Полный текст (927 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
من ثناء عليها واستغفار لها، وقيل عائشة أفضل وضعف بحيث بالغ ابن العربى فقال لا خلاف أن خديجة أفضل من عائشة قال فى الفتح ورد بأن الخلاف ثابت وإن كان الراجح أفضلية خديجة. وقال شيخ الإسلام زكرياء الأنصاري عند ذكر أزواجه ﷺ وأفضلهن خديجة وعائشة، وفي أفضليتهما خلاف وصحح ابن العماد والسبكي وغيرهما تفضيل خديجة لما ثبت أنه ﷺ قال لعائشة رضى الله عنها لما حملتها الغيرة من كثرة ثنائه على خديجة على أن قالت قد رزقك الله خيرا منها، قالت فغضب حتى قلت والذى بعثك بالحق لا أذكرها بعد هذا إلا بخير. فقال والله ما رزقنى الله خيرا منها. آمنت بي حين كفر بي الناس، وصدقت بي حين كذبني الناس، وأعطتني مالها حين حرمني الناس، وآوتني إذ رفضني الناس، ورزقت منى الولد إذ حرمتموه. وسئل الإمام أبو بكر بن الامام المجتهد دواوود الظاهري أبيهما أفضل؟ فقال: عائشة أقرأها النبي ﷺ السلام من جبريل من قبل نفسه وخديجة أقرأها جبريل السلام من ربه على لسان محمد، فهي أي خديجة أفضل، قيل له فمن الأفضل خديجة أم فاطمة؟ قال ان رسول الله ﷺ قال فاطمة بضعة منى بفتح الموحدة كما هو فى الرواية وحكي ضمها وكسرها أي فاطمة لحم منى فلا أعدل ببضعة رسول الله ﷺ أحدا. قال السهيلى وهذا استقراء حسن، ويشهد له أن أبا لبابة لما ربط نفسه وحلف أن لا يحله إلا رسول الله ﷺ جاءت فاطمة لتحله فأبى لقسمه فقال ﷺ فاطمة بضعة مني، فحلته ويشهد له أيضا قوله ﷺ لفاطمة أما ترضين أن تكونى سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم فهذا دليل على فضلها على أمها، وبهذا استدل السبكي قال فى الفتح والذى يظهر أن الجمع بين الحديثين أولى
وقال فى الإصابة وقد ذكر حديث خير نسائها خديجة وقوله لفاطمة أما ترضين بأنك سيدة نساء العالمين يحتمل على التفرقة بين السيادة
стр. 107
والخيرية أو على أن ذلك بالنسبة لما وجد من النساء حين قاله لفاطمة، اهـ
وفيه نظر فإن المراد بالسيادة الخيرية وهى الفضل كما صرح به فى رواية أحمد وحمله على الموجودات ياباه قوله نساء العالمين وهو فى الصحيحين لأنه تخصيص للعام بلا مخصص فقد ساوت أمها وزادت عليها لكونها بضعة المختار فهي أفضل منها وقد صرح هو فى الفتح فى المناقب بما لفظه قيل انعقد الإجماع على أفضلية فاطمة. وبقي الخلاف بين عائشة وخديجة اهـ .. بل توسع بعض المتأخرين فقال فاطمة وأخوها إبراهيم أفضل من سائر الصحابة حتى من الخلفاء الأربعة فإن أراد من حيث البضعة فمحتمل وإن كان الخلفاء أفضل من حيث العلوم الجمة وكثرة المعارف ونصر الدين والأمة قاله الشيخ محمد بن عبد الباقي وقال في المواهب عن السبكي الكبير والذي نختاره وندين الله به أن فاطمة أفضل ثم أمها خديجة ثم عائشة. قال فى المواهب واختار السبكي أن مريم أفضل من خديجة قال الزرقاني ولم يتعرض للتفضيل بين مريم وفاطمة واختار السيوطي تفضيل فاطمة على مريم وسبقه إلى اختيار ذلك الزركشي والخيضري والمقريزي لكن يرد عليهم قوله لفاطمة أما ترضين أن تكونى سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم نعم يعارضه حديث أما ترضين أنك سيدة نساء العالمين؟ قالت يا أبت فسي أين مريم؟ قال تلك سيدة نساء عالمها. ولم ينقدح لى وجه الجمع اهـ كلام الزرقاني، قال مؤلفه سمح الله له وتحصل مما مر أن الراجح المشهور تفضيل خديجة على عائشة رضى الله عنهما وأن الراجح تفضيل فاطمة على أمها كما جزم به السبكي والإمام أبو بكر بن داوود واستحسنه السهيلي وجزم به الزرقاني وتعقب ما فى الفتح من أنه لا يفضل بينهما بما مر قريبا ومنه أنه فى الفتح نقل الاجماع على أفضلية فاطمة في كتاب المناقب ويعني به ترجمة فضل عائشة فقد ذكر ذلك فيها، وأما التفضيل بين مريم وفاطمة فاختار الزركشي والسيوطي والخيضري والمقريزي أن فاطمة أفضل وأما ما بين خديجة ومريم فقال فيه النووي أن التفضيل
стр. 108
بينهما مسكوت عنه يعني على أنها ليست نبية كما هو مذهب الجمهور. وقد مرّ عن المفسرين أنه قيل بتفضيلها على نساء العالمين على الإطلاق والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. وحينئذ فقول الناظم خير نساء الناس أجمعينا يعني الموجودات في زمانها وتستثنى من ذلك فاطمة بضعة رسول الله ﷺ ، والله أعلم. (قد) للتحقيق (أقامت معه عشرينا) سنة (وأربعا) من السنين ومراده أن خديجة رضى الله عنها مدة حياتها بعد تزويج رسول الله ﷺ إياهاً أربع وعشرون سنة وقال الحافظ في الفتح وأقامت معه ﷺ خمسا وعشرين سنة على الصحيح وقال ابن عبد البر أربعا وعشرين سنة وأربعة أشهر وسيأتى من حديث عائشة ما يؤيد الصحيح فى أن موتها قبل الهجرة بثلاث سنين وذلك بعد المبعث على الصواب بعشر سنين وتقدم تصديقها للنبي ﷺ فى أول وهلة اهـ.
وقال القسطلاني فى المواهب وكانت مدة مقامها مع النبي ﷺ خمسا وعشرين سنة اهـ، قال في الشرح على الصحيح كما في الفتح وهو المطابق للصحيح وهو قول الأكثر أنه تزوجها وهو ابن خمس وعشرين سنة وقال فى المواهب وشرحها وقيل أربعا وعشرين سنة وأربعة أشهر قاله ابن عبد البر وهو مطابق له أيضا بإلغاء الكسر فى عامي الزواج والوفاة، اهسـ .. وقد علم أن الناظم مشى على الصحيح من أنه تزوجها وهو ابن خمس وعشرين ودخل فى السادسة وقوله هنا أربعا وعشرين أي وأربعة أشهر فيصبح كلامه بإلغاء الكسر فى عام التزويج وعام الوفاة، كما أول به الزرقاني عبارة المواهب المحكية بقوله وهي موافقة لعبارة الناظم والله أعلم. أما على أن سنه إحدى وعشرون أو ثلاثون فلا يتأتى أن قالا ان موتها سنة عشر من البعثة، قاله الزرقاني وغيره (ورزق البنينا منها سوى أحدهم يقينا) نائب رزق ضمير عائد على النبي ﷺ والبنين مفعوله الثاني والضمير المجرور لأمنا خديجة ﵂ ويقينا مصدر مؤكد
стр. 109
لمضمون الجملة قبله وعامله محذوف أي أتيقن هذا أو نحوه يعنى أن النبي ﷺ أعطاه الله تعالى من الذرية الكرام ما أعطاه من البنين والبنات سوى إبراهيم من خديجة الطاهرة سيدة نساء قريش وهي من أعظم مزاياها التي اختصت بها عن غيرها ليمنها وسعادتها وإبراهيم هو المراد بقوله سوى أحدهم وسياتى للناظم التعرض لأولاده ﷺ ويأتي الكلام عليهم ان شاء الله تعالى عناد ذكر الناظم لهم.
وتوفيت خديجة رضى الله عنها بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين وذلك بعد المبعث بعشر سنين على الصحيح كما فى الفتح والإصابة وزاد عن الواقدي لعشر خلون من رمضان وقيل قبل الهجرة بأربع سنين وقيل خمس حكاهما في الاصابة ووقيل ست حكاه في الفتح ودفنت بالحجون ونزل ﷺ فى حفرتها وهي بنت خمس وستين سنة كما فى رواية الواقدي، وفي السمط الثمين أربع وستون وستة أشهر ولم يكن يومئذ يصلى على الجنائز وروى ابن عساكر بسند ضعيف أنه ﷺ دخل على خديجة وهي فى الموت فقال يا خديجة إذا لقيت ضرائرك فاقرئيهن مني السلام، فقالت يارسول الله وهل تزوجت قبلي؟ قال لا. ولكن الله زوجني مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وكلثم أخت موسى ورواه الزبير بن بكار بلفظ أنه دخل علي خديجة وهي في الموت فقال تكرهين ما ارى منك يا خديجة وقد يجعل الله في الكره خيرا، أشعرت أن الله أعلمنى أنه سيزوجنى معك فى الجنة مريم وآسية وكلثم؟ فقالت الله أعلمك بهذا؟ قال نعم. وماتت هي وأبو طالب في عام واحد، قيل فسماه عام الحزن ﷺ ، انظر الزرقاني.
(ثم ابن خامس وثلاثين حضر ... بناء بيت الله ... )
قوله ابن بالنصب حال من فاعل ضمير وهو ضمير النبي ﷺ وبيت الله الكعبة زادها الله تعالى تعظيما يعني أنه ﷺ حضر بناء قريش للكعبة وهو ﵇ إذ ذاك ابن
стр. 110
خمس وثلاثين سنة من مولده ﵊.
(إذ) أي حين (بنى) أي وضع ﷺ (الحجر) الأسود موضعه إذ تولى هو ﷺ وضعه في محله (بيده) متعلق ببني (الكريمة) أي الثابت لها ولصاحبها ﷺ أعلى ما توصف به الحوادث من الكمالات (الزكية) أي المباركة الكثيرة الخير (صلى عليه بارئ البرية) أي خالق المخلوقات كلها وهو الله تعالى. وكونه ﷺ حين بناء قريش للكعبة ابن خمس وثلاثين هو الذى جزم به ابن إسحاق وغير واحد من العلماء وهو الأشهر كما قال الحافظ وقيل ابن خمس وعشرين وجزم به موسى بن عقبة وروي عن مجاهد ومحمد بن جبير وسبب بناء قريش للكعبة أن قريشا خافت أن تنهدم الكعبة من السيول وذلك أن السيل أتى من فوق الردم الذى بأعلى مكة فخربه فخافوا أن يدخلها الماء، وقيل سببه احتراقها، فروي أن امرأة أجمرت الكعبة فطارت شرارة فى ثيابها فأحرقتها، وقيل أن نفرا سرقوا حلي الكعبة وغزالين من ذهب وقيل غزالا واحدا مرصعا بجوهر وكان فى بئر فى جوف الكعبة فأرادوا أن يرفعوا بنيانها حتى لا يدخلها الا من شاؤوا، وقيل ان السيل دخلها وصدع جدرانها بعد توهينها وجمع كما فى الزرقاني بأنه لا مانع أن سبب بنائهم ذلك كله ويجوز أن خشية هدم السيل حصل من الحريق حتى أوهن بناءها ووجدت السرقة بعد ذلك، وأعدوا لذلك نفقة وعمالا ثم عمدوا إليها ليهدموها على إشفاق وحذر منهم أن يمنعهم الله ما أرادوا فأمروا باقوم القبطي مولى أسيد بن العاصي بن أمية وصانع المنبر النبوي المدني أن يبنيها لهم وباقوم بموحدة فألف فقاف مضمومة فواو ساكنة ويقال بلام بدل الميم صحابي كما في الاصابة، وروي ابن عيينة عن عبيد بن عمير قال اسم الرجل الذي بني الكعبة لقريش باقوم الرومي وكان في سفينة حبسها الريح وخرجت إليها قريش فأخذوا خشبها وقالوا له ابنها على بناء الكنائس فيحتمل أنهما اشتركا فى بنائها أو أحدهما بنى والآخر سقف وأنهما واحد رومي فى الأصل ونسب إلى القبط حلفا وهذا هو الظاهر من كلام
стр. 111
الإصابة اهـ.
وروي ان السفينة ألقاها الريح بجدة فتحطمت فخرج إليها الوليد بن المغيرة في نفر من قريش فابتاعوا خشبها وكلموا باقوم في بنائها فقدم معهم. وقال ابن اسحاق كان بمكة رجل قبطي نجار فتهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحها قال فهاب الناس هدمها فقال الوليد بن المغيرة أنا أبدأكم في هدمها فأخذ المعول وهو يقول اللهم لم ترع بفوقية مضمومة فراء مفتوحة أي لم تفزع الكعبة وهذا أولى من إعادة السهيلي الضمير لله تعالى، وفي رواية لم نزغ بفتح النون وكسر الزاء وغين معجمة أي لم نمل عن دينك اللهم لا نريد إلا الخير، ثم هدم من ناحية الركنين الأسود واليماني وتربص الناس الناس تلك الليلة وقالوا ننتظر فإن أصيب لم نهدم منها شيئاً ورددناها كما كانت وإن لم يصبه شيء هدمنا فقد رضي الله ما صنعنا. فاصبح الوليد عائدا إلى عمله فهدم وهدم معه الناس، حتى إذا انتهى الهدم بهم إلى أساس إبراهيم أفضووا إلى حجارة خضر كالأسنمة جمع سنام وهو أعلى الظهر للبعير ومن رواه كالأسنة جمع سنام شبهها بها في الخضرة، أخذ بعضها ببعض فأدخل رجل ممن كان يهدم عتلة بين حجرين ليقلع بها بعضها فلما تحرك الحجر تنغضت مكة بأسرها وأبصر القوم برقة خرجت من تحت الحجر كادت تخطف بصر الرجل فانتهوا عن ذلك الأساس وبنوا عليه اهـ.
وقوله عتلة في القاموس العتلة محركة حديدة كأنها رأس فأس أو العصى الضخمة من حديد لها رأس مفلطح يهدم بها الحائط وفي القاموس تنغض أي بالغين والضاد المعجمتين تحرك اهـ.
وفي رواية أنهم لما شرعوا في نفض البناء خرجت لهم الحية التي كانت في بطنها تحرسها سوداء البطن فمنعتهم من ذلك فاعتزلوا عند مقام إبراهيم فتشاوروا فقال لهم الوليد ألست تريدون الإصلاح؟ قالوا بلى! قال فإن الله لا يهلك المصلحين ولكن لا تدخلوا في بيت ربكم إلا طيب أموالكم فإن الله لا يقبل إلا طيبا وعند موسى بن عقبة أنه قال لا تجعلوا فيها مالا أخذ غصبا ولا قطعت فيه رحم ولا انتهكت فيه حرمة
стр. 112
وعند ابن اسحاق أن الذي أشار بذلك أبو وهب بن عمر بن عامر بن عمران بن مخزوم ففعلوا وقالوا اللهم إن كان لك فى هدمها رضى فأتمه واشغل عنا هذا الثعبان فأقبل طائر من جو السماء كهيأة العقاب ظهره أسود وبطنه أبيض ورجلاه صفراوان والحية على جدار البيت فأخذها ثم طار بها فقالت قريش إنا لنرجو أن الله قبل عملكم ونفقتكم ثم إن قبائل قريش جمعت الحجارة لبنائها فكل قبيلة تنقل الحجارة على حدة وحضر رسول الله ﷺ وكان ينقل معهم الحجارة من أجياد وكانوا يضعون أزرهم رهام علي عواتقهم ويحملون الحجارة فقال له العباس اجعل إزارك على رقبتك يقيك من الحجارة ففعل، فلبط به بالموحدة كعني أي سقط من قيامه فهو من الأفعال التى جاءت بصيغة المبني للمفعول وهي بمعنى المبني للفاعل ونودي يا محمد غط عورتك فشد عليه إزاره فلما ريئ بعد ذلك عريانا، وفى رواية كانوا كلما أرادوا القرب منه أي البيت لهدمه بدت لهم حية فاتحة فاها فبعث الله طيرا أعظم من النسر فغرز مخالبه فيها فألغاها نحو أجياد فهدمت قريش الكعبة وبنوها بحجارة الوادي فرفعوها في السماء عشرين ذراعا فبينما النبي ﷺ يحمل الحجارة من أجياد وعليه نمرة فضاقت عليه النمرة فذهب يضعها على عاتقه فبدت عورته فنودي يا عريانا بعد، قال الزرقاني ليس المراد العورة المغلظة اهـ.
وفى المواهب فى هذه القصة وكان ذلك أول ما نودي اهـ. ثم إن قريشا بنوها فلما أرادوا أن يضعوا الحجر الأسود اختصموا فيه فكل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى حتى تحازبوا وتحالفوا ,اعدوا للقتال فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما ثم تعاقدوا هم وبنو عدي على الموت وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم فسموا لعقة الدم فمكث قريش على ذلك أريع ليال أو خمسا ثم انهم اجتمعوا فى المجسد فتشاوروا وتناصفوا فزعم بعض أهل الرواية أن أبا أمية بن المغيرة وكان عامئذ أسن قريش كلها قال يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما
стр. 113
تختلفون فيه أول من يدخل، من باب هذا المسجد يقضي بينكم ففعلوا فكان أول داخل رسول الله ﷺ فلما رأوه قالوا هذا الأمين رضينا هذا محمد فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر قال ﷺ هلم إلي ثوبا فؤوتي به فأخذ الركن فوضعه فيه بيده ثم قال لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه جميعا ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو بيده الكريمة ﷺ ثم بنى عليه، وعند موسى ابن عقبة أن الذى أشار إليهم بذلك أخوه الوليد قال السهيلي وذكر أن إبليس كان معهم فى صورة شيخ نجدي فصاح بأعلى صوته يا معشر قريش أرضيتم أن يضع هذا الركن وهو شرفكم غلام يتيم دون ذوى أسنانكم فكاد يثير شرا بينهم ثم سكتوا.
خاتمة:
نسأل الله تعالى بحسنها
أختلف فى أول من بنى الكعبة فذكر الطبرى أن الله وضعه أولا لا ببناء أحد وذكر الأزرقى ان الملائكة بنته قبل آدم وروي عن عطاء أول من بنى البيت آدم وعن وهب أول من بناه شئث بن آدم وفي الكشاف أول من بناه إبراهيم وجزم به ابن كثير، قال إذ لم يثبت عن معصوم أنه كان مبنيا قبله ثم بنته العمالقة ثم جرهم ثم قصي بن كلاب نقله الزبير بن بكار وجزم به الماوردي ثم قريش فاجعلوا ارتفاعه ثمانية عشر ذراعا، وفى رواية عشرين ذراعا ثم لما حوصر ابن الزبير: من جهة يزيد تضعضعت من الرمي بالمنجنيق فهدمها في خلافته وبناها على قواعد إبراهيم وأعاد طولها على ما هو عليه الآن وأدخل من الحجر الأذرع المذكورة وجعل لها بابا آخر فلما قتل ابن الزبير شاور الحجاج عبد الملك فى نقض ما فعله ابن الزبير فكتب إليه أما ما زاده فى طولها فأقره وأما ما زاده في الحجر فرده إلى بنائه وسد بابه الذي فتح ففعل ذلك
كما في مسلم.
стр. 114
وذكر الفاكهي أن عبد الملك ندم على إذنه للحجاج فى هدمها ولعن الحجاج وفى مسلم نحوه من وجه آخر وقد أراد الرشيد أو أبوه أو جده أن يعيده على ما فعل ابن الزبير فناشده مالك وقال أخشى أن يصير ملعبة للملوك فتركه واستمر ما فعله الحجاج إلى الآن وسيبقى إلى تخريب الحبشة للكعبة فقال العلماء ان هذا البناء لا يغير ولم يتفق لاحد من الخلفاء ولا غيرهم تغيير شيء مما فعله الحجاج إلا في الميزاب والباب وعتبته وكذا وقع الترقيم فى الجدار والسقف وسلم السطح غير مرة وجدد فيها الرخام وأول من فرشها به عبد الملك قال الزرقاني فالمتحصل من الآثار كما أفاده الفتح والإرشاد والسبل وشفاء الغرام أنها بنيت عشر مرات، وقد علمتها. وزعم بعضهم أن عبد المطلب بناها بعد قصي وقبل بناء قريش قال الفاسي ولم أره لغيره وأخشى أن يكون وهما اهـ المراد منه.
وبعض ما قدمته من الاكتفاء وفي الاكتفاء أن آدم على بنائه له بناه من خمسة أجبل، طور سيناء وطور زيتاء ولبنى والجودي وبنى قواعده من حراء وفيه أن آدم وحواء أسساه بصخر أمثال الخلفات أي النوق الحوامل أذن الله للصخر أن تطيعهما فلما مات آدم وليه بعده ابنه شئت فكان كذلك حتى حجه نوح ﵇ فلما كان الطوفان رفع البيت وبقيت قواعده وعلى أن شئت أول من بنى الكعبة فإنها كانت قبل أن يبنيها خيمة من ياقوتة حمراء يطوف بها آدم ويانس بها لأنها أنزلت إليه من الجنة وأول من بناه بعد رفعه إبراهيم اهـ المراد منه.
(بيان مبعث النبي الهادي ... صلى عليه خالق العباد)
المبعث الإرسال والنبي تقدم اشتقاقه عند قوله بجاه المصطفى النبي وهو من أوحي إليه بواسطة ملك أو دونه سواء أمر مع ذلك بالتبليغ أو لم يؤمر به فإن أمر بالتبليغ فرسول وإلا فنبي غير رسول هذا هو المشهور الذي عليه الجمهور كما قاله القاضي عياض والسنوسي وغيرهما. وقال التفتازاني بترادفهما وأن كلا منهما مأمور بالتبليغ وهي طريق المشارقة وقيل بينهما عموم وخصوص بإطلاق لكن لا على الوجه المتقدم وعليه فالنبي أعم لأنه من أوحي إليه كان له كتاب أو
стр. 115
شارع جديد أو لم يكن، ويخص الرسول بمن أوحي إليه وكان له شرع جديد آو كتاب، والهادى المرشد للعباد إلى دين الله تعالى، ثم أشار الناظم رحمه الله تعالى إلى تعيين الآتى له بالوحي من الله تعالى وتعيين المكان الذى أتاه فيه والسن التى أوحي إليه عند بلوغها وغير ذلك مما يتعلق بأمر البعثة مما سيذكره فقال:
(وجاءه) أي النبي ﷺ (جبريل) سيد الملائكة على مذهب الجمهور وقيل ميكائيل أفضل منه وهما أفضل من جميع الملائكة اتفاقا قاله البيجوري وجبريل هو صاحب الوحي إلى الأنبياء على نبينا وعلى جميعهم الصلاة والسلام، ومعناه عبد الله، قال فى القاموس وجبرائيل أي عبد الله، وفيه لغات كجبرعيل وحزقيل وجبرعل وسمويل وجبراعيل وجبرعل وحزعال وكربال وبسكون الياء بلا همز كجبريل وبفتح الياء جبريل وبياءين جبرييل وجبرين بالنون ويكسر اهـ.
(في غار حرا) بكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء والمد والتذكير على الصحيح وحكي الفتح والقصر وهي لغة مصروف على إرادة المكان ممنوع على إرادة البقعة فيذكر ويؤنث جيل بينه وبين مكة نحو ثلاثة أميال على يسار الذاهب إلى منى وزعم الخطابي خطاً المحدثين في قصره وفتح حائه والأربعة فى قباء أيضا وجمعها القائل:
(حيا وقبا ذكر وأنثهما معا ... ومد وأقصر واصرفن وامنع الصرفا)
قاله الزرقاني
(من بعد أربعين عاما غيرا) أي مضى يعني أنه صلى الله غليه وسلم كان أول مجيء جاءه جبريل له ﷺ بالوحي أي كلام الله بعد أن أتم أربعين سنة من مولده ﷺ وهذا هو الذى قاله جمهور العلماء، قال السهيلى وهو الصحيح عند أهل السير والعلم بالأثر، النووي وهو الصواب المروي فى الصحيحين عن ابن عباس وأنس وقيل وأربعين يوما، وقيل وعشرة أيام وقيل وشهرين، وعن مكحول أنه بعث بعد اثنين وأربعين سنة، وقيل ابن ثلاث وأربعين، وهو شاذ، وقيل خمس وأربعون، وهو أشذ منه قال الخطابي وجمع بأن ذلك حين حمي الوحي وتتابع (في يوم الاثنين) متعلق بجاء أي وجاءه
стр. 116
جبريل فى يوم الاثنين ويشهد له ما رواه مسلم عن أبي قتادة الحارث بن ربعي بكسر الراء شهد المشاهد إلا بدرا ففيها خلف أنه ﷺ سئل عن صوم يوم الاثنين فقال فيه ولدت وفيه أنزل علي وفى رواية لمسلم فقال ذاك يوم ولدت فيه ويوم بعثت فيه أوقال أنزل علي فيه والمشهور الذى عليه الأكثر أنه بعث في رمضان قاله الحافظان ابن كثير
وابن حجر وصححه الحافظ العلائي، قال في الفتح فعلى الصحيح المشهور أن مولده في ربيع الأول يكون حين أنزل عليه ابن أربعين سنة وستة أشهر وعلى أنه باعث في رمضان فالذي اقتصر عليه القسطلاني فى الإرشاد وبه صدر فى المواهب أنه بعث يوم الاثنين لسبع عشرة ليلة خلت منه وقيل لسبع منه وقيل لأربع وعشرين ليلة منه وقال ابن عبد البر والمسعودي بعث يوم الاثنين لثمان من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين وبه صدر ابن القيم وعزاه للأكثرين ثم حكي أنه
كان في رمضان قال في الفتح فعلى هذا يعنى كونه بعث في ربيع يكون عمره أربعين سنة سواء، وجمع بين النقلين بما فى حديث عائشة أول ما بدى به من الوحي الرؤيا الصالحة وحكى البيهقي أن مدتها ستة أشهر فيكون نبي بالرؤيا في ربيع الأول ثم أتاه جبريل في رمضان وحمل عليه بعضهم الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوءة، لأن مدة الوحي كانت ثلاثا وعشرين سنة فيها ستة أشهر مناما وذلك جزء من ستة وأربعين وأما الجمع بين نزول اقرأ فى رمضان وأول المدثر في ربيع فاعترض بأن نزول المدثر بعد ثلاث سنين وقيل كان ابتداء المبعث في رجب لسبع وعشرين منه، اهـ. ملخصا من المواهب وشرحها.
تنبيه:
أختلف فى المنزل علي النبي ﷺ على ثلاثة أقوال:
* أحدها اللفظ والمعنى وأن جبريل حفظ القرآن من اللوح المحفوظ كل حرف بقدر جبل قاف، وتحت كل حرف منها معان لا يحيط بها إلا الله،
* الثاني ان جبريل نزل بالمعانى خاصة وعلم ﷺ تلك
стр. 117
المعانى وعبر عنها بلغة العرب الظاهر قوله نزل به الروح الأمين على
* الثالث أن جبريل ألقى عليه المعنى وعبر بهذه الألفاظ بلغة العرب، وأن أهل السماوات يقرؤنه بالعربية اهـ. من الزرقاني.
وقريب منه اليوسي فى حاشية الكبرى، فعلى الأول يكون جبريل تلقى الحروف من اللوح وعلى كلا القولين الأخيرين يكون جبريل سمع كلام الله تعالى القائم بذاته الذي ليس بحرف ولا صوت ولكن على الاول منهما عبر جبريل عما فهمه من كلام الله تعالى بلغته للنبي ﷺ فعبر النبي ﷺ عما فهمه من كلام جبريل بلغته التى هى العربية وعليه فألفاظه القرآن مخلوقة على لسان محمد ﷺ وعلى الأخير فألفاظه مخلوقة على لسان الملك، وهي التى نزل بها، ويدل على أن المنزل الألفاظ ظاهر قوله تعالى قل نزله روح القدس انظر اليوسي
( ... بسورة العلق ... صلى عليه الله فالق الفلق)
المجرور متعلق أيضا بجاء يعني أن أول ما نزل به جبريل على النبي ﷺ من القرآن سورة العلق وهي اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق، والعلق الدم المجتمع الغليظ لأن أول الإنسان. نطفة ثم يكون علقة والفلق الصيح وفالقاه خالقه وهو الله تعالى، قال المفسرون فى قوله تعالى ﴿فالق الإصباح﴾ وهو مصدر بمعنى الصبح أي خالق الصبح، فالفلق هو الخلق وقيل الفلق الشق وهو على حذف مضاف أي فالق ظلمة الصبح انظر الريان. وأشار بهذا إلى ما رواه البخاري وغيره ففى كتاب التعبير منه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت أول ما بدى به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة فى النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، وكان يأتي حراء فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فتزوده لمثلها حتى فجأه الحق وهو فى غار حراء. فجاءه الملك فيه فقال اقرأ، فقلت ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطنى حتى بلغ
стр. 118
مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ. فقلت ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ. فقلت ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثالثة حتى بالغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ باسم ربك الذي خلق حتى بلغ ما لم يعلم. فرجع بها رسول الله ﷺ ترجف بوادره حتى دخل على خديجة فقال زملوني، زملوني. فزملوه حتى ذهب عنه الروع. فقال يا خديجة ما لي .. وأخبرها الخبر، وقال قد خشيت علي فقالت له كلا أبشر والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتقرى الضيف وتعين على نوائب الحق، ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي وهو ابن عمها أخو أبيها وكان امراءا تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبرانى فيكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب وكان شيخا كبيرا قد عمى، فقالت له خديجة أى ابن عمى اسمع من ابن أخيك فقال ورقة ابن أخى ماذا ترى؟ فأخبره النبي ﷺ ما رأى، فقال ورقة هذا الناموس الذى أنزل على موسى، يا ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيا حين يخرجك قومك. وقال ﷺ أو مخرجى هم؟ فقال ورقة نعم. لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي وإن يدركنى يومك أنصرك نصرا مؤزرا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي ﷺ فيما بلغنا حزنا غدى منه مرارا كي يتردى من رؤس شواهق الجبال فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه تبدى له جبريل فقال يا محمد إنك لرسول الله حقا، فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه، فيرجع فإذا طالت عليه فترة الوحى عاد لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك، انتهى.
والرؤيا الصادقة التى لا تكذب فيها وفى بدأ الوحي الصالحة هما بمعنى بالنسبة للآخرة فى حق الأنبياء، وأما بالنسبة لأمور الدنيا فالصالحة فى الأصل أخص، فرؤيا الأنبياء كلها صادقة وقد تكون صالحة وهي الأكثر وغير صالحة بالنسبة للدنيا كرؤيا يوم أحد ومثل فلق
стр. 119
الصبح أي شبيهة له فى الوضوح، وقال البيضاوي شبه ما وجده فى الخارج طبقا لما رآه في النوم بالصبح في إنارته ووضوحه.
والفلق الصبح لكنه لما استعمل فى هذا المعنى وغيره أضيف إليه للتخصيص، ويتحنث يتجنب الحنث أي الإثم، كتحوب وتأثم أو هو بمعنى رواية ابن هشام يتحنف أي يتبع الحنفية دين إبراهيم والفاء تبدل التفسير الاول، وعلى الثاني ظاهر والليالي ظرف نصب بيتحنث وهل تعبده قبل البعثة بشريعة أم لا؟ قولان:
الجمهور على الثاني، واختار ابن الحاجب والبيضاوي الأول يعني أنه بشرع إبراهيم أو موسى، أو عيسى أو بجميع الشرائع، ونسب للمالكية أو الوقف أقوال، ولم يأت تصريح بصفة تعبده بحراء وعن ابن المرابط كان يتعبد بالفكر وقوله لمثلها أي الليالى وفجئه بكسر الجيم وتفتح والحق الوحي والملك جبريل اتفاقا وقوله فقلت كذا فى رواية الأكثر، وفي رواية أبي ذر فقال له النبي ﷺ وغطنى بغين معجمة وطاء مهملة ضمنى وعصرنى والجهد بالنصب وفاعل بلغ هو الغط وبالرفع والمفعول محذوف أي بلغ مني الجهد، مبلغه. وما أنا بقارئ أي لا أحسن القراءة أي حكمي كسائر الناس من أن القراءة لا تحصل إلا بالتعلم، وقوله فرجع بها أي بالآية وترجف بضم الجيم تضطرب والبوادر بفتح الموحدة وخفة الواو ألف فدال مهملة فراء جمع بادرة ما بين المنكب والعنق، قال فى المواهب ولم تكن الرجفة المذكورة خوفا من جبريل ﵇، فإنه ﷺ أجل من ذلك وأثبت جنانا، بل غبطة أي فرحا لحاله وقيل خاف من ثقل أعباء النبوءة انتهي.
وزملوني أي غطوني، وزملوه أي لفوه أي خديجة ومن معها، ولا يحزنك بضم التحتية وسكون المعجمة وكسر الزاء فتحتية ساكنة أي لا يفضحك والكلُّ بفتح الكاف وشد اللام من لا يستقل بأمره زاد هنا في يفضحك والكلُّ بفتح الكاف وشد اللام من لا يستقل بأمره زاد هنا في بدء الوحي وتكسب المعدوم بفتح التاء في الأشهر، وروي بضمها، أي تعطي الناس مالا يجدونه عند غيرك، يقال كسبته مالا وأكسبته إياه
стр. 120
بمعنى وتقرى بفتح الفوقية ثلاثي قال الأبي وسمع بضمها رباعيا والنوائب الحوادث وهى جامعة لما سبق ولغيره، وقيدت بالحق لأنها تكون فيه وفى الباطل أي فلا يصيبك مكروه لما جمع الله فيك من مكارم الأخلاق. وفيه دلالة على أن ذلك سبب للسلامة من مصارع السوء وفيه مدح الإنسان في وجهه لمصلحة، وأما حديث «أحثوا التراب فى وجوه المداحين»
ففى مدح بباطل، أو تؤدي إلى باطل، وفيه تأنيس من حصلت له مخافة وكمال خديجة وجزالة رأيها وانطلقت به أي معه فالباء للمصاحبة وأخو أبيها بالرفع خبر مبتدء محذوف والناموس صاحب السر والمراد به جبريل وأهل الكتاب يسمونه الناموس الأكبر والعبرانية بكسر العين وهى لغة التورية وأما الإنجيل فالمشهور أنه سرياني، وقيل عبراني وجذعا بالنصب وهو الشهور في الصحيحين خبر أكون مقدرة أو حال من الضمير المستكن فيها أي مدة النبوءة أو على أن ليت تنصب الجزأين كقوله:
يا ليت أيام الصبا رواجعا ...
وهو بفتح الجيم المعجمة أي شابا، أو مخرجي؟ بفتح الواو وشد الياء مفتوحة خبر مقدم لهم، ويومك يوم انتشار تبوء تلك ومؤزرا يضم الميم وفتح الزاء المشددة آخره راء مهموز من الأزر أي القوة أي قويا بليغا، وقال أبو شامة يحتمل أنه من الإزار إشارة إلى تشميره فى نصرته قال الأخطل:
(قوم إذا حاربوا شدّوا مآزرهم ... دون النساء ولو باتت بأطهار)
ولم ينشب بفتح التحتية والمعجمة أي لم يلبث وأن توفي بفتح الهمزة بدل اشتمال من ورقة أي لم تتأخر وفاته وفترة الوحي بعد مجيئه له في غار حراء، كانت مدتها ثلاث سنين على ما في المواهب، وقيل سنتان ونصف وفى المواهب ممزوجا ببعض كلام الزرقاني ودليل كونها ثلاث سنين ما فى تاريخ الإمام أحمد عن الشعبي أنزلت عليه ﷺ النبوءة وهو ابن أربعين سنة فاقترن بنبوءته إسرافيل ثلاث سنين وكان يأتيه بالكلمة والشيء أي الأفعال والآداب
стр. 121
التي يعلمها له، ولم ينزل عليه القرآن على لسانه لأن إنزال الكتب الإلهية من خصائص جبريل، فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوءته جبريل ﵇ فنزل عليه القرآن على لسانه عشرين سنة اهـ.
وما ذكر من أول ما أنزل عليه اقرأ، هو الصواب وهو الذي عليه الجماهير من الخلف والسلف كما قاله النووي، وأما ما روي أن أول ما نزل مطلقا أول سورة يا أيها المدثر فقال النووي ضعيف بل باطل، وإنما أنزلت أيها المدثر بعد فترة الوحي، وقوله حزن بكسر الزاي وجزم عياض بأن هذا من قول معمر وخالفه السيوطي والقسطلاني تبعا للحافظ وقالوا هو شيخه الزهري، وقوله غدا بغين معجمة من الذهاب غدوة وبمهملة من العدو وهو الذهاب بسرعة ويتردى يسقط وشواهق الجبال طوالها وأوفى بفتح الهمزة والفاء وسكون والواو أشرف والذروة بكسر الذال المعجمة وتفتح وتضم وإلقاؤه لنفسه للإشفاق أن تكون الفترة لسبب منه، فخشي أن تكون عقوبة من ربه، ففعل ذلك ولم يرد بعد شرع بالنهي عنه فيعترض به وجأشه بجيم فهمزة ساكنة فشين معجمة أي اضطراب قلبه وتقر بفتح الفوقية والقاف والعطف تفسيري، قال القاضي عياض وابتدأ ﵇ بالرؤيا لئلا يفجأه الملك وياتيه صريح النبوءة بغتة فلا تحملها قوى البشر، فبدأ بأوائل خصال النبوءة وتباشير الكرامة من المرائي الصادقة الصالحة الدالة على ما يؤول إليه أمره.
تنبيه:
قال غير واحد لم يبعث نبي إلا بعد أربعين سنة، لأنها سن كمال القوة والعقل، قال الزرقاني وهذا الحصر شامل لجميع الأنبياء حتى يحيى وعيسى وهو الصحيح، ففي زاد المعاد ما يذكر أن عيسى رفع وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، لا يعرف به أثر متصل يجب الرجوع إليه. قال أبو شامة وهو كما قال والمصرح به في الأحاديث النبوية أنه إنما رفع وهو ابن مائة وعشرين ففي الطبراني بسند رجاله ثقاة أنه صلى الله عليه
стр. 122
وسلم قال في مرضه الذي توفي فيه لفاطمة إن جبريل كان يعارضنى القرآن في كل عام مرة، وإنه عارضاني بالقرآن العام مرتين وأخبرني أنه لم يكن نبي إلا عاش نصف الذي قبله ووأخبرني أن عيسى بن مريم عاش مائة وعشرين سنة، ولا أرانى إلا ذاهبا على رأس الستين اهـ.
وجزم السيوطي بأنه رفع وهو ابن ثلاث وثلاثين اهـ.
(فقام يدعو الإنس والجن إلى ... توحيد رب العالمين مرسلا)
أشعرت الفاء بالفورية، وقام بمعنى شارع والتوحيد إفراد الإله بالعبادة واعتقاد أنه واحد فى ذاته، فليست ذاته مركبة من الأجزاء ولا نات تماثلها، وواحد في صفاته، فلا صفة تماثل صفته تعالى وواحد في أفعاله، فلا فعل لشيء سواه، فهو الخالق لجميع المخلوقات وأفعالها، والرب المالك، والعالمين جميع الخلائق، ومرسلا حال من الضمير في قام، يعنى أنه ﷺ لما أتاه جبريل ﵇ بأنه مرسل إلى كافة الثقلين لم يتوانى فى دعائهم إلى ما أرسل به طرفة عين، بل شرع يدعوا الثقلين وهما الإنس والجن إلى توحيد الله تعالى، حال كونه مرسلا إليهم من الله تعالى قال اليوسي في حواشي الكبرى لا نزاع بين المسلمين أن نبينا محمد ﷺ مرسل إلى الثقلين جميعا الإنس والجن، مؤمنها وكافرها، عربيها وعجميها، جاهليها وكتابيها، والدليل على أنه ﷺ مبعوث إلى الكل أنه ﷺ ادعى ذلك، وقال إنه خاتم النبيئين وأقام على ذلك المعجزات فوجب تصديقه فى كل ما قال، والقرآن الذي هو أعظم معجزاته ﷺ مفصح بذلك، قال تعالى وما أرسلناك إلا كافة للناس، ﴿قل يا أيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعا﴾ ليظهره على الدين كله، هذا فى حق الإنس وأما الجن فقال تعالى: ﴿قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن﴾ (الآية). وقال: ﴿وإذ صرفنا إليك نفر من الجن﴾ (الآية). وقد قيل إن لفظ الناس يشملهم. الجوهري: الناس يكون من الإنس والجن، وقال ابن عقيل الجن داخلون فى مسمى الناس لغة، وقال صاحب أحكام الجان لم يخالف أحد من طوائف المسلمين فى أنه صلى
стр. 123
الله عليه وسلم مرسل إلى الإنس والجن وفى الحديث: «بعثت إلى الأحمر والأسود). قيل المراد الإنس والجن، وأما الملائكة فقيل إنه مبعوث إليهم وصححه السبكي والسيوطي، وقيل لم يبعث إليهم، وبه قال البيهقي والحليمي والعراقي والنسفي والفخر، وغيرهم وحكى بعضهم عليه الإجماع، وذهب قوم إلى أنه مرسل إلى جميع الأنبياء وأممهم السابقة وأن قوله ﷺ بعثت إلى الخلق كافة شامل لهم من لدن آدم إلى قيام الساعة وحكاه السيوطي عن السبكي قال ورجحه المازري، وقال السيوطي إنه مرسل إلى حور الجنة وولد انها. اهـ، المراد من اليوسي.
وما مر من قوله قيل المراد الإنس والجن وقيل المراد بالأحمر والأسود العرب والعجم، وهو الذي اقتصر عليه فى شرح الشفاء.
(مؤيدا) حال بعد حال وهو بصيغة اسم المفعول أي مقوا هو أي الرسول ﷺ على دعواه الرسالة أي مصدقا، (منه) أي من الله تعالى، (بما) أي بالذي، (أعيى البشر إحصاؤه) يقال أعيى السير البعير إذا أكله والبشر محركة الإنسان ذكرا أو أنثى واحدا أو جمعا والإحصاء العد، يقول قام النبي ﷺ يدعو الثقلين إلى توحيد الله تعالى حال كونه مقوا من الله تعالى بما أكل بني آدم عده (من معجزات) تبيين لما، (كالمطر) الغيث (نفعا) منصوب بنزع الخافض أي مثل الغيث فى الانتفاع والنفع إيصال الخير ودفع الضر (وكثرة) عطف على ما قبله (وكالسراج نورا ورفعة) السراج هنا الشمس والنور الضياء، والرقعة بكسر الراء العلو (مع ابتهاج) أي حسن وجمال ومراد الناظم تشبيه معجزات النبي ﷺ بالمسطر فى الكثرة والانتفاع به، ولا شك أن الانتفاع بالمعجزة أعظم بكثير من الانتفاع بالمطر بل لا مناسبة بينهما لأن المعجزة هي دليل صدق الرسول فهي سبب الإيمان به الذى يحصل به فى هذه الدار الأمان والعاصمة للأموال والأبدان، وفى الآخرة النجاة من النيران والفوز بفراديس الجنان، ومحاسن الحور والولدان، بفضل الكريم المنان، وتشبيها أيضا بالشمس
стр. 124
فى الضياء والعلو والحسن، ولا شك أن معجزاته ﷺ الدالة على صدقه أرفع من الشمس وأنور وأحسن منها وأظهر، وكيف لا ومنها وهو أعظمها القرآن الذي عجز عن معارضته جميع البلغاء والفصحاء مع كثرتهم كثرة رمال الدهناء وحصى البطحاء، وأقر جميع العقلاء بأنه أحسن من جميع الكلام وأنهم لم يقدروا على الإتيان بمثله فى نثر ولا نظام، والمعجزة فى الأصل اسم فاعل من الإعجاز وهي لفظ أطلق على الآية الدالة على صدق الرسول والتاء فيها للنقل من الوصفية إلى الإسمية أو للمبالغة كعلامة قاله اليوسى وهى أمر خارق للعادة يظهره الله تعالى على يد مدعي الرسالة مقارن لدعوى الرسالة، متحدى به قبل وقوعه، غير مكذب ولا يقدر أحد على معارضته، قال السنوسى وعبر بأمر دون فعل لشموله للفعل كنبع الماء وعدمه، كعدم إحراق النار وخرج بالخارق للعادة الموافق لها وبالجارى على يد مدعي الرسالة الكرامة، لأنها على يد مدعى الولاية واحترز به أيضا من أن يتخذ الكاذب معجزة نبي قبله معجزة له هو إذ لم تظهر على يده، واحترز بقوله متحدى به إلخ .. عن الخوارق الواقعة قبل البعثة إرهاصا بكسر الهمزة، أى تأسيسا للنبوءة مصدر أرهص الحائط، جعل له رهصا أى أساسا كماً فى اليوسى وذلك كشق الصدر وإظلال الغمامة الواقعين له ﷺ قبل البعثة، وأصل التحدى طلب المعارضة، يقال تحديت فلانا إذا نازعته الغلبة، وأصله من المباراة فى الحداء وهو هنا كما قال السنوسي عبارة عن قول الرسول آية صدقى أن يكون كذا .. ولبس من شرط التحدى أن يقول ولا ياتى أحد بمثل ما جئت به، لكن لابد من عدم صدور المعارضة ممن يبغيها، وقال الهيثمي أن قيد التحدى إنما يخرج ما قبل البعثة ولا يخرج المتأخر عنه ولا يخرجه عن المقارنة العرفية لأنه يلزم عليه إخراج أكثر معجزاته ﷺ ، كناطق الحصى ونبع الماء وحنين الجذع مع ان اصطلاح السلف ومتهم الإمام أحمد على إطلاق المعجزة على كل خارق ليس بسحر، اهـ. كلامه.
ثم أن النبي ﷺ لما بعث دعا الناس إلى الإيمان فكان
стр. 125
أول الناس إيمانا خديجة كما مر وحكى ابن عبد البر والثعلبى والسهيلى عليه الاتفاق، وقال ابن الأثير لم يتقدمها رجل ولا امرأة بإجماع المسلمين، فآمن بعدها صديق هذه الأمة أبو بكر واسمه عبد الله بن عثمان أبى قحافة، وكان أبو بكر يسمى أيضا عتيقا، إما لحسنه أو لسبقه إلى الإسلام، أو لأن النبي ﷺ بشره بأن الله أعتقه من النار أو لأن أمه استقبلت به البيت وقالت اللهم إن هذا عتيقك من الموت، لأنه كان لا يعيش لها ولد وكونه أول من آمن بعدها قاله ابن عباس واستشهد بقول حسان رضي الله عن جميعهم:
(إذا تذكرت شجوى من أخي ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا)
(خير البرية أتقاها وأعدلها ... إلى النبى وأوفاها بما حملا)
(والثانى التالى المحمود مشهده ... وأول الناس قدما صدق الرسلا)
ووافقهما على ذلك الأخنس بن شريق بفتح الشين المعجمة وكسر الراء فتحتية ساكنة واسم الأخنس أبي وهو ثقافي حليف لبني زهرة صحابي من مسلمة الفتح وشهد حتينا وأعطي مع المؤلفة وتوفي أول خلافة عمر، ذكره الطبري وابن شاهين، ووافقتهم أسماء بنت أبي بكر وإبراهيم النخعي وابن الماجشون وقيل أسلم قبله وبعد خديجة علي قاله أبو ذر وسلمان وجابر وأبو سعيد الخدري بضم المعجمة وقتادة وقطع به ابن اسحاق ومحمد بن كعب القرظي ومحمد بن مسلم الزهري وحكاه العراقى عن أكثر العلماء، وقال الحاكم لا أعلم فيه خلافا بين أصحاب التواريخ، قال والصحيح عند الجماعة أن أبا بكر أول من أسلم من الرجال البالغين ثم زيد بن حارثة ثم عثمان بن عفان والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبيد الله أسلموا بدعاء أبي بكر فجاء بهم إلى رسول الله ﷺ ثم أسلم أبو عبيدة بن الجراح وأبو سلمة والأرقم بن أبى الأرقم المخزوميان رضي الله عن جميعهم ولبعضهم:
(أول الناس بالنبي اقتداء ... أم أولاده الكرام الجدود)
(فعلي ثم ابن حارثة الكلـ ... ـبي زيد مولى النبي المجيد)
стр. 126
(ثم إذ أمن العتيق دعى النـ ... ـاس فجاءت عصابة كالفريد)
(وهي عثمان والزبير وسعد ... وابن عوف وطلحة بن عبيد)
ثم دخل الناس في الإسلام أرسالا من الرجال والنساء حتى فشا ذكر الإسلام وتحدث به ثم ان الله تعالى أمر رسوله أن يصدع بما أمر به أي يظهره فصدع بما أمره به وكان اظهار هـ لأمره بعد ثلاث سنين من مبعثه فيما يقال، ومع ذلك لم يبعد عنه قومه ولم يردوا عليه بل كانوا إذا هر عليهم فى مجالسهم يقولون هذا ابن عبد المطلب، يكلم من السماء واستمروا على ذلك حتى عاب ألهتهم وعبادتهم لها، وكان ذلك سنة أربع من النبوءة فأجمعوا على خلافه وصمموا على
عداوته، إلا من عصام الله منهم بالإسلام، وحدب عليه بفتح الحاء وكسر الدال المهملتين أي عطف عليه عمده أبو طالب وقام دوانه ومنعه منهم فاشتد الامر بين هم حتى تضاربوا بالفعل كما جاء أن سعد بن أبي وقاص كان في نفر من قريش يصلون في بعض شعاب مكة فظهر عليهم نفسر من المشركين فعابوا صنعهم حتى قاتلوهم فضرب سعد بن أبي وقاص رجلا منهم بالحي بعير فشجة فكان أول دم أريق فى سبيل الله ، وتذا مرت قريش أي حض بعضهم بعضا على من أسلم منهم يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم ومنع الله رسوله صلي الله عليهـ وسلم بعمه أبي طالب وبني هاشم ما عدي أبا لهب، وببني المطلب بن عبد مناف إذ طلب منهم أبو طالب ذلك، (ومع ذا) الذي رأوا منه صلى السله عليه وسلم من الآيات الدالة على صدقه، (حاصره) قال في القاموس حصره وحاصره حبسه وحصار العد ومعروف اهـ. (الفجار) جمع فاجر وهو المنبعث فى المعاصي يعني كفار من حاصره من قريش ولا معصية أعظم من الكفر (كما أتت بذلك) الحصار (الأخبار) أي الروايات، وسبب الحصار أنه لما رأت قريش عزة النبي ﷺ بمن معه وبإسلام عمر بن الخطاب وعزة أصحابه بالحبشة وفشو الإسلام فى القبائل قالوا قد أفسد أبناءنا ونساءنا وأجمعوا أن يقتلوه ﷺ ، فبلغ ذلك أبا طالب وبني هاشم وبنى أخيه المطلب فأمرهم أبو طالب فأدخلوا رسول الله
стр. 127
صلى الله عليه وسلم في شعب بني هاشم وكان منزل بني هاشم غير مساكنهم وكان لهاشم فقسمه عبد المطلب بين بنيه حين ضعف بصره وصار للنبي ﷺ فيه حظ أبيه ومنعوه ﷺ حمية على عادة الجاهلية، فلما رأت قريش ذلك إئتمروا أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على بنى هاشم وبني المطلب أن لا ينكحوا إليهم بفتح حرف المضارعة أي لا يتزوجوا منهم، فإلى بمعنى من ولا ينكحوهم بضمها أي لا يزوجوهم ولا يبيعوا منهم شيئا ولا يبتاعوا ولا يقبلوا منهم صلحا أبدا ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموا رسول الله للقتل وكتبوه في صحيفتهم بخط منصور بن عكرمة، قال ابن اسحاق فشلت يده على ما يزعمون، قال في النور والظاهر هلاكه على، وقيل بخط بغيض بفتح الموحدة فمعجمتين يبيتهما تحتية ابن عامر ابن هاشم ابن عبد مناف ابن عبد الدار ابن قصي فشلت يده، والظاهر أنه لم يسلم وهو بغيض كاسمه، وعلقوا الصحيفة فى جوف الكعبة وكان ذلك هلال المحرم سنة سبع من النبوءة وقيل سنة ثمان، وكان كتبها بخيف بنى كنانة كما فى الصحيح وهو المحصب فانحاز بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب فدخلوا معه فى شعبهم مؤمنهم وكافرهم فالمؤمن دينا والكافر حمية إلا أبا لهب فكان مع قريش فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثا قاله ابن إسحاق، وأو تحتمل الشك والإشارة إلى قول، وجزم موسى بن عقبة بأنها ثلاث سنين، وقال بن سعد سنتين حتى جهدوا لقطع الميرة عنهم وكان لا يصل شيء إليهم إلا سرا ولا يحجون إلا من موسم إلى موسم وكان يصلهم حكيم بن حز ام وهشام بن عمرو العامري وهو أوصلهم لبنى هاشم وكان أبو طالب مدة إقامتهم في الشعب يأمره ﷺ فيأتي فراشه كل ليلة حتى يراه من أراد به شرا أو غائلة، فإن نام الناس أمر أحد بنيه أو إخوته أو بنى عمه فاضجع على فراش المصطفى وأمره أن يأتي بعض فرشهم فيرقد عليها، ثم فى السنة العاشرة أو التاسعة قام فى نقض الصحيفة خمسة رجال وأشدهم فى نقضتها هشام بن عمرو بن الحارث العامري أسلم بعد ذلك رضي الله عنه
стр. 128
وكان يصلهم في الشعب، أدخل عليهم في ليلة ثلاثة أحمال طعاما، فعلمت قريش فكلموه فقال إني غير عائد إلى شيء خالفكم، ثم عاد الثانية فأدخل عليهم حملا أو حملين فغالظته قريش وهمت به فقال أبو سفيان بن حرب دعوه رجل وصل أهل رحمه، أما أنى أحلف بالله لو فعل مثل ما فعل لكان أحسن بنا، فمشى هشام إلى زهير بن أبي أمية رضي الله تعالى عته أسلم بعد، وأمه عاتكة بنت عبد المطلب فقال يا زهير أتأكل الطعام وتلبس الثياب وتنكح النساء وأخوالك حيث قد علمت؟ فقال ويحك يا هشام ما أصنع، فإنما أنا رجل واحد! ؟ والله لو كان معي رجل واحد لقمت في نقضها. فقال أنا معك. فقال ابغنا ثالثا. ومشيا إلى المطعم بن عدي فقالا له أرضيت أن يهلك بطنان من بنى عبد مناف وأنت شاهد؟ فقال إنما أنا واحد. فقالا إنا معك. فقال ابغانا رابعا، فذهب إلى أبي البختري بن هشام فقال ابغانا خامسا، فذهب إلي زمعة بن
الأسود فقعدوا ليلا بأعلى مكة وتعاقدوا على ذلك، فلما جلسوا في الحجر تكلموا في ذلك وانكروه، فقال أبو جهل هذا أمر قضي بليل، وفى آخر الأمر أخرجوا الصحيفة ومزقوها وأبطلوا حكمها وروي أنه ﵊ أطلعه الله على أن الأرضة أكلت ما فيها من القطيعة والظلم فلم تدع إلا أسماء الله فقط، وروي أنها لم تدع اسما لله إلا أكلته وبقى ما عداه، قال البرهان وهو أثبت.
وعلى تقدير تساوي الروايتين يجمع بأنهم كتبوا نسختين فأبقت في إحداهما ذكر الله وفى الأخرى ما عداه لئلا يجتمع اسم الله مع ظلمهم، وروي أنه ﷺ لما أخبر بذلك أبا طالب قال له أربك أخبرك بهذا قال نعم، فانطلق فى نفر من بنى هاشم والمطلب حتى أتوا المسجد فأنكر ذلك قريش وظنوا أنهم قد خرجوا من شدة البلاء ليسلموا رسول الله ﷺ إليهم، فقال أبو طالب جرت بيننا أمور لم تذكر في صحيفتكم فاتوا بها لعل أن يكون بيننا وبينكم صلح وإنما قال ذلك خشية أن ينظروها قبل أن يأتوا بها، فاتوا بها معجبين لا يشكون أنه ﷺ يدفع إليهم فوضعوها بينهم وقالوا
стр. 129
لأبي طالب قد أن لكم أن ترجعوا عما أحدثتم علينا وعلى أنفسكم، فقال إنما أتيتكم لأمر هو نصف بيننا وبينكم، إن ابن أخى أخبرنى ولم يكذبنى إن الله بعث على صحيفتكم دابة فلم تترك لله اسما إلا لحسته وتركت فيها غدركم وتظاهركم علينا بالظلم فإن كان كما قال فأفيقوا. فلا والله لا نسلموه حتى نموت عن آخرنا وإن كان باطلا دفعناه إليكم فقتلتم أو استحييتم. فقالوا رضينا. فوجدوها كما قال ﷺ . فقالوا هذا سحر ابن أخيك وزادهم ذلك بغيا وعدوانا. والجمع بين هذا وبين ما متر من سعي رجال فى نقضها أنهم لما جلسوا فى الحجر وتكلموا وافق قدوم أبى طالب وقومه بهذا الخبر، فزادهم رغبة فيما هم فيه انظر الزرقاني.
وروي أن أبا طالب لما رأى من قومه ما يسره من حدبهم على رسول الله ﷺ جعل يمدحهم ويذكر قديمهم ويذكر فضل رسول الله ﷺ فيهم ويذكر مكانه ليشتد رأيهم فقال:
(إذا اجتمعت يوما قريشٌ لمفخرٍ ... فعبدُ منافٍ سرُّها وصميمُها)
(وإن حصلت أشرافُ عبدِ منافِها ... ففي هاشم أشرافُها وقديمُها)
(وإن فخرتْ يوما فإن محمدا ... هو المصطفى من سرِّها وكريمها)
(تداعت قريشٌ غُّثها وسمينها ... علينا فلم تظفر وطاشت حلومها)
(وكنَّا قديما لا نقرُّ ظُلامة ... إذ ما ثنوا صُعر الخدود نُقيمُها)
(ونحمي حماها كلَّ يوم كريهةٍ ... ونضربُ عن أحسابها من يرومها)
(بنا انتعش العود الذواء وإنما ... بأكنافنا تندى وتنمى أرومها)
وروي أن قريشا لما علموا أنه لا يسلمه إليهم مشوا إليه بعمارة بن الوليد ليتخذه ولد ويسلم إليهم رسول الله ﷺ ليقتلوه، فقال لهم والله لبئس ما تسومونني، أتعطوني ابنكم أغذوه لكم واعطيكم ابني تقتلونه! ؟ هذا والله ما لا يكون أبدا! وقال حين تروح الإبل فإن حنت ناقة إلى غير فصيلها دفعته إليكم وهذا تعليق، لهم على ما لا يقع لأنها لا تحن إلى غيره مع كونها عجماء، فأولى أنا مع أني لب ومعرفة، وقال:
стр. 130
(والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسد في التراب دفينا)
(فاصدع بأمرك ما عليك فضاضة ... وابشر وقر بذاك منك عيونا)
(ودعوتني وزعمت أنك ناصحي ... ولقد صدقت وكنت ثم أمينا)
(وعرضت دينا لا محالة أنه ... من خير أديان البرية دينا)
(لولا الملامة أو حذار مسبة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا)
قوله سرها السر لب كل شيء ومحض النسب أفضله والصميم الخالص والأروم بالفتح ويضم الأصل قاله في القاموس، وقوله فاصدع أي اجهر بالشيء الذي أمرت بتبليغه والغضاضة بفتح الغين وضادين معجمات الذلة، وابشر بحذف الهمز للضرورة وأصله القطع نحو وأبشروا بالجنة، وقر إلخ .. من قرت عينه، سكنت وبردت، وعيونا تمييز ولغة نجد كسر القاف وبهما قرئ وقرى عينا ودعوتني طلبت مني الدخول في دينك، ولا محالة بفتح الميم لا حيلة، أو دفع، والسبة بضم السين العار، وقال أبو طالب لما رأى تمالؤ قريش عليهم:
(ولما رأيت القوم لاودَّ فيهم ... وقد قطعوا كلَّ العُرى والوسائل)
(وقد جاهرونا بالعداوة والأذى ... وقد طاوعوا أمر العدوِّ المزائل)
(وقد حالفوا قوماً علينا أظنّةً ... يعضون غيظاً خلفنا بالأنامل)
(صبرت لهم نفسي بسمراء سمحةٍ ... وأبيضٍ غضب من تراث المقاول)
(وأحضرت عند البيت رهطي وإخوتي ... وأمسكت من أثوابه بالوصائل)
(قياماً معاً مستقبلين رتاجه ... لدى حيث يقضي حلفه كلَّ نافل)
(وحيث ينيخ الأشعرون ركابهم ... بمفض السيول من أساف ونائل)
(موسمة الأعضاد أو قصراتها ... مخيمة بين السديس وبازل)
(ترى الودْعَ فيها والرخامَ وزينةً ... بأعناقها معقودةً كالعثاكل)
(أعوذ برب الناس من كلّ طاعن .... علينا بسوء أو ملح بباطل)
(ومن كاشح يسعى لنا بمعيبة .... ومن ملحق في الدين مالم نحاول)
وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه ... وراق لبر في حراءَ ونازل))
(وبالبيت حق البيت من بطن مكةٍ ... وبالله إن الله ليس بغافل)
وبالحجر المسودّ إذ يمسحونه ... إذا اكتنفوه بالضحى والأصائل))
(وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة ... على قدميه حافياً غير ناعل)
стр. 131
(ومن حج بيت الله من كل راكب ... ومن كل ذي نذر ومن كل راجل)
(وبالجمرة الكبرى إذا صمدوا لها ... يؤمون قذفا رأسها بالجنادل)
(كذبتم وبيت الله، نبزى محمدا ... ولما نقاتل دونه ونناضل)
(ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل)
(وينهض قوم فى الحديد إليكم ... نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل)
(وما ترك قومي لا أبا لك سيدا ... يحوط الذمار غير ذرب مواكل)
(وأبيض يستقى الغمام بوجه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل)
(يلوذ به الهلاك من آل هاشم ... فهم عنده فى نعمة وفواضل)
(جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا ... عقوبة شر عاجلا غير آجل)
(ونحن الصميم من ذؤابة هاشم ... وآل قصي فى الخطوب الأوائل)
(فعبد مناف أنتمُ خير قومكم ... فلا تشركوا فى أمركم كل واغل)
(لعمرى لقد وهنتموا وعجزتموا ... وجئتم بأمر مخطئ للمفاصل)
قال الزرقاني وما أحلى قوله فى آخرها:
(لعمري لقد كلفت وجدا بأحمد ... وأحببته دأب المحب المواصل)
(فمن مثله فى الناس أي مؤمل ... إذا قاسه الحكام عند التفاصل)
(حليم رشيد عاقل غير طائش ... يوالي إلها ليس عنه بغافل)
(فوالله لولا أن أجيء بسبة ... تجر على أشياخنا فى المحافل)
(لكنا اتبعناه على كل حالة ... من الدهر جدا غير قول التهازل)
(لقد علموا أن ابننا لا مكذب ... لدينا ولا يعنى بقول الأباطل)
(فأصبح فينا أحمد فى أرومة ... تقصر عنها صورة المتطاول)
(حدبت بنفسي دونه وحميته ... ودافعت عنه بالذرى والكلاكل)
العرى: العهود، والوسائل: القربات، والمزائل: الفارق، والواغل: الضعيف النذل، والمدعي نسبا: كاذبا والداخل على القوم، والملح: اسم فاعل من ألح إذا واظب، وثور بمثلة مفتوحة جبل وثبير بفتح المثلثة فموحدة كسورة فتحتية فراء، والراقى: الصاعد، والبر بكسر الموحدة الطاعة، وهذه النسخة هي الصواب. وأما رواية ابن هشام ليرقى من
стр. 132
الرقي فقال السهيلي هو وهم منه أو من شيخه، وفى الشامية انه تصحيف ضعيف المعنى، فمعلوم أن الراقي يرقى ونبزى بضم النون وسكون الموحدة وفتح الزاء أي نقهر ونسلب، ومحمدا بالنصب كذا ضبطه الشامي لكن فى النهاية أنه بالتحتية بدل النون ورفع محمد على أنه نائب فاعل يبزى أي لا يبزى أي لايقهر، فحذف لا من جواب القسم، ونناضل نجادل ونخاصم، وقال الشامي ترامي بالسهام والذمار، والذمار بكسر الذال المعجمة ما يحق على الإنسان حمايته، والذرب بذال معجمة وموحدة على زنة كتف سكنت راؤه تخفيفا وهو الحاد والمواكل المتكل على غيره، وقوله وأبيض مجرور برب كما صدّر به الحافظ كالكرماني والسيوطي وجزم به فى المغنى أو منصوب قال الحافظ بإضمار أعني وأخص، قال والراجح أنه بالنصب معطوف على سيد المنصوب فى البيت قبله اهـ .. وبه قطع الدماميني فى مصابيحه واستظهره فى شرح المغنى. أو، مرفوع خبر مبتدء محذوف وقاله الكرماني وأفاده القسطلاني عن ضبط اليونيفي فى نسخته من البخاري، ويستسقى إلخ .. أي يطلب السقي من الغمام بوجهه، أي يتوسل إلى الله به، وقوله يلوذ به إلخ .. أي وإذا التجأ بنو هاشم فغيرهم أولى، والفواضل الأيادي الجسمية أو الجميلة وعطفه على النمة عطف خاص على عام لشمول النعمة للعظيمة والدقيقة، والثمال بكسر المثلثة وتخفيف الميم الملجأ والغياث وقيل المطعم فى الشدة وتصح إرادتهما معا، وعصمة للأرامل أي يمنعهم من الضياع، والأرامل المساكين من رجال ونساء وهذه القصيدة قال القسطلاني فى شرح البخاري عدة أبياتها مائة بيت وعشرة أبيات وفى المزهري زاد الناس في قصيدة أبي طالب ذه بحيث لا يدرى أين منتهاها اهـ. من الزرقاني.
وفي الجوهري أبزا فلان بفلان: قهره وغلبه. وحدبت بكسر الدال أي عطفت، قاله فى محل آخر، اهـ. والسمراء الرمح، والسمحة اللينة، والغضب: القاطع، والمقاول: جمع مقول كمنبر، وهو من ينفذ قوله، والرتاج: ككتاب الباب، وأساف: كسحاب وكتاب صنم وضعه عمرو بن
стр. 133
لحي على الصفا ونائلة صنم على المروة ورخمه هنا، والقصرات: جمع قصرة بالتحريك وهي أصل العنق، والمخيسة: المذللة، والودع ويحرك خرز بيض تخرج من البحر شقها كشق النواة تعلق لدفع العين والرخام: كغراب حجر أبيض رخو والعثاكل جمع عثكول أو عثكولة بضمهما أو عثكال كقرطاس وهو العنق أو الشمراخ، والكاشح العدو لأنه يضمر عداوته فى كشحه، وقوله وبالحجر الأسود فيه حذف نون مفاعيل مثل ألا رب يوم لك منهم صالح، وصمدوا لها: قصدوها، والطائش: خفيف العقل، والسبة: بضم السين العار، والأرومة: وتضم الأصل، والسورة: بفتح السين الارتفاع، والمتطاول: المرتفع، والكلاكل: الصدر، قاله جامعه غفر الله له.
ثم أشار الناظم رحمه الله تعالى إلى عظيم حلمه مع قومه ﷺ مع شدة إيذائهم له فقال:
(وكان قادرا على التدمير ... لو شاء لكن جاد بالتأخير)
(حتى هدى الله به من شاء ... منهم ومن أصلابهم أبناء)
التدمير: الإهلاك. يعني أنه ﷺ لم يؤاخذ قومه فى تكذيبهم له وحصارهم له وقطيعتهم وإيذائهم له ولأصحابه مع أنه أعطاه الله القدرة على إهلاكهم واستئصالهم أول مرة، لكنه ﷺ لشدة حلمه ورأفته بهم وشفقته عليهم أخر الدعاء عليهم حتى آمن منهم من أراد الله إيمانه وآمن من أراد إيمانهم ممن خرج من أصلابهم فضمير شاء الله تعالى أي أراد، وضمير به للنبي ﷺ وأشار بهذا إلى ما رواه الشيخان أنه ﷺ لمّا كذبه قريش أتاه جبريل أي تسلية له وتسكينا لتألمه فقال له إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوه عليك وقد أمر ملك الجبال أي بالانقياد لك لتأمره بما شئت فيهم، فناداه ملك الجبال وسلم عليه وقال مرني بما شئت أي فى قومك إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال النبي ﷺ ، بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا. وقوله أطبق بضم الهمزة وكسر الموحدة أي أوقع
стр. 134
وارمي وجواب الشرط محذوف أي فعلت، وفى أصل الدلجي أطبقت لكنه مخالف للنسخ المصححة والأخشبان بخاء وشين معجمتين فموحدة تثنية الأخشب وهو الجبل الخشن، قيل وهما أبو فبيس وقعيقعان، أو تحتهما عقبة منى فوق المسجد، وقوله لا يشرك به شيئا كالمؤكد لما قبله، وقد أمضى الله رجاءه فكأنه ﷺ دعا لهم بالخير. اهـ من ابن سلطان.
وفي الشفا أيضا وروى ابن المنكدر أن جبريل ﵇ قال للنبي ﷺ إن الله أمر السماء والأرض والجبال أن تطيعك فامرها بما شئت، فقال أوخر عن أمتى لعل الله أن يتوب عليهم، وقوله أوخر عن أمتي أي العذاب الذى استحقوه بكفرهم. ولما كسرت رباعيته وشج وجهه ﷺ يوم أحد شق ذلك على أصحابه وقالوا لو دعوت عليهم، فقال إنى لم ابعث لعانا ولكنى بعثت داعيا ورحمة،
اللهم اهد قومى فإنهم لا يعلمون. وروي أن عمر بن الخطاب قال له بأبى أنت وأمى يا رسول الله لقد دعا نوح على قومه فقال:
﴿رَّبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] ولو دعوت علينا مثلها لهلكنا من عند آخرنا فلقد وطئ ظهرك وأدمى وجهك وكسرت رباعيتك فأبيت أن تقول إلا خيرا: اللهم أغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.
قال القاضى أبو الفضل ﵀ أنظر ما فى هذا القول من جماع الفضائل وحسن الخلق وغاية الصبر والحلم إذ لم يقتصر ﷺ على السكوت عنهم حتى عفا عنهم ثم رحمهم ودعا وشفع لهم فقال اللهم أغفر أو اهد، ثم أظهر سبب الشفقة والرحمة بقوله ﵇: لقوى، ثم أعتذر عنهم بجهلهم فقال: فإنهم لا يعلمون اهـ.
قال ابن سلطان وليس المراد بقومه قريش وحدهم كما توهمه الدلجي وقال كل ذلك لكونهم ﵀ إذ ما من بيت إلا وله قرابة بل لكونه رحمة للعاملين فالمراد بقومه جميع أمته ورباعية بفتح الراء بوزن ثمانية وهي بين الثنية والناب وفى سيرة ابن هشام أنها ثنيته السفلى
стр. 135
اليمنى وجارح شفته السفلى وكاسرها، والعياذ بالله تعالى، عتبة بن أبى وقاص فدعا عليه النبي ﷺ قال السهيلي ولم يولد من نسله ولد فيبلغ الحلم إلا وهو أبخر أو اهتم فعرف ذلك فى عقبه اهـ.
والصحيح أنه لم يسلم وعده ابن منده فى الصحابة وأنكر ذلك أبو نعيم وفى المستدرك أنه لما فعل عتبة ما فعل جاء حاطب بن أبى بلتعة فقال يا رسول الله من فعل بك هذا؟ فأشار إلى عتبة فتبعه حاطب حتى قتله والذى جرح وجنته فى سيرة ابن هشام انه قميئة لعنه الله.
قال يعقوب بن عاصم فسلط الله عليه كبشا فنطحه فقتله أو فألقاه من شاهق فمات. اهـ
وروي ان الذي شج وجهه الشريف عبد الله بن شهاب الزهري واسلم بعد ذلك اهـ من ابن سلطان.
(ثم أعز) الله بالنبي ﷺ (دينه) الذي هو الإسلام أي قواه غاية التقوية (ونصره) أي أعانه ضمير الفاعل لله تعالى والمنصوب للنبي ﷺ (وأيد) هو أي الله تعالى أي قوى الدين (الحق) أي الثابت فى نفس الأمر وهو الإسلام (به) أي بالنبي ﷺ (وأظهره) أي أعلاه على سائر الأديان كلها (وأبطل) أي أذهب (الباطل) وهو الكفر بهذا، فسروا قوله تعالى ويبطل الباطل (والأعداء كبتا) قوله الأعداءا مفعول بفعل محذوف ناصب للمصدر الذى هو كبتا أي وكبت الأعداء كبتا والأعداء الكفار وكبت العدو كضرب رده بغيظه وأذله كما فى القاموس (وخزيا) الخزي الكسر الفضيحة وهو منصوب بمحذوف أي أخزاهم خزيا أي فضحهم ويقال خزاه خزوا بالوا قهره كما فى القاموس (لهم جزاء) قوله جزاء مفعول مطلق أو مفعول لأجله ولهم متعلق به أي وكبت الأعداء وأخزاهم لأجل المجازاة أي المكافأة لهم على فعلهم وهو الكفر.
(وأمد الحصار فى الشعب على ... حولين أربى لا ثلاثا وصولا)
قوله أمد مبتدء وخبره قوله أربى والأمد، هنا، الزمان فهو كقوله
стр. 136
تعالى: ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾ [الحديد: ١٦] قال الخازن أي الزمان، ونحوه للنسفي والشعب بالكسر الطريق فى الجبل أو ما انفرج بين الجبلين يعنى أن زمن حصار قريش لبنى هاشم يزيد على سنتين ولا يبلغ ثلاث سنين على ما للناظم والذى فى المواهب وشرحها أنهم قاموا على حصاره سنتين أو ثلاثا على ما قاله ابن إسحاق، قال الزرقاني وأو يحتمل الشك والإشارة إلى قول وجزم موسى بن عقبة بأن مدته ثلاث سنين وقال ابن سعد إنها سنتان اهـ.
(وعندما انقضى الحصار عمره ... تسعا وأربعين كان قدره)
يعني أن عمره ﷺ وقت خروجهم من الشعب الذى كانوا فيه زمن الحصار تسع وأربعون سنة وفى الاستيعاب خرجوا من الشعب فى أول سنة خمسين وتوفى أبو طالب بعد خروجهم بستة أشهر انتهى.
وفي المواهب وكان ذلك يعنى انقضاء الحصار فى السنة العاشرة قال الزرقاني من النبوءة بناء على ما صدر به فيما مر أن إقامتهم بالشعب ثلاث سنين، أما على قول ابن سعد سنتين فيكون فى التاسعة والله أعلم أهـ كلامه.
وفي المواهب ولما أتت عليه ﷺ تسع وأربعون سنة وثمانية أشهر وأحد عشر يوما مات عمه أبو طالب وقيل مات فى شوال من السنة العاشرة انتهى.
وقوله مات عمه أبو طالب أي بعد خروجهم من الشعب فى ثانى عشر رمضان سنة عشر من النبوءة وقوله وقيل مات أي بعد ذلك بقليل فى شوال فقوله من السنة العاشرة متعلق بكل من القولين. وفي سيرة الحلبي أنه مات فى السنة العاشرة بعد خروجهم من الشعب بثمانية أشهر وعشرين يوما انظر الزرقاني ثم أن النبي ﷺ لما مات عمه أبو طالب وخديجة ﵂ خرج إلى الطائف يلتمس النصر من ثقيف لما ناله من قريش بعد موت عمه أبى طالب وكان معه زايد بن حارثة فأقام به شهرا ولابن سعد عشرة أيام وجمع بأن
стр. 137
العشرة فى نفس الطائف والعشرين فيما حولها يدعو أشراف ثقيف إلى الله، فلم يجيبوه وخافوا على أحداثهم منه فقالوا يا محمد اخرج من بلدنا والحق بمحابك من أرضك وأغرو به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه والعياذ بالله تعالى، وقعدوا صفين على طريقه فلما مر بين صفيهم جعل لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا رضخوهما بالحجارة حتى اختضبت نعلاه بالدماء وكان ﷺ إذا أزلقته بمعجمة وقاف أي آلمته الحجارة قعد فيأخذون بعضديه فيقيمونه لئلا يخف تعبه وليتمكنوا من رميه فى المراق والمفاصل لأن ألمها أشد فإذا مشى رجموه وهم يضحكون وزيد بن حاثة يقيه بنفسه حتى شج زيد شجاجا فى رأسه وفى الصحيحين أن عائشة قال له ﷺ هل أتى عليك يوم أشد من أحد؟ قال لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسى على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبنى إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق ما أنا فيه إلا وأنا بقرن الثعالب فعرفت نفسى وإذا أنا بسحابة قد أظلتنى فنظرت إليها فإذا فيها جبريل فنادانى فقال إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا به عليك وقد بعث إليك كلك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فنادانى ملك الجبال فسلم علي ثم قال يا محمد إن الله قد سمع قول قومك وما ردوه عليك وأنا ملك الجبال وقد بعثنى إليك ربك لتأمرنى بأمرك إن شئت أطبق عليهم الأخشبين. قال النبي ﷺ بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا شريك له.
قوله لقيت من قومك: سقط المعول فى رواية مسلم وثبت فى البخاري بلفظ لقيت من قومك ما لقيت وأبهمه تعظيما وقوله أشد بالرفع أو بالنصب واسم كان عائد على مقدر هو مفعول لقد لقيت، وقوله ما لقيت منهم أي من قومك قريش، إذ كانوا سببا لذهابى إلى ثقيف فهو من إضافة الشيء إلى سببه فلا يرد أن ثقيفا ليسوا من قومها والعقبة قال شيخنا لعل المراد بها هنا موضع مخصوص اجتمع فيه مع عبد ياليل وقوله ابن عبد ياليل ابن عبد كلال كذا فى الحديث
стр. 138
والذى ذكره أهل المغازى أن الذى كلمه ﷺ عبد ياليل نفسه وعند أهل النسب أن عبد كلال أخوه لا أبوه قاله الحافظ وغيره، وعبد ياليل بتحتية بعدها ألف ثم لام مكسورة ثم تحتية ساكنة ثم لام بوزن هابيل قال ابن حبان له صحبة وقال غيره إنما هو ولده مسعود أختلف فيه وعبد ياليل ومسعود وحبيب بنو عمرو بن عوف وهم سادة ثقيف ومسعود وحبيب أسلما بعد وصحبا كما جزم به فى الإصابة وكلال بضم الكاف وتخفيف اللام آخره لام بعد ألف وقرن الثعالب جبل هو ميقات أهل نجد أنظر الزرقاني.
ولما انصرف ﵇ عن أهل الطائف مر فى طريقه بعتبة وشيبة ابني ربيعة وهما فى حائط لهما من بساتين الطائف فلما رأيا ما لقي ﵇ تحركت رحمهما فبعثا له قطف عنب مع غلامهما عداس، بفتح العين وشد الدال فألف فسين مهملات، النصراني، فلما وضع ﷺ يده فى القطف قال بسم الله ثم أكل فنظر عداس إلى وجهه ثم قال والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة، فقال له ﷺ من أي البلاد أنت وما دينك؟ قال نصراني من نينوى، فقال له النبي ﷺ من قرية الرجل الصالح يونس بن متى. فقال عداس وما يدريك ما يونس بن متى؟ قال ذلك أخى وهو نبي مثلى، فأكب عداس على رأسه ويديه ورجليه يقبلهما وأسلم ﵁، فلما جاء لابني ربيعة قالا له ويلك ما لك تقبل رأس هذا الرجل ويديه ورجليه؟ فقال يا سيدي بشد الياء مثنى ما فى الأرض شيء خير من هذا لقد أعلمني بأمر لا يعلمه إلا نبي قالا له ويحك لا يصرفك عن دينك فإنه خير من دينه والقطف بكسر القاف العنقود ونينوى بكسر النون وسكون التحتية فنون مفتوحة على الأشهر وروي بضمها فواو مفتوحة فألف قال ياقوت ممالة، ومتى بفتح الميم وشد الفوقية مقصور اسم أبيه وفى تفسير عبد الرزاق انه اسم أمه ورده الحافظ اهـ. من المواهب وشرحها.
وإنما ذكرت هذه القصة هنا لأن قصة الجن التى ذكر المؤلف كانت فى
стр. 139
منصرفة من الطائف سنة عشر وهو ﷺ ابن خمسين سنة كما قال:
(وبعدما أكمل خمسين سنه ... جن نصيبين أتته مذعنه)
قوله جن مبتدأ ونصيبين بنون مفتوحة وصاد مهملة مكسورة فتحتية ساكنة فموحدة مكسورة فتحتية ساكنة أيضا فنون بلد مشهور ويجوز صرفه وتركه. وفى خبر أن جبريل رفعها للنبي ﷺ ورآها قال فسألت الله أن يعذب ماؤها ويطيب ثمارها ويكثر مطرها وهي فى الجزيرة كما فى مسلم ووهم من باليمن، قال الزرقاني وخبر المبتدء قوله أتته ومذعنه بضم الميم وسكون الذال المعجمة وكسر العين فنون فهاء تأنيث حال اسم فاعل من أذعن له أي خضع وانقاد وأقر وأسرع فى الطاعة كما فى القاموس وقوله بعد معمول لأتته يعنى أنه ﷺ لما انصرف من الطائف نزل نخلة وهو موضع على ليلة من مكة فجاءه سبعة من جن نصيبين خاضعين له مقرين برسالته مسرعين فى طاعته وذلك بعدما أتم ﷺ خمسين سنة فوجدوه يصلى فى جوف الليل فاستمعوا له وهو يقرأ سورة الجن وقيل إقرأ وقيل الرحمن وجمع لأن إقرأ فى الأولى والرحمن فى الثانية والجن فى الثالثة وكونهم سعبة هو الذى رواه الحاكم فى المستدرك وابن أبى شيبة وأحمد بن منيع وإسناده جيد واسم أحدهم زوبعة وقيل كانوا تسعة وفى نفسير عبد بن حميد أن الجن من نينوى وقيل ثلاثة من نجران وأربعة من نصيبين وعن عكرمة أنه كانوا اثنى عشر ألفا من جزيرة الموصل وهؤلاء الوفد هم المذكورون بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ﴾ [الأحقاف: ٢٩]، وسمى السهيلي فى الروض عن ابن دريد منهم منشأ بميم فنون فشين معجمة وناشئا ونون وشاصر بشين معجمة فألف فصاد فراء، وماضر بميم فألف فمعجمة والأحقب وذكر السهيلي أن واحدا منهم سرق وفى الإصابة أنه بضم السين وفتح الراء المشددة المهملتين وقاف، قال وضبطه العسكري بتخفيف الراء على وزن عمر وأذر شد الراء وعن ابن عباس أنهم
стр. 140
تسعة سليط وشاصر وماضر وحسا ونسا وبجعم والأرقم والأدرس وخاصر وضبط فى الإصابة خاضرا بخاء وضاد معجمتين وآخره راء. اهـ.
وفي التجريد أن حديث هامة بن الهيم بن الأريقيس بن إبليس فى الجنة موضوع وروى ابن حبان والحاكم مرفوعا الجن على ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يصيرون فى الهواء وصنف حياة وعقارب وصنف يحلون وظعنون اهـ.
وعن ابن عباس كان الجن يستمعون الوحي فيسمعون الكلمة فيزيدون فيها عشرا فيكون ما سمعوه حقا وما زادوه باطلا وكانت النجوم لا يرمى بها قبل المبعث النبوي فلما بعث رسول الله ﷺ كان أحدهم لا يأتي مقعده إلا رمى بشهاب يحرق ما أصابه منه فشكوا ذلك إلى إبليس فقال ما هذا إلا من أمر قد حدث فبث جنوده، وفى الصحيحين فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فمن النفر جمعة أخذوا نحو تهامة فإذا هم بالنبي ﷺ يصلي بين جبلي نخلة فأخبروه أي إبليس فقال هذا الحدث الذي فى الأرض قال فى المواهب وحديث ابن عباس وحديث ابن مسعود هذا يقتضى أن رسول الله ﷺ لم يشعر بحضورهم فى هذه المرة وبهذا جزم الدمياطي ثم بعد ذلك وفدوا عليه أرسالا فوجا بعد فوج اهـ.
قال الزرقاني عقبه كما تفيده الأحاديث ففى حديث أنهم كانوا على ستين راحلة وآخر ثلاث مائة وآخر خمسة عشر، وعن عكرمة اثنى عشر ألفا فهذا الإختلاف دليل على تكرر وفادتهم عليه فالمتحصل من الأخبار أنهم وفدوا عليه لما خرجوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها لاستكشاف الخبر عن حراسة السماء بالشهب فوافوه ﷺ بنخلة عامدا سوق عكاظ يصلى بأصحابه الفجر فسمعوا القرآن وقالوا هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء فرجعوا إلى قومهم فقالوا يا قومنا إنا سمعنا قرآنا عجبا. فأنزل الله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ [الجن: ١] كما قاله ابن عباس فى الصحيحين وغيرهما وأخرى بنخلة
стр. 141
وهو عائد من الطائف، وأخرى بالحجون، وفى لفظ بأعلى مكة بالجبال لما أتاه داعي الجن فذهب معه وقرأ عليهم القرآن ورجع لأصحابه من جهة حراء وأخرى ببقيع الغرقد، وفى هاتين حضر ابن مسعود وخط عليه خطا بأمر المصطفى وأخرى خارج المدينة وحضرها الزبير وأخرى فى بعض أسفاره وحضرها بلال بن الحارث، وبهذا لا يبقى تعارض بين الأحاديث ويحصل الجمع بين نفى ابن عباس رؤية النبي ﷺ وبينما أثبته غيره من رؤيته لهم والله أعلم ولا يشكل ما مر من حراسة الشهب عند المبعث بما روي من أن السماء حرست بمولده ﷺ لجواز أن يبقي لهم بعض قدرة الإستماع كاللص فلما بعث زال ذلك بل قال السهيلي إنه بقي منه بقايا يسيرة بدليل وجوده نادرا فى بعض الأزمنة وبعض البلاد وقال البيضاوي لعل المراد منعهم من كثرة وقوعه انتهى من الزرقاني فى موضوعين.
وقوله يصلي الفجر، ولا يعارضه ما ذكر ابن إسحاق من أنه كان يصلي فى جوف الليل لأن الأول كان قبل عند المبعث لما منعوا من استراق السمع، نعم وقع لمن ساق القصة التى هنا وهو يصلي الفجر فإن صح فيكون أطلق على افجر جوف الليل لاتصاله به أو ابتداء الصلاة فى الجوف فاستمر حتى دخل الفجر، والمراد بالفجر الركعتان اللتان كان يصليهما قبل طلوع الشمس فسقط اعتراض البرهان بأن صلاة الفجر لم تكن فرضت اهـ.
وفى الحديث ان النبي ﷺ أعلمته بهم سمرة وهي بفتح السين وضم الميم شجرة من شجر الطلح وفى الصحيح أنهم سألوه الزاد أي ما يفضل من طعام الإنس فقال: كل عظم ذكر اسم الله عليه هو زادكم يقع فى يد أحدكم أوفر ما كان لحما، ولأبى داوود كل عظم لم يذكر اسم الله عليه، وجمع بينهما بأن رواية مسلم فى حق المؤمنين وهذه فى حق شياطينهم، قال السهيلي وهو صحيح تعضده الأحاديث، وكل بعر علف لدوابكم، زاد ابن سلام فى تفسيره إن البعر يعود خضرا، وسؤالهم الزاد كان فى قصة أخرى كما قال الدمياطي لا فى رجوعه من الطائف إذ
стр. 142
لم يشعر بهم ﷺ حين استمعوه وفى هذا ردّ على من زعم أن الجن لا تأكل ولا تشرب، قال ابن العربي من نفى عن الجن الشرب والأكل فقد وقع فى إلحاد وعدم رشاد، بل الشيطان وجميع الجن يأكلون ويشربون وينكحون ويولد لهم وذلك جائز عقلا، وتظافرت به الأحاديث فلا يخرج عن هذا إلا حمار، ومن زعم أن أكلهم شم فما شم رائحة العلم اهـ. من المواهب وشرحها.
وقال المحلي فى تفسير وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن جن نصيبين أو جن نينوى وكانوا سبعة أو تسعة وكان ﷺ ببطن نخلة يصلي بأصحابه الفجر، رواه الشيخان وقال الثعالبي اختلف الرواة هل هؤلاء الجن هم الوفد أو المتجسسون والتحرير فى هذا ان النبي ﷺ جاءه نفر من الجن دون أن يشعر بهم وهم المتجسسون المتفرقون من أجل رمي الشهب الذي حل بهم وهؤلاء هم المرادون بقوله قل أوحي إلي ثم بعد ذلك وفد عليه وفدهم حسب ما ورد من الآثار اهـ.
وفي الخازن بعد كلام طويل: وروي ان الجن لما رموا بالشهب بعث إبليس سرياه ليعرف الخبر فكان أول بَعث بُعث من أهل نصيبين وهم أشراف الجن وساداتهم، فبعثهم إلى تهامة ثم قال وقال جماعة بل أمر رسول الله ﷺ أن ينذر الجن ويدعوهم إلى الله ويقرأ عليهم القرآن فصرف الله نفرا من الجن وهم أهل نينوى وجمعهم له فقال رسول الله ﷺ إنمى أمرت أن أقرأ على الجن الليلة فايكم يتبعنى؟ فأطرقوا، ثم استتبعتم فأطرقوا، ثم استتبعهم الثالثة فتبعه عبد الله بن مسعود ﵁، قال ابن مسعود ولم يحضر مع أحد غيرى، قال فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة دخل نبي الله ﷺ شعبا يقال له شعب الحجون وخط لى خطا ثم أمرنى أن أجلس فيه وقال لا تخرج منه حتى أعود إليك، فانطلق حتى قام عليهم فافتتح القرآن فجعلت أرى أمثال النسور تهوى وسمعت لغظا شديدا حتى خفت على نبي الله صلى الله عليه وسلم
стр. 143
وغشيته أسودة كثيرة حالت بينى وبينه حتى لم أسمع صوته ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين ففرغ النبي ﷺ منهم مع الفجر، فانطلق إلي فقال لى نمت فقلت لا والله يا رسول الله لقد هممت مرارا أن أستغيث بالناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك تقول لهم اجلسوا، فقال لو خرجت لم آمن عليك ان يتخطفك بعضهم اه. المراد منه.
وفي الخازن أيضا قالوا وفى الجن ملل كثيرة مثل الإنس ففيهم اليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأصنام وفى مسلمهم مبتدعة ومنهم من يقول بالقدر وخلق القرآن ونحو ذلك من المذاهب والبدع اهـ.
نقله الوالد حفظه الله تعالى فى الريان ثم أن النبي ﷺ لما رجع من الطائف جلس فى ظل حبلة بمهملة فموحدة مفتوحة قال السهيلي وسكونها ليه بالمعروف اشتق لها اسمها من الحبل لأنها تحبل بالعنب والحبلة الكرمة فلما اطمأن ﷺ فى ظلها دعا بالدعاء المشهور المعروف بدعاء الطائف كما نقله العلامة الزرقاني وها أنا أذكره إن شاء الله تعالى تبركا به ممزوجا ببعض كلام الزرقاني عليه وهو: اللهم إليك اشكو ضعف قوتى بضم الضاد أرجح من فتحها وقلة حيلتى فى مخلص أتوصل به إلى القيام بما كلفتنى وهوانى على الناس احتقارهم لى واستخافهم بشأنى، والشكوى إليه تنافي أمره بالصبر فى التنزيل لأن إعراضه عن الشكوى لغيره وجعلها له هو الصبر، والله تعالى يمقت من يشكوه إلى خلقه ويحب من يشكو ما به إليه، يا أرحم الراحمين أنت أرحم الراحمين، وصف له تعالى بغاية الرحمة بعد ما ذكر لنفسه ما يوجبها، وأنت رب المستضعفين، فى ذكر لفظ رب والإضافة إليهم مزيد استعطاف فطوى فى هذه الألفاظ نحو أن يقول فقونى واجعل لى المخلص وأعزنى فى الناس وعدل إلي الثناء لأن الكريم بالثناء يعطى المرام ولا أكرم منه ، إلى من تكلنى؟ إلى عدو بعيد؟ وسقط لفظ بعيد فى رواية الطبراني، يتجهمنى، بتحتية ففوقية فجيم فهاء مشددة مفتوحات أي يلقاني
стр. 144
بالغلظة والوجه الكريه، ومن المجاز الدهر يتجهم الكرام، والاستفهام للاستعطاف بحذف الأداة أي أتكلنى إلى عدو بعيد أم إلى صديق قريب ملكته أمرى، جعلته مسلطا على إيذائى؟ أي لا تجعل لى ذلك إن لم تكن غضبانا علي فلا أبالى بما تصنع بى أعدائى، غير أن عافيتك هي السلامة من البلايا والأسقام، أوسع لى فيه، إن الدعاء بالعافية مطلوب، وهكذا عادة الأنبياء إنما يسألون بعد البلاء عنهم، أعوذ بنور وجهك أي ذاتك زاد الطبراني الكريم أي الشريف النافع الدائم نفعه الذي أضاءت له السماوات والأرض وأشرقت بالبناء للفاعل أي أضاءت له الظلمات أي أزيلت وصلح بفتح اللام وتضم استقام عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي غضبك أو يحل بكسر الحاء وضمها بى سخطك ولك العتبى بضم العين وألف مقصورة أي أطلب رضاك حتى ترضى فى النهاية، استعتب: طلب أن يرضى عنه، ولا حول ولا قوة إلا بك اهـ.
ثم دخل ﷺ مكة فى جوار المطعم بن عدي بعد أن أقام بنخلة أياما وقال له زيد بن حارثة: كيف تدخل عليهم وهم قد أخرجوك؟ فقال يا زيد إن الله جاعل لما ترى فرجا ومخرجا، وإن الله مظهر دينه وناصر نبيه، ثم انتهى إلى حراء وبعث عبد الله بن الأريقط إلى الأخنس بن شريف ليجيره، فقال أنا حليف والحليف لا يجير، فبعث إلى المطعم بن عدي فأجابه فدخل ﷺ فبات عنده، فلما اصبح تسلح هو وبنوه وهم ستة أو سبعة فقالوا له ﷺ طف واحتبوا بحمائل سيوفهم بالمطاف فقال أبو سفيان للمطعم أمجير أم تابع، قال بل مجير، قال إذا لا تخفر قد أجرنا من أجرت، فقضى ﷺ طوافه وانصرفوا مع إلى منزله.
(وبعد واحد مع الخمسينا ... وأشهر مضت له يقينا)
(شرفه الرحمن بالإسراء ... وبعروجه إلى السماء)
يعنى أنه ﷺ لما مضت من عمره المبارك إحدى
стр. 145
وخمسون سنة وأشهر هي تسعة على ما لليعمري شرفه الله تعالى بالإسراء به من المسجد الرحام إلى المسجد الأقصى وهو بيت المقدس، وصلى فيه النبيئين إماما لهم ثم عرج به إلى السماء فأم الأنبياء أيضا كما فى الشفاء ثم ارتقى حتى جاوز سدرة المنتهى وبلغ إلى موضع لم يطأة ملك مقرب ولا نبي مرسل ولما وصل معه جبريل سدرة المنتهى قال له ها أنت وربك هذا مقامى لا أتعداه. وقوله هذا مقامى بفتح الميم أي موضعى المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] وهو سدرة المنتهى التى لم يتجاوزها أحد إلا نبينا ﷺ ، قاله النووي، قاله الزرقاني وما ذكره ابن سلطان فى آخر ما ذكر من الأقوال مضعفا له فإنه قال بعد قول الشفا وقد قال غير واحد إنها، يعنى قصة الإسراء كانت قبل الهجرة بسنة ما نصه، ذكر النووي أن معظم السلف وجمهور المحدثين والفقهاء على أن الإسراء كان بعد البعثة بستة عشر شهرا وقال السبكي الذى نختاره ما قاله شيخنا أبو محمد الدمياطي أنه قبل الهجرة بسنة وهو فى ربيع الأول اهـ.
وروى السيد جمال الدين أنه كان فى سبعة وعشرين من رجب على وفق ما هم عليه فى الحرمين الشريفين من العمل، وقيل فى ربيع الآخر، وقيل فى رمضان، وقيل فى شوال، وقيل فى ذى الحجة، لأن كان ابن احدى وخمسين سنة وتسعة أشهر وعشرين يوما اهـ منه.
وقال القاضي أبو الفضل عياض في الشفا: لا خلاف بين أئمة المسلمين فى صحة الإسراء به، ﵇، إذ هو نص القرآن، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]
وقال: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: ١] إلى قوله: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨]، وجاءت بتفصيله وشرح عجائبه وخواص نبينا محمد ﵇ فيه أحاديث كثيرة رأينا أن نقدم أكملها ونشير إلى زيادة من غيره يجب ذكرها ثم ذكر حديث مسلم عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال أوتيت بالبراق وهو دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه، قال فركبته حتى أتيت بيت
следующие страницы →