← История

История · id 14512

تاريخ الأنطاكي

الأنطاكي، يحيى بن سعيد

Полный текст (538 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدّمة التحقيق يعتبر تاريخ الانطاكي المعروف ب «صلة تاريخ أوتيخا»، من أهم المصادر التاريخية الأساسية في التراث العربي التي تؤرّخ لحقبة هامّة من تاريخ الإنسانية، في العالم الإسلامي بجناحيه المشرقي والمغربي على حدّ سواء، وفي تاريخ الإمبراطورية البيزنطية وعلاقاتها بالعالم الإسلامي من جهة، وببلاد البلغر والروس والكرج والأرمن، من جهة أخرى. ويتناول التاريخ مفصّلا في القرنين الرابع والخامس الهجريّين-العاشر والحادي عشر الميلاديّين، وبالتحديد بدءا من سنة ٣٢٦ هـ. / ٩٣٨ م. وانتهاء بسنة ٤٢٥ هـ. /١٠٣٥ م. ولا أغالي إذا قلت إنّ هذا الكتاب هو مصدر أساسيّ لا غنى للباحثين عنه، خاصّة لمن أراد التأريخ للدولة الفاطمية في مصر والشام، ولمن أراد دراسة دولة بني حمدان وعلاقاتها بالروم، ولمن أراد أن يدرس أيام سيف الدولة وصراعه مع البيزنطيين، ولمن أراد أن يؤرّخ للحاكم بأمر الله بشكل خاصّ، ولمن أراد أن يدرس علاقات المسلمين والنصارى واليهود ببعضهم في القرنين الرابع والخامس الهجريين-العاشر والحادي عشر الميلاديّين، وقبيل ظهور الإرهاصات التي مهّدت لقيام الحركة الصليبية وقدوم الحملات الأوربية إلى المشرق العربي الإسلامي. أهمّيّة الكتاب وتأتي أهمّيّة هذا الكتاب كمصدر أساسيّ، كون مؤلّفه «يحيى بن سعيد الأنطاكي» المتوفى سنة ٤٥٨ هـ. /١٠٦٧ م. كان معاصرا للحقبة التي أرّخ لها

стр. 2

وعاش أحداثها عن كثب، ولمصداقيّته في عرضه للتاريخ، رغم أنه كان بطريركا على الإسكندرية، فلم يتعصّب، بل عرض الوقائع والأحداث كما جرت، وأظهر حياديّة في جميع ما دوّنه، وكان صادقا مع نفسه، أمينا على رسالة المؤرّخ المدقّق، وقد أكّد لنا ذلك، حين قام بتنقيح كتابه وتعديل مادّته أكثر من مرّة قبل أن تصلنا النسخة الأخيرة التي اعتمدها، وأثبت فيها الحقائق التاريخية التي ارتضاها. وقد وضع الأنطاكيّ كتابه بناء على رغبة بعض أصحابه-كما يقول في مقدّمته-فانتهج النهج الذي سار عليه سلفه «سعيد بن البطريق» بطريرك الإسكندرية، وذكر أيام الملوك والخلفاء والوزراء والكتّاب والأمراء والقادة، وتواريخ وفياتهم، كما ذكر أسماء بطاركة الإسكندرية وبيت المقدس وأنطاكية والقسطنطينية، وأعمارهم، وبعد تأليفه للكتاب قام بتغييره وألّفه تأليفا جديدا، ثم انتقل من الإسكندرية إلى أنطاكية سنة ٤٠٥ هـ. /١٠١٦ م. فوقف فيها على مصادر جديدة لأخبار ندّت عنه من قبل، فقام بتنقيح كتابه وأجرى عليه تعديلا كبيرا، فحذف بعضه، وزاد عليه جديدا، حتى قرّ رأيه على ما صنّفه، ونبّه إلى نسخته الأخيرة المزيدة والمعدّلة، وأشار إلى عدم الاعتناء أو الاهتمام بالنسخ الأخرى التي سبق أن صنّفها، واستهلّ كتابه بوصل ما انقطع من كتاب سلفه «ابن البطريق» فبدأ بالفصل الأخير من كتابه المعروف ب «تاريخ أوتيخا»، معتمدا على آخر نسخه أيضا، والتي وصل فيها إلى خلافة الراضي العباسي سنة ٣٢٦ هـ. /٩٣٨ م. مادّة الكتاب والكتاب بحقّ، مصدر أساسيّ لكل من يدرس تاريخ الحقبة المعروفة بالعصر الوسيط، لغنى المادّة التاريخية التي يحتوي عليها، من جهة، ولاتّساع المساحة الجغرافية التي يغطّي أحداثها، فهو لا غنى عنه-كما أسلفت-في دراسة تاريخ الدولة الفاطمية، وأخبار الدولة العباسية، وأخبار الحمدانيين، والصراع بين المسلمين والبيزنطيين، وأخبار الصراع بين الأتراك السلاجقة، وبني بويه الدّيالمة، والعلاقات بين المسلمين والنصارى واليهود، وظهور الدعوة الدرزيّة، وعلاقات

стр. 3

المسلمين ببعضهم من سنّة وشيعة ودروز. وعلاقات النصارى ببعضهم أيضا، من ملكيّة ويعقوبية ونساطرة وغيرهم. وبين القبائل المشرقية والقبائل المغربية، والعرب والبربر، والروم والروس والكرج والبلغار والأرمن وغيرهم، وحركات القرامطة، وحركات أمراء القبائل والأعراب، وغزوات الأباطرة والقادة البيزنطيين إلى بلاد الشام، وحركات الثائرين والخارجين على الخلافة في المشرق والمغرب الإسلامي، وأخبار الدولة الإخشيدية وسقوطها، وأخبار النكبات الطبيعية من زلازل وسيول ورعود وبرق ووباء وغلاء، والمعلومات الكثيرة عن عادات وتقاليد النصارى في الاحتفالات بأعيادهم ومناسباتهم الدينية، وأخبار ملوك الروم ونزاعاتهم مع قادتهم أو أولياء عهدهم، وحروبهم مع جيرانهم، في الشمال والشرق والجنوب، والمؤامرات والدسائس التي كانت تحاك في العالم الإسلامي وعالم الروم وبلاد الغرب على السواء ضدّ الخلفاء والملوك والأباطرة، وغير ذلك من الكمّ الهائل الذي حشده المؤلّف بكل دقّة، وطول باع، مع التحليل والتعليق في مواضع عدّة، ممّا ينمّ عن حصافة في الرأي وحسن تفهّم للحقائق، وإحاطة شاملة بأحداث العصر ومجرياته. فضلا عن وقوفه بشكل مباشر على عدّة سجلاّت رسمية ومراسلات ملكية قام بإثبات نصوصها في مواضعها من الكتاب، مما يجعله مصدرا وثائقيا أيضا. أما المساحة الجغرافية التي يغطّيها كتاب الأنطاكي، فتمتدّ من بلاد المغرب الأقصى حتى بلاد الروس وبلاد الخزر البلغار، لتشمل بلاد المغرب وإفريقية وبرقة ومصر وبلاد النوبة وبلاد الشام والحجاز والعراق وآسية الصغرى وأرمينية الكبرى وبلاد الكرج والبلغار والروس والروم، وجزر البحر المتوسط، صقلّية، وأقريطش، وقبرس. طريقة المؤلّف وأسلوبه أما طريقة المؤلّف في عرض الأحداث، فقد جهد في أن تكون أخباره متسلسلة متتابعة زمنيّا، ولكنّ هذه الطريقة كانت تفرض عليه أن يقطع السرد المتتابع لينتقل من أخبار دولة إلى أخرى ومن ولاية إلى إمارة أخرى، ومن كرسيّ

стр. 4

البطركيّة، إلى أخبار نكبات الطبيعة، وبهذا يحشد في السنة الواحدة أحداثا جرت في عدّة أماكن من عالم ذلك العصر، فينتقل من أقصى المغرب إلى أقصى العراق، ومن بلاد البلغر إلى بلاد النّوبة، وهذا يصبّ في اتّجاه التاريخ الحولي والتاريخ العالمي، فهو لا يفرد أخبار كل دولة، أو كل عهد لخليفة أو سلطان أو إمبراطور، على حدة، أي أنه لا يسير في تاريخه بشكل عمودي، بل يتناول التاريخ الأفقيّ للعالم، بحيث يرصد أحداث كل سنة، هنا وهناك وهنالك، على امتداد الرقعة الجغرافية الواسعة. ولكنّه يشذّ عن هذه القاعدة حين يضع تاريخا- عموديا-للدولة الفاطمية، فهو يؤرّخ لهذه الدولة منذ بداية الدعوة الفاطمية حتى إعلان الخلافة في المغرب، أي من سنة ٢٧٠ هـ. حتى وفاة الخليفة المهديّ سنة ٣٢٢ هـ. دون انقطاع. وبرأينا، فإنّ الأنطاكيّ سمح لنفسه أن يشذّ عن منهجيّته التأريخية، لأحد أمرين، أو للأمرين التاليين معا، وهما: أولا: إنّ الفترة التاريخية من سنة ٢٧٠ هـ، إلى سنة ٣٢٢ هـ. تعتبر خارج الإطار الزمني لمادّة الكتاب الأساسية، إذ اشترط المؤلّف على نفسه أن يكون كتابه متمّما لكتاب ابن البطريق الذي انتهى عند سنة ٣٢٦ هـ. /٩٣٨ م. ثانيا: إنّ الأنطاكيّ، بحكم موطنه في مصر، ومعاصرته للدولة الفاطمية، رأى أن يؤرّخ لبداية الدعوة الفاطمية حتى قيام الدولة وإعلان الخلافة، ممهّدا لأخبار الفاطميّين ودخولهم مصر واتّخاذهم القاهرة عاصمة لخلافتهم فيما بعد. وكأنّه بذلك يؤدّي التزاما أدبيا نحو الدولة التي يعيش في أكنافها. ... وإذا عدنا إلى طريقته في عرض الأحداث، فإنّنا نجده في كثير من الأحيان يقطع تتابع الأخبار في بقعة معيّنة، وفي سنة محدّدة، ليعود إلى أحداث سنة أو سنتين، وربّما أكثر سابقة لها، ليصل تلك الأحداث ببعضها ويجعل قارئه يسير مع مجريات الوقائع في كلّ البلاد دون تفاوت زمنيّ كبير.

стр. 5

فهو في أول خلافة العلويّين-مثلا-يذكر حوادث سنة ٣٦٥ ثم ينتقل إلى سنة ٣٦٧ هـ. ليعود بعدها إلى سنة ٣٦٥ ثم سنة ٣٦٦ ثم سنة ٣٦٧ هـ. ليعود من جديد إلى سنة ٣٦٦ ويتابع سنة ٣٦٧ ثم يعود مرة أخرى إلى سنة ٣٦٦ هـ. وهذا لاتّساع رقعة الأحداث وتلاحقها واختلاف أماكنها مشرقا ومغربا بحيث لا يمكن حصرها في سنة واحدة. وكذلك تتزاحم الأحداث والوقائع وتتواصل في بلاد الروم والبلغر والروس، وتتلاحق الحروب بين ملوك تلك البلاد، وبين القادة المتمرّدين على ملوكهم، لتفرض على الأنطاكي متابعة تلك الأخبار من سنة ٣٧٥ حتى سنة ٣٨٠ هـ. فيسردها دون انقطاع، ثم يعود مجدّدا إلى سنة ٣٧٧ هـ. ليؤرّخ لبلاد المسلمين في العراق والحجاز ومصر وبلاد الشام. وفي موضع لاحق. يؤرّخ لحوادث سنة ٤٠٥ هـ. ثم يعود إلى أحداث سنة ٣٩٩ و ٤٠٢ و ٤٠٣ هـ. ويصل إلى حوادث سنة ٤٠٥ هـ. مرة أخرى. وهذا الأسلوب في العرض، هو الأسلوب الذي اتّبعه المؤرّخ ابن الأثير في «الكامل في التاريخ». وعلى الأرجح، فإنّ تاريخ الأنطاكي كان من بين مصادر ابن الأثير. أما «ابن العديم الحلبي» فهو ينقل في كتابه «زبدة الحلب من تاريخ حلب» عن تاريخ الأنطاكي بشكل مؤكّد. ونجد أصداء لمادّة الأنطاكي عند المؤرّخين المعاصرين له، والمؤرّخين المتأخّرين عن عصره، بحيث تتّفق بعض الأخبار عنده وعندهم، وذلك في كتابي: «الولاة والقضاة»، وكتاب «ولاة مصر» للكندي، وكتاب «العيون والحدائق في أخبار الحقائق» لمؤرّخ مجهول، وكتاب «تكملة تاريخ الطبري» للهمذاني، وكتاب «تجارب الأمم وتعاقب الهمم» لمسكويه، وكتاب «ذيل تجارب الأمم» للروذراوري، وكتاب «ذيل تاريخ دمشق» لابن القلانسي، وكتاب «المنتظم في تاريخ الملوك والأمم» لابن الجوزي، وكتاب «تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام» للذهبي، وكتاب «إتّعاظ الحنفا بأخبار الأئمّة الفاطميين الخلفا» للمقريزي، وكتاب «المواعظ والاعتبار» المعروف بالخطط للمقريزي أيضا، وكتاب «الدّرّة المضيّة في أخبار الدولة الفاطمية» لابن أيبك الدواداري، وكتاب «المغرب في حلى المغرب» لمؤرّخ مجهول، وكتاب «البيان

стр. 6

المغرب في أخبار الأندلس والمغرب» لابن عذاري، وكتاب «المبتدا والخبر» المعروف بتاريخ ابن خلدون، وكتاب «عيون الأخبار وفنون الآثار» للداعي المطلق، وكتاب «مآثر الإنافة في معالم الخلافة» للقلقشندي، وكتاب «النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة» لابن تغري بردي، وكتاب «تاريخ الأزمنة» للدويهي. وكان يمكن لمحقّق كتاب الدويهي هذا أن يرمّم النّقص الحاصل في النسخة التي نشرها وحقّقها لو اعتمد على تاريخ الأنطاكي، إذ هو ينقل عنه. لغة الكتاب تتميّز لغة المؤلّف في كتابه أنها تتوسّط بين اللغة الجيّدة واللغة الركيكية، وإن كان معظم الكتاب أقرب إلى الفصحى، رغم الأغلاط النحوية واللغوية التي نبّهت إليها وصحّحتها وصوّبت ألفاظها في حواشي الكتاب. مع أن ثقافة المؤلّف عربية، فهو لا يعرف اليونانية كما يفترض بحكم موقعه، ونستدلّ على ذلك من أنه اطّلع على نصّ الكتاب الذي كان قد كتبه الأبجر ملك الرّها إلى السيد المسيح ﵇ وردّه عليه أن ترجما له عن اليونانية، حيث يقول إن الملك رومانوس عني بترجمة الرسالتين من السريانية إلى اليونانية، «وترجمها لنا إلى العربي الناقل الذي تولّى نقلهما إلى اليوناني على هيئتهما ونصّهما». وقد عمد الأنطاكيّ إلى كتابة كلمة «ثلث» و «ثلثة» و «ثلثمائة» بحذف الألف في جميع المواضع، فقمت بإثباتها لتّتفق مع الرسّم المألوف، أما بقية الأغلاط فقد قمت بإثباتها كما هي في المتن، وعمدت إلى تصويبها وتصحيحها في الحواشي، إلاّ في بعض الأحيان، حيث أثّبتّ الألفاظ الصحيحة في المتن، وأشرت في الحاشية إلى أنها كانت غلطا في الأصل المخطوط. ... بقي أن أشير في هذا المجال إلى أنّ أخبار الحاكم بأمر الله استغرقت نحو ثلث تاريخ الأنطاكي، ولم يكتف المؤلّف بسرد الأخبار والوقائع التي جرت في أيامه، بل نراه يقوم بوضع دراسة تحليلية لشخصية الحاكم وأسلوبه في الحكم

стр. 7

وتصرّفاته المتقلّبة، أكّد فيها على الخلل العقلي الذي يعتريه، والمزاجيّة المسيطرة على أحكامه. وهو موضوع خطير لا يزال مطروحا للمناقشة حتى الآن. ومن أهمّ ما يلاحظ في تاريخ الأنطاكي هو توقّفه المفاجيء عند حوادث سنة ٤٢٥ هـ/١٠٣٤ م. مع أنّ المؤلّف وعد في أواخر كتابه أن يذكر بنود معاهدة الصلح بين الخليفة الفاطمي الظاهر والإمبراطور البيزنطي ميخائيل، التي تمّت سنة ٤٢٧ هـ. فهو يقول في هذا الصدد: «. . ولم يذعن رومانوس الملك إلى الرجوع عمّا اشترطه في معنى حلب، وجزم أنه لا يعقد الهدنة إلاّ عليه، وتردّدت المكاتبة بين الجهتين في هذا المعنى في أيامه. وفي أيام ميخائيل الملك بعده مدّة ثلاث سنين ونصف إلى أن استقرّ الأمر فيها على ما يأتي فيما بعد ذكره». ومن المؤسف أن الكتاب ينتهي بحوادث سنة ٤٢٥ هـ. /١٠٣٤ م. أي قبل أكثر من ربع قرن من وفاة الأنطاكي، مما يجعلنا نرجّح أنّ هناك جزءا ضائعا من آخر الكتاب، وهذا الجزء يمكن أن نقدّره بما يساوي ربع الكتاب، ومقياسنا في هذا، هو تقسيم المؤلّف نفسه لكتابه إلى جزءين، حيث ينتهي الجزء الأول بنهاية عهد الحاكم بأمر الله سنة ٤١١ هـ. /١٠٢١ م. أي أنّ الجزء الأول يتناول أحداث نحو خمس وثمانين سنة، بينما لم يصلنا من الجزء الثاني سوى أحداث أربع عشرة سنة فقط. وهذا تقسيم مخلّ في توازن الكتاب من حيث الشكل والمضمون، وهذا أيضا، يؤيّد وجهة نظرنا في أنّ جزءا كبيرا من الكتاب ضاع ولم يصلنا بسبب نجهله. ... مخطوطات الكتاب والنصوص المنشورة توجد عدّة نسخ مخطوطة من تاريخ الأنطاكي موزّعة بين دمشق ولندن وباريس وموسكو وتعتبر النسخة البريطانية النسخة الأمّ لكلّ المخطوطات الأخرى، وهي محفوظة بمكتبة الجامعة البريطانية تحت رقم (١٣٧)، وتتألّف من

стр. 8

(١٩١) ورقة، مسطرتها (٣١*٢١ سم.)، وتحتوي الصفحة الواحدة على (١٩) سطرا. وكانت في الأساس بحلب، وتاريخ نسختها هو سنة ١٦٥٨ م. وقد حصل عليها راعي الأبرشية «باولو زعيم ماكاري» بطريرك أنطاكية، في سنة ١٦٧٠ م. وقام بنقلها إلى مكتبة الجامعة البريطانية. ثم قام البارون «كارّادوقو» بنقل نسختين عنها وضعتا في المكتبة الوطنية بباريس، إحداهما تحت رقم (MS .٨٨٢) وهي برمز، (A) والأخرى تحت رقم (MS .١٩٢) وهي برمز. (B) ولكنّ نقصا لحق بآخر هاتين النسختين، إذ يوجد بياض في النسخة الأولى (A) بين وجهي الأوراق (٢٢٠ - ٢٣٤)، وفي النسخة الثانية (B) بين وجهي الأوراق (٢٧٤ - ٢٩١). أما النسخة الدمشقية فقد نسخها عن البريطانية أيضا «غابريل (جبرائيل) جبارة»، الذي تولّى منصب الأرشمندريت في البطريركية الأنطاكية للروم الكاثوليك مدّة ٦٠ عاما، ووضعها في مكتبة البطريركية اليونانية بدمشق سنة ١٨٦٠ ليقوم بالإطّلاع عليها الطلبة الشرقيّون، تحت اسم (Trium Lanerum) وهي تتألّف من (٢٧٨ صفحة)، وفي الصفحة (١٩ سطرا)، مسطرتها: (٢٣*١٩ سم.) رقمها (٢١٠)، وقد وصف «جوليان كالنداري» الملحوظات التي وضعها «غابريل جباره» على النسخة البريطانية بأنها جيّدة،. ولقد قام البارون «كارّادوقو» بوضع تصويبات على إحدى النسختين الباريسيّتين، فجاءت في (١٥ ورقة) بآخر النسخة ذات الرقم (٢٩١) والتي رمز إليها بحرف - B) ب)، وهي نسخة الأصل من وجه (٨٢ ب) حتى (١٣٧ ب). كما قام «حبيب الزّيّات الدمشقي» بوضع تصويبات على النسخة الباريسية الثانية التي رمز إليها بحرف - A) س)، ووضعها في الإسكندرية. واعتبارا من خلافة القائم بأمر الله يوجد نقص في النسخة (س) حتى بداية الخلافة الفاطمية. كذلك فإنّ النسخة (ب) يوجد بها نقص وخاصّة نصّ الرسالتين المتبادلتين بين بطريرك أنطاكية أغابيوس، وبطريرك الإسكندرية إيليا.

стр. 9

وهناك أيضا نقص في النسخة (ب) من ورقتي ٢٢٣ و ٢٢٤ وذلك اعتبارا من نهاية نصّ الكتاب الذي كتبه الخليفة الحاكم إلى الراهب ابن سليمان، وحتى وفاة الحاكم. وقد عمد «الزيّات» إلى التأكيد على إثبات التاريخ الروماني في النسخة التي قام بتصويبها، وذلك في كل سياق يرد فيه تأريخ. وفي سنة ١٨٨٣ نشر المستشرق «قون روزن» نصوصا مختارة من تاريخ الأنطاكي عن المخطوطة الأم، في بتروبولي Petropoli بموسكو، تؤرّخ للإمبراطور البيزنطي «باسيل» وعلاقاته بالبلغار، واهتمّ إلى جانب نشر تلك النصوص بوضع تصويبات للأغلاط الموجودة في المخطوطة الأساسية، فجاءت في كتابه من الصفحة ٢٩٨ إلى الصفحة ٣٣١. كما اعتمد المؤرّخ «شليمبرجر» على تاريخ الأنطاكي، فنقل نصوصا منه ضمّنها كتابه «الملاحم البيزنطية حتى نهاية القرن العاشر» وخصوصا في المجلّد الثاني، والذي طبع بباريس سنة ١٩٠٠. واستعان المشرق «ماريوس كانار» أيضا بعدّة نصوص من تاريخ الأنطاكي، فأثبتها في كتابه الذي جمع فيه أخبار سيف الدولة الحمداني، ونشره في الجزائر سنة ١٩٣٤. وقد وجد كتاب الأنطاكي طريقه إلى الطبع مرتين، كانت أولاهما على يد الأب «لويس شيخو»، حيث نشر النسخة التي أتى بها من مكتبة بطرس بموسكو، وهي في (٣٣١ صفحة)، صدرت عن المدرسة الأرثوذكسية اليونانية ببيروت سنة ١٩٠٩، ملحقة بالتاريخ المجموع لابن البطريق، ووضع «شيخو» ملحقا في آخر تاريخ الأنطاكي صوّب فيه أخطاء النسخة، استغرق الصفحات ٣٣٢ - ٣٦٣ ولكن الكتاب جاء خلوا من أيّ تحقيق لمادّته. أما الطبعة الثانية لتاريخ الأنطاكي فكانت في باريس على يد المستشرقين: «كاراتشوفسكي» و «قاسيليف» سنة ١٩٢٤، وهي من غير تحقيق أيضا.

стр. 10

ولما كانت نسخة مكتبة بطرس غير كاملة، وتنتهي بنهاية الجزء الأول، حسب تجزئة المؤلّف، فإنّ النقص استعيض عنه باعتماد النّص الذي في المخطوطة البريطانية، اعتبارا من خلافة الظاهر لإعزاز الله (أي الجزء الثاني)، ولهذا كان الخط مختلفا في الجزءين، وقد رمزنا إلى هذه القطعة المضافة بحرف (ر)، وتنتهي عند خبر وفاة الملك قسطنطين في سنة ٤١٩ هـ. ... الملحق بتاريخ الأنطاكي هذا، وكان البارون «كارّادوقو» قد عثر على جزء صغير، اعتقد أنّه مختصر تاريخ الأنطاكي، فألحقه بآخر النسخة - B) ب) الباريسية، من وجه الورقة ٢١٢ ب حتى وجه الورقة ٢١٨ ب. وحين نشر الأب لويس شيخو تاريخ الأنطاكي، ألحق به هذا الجزء الصغير، دون أن يتحقّق إن كان مختصرا لهذا التاريخ، أم أنه مختصر لكتاب آخر، وجاء في طبعته أنّ الملحق يتناول التاريخ الهجري من سنة ٣٤٩ إلى سنة ٣٧٠ (٩٦٠ - ٩٨٠ م.). وفي الواقع، إن الملحق يتناول أحداثا تصل إلى سنة ٤٠٠ هـ. وليس إلى سنة ٣٧٠ هـ. فقط. كما أنّ الملحق، ليس كلّه، يعتبر مختصرا من تاريخ الأنطاكي، كما أنه ليس لمؤلّف واحد، ففي الملحق أكثر من خبر لا نجده في تاريخ الأنطاكي. ولغة الملحق وأسلوب صياغته ليست على وتيرة واحدة، على صغره، فهو في قسمه الأول حتى خلافة المعزّ يتّفق بأسلوبه مع تاريخ الأنطاكي إلى حدّ بعيد. أما القسم الثاني منه، واعتبارا من خلافة المعزّ، فيختلف أسلوب كاتبه اختلافا واضحا، حيث نجده يطلق لقب «أمير المؤمنين» على الخليفة الفاطمي، ويقرن اسمه بقوله: «صلوات الله عليه»، وبقوله: «﵇»، مما يعني أنّ الكاتب من الإسماعيلية الفاطميين. وبهذا يمكن القول إن «الملحق» هو نسخة ملفّقة لأكثر من مؤلّف، به ثغرات

стр. 11

تاريخية كثيرة وواسعة، فقراته مضّطربة، وأخباره مبتورة ومشوّشة، في أكثرها، وبه أوهام ونقص وتحريف، وتقديم وتأخير. وقد اجتهدت في تحقيق نصوصه وتوضيح ما غمض منها بما توفّر لي من المصادر. ... ولما كان كلّ من الأب لويس شيخو، والمستشرقين كاراتشوفسكي وفاسيليف، لم يعتنوا بتحقيق تاريخ الأنطاكي عند نشره كما يقتضي التحقيق العلمي، من تعريف وترجمة للأعلام، وضبط للتواريخ، وتقييد للأسماء، وشرح للمصطلحات والألفاظ اللغوية، ومقارنة النصوص بالمصادر الأساسية، وتحديد المواقع والأماكن بالرجوع إلى معاجم البلدان، وتصحيح للأخطاء، وتصويب للأغلاط، وما إلى ذلك من مقتضيات التحقيق والتعليق والشرح. فقد رأيت أن أتوفّر لهذا العمل، مقدّما «تاريخ الأنطاكي» إلى المكتبة العربية، محقّقا لأول مرة، مع فهرسة شاملة للأعلام، والأماكن، والمصطلحات، والمصادر والمراجع. راجيا من الله التوفيق والسداد فيما وطّدت النفس عليه من بعث للتراث العربي. شاكرا لمؤسّسة «جرّوس برسّ» بطرابلس، حسن عنايتها بإخراج هذا الكتاب ونشره. والله الموفّق. المحقّق عمر عبد السلام تدمري طرابلس الشام الجمعة في ٩ ربيع الآخر ١٤٠٩ هـ. ١٨ تشرين الثاني ١٩٨٨ م.

стр. 12

بسم الله الرحمن الرحيم /٨٢ ب/الكتاب الذي صنّفه يحيى بن سعيد الأنطاكي تتبّعا لتاريخ سعيد ابن (١) بطريق [الجزء الأول] [نبتدي بعون الله وحسن توفيقه بكتابة الكتاب الذي صنّفه يوحنا ابن سعد (٢) الأنطاكي تابعا لتاريخ سعيد ابن بطريق] (٣). قصدي في هذا الكتاب أن أذكر جمل ما انتهى إليّ وصحّ عندي من الأخبار السالفة والحوادث الكائنة، منذ المدّة التي انتهى إليها [تاريخ] (٤) سعيد بن بطريق [بطريرك الإسكندرية] (٥) إلى زماننا هذا، توخّيا (٦) لقضاء (٧) حقّ من سألني تأليفه وتصنيفه وحرّضني (٨) على جمعه ونظمه، والله يحرسه ويقيه ما يتخوّفه. وذلك أنّ سعيد بن بطريق انتهى في تاريخه إلى السنة الخامسة من خلافة الراضي، وهي سنة ستّ وعشرين وثلاثمائة للهجرة، [ومات في سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، وسأذكر تاريخ اليوم والشهر من السنة التي مات فيها في موضعه من كتابي هذا، [وأن أرى ذلك على النحو الذي رتّبه] (٩) فأقصد فيه المناهج التي قصدها فأضيف أسماء جميع الخلفاء

стр. 13

والملوك الذين وقفت على أسمائهم، ومدّة أيّام ملك كلّ واحد منهم، وأضيف إلى ذلك جملا ممّا انتهى إليّ من أخبارهم وسيرهم، والحوادث التي كانت في أيامهم، وأتجنّب فيها الإطالة في الشرح، والإيجاز في الاختصار، وأسلك الطريق المتوسّطة بين الطريقين، فإن النّفوس إلى معرفة الأخبار القريبة العهد أكثر تطلّعا وأعظم تشوّقا (١)، وأذكر فيه [أيضا] (٢) أسماء بطاركة الإسكندرية، وبيت المقدس، وأنطاكية، والقسطنطينية، وأعمارهم في كراسيّهم نحو ما فعل في تاريخه، ويكون جزءا مفردا مضافا إلى كتابه. وأما بطاركة رومية فلم يحصل لي أسماؤهم على التحقيق، وذلك أنّ سعيد بن بطريق [البطريرك] (٣) ذكرهم على الولاء من بطرس رأس الحواريّين إلى غابيوس (٤) البطريرك الذي كان في زمن رئاسة (٥) المجمع السادس (٦) [وهو المائتا وتسعة وثمانون] (٧) في القسطنطينية في زمن ملك قسطنطين ابن قسطس (٨) ملك الروم، في (أيّام) (٩) خلافة يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، فلم يذكر من صار بعده، وقد ذكر ذلك في النصف الثاني من كتابه، فقال: ولم يقع لنا أسماء بطاركة رومية منذ مات غابيوس بطريركها (١٠) ولا شيء من أخبارهم من ذلك الوقت إلى أن وضعت هذا الكتاب، فلم يزل غابيوس هذا يذكر في الذبتيخن (١١) منذ اجتماع المجمع السادس إلى بعد وفاة سعيد بن

стр. 14

بطريق بمدّة طويلة ليست يعرف (١) مقدارها، وذكر بعده اسم بطريرك [آخر] (٢) يدعى بناديكطس (٣)، فلم يزل اسمه مذكورا في الذبتيخن إلى سنة نيّف وتسعين وثلاثمائة للهجرة، وقد كان صيّر بعد بناديكطس هذا بطاركة عدّة إلاّ [أنّه] (٤) لم يرفع لأحد منهم في بلاد مصر والشام اسم ولا ذكر (٥) [لانقطاع أخبارهم وبعد بلادهم] (٦) واقتصروا على اسم بناذكطس (٧) المتوفّى. /٨٣ أ/وفي زماننا هذا صيّروا عليها بطريركا يسمّى يوحنا، ورفعوا اسمه وأسقطوا اسم بناديكطس، فهذا هو السبب المانع من تدوين أسمائهم (٨) والعذر في الإضراب عن ذكرهم. وكنت ألّفت هذا الكتاب لمن كلّفني بتأليفه، ووقع إليّ (٩) بعد ذلك تواريخ لم أكن وقفت عليها عند شروعي في عمله، فغيّرته بأجمعه وبدّلت نظمه وألّفته تأليفا ثانيا، ثم أيضا بعد انتقالي إلى مدينة أنطاكية في سنة خمس وأربعمائة للهجرة تصفّحته تصفّحا (١٠) ثانيا، وتحصّل لي تواريخ أخر، فخرّجت منها ما ألحقته به وأضفته إليه، وغيّرت بعضه، وقرّرت الأمر على هذه النسخة [وأحببت التنبيه على ذلك لكيما إذا وجد لهذا الكتاب نسخ أخر مختلفة عرف السبب فيه] (١١). فكنت (١٢) عزمت أيضا أن أصلح تاريخ

стр. 15

سعيد بن بطريق وألحق فيه من الأخبار ما طواه وأغفله (١) وأغيّر منه ما تحرّف عليه منها ولم يقف على صحّته فأورده على غير حقيقته، فرأيت أنّ ذلك يطول، ويضطرّ (٢) إلى عظم الكتاب وتغيير (٣) جميع ما فيه، فأهملته [وتصفّحت قبل شروعي في تأليف هذا الكتاب عدة نسخ لكتاب سعيد بن بطريق، فألفيت (٤) بعضها يتضمّن التاريخ إلى صدر من خلافة القاهر، وهي السنة التي صيّر فيها سعيد بن بطريق بطريركا على الإسكندرية بل قد أضيف إلى بعضها زيادات بسبب من مضيف الكتاب ولا هي في نسخة أصلية. ورأيت نسخة الأصل نفسها ونسخ (٥) أخر للكتاب غيرها، ونهاية (٦) ما فيها إلى خلافة الراضي، وذلك سنة ستّ وعشرين وثلاث مائة للهجرة، وعلى هذه النسخة خاصة أنشئت (٧) هذا الكتاب، إذ كان أتمّ النّسخ شرحا، وأقربها عهدا (٨). وأظنّ السبب في نقصان أواخر بعض هذه النسخ وقصورها عن أسباب (٩) ما في نسخة أصله (١٠) أن الكتاب استنسخ في حياة مؤلّفه في أوقات مختلفة من الزمان، واشتهرت نسخته في أيدي الناس، وبقيت كل واحدة من النسخ على جملتها تتضمّن (١١) التاريخ إلى الزمان الذي كتبت فيه] (١٢). [وهذه هي نهاية تاريخ سعيد بن بطريق إلى خلافة الراضي سنة ستّ وعشرين

стр. 16

وثلاثمائة للهجرة] (١) وأنا مثبت هاهنا الفصل (٢) الأخير من النسخة التي هي (أصح من جميع نسخه) (٣) وأتمّ وأكمل (٤) وأتلوه بما ألّفته، مستعينا بالله طالبا منه التوفيق فيما قد قصدت إليه وعزمت عليه، وهو المرشد لذلك بفضله/ وكرمه. [سنة ٣٢٦ هـ .] قال سعيد بن بطريق: وفي سنة ستّ وعشرين وثلثمائة كان بين الروم والمسلمين هدنة، وكان بينهم فداء خلق كثير (٥). [رسالة بطريرك القسطنطينية إلى بطاركة الإسكندرية وأنطاكية وبيت] وفي هذه السنة وجّه ثوفيلكطس (٦) بطريرك القسطنطينية برسول من قبله ومعه كتب إلى أنبا أفتيشيوس (٧) بطريرك الإسكندرية، وإلى أنبا تاودوسيوس (٨) بطريرك أنطاكية، وإلى أنبا خريصطودللس (٩) بطريرك بيت المقدس يسألهم أن يذكروا اسمه في صلواتهم وقدّاساتهم، فأجابوه إلى ما سأل، وهذا كان قد انقطع من وقت خلافة بني أميّة، وهذا آخر ما سيّر سعيد بن بطريق البطريرك، ووجد في نسخة أصله (١٠) تمام خلافة الراضي أبي العبّاس محمد بن المقتدر.

стр. 17

[الخليفة الراضي يقلّد ابن راشد إمرة الأمراء] وقلّد الراضي لمحمد بن رايق إمرة الأمراء، وفوّض إليه تدبير دولته، وأمر أن يخطب له على سائر المنابر التي في مملكته، [ابن رائق يستولي على أمور الدولة العباسية] واستولى ابن رايق (١) على الأمور، واستكتب أحمد بن علي الكوفي، ونظر فيما كان الوزراء ينظرون فيه، وبطل منذ ذلك الوقت أمر الوزراء، فلم يكن للوزير نظر في شيء من الأشياء، ولا كان له غير اسم الوزارة، وكذلك سائر من تقلّد الإمارة لخلفاء بني العبّاس بعد ابن رايق، وإلى (٢) هذه الغاية، وصارت أموال النّواحي تحمل إلى خزائن الأمراء، فيأمرون فيها وينفقون ما يرون، ويطلقون لنفقات السلطان ما يريدون، وعطّلت بيوت الأموال. [ابن رائق يولّي بجكم التركي على الأهواز] وولّى محمد بن رايق (٣) الأهواز لغلام تركي يسمّى (٤) بجكم (٥) فعظم حاله وكثر ماله وتوفّر جيشه، فسار إلى بغداد لمحاربة ابن رايق، والتقيا بموضع يعرف بديالى (٦) [في ذي القعدة من سنة ٣٢٦] (٧)، فانهزم ابن رايق، [دخول بجكم بغداد ووزارته للراضي] ودخل بجكم إلى بغداد، وأكرمه الراضي وخلع عليه وجعله أمير الأمراء (٨)، واستكتب [بجكم] (٩): محمد بن يحيى بن شيرزاد (١٠) يدبّر الأحوال، فقام مقام الوزراء من غير تسمية بوزارة. [سنة ٣٢٧ هـ .] [وفاة الفضل بن جعفر وزير الراضي] ومات الفضل بن جعفر (١١) وزير/٨٣ ب/الراضي بالرملة [في جمادى

стр. 18

الأول سنة ٣٢٧] (١) [وزارة أحمد بن محمد البريدي] واستوزر الراضي أحمد بن محمد البريدي [يوم الأحد لستّ خلون من رجب من السنة] (٢) وكان اسم الوزارة واقعا عليه، والقائم بتدبير الأحوال بجكم وابن شيرزاد (٣) كاتبه. [سنة ٣٢٨ هـ .] [وفاة سعيد بن بطريق بطريرك الإسكندرية] واعتلّ بمصر سعيد بن بطريق، وهو أفتيشيوس بطريرك الإسكندرية، وكان متمهّرا (٤) بصناعة الطبّ، فحدس أنها علّة موته، فصار إلى كرسيّه إلى الإسكندريّة، وأقام بها أيام (٥) عدّة عليلا، ومات يوم الاثنين سلخ رجب سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة (٦)، وله في الرئاسة سبع سنين وستة أشهر (٧) [شقاق أسقف تنّيس وأسقف الفرما على ابن البطريق] وكان في أيامه انشقاق عظيم وشرّ متّصل بينه وبين شعبه، وذلك أنّ جماعة من أطبّاء فسطاط مصر وشيوخهم كانوا كارهين لرئاسته، وكان على تنّيس (٨) إذ ذاك

стр. 19

أسقف يسمّى ميخائيل (١) ويعرف بابن النخيلي (٢) وكان أيضا كارها له فوثب عليه (٣) جماعة من الملكيّة (٤)، واستنفر سائر من كان منهم بمصر وأوحشهم منه، فقطع اسمه في عدّة كنائس وكراسي منها تنّيس والفرما (٥). وكان أيضا بالفرما أسقف يعرف بابن بليحا (٦) شرّير وعلى طريق غير محمودة ولا مأثورة، فعاضد (٧) ميخائيل (٨) بن النخيلي أسقف تنّيس على مقاومة البطريرك أفتيشيوس، فجهد (٩) البطريرك في استصلاحهما وأن يرجعا عمّا هما عليه من مقاومته ومنازعته، فلم يتّفق (١٠) ذلك. وكان أسقف الفرما هذا أخذ برطيل (١١) منه، وغرض أسقف تنّيس إزالته عن الرئاسة. ومات ميخائيل أسقف تنّيس في صفر سنة اثنين وعشرين وثلثمائة، وحمل إلى تنّيس وقبر بها في كنيسة أبي (١٢) جلبة، وكفى البطريرك أمره، وتمكّن من تنّيس. وانقسم أهل مصر قسمين، وكذلك أهل تنّيس، وتحزّبوا حزبين، فصار حزب من الكهنة والعلمانيّين مع البطريرك، وحزب منهم عليه. وكان كل فريق منهم يصلّي في كنيسة مفردة. ثم أصلح البطريرك على تنّيس عوضا من ابن النخيلي

стр. 20

أسقفا من أهلها يسمّى ثاوفيلس (١) ويعرف بابن الشقيّ (٢) واجتمع إليه بنوه (٣) وإخوته وجماعة من أهل البلد، وقصد استصلاح من كان نافرا، وجعل يقصد منازلهم راجلا، وخفض جناحه لهم، ولاطفهم، فلم يغنه ذلك شيئا، وقام لكلّ حزب من الحزبين غرض في نصرة هواه، حتى كان الأب لا يكلّم ابنه، ولا المرأة (٤) تخاطب بعلها، وانتشت الحرومات (٥) بينهم، وصارت القرابين تنتقل (٦) من هيكل إلى هيكل وتكسر على المذابح، ويستعين كلّ فريق منهم على الآخر بالسلطان. [ابن الأحول يمنع الصلاة في كنيسة تنّيس ويقبض على أسقفّها] وخرج جماعة من النافرين (٧) عنه من أهل تنّيس من النّصارى إلى الإخشيد محمد بن طغج (٨) بمصر ساعيين (٩) به رافعين عليه، وكان رجلا ظالما يصغي كثيرا إلى سماع السعايات وقبولها، ويهلك المسعيّ به (١٠) ويأتي عليه، فوجّه معهم قائدا يكنّى بأبي الحسين ويعرف [بصاحب علي بن] (١١) الأحول (١٢) وضمّ إليه جماعة من الرّجّالة، فأنزلوه بكنيسة أبي (١٣) جبلة، وهي كنيسة أهل الملّة الجامعة التي الأسقف نازل (١٤) بها، فختمها ومنع الصّلوات فيها، وقبض على تاوفيلس أسقف تنّيس وعلى أفتيشيوس/٨٤ أ/البطريرك، وكانا جميعا يومئذ بتنّيس، ووكّل بهما، وأحضر جماعة من مشايخ الإسلام وشيوخ النصارى، وفتح خزائن الكنيسة

стр. 21

وأخرج سائر آلاتها وجميع صياغاتها [ونحاسها] (١) وستورها (٢) عن آخرها، وكانت كثيرة متوفّرة (٣) حتى أنّ ذهبها وفضّتها لكثرتها وزنا في القرسطقون (٤) أي القبّان، وعظم تعجّب من حضر من الأمم [من المخالفين في الديانة] (٥) من كثرة ما شاهدوا ورأوا منها (٦) وعبّى (٧) القائد الذي حضر من مصر جميع المأخوذ في أقفاص، وكتب إلى الإخشيد مطالعة بما وجد ويستأذنه بحمله إلى مصر، فأذن له بحمل الجميع إليه، والاستقصاء والبحث عمّا عسى أن يكون قد خفي، فأحضر البطرك (٨) والأسقف جميعا، وطالبهما بإخراج ما بقي للكنيسة من الآلات، فأعلماه أنّهما لا يعرفا (٩) أنه بقي لها شيء، فلم يقنع منهما بذلك، وضرب [الأسقف] (١٠) ثاوفيلس ثمانية عشرة درّة، وقدّم البطريرك ليضرب أيضا، فبكى الناس الحاضرون (١١) وكثر ضجيجهم، فعفي (١٢) عن الضرب، وحمل جميع متاع الكنيسة بأسره إلى مصر، [وخرج الأسقف والبطريرك إلى مصر] (١٣) وقصد الأسقف وجماعة من الكتّاب النّصارى (١٤)، وسألهم [السفارة] (١٥) في توسّط حالهم مع الإخشيد

стр. 22

(بعد ما خرج الأسقف والبطريرك معا إلى مصر) (١) فسعوا في ذلك، وتوسّطوا أمر البطريرك والأسقف، على أن يفوا (٢) له بخمسة آلاف دينار، وأعاد (٣) المأخوذ، وانحدر الأسقف ثاوفيلس ووضع يده في بيع العقار و [الأوقاف التي] (٤) للكنائس، فباع منه ما يساوي ألوفا كثيرة بخمسة آلاف دينار، وطمع (٥) كلّ واحد في البطريرك والأسقف، وامتدّت العين إليهما، واضطرّ إلى استكفاء شرّ كلّ أحد [منهم وإرضائه] (٦)، فلم يبق من الوقف والرّحل إلاّ ما لا قدر (٧) له. ثم استرمّت كنيسة أبو مينا التي في تنّيس (٨) هدمها الأسقف ثاوفيلس، وأقام عمدها وأساطينها وزاد في سمكها وبنا (٩) جملها (١٠)، وباع لأجل (١١) عمارتها من الآلات [الكنيسة] (١٢) وأوقافها شيء كثير (١٣) فانتهى ذلك إلى الإخشيد، وعرف أنه كان يبيع ما يساوي مائة دينار مثلا بخمسين دينارا،

стр. 23

فصيّر (١) إلى تنّيس صاحبا له من الكتّاب يعرب بابن الفهمي، وتقدّم إليه ببيع ما بقي منها، وأن يستظهر على مشتريين (٢) أوقاف الكنائس (٣) يأخذ النصف من الثمن، فمن (٤) كان ابتاع شيئا بمائة دينار قبض منه للسلطان (٥) خمسين دينارا، فأخذ من الناس مالا واسعا [وجعل من ذلك جملة كثيرة] (٦)، وهرب جماعة من منازلهم خوفا من الغرم والمصادرة. ولمّا شاهد النّصارى تفاقم الحال والهلاك الواقع بوقف تنّيس عدل بعضهم بعضا (٧)، واتّفقت كلمتهم، ورجعوا إلى كنيسة واحدة، إلاّ أنّ نفوس أكثر أهل تنّيس لم تزل مستوحشة من الأسقف ثاوفيلس بن الشقيّ. [المسلمون واليهود يهدمون كنيسة بعسقلان] وثار المسلمون (٨) بعسقلاّن على كنيسة كبيرة بها تعرف بكنيسة مريم الخضرا، فهدموها ونهبوا جميع ما فيها وأحرقت، وعاضد المسلمين اليهود في هدمها، وكان اليهود يشعلون النار في الحطب ويجرّونه بالبكر إلى أعلى السقوف حتى يحرقونها وينحلّ رصاصها ويقع عمدها. وخرج أسقفها إلى مدينة السلام متوسّلا/٨٤ ب/في ردّها، فلم ينجح له في ذلك سعي وخربت الكنيسة وبقيت على حالتها. وتوافق المسلمون من أهل عسقلان أن لا يمكث (٩) بهذا، فأقام بالرملة إلى أن مات (١٠). ...

стр. 24

[ابن رائق يستولي على حمص ودمشق والرملة ويهزم الإخشيد] وأما محمد بن رايق لمّا خرج من العراق منهزما سار إلى حمص فملكها، ثم توجّه إلى دمشق وإلى الرملة وملكها، وبلغ إلى عريش مصر، فخرج إليه الإخشيد محمد بن طغج (١) من مصر وحاربه [يوم الأربعاء النصف من شهر رمضان سنة ٣٢٨] (٢) فانهزم الإخشيد، واشتغل أصحاب ابن رايق (٣) واطمئنّوا (٤)، [الإخشيد يهزم ابن رائق إلى دمشق] فجمع الإخشيد بعد هزيمته أصحابه وغلمانه وقصد ابن (٥) رايق وسار (إلى دمشق) (٦) وهم بالعريش، فوقع بهم وهزمهم، وأفلت ابن رايق في سبعين رجلا، وسار إلى دمشق منهزما. وتأهّب الإخشيد للمسير إلى دمشق للقائه، ووجّه أخاه أبا النّصر الحسن بن طغج في جماعة من الغلمان والقوّاد والأولياء إلى اللّجّون (٧) ليكونوا على مقدّمته، واتّصل ذلك بابن رايق (٨) فأسرع (٩) إليهم في جماعة من الغلمان، وجدّ في المسير، [ابن رائق يقتل أخا الإخشيد عند اللّجّون] ونزل أبو النّصر في اللّجّون [صباح يوم الثلاثاء لإحدى عشر ليلة خلت من ذي القعدة من السنة] (١٠). وهم لا يعلمون، فكبسهم بن (١١) رايق، ووقع بينهم وقعة عظيمة هناك، وانهزم أصحاب أبي النصر ابن طغج، وأسر وجوه قوّاده، وقتل أبو النّصر (١٢) في الحرب، فأخذه محمد بن رايق

стр. 25

[الإخشيد يوسّط أبا الفتح ابن رائق في الصلح مع أبيه] وغسّله وكفّنه وحنّطه وحمله في تابوت إلى أخيه الإخشيد، وأنفذ معه أبا الفتح مزاحم (١) ابنه، وكتب معه كتابا إليه يعزّيه بأخيه ويعتذر مما جرى، ويذكر أنه لم يؤثر قتله، وأنه قد أنفذ إليه ابنه أبا الفتح ليفديه به إن أحبّ ذلك، فتلقّى الإخشيد فعله هذا بالجميل، وخلع على أبي الفتح مزاحم (٢) بن محمد بن رايق، وردّه إلى أبيه مسلّما (٣)، فجعله واسطة بالصلح (٤) بينهما. [صرف أحمد بن محمد البريدي عن الوزارة] [وصرف عن الوزارة أحمد بن محمد البريديّ (٥) يوم الخميس لعشر بقين من ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، وتقلّدها سليمان بن الحسن (٦) بن مخلد في ذلك اليوم. وكان اسم الوزارة واقع (٧) عليه، وابن شيرزاد (٨) المدبّر للأحوال (٩). ثم قبض بجكم على ابن شيرزاد (١٠)، واستكتب أحمد بن عليّ

стр. 26

لكوفيّ (١)، فلم يزل قايم (٢) بتدبير المملكة إلى (أن) (٣) قتل بجكم] (٤) [سنة ٣٢٩ هـ .] [وفاة الخليفة الراضي] وتوفّي الراضي في ليلة (٥) السبت لأربع عشرة (٦) ليلة بقين من شهر ربيع الأول سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، [في علّة الاستسقاء الزقّي (٧) وكان عمره اثنتين وثلاثين سنة، ودفن بالرّصافة] (٨). وكانت خلافته ستّ سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام. (٩)

стр. 27

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 28

(خلافة المتّقي لله) ونفذت الكتب إلى بجكم (١) وهو يومئذ بالواسط (٢) بتعرفة (٣) موت الراضي، واستيذانه فيمن يبايع له بالخلافة، فأنفذ بجكم كاتبه أحمد بن علي الكوفي لينظر من يقع اختيار الجماعة عليه فيبايع له، فورد إلى بغداد فجمع الوزراء والقضاة ووجوه أهل المملكة، وشاورهم فيمن يبايع له بالخلافة، [مبايعة المتّقي لله بالخلافة] فوقع اختيار الجمع على أخي الراضي [أبي إسحاق] (٤) إبراهيم المقتدر (٥) وبويع له يوم الأربعاء لعشر بقين من شهر ربيع الأول سنة تسع وعشرين وثلثمائة، ولقّب بالمتّقي بالله (٦). [إقرار سليمان بن الحسن بن مخلد في الوزارة] [وأقرّ (٧) أبا القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد على الوزارة (٨). ... [الغلاء العظيم بمصر] وحدث بمصر غلاء عظيم في هذه السنة، وعزّ القمح وسائر الحبوب وعدم البتّة، ولحق الناس [من الجوع] (٩) شدّة شديدة، وتبعه وباء عظيم، ولم يزل الغلاء إلى أن دخلت الغلّة الجديدة، وحدث أيضا ببغداد مثل ذلك، وأكل بها الناس النخالة والحشيش، وكثر الموت فصار يدفن جماعة في قبر واحد بغير صلاة ولا غسل، ورخص العقار والقماش ببغداد، حتّى صار يباع

стр. 29

ما ثمنه دينار/٨٥ أ/بدرهم (١). ... [مقتل بجكم التركي] وقتل بجكم التركي بواسط [يوم الأربعاء لسبع بقين من رجب] (٢). وكان سبب قتله أنه خرج يوما يتصيّد، فلقي قوما من الأكراد فقتلوه ولم يعلموا أنه بجكم (٣). [صرف سليمان بن الحسن واستيزار أحمد بن ميمون] واستتر (٤) كاتبه أحمد بن علي الكوفي، وصرف المتّقي (٥) عن الوزارة سليمان بن الحسن، واستوزر أحمد بن ميمون (٦) يوم الأحد، لثالث خلون من شعبان سنة تسع وعشرين وثلثماية (٧). [حركة أحمد بن محمد البريدي لبلوغ الوزارة] وصعد أحمد بن محمد البريديّ (٨) من واسط إلى بغداد ملتمسا تقليد الوزارة، وراسله المتّقي في العودة إلى واسط، وامتنع عن الرجوع، وطلب الدخول إلى بغداد وتقليد الوزارة (٩)، وكان (في) (١٠) جيش عظيم وغلمان عداد (كذا). فعلم الوزير أحمد بن ميمون أنه إلّم يجاب (١١) إلى ما التمس

стр. 30

آل (١) الحال معه إلى أحوال تذمّ عواقبها ولا يومن غوايلها، فاستعفا (٢) وأزال عن نفسه اسم الوزارة يوم السبت لستّ خلون من شهر رمضان، ونسبت إلى البريدي (٣). [كورتكين الديلمي يهزم البريدي ويتولّى إمرة الأمراء] وكان مع (٤) البريدي جماعة من الغلمان الأتراك والديلم وروس الديلم عليهم كورتكين (٥) الديلمي، وروس الأتراك أيضا عليهم بكسل (٦). وانحاز الديلم إلى دار السلطان وتفرّق عنه الأتراك واجتمعوا إلى تكين، وتضافروا (٧) جميعا، وعلوا بهم (٨) العامّة، وقصدوا بجميعهم التربيدي (البريدي)، فهرب إلى واسط قبل الظهر من يوم الاثنين سلخ شهر رمضان سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، فخلع المتّقي على كورتكين (٩) الديلمي يوم الخميس لثلاث خلون من شوّال، وصيّروه أمير الأمراء (١٠). وأقام المتّقي: عبد الرحمن بن عيسى لتدبير الأمور من غير تسمية بوزارة (١١)، [محمد بن أحمد القراريطي يتقلّد الوزارة] ثم قلّدوا الوزارة أبا إسحاق محمد بن أحمد القراريطي (١٢) يوم

стр. 31

السبت لاثني عشر ليلة خلت من شوّال من السنة بعينها (١). [كورتكين يقبض على القراريطي ويقلّد الوزارة محمد بن قاسم الكرخي] وقبض عليه (٢) كورتكين الأمير ليلة الأحد لخمس بقين من ذي القعدة. وقلّد الوزارة لأبي جعفر محمد بن قاسم الكرخي (٣). [المتّقي يرسل إلى بجكم بالعودة إلى بغداد] وكتب المتّقي بعد قتل بجكم (٤) إلى ابن رايق يستدعي حضوره من الشام إلى بغداد، فسار إلى أن بلغ الموصل، وجرى بينه وبين الحسن (٥) بن عبد الله بن حمدان مراسلة، [الحسن بن عبد الله بن حمدان يؤدّي مالا لبجكم] وحمل ابن حمدان إلى ابن (٦) رايق مائة ألف دينار (٧). [الحرب بين بجكم وكورتكين وهزيمة كورتكين] وانحدر يريد بغداد، ولما قرب منها خرج كورتكين إلى عكبرا (٨) في جيوشه للقايه، وتحاربا أيام (٩) متتابعة. ودخل ابن (١٠) رايق إلى بغداد يوم الخميس، لتسع بقين من ذي الحجّة سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، وسار إلى دار الخلافة، ووافى (١١) كورتكين في جيشه من عكبرا (١٢)، فلما وصل كورتكين إلى دار السلطان دوفع عنها ورمى أصحاب ابن (١٣) رايق بالنّشّاب

стр. 32

لأصحاب كورتكين، واستتر وتمزّق أصحابه (١). [ابن رائق يتقلّد إمرة الأمراء من جديد] وخلع المتّقي على ابن (٢) رايق وقلّده أمر الأمراء (٣)، وعاد إلى ما كان عليه في أيام الراضي، وظهر كاتبه أحمد بن الكوفي من الاستتار (٤)، وعاد إلى خدمته أيضا، ودبّر الأمر من غير تسمية وزارة (٥). ... [سنة ٣٣٠ هـ .] [الأتراك يشغبون ببغداد على ابن رائق وينحازون إلى ابن البريدي] وشعّث (٦) الأتراك بمدينة السلام على ابن رائق (٧)، وسار نحو واسط، وانحازوا إلى أحمد بن البريدي (٨)، واحتاج ابن (٩) رايق إلى ملاطفته وكاتبه بالوزارة يوم الخميس النصف من شهر ربيع الآخر سنة ثلاثين

стр. 33

وثلثمائة (١)، [إزالة البريدي عن الوزارة وإعادتها إلى القراريطي] وأنفذ إليه خلعا سلطانية، فنهض البريديّ (٢) للإصعاد إلى بغداد، فغلظ ذلك على المتّقي، وابن رايق، فأزالا اسم الوزارة عنه (٣) وأعاداها إلى أحمد بن محمد القراريطي (٤). [البريدي يستولي على دار الخلافة ببغداد] وسار البريديّ (٥) إلى بغداد، واتّصلت الحروب بينه وبين بن (كذا) رايق، وخرج المتّقي إلى نهر ديالى (٦)، ودخل البريدي إلى بغداد، وملك دار السلطان (٧). [المتّقي وابن رائق يستنجدان بابن حمدان] وسار المتّقي وبن (كذا) رايق إلى الموصل مستنجدين (٨) بعليّ والحسين (٩) ابني حمدان. وقصد بن (كذا) رايق الحسين (٩) بن حمدان ليسلّم عليه، فأمر به الحسين وضربه الحسين بن أبي العلا بن حمدان بسيفه فقتله، وخلع المتّقي على الحسين (٩) بن حمدان هذا ولقّبه ناصر الدولة، وجعله أمير الأمرا، [استكتاب محمد بن علي الكوفي] واستكتب أيضا محمد بن علي الكوفي، فكان القائم بتدبير الأمور مقام الوزرا من غير تسميته بوزارة (١٠). [المتّقي وناصر الدولة بن حمدان يدخلان بغداد ويهزمان البريدي] وسار المتّقي وناصر الدولة بن حمدان إلى بغداد، فبلغ ذلك البريدي (١١)، فخرج عن بغداد، وأقام البلد ثلاثة أيام بغير سلطان، ففتحت السجون، وشلّح الناس نهارا في الطرقات. ودخل المتّقي وناصر الدولة إلى

стр. 34

بغداد. وأصعد (١) جيش البريدي (٢)، وعاد إليها، فسار علي بن حمدان للقايه في ذي القعدة سنة ثلاثين وثلاثمائة فهزمه وأسر جماعة من غلمانه، وانحدر إلى واسط (٣). [البريدي يسير إلى البصرة] وسار البريدي (٤) إلى البصرة. [المتّقي يلقّب علي بن حمدان بسيف الدولة] ولقّب المتّقي علي بن حمدان بسيف الدولة وخلع عليه (٥). [القبض على القراريطي ومصادرته] وقبض ناصر الدولة على الوزير محمد بن أحمد القراريطي وصادره. [سنة ٣٣١ هـ] [أحمد بن عبد الله الأصفهاني يتقلد الوزارة] وقلّد المتّقي وزارته لأحمد بن عبد الله الأصفهاني يوم الثلاثا لاثني عشر ليلة بقيت من رجب سنة أحد وثلاثين وثلاثمائة، فكان اسم الوزارة واقع عليه، والمدبّر للأمور أحمد بن علي الكوفي بواسط (٦). وشعّث الأتراك (بواسط) (٧) على سيف الدولة، فخرج عنها (٨)، وروّسوا (كذا) عليهم غلاما منهم يسمّى بورون (٩)، وخافه ناصر الدولة، فخرج من بغداد، واستتر كاتبه أحمد بن علي الكوفي (١٠).

стр. 35

[القراريطي يدبّر الأمر بعد استتار الكوفي] ودبّر الأمر محمد بن أحمد القراريطي بن أسد (١) الفزاري، من غير تسمية وزارة (٢). ثم استوزر المتّقي أبا الحسين (٣) علي بن محمد بن مقلة يوم الثلاثا لثمان خلون من شهر رمضان سنة أحد وثلاثين وثلاثمائة (٤). [عودة توزون إلى واسط واستكتابه ابن شيرزاد] وطلع بورون (٥) من واسط إلى بغداد، وخلع المتّقي عليه، وجعله أمير الأمرا، وردّ إلى كاتبه محمد بن القاسم الكرخي النظر (٦) في الأمور على ما كان عليه أحمد بن علي الكوفي، فنظر فيها من [غير] تسمية بوزارة (٧)، ثم أفرد فيها أبو الحسين (٨) علي بن محمد بن مقلة، وردّ التدبير وسائر الأعمال إليه (٩). وعاد بورون (١٠) إلى واسط، وسار كاتبه محمد بن القاسم الكرخي معه، وبعد (١١) استكتب محمد بن يحيى بن شيرزاد (١٢) ونظر في الأمور كلّها كما كان الكرخي ينظر (١٣)»] (١٤). ... وأمّا كرسي الإسكندرية فلبثت بعد أنبا أفتيشيوس بغير بطريرك سنة

стр. 36

واحدة، ووقع اختيار جماعة النصارى الملكية من أهل مصر على راهب من المصّيصة يسمّى إسحاق يسكن في بريّة طورسينا، وكان رجلا زاهدا (١) أديبا متقشّفا، فلما بلغه ذلك هرب إلى الشّراة (٢)، وسكن في طور بها يعرف بطور أيوب، فأنفذوا من أشخصه عن أمر السلطان من الموضع الذي كان فيه، إلى أن أحضره إلى بيت المقدس، وخرج الأساقفة المقيمون في أعمال الإسكندرية إلى بيت المقدس، ولم يكن لهم بذلك رسم متقدّم، فصلّى عليه خريصطودلس (٣) بن مهران بطريرك بيت المقدس مع الأساقفة (٤)، وصار (٥) من هناك إلى عمله، وأقام في الرئاسة ثلاث عشرة سنة، ومات. ... [غزوة الروس إلى القسطنطينية] وفي هذه السنة غزا الروس القسطنطينية وبلغوا إلى باب أقروبلي في بحر الخزر، وقاتلهم الروم وطردوهم [واستظهروا عليهم] (٦) ... [الروم يغزون ديار بكر] وفي سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة وافت جيوش (٧) الروم إلى ديار بكر وسبوا من أهلها جماعة كثيرة، وفتحوا أرزن (٨) وأخربوا عامّة بلدها، وبلغوا قرب نصيبين (٩) والتمسوا من أهل الرّها أن يدفعوا لهم أيقونة المنديل (١٠)

стр. 37

الذي كان سيّدنا يسوع المسيح مسح به وجهه وصارت صورة وجهه فيه، وبدل (١) لهم الروم أنهم إذا سلّموهم هذا المنديل أطلقوا من الأسارى (٢) المسلمين الذين بيدهم عدادا (٣) ذكروه لهم، فكاتبوا المتّقي ببغداد (٤) بذلك، [المتّقي يستفتي الفقهاء في طلب الروم لمنديل المسيح ﵇] وعرض الوزير أبو الحسن بن مقلة على المتّقي الوارد في هذا المعين (٥) واستأذنه فيما يعمله، فأمره بإحضار القضاة والفقهاء واستفتاءهم (٦) في ذلك، والعمل بما يقولون، فاستحضرهم الوزير أبو الحسن بن مقلة، واستحضر عليّ بن عيسى والوجوه من أهل المملكة، وعرّفهم ما ورد في هذا المعين (٧) وسألهم عمّا عندهم فيه، وجرى في ذلك خطب عظيم (٨) ذكر فيه بعض من حضر حال هذا المنديل، وأنه منذ الدهر الطويل (في كنيسة الرّها) (٩) لم يلتمسه ملك من ملوك الروم، وإنّ في دفعه غضاضة على الإسلام، والمسلمون أحقّ بمنديل عيسى ﵇ وفيه صورته، فقال عليّ بن عيسى (١٠): إنّ خلاص المسلمين من الأسر وإخراجهم من دار الكفر معما يقاسونه من الضّنك والضرّ أوجب وأحق، ووافقته جماعة من حضر على قوله، وأشار هو وغيره من قضاة المسلمين بتسليم (١١) الأسارى منهم، وتسليم المنديل إليهم إذ لا طاقة للسلطان بهم ولا له حيلة في استنفاذ (١٢)

стр. 38

الأسارى من أيديهم، وعمل في ذلك محضرا، وأخذ خطوط الجماعة الذين حضروا، وعرض على المتّقي، فأمر (١) بكتب الجواب بالعمل (٢) بذلك، واستقرّ الأمر بين أهل الرّها وبين الروم على أن دفعوا لهم مائتي نفس من المسلمين ممن كانوا أسروهم (٣) الروم، وشرط أهل الرّها عليهم ألاّ يعبروا (٤) فيما بعد على بلدهم، وعقدوا بينهم هدنة مؤبّدة، وتسلّموا (٥) الروم المنديل وحملوه إلى القسطنطينية/٨٥ ب/ودخل به إليها فى اليوم الخامس عشر من شهر آب. وخرج أسطفان (٦) والبطريرك تاوفيلقطس أخوه، وقسطنطين أولاد رومانوس الملك إلى باب الذهب مستقبلين له، ومشوا (٧) أهل الدولة بأجمعهم بين يديه بالشمع الكثير، وحمل إلى الكنيسة العظمى أجيّا صوفيا ومنها إلى البلاط. وذلك في السنة الرابعة والعشرون (٨) منذ ملك رومانيوس (٩) الشيخ مع قسطنطين بن لاون. ولم تزل هذه الهدنة مستمرّة بين الروم (١٠) وبين أهل الرّها إلى أن نقضها سيف الدولة في سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، فإنه (١١) ألزم أهل الرّها (١٢) الغزو معه في سنة غزاة المصّيصة، فهلك فيها كثير منهم (١٣).

стр. 39

[سنة ٣٣٢ هـ .] [الروم يستولون على مدينة دارا] ثم عاد (١) الروم إلى ديار بكر في هذه السنة وفتحوا مدينة دارا يوم الخميس لعشر خلون من شهر رمضان سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة، وأقاموا فيها يومين، ورجعوا دفعة أخرى [الروم يدخلون رأس عين] ودخلوا رأس عين يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة (٢) اثنين وثلاثين وثلاثمائة، فأقاموا فيها يومين، وسبوا من أهلها زهاء (٣) ألف نفس وانصرفوا (٤). ... وتوفّي (٥) ثاودوسيوس بطريرك أنطاكية وله في الرئاسة سبع سنين، وخيّر (٦) بعده تاوخاريسطوس (٧) بطريركا على أنطاكية، أقام أربع سنين وتوفّي (٨). ...

стр. 40

[المتّقي يستوحش من توزون ويخرج إلى بني حمدان بالموصل] واستوحش المتّقي من توزون (١) فخرج من بغداد، وأمر الكتّاب والقوّاد بالخروج معه، وصار (٢) إلى الموصل وقصد بني حمدان، واتّصل ذلك بتوزون (٣) فجرّد موسى بن سليمان في ألف رجل إلى بغداد، فأقبل إلى باب الشمامسة ونزل هناك، وأقام توزون بواسط أياما وصعد إلى بغداد وملكها، فتوجّه سيف الدولة لحربه، فالتقيا أسفل تكريت، وتحاربا أياما، فانهزم سيف الدولة (٤)، وملك توزون تكريت، وعاد سيف الدولة إليه وجرى بينهما وقعة ثانية، وانهزم سيف الدولة أيضا إلى الموصل. وصار (٥) المتّقي وناصر الدولة وأخوه سيف الدولة والجماعة عن الموصل إلى نصيبين (٦) ورحلوا عنها إلى الرّقّة (٧)، وملك توزون الموصل. وأنفذ المتّقي من الرّقّة إلى توزون يلتمس منه الصلح، فأجاب إلى ذلك، وأحضر توزون القضاة والعدول والعبّاسيين (٨) ومشايخ الكتّاب، وحلف بين أيديهم (٩) للمتّقي، وكتب بذلك كتابا وقّعت فيه شهادة من حضر على توزون (١٠) بالصلح (١١).
следующие страницы →