا فِي الْحَضَرِ غَلَبَ حُكْمُهُ كَالصَّلَاةِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمَسْحَاتِ وَإِنَّ كُنَّ عِبَادَاتٍ لَا يَرْتَبِطُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ لَكِنَّ وَقْتَهَا وَقْتٌ وَاحِدٌ بَعْضُهُ مُرْتَبِطٌ بِبَعْضٍ، وَلَا بُدَّ مِنْ بِنَاءِ أَحَدِ طَرَفَيْهِ عَلَى الْآخَرِ فَإِذَا وَقَعَ بَعْضُ الْمُدَّةِ فِي الْحَضَرِ وَجَوَّزْنَا أَنْ يُتِمَّ مَسْحَ ثَلَاثٍ لَكَانَ قَدْ وَقَعَ مَسْحُ الثَّلَاثِ فِي الْإِقَامَةِ وَالسَّفَرِ وَهُوَ خِلَافُ الْحَدِيثِ، وَهَذَا أَشْبَهَ بِالصَّلَاةِ الْوَاحِدَةِ مِنَ الصَّلَوَاتِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ لَا يَرْتَبِطُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ فِي الْوَقْتِ وَلَا فِي الْفِعْلِ وَلَوْ جُعِلَتْ كَالْعِبَادَاتِ لَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يُعْطَى كُلٌّ بِحِسَابِهِ، فَإِذَا مَسَحَ ثُلُثَ يَوْمٍ فِي الْحَضَرِ فَقَدْ مَسَحَ ثُلُثَ مُدَّتِهِ فَيَمْسَحُ فِي السَّفَرِ ثُلُثَيْ مُدَّتِهِ وَهِيَ يَوْمَانِ وَلَيْلَتَانِ، وَهَذَا مَعَ أَنَّهُ لَا يُقَالُ: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْعِبَادَاتِ وَأَوْقَاتِهَا الْمُتَعَلِّقَةِ بِالسَّفَرِ وَالْحَضَرِ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِأَحَدِهِمَا لَا بِهِمَا؛ وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى جَعْلِ مُدَّةٍ ثَالِثَةٍ غَيْرَ الْوَاحِدِ وَالثَّلَاثَةِ وَهُوَ خِلَافُ السُّنَّةِ، وَأَمَّا إِذَا أَحْدَثَ فِي

стр. 203

الْحَضَرِ وَلَمْ يَمْسَحْ حَتَّى سَافَرَ فَإِنَّمَا أَبَحْنَا لَهُ أَنْ يَمْسَحَ مَسْحَ مُسَافِرٍ، وَإِنْ كَانَ أَوَّلُهَا فِي الْحَضَرِ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَمْ يُفْعَلْ شَيْءٌ مِنْهَا وَلَا وَجَبَتْ فِي الْحَضَرِ، وَإِنَّمَا وُجِدَ وَقْتُ جَوَازِهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ عَلَى صَبِيٍّ مُقِيمٍ فَبَلَغَ فِي الْوَقْتِ بَعْدَ سَفَرِهِ؛ وَلِأَنَّ الْمَسْحَ جَمِيعَهُ إِذَا وَقَعَ فِي السَّفَرِ تَحَقَّقَ فِي حَقِّهِ جَمِيعُ مَشَقَّةِ السَّفَرِ بِخِلَافِ مَا إِذَا وُجِدَ بَعْضُهُ فَإِنَّمَا يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ بَعْضُ الْمَشَقَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِذَا شُكَّ فِي أَوَّلِ مُدَّةِ الْمَسْحِ بُنِيَ عَلَى الْأَصْلِ وَهُوَ وُجُوبُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فَلَوْ شَكَّ الْمُسَافِرُ هَلِ ابْتَدَأَ الْمَسْحَ فِي الْحَضَرِ أَوِ السَّفَرِ بَنَى عَلَى مَسْحِ حَاضِرٍ؛ لِأَنَّ مُدَّتَهُ عَلَى الْيَقِينِ، كَمَا لَوْ شَكَّ الْمُقِيمُ هَلِ ابْتَدَأَ الْمُدَّةَ فِي الْحَضَرِ أَوِ السَّفَرِ فَلَوْ مَسَحَ بَعْدَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ أَنْشَأَ الْمَسْحَ فِي السَّفَرِ أَعَادَ تِلْكَ الصَّلَاةَ كَمَا لَوْ صَلَّى إِلَى بَعْضِ الْجِهَاتِ بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ لَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّهَا جِهَةُ الْقِبْلَةِ، أَوْ صَلَّى قُرَيْبَ الزَّوَالِ بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ لَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّهُ بَعْدَ الزَّوَالِ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا مَسَحَ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ بَنَى عَلَى مَسْحِ مُسَافِرٍ فَكَذَلِكَ هُنَا؛ لِأَنَّ مَسْحَهُ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ لَكِنَّهُ يَحْسِبُ الْمُدَّةَ مِنْ حِينِ احْتِمَالِ الْمَسْحِ فِي الْحَضَرِ أَوْ مِنْ حِينِ احْتِمَالِ الْمَسْحِ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ كَلُّ طَاهِرٍ لَبِسَ خُفَّيْهِ ثُمَّ شَكَّ فِي الْحَدَثِ فَإِنَّهُ يَبْنِي حُكْمَ الْمُدَّةِ عَلَى أَوَّلِ أَوْقَاتِ الشَّكِّ، وَيَبْنِي بِتِلْكَ الطَّهَارَةِ الَّتِي لَبِسَ عَلَيْهَا، وَشَكَّ فِي زَوَالِهَا عَلَى الصِّحَّةِ أَخْذًا بِالْيَقِينِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْحُكْمَيْنِ. [مَسْأَلَةٌ الاستدلال بإجزاء المسح على العمامة عن المسح على الرأس] مَسْأَلَةٌ: " وَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ إِذَا كَانَتْ ذَاتَ ذَوَائِبَ سَاتِرَةٍ لِجَمِيعِ الرَّأْسِ إِلَّا مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِكَشْفِهِ " لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ فِي الْجُمْلَةِ، وَأَنَّهُ يُجْزِئُ

стр. 204

عَنْ مَسْحِ مَا وَازَنَهُ مِنَ الرَّأْسِ؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ قَالَ: " «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ وَخُفَّيْهِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: " «تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، فَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّهُ مَسَحَ بَعْضَ رَأْسِهِ وَتَمَّمَ الْمَسْحَ عَلَى نَاصِيَتِهِ وَعِمَامَتِهِ، فَنَقُولُ: الْمُجْزِئُ مَسْحُ بَعْضِ الرَّأْسِ، وَالْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ اسْتِحْبَابٌ، وَكَذَلِكَ حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " «لَا يَمْسَحُ عَلَى الْعِمَامَةِ إِلَّا أَنْ يَمْسَحَ بِرَأْسِهِ مَعَ الْعِمَامَةِ» ". قُلْنَا: لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْفَرْضُ إِنَّمَا سَقَطَ بِمَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ اسْتِيعَابَ الرَّأْسِ بِالْمَسْحِ وَاجِبٌ. الثَّانِي: مَا رَوَى ثَوْبَانُ قَالَ: " «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً فَأَصَابَهُمُ الْبَرْدُ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَيْهِ شَكَوْا مَا أَصَابَهُمْ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى الْعَصَائِبِ وَالتَّسَاخِينِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَالْعَصَائِبُ: الْعَمَائِمُ، وَالتَّسَاخِينُ: الْخِفَافُ، فَلَوْ كَانَ بَعْضُ الرَّأْسِ هُوَ الْمَمْسُوحَ، وَالْفَرْضُ قَدْ سَقَطَ لَمْ يَكُنْ إِلَى الْأَمْرِ بِالْعَصَائِبِ حَاجَةٌ لِقَوْمٍ شَكَوُا الْبَرْدَ وَخَافُوا الْبَرْدَ أَنْ يَلْحَقَ رُءُوسَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ.

стр. 205

الثَّالِثُ: أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِمَسْحِ الْعَصَائِبِ مُطْلَقًا، كَمَا أَمَرَهُمْ بِالْخِفَافِ مُطْلَقًا وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ مَعَ ذَلِكَ بِمَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ، وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَرَنَهُ بِمَسْحِ الْخُفِّ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ نَقَلُوا أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ فَهِمُوا مِنَ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ مَا فَهِمُوا مِنَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَنَّ لِبَاسَ الْعُضْوِ ثَابِتٌ عَنْهُ. الرَّابِعُ: أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْعِمَامَةِ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، ذَكَرَهُ أَبُو إِسْحَاقَ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّالَنْجِيُّ: رُوِيَ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ عَنْ ثَمَانِيَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ. وَرَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ قَالَ: " مَنْ لَمْ يُطَهِّرْهُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ فَلَا طَهَّرَهُ اللَّهُ " وَلَوْ كَانَ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ وَجُودُهُ كَعَدَمِهِ فِي حُصُولِ الْإِجْزَاءِ بِهِ، وَأَنَّ الْفَرْضَ إِنَّمَا هُوَ مَسْحُ بَعْضِ الرَّأْسِ لَمْ يَكُنْ فِي حِكَايَةِ هَذَا عَنِ الصَّحَابَةِ فَائِدَةٌ، وَلَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يُقَالَ: مَذْهَبُهُمْ جَوَازُ مَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ ثُمَّ لَمْ يَذْكُرُوا مَسْحَ بَعْضِ الرَّأْسِ أَصْلًا فَكَيْفَ يُنْسَبُ إِلَيْهِمْ مَا لَمْ يَقُولُوهُ، وَلَاسْتَحَالَ قَوْلُ عُمَرَ: مَنْ لَمْ يُطَهِّرْهُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ فَلَا طَهَّرَهُ اللَّهُ. فَإِنَّ الْمُخَالِفَ يَقُولُ: إِنَّمَا طَهَّرَهُ مَسْحُ بَعْضِ الرَّأْسِ.

стр. 206

الْخَامِسُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ عَبْدَ الْعَزِيزِ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ رُدَيْحٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ «عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: " غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَنَا أَنْ نَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ فِي السَّفَرِ وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ». وَقَدْ قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: عُمَرُ بْنُ رُدَيْحٍ صَالِحُ الْحَدِيثِ. وَرَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «يُمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ ثَلَاثًا فِي السَّفَرِ وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ» ". وَأَحَادِيثُ شَهْرٍ حِسَانٌ، وَالتَّوْقِيتُ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْبَدَلِ وَاللِّبَاسِ وَالْحَائِلِ. السَّادِسُ: إِنَّمَا نَقُولُ بِمُوجَبِ دَلِيلِهِمْ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يُجْزِئُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ إِذَا مَسَحَ مَا يَظْهَرُ مِنَ الرَّأْسِ عَادَةً كَمُقَدَّمِهِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَكَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْعِمَامَةَ نَابَتْ عَنْ مَسْحِ مَا سَتَرَتْهُ فَبَقِيَ " الظَّاهِرُ " عَلَى الْأَصْلِ وَلَا يُقَالُ

стр. 207

فَفِي هَذَا جَمْعٌ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: مَسْحُ الْعِمَامَةِ مَعَ الرَّأْسِ مَشْرُوعٌ إِجْمَاعًا، مَعَ أَنَّهُ خِلَافُ قِيَاسِ الرِّجْلِ إِمَّا اسْتِحْبَابًا أَوْ وُجُوبًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ سَتْرَ جَمِيعِ الرَّأْسِ غَيْرُ مُعْتَادٍ بِخِلَافِ سَتْرِ جَمِيعِ الْقَدَمِ. فَمِنْ أَيْنَ لَهُمْ أَنَّ مَسْحَ بَعْضِ الرَّأْسِ بِدُونِ الْعِمَامَةِ هُوَ الْمُجْزِئُ؟ وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى وَهِيَ الصَّحِيحَةُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ مَسْحُ مَا يَظْهُرُ؛ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ بِلَالٍ وَثَوْبَانَ أُمِرَ بِمَسْحِ الْخِمَارِ وَالْعَصَائِبِ وَلَمْ يُذْكَرْ شَيْءٌ آخَرُ، وَكَذَلِكَ عَامَّةُ مَنْ حَكَى عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ لَمْ يَذْكُرُوا النَّاصِيَةَ إِلَّا الْمُغِيرَةَ فَيَكُونُ قَدْ فَعَلَهُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ إِذْ لَوْ كَانَ هُوَ الْمُدَاوَمَ عَلَيْهِ لَمَا أَغْفَلَهُ الْأَكْثَرُونَ، وَلَا يَجِبُ مَسْحُ الْأُذُنَيْنِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ مَعَ مَسْحِ الْعِمَامَةِ. وَلِأَنَّهُمَا مِنَ الْأَصْلِ تَبَعًا، وَقَدِ انْتَقَلَ الْفَرْضُ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ عُضْوٌ يَسْقُطُ فِي التَّيَمُّمِ وَجَاءَ طُهُورُهُ فِي الْقُرْآنِ بِلَفْظِ الْمَسْحِ فَشُرِعَ الْمَسْحُ عَلَى لِبَاسِهِ كَالرِّجْلَيْنِ وَأَوْلَى؛ لِأَنَّ المَسْحَ إِلَى الْمَسْحِ أَقْرَبُ مِنَ الْمَسْحِ إِلَى الْغَسْلِ؛ وَلِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ مَسْتُورٌ بِلِبَاسِهِ وَاسْتِيعَابُهُ يَشُقُّ؛ وَلِأَنَّ الْعِمَامَةَ مَحَلٌّ لِتَكْمِيلِ وَظِيفَةِ الْمَسْحِ فَكَانَتْ مَحَلًّا لِلْمَسْحِ الْمُجْزِئِ، كَجَوَانِبِ الرَّأْسِ وَعَكْسُهُ مَسْحُ بَاطِنِ الْخُفِّ. وَفِي مَسْحِ الْمَرْأَةِ عَلَى مِقْنَعَتِهَا وَهِيَ خِمَارُهَا الْمُدَارُ تَحْتَ حَلْقِهَا رِوَايَتَانِ. إِحْدَاهُمَا: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ نُصُوصَ الرُّخَصِ إِنَّمَا تَنَاوَلَتِ الرَّجُلَ بِيَقِينٍ، وَالْمَرْأَةُ مَشْكُوكٌ فِيهَا؛ وَلِأَنَّهَا مَلْبُوسٌ عَلَى رَأْسِ الْمَرْأَةِ فَهُوَ كَالْوِقَايَةِ. وَالثَّانِيَةُ: يَجُوزُ، وَهِيَ أَظْهَرُ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: " «امْسَحُوا عَلَى الْخُفَّيْنِ

стр. 208

وَالْخِمَارِ» " وَالنِّسَاءُ يَدْخُلْنَ فِي الْخِطَابِ الْمَذْكُورِ تَبَعًا لِلرِّجَالِ كَمَا دَخَلْنَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ. وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ " أَنَّهَا كَانَتْ تَمْسَحُ عَلَى الْخِمَارِ " فَلَوْلَا أَنَّهَا عَلِمَتْ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَصًّا أَوْ دَلَالَةً لَمَا عَمِلَتْهُ، وَهِيَ أَفْهَمُ لِمُرَادِهِ؛ وَلِأَنَّ الرَّأْسَ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ الْمَسْحُ عَلَى لِبَاسِهِ فَجَازَ لِلْمَرْأَةِ كَالرَّجُلِ؛ وَلِأَنَّهُ لِبَاسٌ يُبَاحُ عَلَى الرَّأْسِ يَشُقُّ نَزْعُهُ غَالِبًا فَأَشْبَهَ عِمَامَةَ الرَّجُلِ وَأَوْلَى؛ لِأَنَّ خِمَارَهَا يَسْتُرُ أَكْثَرَ مِنْ عِمَامَةِ الرَّجُلِ وَيَشُقُّ خَلْعُهُ أَكْثَرَ وَحَاجَتُهَا إِلَيْهِ أَشَدُّ مِنَ الْخُفَّيْنِ. فَأَمَّا الْعِمَامَةُ لِلْمَرْأَةِ فَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا مَنْهِيَّةٌ عَنْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا فِيهِ تَشَبُّهٌ بِالرِّجَالِ، وَإِنْ فُرِضَتِ الْإِبَاحَةُ بَعْضَ الْأَوْقَاتِ لِحَاجَةٍ، فَهِيَ حَالَةٌ نَادِرَةٌ، فَأَمَّا مَسْحُ الرَّجُلِ عَلَى الْقَلَانِسِ الْمُبَطَّنَاتِ الْكِبَارِ كَالنَّوْمِيَّاتِ الَّتِي تُتَّخَذُ لِلنَّوْمِ وَالدَّنِّيَّاتِ الَّتِي كَانَتِ الْقُضَاةُ تَلْبَسُهَا مُسْتَقْدَمًا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: يَجُوزُ؛ لِأَنَّ عُمَرَ وَأَبَا مُوسَى وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَخَّصُوا فِي ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّهُ مَلْبُوسٌ مُبَاحٌ مُعْتَادٌ لِلرَّأْسِ أَشْبَهَ الْعِمَامَةَ، قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: وَهَذَا إِذَا كَانَتْ مَحْبُوسَةً تَحْتَ الذَّقْنِ كَالْعِمَامَةِ وَالْخِمَارِ. وَالثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِبَاسٌ لَا يَشُقُّ نَزْعُهُ فَأَشْبَهَ الْقَلَنْسُوَةَ غَيْرَ الْمُبَطَّنَةِ؛ وَلِأَنَّ الْحَدِيثَ إِنَّمَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْعِمَامَةِ، وَهَذِهِ لَا تُشْبِهُهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَلَمْ تُلْحَقْ بِهَا

стр. 209

فَصْلٌ: وَمِنْ شَرْطِ جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ أَنْ تَكُونَ سَاتِرَةً لِجَمِيعِ الرَّأْسِ إِلَّا مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِكَشْفِهِ مِثْلَ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ وَالْأُذُنَيْنِ، فَإِنَّ هَذَا يُعْفَى عَنْهُ بِخِلَافِ الْخُفِّ فَإِنَّهُ لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ؛ لِأَنَّ الْعَمَائِمَ إِنَّمَا تُلْبَسُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ، ثُمَّ هِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ مُحَنَّكَةً فَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا؛ سَوَاءٌ كَانَ لَهَا ذُؤَابَةٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ غَيْرِ اخْتِلَافٍ نَعْلَمُهُ فِي الْمَذْهَبِ، وَكَلَامُ الشَّيْخِ عَلَى هَذَا لَا مَفْهُومَ لَهُ. وَالْمُحَنَّكَةُ: هِيَ الَّتِي تُدَارُ تَحْتَ الْحَنَكِ مِنْهَا كَوْرَتَانِ، وَتُسَمَّى الْمُحَنَّكَةُ أَوِ الْمُلْتَحَاةُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ كَانَتْ عِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، فَانْصَرَفَ كَلَامُهُ وَكَلَامُ أَصْحَابِهِ إِلَيْهَا وَلَمْ يَكُونُوا كُلُّهُمْ يُرْخُونَ الذَّوَائِبَ؛ وَلِأَنَّ هَذِهِ يَشُقُّ نَزْعُهَا فَجَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهَا كَالْخُفِّ. الثَّانِي: أَنْ لَا تَكُونَ مُحَنَّكَةً وَلَا ذَاتَ ذُؤَابَةٍ فَالْمَذْهَبُ الْمَعْرُوفُ أَنَّهُ لَا يُمْسَحُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ عِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا مَضَى وَلَا تُلْحَقُ بِهَا لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا لَا يَشُقُّ نَزْعُهَا كَنَزْعِ الْمُحَنَّكَةِ وَلَا تَسْتُرُ سَتْرَهَا فَأَشْبَهَتِ الطَّاقِيَّةَ وَالْكَلْتَةَ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهَا، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ " كَانَ أَبِي يَكْرَهُ أَنْ يَعْتَمَّ الرَّجُلُ بِالْعِمَامَةِ وَلَا يَجْعَلَهَا تَحْتَ حَلْقِهِ " وَقَالَ أَيْضًا: " يُكْرَهُ أَنْ لَا تَكُونَ تَحْتَ الْحَنَكِ

стр. 210

كَرَاهِيَةً شَدِيدَةً، وَقَالَ: إِنَّمَا يَتَعَمَّمُ مِثْلَ ذَلِكَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسُ " وَقَالَ أَيْضًا: " أُحِبُّ الرَّجُلَ إِذَا اعْتَمَّ أَنْ يَتَحَنَّكَ بِهَا وَلَا يَعْتَمَّ إِلَّا بِتَحْنِيكٍ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ ". وَقَالَ الْمَيْمُونِيُّ: " رَأَيْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَعِمَامَتُهُ تَحْتَ ذَقْنِهِ وَيَكْرَهُ غَيْرَ ذَلِكَ ". وَذَلِكَ لِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي آخِرِ الْغَرَائِبِ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ بِالتَّحَلِّي، وَنَهَى عَنِ الِاقْتِعَاطِ» " قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: " أَصْلُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي لُبْسِ الْعَمَائِمِ إِذَا لَاثَهَا الْمُعْتَمُّ عَلَى رَأْسِهِ وَلَمْ يَجْعَلْهَا تَحْتَ حَنَكِهِ قِيلَ: اقْتَعَطَهَا فَهُوَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ، وَإِذَا أَدَارَهَا تَحْتَ الْحَنَكِ قِيلَ: تَلَحَّاهَا فَهُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ ". وَرَوَى أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ عَنْ جَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ قَالَ: رَأَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَجُلًا يُصَلِّي وَقَدا اقْتَعَطَ بِعِمَامَتِهِ فَقَالَ: مَا هَذِهِ الْعِمَامَةُ الْفَاسِقِيَّةُ ثُمَّ دَنَا مِنْهُ فَحَلَّ لَوْثًا مِنْ عِمَامَتِهِ فَحَنَّكَهُ بِهَا وَمَضَى. وَرَوَى أَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ طَاوُسٍ فِي الرَّجُلِ يَلْوِي الْعِمَامَةَ عَلَى رَأْسِهِ وَلَا يَجْعَلُهَا تَحْتَ ذَقْنِهِ، قَالَ: " تِلْكَ عِمَّةُ الشَّيْطَانِ ". وَعَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ إِذْ أَبْصَرَ عَلَى رَجُلٍ عِمَامَةً قَدِ اعْتَمَّ بِهَا لَيْسَ تَحْتَ ذَقْنِهِ مِنْهَا شَيْءٌ، فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ: مَا هَذِهِ الْفَاسِقِيَّةُ؟

стр. 211

وَعَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ إِذْ أَبْصَرَ عَلَى رَجُلٍ عِمَامَةً قَدِ اعْتَمَّ بِهَا لَيْسَ تَحْتَ ذَقْنِهِ مِنْهَا شَيْءٌ، فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ: مَا هَذِهِ الْفَاسِقِيَّةُ؟ وَعَنْ عِمْرَانَ الْمَقْبُرِيِّ قَالَ: هَذِهِ الْأَعِمَّةُ الَّتِي لَا تَجْعَلُونَ تَحْتَ الْحَلْقِ مِنْهَا عِمَّةٌ قَوْمِ لُوطٍ يُقَالُ لَهَا الْأَبَّارِيَّةُ. وَيَتَخَرَّجُ جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَيْهَا " كَالْقَلَنْسُوَةِ الْمُبَطَّنَةِ وَأَوْلَى؛ لِأَنَّهَا فِي السَّتْرِ وَمَشَقَّةِ النَّزْعِ لَا تَنْقُصُ عَنْهَا " وَذَلِكَ لِأَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى الْعَمَائِمِ وَالْعَصَائِبِ الَّتِي جَاءَ الْإِذْنُ بِهَا. وَأَمَّا " حُكْمُ " لُبْسِهَا فَقَدْ رَخَّصَ فِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَى وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: " أَدْرَكْتُ أَبْنَاءَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فَكَانُوا يَعْتَمُّونَ وَلَا يَجْعَلُونَهَا تَحْتَ الْحَنَكِ " لَكِنَّ الْمَنْصُوصَ عَنْ أَحْمَدَ الْكَرَاهِيَةُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَنْكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَالَ: حَدِيثٌ مُنْكَرٌ مَا أَدْرِي أَيُّ شَيْءٍ ذَلِكَ الْحَدِيثُ. وَقَالَ أَيْضًا وَقَدْ سُئِلَ عَنْهُ: " مَا أَدْرِي مَا هُوَ"، وَقِيلَ لَهُ: تَعْرِفُ سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: لَا " وَرَدُّ أَحْمَدَ لَهُ؛ لِأَنَّ إِجْمَاعَ السَّلَفِ عَلَى خِلَافِهِ، قِيلَ لَهُ

стр. 212

سَمِعْتَ أَنْتَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ وَهْبٍ؟ فَقَالَ: " نَعَمْ وَهُوَ مَعْرُوفٌ، وَلَكِنَّ النَّاسَ عَلَى غَيْرِ الَّذِي رَوَوْا عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ ". وَلِأَنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ نَقَلَ عَنْهُمْ لَمْ يُعْرَفْ مِنْهُمْ وَلَعَلَّهُمْ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرْنَا آنِفًا لَكِنَّ الْمَحْكِيَّ عَنْ أَحْمَدَ فِيهَا لَفْظُ الْكَرَاهَةِ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهَا كَرَاهَةٌ تَرْتَقِي إِلَى حَدِّ التَّحْرِيمِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَمْنَعُ التَّرْخِيصَ كَمَا قُلْنَا فِي سَفَرِ النُّزْهَةِ " أَنَّهُ يُبِيحُ الْقَصْرَ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، يُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ الْكَرَاهَةَ عَلَى مَا ذَكَرَ، فَلَا يُخْتَلَفُ بَيْنَ إِرْخَاءِ ذُؤَابَةٍ وَتَرْكِهِ وَمَعَ هَذَا فَيُقَالُ: مَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا إِلَى الْمَسْحِ عَلَى ذَاتِ الذَّوَائِبِ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ ذَاتَ ذُؤَابَةٍ بِلَا حَنَكٍ فَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ؛ لِأَنَّ إِرْخَاءَ الذُّؤَابَةِ مِنَ السُّنَّةِ، قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ: " يَنْبَغِي أَنْ يُرْخِيَ خَلْفَهُ مِنْ عِمَامَتِهِ كَمَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ " يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى مَا رَوَى أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ نَافِعٍ " كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَعْتَمُّ وَيُرْخِيهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ ". وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: " أَخْبَرَنِي أَشْيَاخُنَا أَنَّهُمْ رَأَوْا أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ يَعْتَمُّونَ وَيُرْخُونَهَا تَحْتَ أَكْتَافِهِمْ ".

стр. 213

وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ عَاصِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: " رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ اعْتَمَّ وَأَرْخَاهَا مِنْ خَلْفِهِ نَحْوَ ذِرَاعٍ " وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَرْدَانَ قَالَ: " رَأَيْتُ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عِمَامَةً سَوْدَاءَ قَدْ أَرْخَاهَا مِنْ خَلْفِهِ ". وَقَدْ رَوَى أَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَإِذَا هُوَ رَمِدٌ فَتَفَلَ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ بِعِمَامَةٍ سَوْدَاءَ وَأَرْخَى طَرَفَ الْعِمَامَةِ مِنْ بَيْنِ كَتِفَيْهِ ثُمَّ قَالَ: سِرْ، فَسَارَ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ» ". وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " «عَمَّمَ النَّبِيُّ ﷺ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ عِمَامَةً سَوْدَاءَ كَرَابِيسَ وَأَرْخَاهَا مِنْ خَلْفِهِ قَدْرَ أَرْبَعَةِ أَصَابِعَ، وَقَالَ: هَكَذَا فَاعْتَمَّ فَإِنَّهُ أَعْرَفُ وَأَجْمَلُ» ". فَإِذَا أَرْخَاهَا ذُؤَابَةً وَلَمْ يَتَحَنَّكْ فَقَدْ أَتَى بِبَعْضِ السُّنَّةِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الِاقْتِعَاطِ كَانَ لِئَلَّا يُتَشَبَّهَ بِأَهْلِ الْكِتَابِ وَبِهَذَا يَحْصُلُ قَطْعُ التَّشَبُّهِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ عَمَائِمِهِمْ، وَحَمَلُوا حَدِيثَ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْعَمَائِمَ كَانَتْ بِذَوَائِبَ. وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ عُمُومَ النَّهْيِ يَشْمَلُهَا؛ وَلِأَنَّهَا لَا يَشُقُّ نَزْعُهَا. وَيُشْتَرَطُ لِلْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ مَا يُشْتَرَطُ لِلْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ مِنْ لُبْسِهَا عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ، وَمِنَ اعْتِبَارِ الْوَقْتِ، وَإِذَا خَلَعَهَا بَطَلَتْ طَهَارَتُهُ، وَكَذَلِكَ إِذَا

стр. 214

انْكَشَفَ رَأْسُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا مِثْلَ أَنْ يَرْفَعَهَا بِقَدْرِ مَا يُدْخِلُ يَدَهُ كَحَكِّ رَأْسِهِ أَوْ لِمَسْحِهِ فِي الْوُضُوءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَلَا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ يَفْحُشْ، وَلَوِ انْتَقَضَتْ فَكَذَلِكَ إِلَّا أَنْ يُنْقَضَ بَعْضُهَا كَكَوْرٍ أَوْ كَوْرَيْنِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: لَا تَبْطُلُ الطَّهَارَةُ؛ لِأَنَّ الْعُضْوَ مَسْتُورٌ بِبَعْضِ الْمَمْسُوحِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ زَالَ ظَاهِرُ الْخُفِّ وَبَقِيَتْ بِطَانَتُهُ. وَالثَّانِيَةُ: تَبْطُلُ وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ؛ لِأَنَّهُ بِانْتِقَاضِ بَعْضِهَا يَنْتَقِضُ سَائِرُهَا، فَلَمْ تَبْقَ عَلَى حَالٍ تَثْبُتُ بِنَفْسِهَا فَأَشْبَهَ مَا لَوِ انْفَتَقَ الْخُفُّ فَتْقًا لَا يَثْبُتُ فِي الرِّجْلِ مَعَهُ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ يَجُوزُ غَسْلُ رِجْلَيْهِ فِي مَسْلَمَةِ الْخُفِّ يَحْتَاجُ هُنَا إِلَى مَسْحِ رَأْسِهِ وَغَسْلِ رِجْلَيْهِ لِأَجْلِ التَّرْتِيبِ. فَصْلٌ: السُّنَّةُ أَنْ يَمْسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ دُونَ أَسْفَلِهِ وَعَقِبِهِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ مُفَرَّجَةَ الْأَصَابِعِ عَلَى أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ ثُمَّ يَجُرَّهَا إِلَى سَاقِهِ، وَلَوْ بَدَأَ بِأَسْفَلِ السَّاقِ قَبْلَ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ جَازَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: " السُّنَّةُ أَنْ يُمْسَحَ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلُهُ؛ لِمَا رَوَى الْمُغْيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ " «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلَهُ» "، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ. وَلِأَنَّهُ مَوْضِعٌ يُحَاذِي مَحَلَّ الْفَرْضِ فَأَشْبَهَ أَعْلَاهُ؛ وَلِأَنَّهُ اسْتِيعَابٌ بِالْمَسْحِ فَكَانَ مَشْرُوعًا كَمَسْحِ الرَّأْسِ وَالْعِمَامَةِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ.

стр. 215

«لِقَوْلِ عَلِيٍّ ﵁: لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. «وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ عَلَى ظَاهِرِهِمَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَذَاكَ الْحَدِيثُ قَالَ التِّرْمِذِيَّ: " هُوَ مَعْلُولٌ " وَضَعَّفَهُ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ وَأَبُو زُرْعَةَ. قَالَ أَحْمَدُ: " الصَّحِيحُ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ» " وَلِأَنَّ أَسْفَلَ الْخُفِّ لَيْسَ بِمَحَلِّ الْفَرْضِ فَكَذَلِكَ لِسُنَّتِهِ كَالسَّاقِ، وَقَدْ بَيَّنَ عَلِيٌّ ﵁ أَنَّ الرَّأْيَ وَإِنِ اقْتَضَى مَسْحَهُ؛ لِكَوْنِهِ مَحَلَّ الْوَسَخِ وَالْأَذَى إِلَّا أَنَّ السُّنَّةَ أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ، مَعَ أَنَّ رَأْيًا يُخَالِفُ السُّنَّةَ رَأْيٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ أَسْفَلَهُ مَظِنَّةُ مُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ وَكَثْرَةِ الْوَسَخِ فَيُفْضِي إِلَى تَلْوِيثِ الْيَدِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ؛ إِذْ لَيْسَ الْمَقْصُودُ إِزَالَةَ الْوَسَخِ عَنِ الْخُفِّ وَلِهَذَا لَا يُشْرَعُ
следующие страницы →