← Фикх общий

Фикх общий · id 14516

غربة الإسلام

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (956 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

غُرْبَةُ الْإِسْلَام تَألِيف الشَّيْخ حمود بن عَبد اللهِ التُّوَيجري ﵀ ١٣٣٤ هـ - ١٤١٣ هـ طُبع بإشراف أَبنَاء الشَّيْخ ﵀ حقق نَصه وعلق عَلَيْهِ عبَّد الكَريم بن حمود التُّوَيجري دَار الصميعي للنشر والتوزيع

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقدمة ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٥]. الحمد لله الذي عمَّ البرية بجُوده، وأسبغ عليهم نعمه وفضله، ووالى عليهم إحسانه، وَصَلَ عمل من شاء منهم بعد مماته، وأجرى له الأجر بعد فراق دنياه، وأخبرنا على لسان رسوله ﷺ أنه «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة؛ إلا من صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (١). وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، اختار أهل العلم واصطفاهم، وعلى علم ارتضاهم، رفع شأنهم، وبتحقيق الخشية اختصهم، فقال : ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٨]. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه وخليله، إمام المتقين وقدوة السالكين، ورَّث العلم للعالمين، فكانوا ورثة النبيين ومصابيح السالكين، كشف الله بهم الحق ودلَّ الخلق، وأوضح المحجة وأقام الحجة، أحيا

стр. 3

بهم موتى القلوب وأنار بعلمهم الدروب. صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه؛ صلاة وسلاما دائمين إلى يوم الدين. أما بعد: فمن فضل الله سبحانه على والدنا الشيخ حمود بن عبد الله التويجري -أسبغ الله عليه الرحمة والرضوان- أنه ما إن شب عن الطوق إلا وحادي الرشاد ينادي بشوق: أدرِك ركب الخِيَرة، والحق بأهل النضرة، واحظ بنصيبك من الميراث النبوي. فأجاب الداعي بنفسٍ إلى العلى توَّاقة، وهمة سامية وقَّادة، نهل من معين علماء عصره وعلّ، ولازم فقهاء مصره فما كلّ ولا ملّ، حفظ وقته من الضياع، وعمره بالقراءة والاطلاع، فما زال الكتاب جليسه والقلم أنيسه، قرأ في شتى الفنون، وخط يراعه عددا من المتون، جمع الشرائد ورتَّب الفوائد ونظم القلائد، ولما بلغ أشده واستوى سوق علمه، سمت همته للبذل والعطاء مما نهل منه وارتوى؛ استجابة لنداء ربه : ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، ولِمَا وعى من توجيه حبه ﷺ لأمته بقوله: «الدين النصيحة» متفق عليه (١). اتجه ﵀ لبذل العلم ونَشْره، وتبصير الناس بأمور دينهم، وما به

стр. 4

نفعهم وصلاحهم في معاشهم ومعادهم، فجلس للطلاب وتولى الخطابة وقام بالحسبة، وسطر النصائح والمواعظ للعامة والخاصة، ثم اتجهت همته إلى التأليف والتصنيف؛ إيضاحا للحق وبيانا للسنة وردا للباطل ودفاعا عن الملة، وقد أمضى في ذلك جُلّ وقته وعامة عمره، فكان حصيلة ذلك نتاجا علميا ربى على الستين مؤلفا؛ طبع عامتها في حياته، ونسأل الله أن ييسر ظهور الجميع في تمام. ومما خطَّه يراعه وسطره قلمه ﵀ هذا الكتاب الذي بين أيدينا، وهو كتاب عظيم النفع جليل القدر، لم يتسن له ﵀ إكماله، ولعل انشغاله بغيره مما رأى أهمية تقديمه صرف النظر عن إكماله في وقته. وحيث لم يكمله ﵀ لم يُسمِّه، فسميناه بأول وصفٍ وصَفَ به الكتاب في مقدمته (١). والكتاب مسوَّدةٌ كثير الحواشي، واللَّحق، والإحالات، والتقديم والتأخير. والموجود منه يقع في ثلاثمائة وثلاثين صفحة من الورق المسطر؛ قياس الصفحة ٢٩سم طولا، و٢١سم عرضا (٢). والكتاب من أوائل مؤلفاته ﵀ إن لم يكن هو أولها، ولعل تصنيفه كان بين عام ١٣٧٥ - ١٣٨٠هـ وذلك لأمور:

стр. 5

أولها: نوع الخط ولون المداد؛ فهو شبيه بما كتبه في ذلك الزمن وإن كان الخط أدق، ولعل ذلك عائد إلى تغير نوعية القلم المستعمل في الكتابة. ثانيها: نوع الورق؛ حيث كان استعماله للورق المسطر -المسمى بالحجازي أو الفرخ- على حاله دون طي من أواخر الستينات إلى نهاية السبعينات الهجري، حسب تتبع ذلك وسبره. ثالثها: وجود بعض الشواهد في ثنايا الكتاب على ارتباطه بتلك الفترة ومن ذلك: ١ - ما ذكره في صفحة ١٤٣ من أن التعداد السكاني للمسلمين في ذلك الوقت أو قبله بقليل كان أربعمائة مليون، نقلا عن المهتمين بذلك، وهذا العدد بالسبر وتتبع المقالات والدوريات المهتمة بهذا الشأن يوافق تلك الحقبة. ٢ - ما ذكره في صفحة ٢٣٢، نقلا عن بعض الصحفيين؛ أن الزوار لمولد البدوي في سنة ألف وثلاثمائة وأربع وسبعين بلغوا خمسين ألفا تقريبا. وقد جرت العادة أن الكاتب يذكر آخر إحصاء جرى قبل كتابته؛ ليتحقق به المقصود من إيراد الشاهد. ولتقدم هذا الكتاب وكونه من أول مؤلفات الوالد ﵀ كان مصدرا لما كتبه بعد ذلك، فقد وجِدت نقول منه في بعض كتبه اللاحقة؛ كإتحاف الجماعة وغيره. وقد ضرب ﵀ على مواضع عديدة من الكتاب؛ منها ما نقله إلى كتب أخرى ألّفها بعد هذا الكتاب وأشار إلى ذلك في الحاشية -وتأتي

стр. 6

الإشارة إليه في موضعه- ومنها ما ضرب عليه ولم يوجد في شيء من كتبه، ولعله لم يرتضه أو عدل عن وضعه في ذلك الموضع. وقد وجد في منثور أوراقه ﵀ ثلاث عشرة صفحة اشتملت على عناصر لهذا الموضوع، وقد ضرب على بعضها علامة على استكمال بحثها وجَمْع المادة العلمية المتعلقة بها، وأشار أمام بعضها إلى بعض النصوص الواردة حول ذلك العنصر أو بعض مراجعه. ولعل ما أكمله من تلك العناصر قد أودعه بعض كتبه الأخرى التالية لهذا الكتاب؛ فمنها عناصر عن المعازف والغناء، ولعله أودعها كتابه "فصل الخطاب في الرد على أبي تراب"، ومنها عناصر تتعلق بالتبرج والسفور، ولعله أودعها كتابه "الصارم المشهور على أهل التبرج والسفور"، ومنها عناصر عن الخمر والمسكرات، ولعله أودعها كتابه "الدلائل الواضحات على تحريم المسكرات والمفترات"، ومنها ما لم يرد في شيء من ذلك. وقد اقتصر العمل على إخراج نص الكتاب -إذ هو المقصود- دون تزيُّد بإثقاله بالحواشي والتعليقات، إلا ما دعت إليه الحاجة في موضعه. وأخيرا تمت إضافة فهرس للموضوعات لتسهيل الوصول إلى الغاية وتقريب محتويات الكتاب. والله نسأل أن يجزي الشيخ الوالد -رحمه الله تعالى- خير الجزاء، وينفع بالكتاب كاتبه وقارئه وسامعه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 7

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله القوي المتين، المتفرد بالتدبير والتكوين، الغني عن العالمين أجمعين، فلا تنفعه طاعات المطيعين، ولا تضره معاصي العاصين، خلق الجن والإنس ليعبدوه ويطيعوا أمره ولا يعصوه، وحذّر العاصين من وبيل عقابه كما حل بكثير من الماضين، فقال -تعالى- وهو أصدق القائلين: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَانَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ﴾ [الأنعام: ٦]، وقال -تعالى- مخبرا عن قوم آخرين: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٥ - ١٦٦]. أحمده سبحانه أن أتم علينا نعمته، وأكمل لنا الدين، ورضي لنا الإسلام دينا واصطفاه لنا على كل دين ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]. وأشكره أن هدانا إلى ملة أبينا إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين، وأسأله تعالى متوسلا إليه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يصلح حالي وأحوال المسلمين، ويجعلنا بمنِّه وكرمه من عباده المتقين، الذين كرَّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان فكانوا من الرائدين، ونعوذ بالله من فتن المضلين، ومن خطوات الشياطين وإخوان الشياطين.

стр. 8

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وخليله الصادق الأمين، بعثه الله رحمة للعالمين وحُجة على المعاندين، وأيَّده بالآيات والمعجزات والبراهين، فعلّم به من الجهالة، وهدى به من الضلالة، وبصّر به من العمى، وأرشد به من الغي، وفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا، وجعله حرزا للأميين، ولم يزل منذ بعثه الله برسالته قائما بأمر ربه على أكمل الوجوه وأفضلها؛ يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ويبين للناس ما نزل إليهم من ربهم غاية التبيين، حتى ترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا من كان من الهالكين، وما من شيء يقربهم من الجنة إلا وقد أمرهم به، وما من شيء يقربهم من النار إلا وقد حذرهم منه؛ ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حيّ عن بينة، والله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين، فجزى الله عنا نبينا أفضل ما جزى أحدا من الأولين والآخرين، فلقد بلغ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصح أمته غاية النصح، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد الله حتى أتاه اليقين، صلوات الله وسلامه ورحمته وبركاته عليه دائما إلى يوم الدين، وعلى سائر إخوانه من المرسلين والنبيين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. أما بعد: فهذا كتاب في بيان غربة الإسلام الحقيقي وأهله في هذه الأزمان، وذكر الأسباب العاملة في هدم الإسلام وطمس أعلامه وإطفاء نوره، دعاني إلى جمعه ما رأيته من كثرة النقص والتغيير في أمور الدين،

стр. 9

وما عمَّ البلاء به من المنكرات التي فشت في المسلمين، وابتُلى ببعضها كثير من المنتسبين إلى العلم والدين فضلا عن غيرهم من جهال المسلمين. ولما كان العمل بالمعاصي من أعظم الإفساد في الأرض؛ لما يترتب على ذلك من نزع البركات، ووقوع الفتن والهلكات، كما قال كثير من المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦]: إن إفسادها بالمعاصي والدعاء إلى غير طاعة الله، وكان أيضا شؤم المعاصي لا يختص بالمسيئين، بل يعُمّ من باشر الذنب ومن لم يباشره، إذا ظهر ذلك ولم يُغيَّر، كان من أهم الأمور عندي بيان ما وقع فيه الأكثرون من المخالفات والتحذير من شؤمها وسوء عاقبتها، وحث المؤمنين عامة وولاة الأمور وأهل العلم خاصة على تغيير ما ظهر منها قبل أن يصيبهم الله بعذاب يعم الصالح والطالح، فقد قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]، قال ابن عباس ﵄: أمر الله المؤمنين أن لا يُقرّوا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بعذاب يصيب الظالم وغير الظالم. وفي المسند وصحيح مسلم والسنن الأربع عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان»، وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن،

стр. 10

ومَن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبه خردل» ورواه الإمام أحمد في مسنده مختصرا. وأرجوا من كرم الله تعالى وجوده إتمام ما قصدتُ من البيان والتحذير، وأن يجعل في ذلك براءة للذمة من واجب الجهاد والتغيير، وأسأله تعالى أن يمنَّ عليّ وعلى جميع المسلمين بالإنابة إليه والتوكل في كل الأمور عليه، فإنه لنعم المولى ونعم النصير.

стр. 11

فصل وقد ورد في غربة الإسلام أحاديث كثيرة نذكر منها ما تيسر إن شاء الله تعالى، وبه الثقة وعليه التكلان. الحديث الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا، فطوبى للغرباء» رواه مسلم وابن ماجة. الحديث الثاني: عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية في جحرها» رواه مسلم، ورواه الحافظ محمد بن وضاح في كتاب "البدع والحوادث" ولفظه: «بدأ الإسلام غريبا ولا تقوم الساعة حتى يكون غريبا، فطوبى للغرباء حين يفسد الناس، ثم طوبى للغرباء حين يفسد الناس». الحديث الثالث: عن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ قال: «إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء» رواه ابن ماجة. الحديث الرابع: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا، فطوبى للغرباء» قال: قيل: ومن الغرباء؟ قال: «النّزّاع من القبائل» رواه الإمام أحمد وابنه عبد الله، والترمذي وابن ماجة والدارمي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن مسعود، قال: وفي الباب عن سعد وابن

стр. 12

عمر وجابر وأنس وعبد الله بن عمرو ﵃. الحديث الخامس: عن سعد بن أبي وقاص ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الإيمان بدأ غريبا وسيعود كما بدأ، فطوبى يومئذ للغرباء إذا فسد الناس، والذي نفس أبي القاسم بيده ليأرزن الإيمان بين هذين المسجدين كما تأرز الحية في جحرها» رواه الإمام أحمد. الحديث السادس: عن سلمان الفارسي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء» رواه الطبراني. وله أيضا عن جابر وابن عباس ﵃ مرفوعا مثل ذلك (١)، وزاد في حديث جابر: قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: «الذين يصلحون عند فساد الناس». الحديث التاسع: عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء» قيل: مَن الغرباء يا رسول الله؟ قال: «الذين يصلحون إذا فسد الناس» رواه الطبراني. الحديث العاشر: عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الدين ليأرز إلى الحجاز كما تأرز الحية إلى جحرها، وليعقلن الدين من الحجاز معقل الأرويّة من رأس

стр. 13

الجبل، إن الدين بدأ غريبا ويرجع غريبا، فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي» رواه الترمذي وقال: حديث حسن، ورواه أبو نعيم في الحلية مختصرا، ورواه إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني بإسناده عن كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «إن هذا الدين بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء» قيل: يا رسول الله، مَن الغرباء؟ قال: «الذين يُحيون سنتي من بعدي ويُعلِّمونها عباد الله». الحديث الحادي عشر: عن بكر بن عمرو المعافري قال: قال رسول الله ﷺ : «طوبى للغرباء الذين يتمسكون بالكتاب حين يُترك ويعملون بالسنة حين تُطفأ» رواه الحافظ محمد بن وضاح. الحديث الثاني عشر: عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ ذات يوم ونحن عنده: «طوبى للغرباء» فقيل: مَن الغُرباء يا رسول الله؟ قال: «ناس صالحون قليل في ناس سوء كثير من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم» رواه الإمام أحمد والطبراني. ورواه الحافظ محمد بن وضاح بلفظ: «من يبغضهم أكثر ممن يحبهم»، وعنده في أوله: «طوبى للغرباء» ثلاث مرات. وكذلك في روايته للإمام أحمد: «طوبى للغرباء» ثلاث مرات. الحديث الثالث عشر: عنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أحب شيء إلى الله الغرباء» قيل: ومَن الغُرباء؟ قال: «الفرَّارون بدينهم،

стр. 14

يبعثهم الله يوم القيامة مع عيسى ابن مريم ﵊» رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في زوائد الزهد وأبو نعيم في الحلية من طريقه، قال عبد الله: سمعت سفيان بن وكيع يقول: إني لأرجو أن يكون ابن حنبل منهم. قال القاضي عياض: روى ابن أبي أويس، عن مالك -رحمه الله تعالى- معنى «بدأ غريبا» أي: بدأ الإسلام غريبا في المدينة، وسيعود إليها. انتهى. قلت: ويستدل لهذا القول بما في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها»، قال الجوهري: أي ينضم إليها ويجتمع بعضه إلى بعض فيها. انتهى. وروى أبو داود في سننه، والطبراني في الصغير، والحاكم في مستدركه عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «يوشك المسلمون أن يحاصروا إلى المدينة حتى يكون أبعد مسالحهم سلاح»، قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي في تلخيصه، زاد أبو داود: قال الزهري: وسلاح قريب من خيبر. وروى الطبراني في الصغير أيضا من طريق الزهري عن قبيصة بن ذؤيب الخزاعي وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يوشك أن يكون أقصى مسالك المسلمين بسلاح»، وسلاح من خيبر. وقد رواه الحاكم في مستدركه من حديث الزهري عن سالم أنه سمع

стр. 15

أبا هريرة ﵁ يقول: «يوشك أن يكون أقصى مسالح المسلمين سلاح»، وسلاح قريب من خيبر. قال القاضي عياض -رحمه الله تعالى-: وظاهر الحديث العموم، وأن الإسلام بدأ في آحاد الناس وقلة، ثم انتشر وظهر، ثم سيلحقه النقص والإخلال حتى لا يبقى إلا في آحاد وقلة أيضا كما بدأ. انتهى. قلت: وقد سبقه إلى تقرير هذا المعنى الإمام أبو بكر الطرطوشي رحمه الله تعالى في كتابه "إنكار الحوادث والبدع" لما ذكر قوله ﷺ : «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ» قال: ومعنى هذا أن الله لما جاء بالإسلام فكان الرجل إذا أسلم في قبيلته غريبا مستخفيا بإسلامه قد جفاه العشيرة فهو بينهم ذليل خائف، ثم يعود غريبا لكثرة أهل الأهواء المضلة والمذاهب المختلفة حتى يبقى أهل الحق غرباء في الناس لقلتهم وخوفهم على أنفسهم. انتهى. وقد قرر هذا المعنى أيضا الحافظ ابن رجب وأطال الكلام عليه، وكذلك شيخه العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى وغير واحد من المحققين؛ قال ابن رجب رحمه الله تعالى: قوله: «بدأ الإسلام غريبا» يريد به أن الناس كانوا قبل مبعثه على ضلالة عامة كما قال النبي ﷺ في حديث عياض بن حمار الذي أخرجه مسلم: «إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب»، فلما بُعث النبي ﷺ ودعا إلى الإسلام لم يستجب له في أول الأمر إلا الواحد بعد الواحد من كل قبيلة، وكان المستجيب له خائفا من عشيرته وقبيلته، يؤذى غاية الأذى ويُنال منه،

стр. 16

وهو صابر على ذلك في الله ، وكان المسلمون إذ ذاك مستضعفين يُشرّدون كل مُشرّد ويهربون بدينهم إلى البلاد النائية؛ كما هاجروا إلى الحبشة مرتين، ثم هاجروا إلى المدينة، وكان منهم من يُعذّب في الله ومنهم من يُقتل، فكان الداخلون في الإسلام حينئذ غرباء، ثم ظهر الإسلام بعد الهجرة إلى المدينة وعزّ، وصار أهله ظاهرين كل الظهور، ودخل الناس بعد ذلك في دين الله أفواجا، وأكمل الله لهم الدين، وأتم عليهم النعمة، وتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك، وأهل الإسلام على غاية من الاستقامة في دينهم، وهم متعاضدون متناصرون، وكانوا على ذلك في زمن أبي بكر وعمر ﵄ ثم عمل الشيطان مكائده على المسلمين، وألقى بأسهم بينهم وأفشا فيهم فتنة الشبهات والشهوات، ولم تزل هاتان الفتنتان تتزايدان شيئا فشيئا حتى استحكمت مكيدة الشيطان وأطاعه أكثر الخلق؛ فمنهم من دخل في طاعته في فتنة الشبهات، ومنهم من دخل في فتنة الشهوات، ومنهم من جمع بينهما، وكل ذلك مما أخبر النبي ﷺ بوقوعه. فأما فتنة الشبهات فقد روي عن النبي ﷺ من غير وجه أن أمته ستفترق على أزيد من سبعين فرقة، على اختلاف الروايات في عدد الزيادة على السبعين، وأن جميع تلك الفرق في النار إلا فرقة واحدة، وهي ما كانت على ما هو عليه وأصحابه ﷺ . وأما فتنة الشهوات ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: «كيف أنتم إذا فتحت عليكم خزائن فارس

стр. 17

والروم، أي قوم أنتم؟» قال عبد الرحمن بن عوف: نكون كما أمرنا الله، قال: «أو غير ذلك؛ تتنافسون، ثم تتحاسدون، ثم تتدابرون». وفي صحيح البخاري عن عمرو بن عوف عن النبي ﷺ قال: «والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسونها، فتهلككم كما أهلكتهم». وفي الصحيحين من حديث عقبة بن عامر ﵁ عن النبي ﷺ معناه أيضا. ولما فُتحت كنوز كسرى على عمر بن الخطاب ﵁ بكى، فقال: إن هذا لم يُفتح على قوم قط إلا جعل الله بأسهم بينهم. أو كما قال. وكان النبي ﷺ يخشى على أمته هاتين الفتنتين كما في مسند الإمام أحمد عن أبي برزة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن مما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومُضلّات الفتن»، وفي رواية: «ومضلّات الهوى» فلما دخل أكثر الناس في هاتين الفتنتين أو إحداهما أصبحوا متقاطعين متباغضين بعد أن كانوا إخوانا متحابين متواصلين، فإن فتنة الشهوات عمّت غالب الخلق ففُتنوا بالدنيا وزهرتها وصارت غاية قصدهم، لها يطلبون، وبها يرضون ولها يغضبون، ولها يوالون وعليها يعادون، فقطعوا لذلك أرحامهم، وسفكوا دماءهم، وارتكبوا معاصي الله بسبب ذلك. وأما فتنة الشبهات والأهواء المضلة فبسببها تفرق أهل القبلة وصاروا شيعا، وكفّر بعضهم بعضا، وأصبحوا أعداء وفرقا وأحزابا بعد أن كانوا إخوانا، قلوبهم على قلب رجل واحد، فلم ينج من هذه الفرق كلها إلا

стр. 18

الفرقة الواحدة الناجية، وهم المذكورون في قوله ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك»، وهم في آخر الزمان الغرباء المذكورون في الأحاديث؛ الذين يصلحون إذا فسد الناس، وهم الذين يصلحون ما أفسد الناس من السنة، وهم الذين يفرُّون بدينهم من الفتن، وهم النّزّاع من القبائل؛ لأنهم قلُّوا فلا يوجد في كل قبيلة منهم إلا الواحد والاثنان، وقد لا يوجد في بعض القبائل منهم أحد كما كان الداخلون في الإسلام في أول الأمر كذلك، وبهذا فسر الأئمة هذا الحديث، قال الأوزاعي في قوله ﷺ : «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ»: أما إنه ما يذهب الإسلام، ولكن يذهب أهل السنة حتى ما يبقى في البلد منهم إلا رجل واحد. ولهذا المعنى يوجد في كلام السلف كثيرا مدح السنة، ووصفها بالغربة ووصف أهلها بالقلة، فكان الحسن رحمه الله تعالى يقول لأصحابه: يا أهل السنة، ترفقوا رحمكم الله، فإنكم من أقل الناس. وقال يونس بن عبيد: ليس شيء أغرب من السنة، وأغرب منها من يعرفها. ورُوي عنه أنه قال: أصبح من إذا عرّف بالسنة فعرفها غريبا، وأغرب منه من يعرفها. وعن سفيان الثوري قال: استوصوا بأهل السنة خيرا، فإنهم غرباء. ومراد هؤلاء الأئمة بالسنة: طريقة النبي ﷺ التي كان عليها هو وأصحابه، السالمة من الشبهات والشهوات، ولهذا كان الفضيل بن عياض

стр. 19

يقول: أهل السنة من عرف ما يدخل في بطنه من حلال، وذلك لأن أكل الحلال من أعظم خصال السنة التي كان عليها النبي ﷺ وأصحابه ﵃، ثم صار في عُرف كثير من العلماء المتأخرين من أهل الحديث وغيرهم، السنة عبارة عن ما سلم من الشبهات في الاعتقادات، خاصة في مسائل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وكذلك في مسائل القدر وفضائل الصحابة، وصنفوا في هذا العلم تصانيف وسموها كتب السنة. وإنما خصُّوا هذا العلم باسم السنة لأن خطره عظيم، والمخالف فيه على شفا هلكة. وأما السُنة الكاملة فهي الطريقة السالمة من الشبهات والشهوات كما قال الحسن ويونس بن عبيد وسفيان والفضيل وغيرهم، ولهذا وصف أهلها بالغربة في آخر الزمان لقلتهم وغربتهم فيه، ولهذا ورد في بعض الروايات في تفسير الغرباء: «قوم صالحون قليل في قوم سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم»، وفي هذا إشارة إلى قلة عددهم وقلة المستجيبين لهم والقابلين منهم وكثرة المخالفين لهم والعاصين لهم، ولهذا جاء في أحاديث متعددة مدح المتمسك بدينه في آخر الزمان وأنه كالقابض على الجمر، وأن للعامل منهم أجر خمسين ممن قبلهم؛ لأنهم لا يجدون أعوانا في الخير، وهؤلاء الغرباء قسمان: أحدهما: من يصلح نفسه عند فساد الناس. والثاني: من يصلح ما أفسد الناس من السنة، وهو أعلى القسمين وهو أفضلهما.

стр. 20

وفي مسند الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت ﵁ أنه قال لرجل من أصحابه: يوشك إن طالت بك الحياة أن ترى الرجل قد قرأ القرآن على لسان محمد ﷺ فأعاده وأبداه، وأحلّ حلاله وحرّم حرامه، ونزل عند منازله، لا يجوز فيكم إلا كما يجوز الحمار الميت، ومثله قول ابن مسعود ﵁: يأتي على الناس زمان يكون المؤمن فيه أذل من الأَمَة، وإنما ذُلّ المؤمن آخر الزمان لغربته بين أهل الفساد من أهل الشبهات والشهوات، فكلهم يكرهه ويؤذيه لمخالفة طريقته لطريقتهم ومقصوده لمقصودهم، ومباينته لما هم عليه. انتهى المقصود من كلام ابن رجب رحمه الله تعالى. وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [هود: ١١٦]: الغرباء في هذا العالم هم أهل هذه الصفة المذكورة في هذه الآية وهم الذين أشار إليهم النبي ﷺ في قوله: «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء» قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: «الذين يصلحون إذا فسد الناس»، وفي حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ ذات يوم ونحن عنده: «طوبى للغرباء» قيل: مَن الغرباء يا رسول الله؟ قال: «ناس صالحون قليل في ناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم»، فأهل الإسلام بين أكثر الناس غرباء، وأهل الإيمان بين أهل الإسلام غرباء، وأهل العلم في المؤمنين غرباء، وأهل السنة الذين تميزوا بها عن أهل الأهواء والبدع فيهم غرباء، والداعون إليها الصابرون على أذى المخالفين لهم أشد غربة، ولكن هؤلاء هم أهل

стр. 21

الله حقا فلا غربة عليهم وإنما غربتهم بين الأكثرين، قال الله تعالى فيهم: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦]، فأولئك هم الغرباء عن الله ورسوله ودينه، وغربتهم هي الغربة الموحشة وإن كانوا هم المعروفين المشار إليهم. فالغربة ثلاثة أنواع: غربة أهل الله وأهل سنة رسوله بين هذا الخلق؛ وهي الغربة التي مدح رسول الله ﷺ وأخبر عن الدين الذي جاء به أنه بدأ غريبا، وأنه سيعود غريبا، وأن أهلها يصيرون غرباء. وقال الحسن: المؤمن في الدنيا كالغريب لا يجزع من ذلها، ولا ينافس في عزها، للناس حال وله حال، ومن صفات هؤلاء الغرباء الذين غبطهم النبي ﷺ التمسك بالسنة إذا رغب عنها الناس، وترك ما أحدثوه وإن كان هو المعروف عندهم، وتجريد التوحيد وإن أنكر ذلك أكثر الناس، وترك الانتساب إلى أحد غير الله ورسوله، لا طريق ولا مذهب ولا طائفة، بل هؤلاء الغرباء ينتسبون إلى الله بالعبودية له وحده وإلى رسوله بالإتباع لما جاء به وحده، وهؤلاء هم القابضون على الجمر حقا، فلِغُربتهم بين هذا الخلق يعدونهم أهل شذوذ وبدعة، ومفارقة للسواد الأعظم، وقال النبي ﷺ إنهم النزاع من القبائل، ومعناه أن الله بعث رسوله ﷺ وأهل الأرض على أديان مختلفة فهم بين عبّاد أوثان، وعبّاد نيران، وعبّاد صلبان، ويهود، وصابئة، وفلاسفة، فكان الإسلام في أول ظهوره غريبا، فكان من أسلم منهم واستجاب لله ورسوله

стр. 22

غريبا في حيّه، وقبيلته، وقريته، وأهله، وعشيرته، وكان المستجيبون لدعوة الإسلام نزاعا من القبائل آحادا منهم، تغربوا عن قبائلهم وعشائرهم فكانوا هم الغرباء حقا حتى ظهر الإسلام وانتشرت دعوته ودخل الناس فيه أفواجا، ثم أخذ في الاغتراب حتى عاد غريبا كما بدأ، بل الإسلام الحق الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه اليوم أشد منه غربة في أول ظهوره وإن كانت أعلامه ورسومه الظاهرة مشهورة معروفة، فالإسلام الحقيقي غريب جدا وأهله غرباء بين الناس، وكيف لا تكون فرقة واحدة قليلة جدا غريبة بين اثنتين وسبعين فرقة ذات أتباع ورياسات ومناصب وولايات لا يقوم لها سوق إلا بمخالفة ما جاء به الرسول ﷺ ، فإن نفس ما جاء به يضاد أهواءهم ولذاتهم وما هم عليه من الشبهات التي هي منتهى فضيلتهم وعلمهم، والشهوات التي هي غاية مقاصدهم وإرادتهم، فكيف لا يكون المؤمن السائر إلى الله على طريق المتابعة غريبا بين هؤلاء الذين اتبعوا أهواءهم وأطاعوا شيخهم وأعجبوا منه برأيه؟! انتهى كلامه رحمه الله تعالى. ومراده بشيخ أهل الأهواء إبليس لعنه الله، ورأيه الذي أعجب به أتباعه هو المعارضة بين العقل والنقل وتقديم العقل على النقل عند التعارض، قال ابن رجب رحمه الله تعالى: وقد كان السلف قديما يصفون المؤمن بالغربة في زمانهم كما سبق مثله عن الحسن والأوزاعي وسفيان وغيرهم. ومن كلام أحمد بن عاصم الأنطاكي -وكان من كبار العارفين في زمان أبي سليمان الداراني- قال: إني أدركت من الأزمنة زمانا عاد فيه الإسلام

стр. 23

غريبا كما بدأ، وعاد وصف الحق فيه غريبا كما بدأ، إن ترغب فيه إلى عالم وجدته مفتونا بحب الدنيا يحب التعظيم والرياسة، وإن ترغب فيه إلى عابد وجدته جاهلا في عبادته مخدوعا، صريع عدوّه إبليس، قد صعد به إلى أعلى درجة العبادة وهو جاهل بأدناها فكيف له بأعلاها! وسائر ذلك من الهمج، همج عوج، وذئاب مختلسة، وسباع ضارية، وثعالب ضوار؛ هذا وصف عيون أهل زمانك من حملة العلم والقرآن ودعاة الحكمة. خرَّجه أبو نعيم في الحلية، فهذا وصف أهل زمانه فكيف بما حدث بعده من العظائم والدواهي التي لم تخطر بباله ولم تدر في خياله. انتهى. قلت: وقد روى البخاري في صحيحه، والإمام أحمد في مسنده وفي كتاب الزهد بأسانيد صحيحه عن أم الدرداء قالت: دخل عليّ أبو الدرداء وهو مغضب، فقلت: ما أغضبك؟ فقال: والله ما أعرف من أمة محمد ﷺ شيئا إلا أنهم يصلون جميعا. ورواه الحافظ محمد بن وضاح في كتاب "البدع والحوادث" بإسناده إلى أم الدرداء فذكره، قال: وفي لفظ: لو أن رجلا تعلم الإسلام وأهمه، ثم تفقده ما عرف منه شيئا. وروى أيضا بإسناده عن أبي الدرداء ﵁ قال: لو خرج رسول الله ﷺ اليوم ما عرف شيئا مما كان عليه هو وأصحابه إلا الصلاة. قال الأوزاعي ﵀: فكيف لو كان اليوم؟! قال عيسى -يعني الراوي عن الأوزاعي-: فكيف لو أدرك الأوزاعي هذا الزمان؟!

стр. 24

وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى: سأل رجل أبا الدرداء فقال: رحمك الله، لو أن رسول الله ﷺ بين أظهُرنا هل كان ينكر شيئا مما نحن عليه؟ فغضب واشتد غضبه فقال: وهل كان يعرف شيئا مما أنتم عليه! وروى الإمام أحمد والبخاري والترمذي عن أنس ﵁ قال: ما أعرف شيئا مما كان على عهد رسول الله ﷺ ! قيل: الصلاة، قال: أليس صنعتم ما صنعتم فيها؟! وفي صحيح البخاري أيضا عن الزهري قال: دخلتُ على أنس بن مالك ﵁ بدمشق وهو يبكي فقلت له: ما يبكيك؟ فقال: لا أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضُيِّعت. وروى الحافظ محمد بن وضاح بإسناده عن أنس ﵁ قال: ما أعرف منكم شيئا كنت أعهده على عهد رسول الله ﷺ ! ليس قولكم لا إله إلا الله. وروى ابن سعد في الطبقات عن ثابت البُناني قال: كنا مع أنس بن مالك ﵁ فأخَّر الحجَّاج الصلاة، فقام أنس يريد أن يكلمه، فنهاه إخوانه شفقة عليه منه، فخرج فركب دابته فقال في مسيره ذلك: والله ما أعرف شيئا مما كنا عليه على عهد النبي ﷺ إلا شهادة أن لا إله إلا الله، فقال رجل: فالصلاة يا أبا حمزة؟ قال: قد جعلتم الظهر عند المغرب، أفتلك كانت صلاة رسول الله ﷺ ؟ وروى محمد بن وضاح بإسناده عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: لو أن رجلين من أوائل هذه الأمة خليا بمصحفيهما في بعض الأودية

стр. 25

لأتيا الناس اليوم ولا يعرفان شيئا مما كانا عليه. وقال مالك: بلغني أن أبا هريرة ﵁ تلا: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: ١ - ٢] فقال: والذي نفسي بيده إن الناس ليخرجون اليوم من دينهم أفواجا كما دخلوا فيه أفواجا. وقد رواه الحاكم عنه مرفوعا كما سيأتي في آخر الفصل الذي بعد هذا. وروى مالك أيضا عن عمه أبي سهيل بن مالك عن أبيه أنه قال: ما أعرف شيئا مما أدركت عليه الناس إلا النداء للصلاة. يعني بالناس: أصحاب رسول الله ﷺ . روى أبو نعيم في الحلية عن معاوية بن قرة أنه قال: أدركت سبعين رجلا من أصحاب محمد ﷺ لو خرجوا فيكم اليوم ما عرفوا شيئا مما أنتم عليه اليوم إلا الأذان. وروى محمد بن وضاح بإسناده عن الحسن قال: لو أن رجلا أدرك السلف الأول ثم بُعث اليوم ما عرف من الإسلام شيئا، قال: ووضع يده على خده ثم قال: إلا هذه الصلاة. وقال المبارك بن فضالة: صلى الحسن الجمعة وجلس يبكي فقيل له: ما يبكيك يا أبا سعيد؟ فقال: تلومنّني على البكاء، ولو أن رجلا من المهاجرين اطلع من باب مسجدكم ما عرف شيئا مما كان عليه على عهد رسول الله ﷺ أنتم عليه إلا قبلتكم هذه.

стр. 26

وروى الإمام أحمد في الزهد، وأبو نعيم في الحلية عن الحسن أنه قال: ذهبت المعارف وبقيت المناكر، ومن بقي من المسلمين فهو مغموم. وروى محمد بن وضاح بإسناده عن ميمون بن مهران قال: لو أن رجلا نشر فيكم من السلف ما عرف فيكم غير هذه القبلة. قال الحافظ ابن حجر في الكلام على حديث أبي الدرداء ﵁: وقوله: والله ما أعرف من أمة محمد ﷺ شيئا إلا أنهم يصلون جميعا؛ مراد أبي الدرداء ﵁ أن أعمال المذكورين يحصل في جميعها النقص والتغيير إلا التجميع في الصلاة، وهو أمر نسبي؛ لأن حال الناس في زمن النبوة كان أتم مما صار إليه بعدها، ثم كان في زمن الشيخين أتم مما صار إليه بعدهما، وكأن ذلك صدر من أبي الدرداء في أواخر عمره، وكان ذلك في أواخر خلاقة عثمان ﵁، فياليت شعري إذا كان ذلك العصر الفاضل بالصفة المذكورة عند أبي الدرداء! فكيف بمن جاء بعدهم من الطبقات إلى هذا الزمان. انتهى. قلت: وما زاد الأمر بعد ذلك إلا شدة، وما زال النقص والتغيير في أمور الدين في ازدياد وكثرة كما جاء في الحديث الصحيح عن أنس ﵁ أنه قال: «لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم» سمعته من نبيكم ﷺ ، رواه الإمام أحمد والبخاري والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح. وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في كتاب الصلاة: اعلموا -رحمكم الله- أن الإسلام في إدبار وانتقاص واضمحلال ودروس، جاء الحديث: «ترذلون في كل يوم وقد أسرع بخياركم». وعن النبي ﷺ أنه قال: «خير

стр. 27

أمتي الذين بُعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، والآخر شر إلى يوم القيامة». وجاء عنه ﷺ أنه قال لأصحابه: «أنتم خير من أبنائكم، وأبناؤكم خير من أبنائهم، وأبناء أبنائكم خير من أبنائهم، والآخر شر إلى يوم القيامة». انتهى. فكلما طال الأمد وبَعُد العهد بآثار النبوة زاد الشر، وكثر النقص والتغيير في أمور الدين كما دلت على ذلك الأحاديث وشهد به الواقع، فياليت شعري ماذا يقول أبو الدرداء، وأنس، وعبد الله بن عمرو، وأبو هريرة، ومالك بن أبي عامر، ومعاوية بن قرة، والحسن البصري، وميمون بن مهران، وأحمد بن عاصم لو رأوا ما وقع بعدهم من الحوادث الكثيرة، والفتن التي يُرقِّق بعضها بعضا؟! وماذا يقول ابن القيم، وابن رجب لو رأيا غربة الإسلام الحقيقي وأهله في أواخر القرن الرابع عشر كيف اشتدت واستحكمت؟! وماذا يقولون كلهم لو رأوا هذه الأزمان التي لم يبق فيها من الإسلام إلا اسمه ولا من القرآن إلا رسمه؟! قد رفعت فيها رايات الكفر والنفاق، وبلغت روح العلم والإيمان إلى التراقي، وقيل من راق، وظن أنه الفراق، ونزل فيها الجهل وظهر وثبت، وبث في مشارق الأرض ومغاربها كل البثّ، ونثّ بين الناس كلهم غاية النثّ، وهُجرت فيها السنة النبوية والطريقة السلفية، وهان أهلها على الناس، وتُرك فيها الجهاد في سبيل الله ، وضعف فيها جانب الأمر بالمعروف حتى أشفى على العدم، وفشت فيها المنكرات وظهرت ولم

стр. 28

تغير، ومرجت فيها عهود الأكثرين وخفت أماناتهم، وكثر اختلافهم وخوضهم فيما لا يعنيهم، وكانوا حثالة وغثاء كغثاء السيل، قد قلّ فيهم الفقهاء العاملون، وكثر فيهم الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون، وكثر فيهم الخطباء المتفصحون المتنطعون المتقعرون، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، ويأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون كتاب الله أفلا يعقلون، وكثر فيهم الذين يختلون الدنيا بالدين، ويلبسون للناس جلود الضأن من اللين، ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم قلوب الذئاب، وكثر فيهم إخوان العلانية أعداء السريرة، وكثر فيهم الذين يأكلون بألسنتهم كما تأكل البقر بألسنتها، بضاعتهم التملق بالكذب والتمادح بالباطل، إن أُعطي أحدهم قليلا من حطام الدنيا رضي وغلا في المدح وجاوز الحد في الإطراء، وإن لم يُعط سخط وأفرط في الذم وانتهاك الأعراض المحرمة بغيا وعدوانا. وماذا يقولون لو رأوا أكثر المنتسبين إلى الإسلام يعظِّمون الكفار والمنافقين، ويتسابقون إلى تقليد أعداء الله في أقوالهم وأفعالهم، ويتنافسون في مشابهتهم والحذو على مثالهم؟ قد أعجبوا بزخارفهم الباطلة وآرائهم الفاسدة، وقوانينهم وسياساتهم الجائرة الخاطئة الفاجرة، وافتتنوا بمدنيتهم الزائفة الزائغة، وما تدعو إليه من الترف واتباع الشهوات، والأشر والبطر واللهو واللعب والغفلة عن الله والدار الآخرة، بل ما تدعو إليه من الإباحية والانحلال من دين الإسلام بالكلية، والبعد عن الفضائل ومكارم الأخلاق، والتحلي بالرذائل وسفساف الأخلاق،

стр. 29

وشغفوا أيضا بالصحف والمجلات، وأخبار الإذاعات، وما ينشر في الجميع من الخرافات والهذيانات والخزعبلات وأنواع المحرمات، حتى دخل على كثير منهم من الشكوك والأوهام والشبهات ما أضلهم عن الهدى، وأوقعهم في مهامه الغي والردى، فتهاونوا بكثير من المأمورات، وارتكبوا كثيرا من المحظورات، وبسبب هذه الأفعال الذميمة انتقضت عرى كثيرة من عرى الإسلام، واشتدت غربة الإيمان والسنة بين الأنام، حتى عاد عند الأكثرين المعروف منكرا والمنكر معروفا، والسنة بدعة والبدعة سنة، نشأ على ذلك صغيرهم وهرم عليه كبيرهم، فيالها من مصيبة على الإسلام وأهله ما أعظمها وأنكاها، ويالها من فتن مظلمة أوهت قواعد الشريعة وهدمت بناها .. فإنا لله وإنا إليه راجعون. وماذا يقولون لو رأوا الطامة الكبرى؟! وهي عبادة الأوثان في أكثر الممالك الإسلامية، حتى أعاد أهلها بذلك أمر الجاهلية الذين بُعث إليهم النبي ﷺ ، بل كانوا شرا منهم كما لا يخفى على عاقل عرف حال أهل الجاهلية الأولى وعرف ما عليه المشركون في هذه الأزمان، وسنذكر الفرق بينهم فيما بعد إن شاء الله تعالى. ونذكر أيضا ما وقع فيه أكثر المسلمين من المخالفات التي أوهت الإسلام وثلمته وهدمته، فإلى الله المشتكى، وبه المستغاث، وهو المستعان وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 30

وقد قال الشيخ سليمان بن سحمان وأحسن فيما قال رحمه الله تعالى: على الدين فليبكي ذوو العلم والهدى … فقد طُمست أعلامه في العوالم وقد صار إقبالُ الورى واحتيالهم … على هذه الدنيا وجمع الدراهم وإصلاح دنياهم بإفساد دينهم … وتحصيل ملذوذاتهم والمطاعم يعادون فيها بل يوالون أهلها … سواء لديهم ذو التقى والجرائم إذا انتقص الإنسان منها بما عسى … يكون له ذخرا أتى بالعظائم وأبدى أعاجيبا من الحزن والأسى … على قلة الأنصار من كل حازم وناح عليها آسفا متظلما … وباح بما في صدره غير كاتم فأما على الدين الحنيفي والهدى … وملة إبراهيم ذات الدعائم فليس عليها والذي فلق النوى … من الناس من باك وآس ونادم وقد درست منها المعالم بل عفت … ولم يبق إلا الاسم بين العوالم فلا آمر بالعرف يعرف بيننا … ولا زاجر عن معضلات الجرائم وملة إبراهيم غودر نهجها … عفاء فأضحت طامسات المعالم وقد عدمت فينا وكيف وقد سفتْ … عليها السوافي في جميع الأقالم وما الدين إلا الحب والبغض والولا … كذاك البرا من كل غاو وآثم وليس لها من سالك متمسك … بدين النبي الأبطحي ابن هاشم فلسنا نرى ما حلَّ بالدين وانمحت … به الملة السمحاء إحدى القواصم فنأسى على التقصير منا ونلتجي … إلى الله في محو الذنوب العظائم

стр. 31

فنشكو إلى الله القلوب التي قست … وران عليها كسب تلك المآثم ألسنا إذا ما جاءنا متضمخ … بأوضار [أهل] (١) الشرك من كل ظالم نَهشُّ إليهم بالتحية والثنا … ونهرع في إكرامهم بالولائم وقد برئ المعصوم من كل مسلم … يقيم بدار الكفر غير مصارم ولا مظهر للدين بين ذوي الردى … فهل كان منا هجر أهل الجرائم ولكنما العقل المعيشي عندنا … مُسَالمة العاصين من كل آثم فيا محنة الإسلام من كل جاهل … ويا قلة الأنصار من كل عالم وهذا أوان الصبر إن كنت حازما … على الدين فاصبر صبر أهل العزائم فمن يتمسك بالحنيفية التي … أتتنا عن المعصوم صفوة آدم له أجر خمسين امرئ من ذوي الهدى … من الصحب أصحاب النبي الأكارم فنُح وابكِ واستنصر بربك راغبا … إليه فإن الله أرحم راحم لينصر هذا الدين من بعد ما عفت … معالمه في الأرض بين العوالم أقول: رحمة الله علينا وعلى الشيخ سليمان، كيف لو رأى ما حدث بعده من العظائم التي كان يخشى وقوعها في قوله: وإني لأخشى أن تجيء عواضل … وليس لها من منكر حين تفتعل فقد وقع الأمر كما قال رحمه الله تعالى، وجاءت عواضل كثيرة فلم

стр. 32

تنكر، ثم زاد الأمر حتى أُنكِر على من يُنكِر المنكر، وقُمع بعضهم وقُهر واضُطهد، وظهر مصداق ما جاء في حديث أبي أمامة ﵁ الذي رواه الطبراني وغيره مرفوعا إلى النبي ﷺ أنه قال: «إن من إدبار هذا الدين أن تجفو القبيلة بأسرها، حتى لا يرى فيها إلا الفقيه والفقيهان، فهما مقهوران ذليلان، إن تكلما فأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر قُمعا وقُهرا واضطهدا، فهما مقهوران ذليلان لا يجدان على ذلك أعوانا وأنصارا». وللشيخ يحيى بن يوسف الصرصري الحنبلي نظم حسن يصف فيه غربة الإسلام في زمانه، وهو يليق بأواخر القرن الرابع عشر أكثر مما يليق بالقرن السابع، قال رحمه الله تعالى: نُح وابكِ فالمعروف أقفر رسمه … والمنكر استعلى وأثر وسمه لم يبق إلا بدعة فتّانة … بهوى مضل مستطير سُمّه وطعام سوء من مكاسب مُرَّة … يُعمي الفؤاد بدائه ويُصمه ففشا الرياء وغيبة ونميمة … وقساوة منه وأثمر إثمه لم يبق زرع أو مبيع أو شرا … إلا أُزيل عن الشريعة حكمه فلكيف يفلح عابد وعظامه … نشأت على السحت الحرام ولحمه هذا الذي وعد النبي المصطفى … بظهوره وعدا توثق حتمه هذا لعَمْرُ إلهك الزمن الذي … تزداد شرته وينقص حلمه وَهَت الأمانة فيه وانقصمت عرى الـ … ـتقوى به والبر أدبر نجمه كثر الريا وفشا الزنا ونما الخنا … ورمى الهوى فيه فأقصد سهمه

стр. 33

ذهب النصيح لربه ونبيه … وإمامه نصحا تحقق عزمه لم يبق إلا عالم هو مُرتشٍّ … أو حاكم يغشى الرعية ظلمة والصالحون على الذهاب تتابعوا … فكأنهم عقد تناثر نظمه لم يبق إلا راغب هو مُظهر … للزهد والدنيا الدنية همه لولا بقايا سُنَّة ورجالها … لم يبق نهج واضح نأتمّه يا مقبلا في جمع دنيا أدبرتْ … كبناءٍ استولى عليه هدمه هذي أمارات القيامة قد بدت … لمُبَصَّر سَبَرَ العواقبَ فهمه ظهرت طغاة الترك واجتاحوا الورى … وأبادهم هرج شديد حطمه والشمس آن طلوعها من غربها … وخروج دجال فظيع غشمه وآن ليأجوج الخروج عقيبه … من خلف سد سوف يفتح ردمه فاعمل ليوم لا مردَّ لوقعه … يُقصي الوليدَ به أبوه وأمه

стр. 34

فصل وقد وردت أحاديث كثيرة وآثار بما سيقع في آخر الزمان عند اشتداد غربة الإسلام والسنة؛ من تغيُّر الأحوال وظهور النقص في أمور الدين، وكثرة الشر والفساد. وقد ظهر مصداق أكثرها من أزمان متطاولة، وما زال الشر يزداد على ممر الأوقات أو كاد أن يتكامل ظهور الجميع في هذه الأزمان كما لا يخفى على من له أدنى علم وفهم للأحاديث ومعرفة بالواقع. ونذكر من ذلك ما يسره الله تعالى من صحيح وحسن وضعيف مما هو مطابق للواقع، وكفى بالواقع برهانا على صحة الضعيف منها، وشاهدا بخروجه من مشكاة النبوة. الحديث الأول: عن مرادس الأسلمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يذهب الصالحون الأول فالأول، ويبقى حفالة كحفالة الشعير أو التمر لا يباليهم الله بالةً» رواه الإمام أحمد والبخاري. وفي رواية له موقوفة: «لا يعبأ الله بهم شيئا»، وقال -رحمه الله تعالى-: يقال: حفالة وحثالة، يعني أنهما بمعنى واحد. قال الخطابي رحمه الله تعالى: الحثالة بالفاء وبالمثلثة الرديء من كل شيء، وقيل: آخر ما يبقى من الشعير والتمر وأردأه. وقال ابن التين: الحثالة سقط الناس، وأصلها ما يتساقط من قشور التمر والشعير وغيرهما.

стр. 35

وقال الداودي: ما يسقط من الشعير عند الغربلة، ويبقى من التمر بعد الأكل. وقال أبو السعادات ابن الأثير: «وتبقى حفالة كحفالة التمر» أي: رذالة من الناس كرديء التمر ونفايته. قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- في "فتح الباري": وجدت لهذا الحديث شاهداً من رواية الفزارية امرأة عمر بلفظ: «تذهبون الخير فالخير حتى لا يبقى منكم إلا حثالة كحثالة التمر، ينزو بعضهم على بعض نزو المعز» أخرجه أبو سعيد بن يونس في تاريخ مصر، وليس فيه تصريح برفعه لكن له حكم المرفوع. انتهى. وقوله: «لا يباليهم الله بالة» أي: لا يرفع لهم قدرا ولا يقيم لهم وزنا. قاله الخطابي وأبو موسى المديني؛ قال الخطابي: يقال: باليت بفلان وما باليت به مبالاة وبالية وبالة، وقال أبو موسى: أصل بالة بالية، مثل عافاه الله عافية، فحذفوا الياء منها تخفيفا، يقال: ما باليته وما باليت به أي: لم أكترث به. انتهى. وهذا هو معنى قوله في الرواية الأخرى: «لا يعبأ الله بهم شيئا». الحديث الثاني: عن رويفع بن ثابت الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «تذهبون الخير فالخير، حتى لا يبقى منكم إلا مثل هذا، وأشار إلى حشف التمر» رواه البخاري في التاريخ، والطبراني في الكبير، والحاكم في مستدركه وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.

стр. 36

الحديث الثالث: ذكره الإمام أحمد رحمه الله تعالى في كتاب الصلاة معلقا فقال: جاء الحديث: «ترذلون في كل يوم وقد أسرع بخياركم» ورواه البخاري في كتاب الأدب المفرد موصولا عن الحسن من قوله. الحديث الرابع: عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «الصالحون أسلافا، ويبقى أهل الريب ممن لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا» رواه أبو نعيم وغيره وله حكم المرفوع؛ لأن مثله لا يقال من قبل الرأي. الحديث الخامس: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لتنتقنّ كما ينتقى التمر من الجفنة، فليذهبن خياركم وليبقين شراركم، حتى لا يبقى إلا من لا يعبأ الله بهم، فموتوا إن استطعتم» رواه البخاري في الكُنى، وابن ماجة، والحاكم وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه وهذا لفظه. الحديث السادس: عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «كيف بكم وبزمان -أو يوشك أن يأتي زمان- يغربل الناس فيه غربلة تبقى حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأماناتهم واختلفوا فكانوا هكذا –وشبك بين أصابعه» فقالوا: كيف بنا يا رسول الله؟ قال: «تأخذون ما تعرفون، وتذرون ما تنكرون، وتقبلون على أمر خاصتكم وتذرون أمر عامتكم» رواه الإمام أحمد وأهل السنن إلا الترمذي، وصححه الحاكم وقال: على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.

стр. 37

وفي رواية لأحمد وأبي داود والنسائي والحاكم عنه ﵁ قال: بينما نحن حول رسول الله ﷺ إذ ذكر الفتنة فقال: «إذا رأيتم الناس قد مرجت عهودهم، وخفت أماناتهم وكانوا هكذا -وشبك أصابعه» قال: فقمت إليه فقلت: كيف أفعل عند ذلك، جعلني الله فداك؟ قال: «الزم بيتك، واملك عليك لسانك، وخذ بما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة» قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه. قوله: «يغربل الناس فيه غربلة»، قال أبو عبيد الهروي: أي يذهب خيارهم ويبقى أراذلهم، والمغربل: المنتقى، كأنه نُقِّي بالغربال. وقال سعيد بن منصور: حثالة الناس: رداءتهم، قال: ومعنى قوله: «قد مرجت عهودهم»: إذا لم يفوا بها. وقال الطيبي: «مرجت عهودهم»: اختلطت وفسدت، وشبك بين أي أصابعه أي يمرج بعضهم ببعض، ويتلبس أمر دينهم فلا يعرف الأمين من الخائن، ولا البر من الفاجر. وقوله: «وتقبلون على خاصتكم»: رخصة في ترك الأمر بالمعروف إذا كثر الأشرار وضعف الأخيار. انتهى. وفي هذا الأخير نظر سيأتي بيانه في ذكر الأمر بالمعروف إن شاء الله تعالى. الحديث السابع (١): عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يوشك

стр. 38

الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها» فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: «بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن» فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت» رواه الإمام أحمد، وأبو داود وهذا لفظه، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في دلائل النبوة. وفي رواية أحمد وأبي نعيم: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق» والباقي نحوه. والغثاء: الزبد وما ارتفع على الماء مما لا ينتفع به، قاله أبو عبيدة معمر بن المثنى، ونقله عنه البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه، وقال الراغب الأصفهاني: يضرب به المثل فيما يضيع ويذهب غير معتد به. انتهى. الحديث الثامن: عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يوشك أن يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا يبقى من القرآن إلا رسمه، مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدى، علماؤهم شر مَن تحت أديم السماء، مِن عندهم تخرج الفتنة وفيهم تعود» رواه البيهقي في شعب الإيمان، وذكره الإمام أحمد رحمه الله تعالى في كتاب الصلاة مختصرا بدون إسناد فقال: وجاء عنه ﷺ : «يأتي زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه». الحديث التاسع: عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يكون في آخر الزمان عباد جهال وقراء فسقة» رواه أبو نعيم في الحلية، والحاكم في

стр. 39

المستدرك، والبيهقي في شعب الإيمان. الحديث العاشر: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يخرج في آخر الزمان رجال يختلون الدنيا بالدين، يلبسون للناس جلود الضأن من اللين، ألسنتهم أحلى من السكر، وقلوبهم قلوب الذئاب، يقول الله: أبي تغترون أم عليّ تجترئون؟ فبي حلفت لأبعثن على أولئك منهم فتنة تدع الحليم منهم حيرانا» رواه الترمذي. قوله: «يختلون الدنيا بالدين» يعني أنهم يطلبون الدنيا بأعمال الآخرة، والختل: الخداع، يقال: ختله يختله إذا خدعه وراوغه، وهذا يطابق حال الذين اتخذوا قراءة القرآن وتعلم العلم وتعليمه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأذان والإمامة وغير ذلك من الأمور الدينية طرقا للتكسب وجمع الأموال، وهو بالقُرَّاء الفسقة أخص لما يأتي في حديثي معاذ وحذيفة ﵄ من التصريح بذلك، والله أعلم. وقد روى الإمام أحمد في مسنده، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، والبيهقي في شعب الإيمان، والبغوي في تفسيره عن أُبي بن كعب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «بشر هذه الأمة بالسناء، والدين، والرفعة، والنصر، والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب». وقوله: «يلبسون للناس جلود الضأن من اللين» كناية عن تملقهم للناس وتحسين الخُلُق في وجوههم وإظهار البشاشة لهم واللين معهم، وكل ذلك منافقة باللسان وتكلف وتصنع في الظاهر، وأما في الباطن فهم

стр. 40

بخلاف ذلك؛ ولهذا وصف ألسنتهم بغاية الحلاوة فقال في هذا الحديث «ألسنتهم أحلى من السكر»، وقال في حديث ابن عمر: «ألسنتهم أحلى من العسل»، وشبّه قلوبهم بقلوب الذئاب لما انطوت عليه من مزيد الخبث والغدر والفجور، ووصفها بغاية المرارة والنتن، فقال في حديث ابن عمر ﵄: «وقلوبهم أمر من الصبر»، وقال في حديث معاذ بن جبل ﵁: «وقلوبهم أنتن من الجيف»، ومثل ذلك ما في الحديث الطويل عن حذيفة ﵁، ووصفهم في الحديث الآخر عن معاذ بأنهم إخوان العلانية أعداء السريرة، ونحو ذلك في حديث سلمان ﵁، وما أكثر هذا الضرب الرديء في هذه الأزمان، فالله المستعان. وقوله: «فبي حلفت لأبعثن على أولئك منهم فتنة تدع الحليم منهم حيرانا» قال النووي: قال أهل اللغة: أصل الفتنة في كلام العرب الابتلاء والامتحان والاختبار، قال القاضي: ثم صارت في عرف الكلام لكل أمر كشفه الاختبار عن سوء، قال أبو زيد: فتن الرجل يفتن فتونا إذا وقع في الفتنة وتحول من حال حسنة إلى سيئة. انتهى، قال الحافظ ابن حجر: وتطلق الفتنة على الكفر والغلو في التأويل البعيد، وعلى الفضيحة والبلية والعذاب والقتال والتحول من الحسن إلى القبيح والميل إلى الشيء والإعجاب، وتكون في الخير والشر كقوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]. انتهى. والمراد بما في هذا الحديث: الفتنة في الشر؛ لقوله: «تدع الحليم
следующие страницы →