الحديث الثالث: ذكره الإمام أحمد رحمه الله تعالى في كتاب الصلاة معلقا فقال: جاء الحديث: «ترذلون في كل يوم وقد أسرع بخياركم» ورواه البخاري في كتاب الأدب المفرد موصولا عن الحسن من قوله.
الحديث الرابع: عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «الصالحون أسلافا، ويبقى أهل الريب ممن لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا» رواه أبو نعيم وغيره وله حكم المرفوع؛ لأن مثله لا يقال من قبل الرأي.
الحديث الخامس: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لتنتقنّ كما ينتقى التمر من الجفنة، فليذهبن خياركم وليبقين شراركم، حتى لا يبقى إلا من لا يعبأ الله بهم، فموتوا إن استطعتم» رواه البخاري في الكُنى، وابن ماجة، والحاكم وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه وهذا لفظه.
الحديث السادس: عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «كيف بكم وبزمان -أو يوشك أن يأتي زمان- يغربل الناس فيه غربلة تبقى حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأماناتهم واختلفوا فكانوا هكذا –وشبك بين أصابعه» فقالوا: كيف بنا يا رسول الله؟ قال: «تأخذون ما تعرفون، وتذرون ما تنكرون، وتقبلون على أمر خاصتكم وتذرون أمر عامتكم» رواه الإمام أحمد وأهل السنن إلا الترمذي، وصححه الحاكم وقال: على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.
стр. 37
وفي رواية لأحمد وأبي داود والنسائي والحاكم عنه ﵁ قال: بينما نحن حول رسول الله ﷺ إذ ذكر الفتنة فقال: «إذا رأيتم الناس قد مرجت عهودهم، وخفت أماناتهم وكانوا هكذا -وشبك أصابعه» قال: فقمت إليه فقلت: كيف أفعل عند ذلك، جعلني الله فداك؟ قال: «الزم بيتك، واملك عليك لسانك، وخذ بما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة» قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
قوله: «يغربل الناس فيه غربلة»، قال أبو عبيد الهروي: أي يذهب خيارهم ويبقى أراذلهم، والمغربل: المنتقى، كأنه نُقِّي بالغربال.
وقال سعيد بن منصور: حثالة الناس: رداءتهم، قال: ومعنى قوله: «قد مرجت عهودهم»: إذا لم يفوا بها.
وقال الطيبي: «مرجت عهودهم»: اختلطت وفسدت، وشبك بين أي أصابعه أي يمرج بعضهم ببعض، ويتلبس أمر دينهم فلا يعرف الأمين من الخائن، ولا البر من الفاجر.
وقوله: «وتقبلون على خاصتكم»: رخصة في ترك الأمر بالمعروف إذا كثر الأشرار وضعف الأخيار. انتهى.
وفي هذا الأخير نظر سيأتي بيانه في ذكر الأمر بالمعروف إن شاء الله تعالى.
الحديث السابع (١): عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يوشك
стр. 38
الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها» فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: «بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن» فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت» رواه الإمام أحمد، وأبو داود وهذا لفظه، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في دلائل النبوة.
وفي رواية أحمد وأبي نعيم: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق» والباقي نحوه.
والغثاء: الزبد وما ارتفع على الماء مما لا ينتفع به، قاله أبو عبيدة معمر بن المثنى، ونقله عنه البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه، وقال الراغب الأصفهاني: يضرب به المثل فيما يضيع ويذهب غير معتد به. انتهى.
الحديث الثامن: عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يوشك أن يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا يبقى من القرآن إلا رسمه، مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدى، علماؤهم شر مَن تحت أديم السماء، مِن عندهم تخرج الفتنة وفيهم تعود» رواه البيهقي في شعب الإيمان، وذكره الإمام أحمد رحمه الله تعالى في كتاب الصلاة مختصرا بدون إسناد فقال: وجاء عنه ﷺ : «يأتي زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه».
الحديث التاسع: عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يكون في آخر الزمان عباد جهال وقراء فسقة» رواه أبو نعيم في الحلية، والحاكم في
стр. 39
المستدرك، والبيهقي في شعب الإيمان.
الحديث العاشر: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يخرج في آخر الزمان رجال يختلون الدنيا بالدين، يلبسون للناس جلود الضأن من اللين، ألسنتهم أحلى من السكر، وقلوبهم قلوب الذئاب، يقول الله: أبي تغترون أم عليّ تجترئون؟ فبي حلفت لأبعثن على أولئك منهم فتنة تدع الحليم منهم حيرانا» رواه الترمذي.
قوله: «يختلون الدنيا بالدين» يعني أنهم يطلبون الدنيا بأعمال الآخرة، والختل: الخداع، يقال: ختله يختله إذا خدعه وراوغه، وهذا يطابق حال الذين اتخذوا قراءة القرآن وتعلم العلم وتعليمه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأذان والإمامة وغير ذلك من الأمور الدينية طرقا للتكسب وجمع الأموال، وهو بالقُرَّاء الفسقة أخص لما يأتي في حديثي معاذ وحذيفة ﵄ من التصريح بذلك، والله أعلم.
وقد روى الإمام أحمد في مسنده، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، والبيهقي في شعب الإيمان، والبغوي في تفسيره عن أُبي بن كعب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «بشر هذه الأمة بالسناء، والدين، والرفعة، والنصر، والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب».
وقوله: «يلبسون للناس جلود الضأن من اللين» كناية عن تملقهم للناس وتحسين الخُلُق في وجوههم وإظهار البشاشة لهم واللين معهم، وكل ذلك منافقة باللسان وتكلف وتصنع في الظاهر، وأما في الباطن فهم
стр. 40
بخلاف ذلك؛ ولهذا وصف ألسنتهم بغاية الحلاوة فقال في هذا الحديث «ألسنتهم أحلى من السكر»، وقال في حديث ابن عمر: «ألسنتهم أحلى من العسل»، وشبّه قلوبهم بقلوب الذئاب لما انطوت عليه من مزيد الخبث والغدر والفجور، ووصفها بغاية المرارة والنتن، فقال في حديث ابن عمر ﵄: «وقلوبهم أمر من الصبر»، وقال في حديث معاذ بن جبل ﵁: «وقلوبهم أنتن من الجيف»، ومثل ذلك ما في الحديث الطويل عن حذيفة ﵁، ووصفهم في الحديث الآخر عن معاذ بأنهم إخوان العلانية أعداء السريرة، ونحو ذلك في حديث سلمان ﵁، وما أكثر هذا الضرب الرديء في هذه الأزمان، فالله المستعان.
وقوله: «فبي حلفت لأبعثن على أولئك منهم فتنة تدع الحليم منهم حيرانا» قال النووي: قال أهل اللغة: أصل الفتنة في كلام العرب الابتلاء والامتحان والاختبار، قال القاضي: ثم صارت في عرف الكلام لكل أمر كشفه الاختبار عن سوء، قال أبو زيد: فتن الرجل يفتن فتونا إذا وقع في الفتنة وتحول من حال حسنة إلى سيئة. انتهى، قال الحافظ ابن حجر: وتطلق الفتنة على الكفر والغلو في التأويل البعيد، وعلى الفضيحة والبلية والعذاب والقتال والتحول من الحسن إلى القبيح والميل إلى الشيء والإعجاب، وتكون في الخير والشر كقوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]. انتهى.
والمراد بما في هذا الحديث: الفتنة في الشر؛ لقوله: «تدع الحليم
стр. 41
منهم حيرانا»، والله أعلم.
وقوله في هذا الحديث: «فتنة ظلماء» كناية عن عظمها وتحير من وقع فيها وبعده من السلامة، وقد روى مسلم في صحيحه عن حذيفة ﵁ قال: كنا عند عمر ﵁ فقال: أيكم سمع رسول الله ﷺ يذكر الفتن؟ فقال قوم: نحن سمعناه، فقال: لعلكم تعنون فتنة الرجل في أهله وجاره؟ قالوا: أجل، قال: تلك تُكفِّرها الصلاة والصيام والصدقة، ولكن أيكم سمع النبي ﷺ يذكر الفتن التي تموج موج البحر؟ قال حذيفة: فأسكت القوم، فقلت: أنا، قال: أنت؟ لله أبوك، قال حذيفة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين؛ على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادًّا كالكوز مُجَخِّيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه».
قوله: «تعرض الفتن على القلوب» قال النووي: قال الأستاذ أبو عبد الله ابن سليمان معناه: تظهر على القلوب، أي تظهر لها فتنة بعد أخرى.
قوله: «كالحصير» أي كما ينسج الحصير عودا عودا وشظية بعد أخرى، شبَّه عرض الفتن على القلوب واحدة بعد أخرى بعرض قضبان الحصير على صانعها واحدا بعد واحد، ومعنى «أشربها» دخلت فيه دخولا تاما وألزمها، وحلت منه محل الشراب، ومعنى «نكت نكتة» نقط
стр. 42
نقطة. انتهى مُلخصا.
وقوله: «مثل الصفا» كناية عن صلابته في الدين، وأن الفتن لا تؤثر فيه، ولهذا قال: «فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض»، و «الأسود المرباد» هو ما خالط سوداه غيره؛ قال النووي: قال أبو عبيد عن أبي عمرو وغيره: الربدة لون بين السواد والغبرة، وقال ابن دريد: الربدة لون أكدر، وقال غيره: هي أن يختلط السواد بكدرة، وقال نفطويه: المربد: الملمع بسواد وبياض، ومنه تربّد لونه أي تلون، والله أعلم.
وقوله: «كالكوز مُجَخِّيا» قال سعد بن طارق -أحد رواة هذا الحديث-: يعني منكوسا، وقال أبو عبيد الهروي: المجخي المائل عن الاستقامة والاعتدال. فشبَّه القلب الذي لا يعي خيرا بالكوز المائل الذي لا يثبت فيه شيء.
قال النووي: قال صاحب التحرير: معنى الحديث أن الرجل إذا تبع هواه وارتكب المعاصي دخل قلبه بكل معصية يتعاطاها ظلمة، وإذا صار كذلك افتتن وزال عنه نور الإسلام، والقلب مثل الكوز فإذا انكب انصب ما فيه ولم يدخله شيء بعد ذلك. انتهى.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: الفتن التي تعرض على القلوب هي أسباب مرضها وهي فتنة الشهوات، وفتنة الشبهات؛ فتن الغي والضلال، فتن المعاصي والبدع، فتن الظلم والجهل، فالأولى توجب فساد القصد والإرادة، والثانية: توجب فساد العلم والاعتقاد. انتهى.
إذا علم هذا، فكثير من القرّاء والمنتسبين إلى العلم من معلمين ومتعلمين
стр. 43
وكُتَّاب في زماننا قد تهوّكوا في كثير من فتن الشبهات وفتن الشهوات واتبعوا في ذلك أهواءهم بغير روية ولا مبالاة ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠]، فكثير منهم قد تهوّكوا في فتنة الكفر الأكبر والشرك الأكبر ووسائله وما يدعو إليه ويقرب منه، وكثير منهم قد تهوّكوا في فتنة النفاق الأكبر والزندقة والإلحاد، وكثير منهم قد تهوّكوا في فتن الشرح الأصغر والكفر الأصغر والنفاق الأصغر، وكثير منهم قد تهوّكوا في فتن البدع والأهواء المضلة، وكثير منهم قد تهوّكوا في فتنة الفسوق والعصيان من ترك المأمورات وارتكاب المحظورات، فمن ذلك تهوّكهم في التشبه بأعداء الله تعالى واتباع سنتهم حذو القذة بالقذة، وقد قال النبي ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم».
فكثير منهم يتشبهون بالنصارى والمجوس والمشركين في حلق اللحى والتمثيل بشعر الوجه، وكثير منهم يتشبهون بالنصارى في حلق جوانب الرأس وتسريح الباقي إلى جهة القفا ويسمونه "التواليت"، وكثير منهم يأمرون نساءهم وبناتهم أن يتشبهن بنساء النصارى في فرق شعورهن من جانب الرأس وفي تسريح شعورهن إلى جهة القفا وجمعها معقوصة خلف الرأس كأنها أسنمة البخت المائلة كما أخبر بذلك عنهن الصادق المصدوق -صلوات الله وسلامه عليه-، ويأمرون نساءهم وبناتهم أن يتشبهن بنساء النصارى في لبس الثياب التي لا تستر إلا بعض أجسادهن كما أخبر بذلك عنهن الصادق المصدوق -صلوات الله وسلامه عليه- بقوله: «كاسيات عاريات» ويكون في أوساط بعض تلك ثياب تكة تشبه الزنار، ويأمرونهن أيضا بجعل
стр. 44
جيوبهن من ناحية القفا تشبها بأعداء الله تعالى وخلافا للمسلمين.
وكثير منهم يأمرون نساءهم وبناتهم بالسفور عند الرجال الأجانب مشابهة للإفرنج وغيرهم من أمم الكفر والضلال، ولا يغارون من خلوة الرجال الأجانب بهن ولا بغيرهن من محارمهم، وكثير منهم يتشبهون باليهود والنصارى في الإشارة بالكف والأصابع ورفع اليد إلى جانب الوجه عند التسليم، وكثير منهم يتشبهون بمشركي قريس وبطوائف الإفرنج وغيرهم من أمم الكفر والضلال في التصفيق في الأندية والمجامع عند التعجب واستحسان المقالات، وكثير منهم قد اعتاضوا عن أحكام الشرع بقوانين أعداء الله وأنظمتهم وسياساتهم الخاطئة وآرائهم الفاسدة.
ومن ذلك تهوّكهم في تعظيم أعداء الله بالقيام لهم وبداءتهم بالسلام وتصديرهم في المجالس وتقديمهم على المسلمين في الدخول ومناولة ما يؤكل ويشرب والتبسط لهم، وتصديقهم في كثير من مزاعمهم الباطلة المخالفة لما في كتاب الله تعالى وسنة رسوله محمد ﵁، وقد غضب النبي ﷺ لما رأى مع بعض أصحابه صحيفة أخذها من بعض أهل الكتاب وقال: «أمتهوّكون فيها؟»، فكيف لو رأى ما آل إليه الأمر في زماننا من انتشار مقالات أعداء الله وآرائهم وتخرصاتهم بين المسلمين، وقبول كثير منهم لها، وتنافسهم في تعلمها وتعليمها أكثر مما يعتني بالعلوم الشرعية، فالله المستعان.
ومن ذلك تهوكهم في شرب الدخان الخبيث المسمى بالتتن، ويسمى أيضا التنباك والتبغ، ومن ذلك تهوكهم في استماع الغناء والمزامير وأنواع
стр. 45
المعازف والملاهي وأصوات النساء الأجنبيات ونغمات البغايا … (١)، وتهوكهم في اتخاذ آلات ذلك كالراديو والصندوق المسمى الفونوغراف وغير ذلك من آلات اللهو والطرب التي تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وتمكين نسائهم وبناتهم وغيرهن من محارمهم من الحضور عند الراديو وغيره من آلات اللهو، واستماعهن إلى أنواع المحرمات التي تُشوِّقهن إلى فعل الفواحش وأنواع المحرمات (٢).
ومن ذلك تهوكهم في الحضور عند السينما التي هي من أنواع السحر ومن أخبث الملاهي التي تصد عن ذكر الله وعن الصلاة.
ومن ذلك تهوكهم في اتخاذ الساعات التي فيها الموسيقى المطربة، ومثل ذلك اتخاذ السيارات التي فيها الراديو والموسيقى المطربة.
ومن ذلك تهوكهم في اللعب بالأوراق المسماة بالجنجفة، والمقامرة
стр. 46
على اللعب بها وذلك من الميسر المحرم، ومثل ذلك اللعب بالكيرم ونحوه وأخذ العوض على الغلبة فيه.
ومن ذلك تهوكهم في اللعب بالكرة وهو من الأشر المذموم، وأخذ العوض على الغلبة فيه من الميسر المحرم.
ومن ذلك تهوكهم في تصوير الحيوانات واقتناء الصور واشتراء الصحف والكتب المشحونة بالتصاوير، ووضع صور الملوك والأكابر في المجالس.
ومن ذلك تهوكهم في قراءة الجرائد والمجلات والكتب العصرية وصرف هممهم إلى مطالعتها وإعراضهم عن تدبر كتاب الله تعالى وسُنة رسوله ﷺ والنظر في علوم الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان.
ومن ذلك تهوكهم في بعض الأمصار مع النساء الأجنبيات في معاشرتهن والخلوة بهن وبالمردان، وذلك من أعظم الوسائل إلى ارتكاب الفاحشة كما في الحديث: «ما خلا رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان»، وقال ﷺ : «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء»، والأمرد مثل المرأة في ذلك أو أعظم، إلى غير ذلك من الفتن التي قد تهوّك فيها كثير منهم، وبعضهم متهوكون في جميع هذه الأفعال السيئة وبعضهم في كثير منها، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وتهوكهم هذا -والله أعلم- مقدمة بين يدي الفتنة الظلماء التي أشار إليها في حديث أبي هريرة وعبد الله بن عمرو ومعاذ وأنس ﵃، فالله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي
стр. 47
العظيم، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
الحديث الحادي عشر: عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «إن الله ﵎ قال: لقد خلقت خلقا ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمرّ من الصبر، فبي حلفت لأتيحنّهم فتنةً تدع الحليم منهم حيراناً، فبي يغترّون أم عليّ يجترئون؟» رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب من حديث ابن عمر لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
وقد جاء ذكر هذا الضرب الرديء في الكتب المتقدمة كما قال ابن جرير: حدثني يونس أخبرنا ابن وهب أخبرني الليث بن سعد عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن القرظي عن نوف وهو البكالي وكان ممن يقرأ الكتب قال: إني لأجد صفة ناس من هذه الأمة في كتاب الله المنزل؛ «قوم يحتالون على الدنيا بالدين، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، يلبسون للناس مسوك الضأن، وقلوبهم قلوب الذئاب، يقول الله تعالى: فعليّ يجترئون، وبي يغترون؟ حلفت بنفسي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم فيها حيرانا»، قال القرظي: تدبرتها في القرآن فإذا هم المنافقون، فوجدتها ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٠٤].
ورواه أبو نعيم في الحلية من طريق أحمد بن سعيد عن عبد الله بن وهب به مثله.
قال ابن جرير: وحدثني محمد بن أبي معشر أخبرني أبو معشر نجيح قال:
стр. 48
سمعت سعيد المقبري يذاكر محمد بن كعب القرظي فقال سعيد: إن في بعض الكُتُب «إن عبادا ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، لبسوا للناس مُسُك الضأن من اللين، يجترئون الدنيا بالدين، قال الله تعالى: عليّ تجترئون! وبي تغترون! وعزتي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم منهم حيرانا»، فقال محمد بن كعب: هذا في كتاب الله، فقال سعيد: وأين هو من كتاب الله؟ قال: قول الله ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية، فقال سعيد: قد عرفت فيمن أنزلت هذه الآية، فقال محمد بن كعب: إن الآية تنزل في الرجل ثم تكون عامة بعد.
الحديث الثاني عشر: عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: «كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يربو فيها الصغير، ويهرم فيها الكبير، ويتخذها الناس سنة، فإذا غيرت قالوا: غيّرت السنة؟» قيل: متى ذلك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: «إذا كثرت قراؤكم، وقلت فقهاؤكم، وكثرت أمراؤكم، وقلت أمناؤكم، والتُمست الدنيا بعمل الآخرة، وتفقِّه لغير الدين» رواه عبد الرزاق والدارمي والحاكم في مستدركه، ورمز الذهبي في تخليص المستدرك إلى أنه على شرط البخاري ومسلم.
وهذا الأثر له حكم المرفوع لأن مثله لا يقال من قبل الرأي.
وقد رواه أبو نعيم في الحلية مرفوعا إلى النبي ﷺ قال: والمشهور من قول عبد الله موقوف.
الحديث الثالث عشر: عن علي ﵁ أنه ذكر فتنا تكون في آخر الزمان فقال له عمر ﵁: متى ذلك يا علي؟ قال: «إذا تفقه لغير الدين، وتعلم
стр. 49
العلم لغير العمل، والتمست الدنيا بعمل الآخرة» رواه عبد الرزاق.
الحديث الرابع عشر: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يكون في آخر الزمان أمراء ظلمة، ووزراء فسقة، وقضاة خونة، وفقهاء كذبة، فمن أدرك منكم ذلك الزمان فلا يكونن لهم جابيا ولا عريفا ولا شرطيا» رواه الطبراني.
الحديث الخامس عشر: عن مكحول عن معاذ بن جبل ﵁ قال: «لا تذهب الدنيا حتى يأتي أمراء كذبة، ووزراء فجرة، وعرفاء ظلمة، وقُرَّاء فسقة، أهواؤهم مختلفة، ليست لهم زِعَة، يلبسون ثياب الرهبان وقلوبهم أنتن من الجيف، فيلبسهم الله فتنة ظلماء يتهوكون فيها تهوك اليهود» ذكره أبو بكر أحمد بن محمد بن عبد الخالق في كتاب "الورع".
ورواه عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" من حديث علي المرادي عن معاذ ﵁ مختصرا، قال: «يكون في آخر الزمان قُرَّاء فسقة، ووزراء فجرة، وأمناء خونة، وعرفاء ظلمة، وأمراء كذبة» وهكذا رواه البخاري في "التاريخ الكبير" إلا أنه قال عن عيسى المرادي، والله أعلم، وهذا الأثر له حكم المرفوع؛ لأن مثله لا يقال إلا عن توقيف.
وقوله فيه: «ليست لهم زعة» أي ليس لهم وازع من خوف الله تعالى يكفهم ويمنعهم عن الفسوق والعصيان ومخالفة أوامر الله ورسوله ﷺ .
الحديث السادس عشر: ما رواه أبو نعيم في الحلية من حديث أبي الجلد جيلان بن فروة عن معقل بن يسار ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ -
стр. 50
يقول: «لا تذهب الأيام والليالي حتى يَخْلَق القرآن في صدور أقوام من هذه الأمة كما تَخْلَق الثياب، ويكون ما سواه أعجب إليهم، ويكون أمرهم طمعا كله لا يخالطه خوف، إن قصَّر عن حق الله منَّتْه نفسه الأماني، وإن تجاوز إلى ما نهى الله عنه قال: أرجو أن يتجاوز الله عني، يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب، أفضلهم في أنفسهم المداهن» قيل: ومن المداهن؟ قال: «الذي لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر».
الحديث السابع عشر: عن أبي العالية رحمه الله تعالى قال: «يأتي على الناس زمان تخرب صدورهم من القرآن ولا يجدون له حلاوة ولا لذاذة، إن قصَّروا عما أمروا به قالوا: إن الله غفور رحيم، وإن عملوا بما نهوا عنه قالوا: سيغفر لنا، إنا لم نشرك بالله شيئا، أمرهم كله طمع ليس معه صدق، يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب، أفضلهم في دينه المداهن» رواه الإمام أحمد في كتاب "الزهد".
وهذا الأثر كالذي قبله يحمل على أنه بلغه عن النبي ﷺ ؛ لأن الإخبار عن المغيبات لا دخل للرأي فيه، وإنما يتلقى عن المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى.
الحديث الثامن عشر: عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يخرج قوم يأكلون بألسنتهم كما تأكل البقر بألسنتها» رواه الإمام أحمد وأشار إليه الترمذي في جامعه.
الحديث التاسع عشر: عن معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ قال:
стр. 51
«يكون في آخر الزمان أقوام إخوان العلانية أعداء السريرة» فقيل: يا رسول الله، وكيف يكون ذلك؟ قال: «ذلك برغبة بعضهم إلى بعض ورهبة بعضهم من بعض» رواه الإمام أحمد وأبو نعيم في الحلية.
وروى أبو نعيم أيضا أن أبا عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل ﵄ كتبا إلى عمر بن الخطاب ﵁ كتابا فذكره، وفيه: وإنا كنا نُحدَّث أن أمر هذه الأمة سيرجع في آخر زمانها إلى أن يكونوا إخوان العلانية أعداء السريرة، فكتب إليهما عمر بن الخطاب ﵁ جواب كتابهما وفيه: كتبتما تحذراني أن أمر هذه الأمة سيرجع في آخر زمانها إلى أن يكونوا إخوان العلانية أعداء السريرة ولستم بأولئك، وليس هذا بزمان ذاك، وذلك زمان تظهر فيه الرغبة والرهبة، تكون رغبة الناس بعضهم إلى بعض لصلاح دنياهم.
الحديث العشرون: عن سلمان الفارسي ﷺ قال: «إذا ظهر العلم -وفي رواية: القول- وخزن العمل، وائتلفت الألسن، واختلفت القلوب، وقطع كل ذي رحم رحمه، فعند ذلك لعنهم الله فأصمَّهم وأعمى أبصارهم» رواه الإمام أحمد في كتاب الزهد موقوفا، ورواه الطبراني وأبو نعيم وغيرهما مرفوعا إلى النبي ﷺ .
وفي مراسيل الحسن: «إذا أظهر الناس العلم، وضيعوا العمل، وتحابوا بالألسن، وتباغضوا بالقلوب، وتقاطعوا الأرحام؛ لعنهم الله عند ذلك فأصمهم وأعمى أبصارهم».
стр. 52
الحديث الحادي والعشرون: عن عمرو بن قيس الكندي قال: كنت مع أبي الفوارس وأنا غلام شاب فرأيت الناس مجتمعين على رجل، قلت: من هذا؟ قالوا: عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، فسمعته يُحدِّث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من اقتراب الساعة أن ترفع الأشرار، وتوضع الأخيار، ويفتح القول، ويخزن العمل، ويقرأ بالقوم المثناة ليس فيهم أحد ينكرها» قيل: وما المثناة؟ قال: «ما اكتتبت سوى كتاب الله » رواه الحاكم في مستدركه وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وعن عمرو بن قيس السكوني قال: خرجت مع أبي في الوفد إلى معاوية فسمعت رجلا يحدّث الناس يقول: «إن من أشراط الساعة أن ترفع الأشرار، وتوضع الأخيار، وأن يخزن الفعل والعمل، ويظهر القول، وأن يقرأ بالمثناة في القوم ليس فيهم من يغيرها أو ينكرها» فقيل: وما المثناة؟ قال: «ما اكتتبت سوى كتاب الله » قال: فحدثت بهذا الحديث قوما وفيهم إسماعيل بن عبيد الله فقال: أنا معك في ذلك المجلس، تدري من الرجل؟ قلت: لا، قال: عبد الله بن عمرو. رواه الحاكم في مستدركه وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
الحديث الثاني والعشرون: عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ : «إن لكل شيء إقبالا وإدبارا، وإن من إقبال هذا الدين ما كنتم عليه من العمى والجهالة وما بعثني الله به، وإن من إقبال هذا الدين أن تفقه القبيلة بأسرها حتى لا يوجد فيها إلا الفاسق والفاسقان، فهما مقهوران ذليلان إن تكلما قُمعا وقُهرا واضطهدا، وإن من إدبار هذا الدين أن تجفو القبيلة بأسرها حتى
стр. 53
لا يرى فيها إلا الفقيه والفقيهان فهما مقهوران ذليلان، وإن تكلما فأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر قمعا وقهرا واضطهدا فهما مقهوران ذليلان لا يجدان على ذلك أعوانا ولا أنصارا» رواه الطبراني.
ورواه الحارث بن أبي أسامة وفيه: ثم ذكر: «من إدبار هذا الدين أن تجفو القبيلة كلها من عند آخرها حتى لا يبقى فيها إلا الفقيه أو الفقيهان، فهما مقهوران مقموعان ذليلان، إن تكلما أو نطقا قمعا وقهرا واضطهدا، وقيل لهما: أتطعنان علينا؟! حتى يشرب الخمر في ناديهم ومجالسهم وأسواقهم، وتنحل الخمر غير اسمها حتى يلعنَ آخرُ هذه الأمة أوَّلَها، ألا حلَّت عليهم اللعنة ..» الحديث، وفي آخره: «فمن أدرك ذلك الزمان وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر فله أجر خمسين ممن صحبني وآمن بي وصدقني أبدا».
الحديث الثالث والعشرون: عن ابن عباس ﵄ يرفعه قال: «سيأتي زمان يذوب فيه قلب المؤمن كما يذوب الملح في الماء» قيل: مم ذلك يا رسول الله؟ قال: «مما يرى من المنكر لا يستطيع تغييره» (١).
الحديث الرابع والعشرون: عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر» رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب.
стр. 54
الحديث الخامس والعشرون: عن أنس أيضا ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يأتي على الناس زمان يكون المؤمن فيه أذل من شاته» رواه ابن عساكر.
الحديث السادس والعشرون: عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من أعلام الساعة وأشراطها أن يكون المؤمن في القبيلة أذل من النقد» رواه الطبراني، والنقد: صغار الغنم.
الحديث السابع والعشرون: ذكر الأوزاعي عن حسان بن عطية مرسلا أن النبي ﷺ قال: «سيظهر شرار أمتي على خيارها حتى يستخفي المؤمن فيهم كما يستخفي المنافق فينا اليوم».
الحديث الثامن والعشرون: عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «توشك القرى أن تخرب وهي عامرة» قيل: وكيف تخرب وهي عامرة؟ قال: «إذا علا فجّارها أبرارها، وساد القبيلة منافقها» ذكره الإمام أحمد.
الحديث التاسع والعشرون: عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يقول كل عشية خميس لأصحابه: «سيأتي على الناس زمان تمات فيه الصلاة، ويشرف فيه البنيان، ويكثر فيه الحلف والتلاعن، ويفشو فيه الرشا والزنا، وتباع الآخرة بالدنيا، فإذا رأيت ذلك فالنجا النجا» قيل: وكيف النجا؟ قال: «كن حلسا من أحلاس بيتك، وكف لسانك ويديك» رواه ابن أبي الدنيا، وله حكم المرفوع كنظائره.
الحديث الثلاثون: عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من اقتراب الساعة اثنتان وسبعون خصلة: إذا رأيتم الناس أماتوا الصلاة، وأضاعوا الأمانة، وأكلوا الربا، واستحلُّوا الكذب، واستخفُّوا بالدماء،
стр. 55
واستعلوا البناء، وباعوا الدين بالدنيا، وتقطعت الأرحام، ويكون الحكم ضعفا، والكذب صدقا، والحرير لباسا، وظهر الجور، وكثر الطلاق، وموت الفجأة، واُؤتمن الخائن، وخُوِّن الأمين، وصُدِّق الكاذب، وكُذِّب الصادق، وكثر القذف، وكان المطر قيظا، والولد غيظا، وفاض اللئام فيضا، وغاض الكرام غيضا، وكان الأمراء فجرة، والوزراء كذبة، والأمناء خونة، والعرفاء ظلمة، والقُرَّاء فسقة، إذا لبسوا مسوك الضأن قلوبهم أنتن من الجيفة، وأمرّ من الصبر، يغشيهم الله فتنة يتهاوكون فيها تهاوك اليهود الظلمة، وتظهر الصفراء -يعني الدنانير-، وتُطلب البيضاء -يعني الدراهم-، وتكثر الخطباء، ويقل الآمر بالمعروف، وحُلِّيت المصاحف، وصورت المساجد، وطُوِّلت المنابر، وخربت القلوب، وشُربت الخمور، وعُطِّلت الحدود، وولدت الأمة ربتها، وترى الحفاة العراة صاروا ملوكا، وشاركت المرأة زوجها في التجارة، وتشبّه الرجال بالنساء والنساء بالرجال، وحُلف بغير الله، وشهد المرء من غير أن يستشهد، وسلم للمعرفة، وتفقه لغير الدين، وطلبت الدنيا بعمل الآخرة، واتخذ المغنم دولا، والأمانة مغنما، والزكاة مغرما، وكان زعيم القوم أرذلهم، وعقّ الرجل أباه، وجفا أمه، وبر صديقه، وأطاع امرأته، وعلت أصوات الفسقة في المساجد، واتخذت القينات والمعازف، وشربت الخمور في الطرق، واتخذ الظلم فخرا، وبيع الحكم، وكثرت الشُرط، واتخذ القرآن مزامير، وجلود السباع صفافا، ولعن آخرُ هذه الأمة أوَّلَها؛ فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء وخسفا ومسخا وقذفا وآيات» رواه أبو نعيم في الحلية بإسناد ضعيف، وله شواهد من
стр. 56
حديث علي وأبي هريرة وغيرهما مما هو مذكور في هذا الفصل.
الحديث الحادي والثلاثون: عن علي أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء» قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: «إذا كان المغنم دولا، والأمانة مغنما، والزكاة مغرما، وأطاع الرجل زوجته وعق أمه، وبر صديقه وجفا أباه، وارتفعت الأصوات في المساجد، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأُكرِم الرجل مخافة شره، وشُربت الخمور، ولُبس الحرير، واتخذت القيان والمعازف، ولعن آخرُ هذه الأمة أوَّلَها فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء أو خسفا أو مسخا» رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب.
الحديث الثاني والثلاثون: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا اتخذ الفيء دولا، والأمانة مغنما، والزكاة مغرما، وتعلم لغير الدين، وأطاع الرجل امرأته وعق أمه، وأدنى صديقه وأقصى أباه، وظهرت الأصوات في المساجد، وساد القبيلةَ فاسقُهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأُكرم الرجل مخافة شرِّه، وظهرت القينات والمعازف، وشربت الخمور، ولعن آخرُ هذه الأمة أوَّلَها فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء وزلزلة وخسفا ومسخا وقذفا وآيات تتابع كنظام بال قطع سلكه فتتابع» رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب.
قوله: «وظهرت الأصوات في المساجد»، وفي الحديث الذي قبله: «وارتفعت الأصوات في المساجد» يعني -والله أعلم-: أصوات الفسقة كما جاء مصرحا به في حديث حذيفة الذي قبله، ولعل من مصداق هذه
стр. 57
الأحاديث ما وقع في زماننا من كثير من المنتسبين إلى العلم، فقد رأينا كثيرا منهم يقومون في المسجد الحرام وفي غيره من المساجد فيتكلمون بملء أفواههم، ويكثرون الهذيان والثرثرة ويرفعون بذلك أصواتهم ليراهم الناس ويَسمعوهم، وكثير منهم يَقُصُّون على الناس ويخطبون ابتداء من عند أنفسهم من غير أن يؤمروا بذلك، وقد سمعنا كثيرا منهم يتكلمون في تفسير القرآن بآرائهم ويحاولون تطبيقه على الآراء والأذواق والأفعال العصرية، ويتكلمون في بعض الأحاديث بنحو ذلك، وقد قال الله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَاوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧]، هذا مع ما عليه كثير منهم من شوائب الشرك والبدع والمعاصي، فقد سمعت بعضهم في المسجد الحرام يتوسل في دعائه ببعض المخلوقات، وسمعت كثيرا منهم في غيره يتكلمون بالشرك والبدع والضلالات، وكثير منهم يحلقون لحاهم أو ينتفونها ويشتبهون بأعداء الله، ومخالفون ما أمرهم به رسول الله ﷺ من إعفاء اللحى ومخالفة المشركين، وكثير منهم يشربون الدخان الخبيث المسمى بالتتن، وقد ذكر لنا عن بعض هؤلاء المتمعلمين أنه يزعم حِلَّه، وكثير منهم يتخذون آلات اللهو والمعازف ويحضرون عندها، ويستمعون إلى أنواع المحرمات، وربما أضاعوا بعض الصلوات من أجلها، وكثير منهم يشترون المصورات ويقتنونها، وقد ذكر لنا عن بعضهم أنه لا يرى بأسا بالتصوير، عياذا بالله من الجهل.
وكثير منهم يتشبه بالنساء في لبس الأساور وفي التصفيق وغيره، إلى غير ذلك من أنواع الفسوق والعصيان التي قد ارتكبها كثير من الخطباء والقُصَّاص
стр. 58
والوعاظ والمذكِّرين في هذه الأزمان، فصلوات الله وسلامه على الرسول المصطفى الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وقد قال الله تعالى: ﴿أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤].
وروى الطبراني والضياء المقدسي عن جندب ﵁ مرفوعا: «مثل العالم الذي يُعلِّم الناس الخير وينسى نفسه كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه، ومن سمَّع الناس بعلمه سمَّع الله به».
وروى الطبراني أيضا والبزار عن أبي برزة الأسلمي ﵁ مرفوعا: «مثل الذي يُعلِّم الناس الخير وينسى نفسه مثل الفتيلة تضيء للناس وتحرق نفسها».
وروى الإمام أحمد في الزهد، وأبو نعيم في الحلية، عن مالك بن دينار قال: أوحى الله إلى عيسى ﵇ أن يا عيسى عِظ نفسك، فإن اتعظت فعظ الناس، وإلا فاستحِ منِّي.
ومن حِكَم الشعر قول بعضهم:
وغير تقيٍّ يأمر الناس بالتُّقى … طبيب يداوي الناس وَهْوَ سقيم
يا أيها الرجل المعلم غيره … هلا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذي السقام من الضنى … ومن الضنى تمسي وأنت سقيم
لا تَنْه عن خُلُق وتأتي مثله … عارٌ عليك إذا فعلت عظيم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها … فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يُقبَل ما تقول ويُقتدَى … بالقول منك ويَنفعُ التعليم
стр. 59
الحديث الثالث والثلاثون: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «والذي بعثني بالحق لا تنقضي هذه الدنيا حتى يقع بهم الخسف والمسخ والقذف» قالوا: ومتى ذلك يا نبي الله، بأبي أنت وأمي؟ قال: «إذا رأيت النساء قد ركبن السروج، وكثرت القينات، وشهد شهادات الزور، وشرب المسلمون في آنية أهل الشرك الذهب والفضة، واستغنى الرجال بالرجال والنساء بالنساء فاستغفروا واستعدوا» وقال هكذا بيده وستر وجهه. رواه الحاكم في مستدركه.
الحديث الرابع والثلاثون: عن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «اقْرَؤوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الفسق وأهل الكتابين، وسيجيء قوم من بعدي يرجِّعون بالقرآن ترجيع الغناء والرهبانية والنوح لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم» رواه الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام، والطبراني في الأوسط، والبيهقي في شعب الإيمان.
الحديث الخامس والثلاثون: قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام -رحمه الله تعالى-: حدثنا يزيد عن شريك عن أبي اليقظان عثمان بن عمير عن زاذان أبي عمر عن عليم قال: كنا على سطح ومعنا رجل من أصحاب النبي ﷺ قال يزيد: لا أعلمه إلا قال عابس الغفاري، فرأى الناس يخرجون في الطاعون، قال: ما هؤلاء؟ قال: يفرون من الطاعون؟ قال: يا طاعون خذني، فقالوا: أتتمنى الموت وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا
стр. 60
يتمنين أحدكم الموت» فقال: إني أبادر خصالا سمعت رسول الله ﷺ يتخوفهن على أمته؛ بيع الحكم، والاستخفاف بالدم، وقطيعة الرحم، وقوم يتخذون القرآن مزامير؛ يقدمون أحدهم ليس بأفقههم ولا أفضلهم إلا ليغنيهم به غناء. وذكر خلتين آخرتين.
قال: وحدثنا يعقوب بن إبراهيم، عن ليث بن أبي سليم، عن عثمان بن عمير، عن زاذان، عن عابس الغفاري، عن النبي ﷺ مثل ذلك أو نحوه.
وقد رواه البخاري في التاريخ الكبير من حديث ليث، عن عثمان، عن زاذان، سمع عباسا الغفاري قال: سمعت النبي ﷺ يتخوفهن على أمته من بعد: «إمارة السفهاء، وبيع الحكم، واستخفاف بالدم، وقطيعة الرحم، وكثرة الشُرط، ونشو يتخذون القرآن مزامير؛ يتغنون غناء، يقدمون الرجل ليس بأفقههم ولا بأعلمهم لا يقدمونه إلا ليتغنى بهم» ثم رواه من طريق زاذان، عن عليم، سمع عابسا الغفاري.
ورواه الطبراني في معجمه الكبير من حديث زاذان، عن عليم قال: كنا جلوسا على سطح ومعنا رجل من أصحاب النبي ﷺ قال عليم: لا أعلمه إلا عابس أو عبس الغفاري- والناس يخرجون في الطاعون فقال: يا طاعون خذني، ثلاثا، فقلت: ألم يقل رسول الله ﷺ : «لا يتمنى أحدكم الموت، فإنه عند انقطاع عمله ولا يرد فيستعتب» فقال: سمعته يقول: «بادروا بالأعمال ستا؛ إمارة السفهاء، وكثرة الشُرط، وبيع الحكم، واستخفافا بالدم، وقطيعة الرحم، ونشئا يتخذون القرآن مزامير يقدمون أحدهم ليغنيهم وإن كان أقلهم فقها».
стр. 61
الحديث السادس والثلاثون: عن الحسن قال: قال الحكم بن عمرو الغفاري ﵁: يا طاعون خذني إليك، فقال له رجل من القوم: لِم تقول هذا وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به» قال: قد سمعت ما سمعتم ولكنني أبادر ستا: بيع الحكم، وكثرة الشُرط، وإمارة الصبيان، وسفك الدماء، وقطيعة الرحم، ونشوا يكونون في آخر الزمان يتخذون القرآن مزامير. رواه الحاكم في مستدركه.
الحديث السابع والثلاثون: عن عطاء قال: قال أبو هريرة ﵁: إذا رأيتم ستا فإن كانت نفس أحدكم في يده فليرسلها فلذلك أتمنى الموت، أخاف أن تدركني، إذا أمرت السفهاء، وبيع الحكم، وتهون بالدم، وقطعت الأرحام، وقطعت الجلاوزة، ونشأ نشء يتخذون القرآن مزامير. رواه أبو نعيم في الحلية.
قوله: (وقطعت الجلاوزة) هكذا وجدته في الحلية ولعله (وكثرت الجلاوزة) كما في الأحاديث قبله، والجلاوزة: هم الشُرط وأعوان السلطان.
الحديث الثامن والثلاثون: عن كعب الأحبار أنه قال: ليقرأن القرآن رجال وإنهم أحسن أصواتا من العزافات وحُداة الإبل، لا ينظر الله إليهم يوم القيامة. رواه أبو نعيم في الحلية.
الحديث التاسع والثلاثون: عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نقرأ القرآن وفينا العجمي والأعرابي قال: فاستَمَع، قال: فقال: «اقرؤوا فكلٌّ حسنٌّ، وسيأتي قوم يقيمونه كما يُقام
стр. 62
القدح، يتعجلونه ولا يتأجلونه» رواه الإمام أحمد وأبو داود.
وفي رواية لأحمد: دخل رسول الله ﷺ المسجد فإذا فيه قوم يقرؤون القرآن قال: «اقرؤوا القرآن وابتغوا به الله من قبل أن يأتي قوم يقيمونه إقامة القدح، يتعجلونه ولا يتأجلونه».
الحديث الأربعون: عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ يوما ونحن نقتري فقال: «الحمد لله، كتاب الله واحد، وفيكم الأحمر، وفيكم الأبيض، وفيكم الأسود، اقرؤوا قبل أن يقرأه أقوام يقيمونه كما يقوم السهم، يتعجل أجره ولا يتأجله» رواه أبو داود.
الحديث الحادي والأربعون: عن أنس بن مالك ﵁ قال: بينما نحن نقرأ فينا العربي والعجمي والأسود والأبيض إذ خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: «أنتم في خير، تقرؤون كتاب الله وفيكم رسول الله، وسيأتي على الناس زمان يثقفونه كما يثقف القدح، يتعجلون أجورهم ولا يتأجلونها» رواه الإمام أحمد.
وفي هذا الحديث والحديثين قبله فوائد:
إحداها: أن النبي ﷺ كان يحب القراءة السهلة.
الثانية: أنه ﷺ كان يأمر أصحابه أن يقرأ كل منهم بما تيسر عليه، وسهل على لسانه.
الثالثة: ثناؤه عليهم بعدم التكلُّف في القراءة.
الرابعة: أنه لم يكن يُعلِّمهم التجويد ومخارج الحروف، وكذلك
стр. 63
أصحابه ﵃ لم يُنقل عن أحد منهم أنه كان يعلم في التجويد ومخارج الحروف، ولو كان خيرا لسبقوا إليه، ومعلوم ما فتح عليهم من أمصار العجم من فرس وروم وقبط وبربر وغيرهم وكانوا يعلمونهم القرآن بما يسهل على ألسنتهم ولم ينقل أنهم كانوا يعلمونهم مخارج الحروف، ولو كان التجويد لازما ما أهملوا تعلمه وتعليمه.
الخامسة: ذم المتكلفين في القراءة، المتعمقين في إخراج الحروف.
السادسة: الرد على من زعم أن قراءة القرآن لا تجوز بغير التجويد، أو أن ترك التجويد يخل بالصلاة، وقد أخبرني بعض أئمة المسجد النبوي أن جماعة من المتكلفين أنكروا عليه إذ لم يقرأ في الصلاة بالتجويد، وما علم أولئك المتكلفون الجاهلون أن النبي ﷺ أقر العربي والعجمي والأحمر والأبيض والأسود على قراءتهم وقال لهم: «كل حسن»، وذم المتكلفين الذين يقيمونه كما يقام القدح والسهم ويثقفونه ويتنطعون في قراءته كما هو الغالب على كثير من أهل التجويد في هذه الأزمان، فالله المستعان.
السابعة: الأمر بقراءة القرآن ابتغاء وجه الله .
الثامنة: ذم من يأخذ على القراءة أجرا كما عليه كثير من قُرَّاء الإذاعات ونحوهم، وأردأ منهم من يجعل القرآن وسيلة لسؤال الناس، وقد رأيتهم يفعلون ذلك في المسجد الحرام؛ يجلس أحدهم فيقرأ قراءة متكلفة يتنطع فيها، ويعالج في إخراجها أعظم شدة ومشقة، وتنتفخ أوداجه، ويحمرّ وجهه ويكاد يغشى عليه مما يصيبه من الكرب في تكلفة وتنطعه، ويفرش عنده منديلا
стр. 64
أو نحوه ليلقى فيه المستمعون لقراءته ما يسمحون به من أوساخهم، وهذا مصداق حديث عمران بن حصين الآتي، فصلوات الله وسلامه على نبينا المصطفى الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.
الحديث الثاني والأربعون: عن عمران بن حصين ﵄ أنه مر على قارئ يقرأ ثم سأل، فاسترجع ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قرأ القرآن فليسأل الله به، فإنه سيجيء أقوام يقرؤون القرآن يسألون به الناس» رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن.
الحديث الثالث والأربعون: ما رواه الديلمي عن علي ﵁: «من اقتراب الساعة إذا تعلم علماؤكم ليجلبوا به دنانيركم ودراهمكم، واتخذتم القرآن تجارة».
الحديث الرابع والأربعون: عن أم الفضل أم عبد الله بن عباس ﵃ قالت: بينما نحن بمكة قام رسول الله ﷺ من الليل فنادى: «اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت؟» ثلاثا، فقام عمر بن الخطاب ﵁ قال: نعم، ثم أصبح فقال رسول الله ﷺ : «ليظهرن الإسلام حتى يرد الكفر إلى مواطنه، وليخوضن رجال البحار بالإسلام، وليأتين على الناس زمان يتعلمون القرآن ويقرؤونه ثم يقولون: قرأنا وعلَّمنا، فمن هذا الذي هو خير منا؟ فهل في أولئك من خير» قالوا: يا رسول الله، فمن أولئك؟ قال: «أولئك منكم وهم وقود النار» رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه.
الحديث الخامس والأربعون: عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويثبت الجهل، ويشرب الخمر،
стр. 65
ويظهر الزنا» متفق عليه.
وفي رواية: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أشراط الساعة أن يقل العلم، ويظهر الجهل، ويظهر الزنا، وتكثر النساء، ويقل الرجال حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد» هذا لفظ البخاري.
ولفظ مسلم: «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويظهر الجهل، ويفشو الزنا، ويشرب الخمر، ويذهب الرجال، وتبقى النساء حتى يكون لخمسين امرأة قيم واحد».
قوله: «ويثبت الجهل»، قال النووي رحمه الله تعالى في شرح مسلم: هكذا هو في كثير من النسخ «يثبت الجهل» من الثبوت، وفي بعضها «يُبَثّ» بضم الياء وبعدها موحده مفتوحة ثم مثلثة مشددة أي ينشر ويشيع. انتهى.
قال الكرماني: وفي رواية «وينبت» بالنون بدل المثلثة من النبات، ذكر ذلك عنه الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" قال: وحكى ابن رجب عن بعضهم «وينثا» بنون ومثلثة من النث وهو الإشاعة، قال ابن حجر: وليست هذه في شيء من الصحيحين. انتهى.
وقد ظهر مصداق هذا الحديث في زماننا ما عدا خصلة واحدة وهي قلة الرجال وكثرة النساء، فأما العلم الموروث عن النبي ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين فقد هجره الأكثرون، وقل من يرغب فيه ويعتني به، وقد انصرفت الهمم إلى الجهل الصرف الذي هو الصحف والمجلات والكتب
стр. 66
العصرية وأخبار الإذاعات وما شاكل ذلك من الجهل الذي قد ظهر وثبت وبث ونث في مشارق الأرض ومغاربها، وشاع بين الخاصة والعامة، وشغف به الكبير والصغير، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وأما الزنا فقد جعل له أسواق معروفة في أكثر الأقطار الإسلامية وما يفعل في غير الأسواق أكثر وأكثر، وكذلك الخمر قد فشا شربها وبيعها علانية، فالله المستعان.
الحديث السادس والأربعون: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يتقارب الزمان، وينقص العلم، وتظهر الفتن، ويلقى الشح، ويكثر الهرج» قالوا: يا رسول الله، أيما هو؟ قال: «القتل القتل» متفق عليه.
وقد اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في معنى قوله: «يتقارب الزمان» وفي ذلك أقوال كثيرة ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في "فتح الباري" جملة منها، والظاهر -والله أعلم- بمراد رسوله ﷺ أن ذلك إشارة إلى ما حدث في زماننا من المراكب الأرضية والجوية والآلات الكهربائية التي قربت كل بعيد، والمعنى على هذا يتقارب أهل الزمان كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] يعني أهل القرية، والعير يعني أصحاب العير، وكقوله ﷺ : «أيما قرية عصت الله ورسوله فإن خمسها لله ورسوله» ونظائر ذلك كثيرة جدا في كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ ولغة العرب، ولولا خشية الإطالة لذكرت أمثلة كثيرة.
وفي جامع الترمذي عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، وتكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة،
стр. 67
وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كالضرمة بالنار» قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه.
وهذا الحديث ينطبق على سير المراكب الأرضية في هذه الأزمان، فإنها تقطع مسافة السنة في شهر فأقل، ومسافة الشهر في جمعة فأقل، ومسافة الجمعة في يوم فأقل، ومسافة اليوم في ساعة فأقل، ومسافة الساعة في مثل احتراق السعفة، وبعضها أسرع من ذلك بكثير، وأعظم من ذلك المراكب الجوية فإنه هي التي قربت البعيد غاية التقريب بحيث صارت مسافة السنة تقطع في يوم وليلة أو نحو ذلك، وأعظم من ذلك الآلات الكهربائية فإنها قد بهرت العقول في تقريب الأبعاد بحيث كان الذي في أقصى المشرق يخاطب مَن في أقصى المغرب، وبحيث كان الجالس عندها يسمع كلام مَن في أقصى المشرق ومَن في أقصى المغرب، ومَن في أقصى الشمال ومَن في أقصى الجنوب وغير ذلك من أرجاء الأرض في دقيقة واحدة كأن الجميع حاضرون عنده في المجلس، فالمراكب الأرضية والجوية قربت الأبعاد من ناحية السير، والآلات الكهربائية قربت الأبعاد من ناحية التخاطب وسماع الأصوات، فسبحان من علم الإنسان ما لا يعلم.
وقد جاءت الإشارة إلى ما حدث في هذه الأزمان من المخترعات العجيبة فيما رواه الإمام أحمد والطبراني والحاكم من حديث سمرة بن جندب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تروا أمورا عظاما لم تحدثوا بها أنفسكم».
стр. 68
وفي رواية الحاكم: «يتفاقم شأنها في أنفسكم وتساءلون بينكم هل كان نبيكم ﷺ ذكر لكم منها ذكرا» الحديث، قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
ويشهد له ما في الصحيحين من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قام على المنبر فذكر الساعة، وذكر أن بين يديها أمورا عظاما.
ورواه الإمام أحمد في مسنده، وابن حبان في صحيحه بإسناده مسلم.
وقد وقع الأمر طبق ما في حديث سمرة فتفاقم شأن هذه المخترعات العجيبة في أنفس العامة وكثر تساؤلهم هل كان النبي ﷺ ذكرها أو أشار إليها؟!
والجواب: أن يقال: نعم، قد أشار إليها على طريق الإجمال في هذه الأحاديث التي ذكرنا، ونحو ذلك ما في صحيح مسلم وغيره من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لتتركن القلاص فلا يسعى عليها»، والقلاص جمع قلوص وهي الناقة الشابة، وقيل: هي الباقية على السير، وعلى هذا القول فالقلوص من الإبل ما أُعدَّ للأسفار وكان قويا عليها سواء كان شابا أو مُسنّا، وهذا أقرب إلى مدلول الحديث، وإن كان القول الأول أشهر في اللغة.
وقد ظهر مصداق هذا الحديث في زماننا فترك السعي على الإبل بسبب المراكب الجوية والأرضية، حتى الأعراب الذين هم أهل الظعن على الإبل وكثرة الأسفار عليها قد تركوا السعي على الإبل إلا قليلا منهم، فصلوات الله وسلامه على نبينا محمد المصطفى الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا
стр. 69
وحي يوحى.
وروى ابن مردويه من حديث أبي هريرة ﵁: «من أشراط الساعة تقارب الأسواق».
وفي حديث النواس بن سمعان ﵁ في ذكر الدجال قالوا: يا رسول الله، وما إسراعه في الأرض؟ قال: «كالغيث استدبرته الريح» رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن.
وفي صحيح ابن حبان عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سيكون في آخر أمتي رجال يركبون على سروج كأشباه الرحال، ينزلون على أبواب المساجد» الحديث، ورواه الحاكم بلفظ: «سيكون في آخر هذه الأمة رجال يركبون على المياثر حتى يأتوا أبواب مساجدهم» وسيأتي الحديث بتمامه قريبا إن شاء الله تعالى.
والرِّحال: جمع رحل وهي الدور والمنازل، والمياثر: جمع مِيثرة بكسر الميم، وهو ما كان وطيئا لينا مما يجلس عليه ويرتفق به، قال الخطابي والهروي وغيرهما من أهل اللغة: هي من مراكب العجم، قال الهروي: وتعمل من حرير أو ديباج وتتخذ كالفراش الصغير وتحشى بقطن أو صوف يجعلها الراكب تحته. انتهى.
وهذا الحديث ينطبق على السيارات، فإنها تشبه الدور الصغار، وفيها مياثر وطيئة لينة، وكثير من المترفين يركبونها إلى المساجد وخصوصا في الجمعة والعيدين.
إذا عُرف هذا فالإجمال في هذه الأحاديث قد صار كالتفصيل عند مَن
стр. 70
أدرك ذلك وشاهده وكان له أدنى علم ومعرفة، ولعل النبي ﷺ إنما ترك التفصيل خشية أن يفتتن بسببه من لم يرسخ الإيمان في قلبه كما وقع مثل ذلك في قصة الإسراء لما أخبرهم النبي ﷺ أنه أسري به إلى بيت المقدس ورجع في ليلته؛ فأنكر ذلك المشركون، وارتد ناس ممن آمن به وصدقه، وهو ﷺ إنما أخبرهم عن أمر خارق للعادة، وإذا كان المشركون قد أنكروا الإسراء بالنبي ﷺ إلى بيت المقدس، فكيف لو أخبرهم أن بني آدم يصنعون في آخر الزمان مراكب تسير في البر ومراكب تسير بهم في الهواء، وتذهب من الحجاز إلى الشام وترجع في ساعتين فأقل، وأن أهل الشام ومصر والعراق والهند ونحوها من الأقطار البعيدة يسافرون من بلادهم للحج يوم عرفة فيدركون الوقوف مع الناس بعرفة، وكذلك لو أخبرهم أن أهل الأرض يتخاطبون بواسطة آلات يتخذونها كما يتخاطب أهل البيت الواحد؛ فيكلم الذي في أقصى المشرق من كان في أقصى المغرب كما يكلم الجالس عنده وبالعكس، ويستمع الإنسان إلى الألسن المختلفة في مشارق الأرض ومغاربها وهو جالس في مجلسه، ونحو ذلك مما لا تحتمله أكثر العقول البشرية دون أن ترى ذلك عيانا وتقف على حقيقته، فلو وقع الإخبار بذلك مفصلا لم تُؤمَن الفتنة على أهل الإيمان الضعيف، فكان من حكمة الشارع الحكيم أن أخبر بذلك مجملا بما أغنى مَن شاهده عن التفصيل .. والله أعلم.
الحديث السابع والأربعون: عن عبد الله بن مسعود، وأبي موسى ﵄ قالا: قال النبي ﷺ : «إن بين يدي الساعة لأياما ينزل فيها الجهل،
ويرفع فيها العلم، ويكثر فيها الهرج، والهرج القتل» متفق عليه، وفي رواية
стр. 71
للبخاري: «بين يدي الساعة أيام الهرج يزول فيها العلم، ويظهر فيها الجهل» قال أبو موسى: والهرج: القتل بلسان الحبشة.
الحديث الثامن والأربعون: عن عمرو بن تغلب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن من أشراط الساعة أن يفيض المال، ويكثر الجهل، وتظهر الفتن، وتفشو التجارة» رواه الإمام أحمد، والحاكم من طريقه، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وإسناده على شرطهما صحيح، ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه.
وقد رواه النسائي في سننه بزيادة ونقص عما هنا.
وقد رواه أبو داود الطيالسي في مسنده ولفظه: «إن من أشراط الساعة يكثر التجار ويظهر القلم».
الحديث التاسع والأربعون: عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما، اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسُئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا» رواه الإمام أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجة.
وفي رواية لأحمد والشيخين عنه ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاهموه انتزاعا؛ ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم
стр. 72
فيضلون ويضلون» هذا لفظ البخاري.
الحديث الخمسون: ما أخرجه يعقوب بن شيبة من طريق الحارث بن حصيرة، عن زيد بن وهب قال: سمعت عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: «لا يأتي عليكم يوم إلا وهو شر من اليوم الذي كان قبله حتى تقوم الساعة، لست أعني رخاء من العيش يصيبه، ولا مالا يفيده ولكن لا يأتي عليكم يوم إلا وهو أقل علما من اليوم الذي مضى قبله، فإذا ذهب العلماء استوى الناس، فلا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، فعند ذلك يهلكون».
ومن طريق أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن ابن مسعود ﵁ إلى قوله: «شر منه» قال: فأصابتنا سنة خصب فقال: ليس ذلك أعني، إنما أعني ذهاب العلماء.
ومن طريق الشعبي عن مسروق عنه قال: «لا يأتي عليكم زمان إلا وهو أشر مما كان قبله، أما إني لا أعني أميرا خيرا من أمير، ولا عاما خيرا من عام، ولكن علماؤكم وفقهاؤكم يذهبون ثم لا تجدون منهم خلفا ويجيء قوم يفتون برأيهم».
وفي لفظ عنه من هذا الوجه: «وما ذاك بكثرة الأمطار وقلتها؛ ولكن بذهاب العلماء، ثم يحدث قوم يفتون في الأمور برأيهم فيثلمون الإسلام ويهدمونه»، ذكر هذه الطرق كلها الحافظ ابن حجر في فتح الباري، وهذا لا يقال من قبل الرأي، فلعل ابن مسعود ﵁ سمعه من النبي ﷺ .
الحديث الحادي والخمسون: عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 73
«كيف بكم إذا فسق فتيانكم، وطغى نساؤكم؟» قالوا: يا رسول الله، وإن ذلك لكائن؟! قال: «نعم وأشد، كيف أنتم إذا لم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر؟» قالوا: يا رسول الله، وإن ذلك لكائن؟ قال: «نعم وأشد، كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟» قالوا: يا رسول الله، وإن ذلك لكائن؟ قال: «نعم وأشد، كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرا والمنكر معروفا؟» قالوا: يا رسول الله، وإن ذلك لكائن؟ قال: «نعم» رواه رزين.
الحديث الثاني والخمسون: عن أنس بن مالك ﵁ قال: قيل: يا رسول الله، متى يُترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: «إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم» قلنا: يا رسول الله، وما ظهر في الأمم قبلنا؟ قال: «الملك في صغاركم، والفاحشة في كباركم، والعلم في رذالتكم» رواه ابن ماجة وقال: قال زيد -يعني ابن يحيى بن عبيد الخزاعي أحد رواته-: تفسير معنى قول النبي ﷺ : «والعلم في رذالتكم»: إذا كان العلم في الفُسَّاق، قلت: وسيأتي عن ابن مسعود ﵁ ما يؤيد ذلك.
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": وأخرج ابن أبي خيثمة من طريق مكحول عن أنس ﵁ قيل: يا رسول الله، متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: «إذا ظهر فيكم ما ظهر في بني إسرائيل، إذا ظهر الإدهان في خياركم، والفحش في شراركم، والملك في صغاركم، والفقه في رذالكم».
стр. 74
قلت: ورواه أبو نعيم في الحلية من طريق مكحول، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قيل: يا رسول الله، متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: «إذا ظهر فيكم ما ظهر في بني إسرائيل قبلكم» قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: «إذا ظهر الإدهان في خياركم، والفاحشة في شراركم، وتحول الفقه في صغاركم ورذالكم».
قال الحافظ ابن حجر: وفي مصنف قاسم بن أصبغ بسند صحيح عن عمر ﵁: فساد الدين إذا جاء العلم من قبل الصغير استعصى عليه الكبير، وصلاح الناس إذا جاء العلم من قبل الكبير تابعه عليه الصغير.
وذكر أبو عبيد أن المراد بالصغر في هذا صغر القدر لا السن، والله أعلم. انتهى.
قلت: بل كلاهما مراد لما روى الإمام أحمد والحاكم من حديث أنس ﵁ مرفوعا: «إذا كانت الفاحشة في كباركم، والملك في صغاركم، والعلم في مُرَّادكم، والمداهنة في خياركم» الحديث، فقوله: «في مُرَّادكم» واضح في صغر السن، وقوله: «في رذالكم» واضح في صغر القدر، وقد يطلق وصف الأمرد على من يحلق لحيته ويشتبه بالنساء والمردان أخذا مما ذكره أئمة اللغة؛ قال الجوهري: تمريد الغصن تجريده من الورق، وقال الراغب الأصفهاني: من قولهم شجر أمرد؛ إذا تعرى من الورق، ومنه الأمرد لتجرده عن الشعر. انتهى.
وحلق الشعر من اللحية قريب في المعنى من تمريد الغصن وتعري
стр. 75
الشجر من الورق، فجاز إطلاق وصف الأمرد على فاعله بهذا الاعتبار، وعلى هذا فيعود المعنى إلى ما ذكره أبو عبيد من صغر القدر، والله أعلم.
ومعنى الحديث -والله أعلم- أن العلم يتحول في آخر الزمان عند الفُسَّاق والمردان السفهاء، ونحوهم من السفل والأراذل الذين لا يؤبه لهم، وليسوا من رعاة العلم الذين يحترمونه ويصونونه عما يدنسه ويشينه، فيستهان بهم ويستهان بالعلم لأجلهم، فلا يقبل منهم ولا يستمع لقولهم.
وأيضا فإنهم من أعظم الأسباب لترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لإتيانهم المنكرات، وإنكارهم على من أنكر عليهم شيئا منها بالشبه والمغالطات، كما هو الواقع من كثير منهم في هذه الأزمان، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ألا ترى إلى حالة أكثرهم في هذه الأزمان وما هم عليه من أنواع الفسوق والعصيان؟ فبعضهم يحلق لحيته ويتشبه بأعداء الله من المشركين والنصارى والمجوس، وبعضهم ينتفها نتفا وذلك أقبح من الحلق؛ لأن فيه زيادة تشويه للخلقة، وكل من الحلق والنتف مُثلة قبيحة، وكثير منهم يشربون الدخان الخبيث المسمى بالتتن ويدمنون شربه، وقد ثبت أنه من المسكرات كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى، وأما خبثه فلا يمتري فيه عاقل، وكثير منهم يتهاونون بالصلاة ويضيعونها ولا يبالون بها، وسواء عند بعضهم صلاها في جماعة أو وحده، أو في وقتها أو بعده، حتى إن بعضهم يعكف على أم الملاهي الراديو (١) أكثر
ليله، ثم ينام عن صلاة الفجر فلا يصليها إلا بعد ارتفاع النهار، وبعضهم يترك صلاة العشاء مع الجماعة إيثارا للعكوف على الراديو، وربما ترك حضور