Полный текст (465 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وَلِأَنَّهُ فِيهِ حَيَاةُ الْحَيَوَانِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]؛ وَلِأَنَّ الْعَصَبَ يُحِسُّ وَيَأْلَمُ وَكَذَلِكَ الضِّرْسُ، وَذَلِكَ دَلِيلُ الْحَيَاةِ.
وَأَمَّا مَا لَا يُحِسُّ مِنْهُ مِثْلُ الْقَرْنِ وَالظُّفُرِ وَالسِّنِّ إِذَا طَالَ فَإِنَّمَا هُوَ لِمُفَارَقَةِ الْحَيَاةِ مَا طَالَ، وَقَدْ كَانَ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ نَجَاسَتَهُ، لَكِنْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ اتِّصَالُهُ بِالْجُمْلَةِ تَبَعًا لَهَا وَدَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ بِتَنْجِيسِ ذَلِكَ كَمَا قُلْنَا فِيمَا حُشِيَ عَلَى الْعَقِبِ وَبُسِطَ عَلَى الْأَنَامِلِ وَسَائِرِ مَا يَمُوتُ مِنَ اللَّحْمِ وَلَمْ يَنْفَصِلْ، فَإِذَا انْفَصَلَ أَوْ مَاتَ الْأَصْلُ زَالَ الْمَانِعُ فَطَهُرَ عَلَى السَّبَبِ، وَتَعْلِيلُ نَجَاسَةِ اللَّحْمِ بِاحْتِقَانِ الرُّطُوبَاتِ فِيهِ قَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْهُ.
[مَسْأَلَةٌ كُلُّ مَيْتَةٍ نَجِسَةٌ إِلَّا الْآدَمِيَّ]
مَسْأَلَةٌ:
" وَكُلُّ مَيْتَةٍ نَجِسَةٌ إِلَّا الْآدَمِيَّ ".
أَمَّا نَجَاسَةُ الْحَيَوَانِ بِالْمَوْتِ فِي الْجُمْلَةِ فَإِجْمَاعٌ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] وَذَلِكَ يَعُمُّ أَكْلَهَا وَالِانْتِفَاعَ بِهَا وَغَيْرَ ذَلِكَ، لِمَا رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: " «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ. فَقَالَ: لَا هُوَ حَرَامٌ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا جَمَّلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ وَأَكَلُوا ثَمَنَهُ» ". رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.
стр. 72
وَالْكَلَامُ فِي فَصْلَيْنِ فِي أَجْزَاءِ الْمَيْتَةِ وَفِي أَجْنَاسِهَا؛ أَمَّا أَجْزَاؤُهَا فَاللَّحْمُ نَجِسٌ وَكَذَلِكَ الْجِلْدُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي الْعَظْمِ وَالشَّعْرِ. وَأَمَّا مَا لَا يَمُوتُ بِمَوْتِهَا كَالْبَيْضِ وَاللَّبَنِ فَإِنَّهُ لَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ لَكِنْ هَلْ يَنْجُسُ بِنَجَاسَةِ وِعَائِهِ؟ أَمَّا الْبَيْضُ فَإِذَا كَانَ قَدْ تَصَلَّبَ قِشْرُهُ فَهُوَ طَاهِرٌ مُبَاحٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ النَّجَاسَةِ كَمَا لَوْ غُمِسَ فِي مَاءٍ نَجِسٍ، وَكَمَا لَوْ طُبِخَ فِي خَمْرٍ أَوْ مَاءٍ نَجِسٍ؛ وَكَذَلِكَ لَوْ سَلَقَهُ فِي مَاءِ مِلْحٍ أَوْ مُرٍّ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هُوَ طَاهِرٌ مُبَاحٌ وَإِنْ لَمْ يَتَصَلَّبْ؛ لِأَنَّ جُمُودَهَا وَغِشَاءَهَا الَّذِي هُوَ كَالْجِلْدِ مَعَ لِينِهِ يَمْنَعُ نُفُوذَ النَّجَاسَةِ إِلَيْهَا.
كَمَا لَوْ وَقَعَتْ فِي مَائِعٍ نَجِسٍ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا تَتَنَجَّسُ إِذَا لَمْ تَتَصَلَّبْ؛ لِأَنَّهَا فِي النُّمُوِّ، وَالْحَاجِزُ غَيْرُ حَصِينٍ فَلَا يَنْفَكُّ غَالِبًا مِنْ أَنْ يَشْرَبَ أَجْزَاءً عَقِيبَ الْمَوْتِ قَبْلَ ذَهَابِ حَرَارَةِ الْحَيَاةِ. وَأَمَّا اللَّبَنُ وَالْإِنْفَحَةُ فَطَاهِرٌ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ فَتَحُوا بِلَادَ الْمَجُوسِ وَأَكَلُوا مِنْ جُبْنِهِمْ مَعَ عِلْمِهِمْ بِنَجَاسَةِ ذَبَائِحِهِمْ، وَأَنَّ الْجُبْنَ إِنَّمَا يُصْنَعُ بِالْإِنْفَحَةِ، وَأَنَّ اللَّبَنَ لَمْ يَنْجُسْ بِالْمَوْتِ؛ إِذْ لَا حَيَاةَ فِيهِ وَلَا بِمُلَاقَاةِ وِعَائِهِ؛ لِأَنَّ الْمُلَاقَاةَ فِي الْبَاطِنِ لَا حُكْمَ لَهَا؛ إِذِ الْحُكْمُ بِالتَّنْجِيسِ إِنَّمَا يَتَسَلَّطُ عَلَى الْأَجْسَامِ الظَّاهِرَةِ.
وَلِذَلِكَ لَمْ يَنْجُسِ الْمَنِيُّ، وَالنَّجَاسَةُ تَخْرُجُ مِنْ مَخْرَجِ الْمَنِيِّ، وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَجِلْدُ الْإِنْفَحَةِ نَجِسٌ كَجِلْدِ الضَّرْعِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِيمَا فِيهِمَا، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى هُمَا نَجِسٌ وَهِيَ الْمَنْصُورَةُ؛ وَلِأَنَّهُ مَائِعٌ فِي وِعَاءٍ نَجِسٍ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أُعِيدَ فِي
стр. 73
الضَّرْعِ بَعْدَ الْحَلْبِ أَوْ حَلَبْتَ فِي إِنَاءٍ نَجِسٍ، وَمَا عَلَّلُوا بِهِ يُنْتَقَضُ بِالْمُخِّ فِي الْعَظْمِ فَإِنَّهُ نَجِسٌ. وَأَمَّا الْمَنِيُّ وَالنَّجَاسَةُ فَمَيَّزَ لَهُ اللَّبَنُ الْخَارِجُ فِي الْحَيَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ نَجُسَ مَا خَلَقَ طَاهِرًا فِي الْبَاطِنِ بِمَا يُلَاقِيهِ لِنَجِسٍ أَبَدًا، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ فَإِنَّهُ خُرُوجُهُ نَادِرٌ كَمَا لَوْ خَرَجَ الْمَنِيُّ وَالنَّجَاسَةُ بَعْدَ الْمَوْتِ.
وَمَا ذُكِرَ عَنِ الصَّحَابَةِ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُمْ وَإِنْ أَكَلُوا مِنْ جُبْنِ بِلَادِ فَارِسَ؛ فَلِأَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُمْ يَهُودُ وَنَصَارَى يَذْبَحُونَ لَهُمْ فَحِينَئِذٍ لَا تَتَحَقَّقُ نَجَاسَةُ الْجُبْنِ، وَلِهَذَا كَتَبَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ إِلَى عُمَرَ يَذْكُرُ أَنَّ الْمَجُوسَ لَمَّا رَأَوْا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا يَشْتَرُونَ جُبْنَهُمْ، وَإِنَّمَا يَشْتَرُونَ جُبْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ عَمَدَ الْمَجُوسُ وَصَلَّبُوا عَلَى الْجُبْنِ كَمَا يُصَلِّبُ أَهْلُ الْكِتَابِ لِيُشْتَرَى جُبْنُهُمْ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ مَا تَبَيَّنَ لَكُمْ أَنَّهُ مِنْ صَنْعَتِهِمْ فَلَا تَأْكُلُوهُ، وَمَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَكُمْ فَكُلُوهُ وَلَا تُحَرِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ. رَوَاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ.
وَقَالَ: قَدْ تَوَرَّعَ عُمَرُ وابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ فِي خَاصَّةِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ أَكْلِ الْجُبْنِ إِلَّا مَا أَيْقَنُوا أَنَّهُ مِنْ جُبْنِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَهْلِ الْكِتَابِ؛ خِيفَةَ أَنْ يَكُونَ مِنْ جُبْنِ الْمَجُوسِ، وَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: إِنَّا نَخَافُ أَنْ يَجْبُنَ الْجُبْنُ بِإِنْفَحَةِ الْمَيْتَةِ، فَقَالَ مَا عَلِمْتَ أَنَّهُ مَيْتَةٌ فَلَا تَأْكُلْ. وَأَمَّا أَجْنَاسُ الْمَيِّتِ فَكُلُّ مَيِّتٍ نَجِسٌ إِلَّا مَا يُبَاحُ أَكْلُهُ مَيِّتًا وَمَا لَيْسَ لَهُ دَمٌ سَائِلٌ وَمَا حُرِّمَ لِشَرَفِهِ وَقَدِ اسْتَثْنَاهَا الشَّيْخُ ﵀ كَذَلِكَ لِعُمُومِ الْآيَةِ وَالْقِيَاسِ، سَوَاءٌ كَانَ طَاهِرًا فِي الْحَيَاةِ أَوْ نَجِسًا لَكِنْ يَبْقَى نَجِسًا لِسَبَبَيْنِ كَمَا حَرَّمَ السَّبَبَيْنِ.
стр. 74
أَمَّا الْإِنْسَانُ فَلَا يَنْجُسُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى يَنْجُسُ لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَوَقَعَ زِنْجِيٌّ فِي بِئْرِ زَمْزَمَ فَمَاتَ فَأَمَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِهَا تُنْزَحُ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ؛ وَلِأَنَّهُ ذُو نَفْسٍ سَائِلَةٍ لَا تُبَاحُ مَيْتَتُهُ فَنَجُسَ بِالْمَوْتِ كَالشَّاةِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظِ الدَّارَقُطْنِيِّ " «الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ حَيًّا وَلَا مَيِّتًا» ". وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ " «لَيْسَ عَلَيْكُمْ فِي مَيِّتِكُمْ غُسْلٌ إِذَا غَسَّلْتُمُوهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسٍ» ".
وَلِأَنَّ ذَلِكَ مَنْقُولٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ فِي قَضَايَا مُتَعَدِّدَةٍ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ؛ وَلِأَنَّهُ آدَمِيٌّ مُسْلِمٌ فَلَمْ يَنْجُسْ بِالْمَوْتِ كَالشَّهِيدِ؛ فَإِنَّهُ
стр. 75
مُسْلِمٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ نَجُسَ لَمْ يَطْهُرْ بِالْغُسْلِ؛ وَلِأَنَّ الْمُوجِبَ لِطَهَارَتِهِ شَرَفُهُ، وَكَذَلِكَ لَا حَيًّا وَلَا مَيِّتًا، وَإِنْ قُلْنَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ بِحَسَبِ أَعْضَائِهِ بِالِانْفِصَالِ كَسَائِرِ الْحَيَوَانِ، فَأَمَّا الشَّعْرُ فَهُوَ طَاهِرٌ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلْحَيَاةِ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ نَجِسٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْجُمْلَةِ كَالْيَدِ، سَوَاءٌ جُزَّ أَوْ تَسَاقَطَ بِخِلَافِ شَعْرِ الْمَأْكُولِ فَإِنَّهُ لَمَّا احْتِيجَ إِلَيْهِ كَانَ جَزُّهُ كَتَذْكِيَةٍ.
وَهَذَا ضَعِيفٌ كَمَا سَبَقَ وَيَطْهُرُ بِالْغَسْلِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ وَلَا يَنْجُسُ الشَّهِيدُ كَمَا لَا يَنْجُسُ دَمُهُ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ فَكَذَلِكَ أَعْضَاؤُهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ تَنْجُسُ وَإِنْ لَمْ يَنْجُسْ فِي الْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ إِنَّمَا تَثْبُتُ لَهَا إِذَا كَانَتْ تَابِعَةً، وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْأَعْضَاءِ كَحُرْمَةِ الْجُمْلَةِ، وَهَذَا يَخْتَصُّ بِالْمُسْلِمِ. وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيَنْجُسُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَفِيَ لِلطَّهَارَةِ مِنَ الْأَثَرِ وَالْقِيَاسِ مَفْقُودٌ فِيهِ، وَسَبَبُ التَّنْجِيسِ مَوْجُودٌ فَعَمِلَ عَمَلَهُ، وَعُمُومُ كَلَامِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا يَقْتَفِي التَّسْوِيَةَ كَمَا فِي الْحَيَاةِ.
стр. 76
[مَسْأَلَةٌ ميتة حيوان الماء الذي لا يعيش الإ فيه طاهر]
مَسْأَلَةٌ:
" وَحَيَوَانُ الْمَاءِ الَّذِي لَا يَعِيشُ إِلَّا فِيهِ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْبَحْرِ: " «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مِيتَتُهُ» ".
أَمَّا السَّمَكُ إِذَا مَاتَ بِمُفَارَقَةِ الْمَاءِ فَهُوَ حَلَالٌ طَاهِرٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَكَذَلِكَ إِذَا مَاتَ فِي الْمَاءِ حَتْفَ أَنْفِهِ وَهُوَ الطَّافِي فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَقَدْ خُرِّجَ فِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ حَرَامٌ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ طَاهِرٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ دَمَهُ طَاهِرٌ كَالْجَرَادِ هُوَ طَاهِرٌ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَحِلُّ إِنْ مَاتَ فِيهِ بِغَيْرِ سَبَبٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَتْ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ، وَمَا عَدَا السَّمَكَ مِمَّا يُبَاحُ فَفِيهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ جَمِيعَهُ يُبَاحُ بِلَا ذَكَاةٍ؛ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَنْجُسُ الْمَاءُ لِمَوْتِهِ فِيهِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يُبَاحُ مِنْهُ إِلَّا السَّمَكُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَيْتَةُ الْمَعْرُوفَةُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: " «أُحِلَّ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ السَّمَكُ وَالْجَرَادُ» ".
وَالثَّالِثَةُ: أَنَّ مَا لَا يَعِيشُ إِلَّا فِي الْمَاءِ فَهُوَ كَالسَّمَكِ وَمَا يَعِيشُ فِي الْبَرِّ لَا يُبَاحُ إِلَّا بِالتَّذْكِيَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ ﵀ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ «سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ، وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا مِنْهُ عَطِشْنَا أَفَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مِيْتَتُهُ» ". رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ؛ وَلِأَنَّ مَا لَا يَعِيشُ إِلَّا فِي الْمَاءِ لَا يُمْكِنُ تَذْكِيَتُهُ غَالِبًا فَأَشْبَهَ السَّمَكَ بِخِلَافِ مَا يَعِيشُ فِي الْبَرِّ.
стр. 77
فَأَمَّا حَيَوَانُ الْبَحْرِ الْمُحَرَّمُ كَالضُّفْدَعِ وَالتِّمْسَاحِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَالْكَوْسَجِ إِذَا قُلْنَا بِتَحْرِيمِهِ فَهُوَ نَجِسٌ بِالْمَوْتِ، وَيُنَجِّسُ الْمَاءَ الْقَلِيلَ كَمَا يُنَجِّسُ غَيْرَهُ مِنَ الْمَائِعَاتِ.
[مَسْأَلَةٌ ميتة مالا نفس له سائله طاهرة]
مَسْأَلَةٌ:
" وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَوَلِّدًا مِنَ النَّجَاسَاتِ ".
النَّفْسُ هِيَ دَمُهُ، وَمِنْهُ سُمِّيَتِ النُّفَسَاءُ لِجَرَيَانِ نَفَسِهَا يُقَالُ نَفِسَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا حَاضَتْ وَنَفِسَتْ إِذَا وَلَدَتْ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
تَسِيلُ عَلَى حَدِّ الظُّبَاتِ نُفُوسُهَا ... وَلَيْسَ عَلَى غَيْرِ الظُّبَاتِ تَسِيلُ
وَهُوَ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: الْمُتَوَلِّدُ مِنَ النَّجَاسَةِ مِثْلُ صَرَاصِيرِ الْكَنِيفِ فَهُوَ نَجِسٌ حَيًّا وَمَيِّتًا؛ لِأَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ نَجِسٍ، فَكَانَ نَجِسًا كَالْكَلْبِ، وَالثَّانِي مَا هُوَ مُتَوَلِّدٌ مِنْ طَاهِرٍ كَالذُّبَابِ وَالْبَقِّ وَالْعَقْرَبِ وَالْقَمْلِ وَالْبَرَاغِيثِ وَالدِّيدَانِ وَالسَّرَطَانِ، سَوَاءٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ دَمٌ أَوْ كَانَ لَهُ دَمٌ غَيْرُ مَسْفُوحٍ، فَهَذَا لَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ وَلَا يُنَجِّسُ الْمَائِعَ إِذَا وَقَعَ فِيهِ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ
стр. 78
فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً وَفِي الْآخَرِ دَاءً» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
فَأَمَرَ بِغَمْسِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ يَمُوتُ بِالْغَمْسِ غَالِبًا، لَا سِيَّمَا فِي الْأَشْيَاءِ الْحَارَّةِ. فَلَوْ كَانَ يُنَجِّسُ الشَّرَابَ لَمْ يَأْمُرْ بِإِفْسَادِهِ، وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يَا سَلْمَانُ كُلُّ طَعَامٍ وَشَرَابٍ وَقَعَتْ فِيهِ دَابَّةٌ لَيْسَ لَهَا دَمٌ فَمَاتَتْ فِيهِ فَهُوَ حَلَالٌ أَكْلُهُ وَشُرْبُهُ وَوُضُوءُهُ» " وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَمُعَاذٍ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي أُمَامَةَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْتُلُونَ الْقَمْلَ فِي الصَّلَاةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَدْفِنُهُ فِي الْمَسْجِدِ وَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَصَانُوا صَلَاتَهُمْ عَنْ حَمْلِ النَّجَاسَةِ، وَمَسْجِدَهُمْ عَنْ دَفْنِ النَّجَاسَةِ فِيهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ دَمٌ سَائِلٌ فَأَشْبَهَ دُودَ الْخَلِّ وَالْبَاقِلَّا.
فَصْلٌ:
إِذَا مَاتَ فِي الْمَاءِ مَا يُشَكُّ فِيهِ هَلْ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ فَهُوَ طَاهِرٌ فِي أَظْهَرِ الْوَجْهَيْنِ. فَأَمَّا الْوَزَغُ فَهُوَ نَجِسٌ فِي الْمَنْصُوصِ مِنَ الْوَجْهَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 79
[بَابُ دُخُولِ الْخَلَاءِ] [ مَسْأَلَةٌ الذكر المسنون عند دخول الخلاء]
مَسْأَلَةٌ:
" يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ دُخُولَ الْخَلَاءِ أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ وَمِنَ الرِّجْسِ النَّجِسِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ "
وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «سَتْرُ مَا بَيْنَ الْجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْخَلَاءَ أَنْ يَقُولَ بِسْمِ اللَّهِ» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: " «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ» ". رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ " «إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ» ".
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ هَذِهِ الْحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ فَإِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبْثِ
стр. 80
وَالْخَبَائِثِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «لَا يَعْجَزُ أَحَدُكُمْ إِذَا دَخَلَ مِرْفَقَهُ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الرِّجْسِ النَّجِسِ الْخَبِيثِ الْمُخْبِثِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. الْحُشُوشُ جَمْعُ حَشٍّ، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ الْبَسَاتِينُ كَانُوا يَقْضُونَ الْحَاجَةَ فِيهَا. ثُمَّ سُمِّيَ مَوْضِعُ قَضَاءِ الْحَاجَةَ حَشًّا، وَالْمُحْتَضَرَةُ الَّتِي تَحْضُرُهَا الشَّيَاطِينُ، وَلِذَلِكَ أُمِرَ بِذِكْرِ اللَّهِ وَالِاسْتِعَاذَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ.
وَالْخُبْثُ بِسُكُونِ الْبَاءِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ، وَابْنُ الْأَنْبَارِيِّ، وَغَيْرُهُمَا قَالُوا: " وَهُوَ الشَّرُّ وَالْخَبَائِثُ الشَّيَاطِينُ " فَكَأَنَّهُ اسْتَعَاذَ مِنَ الشَّرِّ، وَمِنْ أَهْلِ الشَّرِّ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: " إِنَّمَا هُوَ الْخُبْثُ جَمْعُ خَبِيثٍ، وَالْخَبَائِثُ جَمْعُ خَبِيثَةٍ اسْتَعَاذَ
стр. 81
مِنْ ذُكْرَانِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ " وَالْأَوَّلُ أَقْوَى؛ لِأَنَّ فَعِيلَ إِذَا كَانَ صِفَةً جُمِعَ عَلَى فُعْلٍ مِثْلُهُ ظَرِيفٌ وَظُرْفٌ وَكَرِيمٌ وَكُرْمٌ، وَإِنَّمَا يُجْمَعُ عَلَى فُعُلٍ إِذَا كَانَ اسْمًا مِثْلَ رَغِيفٍ وَرُغُفٍ وَنَذِيرٍ وَنُذُرٍ؛ وَلِأَنَّهُ أَكْثَرُ مَعْنًى، وَالنَّجِسُ بِالْكَسْرِ وَالسُّكُونِ اتِّبَاعٌ لِمَا قَبْلَهُ وَلَوْ أَفْرَدْتَهُ لَفَتَحْتَهُ، وَالْمُخْبِثُ ذُو الْأَصْحَابِ الْخُبَثَاءِ، وَهُوَ أَيْضًا الَّذِي يُعَلِّمُ غَيْرَهُ الْخُبْثَ.
[مَسْأَلَةٌ الذكر المسنون عند الخروج من الخلاء]
مَسْأَلَةٌ:
" وَإِذَا خَرَجَ قَالَ: غُفْرَانَكَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي ".
لِقَوْلِ عَائِشَةَ: " «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ قَالَ غُفْرَانَكَ» ". رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: " «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ؛ وَلِأَنَّ الْخَلَاءَ مَظِنَّةُ الْغَفْلَةِ وَالْوَسْوَاسِ فَاسْتُحِبَّ الِاسْتِغْفَارُ عَقِيبَهُ.
[مَسْأَلَةٌ يقدم رجله اليسرى عند دخول الخلاء واليمنى عند الخروج]
مَسْأَلَةٌ:
" وَيُقَدِّمُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى فِي الدُّخُولِ وَالْيُمْنَى فِي الْخُرُوجِ "
وَهَذَا عَكْسُ دُخُولِ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ الْيُمْنَى أَحَقُّ بِالتَّقْدِيمِ إِلَى الْأَمَاكِنِ الطَّيِّبَةِ
стр. 82
وَأَحَقُّ بِالتَّأْخِيرِ عَنِ الْأَذَى وَمَحَلِّ الْأَذَى، وَكَذَلِكَ قُدِّمَتْ فِي الِانْتِعَالِ دُونَ النَّزْعِ؛ لِأَنَّهُ صِيَانَةٌ لَهَا، وَهَذَا فِيمَا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْعُضْوَانِ، فَأَمَّا مَا يَخْتَصُّ بِأَحَدِهِمَا فَإِنَّهُ يُفْعَلُ بِالْيَمِينِ إِنْ كَانَ مِنْ بَابِ الْكَرَامَةِ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَبِالشِّمَالِ إِنْ كَانَ مِنْ بَابِ إِزَالَةِ الْأَذَى كَالِاسْتِنْجَاءِ وَالسِّوَاكِ.
[مَسْأَلَةٌ لا يدخل الخلاء بشيء فيه اسم الله إلا من حاجة]
مَسْأَلَةٌ:
" وَلَا يَدْخُلُهُ بِشَيْءٍ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ إِلَّا مِنْ حَاجَةٍ ".
لِمَا رَوَى أَنَسٌ قَالَ: " «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ نَزَعَ خَاتَمَهُ» ". رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. " «وَكَانَ نَقْشُ خَاتَمِهِ (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ)» ". فَإِنْ كَانَ مَعَهُ دَرَاهِمُ أَوْ كِتَابٌ أَوْ خَاتَمٌ فِيهِ ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ وَخَافَ عَلَيْهِ اسْتَصْحَبَهُ وَسَتَرَهُ وَاحْتَرَزَ مِنْ سُقُوطِهِ.
стр. 83
وَإِنْ كَانَ خَاتَمًا أَدَارَ فَصَّهُ إِلَى بَاطِنِ كَفِّهِ، فَإِنْ دَخَلَ بِشَيْءٍ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ كُرِهَ؛ لِأَنَّهُ يُصَانُ عَنْهُ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى بِاللِّسَانِ فَعَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِ اسْمُهُ أَوْلَى؛ بِدَلِيلِ الْمُحْدِثِ يُمْنَعُ مِنْ مَسِّ الْمُصْحَفِ دُونَ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ.
[مَسْأَلَةٌ يَعْتَمِدُ فِي جُلُوسِهِ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى]
مَسْأَلَةٌ:
" وَيَعْتَمِدُ فِي جُلُوسِهِ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى ".
لِمَا رَوَى سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: " «عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَتَيْنَا الْخَلَاءَ أَنْ نَتَوَكَّأَ عَلَى الْيُسْرَى وَنَنْصِبَ الْيُمْنَى» ". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَسْهَلُ لِخُرُوجِ الْحَدَثِ.
فَصْلٌ:
وَلَا يَتَكَلَّمُ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ " «أَنَّ رَجُلًا مَرَّ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ» " رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا الْبُخَارِيَّ، وَعَنْ أَبِي
стр. 84
سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «لَا يَخْرُجُ الرَّجُلَانِ يَضْرِبَانِ الْغَائِطَ كَاشِفَيْنِ عَوْرَاتِهُمَا يَتَحَدَّثَانِ فَإِنَّ اللَّهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ.
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ " «أَنَّ رَجُلًا مَرَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ الرَّجُلُ فَرَدَّ ﵇ فَلَمَّا جَاوَزَهُ نَادَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّمَا حَمَلَنِي عَلَى الرَّدِّ عَلَيْكَ خَشْيَةَ أَنْ تَذْهَبَ فَتَقُولَ: إِنِّي سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَإِذَا رَأَيْتَنِي عَلَى هَذِهِ الْحَالِ فَلَا تُسَلِّمْ عَلَيَّ فَإِنَّكَ إِنْ تَفْعَلْ لَا أَرُدُّ عَلَيْكَ» ". رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ هُنَا مَكْرُوهٌ وَأَنَّهُ يَجُوزُ لِعُذْرٍ، وَإِذَا عَطَسَ حَمِدَ اللَّهَ بِقَلْبِهِ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْأُخْرَى يَحْمَدُهُ بِلِسَانِهِ خُفْيَةً لِعُمُومِ الْأَمْرِ بِهِ؛ وَلِأَنَّهُ كَلَامٌ لِحَاجَةٍ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَرُدَّ السَّلَامَ مَعَ تَأَكُّدِهِ وَتَعَلُّقِ حَقِّ الْإِنْسَانِ بِهِ فَغَيْرُهُ أَوْلَى.
وَحَكَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَكْرَهُ ذِكْرَ اللَّهِ عَلَى خَلَائِهِ وَيُشَدِّدُ فِيهِ، وَذِكْرُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَعْظَمُ مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الْكَلَامِ فَلَا يُقَاسُ بِهِ.
стр. 85
[مَسْأَلَةٌ البعد والتستر عند قضاء الحاجة في الفضاء]
مَسْأَلَةٌ:
" وَإِنْ كَانَ فِي الْفَضَاءِ أَبْعَدَ وَاسْتَتَرَ ".
أَمَّا أَنَّهُ يَبْعُدُ فَلِمَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ: " «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَكَانَ لَا يَأْتِي الْبَرَازَ حَتَّى يَغِيبَ فَلَا يُرَى» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: " «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَأَتَى حَاجَتَهُ فَأَبْعَدَ فِي الْمَذْهَبِ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي» " رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ. وَأَمَّا الِاسْتِتَارُ بِمَا يُمْكِنُهُ مِنْ هَدَفِ حَائِطٍ أَوْ حَائِشِ نَخْلٍ أَوْ كَثِيبِ رَمْلٍ، فَلِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «مَنْ أَتَى الْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا أَنْ يَجْمَعَ كَثِيبًا مِنْ رَمْلٍ، فَلْيَسْتَدْبِرْهُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَلْعَبُ بِمَقَاعِدِ بَنِي آدَمَ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ» " رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ ابْنِ جَعْفَرٍ وَغَيْرِهِ؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ جُهْدُهُ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا، وَلِهَذَا كُرِهَ أَنْ يَرْفَعَ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ كَشْفَ الْعَوْرَةِ إِنَّمَا أُبِيحَ لِلْحَاجَةِ فَيُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 86
" «أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ لَا يَرْفَعُ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الْأَرْضِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَاحْتَجَّ بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ.
[مَسْأَلَةٌ يرتاد لبوله مكانا رخوا]
مَسْأَلَةٌ:
" وَارْتَادَ مَوْضِعًا رَخْوًا ".
لِمَا رَوَى أَبُو مُوسَى قَالَ: " «مَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى دَمِثٍ فِي جَنْبِ حَائِطٍ (فَبَالَ ثُمَّ قَالَ: كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِذَا بَالَ أَحَدُهُمْ فَأَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ بَوْلِهِ يَتْبَعُهُ فَيَقْرِضُهُ بِالْمَقَارِيضِ وَقَالَ: إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَبُولَ فَلْيَرْتَدْ لِبَوْلِهِ»). («وَلَا يَقْضِي حَاجَتَهُ فِي الْمُسْتَحَمِّ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ أَوْ يَغْتَسِلُ فِيهِ»)؛ لِأَنَّهُ يُورِثُ الْوَسْوَاسَ، وَرُبَّمَا أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْهَا؛ وَلِذَلِكَ يُكْرَهُ الِاسْتِنْجَاءُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ
стр. 87
نَجِسٍ إِلَّا الْمَكَانَ الْمُعَدَّ لِلِاسْتِنْجَاءِ خَاصَّةً، وَيُكْرَهُ الْبَوْلُ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَإِنْ كَثُرَ وَبَلَغَ حَدًّا لَا يُمْكِنُ نَزْحُهُ لِعُمُومِ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ.
وَلِأَنَّ فَتْحَ هَذَا الْبَابِ يُفْضِي إِلَى كَثْرَةِ الْبَوْلِ فَيُغَيِّرُهُ، وَهِيَ الْمَوَارِدُ الْمَذْكُورَةُ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَ أَنْ يَقْعُدَ أَحَدُكُمْ فِي ظِلٍّ يُسْتَظَلُّ فِيهِ أَوْ فِي طَرِيقٍ أَوْ فِي نَقْعِ مَاءٍ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَأَمَّا الْجَارِي فَيُكْرَهُ فِيهِ التَّغَوُّطُ لِبَقَاءِ أَثَرِهِ، فَأَمَّا الْبَوْلُ فَلَا يُكْرَهُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْجَرْيَةُ قَلِيلَةً وَتَحْتَهَا مُسْتَعْمِلٌ يُصِيبُهُ بِيَقِينٍ لِمَفْهُومِ النَّهْيِ عَنِ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ، وَلَا يُكْرَهُ الْبَوْلُ فِي الْآنِيَةِ
стр. 88
لِلْحَاجَةِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ يَقُولُونَ: " «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوْصَى " إِلَى عَلِيٍّ لَقَدْ دَعَا بِالطِّسْتِ لِيَبُولَ فِيهَا فَانْخَنَثَتْ نَفْسُهُ وَمَا أَشْعُرُ فَإِلَى مَنْ أَوْصَى» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. وَعَنْ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رَقِيقَةَ قَالَتْ: " «كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَدَحٌ مِنْ عِيدَانٍ تَحْتَ سَرِيرِهِ يَبُولُ فِيهِ بِاللَّيْلِ» ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.
وَلَا يُكْرَهُ الْبَوْلُ قَائِمًا لِعُذْرٍ، وَيُكْرَهُ مَعَ عَدَمِ الْعُذْرِ إِذَا خَافَ أَنْ تُرَى عَوْرَتُهُ أَوْ يُصِيبَهُ الْبَوْلُ، فَإِنْ أَمِنَ ذَلِكَ لَمْ يُكْرَهْ فِي الْمَنْصُوصِ مِنَ الْوَجْهَيْنِ؛ لِمَا رَوَى حُذَيْفَةُ " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا» ". رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ. وَفِي الْآخَرِ يُكْرَهُ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " «مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنْ
стр. 89
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَالَ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقُوهُ مَا كَانَ يَبُولُ إِلَّا جَالِسًا» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هُوَ أَحْسَنُ حَدِيثٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَصَحُّ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِ كَانَ الْجُلُوسَ، وَأَنَّ بَوْلَهُ قَائِمًا كَانَ لِعُذْرٍ إِمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الْجُلُوسِ فِي السُّبَاطَةِ أَوْ لِوَجَعٍ كَانَ بِهِ. لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ " «بَالَ قَائِمًا مِنْ جُرْحٍ كَانَ بِمَأْبِضِهِ» " أَيْ تَحْتَ رُكْبَتِهِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: (كَانَتِ الْعَرَبُ تَسْتَشْفِي لِوَجَعِ الصُّلْبِ بِالْبَوْلِ قَائِمًا، فَتُرَى لَعَلَّهُ كَانَ بِهِ إِذْ ذَاكَ وَجَعُ الصُّلْبِ) وَلَكِنْ قَدْ رُوِيَتِ الرُّخْصَةُ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وَأَنَسٍ؛ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ فَمَنِ ادَّعَى الْكَرَاهَةَ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ.
стр. 90
[مَسْأَلَةٌ حكم استقبال الشمس والقمر عند قضاء الحاجة]
مَسْأَلَةٌ:
" وَلَا يَسْتَقْبِلُ شَمْسًا وَلَا قَمَرًا ".
وَذَلِكَ لِأَنَّ بِهِمَا يَسْتَضِيءُ أَهْلُ الْأَرْضِ فَيَنْبَغِي احْتِرَامُهُمَا، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ مَكْتُوبَةٌ عَلَيْهِمَا، وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّنْزِيهِ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ فَلَا بَأْسَ.
وَكَذَلِكَ يُكْرَهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الرِّيحَ خَشْيَةَ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ رَشَاشُ بَوْلِهِ.
[مَسْأَلَةٌ استقبال القبلة أو استدبارها عند قضاء الحاجة]
مَسْأَلَةٌ:
" وَلَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرُهَا؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا " وَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْبُنْيَانِ ".
هَذَا هُوَ الْمَنْصُورُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ. وَأَنَّهُ يَحْرُمُ الِاسْتِقْبَالُ وَالِاسْتِدْبَارُ فِي الْفَضَاءِ دُونَ الْبُنْيَانِ وَعَنْهُ يَحْرُمُ فِيهِمَا اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ لِحَاجَتِهِ فَلَا
стр. 91
يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.
وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِبَوْلٍ وَلَا غَائِطٍ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا، قَالَ أَبُو أَيُّوبَ فَقَدِمْنَا الشَّامَ فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ نَحْوَ الْكَعْبَةِ فَنَنْحَرِفُ عَنْهَا وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ يَحْرُمُ الِاسْتِقْبَالُ فِيهِمَا دُونَ الِاسْتِدْبَارِ؛ لِمَا «رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: " رَقِيتُ يَوْمًا عَلَى بَيْتِ حَفْصَةَ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى حَاجَتِهِ مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَهَذَا يُبِيحُ الِاسْتِدْبَارَ فَيَبْقَى الِاسْتِقْبَالُ عَلَى ظَاهِرِ النَّهْيِ.
وَوَجْهَ الْأَوَّلِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورُ، وَعَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: «ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ نَاسًا كَرِهُوا أَنْ يَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِفُرُوجِهِمْ " فَقَالَ أَوَقَدْ فَعَلُوهَا حَوِّلُوا مِقْعَدَتِي قِبَلَ الْقِبْلَةِ» "، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ مَرْوَانَ الْأَصْفَرِ قَالَ رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ يَبُولُ إِلَيْهَا، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَلَيْسَ قَدْ نُهِيَ عَنْ
стр. 92
هَذَا؟ قَالَ: إِنَّمَا هَذَا فِي الْفَضَاءِ، فَإِذَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَسْتُرُكَ فَلَا بَأْسَ.
وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ: " «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةُ بِبَوْلٍ فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلُهَا» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ قِيلَ فِي وَجْهِ الْفَرْقِ أَنَّ كَشْفَ الْعَوْرَةِ مَحْظُورٌ فِي الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا يُبَاحُ لِحَاجَةٍ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ شَيْءٌ يَسْتُرُهُ كَانَ أَفْحَشَ، وَجِهَةُ الْقِبْلَةِ أَشْرَفُ الْجِهَاتِ فَصِينَتْ عَنْهُ، وَعَلَى هَذَا نَقُولُ: إِنَّ الْجُلُوسَ فِي الصَّحْرَاءِ فِي وَهْدٍ أَوْ وَرَاءَ جِدَارٍ أَوْ بَعِيرٍ كَمَا بَيْنَ الْبُنْيَانِ، وَإِنَّ الْجُلُوسَ عَلَى سُطُوحِ الْوُدْيَانِ وَلَا سُتْرَةَ لَهَا كَالْفَضَاءِ.
[مَسْأَلَةٌ الاستبراء من البول]
مَسْأَلَةٌ:
" فَإِذَا انْقَطَعَ الْبَوْلُ مَسَحَ مِنْ أَصْلِ ذَكَرِهِ إِلَى رَأْسِهِ ثُمَّ يَنْتُرُهُ ثَلَاثًا ".
يَعْنِي يَمْسَحُ مِنْ أَصْلِ الذَّكَرِ تَحْتَ الْأُنْثَيَيْنِ إِلَى رَأْسِهِ وَيَنْتُرُ الذَّكَرَ يَفْعَلُ
стр. 93
ذَلِكَ ثَلَاثًا لِمَا رَوَى عِيسَى بْنُ يَزْدَادُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلْيَمْسَحْ ذَكَرَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ أَبُو الشَّعْثَاءِ: إِذَا بُلْتَ فَامْسَحْ أَسْفَلَ ذَكَرِكَ؛ وَلِأَنَّهُ بِالْمَسْحِ وَالنَّتْرِ يَسْتَرْخِي مَا إِذْ عَسَاهُ يَبْقَى وَيُخْشَى عَوْدَتُهُ بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ، وَإِنِ احْتَاجَ إِلَى نَحْنَحَةٍ أَوْ مَشْيِ خُطُوَاتٍ لِذَلِكَ فَعَلَ، وَقَدْ أَحْسَنَ.
" وَقِيلَ: بَلْ يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ وَسْوَاسٌ وَبِدْعَةٌ ". وَقَالَ أَحْمَدُ: إِذَا تَوَضَّأْتَ فَضَعْ يَدَكَ عَلَى سِفْلَتِكَ ثُمَّ اسْلُتْ مَا ثَمَّ حَتَّى يَنْزِلَ وَلَا تَجْعَلْ ذَلِكَ مِنْ هَمِّكَ، وَلَا تَلْتَفِتْ إِلَى ظَنِّكَ "، وَإِنِ اسْتَنْجَى عَقِبَ انْقِطَاعِ الْبَوْلِ جَازَ وَلَا يُطِيلُ
стр. 94
الْمُقَامَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ؛ لِأَنَّ الْمُقَامَ فِيهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَضَرُ الشَّيَاطِينِ وَمَوْضِعُ إِبْدَاءِ الْعَوْرَةِ. وَيُقَالُ عَنْ لُقْمَانَ الْحَكِيمِ: إِنَّ إِطَالَةَ الْجُلُوسِ يُدْمِي الْكَبِدَ وَيُورِثُ الْبَوَاسِيرَ.
[مَسْأَلَةٌ لَا يَمَسُّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَلَا يَتَمَسَّحُ بِه]
مَسْأَلَةٌ:
" وَلَا يَمَسُّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَلَا يَتَمَسَّحُ بِهَا ".
أَمَّا مَسُّ الذَّكَرِ بِالْيَمِينِ فَمَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي كُلِّ حَالٍ؛ لِمَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «لَا يَمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَمَسَّحُ مِنَ الْخَلَاءِ بِيَمِينِهِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْيَمِينِ؛ وَلِأَنَّ سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ قِيلَ لَهُ: «لَقَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ، فَقَالَ سَلْمَانُ أَجَلْ؛ لَقَدْ " نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ (أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ)، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ، وَلَا يَسْتَعِينُ بِيَمِينِهِ فِي ذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ، أَمَّا مَسْحُ الدُّبُرِ فَلَا حَاجَةَ فِيهِ إِلَى الِاسْتِعَانَةِ بِالْيَمِينِ.
وَأَمَّا مَسْحُ الْقُبُلِ فَيُسْتَغْنَى عَنْهَا بِأَنْ يَقْصِدَ الِاسْتِجْمَارَ بِجِدَارٍ أَوْ مَوْضِعٍ نَابٍ أَوْ حَجَرٍ ضَخْمٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَحْتَاجُ إِلَى إِمْسَاكِهِ، فَإِنِ اضْطُرَّ إِلَى الْحِجَارَةِ الصِّغَارِ أَوِ الْحَرْثِ وَنَحْوِهَا جَعَلَ الْحَجَرَ بَيْنَ عَقِبَيْهِ أَوْ بَيْنَ أَصَابِعِهِ إِنْ
стр. 95
أَمْكَنَ وَتَنَاوَلَ ذَكَرَهُ بِشِمَالِهِ فَمَسَحَهُ بِهَا، فَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَلَهُ الِاسْتِعَانَةُ بِالْيَمِينِ كَمَا لَهُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِهَا فِي صَبِّ الْمَاءِ وَكَمَا لَوْ كَانَ أَقْطَعَ الْيُسْرَى، وَهَلْ يُمْسِكُ ذَكَرَهُ بِشِمَالِهِ وَالْحَجَرَ بِيَمِينِهِ أَوْ بِالْعَكْسِ عَلَى وَجْهَيْنِ أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ، وَبِكُلِّ حَالٍ تَكُونُ الْيُسْرَى هِيَ الْمُتَحَرِّكَةَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِجْمَارَ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِالْحَرَكَةِ، وَلَوِ اسْتَنْجَى بِيَمِينِهِ صَحَّ مَعَ الْكَرَاهَةِ.
[مَسْأَلَةٌ يَسْتَجْمِرُ وِتْرًا ثُمَّ يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ]
مَسْأَلَةٌ:
" ثُمَّ يَسْتَجْمِرُ وِتْرًا ثُمَّ يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ ".
هَذَا هُوَ الْأَفْضَلُ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: " «مُرْنَ أَزْوَاجَكُنَّ أَنْ يُتْبِعُوا الْحِجَارَةَ الْمَاءَ مِنْ أَثَرِ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ فَإِنِّي أَسْتَحْيِيهِمْ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ» " احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، وَرَوَى أَيْضًا فِي كِتَابِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ أَنَّ نَاسًا مِنَ الْأَنْصَارِ كَانُوا يُتْبِعُونَ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْحِجَارَةِ الْمَاءَ فَنَزَلَتْ (فِيهِ رِجَالٌ)، وَلِأَنَّ الْغَسْلَ بَعْدَ تَجْفِيفِ النَّجَاسَةِ أَبْلَغُ فِي
стр. 96
التَّنْظِيفِ، فَصَارَ كَالْغَسْلِ بَعْدَ الْحَتِّ وَالْفَرْكِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ مَسِّ الْأَذَى بِالْيَدِ الْمُحْوِجِ إِلَى تَكَلُّفِ تَطْهِيرِهَا.
وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ الْإِيتَارُ فِي الِاسْتِجْمَارِ لِمَا أَخْرَجَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ» " وَإِنْ قَطَعَ عَنْ شَفْعٍ جَازَ؛ لِأَنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَابْنِ مَاجَهْ " «مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ» " وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَالْمَاءُ أَفْضَلُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَعَنْهُ أَنَّهُ يُكْرَهُ الِاسْتِنْجَاءُ مِنْ غَيْرِ اسْتِجْمَارٍ؛ لِأَنَّ فِيهِ مُبَاشَرَةَ النَّجَاسَةِ بِيَدِهِ وَنَشْرَهَا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ؛ وَلِأَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الْحَجَرِ يُجْزِئُ بِالْإِجْمَاعِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَالْمَاءُ قَدْ أَنْكَرَهُ بَعْضُ السَّلَفِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يُطَهِّرُ الْمَحَلَّ وَيُزِيلُ الْأَثَرَ، وَالْحَجَرَ يُخَفِّفُ، وَكَانَ قِيَاسُهَا عَلَى سَائِرِ الْبَدَنِ يَقْضِي أَلَّا يُجْزِئَ إِلَّا الْمَاءُ وَإِنَّمَا أَجْزَأَتِ الْأَحْجَارُ رُخْصَةً، فَإِذَا اسْتُعْمِلَ الطَّهُورُ كَانَ أَفْضَلَ وَالْمُبَاشَرَةُ بِالْيَدِ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ وَهُوَ الْإِزَالَةُ كَمَا فِي سَائِرِ الْمَوَاضِعِ ثُمَّ فِي الْحَجَرِ يَبْقَى أَثَرُ النَّجَاسَةِ وَيَدُومُ فَإِنْ لَمْ يُكْرَهِ الْحَجَرُ فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَفْضُولًا وَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ مِنْ إِنْكَارِ الْمَاءِ فَهُوَ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ - إِنْكَارٌ عَلَى مَنْ يَسْتَعْمِلُهُ مُعْتَقِدًا لِوُجُوبِهِ، وَلَا يَرَى الْأَحْجَارَ مُجْزِئَةً؛ لِأَنَّهُمْ شَاهَدُوا مِنَ النَّاسِ مُحَافَظَةً عَلَى الْمَاءِ لَمْ يَكُنْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ فَخَافُوا التَّعَمُّقَ فِي الدِّينِ كَمَا قَدْ يُبْتَلَى بِهِ بَعْضُ النَّاسِ
стр. 97
وَلِهَذَا قَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ: " لِمَ يُلْحِقُونَ فِي دِينِكُمْ مَا لَيْسَ مِنْهُ يَرَى أَحَدُكُمْ أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَ ذَكَرَهُ إِذَا بَالَ " فَإِنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى هَذَا فَلَا وَجْهَ لَهُ، فَقَدْ أَخْرَجَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: " «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُ الْخَلَاءَ فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ نَحْوِي إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةٍ فَيَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ» "، وَقِصَّةُ أَهْلِ قُبَاءٍ مَشْهُورَةٌ. وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُسْتَنْجِي أَنْ يُدَلِّكَ يَدَهُ بِالْأَرْضِ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: " «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَتَى الْخَلَاءَ أَتَيْتُهُ بِمَاءٍ فِي تَوْرٍ أَوْ رَكْوَةٍ فَاسْتَنْجَى، ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ بِالْأَرْضِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ
стр. 98
فَصْلٌ:
وَالْأَوْلَى أَنْ يَبْدَأَ الرَّجُلُ بِالْقُبُلِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا بَدَأَ بِالدُّبُرِ رُبَّمَا أَصَابَتْ نَجَاسَةُ الْقُبُلِ يَدَهُ، وَأَصَابَتْ دُبُرَهُ فِي حَالَةِ غَسْلِهِ، وَالْمَرْأَةُ تَتَخَيَّرُ فِي (أَحَدِ) الْوَجْهَيْنِ لِتَوَازُنِهِمَا فِي حَقِّهَا، وَالثَّانِي تَبْدَأُ بِالدُّبُرِ؛ لِأَنَّ نَجَاسَتَهُ أَفْحَشُ وَأَعْسَرُ إِزَالَةً فَتَبْدَأُ بِهَا؛ لِئَلَّا يَنْجُسَ الْقُبُلُ بِهَا، وَقَدْ طَهُرَ، وَالثَّيِّبُ وَالْبِكْرُ فِيهِ سَوَاءٌ إِلَّا أَنَّ الْبِكْرَ يَخْرُجُ بَوْلُهَا فَوْقَ الْفَرْجِ وَالْعُذْرَةِ تَمْنَعُ نُزُولَ الْبَوْلِ إِلَيْهِ. وَأَمَّا الثَّيِّبُ فَيُمْكِنُ نُزُولُ الْبَوْلِ فِي فَرْجِهَا، وَالْمَنْصُوصُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ تَطْهِيرُ بَاطِنِ فَرْجِهَا لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ كَدَاخِلِ الْعَيْنَيْنِ.
وَالْآخَرُ يَجِبُ، فَعَلَى هَذَا إِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ نُزُولُ شَيْءٍ مِنَ الْبَوْلِ إِلَيْهِ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ، وَإِنْ تَحَقَّقْنَا فَهَلْ يَجِبُ غَسْلُهُ بِالْمَاءِ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ تَعَدَّتِ الْمَخْرَجَ أَوْ يُكْتَفَى فِيهِ بِالْحَجَرِ لِلْمَشَقَّةِ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّهُ مُعْتَادٌ عَلَى وَجْهَيْنِ أَصَحُّهُمَا إِجْزَاءُ الْحَجَرِ.
[مَسْأَلَةٌ يجزئ الاستجمار بشرطين]
مَسْأَلَةٌ:
" وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الِاسْتِجْمَارِ أَجْزَأَهُ إِذَا لَمْ تَتَعَدَّ النَّجَاسَةُ مَوْضِعَ الْحَاجَةِ ".
أَمَّا إِذَا لَمْ تَتَعَدَّ النَّجَاسَةُ مَوْضِعَ الْحَاجَةِ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ الِاسْتِجْمَارُ إِذَا أَنْقَى وَأَكْمَلَ الْعَدَدَ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ جَمِيعُ مَا يُسْتَنْجَى مِنْهُ مِنَ الْبَوْلِ وَالْمَذْيِ وَالْوَدْيِ وَالدَّمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
стр. 99
وَإِنَّمَا يُجْزِي بِشَرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا الِاتِّقَاءُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ، وَعَلَامَةُ ذَلِكَ أَلَّا يَبْقَى فِي الْمَحَلِّ شَيْءٌ يُزِيلُهُ الْحَجَرُ، وَالثَّانِي ثَلَاثُ مَسْحَاتٍ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ، وَلِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْغَائِطِ فَلْيَسْتَطِبْ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فَعَلَّقَ الْإِجْزَاءَ بِهَا، وَنَهَى عَمَّا دُونَهَا، وَهَذَا إِجْمَاعٌ مِنَ الْأُمَّةِ أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الْأَحْجَارِ يُجْزِئُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَأَمَّا إِذَا تَعَدَّتْ مَوْضِعَ الْحَاجَةِ فَلَا يُجْزِئُهُ إِلَّا الْمَاءُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يَجِبَ إِزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِالْمَاءِ، وَإِنَّمَا رُخِّصَ فِي الِاسْتِجْمَارِ لِتَكْرَارِ النَّجَاسَةِ عَلَى الْمَخْرَجِ وَمَشَقَّةِ إِيجَابِ الْغَسْلِ، فَإِذَا تَعَدَّتْ عَنِ الْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ خَرَجَتْ عَنْ حَدِّ الرُّخْصَةِ فَوَجَبَ غَسْلُهَا كَنَجَاسَةِ سَائِرِ الْبَدَنِ، وَحَدُّ ذَلِكَ أَنْ يَنْتَشِرَ الْغَائِطُ (إِلَى نِصْفِ بَاطِنِ الْأَلْيَةِ فَأَكْثَرَ وَيَنْتَشِرُ الْبَوْلُ إِلَى نِصْفِ الْحَشَفَةِ فَأَكْثَرَ) فَأَمَّا .....
وَالرِّمَّةُ بِأَنَّهُمَا طَعَامُ الْجِنِّ، وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ يَعُمُّ الْحِجَارَةَ وَغَيْرَهَا وَإِلَّا لَنُهِيَ النَّاسُ عَنْهَا سِوَى الْأَحْجَارِ عُمُومًا.
وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ طَاوُوسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْبَرَازَ فَلْيَسْتَطِبْ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ أَوْ ثَلَاثَةِ أَعْوَادٍ أَوْ ثَلَاثِ حَثَيَاتٍ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ لِيَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي مَا يُؤْذِينِي وَأَمْسَكَ
стр. 100
عَلَيَّ مَا يَنْفَعُنِي» " وَهُوَ مُرْسَلٌ حَسَنٌ. الشَّرْطُ الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ جَامِدًا؛ لِأَنَّ الْمَائِعَ إِنْ كَانَ مُطَهِّرًا فَذَلِكَ غَسْلٌ وَاسْتِنْجَاءٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُطَهِّرًا أَمَاعَ النَّجَاسَةَ وَنَشَرَهَا وَحِينَئِذٍ لَا يُجْزِئُهُ إِلَّا الْمَاءُ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ انْتَشَرَتْ عَنِ الْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ، وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا فَلَا يَجُوزُ بِجِلْدِ مَيْتَةٍ وَلَا بِرَوْثٍ نَجِسٍ وَلَا عَظْمٍ نَجِسٍ وَلَا حَجَرٍ نَجِسٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالرَّوْثِ وَالْعَظْمِ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَسَلْمَانَ وَخُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ وَسَهْلِ بْنِ حَنِيفٍ وَرُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَكْثَرُهَا؛ وَذَلِكَ يَعُمُّ الْعَظْمَ الطَّاهِرَ وَالنَّجِسَ، وَالرَّوْثَ الطَّاهِرَ وَالنَّجِسَ، أَمَّا الطَّاهِرُ فَقَدْ عَلَّلَهُ بِأَنَّهُ زَادُ إِخْوَانِنَا مِنَ الْجِنِّ؛ فَفِي النَّجِسِ مِنْهُ لَا عِلَّةَ لَهُ إِلَّا النَّجَاسَةُ (لَا) سِيَّمَا الرَّوْثَةُ وَكَسَائِرِ الرِّكْسِ وَالنَّجِسِ (وَهُمَا)
стр. 101
بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَلَا يُقَالُ الْجَمِيعُ زَادُ الْجِنِّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَيَّنَ " «إِنَّمَا زَادُهُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ» ".
وَلِأَنَّهُ إِذَا اسْتَجْمَرَ بِشَيْءٍ نَجِسٍ أَوْرَثَ الْمَحَلَّ نَجَاسَةً غَيْرَ نَجَاسَتِهِ، وَمَا سِوَى نَجَاسَتِهِ لَا يُجْزِئُ الِاسْتِجْمَارُ فِيهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ خَالَفَ وَاسْتَنْجَى بِالنَّجِسِ لَمْ يُجْزِئْهُ الِاسْتِجْمَارُ. ثَانِيًا: وَتَعَيَّنَ الْمَاءُ وَقِيلَ يُجْزِئُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ النَّجَاسَةَ مَائِعَةٌ لِنَجَاسَةِ الْمَحَلِّ، وَلَا يُقَالُ الْمَقْصُودُ الْإِنْقَاءُ وَقَدْ حَصَلَ لِأَنَّ الِاسْتِجْمَارَ رُخْصَةٌ فَلَا يُسْتَبَاحُ بِمُحَرَّمٍ، وَلِأَنَّ الْإِنْقَاءَ مِنْ نَجَاسَةِ الْمُسْتَنْجَى بِهِ غَيْرُ حَاصِلٍ. الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مُنْقِيًا؛ لِأَنَّ الْإِنْقَاءَ هُوَ مَقْصُودُ الِاسْتِجْمَارِ فَلَا يُجْزِئُ بِزُجَاجٍ وَلَا فَحْمٍ رَخْوٍ وَلَا حَجَرٍ أَمْلَسَ. الرَّابِعُ: أَنْ (لَا) يَكُونَ مُحْتَرَمًا مِثْلَ الطَّعَامِ، وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ طَعَامُ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَعَلَفُ دَوَابِّ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ.
لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ الْجِنَّ سَأَلُوهُ الزَّادَ فَقَالَ: " لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا، وَكُلُّ بَعْرَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ " فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَلَا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا فَإِنَّهُمَا زَادُ إِخْوَانِكُمْ» " وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِدَاوَةً لِوُضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَتْبَعُهُ قَالَ: " «ابْغِنِي أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضْ بِهَا وَلَا تَأْتِنِي بِعَظْمٍ وَلَا بِرَوْثَةٍ " فَأَتَيْتُهُ بِأَحْجَارٍ أَحْمِلُهَا فِي طَرَفِ ثَوْبِي حَتَّى وَضَعْتُهَا إِلَى جَنْبِهِ ثُمَّ انْصَرَفْتُ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مَشَيْتُ مَعَهُ. فَقُلْتُ: مَا بَالُ الْعَظْمِ وَالرَّوْثَةِ؟ فَقَالَ: " هُمَا مِنْ طَعَامِ الْجِنِّ، وَإِنَّهُ أَتَانِي وَفْدُ جِنِّ نَصِيبِينَ وَنِعْمَ الْجِنُّ فَسَأَلُونِي الزَّادَ فَدَعَوْتُ اللَّهَ لَهُمْ إِلَّا يَمُرُّوا بِعَظْمٍ وَلَا
стр. 102
بِرَوْثَةٍ إِلَّا وَجَدُوا عَلَيْهَا طَعَامًا» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، فَبَيَّنَ لَهُ ﷺ مَا هُوَ طَعَامُ الْجِنِّ وَنَهَانَا عَنْهُ، وَتَبَرَّأَ مِمَّنْ يَسْتَنْجِئُ بِهِ فَبِمَا هُوَ طَعَامُنَا أَوْلَى، وَكَذَلِكَ مَا مَكْتُوبٌ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ شَيْءٌ مِنَ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ سَوَاءٌ كَانَ وَرَقًا، أَوْ حَجَرًا، أَوْ أَدِيمًا؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ أَعْظَمُ مِنْ حُرْمَةِ عَلَفِ دَوَابِّ الْجِنِّ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا مَا هُوَ مُتَّصِلٌ بِحَيَوَانٍ كَيَدِهِ، وَذَنَبِهِ، وَرِيشِهِ، وَصُوفِهِ، وَكَذَلِكَ يَدُ نَفْسِهِ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْحَيَوَانُ الطَّاهِرُ، وَالنَّجِسُ الْآدَمِيُّ وَغَيْرُهُ؛ وَلِأَنَّ الْحَيَوَانَ مُحْتَرَمٌ فَأَشْبَهَ الْمَطْعُومَ، وَإِذَا كَانَ قَدْ نَهَى عَنِ الِاسْتِنْجَاءِ بِعَلَفِ الدَّوَابِّ، فَالنَّهْيُ عَنِ الِاسْتِنْجَاءِ بِهَا أَوْلَى، وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ رُخْصَةٌ، فَلَا يُبَاحُ بِمُحَرَّمٍ، كَالْقَصْرِ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ، وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " «نَهَى أَنْ يُسْتَنْجَى بِرَوْثٍ أَوْ عَظْمٍ، وَقَالَ: إِنَّهُمَا لَا يُطَهِّرَانِ» "، وَقَالَ: إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، فَإِنِ اسْتَنْجَى بِهَا فَهَلْ يُجْزِئُهُ إِعَادَةُ الِاسْتِنْجَاءِ أَوْ يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ عَلَى وَجْهَيْنِ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ نُهِيَ عَنِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِينِ، وَقَدْ قُلْتُمْ: يُجْزِئُ قُلْنَا: الْيَدُ لَيْسَتْ شَرْطًا فِي الِاسْتِنْجَاءِ، وَإِنَّمَا جَاءَتْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الِاسْتِنْجَاءُ بِغَيْرِهَا حَتَّى لَوِ اسْتَغْنَى عَنْهَا بِأَنْ يَقْعُدَ فِي مَاءٍ جَارٍ حَتَّى يَنْقَى الْمَحَلُّ حَصَلَتِ الطَّهَارَةُ، وَكَذَلِكَ لَوِ اسْتَنْجَى بِيَدِ أَجْنَبِيٍّ فَقَدْ أَثِمَ وَأَجْزَأَهُ، وَأَمَّا الْمُسْتَنْجَى بِهِ فَهُوَ شَرْطٌ فِي الِاسْتِنْجَاءِ كَالْمَاءِ فِي الطَّهَارَةِ، وَالتُّرَابِ فِي التَّيَمُّمِ، فَإِنْ كَانَ مُحَرَّمًا لِعَيْنِهِ كَانَ كَالْوُضُوءِ بِالْمَاءِ النَّجِسِ، وَإِنْ كَانَ لِحَقِّ الْغَيْرِ كَانَ كَالْمُتَوَضِّئِ بِالْمَاءِ الْمَغْصُوبِ أَوْ أَشَدَّ؛ لِأَنَّهُ رُخْصَةٌ.
فَصْلٌ:
وَالِاسْتِنْجَاءُ وَاجِبٌ لِكُلِّ خَارِجٍ مِنَ السَّبِيلَيْنِ، فَلَوْ صَلَّى بِدُونِهِ لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ؛ لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ:
стр. 103
" إِنَّهُمَا يُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ: أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ» " رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ، سَوَاءٌ كَانَ الْخَارِجُ نَادِرًا أَوْ مُعْتَادًا رَطْبًا أَوْ يَابِسًا كَالرَّوْثِ، وَالْبَوْلِ، وَالدُّودِ، وَالْحَصَى وَالْمَذْيِ؛ وَلِأَنَّ خُرُوجَ الْخَارِجِ مِنْ هَذَا الْمَحَلِّ مَظِنَّةُ اسْتِصْحَابِ الرُّطُوبَةِ النَّجِسَةِ فَعُلِّقَ الْحُكْمُ بِهِ، وَإِنْ تَخَلَّفَتْ عَنِ الْحُكْمِ فِي آحَادِ الصُّوَرِ.
وَقَالَ كَذَلِكَ: اعْتُبِرَ الْعَدَدُ، وَإِنْ زَالَتِ الرُّطُوبَةُ بِدُونِهِ إِلَّا الرِّيحَ فَإِنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ قَالَ: " لَيْسَ فِي الرِّيحِ اسْتِنْجَاءٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا سُنَّةِ رَسُولِهِ، إِنَّمَا عَلَيْهِ الْوُضُوءُ ".
فَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ " «مَنِ اسْتَنْجَى مِنَ الرِّيحِ فَلَيْسَ مِنَّا» "، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ؛ وَلِأَنَّ الرِّيحَ لَيْسَ لَهَا جِرْمٌ
стр. 104
لَاصِقٌ يُزَالُ، وَلَا هِيَ مَظِنَّةُ اسْتِجْلَابِ رُطُوبَةٍ يُمْكِنُ إِزَالَتُهَا، وَأَمَّا الْخَارِجُ الطَّاهِرُ فَيَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ مِنْهُ فِي الْمَشْهُورِ كَمَا يَجِبُ مِنْ يَسِيرِ الدَّمِ وَالْقَيْحِ وَإِنْ عُفِيَ عَنْهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ؛ لِأَنَّ خُرُوجَهُ مِنَ السَّبِيلِ يُورِثُ تَغْلِيظًا؛ وَلِأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ مِنَ الْمَنِيِّ فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ عَلَى الدَّوَامِ وَلَا أَعْلَمُ إِخْلَالَهُمْ بِهِ بِحَالٍ.
فَصْلٌ:
وَالْأَفْضَلُ فِي الِاسْتِجْمَارِ أَنْ يُمِرَّ حَجَرًا مِنْ مُقَدَّمِ صَفْحَتِهِ الْيُمْنَى إِلَى مُؤَخَّرِهَا ثُمَّ يُدِيرُهَا عَلَى الْيُسْرَى حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، ثُمَّ يُمِرَّ الثَّانِيَ مِنْ مُقَدَّمِ صَفْحَتِهِ الْيُسْرَى إِلَى مُؤَخَّرِهَا، ثُمَّ يُدِيرُهُ عَلَى الْيُمْنَى حَتَّى يَرْجِعَ بِهِ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، ثُمَّ يُمِرَّ الثَّالِثَ عَلَى الْمَسْرُبَةِ وَالصَّفْحَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْعَدَدَ مُعْتَبَرٌ فِي إِزَالَةِ هَذِهِ النَّجَاسَةِ، فَاسْتَوْعَبَ الْمَحَلَّ فِي كُلِّ مَرَّةٍ مِنْهُ كَالْعَدَدِ فِي وُلُوغِ الْكَلْبِ.
وَمَا رَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ " «أَوَلَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ حَجَرَيْنِ لِلصَّفْحَتَيْنِ وَحَجَرًا لِلْمَسْرُبَةِ» "، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ: إِسْنَادٌ حَسَنٌ مَحْمُولٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ بِهَذِهِ الْمَوَاضِعِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ بِلَفْظٍ آخَرَ عَنْهُ " أَنَّهُ
стр. 105
كَانَ يُقْبِلُ بِوَاحِدٍ وَيُدْبِرُ بِآخَرَ وَيُحَلِّقُ بِالثَّالِثِ " فَإِنْ مَسَحَ عَلَى كُلِّ جِهَةٍ مَسْحَةً فَوَجْهَانِ.
فَصْلٌ:
السُّنَّةُ أَنْ يَسْتَنْجِيَ قَبْلَ الْوُضُوءِ فَإِنْ أَخَّرَهُ إِلَى بَعْدِهِ أَجْزَأَهُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّهَا نَجَاسَةٌ فَصَحَّ الْوُضُوءُ قَبْلَ إِزَالَتِهَا كَمَا لَوْ كَانَتْ عَلَى الْبَدَنِ؛ فَعَلَى هَذَا إِذَا تَوَضَّأَ اسْتَفَادَ بِذَلِكَ مَسَّ الْمُصْحَفِ وَلُبْسَ الْخُفَّيْنِ، وَيَسْتَمِرُّ وُضُوؤُهُ إِذَا لَمْ يَمَسَّ فَرْجَهُ.
وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى لَا يَصِحُّ وُضُوؤُهُ وَهِيَ أَشْهَرُ؛ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ الْمَذْيِ " «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ» " رَوَاهُ النَّسَائِيُّ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَتَوَضَّئُونَ إِلَّا بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ، وَفِعْلُهُ إِذَا خَرَجَ امْتِثَالًا لِلْأَمْرِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ ذَلِكَ الْأَمْرِ؛ وَلِأَنَّهُمَا مَحَلَّانِ وَجَبَ غَسْلُهُمَا بِسَبَبٍ وَاحِدٍ فِي بَدَنٍ وَاحِدٍ، فَكَانَ التَّرْتِيبُ بَيْنَهُمَا مَشْرُوعًا كَمَحَالِّ " الْوُضُوءِ " فَأَمَّا التَّيَمُّمُ فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ هُوَ كَالْوُضُوءِ وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُجْزِئُهُ وَإِنْ قُلْنَا يُجْزِئُ الْوُضُوءُ
стр. 106
؛ لِأَنَّهُ مُبِيحٌ لِلصَّلَاةِ لَيْسَ بِرَافِعٍ لِلْحَدَثِ، وَالِاسْتِبَاحَةُ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ لَا تَحْصُلُ فَيَكُونُ كَالتَّيَمُّمِ قَبْلَ الْوَقْتِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَتِ النَّجَاسَةُ فِي غَيْرِ الْمَخْرَجِ لَمْ يَجُزْ فِي وَجْهٍ كَذَلِكَ، وَقِيلَ يُجْزِئُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَبَاحَ الصَّلَاةَ مِنْ غَيْرِهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَتْ عَلَى الثَّوْبِ.
فَصْلٌ:
يُسْتَحَبُّ إِذَا تَوَضَّأَ أَنْ يَنْضَحَ فَرْجَهُ بِالْمَاءِ لِيَقْطَعَ عَنْهُ الْوَسْوَاسَ بِخُرُوجِ الْبَوْلِ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِمَا رَوَى سُفْيَانُ بْنُ الْحَكَمِ أَوِ الْحَكَمُ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ: " «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ ثُمَّ نَضَحَ فَرْجَهُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ.
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ فِي أَوَّلِ مَا أُوحِيَ إِلَيْهِ " فَعَلَّمَهُ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْوُضُوءِ أَخَذَ
стр. 107
غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَنَضَحَ بِهَا فَرْجَهُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَلَفْظُهُ " «عَلَّمَنِي جِبْرِيلُ الْوُضُوءَ وَأَمَرَنِي أَنْ أَنْضَحَ تَحْتَ ثَوْبِي لِمَا يَخْرُجُ مِنَ الْبَوْلِ بَعْدَ الْوُضُوءِ» " وَهَذَا فِي الْمُسْتَنْجِي بِالْمَاءِ، فَأَمَّا الْمُسْتَجْمِرُ فَتُنَجِّسُهُ إِنْ قُلْنَا: إِنَّ الْمَحَلَّ نَجِسٌ، وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ طَاهِرٌ فَهُوَ مَكْرُوهٌ نَصَّ عَلَيْهِ.
стр. 108
[بَابُ الْوُضُوءِ] [ مَسْأَلَةٌ وجوب النية في العبادات]
مَسْأَلَةٌ:
" لَا يَصِحُّ الْوُضُوءُ وَلَا غَيْرُهُ مِنَ الْعِبَادَاتِ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» ".
يَعْنِي أَنْ يَقْصِدَ بِغَسْلِ الْأَعْضَاءِ رَفْعَ حَدَثِهِ، وَهُوَ الْمَانِعُ مِمَّا تُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ بِقَصْدٍ أَوِ اسْتِبَاحَةِ عِبَادَةٍ لَا تُسْتَبَاحُ إِلَّا بِالْوُضُوءِ، وَهِيَ الصَّلَاةُ وَالطَّوَافُ وَمَسُّ الْمُصْحَفِ، فَأَمَّا إِنْ غَسَلَ أَعْضَاءَهُ لِيُبَرِّدَهَا بِالْمَاءِ أَوْ يُزِيلَ عَنْهَا نَجَاسَةً أَوْ لِيُعَلِّمَ غَيْرَهُ لَمْ يَرْفَعْ حَدَثَهُ، وَكَذَلِكَ النِّيَّةُ تُشْتَرَطُ فِي الْغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ؛ لِمَا رَوَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» ". رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.
وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مَأْمُورٌ بِهَا فَافْتَقَرَتْ إِلَى نِيَّةٍ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَ الْعِبَادَةَ الْمَأْمُورَ بِهَا وَأَنْ يُخْلِصَهَا لِلَّهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]. وَلَا يُقَالُ: هِيَ شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ فَأَشْبَهَتْ طَهَارَةَ الْخَبَثِ وَالِاسْتِتَارَ وَالِاسْتِقْبَالَ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ عِبَادَةٌ فِي نَفْسِهِ، وَشَرْطٌ لِلصَّلَاةِ؛ وَلِأَنَّ إِزَالَةَ النَّجَاسَةِ مِنْ بَابِ الْمَتْرُوكِ؛ وَلِهَذَا لَا يَحْتَاجُ إِلَى عَمَلٍ أَصْلًا بِخِلَافِ طَهَارَةِ الْحَدَثِ وَلِذَلِكَ اخْتَصَّتْ بِالْمَاءِ. وَأَمَّا الِاسْتِقْبَالُ وَالِاسْتِتَارُ فَإِنَّهُمَا يُوجَدَانِ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ مِثْلَ وُجُودِهِمَا قَبْلَهَا، فَنِيَّةُ الصَّلَاةِ تَنْتَظِمُهُمَا بِخِلَافِ التَّوَضُّؤِ.
وَلِذَلِكَ إِذَا حَلَفَ لَا يَتَطَهَّرُ وَهُوَ مُتَطَهِّرٌ لَمْ يَحْنَثْ بِالِاسْتِدَامَةِ، وَإِذَا حَلَفَ لَا يَسْتَتِرُ، وَهُوَ مُسْتَتِرٌ، وَلَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَهُوَ مُسْتَقْبِلُهَا؛ فَاسْتَدَامَ ذَلِكَ حَنِثَ.
стр. 109
فَصْلٌ:
وَمَحَلُّ النِّيَّةِ الْقَلْبُ، فَلَوْ سَبَقَ لِسَانُهُ بِغَيْرِ مَا قَصَدَهُ كَانَ الِاعْتِبَارُ بِمَا قَصَدَ، وَلَوْ قَصَدَ مَعَ الْوُضُوءِ التَّبَرُّدَ أَوْ غَيْرَهُ لَمْ يَضُرَّهُ، كَمَا لَوْ قَصَدَ تَعْلِيمَ غَيْرِهِ أَوْ قَصَدَ مَعَ الصَّلَاةِ تَعْلِيمَهَا، وَيُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ عَلَى غَسْلِ الْيَدِ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ الْمَسْنُونَاتِ، وَيَجِبُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْوَجْهِ وَالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ؛ وَلِأَنَّهُ أَوَّلُ الْوَاجِبَاتِ وَيَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ كَالصَّلَاةِ، وَيَجِبُ اسْتِصْحَابُ حُكْمِهَا إِلَى آخِرِ الْوُضُوءِ.
وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَسْتَصْحِبَ ذِكْرَهَا أَيْضًا كَمَا قُلْنَا فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، وَمَعْنَى الِاسْتِدَامَةِ أَنْ لَا يَفْسَخَهَا بِأَنْ يَنْوِيَ قَطْعَ الْوُضُوءِ أَوْ يَنْوِيَ بِالْغَسْلِ تَبَرُّدًا أَوْ تَنَظُّفًا مِنَ النَّجَاسَةِ وَيَعْزُبُ عَنْ نِيَّةِ الْوُضُوءِ، فَإِنْ فَسَخَهَا بَطَلَتْ فِي أَقْوَى الْوَجْهَيْنِ كَمَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ، فَإِنْ أَفْرَدَ كُلَّ عُضْوٍ بِنِيَّتِهِ بِأَنْ يَقْصِدَ غَسْلَهُ فِي وُضُوئِهِ جَازَ وَلَمْ يَبْطُلْ مَا غَسَلَهُ بِالْفَسْخِ، كَمَا لَوْ نَوَى إِبْطَالَهَا بَعْدَ فَرَاغِهَا فِي الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ.
[مَسْأَلَةٌ التسمية في الوضوء]
مَسْأَلَةٌ:
" ثُمَّ يَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ "
لِمَا رُوِيَ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ سَلَمَةَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ وَلَا وُضُوءَ لِمَنْ
стр. 110
لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وَأَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلُهُ، رَوَاهُمَا أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ؛ وَلِأَنَّ ذِكْرَ اسْمِ اللَّهِ مَشْرُوعٌ فِي أَوَّلِ الْأَفْعَالِ الْعَادِيَّةِ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالنَّوْمِ وَدُخُولِ الْمَنْزِلِ وَالْخَلَاءِ فَلَأَنْ يُشْرَعَ
следующие страницы →