← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 14500

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - كتاب الطهارة

ابن تيمية

Полный текст (465 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

؛ لِأَنَّهُ مُبِيحٌ لِلصَّلَاةِ لَيْسَ بِرَافِعٍ لِلْحَدَثِ، وَالِاسْتِبَاحَةُ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ لَا تَحْصُلُ فَيَكُونُ كَالتَّيَمُّمِ قَبْلَ الْوَقْتِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَتِ النَّجَاسَةُ فِي غَيْرِ الْمَخْرَجِ لَمْ يَجُزْ فِي وَجْهٍ كَذَلِكَ، وَقِيلَ يُجْزِئُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَبَاحَ الصَّلَاةَ مِنْ غَيْرِهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَتْ عَلَى الثَّوْبِ. فَصْلٌ: يُسْتَحَبُّ إِذَا تَوَضَّأَ أَنْ يَنْضَحَ فَرْجَهُ بِالْمَاءِ لِيَقْطَعَ عَنْهُ الْوَسْوَاسَ بِخُرُوجِ الْبَوْلِ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِمَا رَوَى سُفْيَانُ بْنُ الْحَكَمِ أَوِ الْحَكَمُ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ: " «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ ثُمَّ نَضَحَ فَرْجَهُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ. وَعَنْ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ فِي أَوَّلِ مَا أُوحِيَ إِلَيْهِ " فَعَلَّمَهُ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْوُضُوءِ أَخَذَ

стр. 107

غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَنَضَحَ بِهَا فَرْجَهُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَلَفْظُهُ " «عَلَّمَنِي جِبْرِيلُ الْوُضُوءَ وَأَمَرَنِي أَنْ أَنْضَحَ تَحْتَ ثَوْبِي لِمَا يَخْرُجُ مِنَ الْبَوْلِ بَعْدَ الْوُضُوءِ» " وَهَذَا فِي الْمُسْتَنْجِي بِالْمَاءِ، فَأَمَّا الْمُسْتَجْمِرُ فَتُنَجِّسُهُ إِنْ قُلْنَا: إِنَّ الْمَحَلَّ نَجِسٌ، وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ طَاهِرٌ فَهُوَ مَكْرُوهٌ نَصَّ عَلَيْهِ.

стр. 108

[بَابُ الْوُضُوءِ] [ مَسْأَلَةٌ وجوب النية في العبادات] مَسْأَلَةٌ: " لَا يَصِحُّ الْوُضُوءُ وَلَا غَيْرُهُ مِنَ الْعِبَادَاتِ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» ". يَعْنِي أَنْ يَقْصِدَ بِغَسْلِ الْأَعْضَاءِ رَفْعَ حَدَثِهِ، وَهُوَ الْمَانِعُ مِمَّا تُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ بِقَصْدٍ أَوِ اسْتِبَاحَةِ عِبَادَةٍ لَا تُسْتَبَاحُ إِلَّا بِالْوُضُوءِ، وَهِيَ الصَّلَاةُ وَالطَّوَافُ وَمَسُّ الْمُصْحَفِ، فَأَمَّا إِنْ غَسَلَ أَعْضَاءَهُ لِيُبَرِّدَهَا بِالْمَاءِ أَوْ يُزِيلَ عَنْهَا نَجَاسَةً أَوْ لِيُعَلِّمَ غَيْرَهُ لَمْ يَرْفَعْ حَدَثَهُ، وَكَذَلِكَ النِّيَّةُ تُشْتَرَطُ فِي الْغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ؛ لِمَا رَوَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» ". رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ. وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مَأْمُورٌ بِهَا فَافْتَقَرَتْ إِلَى نِيَّةٍ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَ الْعِبَادَةَ الْمَأْمُورَ بِهَا وَأَنْ يُخْلِصَهَا لِلَّهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]. وَلَا يُقَالُ: هِيَ شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ فَأَشْبَهَتْ طَهَارَةَ الْخَبَثِ وَالِاسْتِتَارَ وَالِاسْتِقْبَالَ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ عِبَادَةٌ فِي نَفْسِهِ، وَشَرْطٌ لِلصَّلَاةِ؛ وَلِأَنَّ إِزَالَةَ النَّجَاسَةِ مِنْ بَابِ الْمَتْرُوكِ؛ وَلِهَذَا لَا يَحْتَاجُ إِلَى عَمَلٍ أَصْلًا بِخِلَافِ طَهَارَةِ الْحَدَثِ وَلِذَلِكَ اخْتَصَّتْ بِالْمَاءِ. وَأَمَّا الِاسْتِقْبَالُ وَالِاسْتِتَارُ فَإِنَّهُمَا يُوجَدَانِ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ مِثْلَ وُجُودِهِمَا قَبْلَهَا، فَنِيَّةُ الصَّلَاةِ تَنْتَظِمُهُمَا بِخِلَافِ التَّوَضُّؤِ. وَلِذَلِكَ إِذَا حَلَفَ لَا يَتَطَهَّرُ وَهُوَ مُتَطَهِّرٌ لَمْ يَحْنَثْ بِالِاسْتِدَامَةِ، وَإِذَا حَلَفَ لَا يَسْتَتِرُ، وَهُوَ مُسْتَتِرٌ، وَلَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَهُوَ مُسْتَقْبِلُهَا؛ فَاسْتَدَامَ ذَلِكَ حَنِثَ.

стр. 109

فَصْلٌ: وَمَحَلُّ النِّيَّةِ الْقَلْبُ، فَلَوْ سَبَقَ لِسَانُهُ بِغَيْرِ مَا قَصَدَهُ كَانَ الِاعْتِبَارُ بِمَا قَصَدَ، وَلَوْ قَصَدَ مَعَ الْوُضُوءِ التَّبَرُّدَ أَوْ غَيْرَهُ لَمْ يَضُرَّهُ، كَمَا لَوْ قَصَدَ تَعْلِيمَ غَيْرِهِ أَوْ قَصَدَ مَعَ الصَّلَاةِ تَعْلِيمَهَا، وَيُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ عَلَى غَسْلِ الْيَدِ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ الْمَسْنُونَاتِ، وَيَجِبُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْوَجْهِ وَالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ؛ وَلِأَنَّهُ أَوَّلُ الْوَاجِبَاتِ وَيَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ كَالصَّلَاةِ، وَيَجِبُ اسْتِصْحَابُ حُكْمِهَا إِلَى آخِرِ الْوُضُوءِ. وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَسْتَصْحِبَ ذِكْرَهَا أَيْضًا كَمَا قُلْنَا فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، وَمَعْنَى الِاسْتِدَامَةِ أَنْ لَا يَفْسَخَهَا بِأَنْ يَنْوِيَ قَطْعَ الْوُضُوءِ أَوْ يَنْوِيَ بِالْغَسْلِ تَبَرُّدًا أَوْ تَنَظُّفًا مِنَ النَّجَاسَةِ وَيَعْزُبُ عَنْ نِيَّةِ الْوُضُوءِ، فَإِنْ فَسَخَهَا بَطَلَتْ فِي أَقْوَى الْوَجْهَيْنِ كَمَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ، فَإِنْ أَفْرَدَ كُلَّ عُضْوٍ بِنِيَّتِهِ بِأَنْ يَقْصِدَ غَسْلَهُ فِي وُضُوئِهِ جَازَ وَلَمْ يَبْطُلْ مَا غَسَلَهُ بِالْفَسْخِ، كَمَا لَوْ نَوَى إِبْطَالَهَا بَعْدَ فَرَاغِهَا فِي الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ. [مَسْأَلَةٌ التسمية في الوضوء] مَسْأَلَةٌ: " ثُمَّ يَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ " لِمَا رُوِيَ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ سَلَمَةَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ وَلَا وُضُوءَ لِمَنْ

стр. 110

لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وَأَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلُهُ، رَوَاهُمَا أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ؛ وَلِأَنَّ ذِكْرَ اسْمِ اللَّهِ مَشْرُوعٌ فِي أَوَّلِ الْأَفْعَالِ الْعَادِيَّةِ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالنَّوْمِ وَدُخُولِ الْمَنْزِلِ وَالْخَلَاءِ فَلَأَنْ يُشْرَعَ

стр. 111

فِي أَوَّلِ الْعِبَادَاتِ أَوْلَى، وَالْمَسْنُونُ التَّسْمِيَةُ، هَذَا إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. قَالَ الْخَلَّالُ: الَّذِي اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ الرِّوَايَاتُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ يَعْنِي إِذَا تَرَكَ التَّسْمِيَةَ، وَهِيَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ فِيهَا لَيْسَتْ قَوِيَّةً. وَقَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ يَثْبُتُ فِيهَا حَدِيثٌ وَلَا أَعْلَمُ فِيهَا حَدِيثًا لَهُ إِسْنَادٌ جَيِّدٌ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ: ضَعَّفَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَدِيثَ فِي التَّسْمِيَةِ، وَقَالَ: " أَقْوَى شَيْءٍ فِيهِ حَدِيثُ كَثِيرٍ عَنْ رُبَيْحٍ " يَعْنِي حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ ثُمَّ " ذَكَرَ رَبَاحًا أَيْ مَنْ هُوَ وَمَنْ أَبُو ثِفَالٍ " يَعْنِي الَّذِي يَرْوِي حَدِيثَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: " لَا يُعْرَفُ لِسَلَمَةَ سَمَاعٌ

стр. 112

مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَا لِيَعْقُوبَ سَمَاعٌ مِنْ أَبِيهِ " وَلَوْ صَحَّتْ حُمِلَتْ عَلَى الذِّكْرِ بِالْقَلْبِ وَهُوَ النِّيَّةُ، وَكَذَلِكَ قَالَ رَبِيعَةُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَحَادِيثِ. وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا بَلْ أَكْثَرُهُمْ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَحَادِيثِ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ: قَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: " ثَبَتَ لَنَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يُسَمِّ» " وَتَضْعِيفُ أَحْمَدَ لَهَا مَحْمُولٌ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، إِمَّا أَنَّهَا لَا تَثْبُتُ عِنْدَهُ أَوَّلًا لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِحَالِ الرَّاوِي؛ ثُمَّ عَلِمَهُ فَبَنَى عَلَيْهِ مَذْهَبَهُ بِرِوَايَةِ الْوُجُوبِ، وَلِهَذَا أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ رَبَاحًا وَلَا أَبَا ثِفَالٍ، وَهَكَذَا تَجِيءُ عَنْهُ كَثِيرًا الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ ثُمَّ زَالَ ثُبُوتُهَا؛ فَإِنَّ النَّفْيَ سَابِقٌ عَلَى الْإِثْبَاتِ، وَأَمَّا أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَلَى طَرِيقَةِ تَصْحِيحِ الْمُحَدِّثِينَ. فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ تَنْقَسِمُ إِلَى صَحِيحٍ وَحَسَنٍ وَضَعِيفٍ، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِثَابِتٍ، أَيْ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ الْحَافِظُ الثِّقَةُ عَنْ مِثْلِهِ، وَذَلِكَ لَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ حَسَنًا وَهُوَ حُجَّةٌ، وَمَنْ تَأَمَّلَ الْحَافِظَ الْإِمَامَ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُوَهِّنِ

стр. 113

الْحَدِيثَ، وَإِنَّمَا بَيَّنَ مَرْتَبَتَهُ فِي الْجُمْلَةِ أَنَّهُ دُونَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الثَّابِتَةِ، وَكَذَلِكَ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَحْسَنُهَا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا حُسْنٌ لَمْ يَقُلْ فِيهَا أَحْسَنُهَا، وَهَذَا مَعْنَى احْتِجَاجِ أَحْمَدَ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ، وَقَوْلُهُ: رُبَّمَا أَخَذْنَا بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِ يَعْنِي بِهِ الْحَسَنَ. فَأَمَّا مَا رَوَاهُ مُتَّهَمٌ أَوْ مُغَفَّلٌ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ أَصْلًا، وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَى أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ السَّمَاعَ فِي رِجَالِهِ، وَهَذَا غَيْرُ وَاجِبٍ فِي الْعَمَلِ، بَلِ الْعَنْعَنَةُ مَعَ إِمْكَانِ اللِّقَاءِ مَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ الرَّاوِيَ مُدَلِّسٌ. وَثَانِيهَا: أَنَّهُ قَدْ تَعَدَّدَتْ طُرُقُهُ وَكَثُرَتْ مَخَارِجُهُ، وَهَذَا مِمَّا يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَيَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ لَهُ أَصْلًا، وَرُوِيَ أَيْضًا مُرْسَلًا رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ مَكْحُولٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «إِذَا تَطَهَّرَ الرَّجُلُ، وَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ طَهُرَ جَسَدُهُ كُلُّهُ، وَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ لَمْ يَطْهُرْ مِنْهُ إِلَّا مَكَانُ الْوُضُوءِ» ". وَهَذَا وَإِنِ احْتُجَّ بِهِ عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ لَيْسَتْ وَاجِبَةً، فَإِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِهَا؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ الشَّرْعِيَّةَ الَّتِي تُطَهِّرُ الْجَسَدَ كُلَّهُ حَتَّى تَصِحَّ الصَّلَاةُ وَمَسُّ الْمُصْحَفِ بِجَمِيعِ الْبَدَنِ، فَإِذَا لَمْ تَحْصُلِ الشَّرْعِيَّةُ جُعِلَتِ الطَّهَارَةُ الْحِسِّيَّةُ وَهِيَ مُقْتَصِرَةٌ عَلَى مَحَلِّهَا كَمَا لَوْ لَمْ يَنْوِ.

стр. 114

وَرَوَى الدَّرَاوَرْدِيُّ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ " «أَنَّ رَجُلًا تَوَضَّأَ، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَكَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْرَضَ عَنْهُ، وَقَالَ لَهُ: تَطَهَّرْ، فَرَجَعَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ اجْتَهَدَ، فَجَاءَ فَسَلَّمَ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، وَقَالَ: ارْجِعْ فَتَطَهَّرْ، فَلَقِيَ الرَّجُلُ عَلِيًّا فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: هَلْ سَمَّيْتَ اللَّهَ حِينَ وَضَعْتَ يَدَكَ فِي وَضُوئِكَ، فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ، فَقَالَ: ارْجِعْ فَسَمِّ اللَّهَ فِي وُضُوئِكَ، فَرَجَعَ فَسَمَّى اللَّهَ عَلَى وُضُوئِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيْهِ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ ثُمَّ قَالَ: إِذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ طَهُورَهُ فَلْيُسَمِّ اللَّهَ» ". رَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ عَنْهُ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ تَضْعِيفَهُ إِمَّا مِنْ جِهَةِ إِرْسَالٍ أَوْ جَهْلِ رَاوٍ، وَهَذَا غَيْرُ قَادِحٍ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَعَلَى الْأُخْرَى، وَهِيَ قَوْلُ مَنْ لَا يَحْتَجُّ بِالْمُرْسَلِ نَقُولُ: إِذَا عَمِلَ بِهِ جَمَاهِيرُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَأَرْسَلَهُ مَنْ أَخَذَ الْعِلْمَ عَنْ غَيْرِ رِجَالِ الْمُرْسَلِ الْأَوَّلِ أَوْ رُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ الصَّحَابَةِ أَوْ وَافَقَهُ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ فَهُوَ حُجَّةٌ، وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدِ اعْتَضَدَ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ عَامَّةَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَمِلُوا بِهِ فِي شَرْعِ التَّسْمِيَةِ فِي الْوُضُوءِ، وَلَوْلَا هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ أَصْلٌ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ شَرْعِهَا هَلْ هُوَ إِيجَابٌ أَوْ نَدْبٌ، وَرُوِيَ مِنْ وُجُوهٍ مُتَبَايِنَةٍ مُسْنَدًا وَمُرْسَلًا وَلَعَلَّكَ تَجِدُ

стр. 115

فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَسَائِلِ لَيْسَ مَعَهُمْ أَحَادِيثُ مِثْلُ هَذِهِ. وَرَابِعُهَا: أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ قَالَ: أَحْسَنُهَا يَعْنِي أَحَادِيثَ هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ، وَكَذَلِكَ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَقَدْ سُئِلَ أَيُّ حَدِيثٍ أَصَحُّ فِي التَّسْمِيَةِ، فَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: أَحْسَنُ حَدِيثٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ. وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ، وَإِنْ كَانُوا إِنَّمَا يَقْصِدُونَ بِهَا بَيَانَ أَنَّ الْأَثَرَ أَقْوَى شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ، فَلَوْلَا أَنَّ أَسَانِيدَهَا مُتَقَارِبَةٌ لَمَا قَالُوا ذَلِكَ وَحَمْلُهَا عَلَى الذِّكْرِ بِالْقَلْبِ أَوْ عَلَى تَأْكِيدِ الِاسْتِحْبَابِ خِلَافُ مَدْلُولِ الْكَلَامِ وَظَاهِرِهِ، وَإِنَّمَا يُصَارُ إِلَيْهِ لِمُوجِبٍ وَلَا مُوجِبَ هُنَا، وَإِذَا قُلْنَا بِوُجُوبِهَا فَإِنَّهَا تَسْقُطُ بِالسَّهْوِ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ كَالذَّبِيحَةِ وَأَوْلَى، فَإِنْ قُلْنَا تَسْقُطُ سَمَّى مَتَى ذَكَرَهَا، وَإِنْ قُلْنَا: لَا تَسْقُطُ لَغَا مَا فَعَلَهُ قَبْلَهَا، وَهَذَا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَهُوَ أَنَّهَا تَجِبُ فِي أَوَّلِ الْوُضُوءِ قَبْلَ غَسْلِ الْوَجْهِ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ: مَتَّى سَمَّى أَجْزَأَهُ.

стр. 116

[مَسْأَلَةٌ غسل الكفين قبل الوضوء ثلاثا] مَسْأَلَةٌ: " وَيَغْسِلُ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا ". هَذَا مَسْنُونٌ لِكُلِّ مُتَوَضِّئٍ، سَوَاءٌ إِنْ تَحَقَّقَ طَهَارَتَهَا أَوْ شَكَّ فِي ذَلِكَ، وَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ الْوُضُوءِ حَتَّى لَوْ غَسَلَهَا قَبْلَ الْوُضُوءِ اسْتُحِبَّ لَهُ إِعَادَةُ غَسْلِهَا بَعْدَ النِّيَّةِ، وَكَذَلِكَ الَّذِي يُوَضِّئُ الْمَيِّتَ، يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَغْسِلَ كَفَّيْهِ كُلَّمَا وَضَّأَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الَّذِينَ وَضَّئُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا؛ وَلِأَنَّ الْيَدَ آلَةٌ لِنَقْلِ الْمَاءِ فَاسْتُحِبَّ تَطْهِيرُهَا تَحْقِيقًا لِطَهَارَتِهِمَا وَتَنْظِيفًا لَهُمَا وَإِدْخَالًا لِغَسْلِهِمَا فِي حَيِّزِ الْعِبَادَةِ، وَلَوْ أَنَّهُ عَلَى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ. فَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمُتَوَضِّئُ قَدْ قَامَ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ كَانَ غَسْلُهُمَا أَوْكَدَ حَتَّى يُكْرَهَ تَرْكُهُ، وَهُوَ وَاجِبٌ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، قَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ: لَا عَنْ حَدَثٍ وَلَا عَنْ نَجَسٍ، لَكِنْ تَعَبُّدٌ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» "، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ إِلَّا أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَذْكُرِ الْعَدَدَ، وَمُقْتَضَى الْأَمْرِ الْإِيجَابُ لَا سِيَّمَا، وَغَسْلُ الْيَدِ مُسْتَحَبٌّ مُطْلَقًا فَلَمَّا خُصَّ بِهِ هَذِهِ الْحَالُ دَلَّ عَلَى وُجُوبِهِ، وَهَذَا يَخْتَصُّ بِنَوْمِ اللَّيْلِ دُونَ نَوْمِ النَّهَارِ؛ لِأَنَّ الْمَبِيتَ إِنَّمَا يَكُونُ بِاللَّيْلِ فَعَلَى هَذَا لَوِ اسْتَيْقَظَ الْمَحْبُوسُ وَلَمْ يَدْرِ لَيْلٌ هُوَ أَمْ نَهَارٌ لَمْ يَلْزَمْهُ غَسْلُهُمَا وَمَنْ

стр. 117

نَامَ أَكْثَرَ اللَّيْلِ لَزِمَ الْغَسْلُ دُونَ مَنْ بَاتَ أَقَلَّهُ كَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَلْزَمُ كُلَّ مَنْ نَامَ نَوْمًا يَنْقُضُ وُضُوءَهُ فَإِنْ بَاتَ وَيَدُهُ فِي جِرَابٍ أَوْ مَكْتُوفًا وَجَبَ غَسْلُهُمَا فِي أَظْهَرِ الْوَجْهَيْنِ، وَتُشْتَرَطُ النِّيَّةُ لِذَلِكَ فِي أَشْهَرِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ، وَلَا تُشْتَرَطُ التَّسْمِيَةُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَإِنْ قُلْنَا بِاشْتِرَاطِهَا فِي الْوُضُوءِ بَلِ الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُفْرِدَهَا بِالتَّسْمِيَةِ، وَيَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْوُضُوءِ بِالزَّمَنِ الطَّوِيلِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جُمْلَتِهِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ سُنَّةٌ اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ وَجَمَاعَةٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦] يَعُمُّ الْقَائِمَ مِنَ النَّوْمِ وَغَيْرَهُ لَا سِيَّمَا، وَقَدْ فَسَّرَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ بِالْقِيَامِ مِنَ اللَّيْلِ. وَلَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا آخَرَ؛ وَلِأَنَّ الطَّهُورَ الْوَاجِبَ إِمَّا عَنْ خَبَثٍ، وَهِيَ طَهَارَةٌ بِإِجْمَاعٍ، وَإِمَّا عَنْ حَدَثٍ وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَأَجْزَأَ غَسْلُهُمَا فِي جُمْلَةِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ بِنِيَّةِ الْحَدَثِ، وَاكْتَفَى لَهُمَا بِغَسْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَحَمَلُوا الْحَدِيثَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ كَمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيَاشِيمِهِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. لِتَعْلِيلِهِ بِوَهْمِ النَّجَاسَةِ؛ وَلِأَنَّهُ قَدْ رَوِيَ فِي لَفْظٍ صَحِيحٍ " «إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمُ الطَّهُورَ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا» " وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ غَسْلَ الْيَدِ الْمَسْنُونَ عِنْدَ الْوُضُوءِ، وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ حُكْمُ غَسْلِهِمَا هُنَا حُكْمُ

стр. 118

غَسْلِهِمَا عِنْدَ إِرَادَةِ كُلِّ وُضُوءٍ، إِلَّا أَنَّهُ مُوَكَّدٌ هُنَا يُكْرَهُ تَرْكُهُ، وَهَلْ يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِمَنْ يُرِيدُ الْوُضُوءَ أَوْ يَعُمُّهُ وَغَيْرَهُ بِحَيْثُ يَغْسِلُ عِنْدَ الْوَضْعِ فِي الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَائِعَاتِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ. [مَسْأَلَةٌ المضمضة والاستنشاق في الوضوء] مَسْأَلَةٌ: " ثُمَّ يَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ ثَلَاثًا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِغَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ ثَلَاثٍ ". لِأَنَّ الَّذِينَ وَصَفُوا وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَكَرُوا ذَلِكَ فِيهِ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يَتَمَضْمَضَ وَيَسْتَنْشِقَ بِيَمِينِهِ وَيَسْتَنْثِرَ بِشِمَالِهِ وَأَنْ يُقَدِّمَهُمَا عَلَى ظَاهِرِ الْوَجْهِ؛ لِلسُّنَّةِ الْمُسْتَفِيضَةِ بِذَلِكَ؛ وَلِأَنَّ تَقْدِيمَ الْبَاطِنِ أَوْلَى؛ لِئَلَّا يَخْرُجَ مِنْهُ أَذًى بَعْدَ غَسْلِ الظَّاهِرِ فَيُلَوِّثُهُ، وَأَنْ يُقَدِّمَ الْمَضْمَضَةَ لِلسُّنَّةِ؛ وَلِأَنَّ الْفَمَ أَشْرَفُ وَأَحَقُّ بِالتَّطْهِيرِ، وَهُوَ أَشْبَهُ بِالْبَاطِنِ، وَقَوْلُهُ: يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا أَيِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ أَفْضَلُ مِنْ أَنْ يَفْصِلَ كُلَّ وَاحِدٍ بِمَاءٍ؛ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ فِي صِفَةِ وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ " «أَنَّهُ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ» " وَفِي لَفْظٍ " «تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. وَفِي لَفْظٍ " «تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعُثْمَانَ وَغَيْرِهِمَا وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ أَكْثَرُ وَأَصَحُّ مِنْ أَحَادِيثِ الْفَصْلِ؛ وَلِأَنَّ هَذَا يَحْصُلُ مَعَهُ الْإِسْبَاغُ مَعَ الرِّفْقِ مِنْ غَيْرِ سَرَفٍ؛ ثُمَّ إِنْ شَاءَ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ الثَّلَاثَ بِغَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ إِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يُسْبِغَ بِهَا وَإِنْ شَاءَ بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ جَاءَ بِهِمَا، وَإِنْ فَعَلَ الْمَضْمَضَةَ بِمَاءٍ وَالِاسْتِنْشَاقَ بِمَاءٍ

стр. 119

جَازَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ إِمَّا بِغَرْفَتَيْنِ أَوْ سِتِّ غَرَفَاتٍ، وَإِذَا جَمَعَهُمَا بِمَاءٍ وَاحِدٍ فِي غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ فَصَلَهُمَا بِمَاءَيْنِ فِي سِتِّ غَرَفَاتٍ كَمُلَ، وَصِفَتُهُ الْمَضْمَضَةُ أَوَّلًا ثُمَّ الِاسْتِنْشَاقُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ كَمَا لَوْ فَرَّقَهُمَا بِغَرْفَتَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ يَتَمَضْمَضُ ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ ثُمَّ يَتَمَضْمَضُ ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ كَمَا لَوْ جَمَعَهُمَا بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ، (وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكْمُلَ الْمَضْمَضَةُ فِي السِّتِّ وَفِي الْأُخْرَى يَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ إِلْحَاقًا لِكُلِّ وَاحِدٍ بِجِنْسِهِ). وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي الْمُسْنَدِ «عَنْ عَلِيٍّ " أَنَّهُ تَمَضْمَضَ ثَلَاثًا ثُمَّ اسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا بِكَفٍّ كَفٍّ، وَقَالَ: أَحْبَبْتُ أَنْ أُرِيَكُمْ كَيْفَ كَانَ طَهُورُ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ » " فَصْلٌ: وَالْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ وَاجِبَانِ فِي الطَّهَارَتَيْنِ الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ أَنَّ الِاسْتِنْشَاقَ وَحْدَهُ هُوَ الْوَاجِبُ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَنْثِرْ» "، وَفِي لَفْظٍ " «فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً ثُمَّ يَسْتَنْثِرْ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ " «مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْشِقْ» ". وَقَالَ لِلَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ: " «وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» " فَأَمَرَ بِالْمُبَالَغَةِ وَالِاسْتِنْثَارِ الْمُسْتَلْزِمَيْنِ لِلِاسْتِنْشَاقِ.

стр. 120

قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى اسْتِحْبَابِ الصِّفَةِ، بَقِيَ أَصْلُ الْفِعْلِ عَلَى الْوُجُوبِ، وَلَمْ يَرِدْ مِثْلُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ فِي الْمَضْمَضَةِ؛ وَلِأَنَّ طَرَفَ الْأَنْفِ لَا يَزَالُ مَفْتُوحًا لَيْسَ لَهُ سَاتِرٌ بِخِلَافِ الْفَمِ، وَلِهَذَا أُمِرَ الْقَائِمُ مِنْ نَوْمِهِ بِالِاسْتِنْشَاقِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَضْمَضَةَ، وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّهُمَا يَجِبَانِ فِي الْكُبْرَى دُونَ الصُّغْرَى؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ مَبْنَاهُ عَلَى وُجُوبِ غَسْلِ جَمِيعِ مَا يُمْكِنُ مِنَ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ بِدَلِيلِ بَاطِنِ الشُّعُورِ الْكَثِيفَةِ مِنَ اللِّحْيَةِ وَالرَّأْسِ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ فِيهِ غَسْلُ مَا اسْتَتَرَ كَبَاطِنِ اللِّحْيَةِ. وَيُرْوَى عَنْهُ أَنَّهُ يَجِبُ الِاسْتِنْشَاقُ وَحْدَهُ فِي الْوُضُوءِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ الَّذِي جَاءَ فِيهِ النَّصُّ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِغَسْلِ الْوَجْهِ مُطْلَقًا، وَفَسَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِفِعْلِهِ وَتَعْلِيمِهِ فَتَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ فِي كُلِّ وُضُوءٍ تَوَضَّأَهُ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ أَخَلَّ بِهِ أَبَدًا مَعَ اقْتِصَارِهِ عَلَى أَقَلِّ مَا يُجْزِئُ حِينَ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً، وَقَالَ: هَذَا صِفَةُ الْوُضُوءِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ، وَهَذَا أَقْصَى حَدٍّ فِي اقْتِصَارِ الْوُجُوبِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ فِعْلَهُ إِذَا خَرَجَ امْتِثَالًا لِأَمْرٍ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ ذَلِكَ الْأَمْرِ فِي اقْتِضَاءِ الْوُجُوبِ. وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُسْتَحَبًّا لَأَخَلَّ بِهِ وَلَوْ مَرَّةً لِيُبَيِّنَ جَوَازَ التَّرْكِ كَمَا تَرَكَ الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ، وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَمَّا تَوَضَّأَ قَالَ: هَذَا صِفَةُ الْوُضُوءِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «إِذَا تَوَضَّأْتَ فَتَمَضْمَضْ» " وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ

стр. 121

سَلَمَةَ عَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ» ". وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ مِنَ الْوُضُوءِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ» " رَوَاهُمَا الدَّارَقُطْنِيُّ. وَقَدْ رَوَى هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ مُسْنَدَيْنِ وَمُرْسَلَيْنِ، وَالْمُرْسَلُ إِذَا أُرْسِلَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى أَوْ عَضَّدَهُ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ أَوِ السُّنَّةِ صَارَ حُجَّةً وِفَاقًا وَهُوَ كَذَلِكَ؛ وَلِأَنَّ الْفَمَ وَالْأَنْفَ فِي الْوَجْهِ، وَحُكْمُهُمَا حُكْمُ الظَّاهِرِ، وَتَخْصِيصُ النَّبِيِّ ﷺ الِاسْتِنْشَاقَ بِالْأَمْرِ؛ لَا لِأَنَّهُ أَوْلَى بِالتَّطْهِيرِ مِنَ الْفَمِ، كَيْفَ وَالْفَمُ أَشْرَفُ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الذِّكْرِ وَالْقِرَاءَةِ وَتَغَيُّرُهُ بِالْخُلُوفِ أَكْثَرُ، لَكِنْ يُشْبِهُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَنَّ الْفَمَ لَمَّا شُرِعَ لَهُ التَّطْهِيرُ بِالسِّوَاكِ وَأَوْكَدَ أَمْرَهُ وَكَانَ غَسْلُهُ بَعْدَ الطَّعَامِ مَشْرُوعًا

стр. 122

وَقَبْلَ الطَّعَامِ عَلَى قَوْلٍ، عُلِمَ اعْتِنَاءُ الشَّارِعِ بِتَطْهِيرِهِ بِخِلَافِ الْأَنْفِ، فَإِنَّهُ ذُكِرَ لِبَيَانِ حُكْمِهِ؛ خَشْيَةَ أَنْ يُهْمَلَ إِذَا لَمْ يُشْرَعْ غَسْلُهُ إِلَّا فِي الْوُضُوءِ وَعِنْدَ الِانْتِبَاهِ. فَصْلٌ: وَهَلْ تُسَمَّى الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ فَرْضًا عَلَى رِوَايَتَيْنِ مَنْصُوصَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ عَنْهُ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ بِنَاءً عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ أَنَّ الْفَرْضَ مَا يَثْبُتُ بِكِتَابِ اللَّهِ دُونَ مَا ثَبَتَ وُجُوبُهُ بِالسُّنَّةِ، أَوْ مَا يَثْبُتُ بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ دُونَ مَا ثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْعُمُومِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَرُبَّمَا قِيلَ: مَا لَمْ يَسْقُطْ فِي عَمْدٍ وَلَا سَهْوٍ، وَيَجُوزُ تَأْخِيرُهُمَا عَنْ غَسْلِ ظَاهِرِ الْوَجْهِ، وَيَجِبُ تَقْدِيمُهُمَا عَلَى غَسْلِ الْيَدِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنَ الْوَجْهِ فَوَجَبَ تَقْدِيمُهُمَا كَسَائِرِ أَجْزَائِهِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُهُمَا عَنْ جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ، وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ وَالْمُوَالَاةُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ غَيْرِهِمَا؛ لِمَا رَوَى الْمِقْدَامُ بْنُ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ: «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَضُوءٍ " فَتَوَضَّأَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ وَأُذُنَيْهِ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ؛ وَلِأَنَّ وُجُوبَهُمَا

стр. 123

لَمْ يُعْلَمْ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَالتَّرْتِيبُ إِنَّمَا يَجِبُ بَيْنَ الْأَعْضَاءِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ لِيَبْدَأَ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ، وَإِنَّمَا هُمَا مِنَ الْوَجْهِ عَلَى سَبِيلِ التَّبَعِ كَمَا أَنَّ الْأُذُنَيْنِ مِنَ الرَّأْسِ فَجَازَ غَسْلُهُمَا تَبَعًا. [مَسْأَلَةٌ غسل الوجه ثلاثا] مَسْأَلَةٌ: " ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ ثَلَاثًا ". لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. وَالتَّثْلِيثُ فِي سَائِرِ الْأَعْضَاءِ الْمَغْسُولَةِ لِمَا رُوِيَ «عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ دَعَا بِإِنَاءٍ فَأَفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَغَسَلَهُمَا ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الْإِنَاءِ فَتَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَيَدَيْهِ إِلَى الْمَرْفِقَيْنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: " مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَزِيدَ فِي مَاءِ الْوَجْهِ لِأَسَارِيرِهِ وَدَوَاخِلِهِ وَخَوَارِجِهِ وَشُعُورِهِ وَأَنْ يَمْسَحَ مَا فِيهِ؛ لِأَنَّهَا مَظِنَّةُ نُبُوِّ الْمَاءِ عَنْهَا، قَالَ أَحْمَدُ: يُؤْخَذُ لِلْوَجْهِ أَكْثَرَ مِمَّا يُؤْخَذُ لِعُضْوٍ مِنَ الْأَعْضَاءِ، وَكُرِهَ أَنْ يَأْخُذَ الْمَاءَ ثُمَّ يَصُبَّهُ ثُمَّ يَغْسِلُ

стр. 124

وَجْهَهُ. وَقَالَ: هَذَا مَسْحٌ، وَلَكِنَّهُ يَغْسِلُ غَسْلًا. وَقَدْ رَوَى أَبُو أُمَامَةَ وَصْفَ وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ ثَلَاثًا، وَقَالَ: " «وَكَانَ يَمْسَحُ الْمَاقَيْنِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْمَأْقُ طَرَفُ الْعَيْنِ مِنْ جِهَةِ الْأَنْفِ وَالْأُذُنِ. [مَسْأَلَةٌ حدود الوجه طولا وعرضا] مَسْأَلَةٌ: " مِنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ إِلَى مَا انْحَدَرَ مِنَ اللَّحْيَيْنِ وَالذَّقْنِ وَإِلَى أُصُولِ الْأُذُنَيْنِ ". لِأَنَّ الرَّأْسَ مَا عَلَيْهِ الشَّعْرُ، وَهُوَ الْمَشْرُوعُ مَسْحُهُ، فَمَا دُونَ الْمَنَابِتِ هُوَ مِنَ الْوَجْهِ، وَهَذَا مُعْتَبَرٌ بِغَالَبِ النَّاسِ، فَأَمَّا الْأَقْرَعُ الَّذِي يَنْبُتُ الشَّعْرُ فِي بَعْضِ جَبْهَتَيْهِ أَوِ الْأَجْلَحُ الَّذِي انْحَسَرَ الشَّعْرُ عَنْ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ فَلَا عِبْرَةَ بِهِمَا بَلْ يَجِبُ عَلَى الْأَقْرَعِ غَسْلُ الشَّعْرِ النَّابِتِ عَلَى الْوَجْهِ، وَغَسْلُ مَا تَحْتَهُ إِنْ كَانَ يَصِفُ الْبَشَرَةَ، وَقَوْلُهُ إِلَى مَا انْحَدَرَ مِنَ اللَّحْيَيْنِ وَالذَّقْنِ، فَاللَّحْيَانِ هُمَا الْعَظْمَانِ اللَّذَانِ فِي أَسْفَلِ الْوَجْهِ قَدِ اكْتَنَفَاهُ وَعَلَيْهِمَا تَثْبُتُ أَكْثَرُ اللِّحْيَةِ. وَالذَّقْنُ مُجْتَمَعُ اللَّحْيَيْنِ، فَيَجِبُ غَسْلُ الْبَشَرَةِ إِنْ كَانَتْ ظَاهِرَةً، وَغَسْلُ مَا عَلَيْهَا مِنَ الشَّعْرِ وَمَا اسْتَرْسَلَ مِنَ اللِّحْيَةِ عَنِ اللَّحْيَيْنِ وَالذَّقْنِ وَعَنْهُ لَا يَجِبُ غَسْلُ مَا خَرَجَ عَنْ مُحَاذَاةِ الْبَشَرَةِ طُولًا وَعَرْضًا كَمَا لَا يَجِبُ مَسْحُ مَا

стр. 125

اسْتَرْسَلَ مِنَ الرَّأْسِ؛ وَلِأَنَّ الْفَرْضَ كَانَ عَلَى الْبَشَرَةِ قَبْلَ النَّبَاتِ فَلَمَّا نَبَتَ الشَّعْرُ انْتَقَلَ الْفَرْضُ إِلَيْهِ فَمَا لَمْ يُحَاذِ الْبَشَرَةَ لَمْ يَنْتَقِلْ إِلَيْهِ شَيْءٌ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «مَا مِنْ عَبْدٍ يَغْسِلُ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ مَعَ الْمَاءِ» "؛ وَلِأَنَّهُ ثَابِتٌ فِي الْمَحَلِّ الْمَغْسُولِ فَتَبِعَهُ، وَإِنْ طَالَ كَالظُّفُرِ إِذَا خَرَجَ عَنْ حَدِّ الْأُصْبُعِ. وَلِأَنَّ اللِّحْيَةَ تُشَارِكُ الْوَجْهَ فِي مَعْنَى التَّوَجُّهِ وَالْمُوَاجَهَةِ وَالْوَجَاهَةِ، بِخِلَافِ الذَّوَائِبِ فَإِنَّهَا لَا تُشَارِكُ الرَّأْسَ فِي التَّرَأُسِ وَالِارْتِفَاعِ، وَلِذَلِكَ كَانَ غَسْلُ اللِّحْيَةِ مَشْرُوعًا وَمَسْحُ الذَّوَائِبِ مَكْرُوهًا، وَقَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا قَدْ غَطَّى لِحْيَتَهُ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: " اكْشِفْ عَنْ وَجْهِكَ فَإِنَّ اللِّحْيَةَ مِنَ الْوَجْهِ» ". وَقَوْلُهُ مِنَ الْأُذُنِ إِلَى الْأُذُنِ يَعْنِي بِهِ مِنْ وَتَدِ الْأُذُنِ أَصْلِهَا دُونَ فَرْعِهَا فَلَمْ تَدْخُلِ الْأُذُنَانِ فِي الْوَجْهِ، فَأَمَّا الْبَيَاضُ بَيْنَ الْأُذُنَيْنِ وَالْعِذَارُ فَمِنَ الْوَجْهِ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ وَالْمُفَضَّلُ بْنُ سَلَمَةَ مَا جَاوَزَ وَتَدَ الْأُذُنِ مِنَ الْعَارِضِ وَالْعَارِضَانِ مِنَ الْوَجْهِ؛ وَلِأَنَّهُ قَبْلَ نَبَاتِ الشَّعْرِ كَانَ يَجِبُ غَسْلُهُ إِجْمَاعًا وَكَذَلِكَ بَعْدَهُ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى التَّوَجُّهِ وَالْمُوَاجَهَةِ وَالْوَجَاهَةِ؛ وَلِأَنَّ حُكْمَ الْمُوضِحَةِ يَثْبُتُ فِي

стр. 126

عَظْمِهِ، وَهِيَ لَا تَثْبُتُ إِلَّا فِي رَأْسٍ أَوْ وَجْهٍ، وَلَيْسَ مِنَ الرَّأْسِ فَيَكُونُ مِنَ الْوَجْهِ. فَأَمَّا الشُّعُورُ النَّابِتَةُ فِي الْوَجْهِ؛ فَإِنْ كَانَتْ تَصِفُ الْبَشَرَةَ وَجَبَ غَسْلُهَا، وَغَسْلُ مَا تَحْتَهَا كَمَا كَانَ يَجِبُ قَبْلَ نَبَاتِ الشَّعْرِ ; لِأَنَّهُ مَا دَامَ يَظْهَرُ فَهُوَ ظَاهِرٌ لَا يَشُقُّ إِيصَالُ الْمَاءِ إِلَيْهِ. وَإِنْ لَمْ تَصِفِ الْبَشَرَةَ لَمْ يَجِبْ إِلَّا غَسْلُ ظَاهِرِهَا فَقَطْ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ شَعْرُ الْحَاجِبَيْنِ وَالشَّارِبَيْنِ وَالْعَنْفَقَةِ وَالْعِذَارِ وَاللِّحْيَةِ، هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ؛ لِأَنَّهُ يَشُقُّ إِيصَالُ الْمَاءِ إِلَيْهَا؛ وَلِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ غَسَلَ بَاطِنَ اللِّحْيَةِ، قَالَ أَحْمَدُ: وَقَدْ سُئِلَ أَيُّمَا أَعْجَبُ إِلَيْكَ، غَسْلُ اللِّحْيَةِ أَوْ تَخْلِيلُهَا، فَقَالَ: " غَسْلُهَا لَيْسَ مِنَ السُّنَّةِ " وَقِيلَ يَجِبُ غَسْلُ بَاطِنِ مَا سِوَى اللِّحْيَةِ، وَكَذَلِكَ لِحْيَةُ الْمَرْأَةِ؛ وَإِنْ كَانَ كَثِيفًا؛ لِأَنَّ إِيصَالَ الْمَاءِ لَا يَشُقُّ غَالِبًا، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ بَعْدَ السَّتْرِ انْتَقَلَ إِلَى الظَّاهِرِ؛ وَلِأَنَّ فِي إِيجَابِ غَسْلِ بَاطِنِهَا مَشَقَّةً وَتَطْرِيقًا لِلْوَسْوَاسِ كَاللِّحْيَةِ، وَالَّذِي يَدْخُلُ فِي الْوَجْهِ مِنَ الشُّعُورِ الْحَاجِبَانِ وَأَهْدَابُ الْعَيْنَيْنِ وَالشَّارِبَانِ وَالْعَنْفَقَةُ وَالْعِذَارُ وَالْعَارِضَانِ. وَالْعِذَارُ: هُوَ الشَّعْرُ النَّابِتُ عَلَى الْعَظْمِ النَّابِيِّ مُحَاذِيًا صِمَاخَ الْأُذُنِ مُرْتَفِعًا إِلَى الصُّدْغِ وَمُنْحَطًّا إِلَى الْعَارِضِ، وَالْعَارِضُ: هُوَ النَّابِتُ عَلَى اللَّحْيَيْنِ إِلَى الذَّقْنِ، وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: مَا جَاوَزَ وَتَدَ الْأُذُنِ فَهُوَ عَارِضٌ، فَأَمَّا التَّحْذِيفُ وَالصُّدْغُ وَالتَّحْذِيفُ: هُوَ مَا ارْتَفَعَ عَنِ الْعِذَارِ آخِذًا إِلَى طَرَفِ اللَّحْيَيْنِ، وَالنَّزْعَةُ مَا انْحَسَرَ عَنْهُ الشَّعْرُ مِنَ الرَّأْسِ مُتَصَاعِدًا. وَالصُّدْغُ هُوَ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْعِذَارِ إِلَى فَوْقُ مَشْيًا إِلَى فَرْعِ الْأُذُنِ وَدُونَهُ قَلِيلًا، وَهُوَ يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْغُلَامِ قَبْلَ نَبَاتِ لِحْيَتِهِ فَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: يَجِبُ غَسْلُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا دَاخِلَانِ فِي تَدْوِيرِ الْوَجْهِ فَدَخَلَا فِي حَدِّهِ، وَإِنْ كَانَ شَعْرُهُمَا مُتَّصِلًا بِشَعْرِ الرَّأْسِ كَمَا أَنَّ

стр. 127

النَّزْعَتَيْنِ لَمَّا دَخَلَا فِي حَدِّ الرَّأْسِ كَانَتَا مِنْهُ وَإِنْ خَلَيَا مِنَ الشَّعْرِ، وَالثَّانِي: لَا يُجِبْ؛ لِأَنَّ هَذَا الشَّعْرَ مُتَّصِلٌ بِشَعْرِ الرَّأْسِ ابْتِدَاءً، فَكَأَنَّهُ مِنْهُ كَسَائِرِهِ. وَالثَّالِثُ: يَجِبُ غَسْلُ التَّحْذِيفِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ يُعْتَادُ أَخْذُهُ دُونَ أَخْذِ الصُّدْغِ؛ وَلِأَنَّ مَحَلَّهُ يَجِبُ غَسْلُهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَعْرٌ؛ فَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ، وَيُسْتَحَبُّ غَسْلُ دَاخِلِ الْعَيْنِ إِذَا أُمِنَ الضَّرَرُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ; لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَفْعَلُهُ، وَلَا يُسْتَحَبُّ فِي الْآخَرِ وَهُوَ أَشْبَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ وَلِأَنَّهُ مَظِنَّةُ تَخَوُّفِ الضَّرَرِ فِي الْجُمْلَةِ مَعَ تَكْرَارِ الْوُضُوءِ. [مَسْأَلَةٌ تخليل اللحية إذا كانت كثيفة] مَسْأَلَةٌ: " وَيُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ إِنْ كَانَتْ كَثِيفَةً، وَإِنْ كَانَتْ تَصِفُ الْبَشَرَةَ لَزِمَهُ غَسْلُهَا ". أَمَّا الَّتِي تَصِفُ الْبَشَرَةَ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهَا، وَأَمَّا تَخْلِيلُ الْكَثِيفَةِ فَلِمَا رَوَى أَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " «كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَأَدْخَلَهُ تَحْتَ حَنَكِهِ فَخَلَّلَ لِحْيَتَهُ، وَقَالَ: هَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّي» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " «كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ عَرَكَ عَارِضَيْهِ بَعْضَ الْعَرْكِ وَشَبَّكَ لِحْيَتَهُ بِأَصَابِعِهِ مِنْ تَحْتِهَا» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَتَخْلِيلُهَا مِنْ تَحْتِهَا لِيُصِيبَ الْمَاءُ أَسَافِلَهَا كَمَا أَصَابَ عَالِيَهَا، وَأَمَّا غَسْلُهَا فَلَيْسَ بِسُنَّةٍ كَمَا تَقَدَّمَ.

стр. 128

[مَسْأَلَةٌ غسل اليدين إلى المرفقين ويدخل المرفقان معهما] مَسْأَلَةٌ: " ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى الْمَرْفِقَيْنِ ثَلَاثًا وَيُدْخِلُهُمَا فِي الْغَسْلِ ". لِقَوْلِهِ: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] وَالتَّثْلِيثُ لِمَا تَقَدَّمَ، وَيَجِبُ غَسْلُ الْمَرْفِقَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَرْفِقَ هُوَ مِنْ جِنْسِ الْيَدِ، وَهُوَ مِفْصَلٌ حِسِّيٌّ وَنِهَايَتُهُ مُتَمَيِّزَةٌ. وَمِثْلُ هَذِهِ الْغَايَةِ وَالْحَدِّ إِنَّمَا يُذْكَرُ إِذَا أُرِيدَ دُخُولُهُ فِي الْمَحْدُودِ وَالْمُغَيَّا، كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ مِنْ هَذَا الطَّرَفِ إِلَى هَذَا الطَّرَفِ، وَبِعْتُكَ هَذِهِ الْأَرْضَ إِلَى شَاطِئِ النَّهْرِ، وَقَدْ قِيلَ لِأَنَّ اسْمَ الْيَدِ يَتَنَاوَلُهَا إِلَى الْمَنْكِبِ، وَبِقَوْلِهِ " ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] " لِنَفْيِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمَرْفِقِ فَيَبْقَى الْمَرْفِقُ دَاخِلًا فِي مُسَمَّى الْيَدِ الْمُطْلَقَةِ. وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: " «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ أَدَارَ الْمَاءَ عَلَى مَرْفِقَيْهِ» ". وَفِعْلُهُ إِذَا وَقَعَ امْتِثَالًا لِأَمْرٍ وَتَفْسِيرًا لِلْمُجْمَلِ كَانَ مِثْلَهُ فِي الْوُجُوبِ، لَا سِيَّمَا وَإِدْخَالُهُ أَحْوَطُ. وَارْتِفَاعُ الْحَدَثِ بِدُونِهِ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ. فَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ مِنْ دُونِ الْمَرْفِقَيْنِ إِلَى الْأَصَابِعِ غَسَلَ مَا بَقِيَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْعَجْزَ عَنْ بَعْضِ الْوَاجِبِ لَا يُسْقِطُ فِعْلَ مَا

стр. 129

يُقْدَرُ عَلَيْهِ مِنْهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : " «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ الْقَطْعُ مِنْ فَوْقِ الْمَرْفِقِ سَقَطَ الْغَسْلُ لِسُقُوطِ مَحَلِّهِ، وَإِنْ قُطِعَتْ مِنْ مَفْصِلِ الْمَرْفِقِ سَقَطَ " الْغَسْلُ " وَغَسَلَ رَأْسَ الْعَضُدِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ غَسْلَهُمَا إِنَّمَا وَجَبَ تَبَعًا لِإِبْرَةِ الذِّرَاعِ، إِذْ لَا يُمْكِنُ غَسْلُهَا إِلَّا بِغَسْلِ رَأْسِ الْعَضُدِ، وَالْمَنْصُوصُ مِنْهُمَا وُجُوبُ غَسْلِ رَأْسِ الْعَضُدِ؛ لِأَنَّ الْمَرْفِقَ اسْمٌ لِمُجْتَمَعِ عَظْمِ الذِّرَاعِ وَعَظْمِ الْعَضُدِ، فَإِذَا ذَهَبَ أَحَدُهُمَا وَجَبَ غَسْلُ الْآخَرِ كَمَا لَوْ بَقِيَ بَعْضُ الذِّرَاعِ. وَلَوْ قُطِعَتْ يَدُ الْمُتَيَمِّمِ مِنْ مَفْصِلِ الْكُوعِ سَقَطَ مَسْحُ مَا بَقِيَ هُنَاكَ، وَإِنْ قُلْنَا فِي الْوُضُوءِ بِغَسْلِ مَا بَقِيَ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ هُنَاكَ مَسْحُ الْكَفَّيْنِ وَقَدْ ذَهَبَا بِخِلَافِ الْوُضُوءِ. فَإِنَّ الْمَرْفِقَ مِنْ جُمْلَةِ مَحَلِّ الْفَرْضِ هَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ، وَالْمَنْصُوصُ وُجُوبُ الْمَسْحِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ مَسْحُ الْيَدِ إِلَى الْكُوعِ. وَإِذَا عَجَزَ الْأَقْطَعُ عَنْ أَفْعَالِ الطَّهَارَةِ وَوَجَدَ مَنْ يُنَجِّيهِ وَيُوَضِّئُهُ مُتَبَرِّعًا لَزِمَ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ لَزِمَ ذَلِكَ أَيْضًا فِي أَشْهَرِ الْوَجْهَيْنِ، كَمَا يَلْزَمُهُ شِرَاءُ الْمَاءِ وَالِاسْتِنَابَةُ فِي الْحَجِّ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُطَهِّرُهُ فَقَدْ عَجَزَ عَنِ الطَّهَارَةِ فِي الْحَالِ كَعَادِمِ الْمَاءِ فَيُصَلِّي، وَفِي الْإِعَادَةِ وَجْهَانِ، وَإِذَا انْقَلَعَتْ جِلْدَةٌ مِنَ الْعَضُدِ

стр. 130

حَتَّى تَدَلَّتْ مِنَ الذِّرَاعِ وَجَبَ غَسْلُهَا، وَإِنِ انْقَلَعَتْ مِنَ الذِّرَاعِ حَتَّى تَدَلَّتْ مِنَ الْعَضُدِ لَمْ يَجِبِ اعْتِبَارًا بِأَصْلِهَا، وَلَوِ انْقَلَعَتْ مِنْ أَحَدِهِمَا وَالْتَحَمَ رَأْسُهَا بِالْآخَرِ غَسَلَ مَا حَاذَى مَوْضِعَ الْفَرْضِ مِنْ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا الْمُتَجَافِي، وَمَا تَحْتَهُ، وَلَوْ كَانَتْ لَهُ يَدٌ زَائِدَةٌ أَصْلُهَا فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ وَجَبَ غَسْلُهَا كَالْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الْعَضُدِ أَوِ الْمَنْكِبِ، وَهِيَ مِثْلُ الْأَصْلِيَّةِ وَجَبَ غَسْلُهَا لِيُؤَدِّيَ الْفَرْضَ بِيَقِينٍ، وَإِنْ تَمَيَّزَتْ فَهَلْ يَجِبُ غَسْلُ مَا حَاذَى مَحَلَّ الْفَرْضِ مِنْهُمَا عَلَى وَجْهَيْنِ. [مَسْأَلَةٌ كيفية مسح الرأس] مَسْأَلَةٌ: " ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ مَعَ الْأُذُنَيْنِ يَبْدَأُ بِيَدِهِ مِنْ مُقَدَّمِهِ، ثُمَّ يُمِرُّهُمَا إِلَى قَفَاهُ ثُمَّ يَرُدُّهُمَا إِلَى مُقَدَّمِهِ ". لِقَوْلِهِ: " ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] " وَالسُّنَّةُ فِي مَسْحِهِ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ " «مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ» ". رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ، قِيلَ لِأَحْمَدَ: مَنْ لَهُ شَعْرٌ إِلَى مَنْكِبَيْهِ كَيْفَ يَمْسَحُ فِي الْوُضُوءِ؟ " فَأَقْبَلَ أَحْمَدُ بِيَدَيْهِ عَلَى رَأْسِهِ مَرَّةً، وَقَالَ هَكَذَا "؛ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَنْتَشِرَ شَعْرُهُ يَعْنِي أَنَّهُ يَمْسَحُ إِلَى قَفَاهُ وَلَا يَرُدُّ يَدَيْهِ. قَالَ أَحْمَدُ حَدِيثُ عَلِيٍّ هَكَذَا، يَعْنِي أَنَّهُ مَنْ خَافَ انْتِفَاشَ شَعْرِهِ لَمْ يَرُدَّ يَدَيْهِ؛ سَوَاءٌ كَانَ رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً وَعَنْهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَبْدَأُ بِمُؤَخَّرِ رَأْسِهَا ثُمَّ تَرُدُّ

стр. 131

يَدَيْهَا إِلَى مُقَدَّمَهِ ثُمَّ تُعِيدُهُمَا إِلَى مُؤَخَّرِهِ؛ لِمَا رَوَتِ الرُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوِّذٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " «مَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّتَيْنِ بَدَأَ بِمُؤَخَّرِهِ ثُمَّ بِمُقَدَّمِهِ وَبِأُذُنَيْهِ كِلْتَيْهِمَا ظُهُورِهِمَا وَبُطُونِهِمَا» "، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَعَنْهُ أَنَّهَا تَمْسَحُ كَمَا رَوَتِ الرُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوِّذٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " «تَوَضَّأَ عِنْدَهَا فَمَسَحَ الرَّأْسَ كُلَّهُ مِنْ فَوْقِ الشَّعْرِ كُلَّ نَاحِيَةٍ لِمُنْصَبِّ الشَّعْرِ لَا يُحَرِّكُ الشَّعْرَ، عَنْ هَيْئَتِهِ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَعَنْهُ تَضَعُ يَدَهَا عَلَى وَسَطِ الرَّأْسِ ثُمَّ تَجُرُّهَا إِلَى مُقَدَّمِهِ ثُمَّ تَرْفَعُهَا وَتَضَعُهَا حَيْثُ بَدَأَتْ ثُمَّ تُحَرِّكُهَا إِلَى مُؤَخَّرِهِ بِمَسْحَةٍ وَاحِدَةٍ، مُحَافِظَةً عَلَى أَنْ تُقْبِلَ وَتُدْبِرَ وَعَلَى مَسْحَةٍ لَا تُغَيِّرُ شَعْرَهَا؛ لِأَنَّ بَقَاءَ شَعْرِهَا عَلَى هَيْئَتِهِ مَقْصُودٌ، وَكَيْفَ مَا مَسَحَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ جَازَ. وَأَمَّا الْأُذُنَانِ فَهُمَا مِنَ الرَّأْسِ بِحَيْثُ يُجْزِئُ مَسْحُهُمَا بِمَائِهِ كَسَائِرِ أَجْزَاءِ الرَّأْسِ بِلَا خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ، لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ.

стр. 132

وَرَوَى الصُّنَابِحِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ فَتَمَضْمَضَ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ فِيهِ» " وَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ: " «فَإِذَا مَسَحَ بِرَأْسِهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ رَأْسِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أُذُنَيْهِ» " رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى دُخُولِهِمَا فِي مُسَمَّى الرَّأْسِ؛ وَلِأَنَّ الَّذِينَ وَصَفُوا وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَكَرُوا أَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ وَأُذُنَيْهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِغَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَمْ يَذْكُرُوا أَنَّهُ أَخَذَ لَهُمَا مَاءً جَدِيدًا. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: " «مَسْحُهُمَا بِمَاءٍ جَدِيدٍ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْأَخْبَارِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ » ". وَلِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا أَمَرَ بِمَسْحِ الرَّأْسِ وَفِعْلُهُ ﷺ خَرَجَ امْتِثَالًا لِلْأَمْرِ وَتَفْسِيرًا لِلْمُجْمَلِ فَعُلِمَ أَنَّ الرَّأْسَ الْمَذْكُورَ فِي الْقُرْآنِ هُوَ مَا مَسَحَهُ ﷺ يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهُمَا عُضْوَانِ مُتَّصِلَانِ بِالرَّأْسِ إِيصَالَ خِلْقَةٍ فَكَانَا مِنْهُ كَالنَّزْعَتَيْنِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْبَيَاضَ الَّذِي فَوْقَ الْأُذُنِ هُوَ مِنَ الرَّأْسِ؛ لِأَنَّ الْمُوضِحَةَ يَثْبُتُ حُكْمُهَا فِيهِ، وَهِيَ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي رَأْسٍ أَوْ وَجْهٍ وَلَيْسَ مِنْ

стр. 133

الْوَجْهِ فَتَكُونُ مِنَ الرَّأْسِ، لَكِنْ هَلِ الْأَفْضَلُ أَنْ يَمْسَحَهَا بِمَاءِ الرَّأْسِ أَوْ يَأْخُذَ لَهُمَا مَاءً جَدِيدًا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ؛ إِحْدَاهُمَا أَنَّ الْأَفْضَلَ مَسْحُهُمَا بِمَاءٍ جَدِيدٍ؛ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ " كَانَ يَأْخُذُ الْمَاءَ بِأُصْبُعَيْهِ لِأُذُنَيْهِ " رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ؛ وَلِأَنَّهُمَا لَا يُشْبِهَانِ الرَّأْسَ خِلْقَةً وَلَا يَدْخُلَانِ فِي مُطْلَقِهِ؛ فَأُفْرِدَا عَنْهُ بِمَاءٍ وَإِنْ كَانَا مِنْهُ كَدَاخِلِ الْفَمِ وَالْأَنْفِ، وَمَعْنَى هَذَا أَلَّا يُمْسَحَا إِلَّا بِمَاءٍ جَدِيدٍ (وَذَكَرَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ وَابْنُ حَامِدٍ أَنَّهُمَا يُمْسَحَانِ بِمَاءٍ جَدِيدٍ بَعْدَ أَنْ يُمْسَحَا بِمَاءِ الرَّأْسِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ)؛ لِأَنَّ فِيهِ تَفْضِيلًا لَهُمَا عَلَى الرَّأْسِ؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ خِلَافُ الْمَأْثُورِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ. وَالثَّانِيَةُ: مَسْحُهُمَا بِمَاءِ الرَّأْسِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ وَصَفُوا وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَكَرُوا أَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ وَأُذُنَيْهِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ، وَمَا نُقِلَ خِلَافَ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْيَدَ لَمْ يَبْقَ فِيهَا بَلَلٌ، وَحِينَئِذٍ يُسْتَحَبُّ أَخْذُ مَاءٍ جَدِيدٍ لَهُمَا، وَيُفَارِقُ الْفَمَ وَالْأَنْفَ؛ لِأَنَّهُمَا يُغْسَلَانِ قَبْلَهُ وَلَا

стр. 134

يَكْفِيهِمَا مَعَ الْوَجْهِ مَاءٌ وَاحِدٌ، وَالسُّنَّةُ مَسْحُ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا وَأَنْ يُدْخِلَ سَبَّاحَتَيْهِ فِي صِمَاخِهِمَا وَيَمْسَحَ بِإِبْهَامَيْهِ ظَاهِرَهُمَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَنْقُولٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَلَا يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُ مَسْحِ الرَّأْسِ وَالْأُذُنَيْنِ بَلِ السُّنَّةُ مَسْحَةٌ وَاحِدَةٌ يُقْبِلُ بِهَا وَيُدْبِرُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ لَمَّا حَكَى وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً مَعَ ذِكْرِهِ التَّثْلِيثَ فِي غَسْلِ جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ وَكَذَلِكَ عَامَّةُ الَّذِينَ وَصَفُوا وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِثْلُ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵃ فِي رِوَايَاتِهِمُ الصِّحَاحِ ذَكَرُوا أَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً، مِنْهُمْ مَنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ وَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَ الْعَدَدَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَلَمْ يَذْكُرُوا فِي الرَّأْسِ عَدَدًا. وَلِأَنَّهُ مَسْحٌ فَلَمْ يُسْتَحَبَّ تَكْرَارُهُ كَالتَّيَمُّمِ، وَمَسْحِ الْخُفِّ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى يُسْتَحَبُّ مَسْحُهُ ثَلَاثًا أَيْضًا لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عُثْمَانَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا». وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ أَنَّ عُثْمَانَ حِينَ حَكَى

стр. 135

وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " قَالَ: «وَمَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا» " وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ أَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً، كَذَلِكَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ، وَيُسْتَحَبُّ مَسْحُ الْعُنُقِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِمَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ " «يَمْسَحُ رَأْسَهُ حَتَّى بَلَغَ الْقَذَالَ وَمَا يَلِيهِ مِنْ مُقَدَّمِ الْعُنُقِ» ".

стр. 136

وَحَكَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ مَسَحَ وَقَالَ " هُوَ مَوْضِعُ الْغُلِّ ". وَالثَّانِيَةُ: لَا يُسْتَحَبُّ وَهُوَ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ وَصَفُوا وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَذْكُرُوهُ، وَلَوْ كَانَ مَسْنُونًا لَتَكَرَّرَ مِنْهُ فَنَقَلُوهُ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الرَّأْسِ حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا، وَالْحَدِيثُ قَدْ طَعَنَ فِيهِ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَأَحْمَدُ، وَغَيْرُهُمَا، وَلَعَلَّهُ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ مَرَّةً لِغَرَضٍ؛ إِذْ لَوْ دَاوَمَ عَلَيْهِ لَنَقَلَهُ مِثْلُ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ. [مَسْأَلَةٌ غسل الرجلين إلى الكعبين وإدخال الكعبين في الغسل] مَسْأَلَةٌ: " ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلَاثًا وَيُدْخِلُهُمَا فِي الْغَسْلِ ". لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] وَقَدْ قُرِئَتْ بِالنَّصْبِ وَالْخَفْضِ، وَقَالَ مَنْ قَرَأَهَا بِالنَّصْبِ مِنَ الصَّحَابَةِ مِثْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَعَادَ الْأَمْرَ إِلَى الْغَسْلِ. وَلَوْ كَانَ عَطْفًا عَلَى مَحَلِّ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ فَهُوَ وَقِرَاءَةُ الْخَفْضِ سَوَاءٌ فِي أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الْغَسْلُ، فَإِنَّ الْمَسْحَ اسْمٌ لِإِيصَالِ الْمَاءِ إِلَى الْعُضْوِ سَوَاءٌ سَالَ الْمَاءُ أَوْ لَمْ يَسِلْ، قَالَ أَبُو زَيْدٍ: يُقَالُ تَمَسَّحْتُ لِلصَّلَاةِ. وَأَيْضًا مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ أَنَّ الْفِعْلَيْنِ إِذَا تَقَارَبَ مَعْنَاهُمَا اسْتَغْنَوْا بِأَحَدِهِمَا لِدَلَالَتِهِ عَلَى الْآخَرِ؛ لِذَا كَانَ فِي الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَكَانَ هَذَا مِنْ بَابِ

стр. 137

الْإِيجَازِ وَالِاخْتِصَارِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ - بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الواقعة: ١٧ - ١٨] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] وَهُنَّ لَا يُطَافُ بِهِنَّ وَإِنَّمَا يَطُفْنَ، كَأَنَّهُ قَالَ: يُؤْتَوْنَ بِهِنَّ. كَمَا قَالَ: وَرَأَيْتُ زَوْجَكِ فِي الْوَغَا ... مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحَا. وَقَالَ: عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا. وَقَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْمَسْحَ الَّذِي هُوَ إِجْرَاءُ الْمَاءِ عَلَى الْعُضْوِ قَرِينَتَانِ. إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ حَدَّدَهُ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَالْحَدُّ إِنَّمَا يَكُونُ لِلْمَغْسُولِ لَا لِلْمَمْسُوحِ، وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ مَنْ يَقُولُ بِالْمَسْحِ يَمْسَحُهُمَا إِلَى مُجْتَمَعِ الْقَدَمِ وَالسَّاقِ، فَيَكُونُ فِي كُلِّ رِجْلٍ كَعْبٌ وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقِيلَ: إِلَى الْكِعَابِ كَمَا قَالَ: " ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] "؛ لِأَنَّ مُقَابَلَةَ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ يَقْتَضِي تَوْزِيعَ الْأَفْرَادِ عَلَى الْأَفْرَادِ فَلَمَّا قَالَ " ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] " عُلِمَ أَنَّ فِي كُلِّ رِجْلٍ كَعْبَيْنِ كَأَنَّهُ قَالَ: وَكُلُّ رِجْلٍ إِلَى كَعْبَيْهَا. وَدَلَّنَا عَلَى مُرَادِ اللَّهِ مِنْ كِتَابِهِ رَسُولُهُ الْمُبَيِّنُ عَنْهُ مَا أُنْزِلُ إِلَيْنَا، فَإِنَّ سُنَنَهُ تُفَسِّرُ الْكِتَابَ وَتُبَيِّنُهُ وَتُعَبِّرُ عَنْهُ وَتَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الَّذِينَ وَصَفُوا وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَالْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ وَالرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ ﵃ وَغَيْرِهِمْ أَخْبَرُوا أَنَّهُ غَسَلَ رِجْلَيْهِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: «تَخَلَّفَ عَنَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَفْرَةٍ فَأَدْرَكَنَا، وَقَدْ أَرْهَقَنَا الْعَصْرُ فَجَعَلْنَا نَتَوَضَّأُ وَنَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، قَالَ: فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ " وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

стр. 138

وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» ". وَرَوَى هَذَا الْمَتْنَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ جَابِرٌ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَشُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ الزُّبَيْدِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ وَبُطُونِ الْأَقْدَامِ مِنَ النَّارِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَكَذَلِكَ جَاءَ عَنْهُ تَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ فِعْلًا وَأَمْرًا، وَلَيْسَ فِي الْمَسْحِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى: اجْتَمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى غَسْلِ الْقَدَمَيْنِ. وَأَمَّا التَّثْلِيثُ فِي غَسْلِهِمَا، وَإِدْخَالُ الْكَعْبَيْنِ فَلِمَا تَقَدَّمَ، وَالْكَعْبَانِ: هُمَا الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ فِي جَانِبَيِ السَّاقِ لِمَا تَقَدَّمَ. وَرَوَى النَّسَائِيُّ «عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ صِفَةَ وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلَاثًا ثُمَّ الْيُسْرَى كَذَلِكَ وَقَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُ». وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ. قَالَ

стр. 139

النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ كَانَ أَحَدُنَا يَلْزَقُ كَعْبَهُ بِكَعْبِ صَاحِبِهِ فِي الصَّلَاةِ وَمَنْكِبِهِ بِمَنْكِبِهِ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ الْأَصْمَعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ. [مَسْأَلَةٌ يستحب تخليل الأصابع] مَسْأَلَةٌ: " وَيُخَلِّلُ أَصَابِعَهُ ". لِمَا «رَوَى الْمُسْتَوْرِدُ بْنُ شَدَّادٍ، قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ " إِذَا تَوَضَّأَ خَلَّلَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصَرِهِ» " رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ. وَيُسْتَحَبُّ أَيْضًا تَخْلِيلُ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ سُنَّةَ التَّخْلِيلِ تَخْتَصُّ بِأَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ، فَإِنَّ تَفَرُّقَ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ يُغْنِي مِنْ تَخْلِيلِهَا، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَذْهَبُ. لِمَا رُوِيَ «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ

стр. 140

" إِذَا تَوَضَّأْتَ فَخَلِّلْ أَصَابِعَ يَدَيْكَ وَرِجْلَيْكَ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَلِأَنَّهَا تُضَمُّ غَالِبًا عِنْدَ أَخْذِهِ الْمَاءَ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَعَاهَدَ أَعْضَاءَهُ كُلَّهَا بِالدَّلْكِ لَا سِيَّمَا عَقِبُهُ وَغُضُونُ وَجْهِهِ وَيُحَرِّكُ خَاتَمَهُ إِنْ كَانَ عَلَيْهِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو رَافِعٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ " «كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ حَرَّكَ خَاتَمَهُ» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيُّ، فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وُصُولُ الْمَاءِ إِلَى مَوَاضِعِهِ بِدُونِ الدَّلْكِ وَتَحْرِيكِ الْخَاتَمِ وَالتَّخْلِيلِ أَجْزَأَهُ، وَكَذَلِكَ يَغْسِلُ مَا عَلَى عُقَدِ الْأَصَابِعِ وَمَا تَحْتَ الْأَظْفَارِ مِنَ الْوَسَخِ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي صَلَاتِهِ " «إِنَّنِي أُوهَمُ فِيهَا مَا لِي لَا أَهِمُ وَرُفْغُ أَحَدِكُمْ بَيْنَ ظُفْرِهِ وَأُنْمُلَتِهِ» ".

стр. 141

يَعْنِي دَاخِلَ الرَّجُلِ رُفْغِهِ اجْتَمَعَ الْوَسَخُ وَالدَّرَنُ بَيْنَ ظُفْرِهِ وَأُنْمُلَتِهِ، وَالْأَرْفَاغُ: الْمَغَابِنُ مِثْلُ الْآبَاطِ وَأَصُولِ الْفَخِذَيْنِ، وَفِي حَدِيثِ الْفِطْرَةِ («وَغَسَلَ الْبَرَاجِمَ») وَهِيَ الْعُقَدُ الَّتِي فِي ظُهُورِ الْأَصَابِعِ، فَإِنِ اجْتَمَعَ مَا تَحْتَ الْأَظْفَارِ وَمَنَعَ وُصُولَ الْمَاءِ إِلَى مَا تَحْتَهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ. [مَسْأَلَةٌ الذكر بعد الوضوء] مَسْأَلَةٌ: " ثُمَّ يَرْفَعُ نَظَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ". لِمَا رَوَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُسْبِغُ الْوُضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَزَادَ فِيهِ " «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ» وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ " «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ رَفَعَ نَظَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ» "، وَرُوِيَ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: " «سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ» ".

стр. 142

[مسألة المقدار المعين لمسح الرأس] مَسْأَلَةٌ: " الرَّأْسَ كُلَّهُ ". هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ وَعَنْهُ يُجْزِئُ مَسْحُ أَكْثَرِهِ؛ لِأَنَّ مَسْحَ جَمِيعِهِ فِيهِ مَشَقَّةٌ، وَقَدْ خُفِّفَ فِيهِ بِالْمَسْحِ وَبِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ فَكَذَلِكَ بِالْقَدْرِ، وَعَنْهُ قَدْرُ النَّاصِيَةِ لِمَا رَوَى أَنَسٌ، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ " «يَتَوَضَّأُ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ قِطْرِيَّةٌ فَأَدْخَلَ يَدَهُ تَحْتَ الْعِمَامَةِ فَمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ وَلَمْ يَنْقُضِ الْعِمَامَةَ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَعَلَى هَذَا فَلَهُ أَنْ يَمْسَحَ قَدْرَ النَّاصِيَةِ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ فِي أَشْهَرِ الْوَجْهَيْنِ وَفِي الْآخَرِ تَتَعَيَّنُ النَّاصِيَةُ وَبِكُلِّ حَالٍ لَا يُجْزِئُ الْأُذُنَانِ.

стр. 143

وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِقَوْلِهِ فَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ أَمَرَ بِمَسْحِ الرَّأْسِ كَمَا أَمَرَ بِمَسْحِ الْوَجْهِ فِي آيَةِ التَّيَمُّمِ، فَإِذَا أَوْجَبَ اسْتِيعَابَ الْوَجْهِ بِالتُّرَابِ فَاسْتِيعَابُ الرَّأْسِ بِالْمَاءِ أَوْلَى؛ وَلِأَنَّ الرَّأْسَ اسْمٌ لِلْجَمِيعِ فَلَا يَكُونُ مُمْتَثِلًا إِلَّا بِمَسْحِ جَمِيعِهِ، كَمَا لَا يَكُونُ مُمْتَثِلًا إِلَّا بِغَسْلِ جَمِيعِ الْوَجْهِ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «تَوَضَّأَ فَمَسَحَ جَمِيعَ رَأْسِهِ»، وَفِعْلُهُ مُبَيِّنٌ لِلْآيَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمَا نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ فَهُوَ مَعَ الْعِمَامَةِ كَمَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَذَلِكَ جَائِزٌ. وَادِّعَاءُ أَنَّ الْبَاءَ إِذَا دَخَلَتْ عَلَى فِعْلٍ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ تُفِيدُ التَّبْعِيضَ لَا أَصْلَ لَهُ فَإِنَّهُ لَمْ يَنْقُلْهُ مَوْثُوقٌ بِهِ، وَالِاسْتِعْمَالُ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بَلْ قَدْ أَنْكَرَهُ الْمُعْتَمَدُونَ مِنْ عُلَمَاءِ اللِّسَانِ، ثُمَّ إِنْ قِيلَ: إِنَّهَا تُفِيدُهُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ فَهَذَا مَنْقُوضٌ بِآيَةِ التَّيَمُّمِ، وَبُقُولِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠]، وَقَرَأْتُ بِالْبَقَرَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَتَزَوَّجْتُ بِالْمَرْأَةِ، وَحَبَسْتُ صَدْرَهُ بِصَدْرِهِ، وَعَلِمْتُ بِهَذَا الْأَمْرِ، وَمَا شَاءَ اللَّهُ مِنَ الْكَلَامِ وَإِنِ ادَّعَى أَنَّهَا تُفِيدُهُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، فَذَلِكَ لَا مِنْ نَفْسِ الْبَاءِ بَلْ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ. كَمَا قَدْ يُفَادُ ذَلِكَ مَعَ عَدَمِ الْبَاءِ، ثُمَّ مِنْ أَيْنَ عَلِمَ أَنَّ هَذَا الْمَوْضِعَ مِنْ جُمْلَةِ تِلْكَ الْمَوَاضِعِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَلَا فَرْقَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ بَيْنَ قَوْلِكَ: أَخَذْتُ الزِّمَامَ وَأَخَذْتُ بِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] وَقَوْلُهُ " شَرِبْنَ بِمَاءِ الْبَحْرِ " فَإِنَّهُ لَمْ يُرِدِ التَّبْعِيضَ، فَإِنَّهُ لَا مَعْنَى لَهُ هُنَا وَإِنَّمَا

стр. 144

الشُّرْبُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- يُضْمَّنُ مَعْنَى الرِّيِّ، فَكَأَنَّهُ قَالَ يُرْوَى بِهَا عِبَادُ اللَّهِ، ثُمَّ الْأَحَادِيثُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا أَكْثَرُهَا يُقَالُ فِيهِ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ فَيَذْكُرُ اسْتِيعَابَ الْمَسْحِ مَعَ إِدْخَالِ الْبَاءِ. قَالُوا: وَيُقَالُ مَسَحْتُ بِبَعْضِ رَأْسِي وَمَسَحْتُ بِجَمِيعِ رَأْسِي، وَلَوْ كَانَتْ لِلتَّبْعِيضِ لَتَنَاقَضَ، وَإِنَّمَا دَخَلَتْ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- لِأَنَّ مَعْنَاهَا إِلْصَاقُ الْفِعْلِ بِهِ، وَالْمَسْحُ هُوَ إِلْصَاقُ مَاسِحٍ بِمَمْسُوحٍ، وَيُضْمَّنُ مَعْنَى الْإِلْصَاقِ فَكَأَنَّهُ قِيلَ: أَلْصِقُوا بِرُؤُوسِكُمْ فَيُفْهَمُ أَنَّ هُنَاكَ شَيْئًا مُلْصَقٌ بِالرَّأْسِ وَهُوَ الْمَاءُ بِخِلَافِ مَا لَوْ قِيلَ: امْسَحُوا رُؤُوسَكُمْ، فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمَاءِ ; لِأَنَّهُ يُقَالُ: مَسَحْتُ رَأْسَ الْيَتِيمِ وَمَسَحْتُ الْحَجَرَ، وَلَيْسَ هُنَاكَ شَيْءٌ يُلْصَقُ بِالْمَمْسُوحِ فِي غَيْرِ الْيَدِ. وَلَرُبَّمَا تَوَهَّمَ أَنَّ مُجَرَّدَ مَسْحِ الرَّأْسِ بِالْيَدِ كَافٍ، وَلِهَذَا -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- دَخَلَتِ الْبَاءُ فِي آيَةِ التَّيَمُّمِ لِتُبَيِّنَ وُجُوبَ إِلْصَاقِ التُّرَابِ بِالْأَيْدِي وَالْوُجُوهِ، وَلَا يَجِبُ مَسْحُ الْأُذُنِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالِاسْتِيعَابِ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ ; لِأَنَّهَا مِنْهُ حُكْمًا لَا حَقِيقَةً بِدَلِيلِ أَنَّهَا تُضَافُ تَارَةً إِلَيْهِ وَتَارَةً إِلَى الْوَجْهِ، بِقَوْلِهِ: سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، وَفِي الْأُخْرَى يَجِبُ لِأَنَّهُمَا مِنَ الرَّأْسِ، وَبِكُلِّ حَالٍ لَا يَجِبُ مَسْحُ مَا اسْتَتَرَ بِالْغَضَارِيفِ كَمَا اسْتَتَرَ بِالشَّعْرِ مِنَ الرَّأْسِ. وَإِذَا مَسَحَ بَشَرَةَ رَأْسِهِ مِنْ تَحْتِ الشَّعْرِ دُونَ أَعْلَى الشَّعْرِ لَمْ يُجْزِئْهُ كَمَا لَوْ غَسَلَ بَاطِنَ اللِّحْيَةِ دُونَ ظَاهِرِهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ مَسَحَ الْمُسْتَرْسِلَ مَحْلُولًا أَوْ مَعْقُودًا عَلَى أَعْلَى الرَّأْسِ وَإِنْ قُلْنَا يُجْزِئُ مَسْحُ الْبَعْضِ، وَلَوْ خَضَّبَ رَأْسَهُ أَوْ طَيَّنَهُ لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ الرَّأْسَ وَلَا حَائِلَهُ الشَّرْعِيَّ، كَمَا لَوْ كَانَ الْخِضَابُ عَلَى يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَإِذَا مَسَحَ رَأْسَهُ أَوْ وَجْهَهُ فِي التَّيَمُّمِ بِخِرْقَةٍ

стр. 145

وَنَحْوِهَا أَجْزَأَهُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ فِي الْآيَةِ مُطْلَقٌ فَيَتَنَاوَلُ الْيَدَ وَغَيْرَهَا كَمَا يَتَنَاوَلُ يَدَ الْغَيْرِ. وَلَوْ وَضَعَ يَدَهُ الْمَبْلُولَةَ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ غَيْرِ إِمْرَارٍ لَمْ يُجْزِئْهُ فِي الْمَشْهُورِ، وَكَذَلِكَ الْخِرْقَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مَسْحًا بِخِلَافِ غَمْسِ (الْعُضْوِ) فِي الْمَاءِ فَإِنَّهُ يُسَمَّى غَسْلًا، وَإِنْ مَسَحَ الرَّأْسَ بِإِصْبَعٍ أَوْ إِصْبَعَيْنِ أَجْزَأَهُ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْبَلَلَ الْبَاقِيَ عَلَى الْأُصْبُعِ لَيْسَ بِمُسْتَعْمَلٍ، وَإِنَّمَا الْمُسْتَعْمَلُ مَا انْتَقَلَ إِلَى الرَّأْسِ وَإِذَا غَسَلَ رَأْسَهُ أَوْ خُفَّهُ وَأَمَرَّ يَدَهُ عَلَيْهِ أَجْزَأَ ; لِأَنَّهُ مَسْحٌ وَزِيَادَةٌ، وَإِنْ لَمْ يُمِرَّ يَدَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْإِمْرَارَ بَعْضُ الْمَسْحِ وَلَمْ يَأْتِ بِهِ وَفِي الْأُخْرَى يُجْزِئُ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مِنَ الْمَسْحِ. وَلَوْ وَقَفَ تَحْتَ مِيزَابٍ أَوْ مَطَرٍ لِيَقْصِدَ الطَّهَارَةَ أَجْزَأَ إِنْ أَمَرَّ يَدَهُ وَإِنْ لَمْ يُمِرَّهَا وَلَمْ يَجْرِ لَمْ يُجْزِئْهُ فِي أَشْهَرِ الْوَجْهَيْنِ، فَإِنْ جَرَى فَعَلَى رِوَايَتِي الْغَسْلِ، وَلَوْ أَصَابَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، ثُمَّ أَمَرَّ يَدَهُ عَلَيْهِ أَجْزَأَهُ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ ; لِأَنَّ الْمَاءَ الْوَاقِعَ بِغَيْرِ قَصْدٍ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ، فَإِذَا مَسَحَ بِهِ كَانَ كَمَا لَوْ نَقَلَهُ بِيَدِهِ، وَفِي الْأُخْرَى لَا يُجْزِئُ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ نَقْلَ الطَّهُورِ إِلَى مَحَلِّهِ. [مسألة وجوب الترتيب في الوضوء] مَسْأَلَةٌ: " وَتَرْتِيبُ الْوُضُوءِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا " ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ تَرْتِيبَ الْأَعْضَاءِ عَلَى مَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى وَاجِبٌ فَإِنْ
следующие страницы →