← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 14500

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - كتاب الطهارة

ابن تيمية

Полный текст (465 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

يَعْنِي دَاخِلَ الرَّجُلِ رُفْغِهِ اجْتَمَعَ الْوَسَخُ وَالدَّرَنُ بَيْنَ ظُفْرِهِ وَأُنْمُلَتِهِ، وَالْأَرْفَاغُ: الْمَغَابِنُ مِثْلُ الْآبَاطِ وَأَصُولِ الْفَخِذَيْنِ، وَفِي حَدِيثِ الْفِطْرَةِ («وَغَسَلَ الْبَرَاجِمَ») وَهِيَ الْعُقَدُ الَّتِي فِي ظُهُورِ الْأَصَابِعِ، فَإِنِ اجْتَمَعَ مَا تَحْتَ الْأَظْفَارِ وَمَنَعَ وُصُولَ الْمَاءِ إِلَى مَا تَحْتَهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ. [مَسْأَلَةٌ الذكر بعد الوضوء] مَسْأَلَةٌ: " ثُمَّ يَرْفَعُ نَظَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ". لِمَا رَوَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُسْبِغُ الْوُضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَزَادَ فِيهِ " «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ» وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ " «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ رَفَعَ نَظَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ» "، وَرُوِيَ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: " «سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ» ".

стр. 142

[مسألة المقدار المعين لمسح الرأس] مَسْأَلَةٌ: " الرَّأْسَ كُلَّهُ ". هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ وَعَنْهُ يُجْزِئُ مَسْحُ أَكْثَرِهِ؛ لِأَنَّ مَسْحَ جَمِيعِهِ فِيهِ مَشَقَّةٌ، وَقَدْ خُفِّفَ فِيهِ بِالْمَسْحِ وَبِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ فَكَذَلِكَ بِالْقَدْرِ، وَعَنْهُ قَدْرُ النَّاصِيَةِ لِمَا رَوَى أَنَسٌ، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ " «يَتَوَضَّأُ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ قِطْرِيَّةٌ فَأَدْخَلَ يَدَهُ تَحْتَ الْعِمَامَةِ فَمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ وَلَمْ يَنْقُضِ الْعِمَامَةَ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَعَلَى هَذَا فَلَهُ أَنْ يَمْسَحَ قَدْرَ النَّاصِيَةِ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ فِي أَشْهَرِ الْوَجْهَيْنِ وَفِي الْآخَرِ تَتَعَيَّنُ النَّاصِيَةُ وَبِكُلِّ حَالٍ لَا يُجْزِئُ الْأُذُنَانِ.

стр. 143

وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِقَوْلِهِ فَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ أَمَرَ بِمَسْحِ الرَّأْسِ كَمَا أَمَرَ بِمَسْحِ الْوَجْهِ فِي آيَةِ التَّيَمُّمِ، فَإِذَا أَوْجَبَ اسْتِيعَابَ الْوَجْهِ بِالتُّرَابِ فَاسْتِيعَابُ الرَّأْسِ بِالْمَاءِ أَوْلَى؛ وَلِأَنَّ الرَّأْسَ اسْمٌ لِلْجَمِيعِ فَلَا يَكُونُ مُمْتَثِلًا إِلَّا بِمَسْحِ جَمِيعِهِ، كَمَا لَا يَكُونُ مُمْتَثِلًا إِلَّا بِغَسْلِ جَمِيعِ الْوَجْهِ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «تَوَضَّأَ فَمَسَحَ جَمِيعَ رَأْسِهِ»، وَفِعْلُهُ مُبَيِّنٌ لِلْآيَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمَا نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ فَهُوَ مَعَ الْعِمَامَةِ كَمَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَذَلِكَ جَائِزٌ. وَادِّعَاءُ أَنَّ الْبَاءَ إِذَا دَخَلَتْ عَلَى فِعْلٍ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ تُفِيدُ التَّبْعِيضَ لَا أَصْلَ لَهُ فَإِنَّهُ لَمْ يَنْقُلْهُ مَوْثُوقٌ بِهِ، وَالِاسْتِعْمَالُ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بَلْ قَدْ أَنْكَرَهُ الْمُعْتَمَدُونَ مِنْ عُلَمَاءِ اللِّسَانِ، ثُمَّ إِنْ قِيلَ: إِنَّهَا تُفِيدُهُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ فَهَذَا مَنْقُوضٌ بِآيَةِ التَّيَمُّمِ، وَبُقُولِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠]، وَقَرَأْتُ بِالْبَقَرَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَتَزَوَّجْتُ بِالْمَرْأَةِ، وَحَبَسْتُ صَدْرَهُ بِصَدْرِهِ، وَعَلِمْتُ بِهَذَا الْأَمْرِ، وَمَا شَاءَ اللَّهُ مِنَ الْكَلَامِ وَإِنِ ادَّعَى أَنَّهَا تُفِيدُهُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، فَذَلِكَ لَا مِنْ نَفْسِ الْبَاءِ بَلْ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ. كَمَا قَدْ يُفَادُ ذَلِكَ مَعَ عَدَمِ الْبَاءِ، ثُمَّ مِنْ أَيْنَ عَلِمَ أَنَّ هَذَا الْمَوْضِعَ مِنْ جُمْلَةِ تِلْكَ الْمَوَاضِعِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَلَا فَرْقَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ بَيْنَ قَوْلِكَ: أَخَذْتُ الزِّمَامَ وَأَخَذْتُ بِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] وَقَوْلُهُ " شَرِبْنَ بِمَاءِ الْبَحْرِ " فَإِنَّهُ لَمْ يُرِدِ التَّبْعِيضَ، فَإِنَّهُ لَا مَعْنَى لَهُ هُنَا وَإِنَّمَا

стр. 144

الشُّرْبُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- يُضْمَّنُ مَعْنَى الرِّيِّ، فَكَأَنَّهُ قَالَ يُرْوَى بِهَا عِبَادُ اللَّهِ، ثُمَّ الْأَحَادِيثُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا أَكْثَرُهَا يُقَالُ فِيهِ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ فَيَذْكُرُ اسْتِيعَابَ الْمَسْحِ مَعَ إِدْخَالِ الْبَاءِ. قَالُوا: وَيُقَالُ مَسَحْتُ بِبَعْضِ رَأْسِي وَمَسَحْتُ بِجَمِيعِ رَأْسِي، وَلَوْ كَانَتْ لِلتَّبْعِيضِ لَتَنَاقَضَ، وَإِنَّمَا دَخَلَتْ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- لِأَنَّ مَعْنَاهَا إِلْصَاقُ الْفِعْلِ بِهِ، وَالْمَسْحُ هُوَ إِلْصَاقُ مَاسِحٍ بِمَمْسُوحٍ، وَيُضْمَّنُ مَعْنَى الْإِلْصَاقِ فَكَأَنَّهُ قِيلَ: أَلْصِقُوا بِرُؤُوسِكُمْ فَيُفْهَمُ أَنَّ هُنَاكَ شَيْئًا مُلْصَقٌ بِالرَّأْسِ وَهُوَ الْمَاءُ بِخِلَافِ مَا لَوْ قِيلَ: امْسَحُوا رُؤُوسَكُمْ، فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمَاءِ ; لِأَنَّهُ يُقَالُ: مَسَحْتُ رَأْسَ الْيَتِيمِ وَمَسَحْتُ الْحَجَرَ، وَلَيْسَ هُنَاكَ شَيْءٌ يُلْصَقُ بِالْمَمْسُوحِ فِي غَيْرِ الْيَدِ. وَلَرُبَّمَا تَوَهَّمَ أَنَّ مُجَرَّدَ مَسْحِ الرَّأْسِ بِالْيَدِ كَافٍ، وَلِهَذَا -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- دَخَلَتِ الْبَاءُ فِي آيَةِ التَّيَمُّمِ لِتُبَيِّنَ وُجُوبَ إِلْصَاقِ التُّرَابِ بِالْأَيْدِي وَالْوُجُوهِ، وَلَا يَجِبُ مَسْحُ الْأُذُنِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالِاسْتِيعَابِ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ ; لِأَنَّهَا مِنْهُ حُكْمًا لَا حَقِيقَةً بِدَلِيلِ أَنَّهَا تُضَافُ تَارَةً إِلَيْهِ وَتَارَةً إِلَى الْوَجْهِ، بِقَوْلِهِ: سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، وَفِي الْأُخْرَى يَجِبُ لِأَنَّهُمَا مِنَ الرَّأْسِ، وَبِكُلِّ حَالٍ لَا يَجِبُ مَسْحُ مَا اسْتَتَرَ بِالْغَضَارِيفِ كَمَا اسْتَتَرَ بِالشَّعْرِ مِنَ الرَّأْسِ. وَإِذَا مَسَحَ بَشَرَةَ رَأْسِهِ مِنْ تَحْتِ الشَّعْرِ دُونَ أَعْلَى الشَّعْرِ لَمْ يُجْزِئْهُ كَمَا لَوْ غَسَلَ بَاطِنَ اللِّحْيَةِ دُونَ ظَاهِرِهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ مَسَحَ الْمُسْتَرْسِلَ مَحْلُولًا أَوْ مَعْقُودًا عَلَى أَعْلَى الرَّأْسِ وَإِنْ قُلْنَا يُجْزِئُ مَسْحُ الْبَعْضِ، وَلَوْ خَضَّبَ رَأْسَهُ أَوْ طَيَّنَهُ لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ الرَّأْسَ وَلَا حَائِلَهُ الشَّرْعِيَّ، كَمَا لَوْ كَانَ الْخِضَابُ عَلَى يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَإِذَا مَسَحَ رَأْسَهُ أَوْ وَجْهَهُ فِي التَّيَمُّمِ بِخِرْقَةٍ

стр. 145

وَنَحْوِهَا أَجْزَأَهُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ فِي الْآيَةِ مُطْلَقٌ فَيَتَنَاوَلُ الْيَدَ وَغَيْرَهَا كَمَا يَتَنَاوَلُ يَدَ الْغَيْرِ. وَلَوْ وَضَعَ يَدَهُ الْمَبْلُولَةَ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ غَيْرِ إِمْرَارٍ لَمْ يُجْزِئْهُ فِي الْمَشْهُورِ، وَكَذَلِكَ الْخِرْقَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مَسْحًا بِخِلَافِ غَمْسِ (الْعُضْوِ) فِي الْمَاءِ فَإِنَّهُ يُسَمَّى غَسْلًا، وَإِنْ مَسَحَ الرَّأْسَ بِإِصْبَعٍ أَوْ إِصْبَعَيْنِ أَجْزَأَهُ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْبَلَلَ الْبَاقِيَ عَلَى الْأُصْبُعِ لَيْسَ بِمُسْتَعْمَلٍ، وَإِنَّمَا الْمُسْتَعْمَلُ مَا انْتَقَلَ إِلَى الرَّأْسِ وَإِذَا غَسَلَ رَأْسَهُ أَوْ خُفَّهُ وَأَمَرَّ يَدَهُ عَلَيْهِ أَجْزَأَ ; لِأَنَّهُ مَسْحٌ وَزِيَادَةٌ، وَإِنْ لَمْ يُمِرَّ يَدَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْإِمْرَارَ بَعْضُ الْمَسْحِ وَلَمْ يَأْتِ بِهِ وَفِي الْأُخْرَى يُجْزِئُ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مِنَ الْمَسْحِ. وَلَوْ وَقَفَ تَحْتَ مِيزَابٍ أَوْ مَطَرٍ لِيَقْصِدَ الطَّهَارَةَ أَجْزَأَ إِنْ أَمَرَّ يَدَهُ وَإِنْ لَمْ يُمِرَّهَا وَلَمْ يَجْرِ لَمْ يُجْزِئْهُ فِي أَشْهَرِ الْوَجْهَيْنِ، فَإِنْ جَرَى فَعَلَى رِوَايَتِي الْغَسْلِ، وَلَوْ أَصَابَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، ثُمَّ أَمَرَّ يَدَهُ عَلَيْهِ أَجْزَأَهُ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ ; لِأَنَّ الْمَاءَ الْوَاقِعَ بِغَيْرِ قَصْدٍ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ، فَإِذَا مَسَحَ بِهِ كَانَ كَمَا لَوْ نَقَلَهُ بِيَدِهِ، وَفِي الْأُخْرَى لَا يُجْزِئُ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ نَقْلَ الطَّهُورِ إِلَى مَحَلِّهِ. [مسألة وجوب الترتيب في الوضوء] مَسْأَلَةٌ: " وَتَرْتِيبُ الْوُضُوءِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا " ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ تَرْتِيبَ الْأَعْضَاءِ عَلَى مَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى وَاجِبٌ فَإِنْ

стр. 146

نَكَّسَهَا أَوْ غَسَلَهَا جَمِيعًا بِاغْتِمَاسٍ أَوْ يُوَضِّئُهُ أَرْبَعَةٌ لَمْ يُجْزِئْهُ. فَأَمَّا مَا كَانَ مَخْرَجُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَاحِدًا كَالْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ إِذَا قَدَّمَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ كَتَقْدِيمِ ظَاهِرِ الْوَجْهِ عَلَى بَاطِنِ الْفَمِ وَالْأَنْفِ، وَتَقْدِيمِ الْيُسْرَى عَلَى الْيُمْنَى فَإِنَّهُ جَائِزٌ. وَقَدْ حَكَى أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ فِيهِ رِوَايَةً أُخْرَى، أَنَّ التَّرْتِيبَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ مَأْخُوذٌ مِنْ نَصِّهِ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ عَنْ جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ وَأَبَى ذَلِكَ غَيْرُهُ، وَخَصُّوا ذَلِكَ بِمَوْرِدِ نَصِّهِ فَرْقًا بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ وَغَيْرِهِمَا حَيْثُ صَرَّحَ هُوَ بِالتَّفْرِقَةِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَهَذَا أَصَحُّ، وَلَيْسَ الْقَوْلُ بِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ؛ لِاعْتِقَادِنَا أَنَّ الْوَاوَ تُفِيدُ التَّرْتِيبَ، فَإِنَّ نَصَّهُ وَمَذْهَبَهُ الظَّاهِرَ أَنَّهَا لَا تُفِيدُهُ، وَإِنَّمَا قُلْنَاهُ لِدَلِيلٍ آخَرَ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَدْخَلَ مَمْسُوحًا بَيْنَ مَغْسُولَيْنِ، وَقَطَعَ النَّظِيرَ عَنْ نَظِيرِهِ، أَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ النَّصْبِ فَظَاهِرٌ مَعَ قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَادَ الْأَمْرُ إِلَى (الْغَسْلِ) وَعَلَى قِرَاءَةِ الْخَفْضِ أَوْكَدُ ; لِأَنَّهُ مَعَ تَأْخِيرِ الرِّجْلَيْنِ أَدْخَلَهُمَا فِي خَبَرِ الْمَسْحِ مُرَادٌ بِهِ غَسْلُهُمَا مَعَ إِمْكَانِ تَقْدِيمِهِمَا. وَالْكَلَامُ الْعَرَبِيُّ الْجَزْلُ لَا يُقْطَعُ فِيهِ النَّظِيرُ عَنِ النَّظِيرِ، وَيُفْصَلُ بَيْنَ الْأَمْثَالِ بِأَجْنَبِيٍّ إِلَّا لِفَائِدَةٍ، وَلَا فَائِدَةَ هُنَا إِلَّا التَّرْتِيبُ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ الرَّجُلُ أَكْرَمْتُ زَيْدًا، وَأَهَنْتُ عَمْرًا وَأَكْرَمْتُ بَكْرًا وَلَمْ يَقْصِدْ فَائِدَةً مِثْلَ التَّرْتِيبِ وَنَحْوِهِ لَعُدَّ عَيًّا وَلُكْنَةً، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْفَائِدَةُ اسْتِحْبَابَ التَّرْتِيبِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ إِنَّمَا ذُكِرَ فِيهَا الْوَاجِبَاتُ فَقَطْ، وَكَذَلِكَ لَمْ يُذْكَرُ فِيهَا تَرْتِيبُ الْيُسْرَى

стр. 147

وَالْيُمْنَى، وَأَيْضًا مَا ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ أَنَّا وَجَدْنَا الْمَأْمُورَاتِ الْمَعْطُوفَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ مَا كَانَ مِنْهَا مُرْتَبِطًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ وَجَبَ فِيهِ التَّرْتِيبُ كَقَوْلِهِ: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]. وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] وَمَا لَمْ يَكُنْ مُرْتَبِطًا لَمْ يَجِبْ فِيهِ التَّرْتِيبُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] وَشِبْهِ ذَلِكَ، وَآيَةُ الْوُضُوءِ مِنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ التَّرْتِيبَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا مِنْ جِهَةِ الِابْتِدَاءِ، وَفِعْلُهُ ﷺ خَرَجَ امْتِثَالًا لِلْأَمْرِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ قَطُّ إِلَّا مُرَتَّبًا فَيَكُونُ تَفْسِيرًا لِلْآيَةِ لَا سِيَّمَا وَلَوْ كَانَ التَّنْكِيسُ جَائِزًا لَفَعَلَهُ وَلَوْ مَرَّةً لِيُبَيِّنَ الْجَوَازَ. وَرَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا طَافَ وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ ثُمَّ خَرَجَ وَقَالَ: " «إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» " هَذَا لَفْظُ النَّسَائِيِّ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ عَامًّا وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ خَاصًّا فَيَكُونُ حُجَّةً مِنْ

стр. 148

جِهَةَ الْعُمُومِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ خَاصًّا فَإِنَّمَا وَجَبَ الِابْتِدَاءُ بِالصَّفَا لِأَنَّ اللَّهَ بَدَأَ بِهِ فِي خَبَرِهِ، فَلِأَنْ يَجِبَ الِابْتِدَاءُ بِالْوَجْهِ الَّذِي بَدَأَ اللَّهُ بِهِ فِي أَمْرِهِ أَوْلَى؛ فَعَلَى هَذَا إِذَا نَكَّسَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ قَبْلَ وَجْهِهِ لَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ وَلَمْ يَصِرِ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا. وَإِنْ نَوَى الْمُحْدِثُ وَانْغَمَسَ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ رَاكِدٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا وَهُوَ الْمَنْصُوصُ أَنَّ الْحَدَثَ لَا يَرْتَفِعُ عَنِ الْعُضْوِ حَتَّى يَنْفَصِلَ عَنْهُ الْمَاءُ، فَإِذَا أَخْرَجَ وَجْهَهُ ثُمَّ يَدَيْهِ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْمَاءِ أَجْزَأَهُ وَإِلَّا فَلَا مُرَاعَاةَ لِلتَّرْتِيبِ فِي الِانْفِصَالِ. وَالثَّانِي: يَرْتَفِعُ الْحَدَثُ قَبْلَ انْفِصَالِ الْمَاءِ فَإِذَا مَكَثَ فِي الْمَاءِ قَدْرَ مَا يَسَعُ التَّرْتِيبَ وَمَسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ مَكَثَ بِقَدْرِ غَسْلَ رِجْلَيْهِ أَوْ قُلْنَا يُجْزِئُ الْغَسْلُ عَنِ الْمَسْحِ أَجْزَأَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ ذَلِكَ فِي إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَفِي الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ. فَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمَاءُ جَارِيًا فَمَرَّتْ عَلَيْهِ أَرْبَعُ جَرْيَاتٍ أَجْزَأَهُ إِنْ مَسَحَ رَأْسَهُ إِنْ قُلْنَا: الْغَسْلُ يُجْزِئُ عَنِ الْمَسْحِ وَإِلَّا فَلَا، وَقَدْ قِيلَ يُجْزِئُهُ جَرْيَةٌ وَاحِدَةٌ لَكِنَّ عَلَيْهِ مَسْحَ رَأْسِهِ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْغَسْلَ لَا يُجْزِئُ عَنِ الْمَسْحِ فَلَمْ تَصِحَّ طَهَارَةُ الرَّأْسِ وَلَا الرِّجْلَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا بَعْدَهُ مَأْخُوذًا مِنْ نَصِّهِ فِي رَجُلٍ أَرَادَ الْوُضُوءَ فَاغْتَمَسَ فِي الْمَاءِ ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْمَاءِ فَعَلَيْهِ مَسْحُ رَأْسِهِ وَغَسْلُ رِجْلَيْهِ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِنَّمَا حَصَلَتْ بِانْفِصَالِ الْعُضْوِ عَنِ الْمَاءِ. كَمَا تَحَصَّلَتْ فِي الْمَاءِ الْجَارِي بِانْفِصَالِ الْمَاءِ عَنِ الْعُضْوِ وَقَدْ نَصَّ عَلَى مَثَلِ ذَلِكَ فِي طَهَارَةِ الْجُنُبِ، وَيَسْقُطُ تَرْتِيبُ الْوُضُوءِ عَنِ الْجُنُبِ تَبَعًا لِلْغُسْلِ؛ إِذْ قُلْنَا يُجْزِئُ عَنْهُ الْغُسْلُ كَمَا سَقَطَ فِعْلُهُ حَتَّى لَوِ اغْتَسَلَ إِلَّا أَعْضَاءَ وُضُوئِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ التَّرْتِيبُ فِيهَا لِبَقَاءِ حُكْمِ الْجَنَابَةِ فِيهَا، وَلَوْ غَسَلَ بَعْضَهَا عَنْهَا ثُمَّ أَحْدَثَ لَزِمَهُ التَّرْتِيبُ فِيمَا غَسَلَهُ وَلَمْ يَلْزَمْهُ فِي بَاقِيهَا.

стр. 149

[مسألة الموالاة في الوضوء] مَسْأَلَةٌ: " وَأَنْ لَا يُؤَخِّرَ غَسْلَ عُضْوٍ حَتَّى يَنْشِفَ الَّذِي قَبْلَهُ ". هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَالْمَنْصُوصُ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ. وَرَوَى عَنْهُ حَنْبَلٌ أَنَّهَا لَيْسَتْ وَاجِبَةً؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْغُسْلِ مُطْلَقًا وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْمُوَالَاةَ. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ " أَنَّهُ غَسَلَ رِجْلَيْهِ بَعْدَ مَا جَفَّ وُضُوؤُهُ "؛ وَلِأَنَّ مَا جَازَ تَفْرِيقُ النِّيَّةِ عَلَى أَبْعَاضِهِ جَازَ تَفْرِيقُ أَفْعَالِهِ كَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَالْحُدُودِ؛ وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ فَأَشْبَهَتِ الْغُسْلَ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِمَا رَوَى خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي فِي ظَهْرِ قَدَمِهِ لُمْعَةٌ كَقَدْرِ الدِّرْهَمِ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ " فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ»، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَقَالَ أَحْمَدُ إِسْنَادٌ جَيِّدٌ.

стр. 150

وَرَأَى عُمَرُ فِي قَدَمِ رَجُلٍ مِثْلَ مَوْضِعِ الْفِلْسِ لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ " فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ "، رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. أَمَّا الزَّكَاةُ فَلَا يَرْتَبِطُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ؛ وَالْحَجُّ عِبَادَاتٌ تَتَعَلَّقُ بِأَمْكِنَةٍ وَأَزْمِنَةٍ، وَيَحْتَاجُ كُلُّ فِعْلٍ مِنْهُ إِلَى نِيَّةٍ، (وَالْحَجُّ) لَا يَنْقُصُ بَعْدَ وُقُوعِهِ. أَمَّا الْغُسْلُ فَإِنَّمَا لَمْ تُشْتَرَطِ الْمُوَالَاةُ فِيهِ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْمِيَاهِ عَنْهُ ﷺ " «أَنَّهُ رَأَى لُمْعَةً بَعْدَ غُسْلِهِ فَعَصَرَ شَعْرَهُ عَلَيْهَا» ". وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «إِنِّي اغْتَسَلْتُ مِنَ الْجَنَابَةِ وَصَلَّيْتُ الْفَجْرَ ثُمَّ أَصْبَحْتُ فَرَأَيْتُ قَدْرَ مَوْضِعِ الظُّفْرِ لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " لَوْ كُنْتَ مَسَحْتَ عَلَيْهِ بِيَدِكَ أَجْزَأَكَ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " «أَمَرَ الْجُنُبَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ أَنْ يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» " وَكَذَلِكَ الْأَكْلُ، وَالْمُجَامِعُ ثَانِيًا، وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَحَدَّثُونَ فِي الْمَسْجِدِ إِذَا تَوَضَّئُوا وَهُمْ جُنُبٌ، وَلَوْلَا أَنَّ الْجَنَابَةَ تَنْقُصُ بِالْوُضُوءِ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ فَائِدَةٌ، وَإِنَّمَا تَنْقُصُ إِذَا صَحَّ تَبْعِيضُهَا، وَإِذَا صَحَّ تَبْعِيضُهَا صَحَّ تَفْرِيقُهَا بِخِلَافِ الْوُضُوءِ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ تَبْعِيضُهُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ بَلْ لَا يَرْتَفِعُ الْحَدَثُ عَنْ عُضْوٍ حَتَّى يَرْتَفِعَ عَنْ جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَنْ نَسِيَ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ فِي الْجَنَابَةِ وَصَلَّى أَنَّهُ يَنْصَرِفُ " فَيُمَضْمِضُ وَيَسْتَنْشِقُ وَيُعِيدُ الصَّلَاةَ ". رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ.

стр. 151

وَلِأَنَّ الْمُوَالَاةَ تَابِعَةٌ لِلتَّرْتِيبِ، وَالتَّرْتِيبُ إِنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ عُضْوَيْنِ، وَبَدَنُ الْجُنُبِ كَالْعُضْوِ الْوَاحِدِ؛ وَلِأَنَّ تَفْرِيقَ الْغُسْلِ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ كَثِيرًا فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ أَصْلَحَ لِلْبَدِينِ، وَقَدْ يَنْسَى فِيهِ مَوْضِعَ لُمْعَةٍ أَوْ لُمْعَتَيْنِ أَوْ بَاطِنَ شَعْرِهِ، وَفِي إِعَادَتِهِ مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ، وَالْوُضُوءُ يَنْدُرُ ذَلِكَ فِيهِ وَتَخِفُّ مَؤُونَةُ الْإِعَادَةِ فَافْتَرَقَا؛ وَلِأَنَّ الْوُضُوءَ يَتَعَدَّى حُكْمُهُ مَحَلَّهُ إِلَى سَائِرِ الْبَدَنِ؛ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا جُمْلَةَ الْغُسْلِ لَا يَتَعَدَّى حُكْمُهُ مَحَلَّهُ فَأَشْبَهَ إِزَالَةَ النَّجَاسَةِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ : " «إِنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً» ". وَمَتَّى فَرَّقَ الْغُسْلَ فَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةٍ يَسْتَأْنِفُهَا فِي تَمَامَهِ، وَكَذَلِكَ الْوُضُوءُ إِذَا أَخَّرْنَا تَفْرِيقَهُ ; لِأَنَّ النِّيَّةَ الْحُكْمِيَّةَ تَبْطُلُ بِطُولِ الْفَصْلِ كَمَا تَبْطُلُ بِطُولِ الْفَصْلِ قَبْلَ الشُّرُوعِ، وَلَا تَسْقُطُ الْمُوَالَاةُ بِالنِّسْيَانِ، فَلَوْ نَسِيَ مَوْضِعَ ظُفْرٍ مِنْ قَدَمِهِ وَطَالَ الْفَصْلُ، أَعَادَ الْوُضُوءَ إِذَا ذَكَرَهُ، وَكَذَلِكَ الْجَاهِلُ؛ لِأَنَّ الَّذِي أَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِإِعَادَةِ الْوُضُوءِ كَانَ جَاهِلًا وَلَمْ يَعْذُرْهُ بِذَلِكَ، وَحَدُّ الْمُوَالَاةِ أَنْ يَغْسِلَ الْعُضْوَ الثَّانِيَ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ الْمَاءُ عَنِ الَّذِي قَبْلَهُ فِي الزَّمَنِ الْمُعْتَدِلِ أَوْ مِقْدَارِهِ مِنَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ. فَلَوْ لَمْ يَشْرَعْ فِيهِ حَتَّى نَشَفَتْ رُطُوبَةُ الْأَوَّلِ أَوْ أَخَّرَ غَسْلَ آخِرِهِ حَتَّى نَشِفَ أَوَّلُهُ اسْتَأْنَفَ فَإِنَّ الْأَوَّلَ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي الثَّانِي وَقَبْلَ فَرَاغِهِ لِاشْتِغَالِهِ بِسُنَّةٍ مِنْ تَخْلِيلٍ أَوْ تَكْرَارٍ أَوْ إِسْبَاغٍ أَوْ إِزَالَةِ شَكٍّ لَمْ يُعَدَّ تَفْرِيقًا كَمَا لَوْ طَوَّلَ أَرْكَانَ الصَّلَاةِ، قَالَ أَحْمَدُ: إِذَا كَانَ فِي عِلَاجِ الْوُضُوءِ فَلَا بَأْسَ " وَإِنْ كَانَ لِعَبَثٍ أَوْ سَرَفٍ أَوْ زِيَادَةٍ عَلَى الثَّلَاثِ قَطَعَ الْمُوَالَاةَ كَمَا لَوْ كَانَ لِتَرْكٍ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ لِوَسْوَسَةٍ فِي الْأَقْوَى، وَإِنْ كَانَ لِإِزَالَةِ وَسَخٍ فَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الطَّهَارَةِ شَرْعًا وَعَنْهُ أَنَّ التَّفْرِيقَ الْمُبْطِلَ مَا يُعَدُّ فِي الْعُرْفِ تَفْرِيقًا.

стр. 152

[مسألة الْمُبَالَغَةُ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ] مَسْأَلَةٌ: " وَغَسْلُ الْكَفَّيْنِ ثَلَاثًا، وَالْمُبَالَغَةُ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ صَائِمًا ". وَقَدْ تَقَدَّمَ غَسْلُ الْكَفَّيْنِ؛ وَأَمَّا الْمُبَالَغَةُ فَلِمَا رَوَى لَقِيطُ بْنُ صَبِرَةَ، قَالَ: «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنِ الْوُضُوءِ قَالَ: " أَسْبِغِ الْوُضُوءَ وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «اسْتَنْثِرُوا مَرَّتَيْنِ بَالِغَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا» "، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْمَضْمَضَةُ فِي مَعْنَاهَا، لِيَسْتَغْرِقَ دَاخِلَ الْفَمِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْعُذْرُ عَنْ تَرْكِهَا فِي الْحَدِيثِ.

стр. 153

وَالْمُبَالَغَةُ أَنْ يُدِيرَ الْمَاءَ فِي أَقَاصِي الْفَمِ، وَأَنْ يَجْتَذِبَهُ بِالنَّفَسِ إِلَى أَقْصَى الْأَنْفِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَصِيرَ سُقُوطًا أَوْ وَجُورًا، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقْلَا: الْمُبَالَغَةُ فِي الِاسْتِنْشَاقِ وَاجِبَةٌ لِلْأَمْرِ بِهَا، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا سُنَّةٌ؛ لِأَنَّهَا تَسْقُطُ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ، وَلَا تُسْتَحَبُّ فِيهِ وَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَمَا تُرِكَتْ لِأَجْلِ التَّطَوُّعِ. [مسألة غَسْلُ الْمَيَامِنِ قَبْلَ الْمَيَاسِرِ] مَسْأَلَةٌ: " وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ وَالْأَصَابِعِ وَمَسْحُ الْأُذُنَيْنِ وَغَسْلُ الْمَيَامِنِ قَبْلَ الْمَيَاسِرِ ". أَمَّا تَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ وَالْأَصَابِعِ وَمَسْحُ الْأُذُنَيْنِ فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وَأَمَّا غَسْلُ الْمَيَامِنِ قَبْلَ الْمَيَاسِرِ فَلِأَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: " «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطُهُورِهِ وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ الَّذِينَ وَصَفُوا وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَدَءُوا بِالْمَيَامِنِ قَبْلَ الْمَيَاسِرِ؛ وَلِأَنَّ الْوُضُوءَ مِمَّا يَشْتَمِلُ الْعُضْوَيْنِ وَهُوَ مِنْ بَابِ الْكَرَامَةِ فَقُدِّمَتْ فِيهِ الْيُمْنَى كَالِانْتِعَالِ وَدُخُولِ الْمَسْجِدِ وَالتَّرَجُّلِ، وَهُوَ سُنَّةٌ فَلَوْ قَدَّمَ الْيُسْرَى جَازَ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَخْرَجَهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ وَاحِدٌ لَمْ يُقَدِّمْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ عَلِيٍّ ﵁: مَا أُبَالِي إِذَا أَتْمَمْتُ وُضُوئِي بِأَيِّ أَعْضَائِي بَدَأْتُ، كَذَلِكَ جَاءَ عَنْهُ مُفَسَّرًا

стр. 154

وَقَدْ رَوَى قَابُوسُ بْنُ أَبِي ظِبْيَانَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَلِيًّا سُئِلَ فَقِيلَ لَهُ أَحَدُنَا يَسْتَعْجِلُ فَيَغْسِلُ شَيْئًا قَبْلَ شَيْءٍ؟ فَقَالَ: " لَا حَتَّى يَكُونَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ " رَوَاهُ أَحْمَدُ. [مسألة الْغَسْلُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا] مَسْأَلَةٌ: " وَالْغَسْلُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا وَالْإِسْرَافُ فِي الْمَاءِ ". السُّنَّةُ أَنْ يَغْسِلَ كُلَّ عُضْوٍ ثَلَاثًا وَإِلَّا فَمَرَّتَيْنِ وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى مَرَّةٍ جَازَ لِمَا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا تَحْصُلُ السُّنَّةُ بِالْإِسْبَاغِ. [مسألة الاجتزاء بالغسل مرة مرة] مَسْأَلَةٌ: " وَالْوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ النِّيَّةُ وَالْغَسْلُ مَرَّةً مَرَّةً مَا خَلَا الْكَفَّيْنِ ". وَقَدْ تَقَدَّمَ دَلِيلُ وُجُوبِ النِّيَّةِ وَأَمَّا الِاجْتِزَاءُ بِالْغَسْلِ مَرَّةً؛ فَلِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: " «تَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ مَرَّةً مَرَّةً» ". رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا مُسْلِمًا. وَأَمَّا الْكَفَّانِ فَغَسْلُهُمَا قَبْلَ الْوَجْهِ سُنَّةٌ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا مَحَلُّ وُجُوبِهِمَا بَعْدَ الْوَجْهِ لِمَا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا تَحْصُلُ السُّنَّةُ بِإِسْبَاغِ كُلِّ مَرَّةٍ فَإِنْ لَمْ يُسْبِغْ بِالْأُولَى كَانَتِ الثَّانِيَةُ تَمَامًا لَهَا؛ وَلِهَذَا جَاءَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ لَمَّا حَكَى وُضُوءَ النَّبِيِّ

стр. 155

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ غَرْفَةً رَابِعَةً لِوَجْهِهِ، فَأَمَّا الزِّيَادَةُ عَلَى ثَلَاثٍ سَابِغَاتٍ، وَالزِّيَادَةُ مِنَ الْمَاءِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ فَمَنْهِيٌّ (عَنْهَا)؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنِ الْوُضُوءِ " فَأَرَاهُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَقَالَ: هَذَا الْوُضُوءُ، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَقَالَ " مَا هَذَا السَّرَفُ ". فَقَالَ أَفِي الْوُضُوءِ إِسْرَافٌ. قَالَ: " نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «لِلْوُضُوءِ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ الْوَلْهَانُ فَاتَّقُوا وَسْوَاسَ الْمَاءِ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ أَنَّهُ سَمِعَ

стр. 156

ابْنَهُ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْقَصْرَ الْأَبْيَضَ عَنْ يَمِينِ الْجَنَّةِ إِذَا دَخَلْتُهَا، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ سَلِ اللَّهَ ﵎ الْجَنَّةَ وَعُذْ بِهِ مِنَ النَّارِ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ وَالْوُضُوءِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَلَوْ خَالَفَ بَيْنَ الْأَعْضَاءِ بِأَنْ يَغْسِلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَيَدَهُ مَرَّتَيْنِ لَمْ يُكْرَهْ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ؛ وَإِذَا شَكَّ هَلْ غَسَلَ مَرَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، بَنَى عَلَى الْيَقِينِ كَعَدَدِ الرَّكَعَاتِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ وَالسَّاقِ إِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «أَنْتُمُ الْغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ فَلْيُطِلْ غُرَّتَهُ وَتَحْجِيلَهُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ تَنْشِيفُ أَعْضَائِهِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ مَا لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا مِنْ بَرْدٍ وَغَيْرِهِ؛ «لِأَنَّ مَيْمُونَةَ لَمَّا وَضَعَتْ غُسْلَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ فَأَتَيْتُهُ بِالْمِنْدِيلِ فَلَمْ يُرِدْهَا، وَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ بِيَدِهِ». رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ؛ وَلِأَنَّهُ أَثَرُ عِبَادَةٍ لَا يُخَافُ ضَرَرُهُ أَوْ لَا يُسْتَحَبُّ إِزَالَتُهُ فَكُرِهَتْ

стр. 157

كَدَمِ الشَّهِيدِ، وَخُلُوفِ فَمِ الصَّائِمِ، وَطَرْدُهُ التُّرَابُ بِجَبْهَةِ السَّاجِدِ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى لَا يُكْرَهُ وَلَا يُسْتَحَبُّ، وَهِيَ أَصَحُّ؛ لِمَا رَوَى قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: «زَارَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَنْزِلِنَا فَأَمَرَ لَهُ سَعْدٌ بِغُسْلٍ فَوُضِعَ لَهُ " فَاغْتَسَلَ ثُمَّ نَاوَلْتُهُ مِلْحَفَةً مَصْبُوغَةً بِزَعْفَرَانَ أَوْ وَرْسٍ فَاشْتَمَلَ بِهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. وَعَنْ سَلْمَانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ " «تَوَضَّأَ فَقَلَبَ جُبَّةَ صُوفٍ كَانَتْ عَلَيْهِ فَمَسَحَ بِهَا وَجْهَهُ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ؛ وَلِأَنَّ هَذَا الْأَثَرَ لَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ بِاسْتِطَابَتِهِ فَأَشْبَهَ غُبَارَ الْقَدَمَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَبِهَذَا يُنْقَضُ قِيَاسُهُمْ، وَأَصْلُ قِيَاسِهِمْ عَكْسُ عِلَّتِنَا. وَأَمَّا نَفْضُ يَدِهِ فَكَرِهَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ.

стр. 158

لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «إِذَا تَوَضَّأْتُمْ فَلَا تَنْفُضُوا أَيْدِيَكُمْ» ". وَقَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: لَا يُكْرَهُ كَالتَّنْشِيفِ لِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ الْمُتَقَدِّمِ، وَيُبَاحُ مُعَاوَنَتُهُ فِي الْوُضُوءِ بِاسْتِقَاءِ الْمَاءِ وَحَمْلِهِ وَصَبِّهِ عَلَيْهِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَلِيَ هُوَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، فَأَمَّا إِنِ اسْتَنَابَ غَيْرَهُ فِي فِعْلِ الْوُضُوءِ بِأَنْ نَوَى وَغَسَلَ الْغَيْرُ أَعْضَاءَهُ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ وَيُجْزِئُهُ كَمَا لَوْ نَوَى وَوَقَفَ تَحْتَ مِيزَابٍ وَأُنْبُوبٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَةٌ يستحب السواك في جميع الأوقات] مَسْأَلَةٌ: " وَيُسَنُّ السِّوَاكُ عِنْدَ تَغَيُّرِ الْفَمِ وَعِنْدَ الْقِيَامِ مِنَ النَّوْمِ وَعِنْدَ الصَّلَاةِ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : " «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» "، وَيُسْتَحَبُّ فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ إِلَّا لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ ". أَمَّا اسْتِحْبَابُهُ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ، فَلِمَا رَوَى أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ. وَذَكَرَهُ

стр. 159

الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا؛ وَلِأَنَّ جَمِيعَ الْأَوْقَاتِ مَظِنَّةُ مَا يُطَهَّرُ الْفَمُ مِنْهُ مِنْ إِدَامٍ وَأَكْلٍ، وَمَا يُطَهَّرُ لَهُ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ وَكَلَامِ الْعِبَادِ، وَلِذَلِكَ اسْتُحِبَّ مُطْلَقًا وَيَتَأَكَّدُ اسْتِحْبَابُهُ لِسَبَبَيْنِ أَحَدُهُمَا عِنْدَ تَغَيُّرِ الْفَمِ بِمَأْكُولٍ أَوْ خُلُوِّهِ مِنَ الطَّعَامِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ عِنْدَ الْقِيَامِ مِنَ اللَّيْلِ، لِمَا رَوَى حُذَيْفَةُ قَالَ " «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. يَعْنِي يَغْسِلُهُ وَيُدَلِّكَ. وَفِي لَفْظٍ: كُنَّا نُؤْمَرُ بِالسِّوَاكِ إِذَا قُمْنَا مِنَ اللَّيْلِ؛ وَلِأَنَّ بِالنَّوْمِ يَنْطَبِقُ فَمُهُ فَيَحْتَبِسُ فِيهِ الْبُخَارُ الْمُتَصَاعِدُ مِنْ مَعِدَتِهِ فَيُغَيِّرُهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا دَخَلَ مَنْزِلَهُ وَقَدْ قِيلَ «لِعَائِشَةَ: بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يَبْدَأُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ مَنْزِلَهُ قَالَتْ: بِالسِّوَاكِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " «كَانَ لَا يَرْقُدُ لَيْلًا وَلَا نَهَارًا، فَيَسْتَيْقِظُ إِلَّا تَسَوَّكَ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَأَمَّا إِذَا تَغَيَّرَ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ أَوِ اصْفَرَّ لَوْنُ الْأَسْنَانِ مِنْ مَطْعُومٍ أَوْ خُلُوٍّ مِنَ الطَّعَامِ أَوْ غَيْرِ

стр. 160

ذَلِكَ فَلِمَا رَوَى تَمَّامُ بْنُ الْعَبَّاسِ قَالَ: أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ أَوْ أَتَى فَقَالَ: " «مَا لِي أَرَاكُمْ تَأْتُونِي قُلْحًا، اسْتَاكُوا» " رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَلِأَنَّ السِّوَاكَ إِنَّمَا شُرِعَ لِتَطْيِيبِ الْفَمِ وَتَطْهِيرِهِ وَتَنْظِيفِهِ؛ فَإِذَا تَغَيَّرَ فَقَدْ تَحَقَّقَ السَّبَبُ الْمُقْتَضِي لَهُ فَكَانَ أَوْلَى مِنْهُ عِنْدَ النَّوْمِ. وَالسَّبَبُ الثَّانِي: إِذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» ". رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ. وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " «فَضْلُ الصَّلَاةِ بِالسِّوَاكِ عَلَى الصَّلَاةِ بِغَيْرِ السِّوَاكِ سَبْعُونَ صَلَاةً» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّلَ تَرْكَ الْأَمْرِ بِالْمَشَقَّةِ فَلَوْ كَانَ أَمْرَ إِيجَابٍ لَحَصَلَتِ الْمَشَقَّةُ فِي وُجُوبِهِ، وَفِي وُجُوبِهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ، قَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ.

стр. 161

لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَنْظَلَةَ - الْغَسِيلِ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُمِرَ بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا كَانَ أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ فَلَمَّا شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ " أُمِرَ بِالسِّوَاكِ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَوُضِعَ عَنْهُ الْوُضُوءُ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَهُوَ مَأْمُورٌ بِالتَّوَضُّؤِ لِكُلِّ صَلَاةٍ أَمْرَ اسْتِحْبَابٍ؛ فَعُلِمَ أَنَّ الْمَوْضُوعَ وُجُوبُهُ، وَالسِّوَاكَ بَدَلٌ عَنْهُ فَيَكُونُ وَاجِبًا، وَالثَّانِي: لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ قَالَهُ ابْنُ حَامِدٍ لِمَا رَوَى وَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أُمِرْتُ بِالسِّوَاكِ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيَّ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَهَذَا مَعْنَى تَفْضِيلِهِ عَلَى التَّحْدِيدِ وَهُوَ مَزِيَّةُ الْأَمْرِ حَتَّى كَادَ يَصِيرُ مَفْرُوضًا، وَهَذَا الْوَجْهُ أَشْبَهُ، فَإِنَّ الْأَصْلَ مُشَارَكَةُ أُمَّتِهِ لَهُ فِي الْأَحْكَامِ. وَإِنَّمَا اسْتُحِبَّ لِلْمُصَلِّي لِأَنَّ الْقَائِمَ إِلَى الصَّلَاةِ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَذْكُرُ اللَّهَ وَيَدْعُوهُ فَاسْتُحِبَّ لَهُ تَطْهِيرُ الْفَمِ؛ لِأَنَّهُ مَجْرَى الْقُرْآنِ؛ وَلِئَلَّا يُؤْذِيَ الْمَلَائِكَةَ وَالْآدَمِيِّينَ بِرِيحِ فَمِهِ؛ وَلِأَنَّ

стр. 162

اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ، وَكَذَلِكَ يُسْتَحَبُّ لِكُلِّ قَارِئٍ وَذَاكِرٍ وَدَاعٍ، كَمَا يُسْتَحَبُّ لَهُمُ الْوُضُوءُ، وَأَوْكَدُ وَقَدْ جَاءَ: " «طَهِّرُوا أَفْوَاهَكُمْ بِالسِّوَاكِ فَإِنَّهَا مَجَارِي الْقُرْآنِ» " وَكَذَلِكَ السِّوَاكُ عِنْدَ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ بِهِ وَبِالْمَضْمَضَةِ تَكْمُلُ نَظَافَةُ الْفَمِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا، قَالَ: وَيُرْوَى نَحْوُهُ عَنْ جَابِرٍ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَأَمَّا الصَّائِمُ بَعْدَ الزَّوَالِ فَيُكْرَهُ لَهُ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي الْأُخْرَى لَا

стр. 163

يُكْرَهُ، وَلَا يُسْتَحَبُّ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَيْضًا، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مِنْ خَيْرِ خِصَالِ الصَّائِمِ السِّوَاكُ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ: " «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا لَا أُحْصِي يَتَسَوَّكُ وَهُوَ صَائِمٌ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا. وَلِأَنَّهُ أَحَدُ طَرَفَيِ النَّهَارِ فَأَشْبَهَ أَوَّلَهُ، وَالْأَوْلَى مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «خُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَخُلُوفُ الصَّوْمِ إِنَّمَا يَظْهَرُ غَالِبًا بَعْدَ الزَّوَالِ فَتُكْرَهُ إِزَالَتُهُ؛ لِأَنَّهُ أَثَرُ عِبَادَةٍ؛ مُسْتَطَابٌ فِي الشَّرْعِ فَنُهِيَ عَنْ إِزَالَتِهِ كَدَمِ الشَّهِيدِ، وَمَا قَبْلَ الزَّوَالِ إِنَّمَا يَكُونُ خُلُوفُهُ مِنْ أَثَرِ النَّوْمِ أَوِ الْأَكْلِ بِاللَّيْلِ، فَلَمْ تُكْرَهْ إِزَالَتُهُ، وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ مَا جَاءَ مِنَ الْحَدِيثِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ السِّوَاكُ عُودًا لَيِّنًا يُطَيِّبُ الْفَمَ وَلَا يَضُرُّهُ، وَلَا يَتَفَتَّتُ فِيهِ كَالْأَرَاكِ وَالزَّيْتُونِ وَالْعُرْجُونِ.

стр. 164

وَيُكْرَهُ بِعُودِ الرَّيْحَانِ وَالرُّمَّانِ وَالْآسِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَضُرُّ الْفَمَ، يُقَالُ: إِنَّ الرُّمَّانَ يَضُرُّ لَحْمَ الْفَمِ، وَيُهَيِّجُ الدَّمَ، وَعُودُ الرَّيْحَانِ يُحَرِّكُ عَرَقَ الْجُذَامِ، فَأَمَّا الْيَابِسُ فَيَجْرَحُ، وَأَمَّا الرَّطْبُ فَيَتَفَتَّتُ، وَأَمَّا النَّدِّيُّ فَيُحَصِّلُ الْمَقْصُودَ، وَيُسْتَحَبُّ غَسْلُهُ إِذَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ مَا يَغْسِلُهُ ; لِأَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «يُعْطِينِي السِّوَاكَ لِأَغْسِلَهُ فَأَبْدَأُ بِهِ فَأَسْتَاكُ ثُمَّ أَغْسِلُهُ وَأَدْفَعُهُ إِلَيْهِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَسَوَّكَ بِسِوَاكِ غَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ يَغْسِلْهُ. قَالَتْ عَائِشَةُ: «دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَمَعَهُ سِوَاكٌ يَسْتَنُّ فِيهِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَلْتُ لَهُ: أَعْطِنِي هَذَا السِّوَاكَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَأَعْطَانِيهِ فَقَصَمْتُهُ ثُمَّ مَضَغْتُهُ فَأَعْطَيْتُهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ " فَاسْتَنَّ بِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. فَإِنِ اسْتَاكَ بِأُصْبُعِهِ أَوْ بِخِرْقَةٍ فَقِيلَ لَا يُصِيبُ السُّنَّةَ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِهِ مَعَ غَلَبَةِ وُجُودِهِ وَتَيَسُّرِهِ، وَقِيلَ: يُصِيبُ مِنَ السُّنَّةِ بِقَدْرِ مَا يَحْصُلُ مِنَ الْإِنْقَاءِ؛ لِأَنَّهُ يُنَظِّفُ الْفَمَ وَيُزِيلُ تَغَيُّرَهُ أَوْ تَجَفُّفَهُ كَالْعُودِ، وَقِيلَ: يُجْزِئُ الْأُصْبُعُ مَعَ الْمَاءِ فِي الْمَضْمَضَةِ؛ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ لَمَّا وَصَفَ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أَنَّهُ تَمَضْمَضَ ثَلَاثًا فَأَدْخَلَ بَعْضَ أَصَابِعِهِ فِي فِيهِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ. وَعَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ رَغَّبْتَنَا فِي السِّوَاكِ فَهَلْ مِنْ دُونِ ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ، فَقَالَ: " أَصَابِعُكَ سِوَاكٌ عِنْدَ وُضُوئِكَ، أَمِرَّهَا عَلَى أَسْنَانِكَ إِنَّهُ لَا عَمَلَ

стр. 165

لِمَنْ لَا نِيَّةَ لَهُ وَلَا أَجْرَ لِمَنْ لَا حِسْبَةَ لَهُ». رَوَاهُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ الْبُحْتُرِيِّ الرَّزَّازُ. وَسَمِعَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَجُلًا يَقُولُ لَمْ أَتَسَوَّكْ مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَقَالَ: " لَوْ أَمْرَرْتَ أُصْبُعَكَ عَلَى أَسْنَانِكَ فِي وُضُوئِكَ كَانَ بِمَنْزِلَةِ السِّوَاكِ ". رَوَاهُ حَرْبٌ فِي مَسَائِلِهِ. وَالسُّنَّةُ أَنْ يَسْتَاكَ عَلَى عَرْضِ الْأَسْنَانِ؛ لِمَا رَوَى عَطَاءٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا اسْتَكْتُمُ اسْتَاكُوا عَرْضًا وَإِذَا شَرِبْتُمْ فَاشْرَبُوا مَصًّا» ". رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ وَأَبُو دَاوُدَ فِي مَرَاسِيلِهِ وَعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَكْثَمَ

стр. 166

قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «يَسْتَاكُ عَرْضًا وَيَشْرَبُ مَصًّا وَيَقُولُ هَذَا أَهْنَأُ وَأَمْرَأَ» ". رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ فِي الْغَيْلَانِيَّاتِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الشَّوْصُ دَلْكُ الْأَسْنَانِ عَرْضًا بِالسِّوَاكِ وَنَحْوِهِ؛ وَلِأَنَّ الِاسْتِيَاكَ عَلَى طُولِ الْأَسْنَانِ مِنْ طَرَفِهَا إِلَى عَمُودِهَا رُبَّمَا آذَى اللِّثَةَ وَأَفْسَدَ الْعَمُودَ وَيُسْتَحَبُّ الِاسْتِيَاكُ عَلَى لِسَانِهِ؛ لِأَنَّ أَبَا مُوسَى قَالَ: «أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَأَيْتُهُ يَسْتَاكُ عَلَى لِسَانِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَيُسْتَحَبُّ التَّيَامُنُ فِي سِوَاكِهِ أَنْ يَبْدَأَ بِالْجَانِبِ الْأَيْمَنِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " «كَانَ يُعْجِبُهُ التَّيَامُنُ فِي طَهُورِهِ وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» " وَأَنْ يَسْتَاكَ بِالْيَدِ الْيُسْرَى نَصَّ عَلَيْهِ

стр. 167

لِأَنَّهُ إِمَاطَةُ أَذًى يُفْعَلُ بِإِحْدَى الْيَدَيْنِ فَكَانَ بِالْيُسْرَى كِالِاسْتِنْجَاءِ مَعَ اسْتِحْبَابِ الِابْتِدَاءِ بِالشِّقِّ الْأَيْمَنِ فِيهِ. فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكْتَحِلَ وِتْرًا؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : («إِذَا اكْتَحَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْتَحِلْ وِتْرًا») رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَفِي لَفْظٍ: («مَنِ اكْتَحَلَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا، فَلَا حَرَجَ») رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْإِيتَارُ أَنْ يَكْتَحِلَ فِي كُلِّ عَيْنٍ مَرَّةً وَاحِدَةً، أَوْ ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا، وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَجْعَلَ فِي الْعَيْنِ ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا فِي الْيُمْنَى ثِنْتَيْنِ وَفِي الْيُسْرَى وَاحِدَةً، أَوْ فِي الْيُمْنَى ثَلَاثًا، وَفِي الْيُسْرَى ثِنْتَيْنِ؛ لِمَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : («أَنَّهُ كَانَ يَكْتَحِلُ فِي الْيُمْنَى ثَلَاثًا، وَفِي الْيُسْرَى ثِنْتَيْنِ بِالْإِثْمِدِ»).

стр. 168

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: («أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا اكْتَحَلَ يَجْعَلُ فِي الْيُمْنَى ثَلَاثَةَ مَرَاوِدَ، وَفِي الْيُسْرَى مِرْوَدَيْنِ») وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ: («أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَتْ لَهُ مُكْحُلَةٌ يَكْتَحِلُ مِنْهَا كُلَّ لَيْلَةٍ ثَلَاثَةً فِي هَذِهِ، وَثَلَاثَةً فِي هَذِهِ») رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَهَذَا أَشْهَرُ وَأَثْبَتُ، وَهُوَ أَشْبَهُ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْعَيْنَيْنِ فِي النَّفْعِ وَالزِّينَةِ، وَيُسْتَحَبُّ الِاكْتِحَالُ بِالْإِثْمِدِ عِنْدَ النَّوْمِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : («خَيْرُ

стр. 169

أَكْحَالِكُمُ الْإِثْمِدُ عِنْدَ النَّوْمِ يُنْبِتُ الشَّعْرَ وَيَجْلُو الْبَصَرَ») رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ التَّرَجُّلُ غِبًّا، وَهُوَ تَسْرِيحُ الشَّعْرِ وَدَهْنُهُ، وَكَذَلِكَ " دَهْنُ الْبَدَنِ " لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : («أَنَّهُ يَدَّهِنُ غِبًّا») رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ، وَقَالَ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ: («كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ شَمَطَ رَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ، فَكَانَ إِذَا ادَّهَنَ لَمْ يَتَبَيَّنْ، وَإِذَا شَعِثَ رَأْسُهُ تَبَيَّنَ، وَكَانَ كَثِيرَ شَعْرِ اللِّحْيَةِ») رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ قَالَ: («نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ التَّرَجُّلِ إِلَّا غِبًّا») رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

стр. 170

قَالَ أَحْمَدُ: "مَعْنَاهُ يَدَّهِنُ يَوْمًا وَيَوْمًا لَا" وَالْقَصْدُ أَنْ يَكُونَ ادِّهَانُهُ فِي رَأْسِهِ وَبَدَنِهِ مُتَوَسِّطًا عَلَى حَسَبِ حَالِهِ حَتَّى لَوِ احْتَاجَ إِلَى مُدَاوَمَتِهِ لِكَثْرَةِ شَعْرِهِ وَقُحُولِ بَدَنِهِ جَازَ، لَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ جُمَّةٌ ضَخْمَةٌ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ («فَأَمَرَهُ أَنْ يُحْسِنَ إِلَيْهَا وَأَنْ يَتَرَجَّلَ كُلَّ يَوْمٍ») رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: («مَنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ فَلْيُكْرِمْهُ») رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: («رَأَى النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا ثَائِرَ الرَّأْسِ، فَقَالَ: أَمَا يَجِدُ هَذَا مَا يُسَكِّنُ بِهِ شَعْرَهُ؟!») رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. وَاتِّخَاذُ الشَّعْرِ أَفْضَلُ مِنْ إِزَالَتِهِ بِحَلْقٍ أَوْ قَطْعٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ: قَدْ كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ جُمَّةٌ، وَقَالَ: عَشَرَةٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ لَهُمْ جُمَمٌ وَعَشَرَةٌ لَهُمْ شَعْرٌ، وَيُسَنُّ فَرْقُهُ مِنْ مُؤَخَّرِهِ، فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ سَدْلِهِ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرُقُونَ رَءُوسَهُمْ وَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَسْدِلُونَ («وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ وَيُعْجِبُهُ مُوَافَقَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِشَيْءٍ فَسَدَلَ نَاصِيَتَهُ ثُمَّ

стр. 171

فَرَقَ بَعْدُ») مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَذَكَرَهُ فِي الْفِطْرَةِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَعْنِي بِالنَّاصِيَةِ جَمِيعَ الشَّعْرِ. وَفِي شُرُوطِ عُمَرَ عَلَى النَّصَارَى أَلَّا يَفْرُقُوا نَوَاصِيَهُمْ؛ لِئَلَّا يَتَشَبَّهُوا بِالْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا إِنَّمَا يَتَأَتَّى فِيمَا طَالَ مِنْهُ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ قَدْرُ الشَّعْرِ كَشَعْرِ النَّبِيِّ ﷺ إِنْ قَصُرَ فَإِلَى أُذُنَيْهِ وَإِنْ طَالَ فَإِلَى مَنْكِبَيْهِ، وَإِنْ طَوَّلَهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ جَازَ، وَتَقْصِيرُهُ أَفْضَلُ، وَكَذَلِكَ إِنْ قَصَّرَهُ بِمِقْرَاضٍ أَوْ غَيْرِهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: («كَانَ شَعْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوْقَ الْوَفْرَةِ وَدُونَ الْجُمَّةِ») رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالْوَفْرَةُ الشَّعْرُ إِلَى شَحْمَةِ الْأُذُنِ، وَالْجُمَّةُ مَا بَلَغَ الْمَنْكِبَيْنِ. وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ («كَانَ يَضْرِبُ شَعْرٌ مَنْكِبَيْهِ - وَفِي رِوَايَةٍ - بَيْنَ أُذُنَيْهِ وَعَاتِقِهِ») مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: («إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ») رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ، وَعَنْ سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : («نِعْمَ الرَّجُلُ خُرَيْمٌ الْأَسَدِيُّ لَوْلَا طُولُ جُمَّتِهِ وَإِرْسَالُ إِزَارِهِ فَبَلَغَ

стр. 172

ذَلِكَ خُرَيْمًا فَعَجَّلَ فَأَخَذَ شَفْرَةً فَقَطَعَ بِهَا شَعْرَهُ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ، وَرَفَعَ إِزَارَهُ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ») رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَلِي شَعْرٌ طَوِيلٌ فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: («ذُبَابٌ ذُبَابٌ قَالَ فَرَجَعْتُ فَجَزَزْتُهُ ثُمَّ أَتَيْتُهُ مِنَ الْغَدِ، فَقَالَ: لَمْ أَعْنِكَ، وَهَذَا أَحْسَنُ») رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ. وَهَلْ يُكْرَهُ حَلْقُ الشَّعْرِ فِي غَيْرِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إِلَّا مِنْ حَاجَةٍ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، أَحَدُهُمَا: يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي الْخَوَارِجِ: («سِيمَاهُمُ التَّحْلِيقُ»)، وَقَالَ عُمَرُ لِصُبَيْعٍ التَّمِيمِيِّ الَّذِي كَانَ يَسْأَلُ عَنِ الْمُتَشَابِهَاتِ: لَوْ وَجَدْتُكَ مَحْلُوقًا لَضَرَبْتُ الَّذِي فِيهِ عَيْنَاكَ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

стр. 173

الَّذِي يَحْلِقُ رَأْسَهُ فِي الْمِصْرِ شَيْطَانٌ، قَالَ أَحْمَدُ: كَانُوا يَكْرَهُونَ ذَلِكَ، وَالثَّانِيَةُ: يُكْرَهُ وَلَا يُسْتَحَبُّ بَلْ تَرْكُهُ أَفْضَلُ. لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : («أَنَّهُ رَأَى صَبِيًّا قَدْ حَلَقَ بَعْضَ رَأْسِهِ وَتَرَكَ بَعْضَهُ فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ: احْلِقُوهُ كُلَّهُ أَوْ ذَرُوهُ كُلَّهُ») رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ («أَمْهَلَ آلَ جَعْفَرٍ ثَلَاثًا أَنْ يَأْتِيَهُمْ ثُمَّ أَتَاهُمْ فَقَالَ: لَا تَبْكُوا عَلَى أَخِي بَعْدِ الْيَوْمِ، ادْعُوا إِلَيَّ بَنِي أَخِي، قَالَ: فَجِيءَ بِنَا كَأَنَّا أَفْرُخٌ، فَقَالَ: ادْعُوا إِلَيَّ الْحَلَّاقَ قَالَ: فَجِيءَ بِالْحَلَّاقِ فَحَلَقَ رُءُوسَنَا») رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يُكْرَهُ اسْتِئْصَالُهُ بِالْمَقَارِيضِ فَكَذَلِكَ حَلْقُهُ. وَمَا جَاءَ فِيهِ مِنَ الْكَرَاهَةِ فَهُوَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ فِيمَنْ يَعْتَقِدُهُ قُرْبَةً وَشِعَارَ الصَّالِحِينَ، وَهَكَذَا كَانَتِ الْخَوَارِجُ، فَأَمَّا إِنْ حَلَقَهُ عَلَى أَنَّهُ مُبَاحٌ وَإِنْ تَرَكَهُ أَفْضَلُ فَلَا، فَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَيُكْرَهُ لَهَا قَوْلًا وَاحِدًا، وَيُكْرَهُ حَلْقُ الْقَفَا لِمَنْ لَمْ يَحْلِقْ رَأْسَهُ وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْمَجُوسِ، وَمَنْ تَشَبَّهُ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ، فَأَمَّا عِنْدَ الْحِجَامَةِ وَنَحْوِهَا فَلَا بَأْسَ، وَالْقَزَعُ مَكْرُوهٌ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: («نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى

стр. 174

اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْقَزَعِ») مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ حَلْقُ بَعْضِ الرَّأْسِ دُونَ بَعْضٍ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَزَعِ السَّحَابِ وَهُوَ الْمُتَفَرِّقُ مِنْهُ. فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْمِرْآةِ لِيَتَجَنَّبَ مَا يُشِينُهُ وَيُصْلِحَ مَا يَنْبَغِي إِصْلَاحُهُ. وَرُوِيَ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ قَالَ: («كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَافِرُ بِالْمُشْطِ وَالْمِرْآةِ وَالدُّهْنِ وَالسِّوَاكِ وَالْكُحْلِ») رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَطَيَّبَ لِمَا رَوَى أَنَسٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : («حُبِّبَ إِلَيَّ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ») رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، وَفِي لَفْظٍ لِلنِّسَائِيِّ: («حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ»). وَأَنْ يَتَبَخَّرَ لِمَا رَوَى نَافِعٌ قَالَ: («كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَسْتَجْمِرُ بِالْأَلُوَّةِ غَيْرَ مُطَرَّاةٍ وَبِكَافُورٍ يَطْرَحُهُ مَعَ الْأَلُوَّةِ ثُمَّ

стр. 175

قَالَ: هَكَذَا كَانَ يَسْتَجْمِرُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ »، وَيُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ مِنَ الطِّيبِ مَا خَفِيَ لَوْنُهُ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: («خَيْرُ طِيبِ الرَّجُلِ مَا ظَهَرَ رِيحُهُ وَخَفِيَ لَوْنُهُ، وَخَيْرُ طِيبِ النِّسَاءِ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ وَخَفِيَ رِيحُهُ») رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. فَصْلٌ: فِي خِصَالِ الْفِطْرَةِ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ («خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: الِاسْتِحْدَادُ وَالْخِتَانُ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَنَتْفُ الْإِبِطِ وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ») رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.

стр. 176

وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : («عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ قَصُّ الشَّارِبِ وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ وَالسِّوَاكُ وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ وَقَصُّ الْأَظْفَارِ وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ وَنَتْفُ الْإِبِطِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ وَانْتِفَاضُ الْمَاءِ يَعْنِي الِاسْتِنْجَاءَ، قَالَ مُصْعَبٌ: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ») رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوُ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَ: («خَمْسٌ كُلُّهَا فِي الرَّأْسِ وَذَكَرَ مِنْهَا الْفَرْقَ») وَجَمِيعُ هَذِهِ الْخِصَالِ مَقْصُودُهَا النَّظَافَةُ وَالطَّهَارَةُ وَإِزَالَةُ مَا يَجْمَعُ الْوَسَخَ وَالدَّرَنَ مِنَ الشُّعُورِ وَالْأَظْفَارِ وَالْجِلْدِ. وَأَمَّا قَصُّ الشَّارِبِ، فَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : («مَنْ لَمْ يَأْخُذْ شَارِبَهُ فَلَيْسَ مِنَّا») رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : («جُزُّوا الشَّوَارِبَ وَأَرْخُوا اللِّحَى خَالِفُوا الْمَجُوسَ») رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.

стр. 177

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: («خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ وَفِّرُوا اللِّحَى وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ») مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ: " «كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا حَجَّ أَوِ اعْتَمَرَ قَبَضَ عَلَى لِحْيَتِهِ فَمَا فَضَلَ أَخَذَهُ» "، وَتَحْصُلُ السُّنَّةُ بِقَبْضَةٍ حَتَّى يَبْدُوَ الْإِطَارُ وَهُوَ طَرَفُ الشَّفَةِ، وَكُلَّمَا أُخِذَ فَوْقَ ذَلِكَ فَهُوَ أَفْضَلُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَا يُسْتَحَبُّ حَلْقُهُ؛ لِأَنَّ فِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: («انْهَكُوا الشَّوَارِبَ وَأَعْفُوا اللِّحَى»). قَالَ الْبُخَارِيُّ " وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُحْفِي شَارِبَهُ حَتَّى يُنْظَرَ إِلَى مَوْضِعِ الْحَلْقِ " وَرَوَى حَرْبٌ فِي مَسَائِلِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ وَسَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ وَجَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنَ عُمَرَ وَأَبَا أُسَيْدٍ

стр. 178

يَجُزُّونَ شَوَارِبَهُمْ أَخَا الْحَلْقِ، وَأَمَّا إِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ فَإِنَّهُ يَتْرُكُ وَلَوْ أَخْذَ مَا زَادَ عَلَى الْقَبْضَةِ لَمْ يُكْرَهْ، نَصَّ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَكَذَلِكَ أَخْذُ مَا تَطَايَرَ مِنْهَا. وَقَدْ رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ («كَانَ يَأْخُذُ مِنْ لِحْيَتِهِ مِنْ عَرْضِهَا وَطُولِهَا») رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ، فَأَمَّا حَلْقُهَا فَمِثْلُ حَلْقِ الْمَرْأَةِ رَأْسَهَا وَأَشَدُّ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْمُثْلَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ، وَيُكْرَهُ نَتْفُ الشَّيْبِ وَإِزَالَتُهُ بِمِنْقَاشٍ وَنَحْوِهِ؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : («نَهَى عَنْ نَتْفِ الشَّيْبِ») رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ: («لَا تَنْتِفُوا الشَّيْبَ

стр. 179

فَإِنَّهُ نُورُ الْمُسْلِمِ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَشِيبُ شَيْبَةً فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً وَرَفَعَهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً»). فَأَمَّا خِضَابُهُ بِالْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ فَسُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : («إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ») رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ. قَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهِبٍ: «دَخَلْنَا عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ " فَأَخْرَجَتْ إِلَيْنَا مِنْ شَعْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَإِذَا هُوَ مَخْضُوبٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ، وَلِلْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ مَوْهِبٍ «أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ أَرَتْهُ شَعْرَ النَّبِيِّ ﷺ أَحْمَرَ»، وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : («إِنَّ أَحْسَنَ مَا غَيَّرْتُمْ بِهِ هَذَا الشَّيْبَ الْحِنَّاءُ وَالْكَتَمُ») رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

стр. 180

وَعَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ («كَانَ يُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ») رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَيُكْرَهُ الْخِضَابُ بِالسَّوَادِ؛ لِمَا رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «جِيءَ بِأَبِي قُحَافَةَ يَوْمَ الْفَتْحِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَأَنَّ رَأْسَهُ ثُغَامَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (اذْهَبُوا بِهِ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ فَلْيُغَيِّرْهُ بِشَيْءٍ وَجَنِّبُوهُ السَّوَادَ)» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا الْبُخَارِيَّ وَالتِّرْمِذِيَّ؛ وَلِأَنَّ التَّسْوِيدَ يُشْبِهُ تَكَوُّنَ الْخِلْقَةِ وَذَلِكَ تَزْوِيرٌ وَتَغْيِيرٌ لِخَلْقِ اللَّهِ، فَيُكْرَهُ كَمَا كُرِهَ وَصْلُ الشَّعْرِ وَالنَّمْصُ وَالتَّفَلُّجُ. وَأَمَّا الِاسْتِحْدَادُ فَهُوَ اسْتِعْمَالُ الْحَدِيدِ فِي إِزَالَةِ شَعْرِ الْعَانَةِ وَلَوْ قَصَّهُ أَوْ نَتَفَهُ أَوْ تَنَوَّرَ جَازَ، وَالْحَلْقُ أَفْضَلُ، وَالْأَفْضَلُ فِي الْإِبِطِ أَنْ يَنْتِفَهُ وَلَوْ حَلَقَهُ أَوْ قَصَّهُ أَوْ نَوَّرَهُ جَازَ أَيْضًا، وَلَوْ نَوَّرَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ شِعْرِ السَّاقَيْنِ وَالْفَخِذَيْنِ جَازَ أَيْضًا، نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا اطَّلَى بَدَأَ
следующие страницы →