Полный текст (927 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وهو عائد من الطائف، وأخرى بالحجون، وفى لفظ بأعلى مكة بالجبال لما أتاه داعي الجن فذهب معه وقرأ عليهم القرآن ورجع لأصحابه من جهة حراء وأخرى ببقيع الغرقد، وفى هاتين حضر ابن مسعود وخط عليه خطا بأمر المصطفى وأخرى خارج المدينة وحضرها الزبير وأخرى فى بعض أسفاره وحضرها بلال بن الحارث، وبهذا لا يبقى تعارض بين الأحاديث ويحصل الجمع بين نفى ابن عباس رؤية النبي ﷺ وبينما أثبته غيره من رؤيته لهم والله أعلم ولا يشكل ما مر من حراسة الشهب عند المبعث بما روي من أن السماء حرست بمولده ﷺ لجواز أن يبقي لهم بعض قدرة الإستماع كاللص فلما بعث زال ذلك بل قال السهيلي إنه بقي منه بقايا يسيرة بدليل وجوده نادرا فى بعض الأزمنة وبعض البلاد وقال البيضاوي لعل المراد منعهم من كثرة وقوعه انتهى من الزرقاني فى موضوعين.
وقوله يصلي الفجر، ولا يعارضه ما ذكر ابن إسحاق من أنه كان يصلي فى جوف الليل لأن الأول كان قبل عند المبعث لما منعوا من استراق السمع، نعم وقع لمن ساق القصة التى هنا وهو يصلي الفجر فإن صح فيكون أطلق على افجر جوف الليل لاتصاله به أو ابتداء الصلاة فى الجوف فاستمر حتى دخل الفجر، والمراد بالفجر الركعتان اللتان كان يصليهما قبل طلوع الشمس فسقط اعتراض البرهان بأن صلاة الفجر لم تكن فرضت اهـ.
وفى الحديث ان النبي ﷺ أعلمته بهم سمرة وهي بفتح السين وضم الميم شجرة من شجر الطلح وفى الصحيح أنهم سألوه الزاد أي ما يفضل من طعام الإنس فقال: كل عظم ذكر اسم الله عليه هو زادكم يقع فى يد أحدكم أوفر ما كان لحما، ولأبى داوود كل عظم لم يذكر اسم الله عليه، وجمع بينهما بأن رواية مسلم فى حق المؤمنين وهذه فى حق شياطينهم، قال السهيلي وهو صحيح تعضده الأحاديث، وكل بعر علف لدوابكم، زاد ابن سلام فى تفسيره إن البعر يعود خضرا، وسؤالهم الزاد كان فى قصة أخرى كما قال الدمياطي لا فى رجوعه من الطائف إذ
стр. 142
لم يشعر بهم ﷺ حين استمعوه وفى هذا ردّ على من زعم أن الجن لا تأكل ولا تشرب، قال ابن العربي من نفى عن الجن الشرب والأكل فقد وقع فى إلحاد وعدم رشاد، بل الشيطان وجميع الجن يأكلون ويشربون وينكحون ويولد لهم وذلك جائز عقلا، وتظافرت به الأحاديث فلا يخرج عن هذا إلا حمار، ومن زعم أن أكلهم شم فما شم رائحة العلم اهـ. من المواهب وشرحها.
وقال المحلي فى تفسير وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن جن نصيبين أو جن نينوى وكانوا سبعة أو تسعة وكان ﷺ ببطن نخلة يصلي بأصحابه الفجر، رواه الشيخان وقال الثعالبي اختلف الرواة هل هؤلاء الجن هم الوفد أو المتجسسون والتحرير فى هذا ان النبي ﷺ جاءه نفر من الجن دون أن يشعر بهم وهم المتجسسون المتفرقون من أجل رمي الشهب الذي حل بهم وهؤلاء هم المرادون بقوله قل أوحي إلي ثم بعد ذلك وفد عليه وفدهم حسب ما ورد من الآثار اهـ.
وفي الخازن بعد كلام طويل: وروي ان الجن لما رموا بالشهب بعث إبليس سرياه ليعرف الخبر فكان أول بَعث بُعث من أهل نصيبين وهم أشراف الجن وساداتهم، فبعثهم إلى تهامة ثم قال وقال جماعة بل أمر رسول الله ﷺ أن ينذر الجن ويدعوهم إلى الله ويقرأ عليهم القرآن فصرف الله نفرا من الجن وهم أهل نينوى وجمعهم له فقال رسول الله ﷺ إنمى أمرت أن أقرأ على الجن الليلة فايكم يتبعنى؟ فأطرقوا، ثم استتبعتم فأطرقوا، ثم استتبعهم الثالثة فتبعه عبد الله بن مسعود ﵁، قال ابن مسعود ولم يحضر مع أحد غيرى، قال فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة دخل نبي الله ﷺ شعبا يقال له شعب الحجون وخط لى خطا ثم أمرنى أن أجلس فيه وقال لا تخرج منه حتى أعود إليك، فانطلق حتى قام عليهم فافتتح القرآن فجعلت أرى أمثال النسور تهوى وسمعت لغظا شديدا حتى خفت على نبي الله صلى الله عليه وسلم
стр. 143
وغشيته أسودة كثيرة حالت بينى وبينه حتى لم أسمع صوته ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين ففرغ النبي ﷺ منهم مع الفجر، فانطلق إلي فقال لى نمت فقلت لا والله يا رسول الله لقد هممت مرارا أن أستغيث بالناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك تقول لهم اجلسوا، فقال لو خرجت لم آمن عليك ان يتخطفك بعضهم اه. المراد منه.
وفي الخازن أيضا قالوا وفى الجن ملل كثيرة مثل الإنس ففيهم اليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأصنام وفى مسلمهم مبتدعة ومنهم من يقول بالقدر وخلق القرآن ونحو ذلك من المذاهب والبدع اهـ.
نقله الوالد حفظه الله تعالى فى الريان ثم أن النبي ﷺ لما رجع من الطائف جلس فى ظل حبلة بمهملة فموحدة مفتوحة قال السهيلي وسكونها ليه بالمعروف اشتق لها اسمها من الحبل لأنها تحبل بالعنب والحبلة الكرمة فلما اطمأن ﷺ فى ظلها دعا بالدعاء المشهور المعروف بدعاء الطائف كما نقله العلامة الزرقاني وها أنا أذكره إن شاء الله تعالى تبركا به ممزوجا ببعض كلام الزرقاني عليه وهو: اللهم إليك اشكو ضعف قوتى بضم الضاد أرجح من فتحها وقلة حيلتى فى مخلص أتوصل به إلى القيام بما كلفتنى وهوانى على الناس احتقارهم لى واستخافهم بشأنى، والشكوى إليه تنافي أمره بالصبر فى التنزيل لأن إعراضه عن الشكوى لغيره وجعلها له هو الصبر، والله تعالى يمقت من يشكوه إلى خلقه ويحب من يشكو ما به إليه، يا أرحم الراحمين أنت أرحم الراحمين، وصف له تعالى بغاية الرحمة بعد ما ذكر لنفسه ما يوجبها، وأنت رب المستضعفين، فى ذكر لفظ رب والإضافة إليهم مزيد استعطاف فطوى فى هذه الألفاظ نحو أن يقول فقونى واجعل لى المخلص وأعزنى فى الناس وعدل إلي الثناء لأن الكريم بالثناء يعطى المرام ولا أكرم منه ، إلى من تكلنى؟ إلى عدو بعيد؟ وسقط لفظ بعيد فى رواية الطبراني، يتجهمنى، بتحتية ففوقية فجيم فهاء مشددة مفتوحات أي يلقاني
стр. 144
بالغلظة والوجه الكريه، ومن المجاز الدهر يتجهم الكرام، والاستفهام للاستعطاف بحذف الأداة أي أتكلنى إلى عدو بعيد أم إلى صديق قريب ملكته أمرى، جعلته مسلطا على إيذائى؟ أي لا تجعل لى ذلك إن لم تكن غضبانا علي فلا أبالى بما تصنع بى أعدائى، غير أن عافيتك هي السلامة من البلايا والأسقام، أوسع لى فيه، إن الدعاء بالعافية مطلوب، وهكذا عادة الأنبياء إنما يسألون بعد البلاء عنهم، أعوذ بنور وجهك أي ذاتك زاد الطبراني الكريم أي الشريف النافع الدائم نفعه الذي أضاءت له السماوات والأرض وأشرقت بالبناء للفاعل أي أضاءت له الظلمات أي أزيلت وصلح بفتح اللام وتضم استقام عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي غضبك أو يحل بكسر الحاء وضمها بى سخطك ولك العتبى بضم العين وألف مقصورة أي أطلب رضاك حتى ترضى فى النهاية، استعتب: طلب أن يرضى عنه، ولا حول ولا قوة إلا بك اهـ.
ثم دخل ﷺ مكة فى جوار المطعم بن عدي بعد أن أقام بنخلة أياما وقال له زيد بن حارثة: كيف تدخل عليهم وهم قد أخرجوك؟ فقال يا زيد إن الله جاعل لما ترى فرجا ومخرجا، وإن الله مظهر دينه وناصر نبيه، ثم انتهى إلى حراء وبعث عبد الله بن الأريقط إلى الأخنس بن شريف ليجيره، فقال أنا حليف والحليف لا يجير، فبعث إلى المطعم بن عدي فأجابه فدخل ﷺ فبات عنده، فلما اصبح تسلح هو وبنوه وهم ستة أو سبعة فقالوا له ﷺ طف واحتبوا بحمائل سيوفهم بالمطاف فقال أبو سفيان للمطعم أمجير أم تابع، قال بل مجير، قال إذا لا تخفر قد أجرنا من أجرت، فقضى ﷺ طوافه وانصرفوا مع إلى منزله.
(وبعد واحد مع الخمسينا ... وأشهر مضت له يقينا)
(شرفه الرحمن بالإسراء ... وبعروجه إلى السماء)
يعنى أنه ﷺ لما مضت من عمره المبارك إحدى
стр. 145
وخمسون سنة وأشهر هي تسعة على ما لليعمري شرفه الله تعالى بالإسراء به من المسجد الرحام إلى المسجد الأقصى وهو بيت المقدس، وصلى فيه النبيئين إماما لهم ثم عرج به إلى السماء فأم الأنبياء أيضا كما فى الشفاء ثم ارتقى حتى جاوز سدرة المنتهى وبلغ إلى موضع لم يطأة ملك مقرب ولا نبي مرسل ولما وصل معه جبريل سدرة المنتهى قال له ها أنت وربك هذا مقامى لا أتعداه. وقوله هذا مقامى بفتح الميم أي موضعى المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] وهو سدرة المنتهى التى لم يتجاوزها أحد إلا نبينا ﷺ ، قاله النووي، قاله الزرقاني وما ذكره ابن سلطان فى آخر ما ذكر من الأقوال مضعفا له فإنه قال بعد قول الشفا وقد قال غير واحد إنها، يعنى قصة الإسراء كانت قبل الهجرة بسنة ما نصه، ذكر النووي أن معظم السلف وجمهور المحدثين والفقهاء على أن الإسراء كان بعد البعثة بستة عشر شهرا وقال السبكي الذى نختاره ما قاله شيخنا أبو محمد الدمياطي أنه قبل الهجرة بسنة وهو فى ربيع الأول اهـ.
وروى السيد جمال الدين أنه كان فى سبعة وعشرين من رجب على وفق ما هم عليه فى الحرمين الشريفين من العمل، وقيل فى ربيع الآخر، وقيل فى رمضان، وقيل فى شوال، وقيل فى ذى الحجة، لأن كان ابن احدى وخمسين سنة وتسعة أشهر وعشرين يوما اهـ منه.
وقال القاضي أبو الفضل عياض في الشفا: لا خلاف بين أئمة المسلمين فى صحة الإسراء به، ﵇، إذ هو نص القرآن، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]
وقال: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: ١] إلى قوله: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨]، وجاءت بتفصيله وشرح عجائبه وخواص نبينا محمد ﵇ فيه أحاديث كثيرة رأينا أن نقدم أكملها ونشير إلى زيادة من غيره يجب ذكرها ثم ذكر حديث مسلم عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال أوتيت بالبراق وهو دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه، قال فركبته حتى أتيت بيت
стр. 146
المقدس فربطته بالحلقة التى يربط بها الأنبياء ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت فجاءنى جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فقال جبريل عليه السام اخترت الفطرة، ثم عرج بنا إلى السماء فاستفتح جبريل فقيل من أنت؟ قال جبريل. قيل من معك؟ قال محمد. قيل أوقد بعث إليه؟ قال بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بآدم ﷺ فرحب بى ودعا لى بخير ثم عرج بنا إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل فقيل من أنت؟ قال جبريل. قيل ومن معك؟ قال محمد. قيل أوقد بعث إليه؟ قال قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا انا بابني الخالة عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا ﵉، فرحبا بي ودعوا لى بخير ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة فذكر مثل الأول ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف ﷺ وإذا هو قد أعطى شطر الحسن فرحب بي ودعا لى بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة وذكر مثله فإذا أنا بإدريس ﷺ فرحب بى ودعا لى بخير، قال الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧]، ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة فذكر مثله، فإذا أنا بهارون ﷺ فرحب بى ودعا لى بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السادسة فذكر مثله، فإذا أنا بموسى ﷺ فرحب بى ودعا لى بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السابعة فذكر مثله، فإذا أنا بإبراهيم ﷺ مسندا ظهره إلى البيت المعمور وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه ثم ذهب بى إلى سدرة المنتهى فإذا ورقها كآذان الفيلة وإذا ثمرها كالقلال، فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها، فأوحى الله إلى ما أوحى ففرض علي خمسين صلاة كل يوم وليلة فنزلت إلى موسى فقال ما فرض ربك على أمتك؟ قلت خمسين صلاة، قال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا يطيقون ذلك، فإني قد لوت بنى إسرائيل وخبرتهم، قال فرجعت إلى ربى قلت يا رب خفف عن أمتى، فحط عنى خمسا فرجعت إلى موسى، فقلت حط عنى خمسا، فقال إن أمتك لا يطيقون فارجع إلى
стр. 147
ربك فاسأله التخفيف، قال فلم أزل أرجع بين ربى وموسى حتى قال يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر فتلك مسون صلاة، ومن هم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا، ومن هم بسيئة فلم يعملها فلم تكتب شيئا فإن عملها كتبت سيئة واحدة، قال فنزلت حتى أتيت موسى فأخبرته، فقال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فقال رسول الله ﷺ قد رجعت إلى ربى حتى استحييت منه. وفى حديث ابن شهاب قول كل نبي له مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح إلا آدم وإبراهيم فقالا له: والابن الصالح. وفيه من طريق ابن عباس ﵁ حتى ظهرت بمستوى أسمع فيه صريف الأقلام اهـ.
والإسراء مصدر أسرى يقال سرى وأسرى إذا سار ليلا قال أهل الإشارة وهم المحققون من الصوفية والحكمة فى تخصيص الإسراء بالليل أنه تعالى لما محى آية الليل أي طمس نورها لتسكن فيه والإضافة بيانية وجعل آية النهار مبصرة أي مبصرا فيها انكسر الليل فجبر بأن أسري فيه بمحمد ﷺ وذلك أعظم الجبر، وقد افتخر النهار بالشمس فقيل لا تفخر فإن كانت شمس الدنيا تشرق فيك فسيعرج شمس الوجود فى الليل إلى السماء، وقيل لأنه ﷺ سراج والسراج إنما يحصل الإنتفاع به بإيقاده ليلا، وفى ذلك المعنى قيل:
(قلت يا سيدى فلم تؤثر الـ ... ـليل على بهجة النهار المنير)
(قلت لا أستطيع تغيير وسم ... هكذا الوسم فى طلوع البدور)
(إنما زرت فى الظلام لكي ما ... يشرق الليل من أشعة نورى)
ومعنى الأبيات أنه سأله محبوبه عن حكمة زيارته ليلا دون النهار فقال أنا بدر وهو إنما يظهر أثره ليلا ولا يستطيع تغيير ذلك الأثر، وإن فى زيارته ليلا فائدة تظهر لو زار نهارا وهى إشراق الليل بنوره، اهـ - من الزرقاني.
وظاهر الآية ان ابتداء الإسراء كان من نفس المسجد لحديث بينا أنا
стр. 148
فى الحجر عند البيت بين النائم واليقظان أتانى جبريل بالراق أو من الحرم كما قال صاحب البردة: سريت من حرم ليلا، وسماه مسجدا لإحاطته به، ولحديث أنه كان في بيت أم هانئ بعد صلاة العشاء فأسري به ويمكن الجمع بينهما بأنه كان فى بيت أم هانئ فرجع إلى المسجد وأتى الحجر وإنما وصف المسجد بالأقصى لبعده من المسجد الحرام، والمراد بالبركة حوله، بركات الدين والدنيا لأنه مهبط الوحي ومتعبد الأنبياء من لدن موسى إلى زمن عيسى عليهم الصلاة والسلام وهو محفوف بالأنهار والأشجار والأثمار وقوله والنجم أي الثرياء أو نجوم السماء أو الرجوم منها وهوى غرب أو طلع أو انقض قاله ابن سلطان والبراق مأخوذ من البرق لسرعته أو من البريق وليس بذكر ولا أنثى قاله الهيثمي فى المنح وقال ابن سلطان هو بضم الموحدة لشدة بريقه ولمعانه وسرعة سيره وطيرانه كالبرق وقوله دابة أي مركوب أبيض وقوله بيت المقدس لأنه فيه يتقدس من الذنوب والحلقة بإسكان اللام وفتحها ويربط بضم الموحدة وكسرها مفعوله محذوف أي دوابهم عند باب المسجد، كما صرح به صاحب التحرير، وللترمذي أنه ﷺ حين انتهى إلى بيت المقدس أشار جبريل إلى الصخرة فخرقها وربط البراق بها ثم ربطها دليل على أن الإيمان بالقدر لا يمنع الحازم من توقي المهالك والحذر ومنه قوله ﵇ أعقل وتوكل، وقد قال وهب بن منبه كذا وجدته فى سبعين كتابا من كتب الله وقوله اخترت الفطرة أي علامة الإسلام والإستقامة لكونه طيبا طاهرا سهل المرور فى الحلق، سليم العاقبة، وقوله ابني الخالة لأن أم يحيي إيشاع اخت حنة أم مريم، وقوله شطر الحسن أي نصفه أو بعضه والمراد بالحسن جنسه أو حسن حواء أو حسن سارة أو حسن نبينا محمد ﷺ ، وقوله إدريس هو سبط شئت وجد والد نوح أول من خط بالقلم وخاط اللباس ونظر فى علم النجوم، وقوله مكانا عليا هو شرف النبوءة ومقام القربة، وعن الحسن هو الجنة إذ قال لملك الموت اذقنى الموت ليهون علي ففعل فإذن الله تعالى ثم حيي فقال له ادخلنى
стр. 149
النار أزدد رهبة ففعل ثم قال له أدخلنى الجنة ازدد رغبة ففعل، ثم قال ملك الموت له أخرج فقال قد ذقت الموت ووردت النار فما أنا بخارج، فقال الله تعالى بإذني دخل دعه وقيل هو فى السماء الرابعة لهذا الحديث وقوله البيت المعمور روي عن علي كرم الله وجهه البيت المعمور فى السماء الرابعة يقال له الضراح وهو بمعجمة مضمومة ومهملة بينهما راء فألف من الضراحة بمعنى المقابلة إذ هو مقابل للكعبة وسدرة المنتهى أي ينهي علم الخلائق عندها، والفيلة بكسر الفاء وفتح التحتية جمع فيل والقلال بكسر القاف جمع قلة كقباب جمع قبة وفى رواية كقلال هجر بفتحتين مدينة قرب المدينة يعمل بها القلال تسع الواحدة مزادة من الماء سميت قلة لأنها تقل أي ترفع وليست بهجر التى من توابع البحرين، وقوله فرجعت إلى ربى: إلى الموضع الذى ناجيته فيه أولا، وقوله فتلك خمسون أي بحسب المضاعفة واعلم ان الصلوات الخمس فرضت فى مكة اتفاقا، وكذا الزكاة مطلقا وأما تفاصيلها فبينت بالمدينة وفرض رمضان ثم الحج بها، قال جميعه ابن سلطان وقوله حتى ظهرت بمستوى أي صعدت فى مكان مرتفع وقيل الباء بمعنى على، وقوله أسمع فيه صريف الأقلام أي صوت حركتها وجريانها على المخطوط فيه مما تكتبه الملائكة من أقضية الله تعالى ووحيه، وينسخ من اللوح المحفوظ وفى نسخة صرير براءين قاله أيضا والمراد بالحلقة المارة، حلقة باب مسجد بيت المقدس، وجمع بينه وبين ما مر من أن جبريل خرق الصخرة يعني صخرة بيت المقدس فشد بها البراق فإنه ﷺ ربطه أولا بالحلقة تأدبا واتباعا للأنبياء فأخذه جبريل وحله من الحلقة وخرق الصخرة وشده بها، كأنه يقول له أنت لست ممن يكون مركوبه بالباب بل أنت أعلى وأغلى، فلا يكون مركوبك إلا فى داخل المحل، قاله الزرقاني. وقال فى قوله: اخترت الفطرة، قال ابن دحية الفطرة تطلق على الإسلام كخبر كل مولود يولد على الفطرة وعلى أصل الخلقة نحو فطرة الله التى فطر الناس عليها وقول جبريل اخترت الفطرة أى الذى عليه بنيت الخلقة، وبه نبت اللحم
стр. 150
ونشر العظم، وقال النووي المراد بالفطرة هنا: الإسلام. قال ومعناه اخترت علامة الإسلام وجعله علامة الإسلام لكونه سهلا طيبا إلى آخر ما مر عن ابن سلطان، وروى أبو سعد فى هذه القصة: فكان الذى أمسك بكرابه جبريل وبزمام البارق ميكائيل، قال الزرقاني ولا ينافى ذلك أن جبريل كان راكبا معه كما يأتي، لأنه أمسك ركابه حتى ركب فركب أمامه، نعم يعارضه رواية: وجبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره رواه سعيد بن منصور والطبراني فإنه ظاهر فى عدم الركوب إلا أن يكون ذلك إخبارا عن مبدأ مسراه ثم ركب جبريل قدامه رفقا به والله أعلم.
وفى رواية عن أنس أنه صلى الله عليه وسلك أوتى بالبراق مسرجا ملجما، فاستصعب عليه فقال له جبريل ما حملك على هذا؟ ما ركبك خلق أكرم على الله منه. قال فارفض عرقا اهـ.
وكان البارق معدا لركوب الأنبياء فليس ركوبه من خصائصه ﷺ ، نعم قيل ركوبه مسرجا ملجما لم يرو لغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأجيب عن استصعابه بأنه لبعد عهده بالركوب ويحتمل أن يكون استصعابه تيها، بكسر التاء وسكون التحتية أي تكبرا بكروبه ﷺ وأراد جبريل بقوله أبمحمد تستصعب؟ استنطاقه بلسان الحال أنه لم يقصد الصعوبة وإنما أتاه زهوا أي تكبرا أي فخرا لمكان الرسول ﵇ ولهذا قال فارفض عرقا فكانه أجاب بلسان الحال متبرئا من الاستصعاب وعرق من خجل العتاب ومثل هذا رجفة الجبل وهو أحد حين صعده هو وأبو بكر وعمر وعثمان، فقال اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان، فإنها هزة الطرب لا هزة الغضب اهـ. من المواهب وشرحها.
تنبيهات:
الأول فى رواية للبخاري: فحملت عليه يعني البراق، فانطلق بى جبريل حتى أتى السماء الدنيا، انتهى المراد منه.
стр. 151
قال الزرقاني ظاهره أنه استمر على البراق حتى عرج إلى السماء وليس بمراد بل هذا اختصار من الراوى وقال بعد هذا فى قول ابن المنير: إن البراق يكون بلوغه أعلى السماوات فى سبع خطوات لأنه يضع حافره عند منتهى طرفه أي بصره اهـ. وهو مبنى على أنه عرج به على البراق أخذا بظاهر الحديث والصحيح خلافه اهـ.
وقال فى المواهب عد كلام، فأما المعراج ففى غير هذه الرواية من الأخبار أنه لم يكن على البارق بل رقى فى المعراج وهو السلم كما وقع التصريح به فى حديث عن ابن اسحاق والبيهقي، قال الزرقاني وقال النعماني ما المانع من أنه ﷺ رقى فى المعراج فوق ظهر البارق لظاهر الحديث، اهـ. قال الزرقاني، والمانع موجود وهو أحاديث ربطه البراق بالحلقة اهـ. والمعراج مرقا له درجة من ذهب ودرجة من فضة وبه سميت القصة.
الثاني فى حديث عند أبى يعلا والبزّار أن البراق إذا أتى أي أقل على جبل ارتفعت رجلاه وإذا هبط ارفعت يداه أي فلا مشقة على راكبه فى صعود ولا هبوط، وفى رواية عن الواقدي أنه له جناحان قال ابن حجر ولم أره لغيره. قال الزرقاني وهو عجب، مع قول الشامي له جناحان فى فخذيه يحفر بهما رواه ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر عن الحسن مرسلا، ورواه ابن سعد عن الواقدي وابن عساكر من حديث جماعة من الصحابة. ويحفز بفتح التحتية وسكون المهملة وكسر الفاء أي يحث بهما رجليه على سرعة السير اهـ. وفى الثعلبي بسند ضعيف عن ابن عباس له خد كخد إنسان وعرف كعرف الفرس وقوائم كالإبل وأظافر وذنب كالبقر وصدره ياقوتة حمراء قاله فى المواهب، أي كياقوتة لا أن ذاته ياقوتة قاله الزرقاني.
الثالث: اختلف السلف والعلماء فى الإسراء هل كان بالروح والجسد
стр. 152
أو بالروح فقط، وهل هو يقظة أو منام؟ فذهب معظم السلف والمسلمين إلى أنه بالجسد يقظة فى القصة كلها، قال فى الشفاء وهو الحق والصحيح وعليه تدل الآية وصحيح الأخبار والاعتبار ولا يعدل عن الظاهر والحقيقة إلى التأويل إلا عند الإستحالة وليس فى الإسراء بجسده وحال يقظته استحالة وذهبت طائفة أنه بالروح وأنه رؤيا منام مع اتفاقهم على أن رؤيا الأنبياء حق ووحي، وقالت طائفة كان الإسراء بالجسد يقظة إلى بيت المقدس وإلى السماء بالروح اهـ المراد من الشفا.
(حتى أراه أكبر الآيات) غاية لقوله بالإسراء وبعروجه إلى السماء وفاعل أرى عائد إلى الله تعالى والمفعول للنبي ﷺ يعني أن النبي ﷺ أسى به الله تعالى وعرج إلى السماء حتى أراه الله تعالى أعظم الايات أي العلامات الدالة على عظيم قدرته ﵎ وهذا اقتباس من قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨] واللام للقسم أي والله لقد رأى من آيات ربه الكبرى، أي الآيات التى هي كبراها وعظماها يعني حين رقى به إلى السماء فاراه عجائب الملكوت، قاله النسفي وقال الخازن يعني رأى رسول الله ﷺ الآيات العظام، وقيل أراد ما رأى تلك الليلة فى مسيره ورجوعه وقيل معناه لقد رأى من آيات ربه الكبرى، قال رأى جبريل فى صورته له ست مائة جناح، أخضر سد فوق السماء. وذكر الخازن أن جبريل كان يأتى النبي ﷺ فى صورة الرجل كما كان يأتى الأنبياء قبله فسأله رسول الله ﷺ أن يوريه نفسه على صورته التى جبل عليها فاراه نفسه مرتين، مرة فى الأرض ومرة فى السماء فأما التى فى الأرض فبالأفق الأعلى وذلك أنه ﷺ كان بحراء فطلع له جبريل ﵊ من ناحية المشرق فسد الأفق إلى المغرب وأما التى فى السماء فعند
стр. 153
سدرة المنتهى، ولم يره أحد من الأنبياء على تلك الصورة التى خلق عليها إلا نبينا محمد ﷺ انتهى المراد من كلامه.
(وعاد) أي رجع هو، أي النبي ﷺ ، إلى منزله فى تلك الليلة (بعد الفرض للصلاة) أي بعد أن أوجب الله تعالى عليه وعلى أمته الصلوات الخمس وقد مر ذلك فى حديث الإسراء واختلف هل رأى محمد ﷺ ربه بعينه ليلة الإسراء أم لا؟ ومذهب الجمهور أنه رآه قال المقري:
(وقد رأى خير الورى الديانا ... ليلة إسراء به عيانا)
(في المذهب المصحح المشهور ... وهو الذي ينمى إلى الجمهور)
انتهى.
وروى الترمذي عن ابن عباس قال إن الله اصطفى إبراهيم بالخلة واصطفى موسى بالكلام واصطفى محمدا بالرؤية. وقال كعب إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى فكلم موسى مرتين ورآه محمد مرتين وقال بهذا أنس بن مالك وعكرمة والحسن، وكان يحلف عليه، وحكي مثله عن ابن مسعود وأى هريرة وأبى ذّر وأحمد بن حنبل، وروى عن أبى الحسن الأشعري وجماعة من أصحابه واختلف هل كلمه ربه ليلة الإسراء بغير واسطة أم لا؟ فعن الأشعري وقوم م المتكلمين أنه كلمه، وعزاه بعضهم إلى جعفر بن محمد وابن مسعود وابن عباس، اهـ من الخازن.
وفيه بعد هذا قال الشيخ محي الدين فالحاصل أن الراجح عند أكثر العلماء أن رسول الله ﷺ رأى ربه بعيني رأسه ليلة الإسراء لحديث ابن عباس وغيره مما تقدم وإثبات هذا لا يأخذونه إلا بإسماع من رسول الله ﷺ ، هذا مما لا ينبغي أن يشك فيه اهـ.
وفى الجزء الأول من المواهب اللدنية ممزوجا ببعض كلام الزرقاني، ولكا كان فى شهر بيع الأول أو الآخر أو رجب أو رمضان أو شوال خمسة اقوال:
стр. 154
- أسرى بروحه وجسده يقظة لا مناما مرة واحدة فى ليلة واحدة عند جمهور المحدثين والفقهاء والمتكلمين وتواردت عليه ظواهر الأخبار الصحيحة ولا ينبغي العدول عنه
- * وقيل وقع الإسراء والمعراج مرتين مناما يقظة
- * وقيل وقع الإسراء فى ليلة والمعراج فى ليلة
- * وقيل الإسراء يقظة والمعارج مناما
- * وقيل الخلاف فى أنه يقظة أو مناما خاص بالمعراج لا فى الاسراء.
وقيل الإسراء مرتان يقظة: الأولى بلا معراج والثانية به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم عرج به من المسجد الأقصى إلى فوق سبع سموات إلى حيث شاء الله العلي الأعلى ورأى ربه بعين راسه وأوحى إليه ما أوحى، ابهمه للتعظيم فلا يطلع عليه، أو الجنة حرام على الأنبياء حتى تدخلها وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك أو تخصيصه بالكوثر أو الصلوات الخمس أقوال. وفرضت عليه الصلاة ثم انصرف ليلته إلى مكة فأخبر بذلك الناس مؤمنهم وكافرهم فصدقه الصديق، قيل لقب بذلك يومئذ وكل من آمن بالله وكذبه الكفار واستوصفوه مسجد بيت المقدس فمثله الله له، وفى البخاري فجلى الله لى بيت المقدس أي كشف الحجب بيني وبينه حتى رأيته، وعند أحمد والبزار فجئ بالمسجد وأنا أنظر إليه حتى وضع عند دار عقيل فنعته وأنا أنظر إليه فجعل ينظر إليه ويصفه، قال الزهري وكان بعد المبعث بخمس سنين، ورجحه القاضي عياض كما فى الفتح ورجحه القرطبي والنووي ثلاثتهم فى شرح مسلم قال الزرقاني والذى فى الفتح عن الزهري أنه قبل الهجرة بخمس سنين وقيل كان الإسراء قبل الهجرة بسنة وخمسة أشهر قاله السدي، فعلى هذا كان بشوال انتهى المراد منهما. (صلى عليه) أي على النبي ﷺ ربنا أي مالكنا جميع المخلوقات (وسلما وآله وصحبه وكرما) أي أعطاه كل ما يليق به.
(بيان هجرة النبى المختار ... والغزو والحج والإعتمار)
أى هذا بيان هجرة النبى ﷺ أي خروجه من مكة
стр. 155
داره ودار آبائه زادها الله تعالى تشريفا إلى المدينة المنورة، دار أخواله وأنصاره ومحل قبره الشريف، خير بلاد الله تعالى وبيان غزواته وحجه وعمرته ﷺ .
ولنقدم أولا ذكر بيعة الأنصار له ﷺ بمكة قبل الهجرة لأنها توطئة للهجرة وذلك أن الله تعالى لما أراد إظهار دينه وإعزاز نبيه بإنجاز موعده له ﷺ بذلك كما قال تعالى:
﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] وقوله: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢]، وقوله ﵇: «إن الله زوى لي الأرض مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتى ما زوى لي منها». خرج رسول الله ﷺ فى الموسم وكان فى رجب كما فى حديث أصحاب السنن فعرض نفسه على القبائل بأمر الله تعالى كما كان يصنع فى كل موسم فلم يجد من ينصره فبينما هو عند العقبة الأولى أي عقبة الجمرة كما جزم به غير واحد لقى رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا، فقال من أنت؟ فقالوا نفر من الخزرج. قال أمن موالي يهود، يعني حلفاءهم؟ قالوا نعم، قال أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا بلى، فدعاهم إلى الإسلام وتلا عليهم القرآن وكان من صنع الله أن اليهود كانوا معهم فى بلادهم وكانوا أهل كتاب وكان الأوس والخزرج أكثر منهم فكانوا إذا كان بينهم شيء قال اليهود إن نبينا سيبعث الآن قد أظل زمانه، نتبعه، فنقتلكم مع قتل عاد وإرم، فلما كلمهم النبي ﷺ عرفوا النعت الذى كانوا يسمعونه من اليهود فقال بعضهم لبعض بادروا باتباعه لا تسبقكم اليهود إليه فأجابوا إلى ما دعاهم إليه، فاسلم منهم ستة وكلهم من الخزرج وأتى بهذا مع قوله رهطا من الخزرج دفعا لما يتوهم مما جرت به عادتهم من تغليب الخزرج على الأوس والخزرج معا والستة المذكورون: أسعد بألف قبل السين بن زرارة بضم الزاي النجاري، شهد العقبات الثلاث وهو ول ميت صلى عليه النبي ﷺ على قول الأنصار وقال المهاجرون أول ميت صلى عليه عثمان بن مظعون رواه الواقدي وعوف بن الحارث بن رفاعة بكسر الراء وبالفاء النجاري
стр. 156
استشهد ببدر وهو ابن عفراء بنت عبيد التجارية الصحابية وهي أم معاذ ومعوذ وإليها ينسبون ورافع بن العجلان اختلف فى شهوده بدرا، وهو زرقي وهو أول من قدم المدينة بسورة يوسف واستشهد بأحد، وقطبة بضم القاف وسكون المهملة ابن عامر ابن حديدة بفتح الحاء وكسر الدال المهملتين السلمي حضر العقبات الثلاث وبدرا والمشاهد وعقبة بضم العين وسكون القاف ابن عامر بن نابي بنون فألف فموحدة منقوص كالقاضي قال ابن دريد من نبى ينبو إذا ارتفع، السلمي، شهد بدرا وسائر الشاهد واستشهد باليمامة وجابر بن عبدالله بن رياب بكسر الراء فتحتية خفيفة فألف فموحدة ضبطه ابن ماكولا وغيره ابن النعمان السلمى شهد بدرا وما بعدها ومن أهل العلم بالسير من يسقط ابن ارياب هذا ويعد فيهم عبادة بن الصامت البدري وحضر سائر المشاهد، وعن الزهري هم أسعد، ورافع، ومعاذ بن عفراء، ويزيد بن ثعلبة، وأبو الهيثم بن التيهان، وعويم بن ساعدة، فلما أسلم هؤلاء قال لهم النبي ﷺ ، أتمنعون ظهرى حتى أبلغ رسالة ريى؟
اقتتلنا فيه، فإن تقدم ونحن كذلك لا يكون لنا عليك اجتماع فدعنا حتى نرجع إلى عشائرنا لعل الله أن يصلح ذات بيننا وندعوهم إلى ما دعوتنا فعسى الله أن يجمعهم عليك، فإن اجتمعت كلمتهم عليك واتبعوك فلا أحد أعز منك وموعدك الموسم العام القابل. وبعاث بضم الموحدة وحكى الفزاز فتحسها وتخفيف المهملة فسألف فمثلثة وذكر الازهري ان الليث صحفه بالفاء عن الخليل بغين معجمة وهو مكان، ويقال حصان ويقال مزرعة عند بنى قريظة على ميلين من المدينة كانت به وقعة بين الأوس والخزرج ورئيس الأوس فيه حضير والد أسيد الصحابي ويقال له رئيس الكتائب ورئيس الخزرج عمرو بن النعمان البياضي وقتلا يومئذ وكان النصر فسيها أولا للخزرج على الأوس فثبتهم حضير فرجعوا وانتصرت الأوس ذكره فى الفتح، وقتل فيها من أكابرهم من كان يأنف أن يدخل فى الإسلام حتى لا يكون تحت حكم غيره
стр. 157
وإلى ذلك أشارت عائشة ﵂ بقولها كان يوم بعاث يوما قدمه الله لرسوله ﷺ قال الحافظ وقد كان بقي من هذا النحو عبد الله بن أبى وكانت هذه الوقعة قبل الهجرة بخمس سنين على الأصح فلما كان العام القابل لقيه إثنا عشر رجلا وفى الإكليل للحاكم أحد عشر وهي العقبة الثانية.
والاثنا عشر فيهم خمسة من الأولين وهم أسعد بن زرارة وعوف بن عفراء وقطبة بن عامر وعقبة بن عامر ورافع بن مالك ولم يحضرها ابن رياب والسبعة الأخرون معاذ بن رفاعة وهو المشهور لأنه ابن عفراء أمه، ذكره فى العيون وأقره البرهان وبه جزم فى الإصابة وأبدل الشامي معاذ بأخيه معوذ وضبطه بصيغة إسم الفاعل وذكوان بفتح المعجمة وإسكان الكاف ابن عبد قيس البدري الزرقي بتقديم الزاي المضمومة على الراء، وكذا كل ما فى نسب الانصار نسبة إلى جده زريق الخزرجي وقيل انه رحل إلى رسول الله عليه وسلم بمكة فسكنها معه فهو مهاجر أنصاري وبه جزم أبو عمر وتبعه الذهبي قتل يوم أحد قتله أبو الحكم بن الأخنس بن شريق، فشد علي ﵁ على أبى الحكم فقتله، وعبادة بمهملة مضمومة ابن الصامت الخزرجي ويزيد بن ثعلية بن حزمة بفتح المعجمتين ضبطه الدارقطني كالطبري وقال الكلبي بسكون الزاي ابن اصرم بن عمر في بن عمارة بفتح العين وشد الميم بن مالك بن فرام بفتح الفاء وتخفيف الراء وتشديدها بن فران بفتح الفاء وتخفيف الراء وتشديدها بن بلي فهو بلوي حليف للخزرج والعباس بن عبادة بن نضلة بنون مفتوحة الخزرجي وأقام العباس بمكة حتى هاجر معه ﷺ فكان مهاجريا أنصاريا واستشهد بأحد فهؤلاء خمسة من الخزرج ورجلان من الأوس: ابو الهيثم مالك بن التيهان بفتح الفوقية فتحتية مخففة عند أهل الحجاز مشددة عند غيرهم وشهد بدرا والمشاهد كلها، وجده زعوراء وهو أخو عبد الأشهل وفى الاستيعاب حليف بني عبد الاشهل وعويم بضم المهملة وفتح الواو وسكون التحتتية فميم ليس بعد هراء ابن ساعدة شهد العقبتين وبدرا وباقى
стр. 158
المشاهد فبايعه هؤلاء بيعة النساء التى أنزلت عند فتح مكة ثم انصرفوا إلى المدينة فأظهر الله الإسلام ثم قدم على النبي صلى الله
وامرأتان وهما نسيبة بفتح النون وكسر المهملة بنت كعب بن عمرو بن عوف النجاري وشهدها معها زوجها زيد بن عاصم ووولداها حبيب وعبد الله والمرأة الثانية أسماء بنت عدي من نبى سلمة وكان أول من ضرب على يده ﵇ فى البيعة البراء بفتح الباء والراء ممدودا مخففا ابن معرور بميم مفتوحة فمهملة ساكنة فراء مضمومة فواو فراء ثانية، قال السهيلي معناه مقصود وهو خزرجي ثم سلمى ابن عمة سعد بن معاذ كان سيد قومه ويقال إن أول من بايعه أسعد بن زرارة، هذا كله من المواهب وشرحها. ولما أرادوا البيعة جاء العباس مع رسول الله صلى الله عليه سولم وهو يومئذ على دين قومه إلا أنه أحب أن يحضر أمر
ابن أخيه ويتوثق له فكان العباس أول من تكلم فقال يا معشر الخزرج، وكان العرب إنما يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج خزرجها وأوسها ان محمدا منا حيث قد علمتم وقد منعناه من قومنا فهو فى عز من قومه ومنعة فى بلده وقد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم فمن الآن فدعوه فإنه فى عز ومنعة، قال كعب بن مالك فقلنا له قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت، فتكلم رسول الله ﷺ فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغب فى الإسلام ثم قال أبايعكم على أن تمنعونى مما تمنعوا منه نساءكم فأخذ البراء بن معروف بيده ثم قال نعم، والذى بعثك بالحق لنمنعنك بما نمنع منه أزرنا فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أهل الحرب ورثناها كابرا عن كابر، ثم بايعه القوم، ولما كان البراء يكلم رسول الله ﷺ قال أبو الهيثم يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال يعنى اليهود?
стр. 159
كما فى الزرقاني حبالا وإنا قاطعوها فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ قال فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال بل الدم الدم والهدم الهدم، وأنا منكم وأنتم منى، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم. اهـ. المراد من الإكتفاء.
ولما أتى أهل البيعة الثانية المدينة وأظهر الله الإسلام كتب الأوس والخزرج للنبي ﷺ أبعث لنا من يقرؤنا القرآن فبعث إليهم مصعب بن عمير فأسلم على يديه خلق كثير من الأنصار وأسلم فى جماعتهم سعد بن معاذ بن النعمان بن أمرئ القيس بن عبد الأشهل الأوسي، سيدهم، وافق حكمه حكم الله واهتز لموته عرش الرحمن وأسلم معه أسيد بضم الهمزة وفتح المهملة ابن حضير مصغر ابن سماك ابن عتيك الأشهلي أيضا فى يوم واحد وأسيد هو الأول وأسلم بإسلامهما جميع بنى عبد الأشهل وذلك أن سعدا لما أسلم أقبل إلى نادى قومه ومعه أسيد فقال يابني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم فقالوا سيدنا وأفضلنا رأيا وأيمننا نقيبة، قال فإن كلام رجالكم ونسائكم حرام علي حتى تؤمنوا بالله ورسوله فما أمسى فيهم امرأة ولا رجل إلا مسلما ومسلمة حاشى الأصيرم وهو عمرو بن ثابت بن وقش فإنه تأخر إسلامه إلى يوم أحد فأسلم يوم أحد واستشهد ولم يسجد لله سجدة، وأخبر صلى الله عليه في سلم أنه من أهل الجنة ولم يكن فى بنى عبد الأشهل منافق ولا منافقة بل كانوا كلهم مخلصين ﵃، ومن المواهب وشرحها وروي أن أهل مكة سمعوا هاتفا يهتف قبل إسلام سعد بن معاذ وهو يقول:
(فإن يسلم السعدان يصبح محمدا ... بمكة لا يخشى خلاف المخالف)
فقالت قريش لو علمنا من السعدان! قال عند ذلك:
(فيا سعد سعد الأوس كن أنت ناصرا ... ويا سعد سعد الخزرجين العطارف)
ولما تمت بيعة العقبة الثالثة ليلة ثاني أيام التشريق وكانت سرا عن
стр. 160
كقار قريش وعن كفار الأنصار الذين قدموا حجاجا مع أهل البيعة هم خمسمائة كما قال الحاكم وطابت نفسه ﷺ ان جعل الله له منعة أهل حرب ونجدة أمر رسول الله ﷺ من كان معه بالهجرة إلى المدينة بعد اشتداد الأذى عليهم من الكفار فشكوا ذلك إليه ﷺ فقال قد رأيت دار هجرتكم سبخة ثم مكث أياما ثم خرج مسرور فقال قد أخبرت بدار هجرتكم وهي يثرب فمن أراد منكم أن يخرج فليخرج إليها فخرجوا أرسالا وأقام ﷺ بمكة ينتظر أن يؤذن له فى الخروج فكان أول من هاجر من أصحابه أبوسلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال المخزومى البدري أخو المصطفى ﷺ من الرضاعة وابن عمته برة وقال فيه أول من يعطي كتابه بيمينه أبوسلمة رواه ابن ابي عاصم ثم عامر بن ربيعة المذحجي أو العنزي بسكون النون من عنز بن وائل أحد السابقين وهاجر إلى الحبشة بزوجته وشهد بدرا وما بعدها وهاجرت معه أيضا إلى المدينة وهي ليلى بنت حثمة بفتح المهملة وسكون المثلثة قال أبو عمر وهي أول ظعينة قدمت المدينة وقال موسى بن عقبة أولهن أم سلمة وجمع بأن ليلى أول ظعينة مع زوجها وأم سلمة وحدها لأن بنى محزوم حبسوها عن زوجها ثم أذنوا لها فى اللحاق به فهاجرت وحدها حتى إذا كانت بالتنعيم لقيها عثمان بن طلحة العبدري وكان يومئذ مشركا فشيعها حتى إذا أوفى على قباء قال لها زوجك فى هذه القرية ثم رجع ثم عبد الله بن جحش بأهله وأخيه أبى أحمد عبد بلا إضافة على الصحيح كما قال السهيلي تبعا لابن عبد البر وقيل اسمه ثمامة ولا يصح كان ضريرا يطوف أعلى مكة وأسفلها بلا قائد فصيحا شاعرا وعنده الفارعة بمهملة بنت أبى سفيان بن حرب قال أبو عمر وهاجر جميع بنى جحش بنسائهم ثم المسلمون أرسالا ومنهم عمار بن ياسر وبلال وسعد بن أبى وقاص ففى الصحيح أنهم هاجروا قبل عمر ثم عمر بن الخطاب وعياش بن أبى ربيعة المخزومي فى عشرين راكبا منهم سعيد بن زيد وواقد بن عبد الله وعمرو وعبد الله ابنا سراقة بن
стр. 161
المعتمر العدوي وخنيس بن حذافة السهمي وبنو البكير الأربعة والزبير وخولى بن أببي مالك بن أبي خولى واسم أبى خولى عمرو بن زهير وغيرهم ثم عثمان بن عفان وتتابع الناس بعده حتى لم يبقى أحد إلا من حبس بمكة أو أفتتن إلا على بن أبي طالب وأبو بكر رضي الله عن جميعهم وكان الصديق كثيرا ما يستأذن رسول الله ﷺ فى الهجرة إلى المدينة فيقول لا تعجل لعل الله أن يجعل لك صاحبا فيطمع أبو بكر أن يكون هو، وعند البخاري فقال ﷺ على رسلك فإنى أرجو أن يؤذن لى فقال أبو بكر وهل ترجو ذلك بأبى أنت وأمى؟ قال نعم. فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ ليصحبه وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر أربعة أشهر انتهى. ولما رأت قريش هجرة الصحابة وعرفوا أنه صار له أصحاب من غيرهم حذروا خروجه وعرفوا أنه أجمع لحربهم فاجتمعوا فى دار الندوة بفتح النون والواو مهملة ساكنة ثم هاء تأنيث وهي دار قصيى بن كلاب سميت بذلك لاجتماع الندي فيها يتشاورون والندي الجماعة ينتدون أى يتحدثون وهي أول دار بنيت بمكة كما قال ابن الكلبي وكانت قريش لا تقضي أمرا إلا فيها وكان اجتماعهم فيها يوم السبت ولذا ورد يوم السبت يوم مكر وخديعة يتشاورون فيما يصنعون فى أمره ﷺ وكانوا مائة كما فى المولد لابن دحية فأتاهم إبليس فوقف على باب الدار فى هيأة شيخ جليل عليه بت بفتح الموحدة وشد الفوقية كساء غليظ أو طيلسان من خز فقالوا من الشيخ قال من أهل نجد سمع بالذى أتعدتم له وحضر ليسمع ما تقولون وعسى ان لا يعدمكم رأيا ونصحا فقالوا ادخل فدخل فقال أبو البختري بفتح الموحدة وسكون المعجمة ابن هشام أحبسوه فى الحديد وأغلقوا عليه بابا ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء قبله فقال النجدي ما هذا برأي والله لئن حبستموه ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه منه أيديكم ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا برأي فانظروا
стр. 162
في غيره، وقال ربيعة بن عمر والعامري قال في النور ولا أعلم ماذا جرى له نخرجه من بين أظهرنا وننفيه من بلانا فلا نبالي إلى أين ذهب، فقال النجدي لعنه الله، والله ما هذا برأي، ألم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه وغلبته على قلوب الرجال لما يأتي به، والله لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل على حي من العرب فيغلب عليهم بذلك حتى يتابعوه، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم، ثم يفعل بكم ما أراد أديروا فيه رأيًا غير هذا، فقال أبو جهل: والله إن لي فيه رأيًا ما أراكم وقعتم فيه، أرى أن تأخذ كل قبيلة شابًا جلدًا نسيبًا وسيطًا، ثم يعطى كل فتى منهم سيفًا صارمًا ثم يعمدوا إليه فيضربوه ضربة رجل واحد فيقتلوه فنستريح منه، ويتفرق دمه في القبائل فلا تقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعًا فنعقله لهم، فقال النجدي: القول ما قال لا أرى غيره، فأجمع رأيهم على قتله وتفرقوا على ذلك، وإنما تمثل لهم في صورة نجدي لأنهم قالوا لا يدخلن معكم أحد من أهل تهامة؛ لأن هواهم مع محمد، ثم أتى جبريل النبي ﷺ فقال: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه، فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرقبونه حتى ينام فيثبوا عليه، فلما رأى رسول الله ﷺ مكانهم أمر عليًا أن ينام مكانه، وقال: تسبح بردي هذا الأخضر فنم فيه فإنه لا يخلص إليك شيء تكرهه منهم، فكان علي أو من شرى نفسه في الله ووقى بها رسول الله ﷺ وفي ذلك يقول علي ﵁:
(وقيت بنفسي خير من وطئ الثرى ... ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر)
(رسول إله خاف أن يمكروا به ... فنجاه ذو الطول الإله من المكر)
(وبات رسول الله في الغار آمنًا ... موقى وفي حفظ الإله وفي ستر)
(وبت أراعيهم وما يتهمونني ... وقد وطنت نفسي على القتل والأسر)
ويتهمونني بضم التحتية وصوب الزمخرشي أنه لم يقل إلا بيتين لكن في مسلم أنه قال مجيبًا لمرحب اليهودي يوم خيبر:
стр. 163
(أنا الذي سمتني أمي حيدره الخ)
ثم خرج رسول الله ﷺ من الباب، ونثر على رؤوسهم كلهم ترابًا كان في يده وهو يتلو قوله تعالى: ﴿يس﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٩]، ثم انصرف حيث أراد، وقد أخذ الله على أبصارهم فلم يره أحد منهم، وروى أحمد بإسناد حسن أنه خرج حتى لحق بالغار أي غار ثور وفي رواية ابن هشام فأفاد أنه توارى فيه حتى أتى أبا بكر منه في نحر الظهيرة، ثم خرج إليه هو وأبو بكر ثانيًا، وفي البيضاوي فبيت عليًا على مضجعه، وخرج مع أبي بكر إلى الغار، انتهى، فأتاهم آت ممن لم يكن معه فقال ماذا تنتظرون ها هنا؟ ، قالوا: محمدًا، قال قد خيبكم الله، والله خرج محمد عليكم ثم ما ترك فيكم رجلاً إلا وضع على رأسه ترابًا، فوضع كل رجل يده على رأسه فإذا عليه تراب، وفي رواية ابن أبي حاكم عن ابن عباس فما أصاب رجلاً منهم حصاة إلا قتل يوم بدر كافرًا، وفي هذا نزل ﴿﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠] (الآية)، ثم أذن الله تعالى لنبيه في الهجرة إلى المدينة، قال ابن عباس بقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي﴾ [الإسراء: ٨٠]، أي المدينة، مدخل صدق أي إدخالاً مرضيًا لا أرى فيه ما أكره، وأخرجني أي من مكة، مخرج صدق أي إخراجًا لا التفت إليها بقلبي، واجعل لي من لدنك سلطانًا نصيرًا أي قوة تنصرني بها على أعدائك، أخرجه الترمذي وصححه هو والحاكم انتهى من المواهب وشرحها، وبعضه من الكلاعي ثم بين الناظم رحمه الله تعالى سن رسول الله ﷺ حين هاجر فقال:
(وهاجر المختار لما أن وصل ... خمسين مع ثلاثة حتى نزل)
(بطيبة الغراء حيث أمرا ... )
يعني أنه ﷺ هاجر من مكة إلى المدينة زادهما الله تعالى تعظيمًا لما بلغ عمره المبارك ثلاثًا وخمسين سنة، فقوله حتى نزل غاية لهجرته ﵇، وطيبة من أسماء المدينة ووصفها بالغراء لإشراقها بنور المصطفى ﷺ ، وقد انتشر منها الدين
стр. 164
الحنيفي في جميع البلاد.
وقوله حيث أمر متعلق بنزل أي نزل بالموضع الذي أمره الله تعالى أن ينزل فيه وكانت مدة إقامته بمكة من حين النبوءة ثلاث عشرة سنة كما رواه البخاري عن ابن عباس وروى مسلم عنه خمس عشرة، قال الحافظ: والأول أصح اهـ، وهو قول الجمهور، قاله الشيخ محمد بن عبد الباقي، وكان خروجه ﵇ من مكة بعد بيعة العقبة بثلاثة أشهر أو قريبًا منها، ذكره الحاكم، وجزم ابن إسحاق أنه خرج أول يوم من ربيع الأول، فعلى هذا يكون بعد البيعة بشهرين وبضعة عشر يومًا؛ لأن البيعة في ذي الحجة ليلة ثاني أيام التشريق، فالباقي من الشهر ثمانية عشر يومًا إن كان تامًا، وإلا فسبعة عشر، وقدم ﷺ المدينة لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول على الراجح، وقيل لثمان خلت منه كما في الاستيعاب، وقال الحاكم: تواترت الأخبار أن خروجه كان يوم الاثنين ودخوله المدينة يوم الاثنين، إلا أن محمدًا ابن موسى الخوارزمي قال إنه خرج من مكة يوم الخميس، ويجمع بينهما بأن خروجه من مكة كان يوم الخميس، وخروجه من الغار كان ليلة الاثنين لأنه أقام فيه ثلاث ليال ليلة الجمعة وليلة السبت وليلة الأحد، وخرج أثناء ليلة الاثنين، وقول الحاكم تواترت الأخبار أن خروجه يوم الاثنين مجاز أطلق اليوم على الليلة، وروى الحاكم أنه ﷺ قال لجبريل من يهاجر معي، قال أبو بكر الصديق، قال الحاكم صحيح غريب، وأخبر عليًا أنه يريد الخروج وأمره أن يتخلف بعده بمكة حتى يؤدي عنه الودائع التي كانت عنده للناس، وذلك أنه كما قال ابن إسحاق ليس في مكة أحد يكون عنده شيء يخاف عليه إلا وضعه عنده لما يعلم من أمانته، قالت عائشة ﵂: كان لا يخطئ رسول الله ﷺ أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار، إما بكرة وإما عشية، حتى كان اليوم الذي أذن فيه لرسول الله ﷺ في الهجرة، أتانا في الهاجرة في ساعة كان لا يأتي فيها.
стр. 165
فلما رآه أبو بكر قال: ما جاء رسول الله ﷺ هذه الساعة إلا من حدث، فلما دخل تأخر أبو بكر عن سريره فجلس عليه رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر أخرج من عندك، فقال لا عين عليك إنما هما ابنتاي بأبي أنت وأمي، فقال ﷺ فإنه قد أذن لي في الخروج، فقال أبو بكر الصحبة بأبي أنت وأمي يا رسول الله، والصحبة بالنصب معمول لأريد محذوف أو مرفوع بتقدير مطلوبي، قال ﷺ نعم، قالت عائشة ﵂: فرأيت أبا بكر بكى وما كنت أحسب أن أحدًا يبكي من الفرح، فقال أبو بكر فخذ بأبي أنت وأمي يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين، فقال ﷺ إني لا أركب بعيرًا ليس لي، فقال لك، قال لا ولكن الثمن الذي ابتعتها به قال كذا وكذا، قال قد أخذتها بذلك.
وأفاد الواقدي أن الثمن ثمان مائة درهم وأن التي أخذ النبي ﷺ هي القصواء، وكانت من نعم بني قشير وعاشت بعده ﷺ قليلاً وماتت في خلافة أبي وكانت مرسلة ترعى بالبقيع، وذكر ابن إسحاق أنها الجدعاء وكانت من إبل بني الحريش بفتح الحاء وكسر الراء المهملتين وسكون التحتية وشين معجمة، وفي سيرة عبد الغني أن الثمن أربع مائة درهم وإنما لم يقبلها إلا بالثمن وقد أنفق عليه أبو بكر من ماله أكثر من ذلك، فقبله كما ذكر السهيلي إنه إنما فعل ذلك لتكون هجرته إلى الله بنفسه وماله رغبة منه ﵇ في استكماله فضل الهجرة إلى الله تعالى، وأن تكون على أتم الأحوال، ثم إن النبي ﷺ لما أجمع على الخروج أتى أبا بكر فخرجا من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته وهي بفتح المعجمتين بينهما واو ساكنة، وهي الباب الصغير كما في الزرقاني وغيره بعد دخوله عليه في نحر الظهيرة، وكان خروجهما ليلاً فمضيا إلى غار ثور بمثلثة فمكثا فيه ثلاث ليال كما هو لفظ البخاري وثور جبل بمكة وفي الأنوار الغار ثقب في أعلى ثور في يمنى مكة على مسيرة ساعة وقيل على ثلاثة أميال
стр. 166
وقيل على ميلين منها، والبحر يرى من أعلى هذا الجبل، وفيه من كل نبات الحجاز وشجره، وفيه شجر البان، وفي القاموس ثور جبل بمكة فيه الغار المذكور في التنزيل، ويقال له ثور أضحل واسم الجبل أضحل نزله ثور ابن عبد مناة فنسب له.
وروي أنهما لما خرجا لقيهما أبو جهل فأعماه الله عنهما، وفي حديث أنه ﵇ لما صعد ثبيرا ناداه اهبط عني فإني أخاف أن تقتل على ظهري فأعذب، وإنما خاف ذلك لأنه لو لم يذكر ذلك مع علمه بأنه لا مكان فيه يستره كان غشًا، فناداه حراء إلي يا رسول الله، وهو مقابل ثبير مما يلي شمال الشمس وبينهما الوادي وهما على يسار السالك إلى منى، ولم يذهب إليه لسبق تعبده فيه فخشي أن يطلبوه فيه، وذهب إلى ثور دون غيره لحبه الفال الحسن، فقد قيل الأرض مستقرة على قرن الثور، فناسب استقراره فيه، وروي أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه قال يا رسول الله ﷺ والذي بعثك بالحق لا تدخله حتى أدخله قبلك، فإن كان به شيء نزل بي قبلك، فدخله فجعل يلتمسه بيده فكلما رأى حجرًا قطع من ثوبه وألقمه الحجر حتى فعل ذلك بثوبه أجمع، فبقي حجر فألقمه عقبه، وفي رواية فأدخل فيه رجله إلى فخذه فجعلت الحيات والأفاعي تلسعنه فجعلت دموعه تتحدر، وفي رواية فدخل رسول الله ﷺ ووضع رأسه في حجر أبي بكر فنام، فلدغ أبو بكر في رجله من الجحر ولم يتحرك لئلا يوقظ المصطفى ﷺ ، فسقطت دموعه على وجه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال مالك يا أبا بكر، فقال لدغت فداك أبي وأمي، فتفل عليه رسول الله ﷺ فذهب ما يجده، ولأب نعيم فلما أصبح قال لأبي بكر أين ثوبك فأخبره بالذي صنع، فرفع ﷺ يديه وقال: "اللهم اجعل أبا بكر معي في درجتي في الجنة"، فأوحى الله إليه قد استجبنا لك، والظاهر أنه كان عليه غيره مما يستر جميع بدنه إذ لم ينقل طلبه لغيره ممن كان يأتيهما كابنه وابن فهيرة، انتهى من الزرقاني، فلما دخل ﷺ الغار هو وأبو بكر أنبت
стр. 167
الله على بابه الراءة، بالراء المهملة والمد والهمزة، فحجبت أعين الكفار، وهي أم عيلان ضرب من العضاه كما في المصباح، فأمر الله العنكبوت فنسجت على فم الغار، وأرسل حمامتين وحشيتين فعششتا على بابه، ولما فقدت قريش رسول الله ﷺ طلبوه بمكة أعلاها وأسفلها، وبعثوا القافة أثره، والقافة جمع قائف وهو الذي يعرف الأثر، فوجد الذي ذهب قبل ثور أثره، فلم يزل يتبعه حتى انقطع أثره لما انتهى إلى ثور، ولما انتهى قريش إلى فم الغار قال قائل منهم ادخلوا الغار، قال أمية بن خلف وما أربكم إلى الغار إن فيه لعنكبوتًا أقدم من ميلاد محمد، وعند الطبراني وخرجت قريش حين فقدوهما وجعلوا في النبي ﷺ مائة ناقة، وطافوا في جبال مكة حتى انتهوا إلى الجبل الذي فيه ﷺ ، فقال أبو بكر إن هذا الرجل ليرانا، وكان مواجهه، فقال ﷺ كلا إن ثلاثة من الملائكة يسترنا بأجنحتها، فجلس ذلك الرجل يبول مواجهه في الغار، فقال ﷺ لو كان يرانا ما فعل هذا، وروي أن أبا بكر لما رأى القافة اشتد حزنه على رسول الله ﷺ ، وقال إن قتلت فإنما أنا رجل واحد، وإن قتلت أنت هلكت الأمة، فعندها قال له رسول الله ﷺ لا تحزن إن الله معنا، وفي رواية أن أبا بكر قال أما والله ما على نفسي أبكي ولكن مخافة أن أرى فيك ما أكره، فقال لا تحزن إن الله معنا بالمعونة والنصر، ولما خرجا إلى الغار أمر أبو بكر ابنه عبد الله أن يستمع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره ثم يأتيهما إذا أمسى، فكان عامر يرعى في رعيان أهل مكة، فإذا أمسى أراح عليهما فاحتلبا وذبحا، فإذا غدى عبد الله من عندهما تبع عامر أثره بالغنم حتى يعفر أثرهما، وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما بالطعام بما يصلحهما، ولله در مجلي حلبة المديح النبوي حيث يقول، ولقوله قبول:
(وأغيرتا حين أضحى الغار وهو به ... كمثل قلبي معمور ومأهول)
стр. 168
(وجلل الغار نسج العنكبوت على ... وهن فيا حبذا نسج وتحليل)
(كأنما المصطفى فيه وصاحبه ... الصديق ليثان قد أواهما غيل)
(عناية ضل كيد المشركين بها ... وما مكايدهم إلا الأضاليل)
(إذ ينظرون وهم لا يبصرونهما ... كأن أبصارهم من زيغها حول)
الغيل بالكسر الشجر الملتف، وجلل غطى، والعناية بكسر العين وفتحها، والأصاليل جمع إضليلة، وروي أنا أبا بكر قال: نظرت إلى قدمي رسول الله ﷺ وقد تفطرتا دمًا في الغار فاستبكيت، وعلمت أنه لم يكن تعود الحفى، والسين والتاء للمبالغة لا للطب، والحفى المشي بلا خف ولا نعل، وكان من قوله ﷺ لما وقف على الحزورة بفتح المهملة فزاء ساكنة فواو فراء سوق كانت بمكة أدخلت في المسجد ونظر إلى البيت: والله إنك لأحب أرض الله إلي، وإنك لأحب أرض الله إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت منك، وأقام ﷺ في الغار هو وأبو بكر ثلاث ليال وخرجا منه ليلة الاثنين، كما مر، ولما أراد الخروج أتاهما صاحبهما الذي استأجرا ليدلهما على الطريق، وكان استيجارهما له قبل خروجهما من مكة، فدفعا إليه راحلتيهما وواعده غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما حين هدأت الأصوات كما قال ابن شهاب، وهو رجل من بني الديل، بكسر الدال وسكون التحتية، وقيل بضم أوله وكسر ثانية مهموزًا كما في الفتح، واسمه عبد الله بن أريقط بالقاف والطاء مصغر، وفي رواية الأموي أريقد بالدال بدل الطاء، والأول أشهر، قالت عائشة فجهزناهما أحث الجهاز، أي أسرعه، وصنعنا لهما سفرة من جراب، وفي البخاري سفرة في جراب، قال الحافظ سفرة أي زاد في جراب؛ لأن أصل السفرة الزاد الذي يصنع للمسافر، ثم استعمل في وعاء الزاد، ومثله المزادة للماء، وكذا الرواية، فاستعملت هنا على أصل اللغة، وأفاد الواقدي أنه كان في السفرة شاة مطبوخة انتهى، وأتتهما بالسفرة أسماء بنت أبي بكر ونسيت أن تجعل لهما عصامًا فقطعت أسماء قطعة من نطاقها فربطت بها على فم الجراب، بكسر الجيم وفتحها، والكسر أفصح قاله النووي، وفي القاموس أنه لا
стр. 169
يفتح أو لغية، وهو المزود، فسميت بذلك ذات النطاق، وفي رواية الكشميني بالتثنية، والنطاق ما يشد به الوسط، وفي البخاري أنها شقت نطاقها نصفين فشدت بأحدهما الزاد، واقتصرت على الآخر، فمن ثم قيل لها ذات النطاق، وذات النطاقين، بالإفراد والتثنية لهذين الاعتبارين، وعند ابن سعد شقت نطاقها نصفين فأوكت بقطعة منه الجراب، وشدت فم القربة بالباقي، وسميت ذات النطاقين، وقال الهروي سميت بذلك لأنها كانت تجعل نطاقًا على نطاق، انتهى من الزرقاني.
ولما تجهزا ركبا وانطلق معهما عامر بن فهيرة مولى أبا بكر يخدمهما، يردفه أبو بكر ويعقبه وليس معهما غيره هو وابن الأريقط، ولم يعرف له إسلام كما قال الحافظ عبد الغني وتبعه النووي، وفي الإصابة لم أر من ذكره في الصحابة إلا الذهبي، وقال السهيلي ولم يكن إذ ذاك مسلمًا، ولا وجدنا من طريق صحيح أنه أسلم بعد، ولا يعترض بأن الواقدي ذكر أنه أسلم لأنه قيد بصحيح ومعلوم ضعف الواقدي خصوصًا مع الانفراد، وكأنه سلف الذهبي، قاله الشيخ محمد بن عبد الباقي، وعن أسماء قالت لما خرج رسول الله ﷺ أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل، فقالوا أين أبوك يا ابنة أبي بكر؟ ، قلت لا أدري والله، فرفع أبو جهل يده فكان فاحشًا خبيثًا فلطم خدي لطمة طرح منها قرطي، ثم انصرفوا، ، وفي رواية خرج منها قرطي، وهو بضم القاف، ولما ساروا أخذ بهم الدليل طريق الساحل أسفل عسفان، فمروا بقديد، بضم القاف مصغر موضع معروف على أم معبد الخزاعية واسمها عاتكة بنت خالد بن خليد مصغر، وآخره دال مهملة، وقيل ابن خليف بفاء بدل الدال مصغر، وقيل ابن منقذ بضم الميم وسكون النون وكسر القاف وذال معجمة، وهي صحابية، وكذا أخوها حبيش، وكذا زوجها أبو معبد صحابي له رواية، وكانت أم معبد برزة بفتح الموحدة وسكون المهملة، فزاي معجمة، أي عفيفة جليلة مسنة أو غيرها، وقيل هي المسنة التي برزت فلم تتخدر لسنها وخرجت عن المحجوبات جلدة قوية تحتبي، أي تجلس بفناء القبة، والفناء سعة أمام البيت، ثم تسقي وتطعم من يمر بها، وكان القوم
стр. 170
مرملين مسنتين بكسر النون والفوقية، أي أصابتهم السنة فطلبوا لبنًا ولحمًا، وعند أبي عمر فسألوها لحمًا وتمرًا يشترونه منها فلم يجدوا عندها شيئًا، فنظر رسول الله ﷺ إلى شاة في كسر الخيمة، بكسر الكاف وفتحها، أي جانبها خلفها بشد اللام الجهد بفتح الجيم وضمها أي الهزال عن الغنم، فسألها ﷺ هل بها من لبن، فقالت هي أجهد من ذلك، فقال أتأذنين لي أن أحلبها، بضم اللام وكسرها، قالت نعم بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلبًا، بفتح اللام وسكونها، أي لبنًا في الضرع فأحلبها، فدعا بالشاة أي طلبها أن تأتي، فالباء زائدة فيكون معجزة، فاعتقلها أي وضع رجلها بين ساقه وفخذه ليحلبها ومسح ضرعها وظهرها وسمى الله، فتفاجت، بشد الجيم أي فتحت ما بين رجليها ودرت، فدعاء بإناء يربض الرهط، بضم المثناة التحتية وكسر الموحدة، أي يرويهم ويثقلهم حتى يناموا من ربض المكان، فحلب فيه ثجًا، بمثلثة وجيم، أي حلبًا قويًا، فسقى أم معبد حتى رويت ثم سقى القوم حتى رووا، ثم شرب النبي ﷺ آخرهم، وقال ساقي القوم آخرهم شربًا، ثم حلب فيه مرة أخرى فشربوا عللاً بعد نهل، بفتح النون والهاء وتسكن ولام، أي شربا ثانيًا بعد الأول، ثم حلب فيه آخر وغادره عندها، فقال ارفعي هذا لأبي معبد إذا جاءك، وفي رواية فحلب ثجًا حتى علاه الثمال، وفي رواية حتى علاه البهاء، والثمال بضم المثلثة واحدة ثمالة وهي الرغوة بتثليث الراء، والبهاء لمعان رغوته ثم ركبوا وذهبوا، وفي بعض الروايات أنها ذبحت لهم شاة وطبختها فأكل هو وأصحابه، وملأت سفرتهم منها ما وسعت، قالت وبقي عندنا لحمها أو أكثر، وبقيت الشاة التي مسح ضرعها إلى زمن عمر، فقل ما لبثت أم معبد حتى جاء زوجها أبو معبد، قال السهيلي لا يعرف اسمه، وقال العسكري اسمه أكثم بفتح الهمزة والمثلثة ابن أبي الجون، ويقال ابن الجون، وهو خزاعي يسوق أعنزًا عجافًا يتساوكن هزلاً بضم الهاء وسكون الزاي، أي يتمايلن من الهزال، فلما رأى اللبن أبو معبد عجب وقال ما هذا يا أم معبد؟ ، أني لك هذا والشاء عازب، أي بعيدة المرعى حيال ولا حلوب بالبيت؟ ، فقالت
стр. 171
ولا الله إلا أنه مر بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا، فقال صفيه يا أم معبد، فقالت رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة بفتح الواو، أي الحسن، مليح الوجه، أي مشرقة، حسن الخلق، بضم الخاء واللام، لم تصبه ثجلة ولم تزر به صعلة، وسيم قسيم في عينه دعج، وفي أشفاره وطف، وفي صوته صحل، أحور، أكحل، أزج، أقرن، شديد سواد الشعر، في عنقه سطع، وفي لحيته كثافة، إذا صمت فعليه الوقار، وإذا تكلم سماه ولاه البهاء، كأن منطقه خرزات نظم طول يتحدرن، حلو المنطق، فصل لا نزر ولا هذر، أجهر الناس وأجمله من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب، ربعة لا تشنؤه من طول ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرًا وأحسنهم قدرًا، له رفقاء يحفون به إذا قال استمعوا لقوله، وإذا أمر تبادروا لأمره، محفود محشود لا عباس ولا مفند، فقال أبو معبد هذا والله صاحب قريش، ولو رأيته لاتبعته، قوله ثجلة بفتح المثلثة على ما للقسطلاني، وبضمها على ما في النور والسبل، عظم البطن، ويروى بالنون والحاء أي نحول من نحل الجسم إذا قل لحمه والصعلة بفتح الصاد والعين المهملتين، صغر الرأس، وهي أيضًا دقة البدن ونحو له، وفي رواية سقلة بالسين والقاف، وفي أخرى صقلة بالصاد والقاف، أي نحول من صقلت الناقة ضمرتها، والوسيم الحسن، وكذلك القسيم والدعج بالتحريك شدة سواد العين والوطف بالتحريك الطول وفي رواية غطف بغين معجمة ومعناهما واحد، والصحل يفتح الصاد والحاء المهملتين هو كالبحة الموحدة، وأن لا يكون حاد الصوت والحور بالتحريك أن يشتد بياض بياض العين وسواد سوادها، وهو محمود محبوب، ولذا كان أغزل ما قالت العرب قول جرير:
(إن العيون التي في طرفها حور ... قتلننا ثم لا يحيين قتلانا)
(يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله إنسانًا)
والكحل بفتحتين سواد في أجفان العين خلقة والرجل أكحل وكحيل، والمرأة كحلاء وكحيل، والأزج بفتح الهمزة والزاي وشد الجيم الدقيق طرف الحاجبين، وفي القاموس الزجج محركة دقة الحاجبين في طول، أي
стр. 172
امتداد إلى مؤخر العين، والزجج خلقة، والتزجيج ما كان يصنع، قال:
(إذا ما الغانيات برزن يومًا ... وزججن الحواجب والعيوانا)
أي وكحلن العيون، والأقرن المقرون الحاجبين، ومثله في حديث علي وهو مخالف لما في حديث أزج الحواجب، سوابغ من غير قرن، قال ابن الأثير: وهو الصحيح، وقال غيره: أنه المشهور، وأجيب بأن بينهما شعرًا خفيفًا جدًا يظهر إذا وقع عليه الغبار في نحو سفر، وفي عنقه سطع بفتحتين أي ارتفاع وطول، وفي لحيته كثاثة بمثلثتين هي أن تكون غير دقيقة ولا طويلة، وصمت بفتح الميم والوقار بفتح الواو الحلم والرزانة، وإذا تكلم سما أي ارتفع على جلسائه، وقوله وكأن منطقه خرزات نظم الخ، لعل وجه التشبيه التناسب بين كلماته وشدة اتصال بعضها ببعض، فأشبهت الكلمات في تناسقها وفي تواليها الخرزات إذا تتابعت، وقوله حلو المنطق، الحلو في المطعوم مستلذ فاستعير لما يعجب السامع ويستلذ بسماعه، وفصل بفاء فصاد ساكنة، أي فاصل بين الحق والباطل، أو ذو فصل بين أجزائه كقول عائشة ما كان رسول الله صلى الله علي وسلم يسرد سردكم هذا، والنزر بسكون المعجمة، القليل، والهذر الكثير، ضبطه القسطلاني بفتح الذال المعجمة، وفي بعض شراح الشفا ضبطه بسكونها ولا تشنؤه من طول، وفي رواية ولا يشنا من طول، أي لا يبغض لفرط طوله، ولا تقتحمه عين من قصر أي لا تتجاوزه إلى غيره احتقارًا له، وكل شيء ازدريته فقد اقتحمته، قاله ابن الأنباري، ومحفود مخدوم، والحشود الذي عنده حشد بفتح المهملة وسكون المعجمة، وتفتح فدال مهملة، وهم الجماعة، وأجهر الناس أرفعهم صوتًا، وقوله وأحلاه وأحسنه بإفراد الضمير فيهما حملاً على لفظ الناس وربعة بسكون الباء وتحرك، أي متوسط، وقولها غصن أي كغصن بين غصنين تعني الصديق، ومولاه عامر بن فهيرة، ويحفون بضم الحاء يطوفون، والمفند الذي يكثر اللوم، فهو اسم فاعل انتهى وما مر من تفسير الأزج للقسطلاني، وفي الشفا والحاجب الأزج المقوس الطويل الوافر الشعر، وقال ابن سلطان المقوس بفتح الواو المشبه بالقوس في نوع من الإدارة
стр. 173
فلا ينافه قول الطويل، وأزج الحواجب أدقها مع غزارة شعرها وتقوس أصلها، قال ابن سلطان في الجمع بين حديث أم معبد في وصفه بالقرن، وحديث ابن هالة بنفيه، ولعل منشأ الخلاف من جهة قرب الراء وبعده، وقال في الشفاء والأدعج شديد سواد الحدقة، وفي الحديث الآخر أشكل العين، وأسجر العين، وهو أنها في بياضها حمرة، قال شارحها قوله الحديث الآخر أي الذي رواه مسلم أشكل العين وأسجر العين وهما بمعنى، وقوله حمرة أي يسيرة. انتهى.
وقول الشارح فيما تقدم كقول عائشة رصي الله عنها، ما كان رسول الله ﷺ يسرد كسردكم هذا، الحديث في الترمذي في الشمائل ولفظه: ما كان رسول الله ﷺ يسرد كسردكم هذا، ولكن كان يتكلم بكلام بين فصل يحفظه من جلس إليه، قال البيجوري في شرحه يسرد بضم الراء ومعناه يأتي بالكلام على الولاء ويتابعه ويستعجل فيه، وقولها كسردكم في نسخة بدون كاف، وقوله هذا أي الذي تفعلونه، فإنه يورث لبسًا على السامعين، وقوله بين فصل أي ظاهر مفصول ممتاز بعضه من بعض بحيث يتبينه من يسمع ويمكنه عده، وهذا أدعى لحفظه ورسوخه في ذهن السامع مع كونه يوضح مراده ويبينه بيانًا تامًا، بحيث لا تبقى فيه شبهة، وقوله من جلس إليه مراده من أصغى إليه وإن لم يجلس إليه. انتهى.
وما مر من تفسير كثاثة اللحية بأن تكون غير دقيقة ولا طويلة هو للقسطلاني، وقال البيجوري في تفسير قول الشمائل كث اللحية أي بفتح الكاف، وفي رواية كثيف اللحية، وفي أخرى عظيم اللحية، وعلى كل فالمعنى أن لحيته ﷺ كانت عظيمة، واشتراط جمع من الشراح مع الغلظ القصر متوقف على نقل من كلام أهل اللسان. انتهى كلامه.
وقال ابن سلطان في شرح الشفا: كث اللحية أي غزير شعرها، وكثير أصلها، وفي رواية كثيف اللحية، وفي أخرى عظيم اللحية، كما في شرح الشمائل لابن حجر المكي من قوله غير دقيقها ولا طويلها ينافي
стр. 174
الرواية والدراية؛ لأن الطويل مسكوت عنه، مع أن عظم اللحية بلا طول غير مستحسن عرفًا، فكما أن الطول الزائد على القبضة غير ممدوح شرعًا، ثم هذا لا ينافي ما ورد عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا من سعادة المرء خفة لحيته كما رواه الأربعة، فإن الكثيف والخفيف من الأمور الإضافية فيحمل على الاعتدال الذي هو الكمال في جميع الأحوال، ولا يبعد أن يحمل الكثيف على أصله، والخفيف على عدم طوله وعرضه، وأما قول الفقهاء اللحية الخفيفة هي التي تظهر في البشرة من تحتها، ومبنى الكلام الأحاديث هذه على المعنى اللغوي تصحيحًا واصطلاحًا. انتهى كلامه.
تنبيه
في الترمذي عن شعبة عن سماك بن حرب من حديث جابر بن سمرة: كان رسول الله ﷺ أشكل العين، قال شعبة قلت لسماك ما أشكل العين؟ قال طويل شق العين. انتهى.
قال البيجوري هذا التفسير خلت منه كتب اللغة المتداولة، ومن ثم جعله القاضي عياض وهمًا من سماك، والصواب ما اتفق عليه العلماء وجميع أصحاب الغريب من أن الشكلة حمرة في بياض العين، وأما الشهلة فهي حمرة في سوادها، والشكلة إحدى علامات النبوءة كما قال الحافظ العراقي، والأشكل محمود محبوب، قال الشاعر:
(ولا عيب فيها غي شكلة عينها ... كذاك عتاق الخيل شكل عيونها)
انتهى كلامه.
قالت أسماء بنت أبي بكر ﵄ ولما لم ندر أين توجه رسول الله ﷺ أتى رجل من الجن من مؤمنيهم بعد ثلاث ليال، ولا أعرف اسمه، قاله في النور، وفي رواية أقبل رجل من الجن من أسفل مكة يغني بأبيات شعر غناء العرب وإن الناس يتبعونه يسمعون صوته، ولا يرون شخصه حتى خرج من أعلى مكة وهو يقول:
(جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين حلا خيمتي أم معبد)
стр. 175
(هما زلا بالبر ثم ترحلا ... فأفلح من أمسى رفيق محمد)
(فيال قصس ما زوى الله عنكم ... به من فعال لا يجاري وسؤدد)
(ليهنأ بني كعب مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد)
(سلوا أختكم عن شاتها وإنائها ... فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد)
(دعاها بشاة حائل فتحلبت ... له بصريح ضرة الشاة مزبد)
(فغادرها رهنًا لديها لحالب ... يرددها في مصدره ثم مورد)
قوله جزى الله الخ .. في رواية جزى الله خيرًا، والجزاء بكفه ورفيقين مفعول، جزى وحلا من الحلول، وفي رواية قالا من القيلولة، وخيمتي تثنية خيمة، بيت تبنيه العرب من عيدان الشجر، ومن قديد إلى المشال ثلاثة أميال بينهما خيتما أم معبد، وقوله هما نزلا بالبر الخ .. هو ضد الإثم، وقوله فأفلح الفلاح أجمع اسم لأنواع الخير، وفي رواية هما رحلا بالحق وانتزلا به، وفي أخرى هما نزلاها بالهدى فاهتدت به، فقد فاز وزوى قبض، والفعال، بفتح الفاء وخفة العين الكرم ويجوز أن يكون بكسر الفاء جمعًا، قاله البرهان وتبعه الشامي، وقوله لا يجاري في رواية يجازي بالزاي واليهنأ بفتح اليء وتثليث النون ليسر، وكعب هو ابن عمرو أبو خزاعة، وقوله مكان في رواية مقام بفتح الميم والمرصد بفتح الميم والصاد مقعدها بمكان ترصد أي ترقب فيه المؤمنين لتواسيهم، وقوله سلوا أختكم عن شاتها أي التي حلب رسول الله ﷺ مرارًا في وقت واحد، مع أنها لم يطرقها فحل ولم تستطع الرعي من الهزال، فإنها معجزة باهرة لا تنكر، والصريح بالصاد والحاء المهملتين اللبن الخالص، وضرة الشاة بفتح الضاد المعجمة وشد الراء أصلها ضرعها، وهو فاعل تحلبت، ومزبد بصيغة اسم الفاعل علاه الزبد، نعت الصريح، وقوله فغادرها البيت أي ترك الشاة عندها ذات لبن مستمر، يردد الحالب الحلب عليها مرة بعد مرة لكثرة لبنها. انتهى، هذا التفسير من الزرقاني، قالت أسماء: فلما سمعنا قوله- أي الهاتف- عرفنا أين توجه رسول الله ﷺ ، قال الكلاعي وغيره فلما سمع بذلك حسان بن ثابت قال يجاوب الهاتف، وقال في النور
стр. 176
والظاهر أنه إنما قاله بعد إسلامه:
(لقد خاب قوم غاب عنهم نبيهم ... وقدس من يسري إليهم ويغتدي)
(ترحل عن قوم فضلت عقولهم ... وحل على قوم بنور مجدد)
(هداهم به بعد الضلالة ربهم ... وأرشدهم من يتبع الحق يرشد)
(وهل يستوي ضلال قوم تسفهوا ... عمى وهداة يهتدون بمهتدي)
(وقد نزلت منه على أهل يثرب ... ركاب هدى، حلت عليهم بأسعد)
(نبي يرى ما لا يرى الناس حوله ... ويتلو كتاب الله في كل مشهد)
(وإن قال في يوم مقالة غائب ... فتصديقها في اليوم أو في ضحى الغد)
(ليهنأ أبا بكر سعادة جده ... بصحبته، من يسعد الله يسعد)
وفي المواهب وشرحها أخرج ابن سعد وأبو نعيم إن أم معبد قالت بقيت الشاة التي لمس ﵇ ضرعها عندنا حتى كان زمان الرمادة سنة ثمان أو سبع عشرة من الهجرة، زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وقيل لها ذلك لأن الريح كانت إذا هبت ألقت ترابًا كالرماد، وأجدبت الأرض إلى الغاية حتى أوت الوحوش إلى الإنس، وإلى عمر أن لا يذوق لحمًا ولا سمنًا ولا لبنًا حتى يحي الناس، أي يأتيهم الحيا، ويمتد المطر، فاستسقى بالعباس، قالت أم معبد وكنا نحلبها صبوحًا وغبوقًا، وما في الأرض لبن قليل ولا كثير، قال هشام راويه وأنا رأيتها وأنها لتادم أم معبد، وجميع حرمها أي أهل ذلك الماء، وذكر الزمخشري عن هند بنت الجون قالت نزل رسول الله ﷺ خمية خالتي أم معبد، فقام من رقدته، فدعاء بماء فغسل يديه ثم تمضمض ومجّ عوجسة إلى جانب الخيمة، فأصبحت كأعظم ما يكون في لون الورس ورائحة العنبر وطعم الشهد، ما أكل منها جائع إلا شبع ، ولا ظمأن إلا روي، ولا سقيم إلا برئ، ولا أكل من ورقها بعير ولا شاة إلا در لبنها. انتهى المراد منهما.
وأخرج الشيخان عن البراء بن عازب أن أباه عازبًا سأل أبا بكر ﵄: كيف صنعت أنت ورسول الله ﷺ حين خرجتما من مكة والمشركون يطلبونكم؟ ، قال ارتحلنا من مكة فأحيينا
стр. 177
يومنا وليلتنا حتى أظهرنا، وقام قائم الظهيرة فرميت ببصري هل رأى من ظل نأوي إليه، فإذا أنا بصخرة فانتهيت إليها، فإذا بقية ظل لها، فنظرت بقية ظلها فسويته وفرشت لرسول الله ﷺ فروة وقلت اضطجع يا رسول الله، فاضطجع ثم ذهبت أنظر ما حوله هل أرى من الطلب أحدًا، فإذا أنا براعي غنم يسوق غنمه إلى الصخرة يريد منها مثل الذي أريد، يعني من الظل، فقلت لمن أنت، قال لفلان رجل من قريش، فعرفته، فقلت هل في غنمك من لبن؟ قال نعم، قلت هل حالب أنت لي، قال نعم، فاعتقل شاة من غنمه فأمرته أن ينفض ضرعها من الغبار، ثم أمرته أن ينفض كفيه، فقال هكذا، فضرب إحدى كفيه على الأخرى فحلب لي كثبة من لبن، وقد رويت ومعي لرسول الله ﷺ أدوات على فمها خرقة، فصببت على اللبن حتى برد أسفله، فانتهيت إلى رسول الله ﷺ ، وقد استيقظ فقلت يا رسول اشرب، فشرب حتى رضيت، وقلت قد آن الرحيل يا رسول الله ﷺ ، فارتحلنا. انتهى المراد من الاكتفاء.
ثم لما رحلوا من عند أم معبد كما عند مغلطاي تعرض لهم يوم الثلاثاء، وحكي الجوهري فتحهما، المدلجي بضم الميم وكسر اللام من بني مدلج بن مرة بن عبد مناة بن كنانة الكناني والحجازي، أسلم على يده ﷺ بالجعرانة مصرفة من حنين والطائف، وروى عنه ابن عباس وجابر وابن أخيه عبد الرحمن بن مالك بن جعشم وابن المسيب، وسبب تعرضه لهم ما في البخاري عنه، قال جاءنا رسل من كفار قريش يجعلون في رسول الله ﷺ وأبي بكر دية، كل واحد منهما لمن قتله أو أسره، فبينما أنا جالس في مجالس قومي أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس، فقال يا سراقة قد رأيت آنفًا إسودة بالسواحل، أراها محمدًا ﷺ وأصحابه، قال سراقة فعرفت أنهم هم، فقلت له إنهم ليسوا هم، ولكنت رأيت فلانًا وفلانًا، انطلقوا بأعيننا، ثم أثبت ساعة، ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن
стр. 178
تخرج بفرسي من وراء أكمة فتحبسها علي، وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت الحديث، وفيه أنه لما دنا منهم سقط عن فرسه واستسقم بالأزلام فخرج ما يكره لا يضرهم ثم ركبها ثانيًا، وقرب حتى سمع قراءة النبي ﷺ وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، فساخت يدا فرسه في الأرض إلى الركبتين، فسقط عنها ثم خلصها، واستقسم بالأزلام فخرج الذي يكره، فناداهم بالأمان، وفي رواية ابن عقبة: وكنت أرجو أن أرده فأخذ المائة ناقة، وفي رواية عن أبي بكر: تبعنا سراقة ونحن في جلد من الأرض، فقلت هذا الطلب قد لحقنا، فقال: لا تحزن إن الله معنا، فلما دنا منا وكان بيننا وبينه رمحان أو ثلاثة، قلت هذا الطلب لقد لحقنا وبكيت، قال ﷺ ما يبكيك؟ ، فقلت: أنا والله ما على نفسي أبكي ولكن عليك.
وعند الإسماعيلي وغيره، فقال ﷺ اللهم اكفناه بما شئت، وفي حديث أنس عند البخاري: اللهم أصرعه، فصرعه فرسه، وللطبراني أن فرسه وقعت لمنخريها، وللإسماعيلي فساخت في الأرض إلى بطنها، فطلب الأمان، زاد ابن إسحاق فقال أنا سراقة أنظروني أكلمكم فوالله لا يأتيكم مني ما تكرهونه، وللإسماعيلي قد علمت يا محمد أن هذا عملك فادع الله أن ينجيني مما أنا فيه ولكما أن أرد الناس عنكما ولا أضركما، فدعا له ﷺ ، وللإسماعيلي وهذه كنانتي فخذ منها سهمًا، فإنك تمر على إبلي وغنمي بمكان كذا فخذ منها حاجتك، فقال لا حاجة لنا في إبلك ودعا لي، وذكر ابن سعد أنه لما رجع قال لقريش قد عرفت نظري بالطريق، وبالأثر وقد استبرأت لكم فلم أر شيئًا فرجعوا، وروي أن سراقة قال يخاطب أبا جهل بعد انصرافه عن النبي ﷺ :
(أبا حكم والله لو كنت حاضرًا ... لأمر جوادي إذ تسيخ قوائمه)
(علمت ولم تشك بأن محمدًا ... رسول ببرهان فمن ذا يقاومه)
(عليك بكف القوم عنه فإنني ... أرى أمره يومًا ستبدو معالمه)
(بأمر يود الناس فيه بأسرهم ... بأن جميع الناس طرا يسالمه)
стр. 179
وسراقة هذا أظهر الله فيه علمًا من أعلام نبوته ﷺ ، ففي الحديث أنه ﵇ قال له كيف بك إذا لبست سواري كسرى، وذكر ابن المنير أنه قال له ذلك لما لحقهما في الهجرة فعجب من ذلك، فلما أوتى بهما عمر وبتاجه ومنطقته، دعا سراقة فألبسه السوارين وقال ارفع يديك وقل الله أكبر الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز، وألبسهما سراقة بن مالك أعرابي من بني مدلج، ورفع عمر صوته ثم قسم ذلك بين المسلمين، ومما وقع لهم في الطريق ما أخرجه البيهقي عن ابن بريدة قال: لما جعلت قريش مائة من الإبل لمن يرد النبي ﷺ حملني الطمع، فركبت في سبعين من بني سهم فلقيته، فقال من أنت، قلت بريدة، فالتفت ﷺ إلى أبي بكر وقال برد أمرنا وصلح، فقال ممن أنت، قلت من أسلم، قال سلمنا، ثم قال ممن قلت من بني سهم، قال خرج سهمك يا أبا بكر، فقال بريدة للنبي ﷺ من أنت، قال أنا محمد بن عبد الله رسول الله، فقال بريدة أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله، فأسلم بريدة وأسلم من كان معه جميعًا، ولما بلغ المسمين بالمدينة خروج رسول الله ﷺ من مكة كانوا يغدون كل غداة إلى الحرة، بفتح المهملة وشد الراء، أرض ذات حجارة سود كانت بها وقعة يزيد المشهورة ينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يومًا بعدما طال انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم طلع رجل من اليهود على أطم، بضم الهمزة والطاء من أطامهم، والأطم الحصن، فبصر برسول الله ﷺ وأصحابه عليهم ثياب بيض يرفعهم السراب، فصاح بأعلى صوته يا بني قيلة، بفتح القاف وسكون التحتية بنت كاهل بن عذرة والدة الأوس والخزرج، وهذا جدكم، بفتح الجيم وشد المهملة، أي حظكم ومطلوبكم، وصاحب دولتكم قد أقبل، فخرج إليه بنو قيلة سراعًا بسلاحهم إظهارًا للقوة والشجاعة لتطمئن نفسه ﷺ بقدومه عليهم، ويظهر له صدقهم في مبايعتهم إياه، فنزل بقباء على بني عمرو ابن عوف على فرسخ من المسجد النبوي، وكان نزوله على كلثوم بن الهدم، وقام أبو بكر للناس
стр. 180
يتلقاهم، وجلس رسول الله ﷺ صامتًا فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله ﷺ يحيى أبا بكر يظنه رسول الله ﷺ ، حتى أصابت الشمس رسول الله ﷺ فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه فعرفه الناس عند ذلك، ولا ينافي ما هنا من إصابة الشمس له ﷺ ما مر من إظلال الغمامة له؛ لأن ذلك قبل البعثة كما صرح به القسطلاني وغيره، وأقام في بني عمرو بن عوف أربع عشرة ليلة على ما في الصحيحين عن أنس واثنين وعشرين ليلة على ما ذكره موسى بن عقبة، من رواية محمد بن بريدة وحكاه الزبير بن بكار عن قوم من بني عمرو بن عوف وقيل ثلاثًا فقط، رواه ابن عائذ عن ابن عباس وأسس ﷺ مسجد قباء وقيل أقام فيه أربعة ثم خرج ﵇ من قباء وسلم مسجد قباء وقيل أقام فيه أربعة ثم خرج ﵇ من قباء يوم الجمعة حين ارتفع النهار، فأدركته الجمعة في أرض بني سالم بن عوف فصلاها بمسجدهم في بطن وادي رانوناء براء مهملة، ونون كعاشوراء واسم المسجد غبيب بضم الغين المعجمة، وفتح الموحدة بتصغير غب كما ضبطه صاحب المغانم المطابة في فضائل طابة، وهو المجد صاحب القاموس واسم الوادي ذو صلب، ولذا سمي مسجد الجمعة، وهي أول جمعة صلاها ﵇، وأول خطبة خطبها في الإسلام، وقيل كان يصلي في مسجد قباء مدة إقامته، ثم بعد صلاة الجمعة ركب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم راحلته متوجهًا إلى المدينة، وهو مردف أبا بكر خلفه إكرامًا له، وإلا فقد كان له راحلة كما مر، وأبو بكر شيخ كان قد أسرع إليه الشيب، والنبي ﷺ لا شيب فيه، وأبو بكر يعرف لأنه كان يمر عليهم تاجرًا، ورسول الله ﷺ لا يعرف لعدم تردده إليهم، فيلقى الرجل أبا بكر فيقول يا أبا بكر من هذا الذي بين يديك؟ ، فيقول هذا الرجل يهديني السبيل، فيحسب الحاسب أنه يعني الطريق الحسية وإنما يعني سبيل الخيرات، وكان ﷺ كلما مر على دار من دور الأنصار اعترضه رجالهم يدعونهم إلى المقام معهم، ويقولون له يا رسول الله هلم إلى القوة والمنعة والمنعة
следующие страницы →