Полный текст (927 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وان لم يشبهه اهـ.
وقال الكلبي كتبت للنبي ﷺ خمسمائة أم فما وجدت فيهن سفاحا ولا شيئا مما كان في أمر الجاهلية وفي الحديث خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي رواه الطبراني وابن عساكر وروى أبو نعيم عن ابن عباس مرفوعا «لم يلتق أبواي قط على سفاح، لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة مصفى مهذبا»، وروى ابو نعيم عنه ﷺ عن جبريل قال: «قلبت مشارق الأرض ومغاربها فلم أر رجلا أفضل من محمد ﵊، ولم أر بنى أب أفضل من بنى هاشم» وأخرجه الطبراني والإمام أحمد والبيهقي والديلمي وابن لال وغيرهم قال الحافظ ابن حجر لوائح الصحة لائحة على صفحات هذا المتن وقال ابن تيمية وليس فضل العرب لقريش فبني هاشم بمجرد كون النبي ﷺ منهم وإن كان هذا من الفضل بل هم في أنفسهم أفضل أي باعتبار الأخلاق الكريمة والخصال الحميدة. قال وبذلك يثبت للنبي ﷺ أنه أفضل نفسا ونسبا وإلا ثبت الدور انظر الزرقاني.
ولما ذكر نسبه ﷺ جره ذلك إلى ذكر حفر زمزم وذكر الذبيحين لأن حافرها عبد المطلب جده وحفرها هو بسبب كون عبد الله ذبيحا، فقال:
(وشيبه) هو عبد المطلب شيبة الحمد (إذ) أي حين فهو ظرف زماني مضاف للجملة بعده والعامل فيه قوله الآتي همت وقوله (بئر زمزم) مفعول حفر ومضاف إليه ما قبله ومعنى (حفر) أراد حفرها وشرع فيه كما يأتي وحفر كضرب (همت بمنعه) من اتمام حفرها (قريش) فاعل همت وذلك أنه جعل يحفرها ثلاثة أيام فلما بدى له الطي كبر وقال هذا طي إسماعيل فقاموا إليه فقالوا إنها بئر أبينا إسماعيل وإن لنا فيها حقا فأشركنا فيها فأبى فقال عدي بن نوفل بن عبد مناف، يا عبد المطلب تستطيل علينا وأنت فذ لا ولد لك ولم يكن له يومئذ ولد إلا
стр. 37
الحارث فقال له أبا القلة بتعيرني والله لئن أتاني الله عشرة من الولد ذكورا لأنحزن أحدهم عند الكعبة رواه ابن سعد والبلاذري وفي الخميس سفه عليه وعلى ولده ناس من قريش ونازعوهما وقاتلوهما قاله الزرقاني وإلى هذا أشار بقوله (فنذر) كضرب ونصر أي إلتزم بالحلف كما مر فيحتمل أنه المراد بالنذر ويحتمل أن الإلزام تكرر مرة بالنذر ومرة بالحلف قاله محمد بن عبد الباقي. وفي عبارة المواهب الممثالة لعبارة الناظم (إن جاءه) أي ولد له من (البنين) أي الذكور (عشره) بفتح الشين وكسرها (يحمونه) أي يمنعونه (من البغاة) جمع باغ وهو الظالم وإنما كانوا بغاة لأنهم أرادوا منعه من أمر اختصه الله تعالى به بل هي في الحقيقة إنما قصد بها النبي ﷺ وهو ولده فهي لعبد المطلب لا لغيره (الفجره) جمع فاجر وهو المنبعث في المعاصي (لينحرن واحدا) منهم عند الكعبة (تقربا به) مفعول لأجله أي لأجل التقرب لله، وعبارة المواهب وشرحها ليذبحن أحدهم قربانا لله عند الكعبة (فلما رام) أي طلب وقصد عبد المطلب (نحره) أي نحر ولده الذى خرج القدح عليه وهو عبد الله والد المصطفى ﷺ وكان أحب ولد عبد المطلب إليه لرؤية نور المصطفى ﷺ في وجهه كما في الزرقاني (أبى) أي امتنع (منه) أي من نحره (قريش) لعزه وشرفه فيهم فقاموا إليه في أنديتهم وقالوا له والله لا ندعك تذبحه حتى تعذر فيه إلى ربك بأن تسأل الكاهنة فإنها إن ذكرت أنه يذبح كان ذلك عذرا عندهم ولإن فعلت هذا لا يزال الرجل يأتي بابنه ويذبحه وتكون سنة مستمرة في قومك لأنك رئيسهم فيقتدون بك فما بقاء الناس على هذا. وقال له المغيرة بن عبد الله بن عمر وابن مخزوم وكان عبد الله بن أختهم والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه فإن كان فداؤها بأموالنا فديناه انظر الزرقاني. (فمضى) عبد المطلب أي ذهب وركبوا معه (لخيبرا) حصن قرب المدينة (مستامرا) حال من فاعل مضى أي حال كونه مشاورا (كاهنها) أي خيبر فيما يصنع أي شخصها الموصوف بالكهانة وذلك أنهم قالوا له انطلق إلى فلانة الكاهنة وعند
стр. 38
ابن اسحاق وانطلق إلى الحجاز فإنه به عرافة لها تابع من الجن وهو على حذف مضاف أي أحد أرض الحجاز فلعلها أن تأمرك بأمر فيه فرج لك فركبوا حتى أتوها بخيبر والكاهنة قيل اسمها قطبة ذكره عبد الغني في كتاب الغوامض وذكر ابن اسحاق ان اسمها سجاح والذى في الروض سجساح فلما أتوها قص عليها عبد المطلب القصة فقالت لهم ارجعوا عني حتى يأتيني تابعي فلما خرجوا من عندها قام عبد المطلب يدعو الله ثم غدوا عليها فقالت لهم قد جاءني الخير، كم الدية عندكم؟ فقالو عشرة من الإبل، فقالت ارجعوا إلى بلادكم ثم قربوا صاحبكم إلى موضع ضرب القداح ثم قربوا عشرة من الإبل ثم اضربوا عليه وعليها القداح فإن خرجت القداح على صاحبكم فزيدوا في الإبل عشرة أخرى ثم اضربوا أيضا هكذا حتى يرضى ربكم ويخلص صباحكم، فإذا خرجت على الإبل فانحروها فقد رضى ربكم ونجى صاحبكم وإلى هذا أشار بقوله (فأمرا) أي الكاهن عبد المطلب (أن) بفتح الهمزة تفسيرية (استهم عليه) أي على عبد الله أي اضرب عليه بالسهام أي القداح (والآبالي) جمع إبل (فإن عليه) أي على عبد الله (خرجت) القداح بالذبح (في الحال) أي الزمن الذى ضربت القداح فيه عليه وعلى الإبل (فزد عليه) أيي على العدد الذى ضربت عليه وعلى عبد الله القداح (عشرة) أخرى (واقترعا) أي أضرب عليه وعلى عبد الله القداح أيضا وهكذا حتى تقع القداح على الإبل (حتى) غاية للزيادة (إذا السهم) أي القدح، (عليها) أي الإبل (وقعا* فانحر) الإبل فداء له (فإن ربه) أي الولد (قد رضيا بأنها) أي الإبل (له) أي لولدك (فداء) خبر إن ويتعلق به المجرور قبله أي فإن وقوع السهم على الإبل أمارة على رضى ربك بفداء ولدك بالإبل فانحرها ودع ولدك وكأنها غلب على ظنها أن السهم واقع على الإبل لا محالة قال جميعه في المواهب وشرحها (فعيا) فعل أمر من وعى أي حفظ والألف بدل من نون التوكيد الخفيفة تتميم للبيت، (ففعل) عبد المطلب بعد ان رجع هو وقومه إلى مكة (الذي به قد أمرا) أي أمرته به الكاهنة فقربوا عبد الله وقربوا عشرة من الإبل وقام عبد المطلب يدعو الله تعالى، قاله
стр. 39
الزرقاني فخرج القدح في كل مرة على ولده فلم يزل يزيد عشرة ويضرب عليه وعلى الإبل القداح (حتى انتهت) الإبل (لمائة) أي وصلتها فوقع السهم على الإبل (فنحرا) عبد المطلب الإبل (من بعد ضربها) أي السهام على الإبل وولده (ثلاثا) أي ثلاث مرات وذلك أنه لما وقع السهم على الإبل أول مرة قالت قريش ومن حضر قد انتهى. رضى ربك يا عبد المطلب، فقال لا والله حتى أضرب عليها بالقداح ثلاث مرات فضربها ثلاث مرات كلها تخرج على الإبل فنحرت وتركت لا يصد عنها إنسان ولا طائر ولا سبع،
(وهي) بسكون الهاء أي الإبل (لا تعدو) أي لا تجاوز (العشار) جمع عشراء وهي النوق التى أتى على حملها عشرة أشهر أو ثمانية أو هي كالنفساء من النساء، قاله في القاموس، (الكوم) جمع كوماء وهي العظيمة السنام (فيما نقلا) ومراده أن المائة كلها عشار كوم ولم أقف على أوصافها في كتاب معتمد غيره والله تعالى أعلم، (فكان) مفرعا على ما قبله (والد النبي) ﷺ (المفتدى) بصغة اسم المفعول صفة لوالد (بمائة) من الإبل (فداؤه من الردى) أي الهلاك ووالد اسم كان وفذاؤه مبتدء وخبره قوله بمائة والجملة خبر كان ومن الردى يتعلق بقوله فداؤه (وكان ذاك) المال المفتدى به (سنة) أي شريعة مستمرة إلى يوم القيامة (في أمته) أي أتباعه ﷺ (عن نفس كل مؤمن في فديته) لم أجد من تكلم على هذا والظاهر أن قوله عن نفس يتعلق بمحذوف صفة لسنة أي سنة مؤداة عن نفس كل مؤمن يتعلق بذلك المحذوف أيضا قوله في فديته والضمير للمؤمن ويكون أطلق الفدية على الدية تجوزا ويصح على بعد أن الضمير في فديته راجع للوالد ويتعلق أيضا بمحذوف أي كان ذلك المال المؤدى في فديته أي عبد الله سنة في أمة النبي ﷺ مؤداة عن نفس كل مؤمن والله تعالى أعلم. ولنذكر حين تم شرح هذه الأبيات رؤيا عبد المطلب التى هي سبب حفره لزمزم وما يتعلق بها وذكر البرقي عن ابن عباس سميت زمزم لأنها زمت بالتراب ليلا تاخذ يمينا وشمالا ولو تركت
стр. 40
لساحت على الأرض حتى تملأ كل شيء. وقال الحربي بزمزمة الماء وهي صوته وقال أبو عبيد لكثرة مائها وليس بخلاف حقيقي فقد تكون التسمية لجميع ذلك، وتسمى زمزم وزمازم وتسمى همزة جبريل بتقديم الميم على الزاي وهزمة جبريل بتقديم الزاي وتسمى طعام طعم وشفاء سقم وهي بئر إسماعيل التى سقاه الله حين ظمأ وهو صغير فالتمست له أمه ماء فلم تجده فقامت على الصفا تدعو الله وتستسقيه لإسماعيل ثم أتت المروة ففعلت مثل ذلك فبعث الله جبريل فهمز بعقبه في الأرض وظهر الماء وسمعت أمه أصوات السباع فخافت عليه فأقبلت نحوه فوجدته يفحص بيده عن الماء تحت خده ويشرب. قال السهيلي وحكمة همز جبريل بعقبه دون يده أو غيرها الإشارة إلى أنها تعقبه أي إسماعيل ووارثه وهو محمد ﷺ ، اهـ. من الزرقاني. وفي القاموس همزه يهمزه غمزه بيده فصارت فيه حفرة ثم قال وهزم البئر حفرها اهـ. فمعنى همزة جبريل وهزمته واحد والله أعلم. وفيه ماء زمزم كجعفر وزمازم كعلابط كثير وفيه زمه شده، اهـ. والمراد بحفر عبد المطلب لها إظهارها وتجديدها بعد أن بالغ الجرهمي في طمها أي دفنها وتسويتها وذلك أن عمرو بن الحارث بن مضاض بكسر الميم وضمها كما في الزرقاني لما بغي قومه بحرم الله وظلموا من دخلها من غير أهلها وأكلوا ما يهدى للكعبة وقيض الله لهم من أخرجهم من مكة فعمد عمرو إلى غزلان من ذهب وسيوف وأدراع وحجر الركن كما عند ابن هشام وغيره فجعلها في زمزم وبالغ في طمسها وفر ألى اليمن بقومه فلم تزل زمزم من ذلك العهد مجهولة إلى حفر شيبة الحمد لها بسبب رؤياه التى دلت عليها وعينت له موضعها وروى ابن اسحاق عن على قال قال عبد المطلب إني لنائم في الحجر إذ أتاني أت فقال احفر طيبة! فقلت وما طيبة؟ فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني وقال احفر برة! فقلت وما برة؟ فذهب عني فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال أحفر المضنونة! فقلت وما المضنونة؟ فذهب عني فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه
стр. 41
فجاءني فقال أحفر زمزم! قلت وما زمزم؟ قال: لا تنزف أبدا ولا تذم، تسقي الحجيج الأعظم، بين الفرث والدم، عند نقرة الغراب الأعصم، عند قرية النمل. برة بفتح الموحدة وشد المهملة سميت بذلك لكثرة منافعها وسعة مائها، قال في الروض وهو اسم صادق عليها لأنها فاضت للابرار وغاضت عن الفجار والمضنونة بضاد معجمة ونونين لأنه ضن بها عن غير المؤمن فلا يتضلع منها منافق قاله وهب. وفي رواية الزبير بن بكار أن عبد المطلب قيل له أحفر المضنونة ضننت بها عن الناس إلا عليك ولا يزف بكسر الزاء لا يفرغ ماؤها ولا يلحق قعرها ولا تذم بمعجمة لا توجد قليلة الماء من قولهم بئر ذمة أي قليل ماؤها. قال والغراب العصم فسره النبي ﷺ بأنه الذى إحدى رجليه بيضاء فلما بين لعبد المطلب شأنها ودل على موضعها عدى بمعوله ومعه ولده الحارث ليس له يومئذ ولد غيره فجعل يحفر ثلاثة فلما بدى له الطي كبر وقال هذا طي إسماعيل فقاموا إليه فقالوا إنها بئر أبينا إسماعيل وإن لنا فيها حقا فأشركنا معك فيها، قال ما أنا بفاعل. إن هذا المر قد خصصت به دونكم. قالوا له فأنصفنا فإنا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها. قال فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم عليه قالوا كاهنة سعد بن هذيم وكانت بإشراق الشام فركب عبد المطلب ومعه نفر من بنى عبد مناف وركب من كل قبيلة من قريش نفر فخرجوا حتي إذا كانوا بمفازة بين الحجاز والشام وظمأ عبد المطلب وأصحابه حتى أيقنوا بالهلكة فاستقوا من معهم من قبائل قريش وقالوا إنا نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم، فلما رأى ما صنع القوم قال ماذا ترون؟ قالوا ما رأينا إلا نتبع رأيك، فأمرنا بما شئت. فأمرهم بحفر قبورهم، وقال من مات واروه أصحابه حتى يكون الآخر فضيعته أيسر من ركب وقعدوا ينتظرون الموت عطشا ثم قال والله إن إلقاءنا بأيدينا للموت عجز لنضربن في الأرض عسى الله أن يرزقنا ماء ببعض البلاد وركب راحلته فلما انبعثت به انفجرت من تحت خفها عين ماء عذب فكبر عبد المطلب وأصحابه ثم نزل فشربوا واستقوا حتى ملؤوا
стр. 42
أستقيهم ثم دعى قبائل قريش فقال هلموا إلى الماء فقد سقانا الله فاستقوا وشربوا ثم قالوا قد والله قضي لك علينا يا عبد المطلب، والله لا نخاصمك في زمزم أبدا إن الذى سقاك الماء بهذه الفلاة هو الذى سقاك زمزم فارجع إلى سقايتك راشدا، فرجع ورجعوا معه وخلوا بينه وبينها وفي رواية أنه وجد قرية النمل ووجد الغراب ينقر عنها بين إساف ونائلة اللذين كانت قريش تنحر عندهما ذبائحهم فجاء بالمعول وقام يحفر حيث أمر فقامت إليه قريش فقالوا والله لا نتركك تحفر بين وثنينا اللذين ننحر عندهما فقال لابنه الحارث رد عني حتى أحفر فو الله لأمضين لما أمرت، فلما عرفوا أنه غير تارك خلوا بينه وبين الحفر، فلما تمادى به الحفر وجد الغزالين والأسياف والأدراع التى دفنتها جرهم، فقالت قريش انا معك في هذا شرك، فقال لا، ولكن هلم إلى أمر نصف بيني وبينكم نضرب عليها القداح، قالوا كيف نصنع؟ قال: اجعل للكعبة قدحين ولي قدحين ولكم قدحين، فمن خرج قدحاه على شيء كان له ومن تخلف قدحاه فلا شيء له، فجعل قدحين أصفرين للكعبة وأسودين له وأبيضين لقريش، فخرج الأصفران على الغزالين والأسودان على الأسياف والأدراع وتخلف قدحا قريش فضرب الأسياف بابا للكعبة وضرب بالباب الغزالين من ذهب فكان أول ذهب حليته الكعبة ثم لما حفرها كانت له عزا وفخرا على قريش وعلى سائر العرب. وقوله فعمد بفتح الميم ومضارعه بكسرها كذا المنقول ورأيت في بعض الحواشي أن في بعض شروح الفصيح انه يجوز فيه العكس. وقوله إساف بكسر الهمزة وفتح المهملة مخففة ونائلة بنون فألف فتحتية صنمان عند الكعبة، قال الكلبي إساف رجل من جرهم ونائلة امرأة من جرهم وكان يعشقها فحجا فدخلا البيت فوجدا غفلة من الناس وخلوة من البيت ففجر بها فمسخا فوجدوهما ممسوخين فوضعوهما موضعهما ليتعظ بهما الناس فلما طال مكثهما عبدا. نقله الزرقاني مفرقا. ثم لما كمل لعبد المطلب بنون عشرة بعد حفره لزمزم بثلاثين سنة كما عند ابن سعد والبلاذري وقر الله بهم عينه نام ليلة عند الكعبة فرأى قائلا
стр. 43
يقول له يا عبد المطلب أوف بنذرك فاستيقظ فزعا مرعوبا وأمر بذبح كبش وأطعمه للفقراء والمساكين ثم نام فرأى أن قرب ما هو أكبر من ذلك فاستيقظ وقرب ثورا ثم نام فرأى أن قرب ما هو أكبر من ذلك فانتبه وقرب جملا وأطعمه للفقراء والمساكين ثم نام فنودي أن قرب ما هو أكبر من ذلك، قال وما هو أكبر من ذلك؟ قال قرب أحد أولادك الذى نذرته؟ فاغتم غما شديدا، وجمع أولاده وأخبرهم بنذره ودعاهم إلى الوفاء فقالوا إنا نطيعك فمن تذبح منا قال ليأخذ كل واحد منكم قدحا والقدح بالكسر السهم قبل أن يراش وينصل ثم ليكتب فيه اسمه ثم إيتوا به ففعلوا وأخذوا قداحهم ودخلوا على هبل بضم الهاء وفتح الموحدة صنم عظيم عندهم من عقيق أحمر على صورة الإنسان مكسور اليد اليمنى أدركته قريش كذلك فجعلوا له يدا من ذهب وكان في جوف الكعبة وكان تحته بئر يجمع فيه ما يهدى للكعبة وكانوا يعظمونه ويضربون عنده بالقداح، قال ابن اسحاق كان عنده قداح سبعة كل قدح في كتاب قدح العقد إذ اختلفوا من يحمله وقدح فيه نعم للأمر إذا أرادوه وقدح فيه المياه إذا أرادوا حفرها فكانوا إذا أرادوا الختان أو النكاح أو دفن ميت أو شكوا في نسب ذهبوا إلى هبل بمائة درهم وجزور فأعطوها الذى يضرب بها ثم ما خرج عملوا به، فدفع عبد المطلب إلى القيم القداح وقام يدعو الله تعالى ويقول اللهم إني نذرت لك نحر أحدهم وإني أقرع بينهم فأصب بذلك من شئت، ثم ضرب السادن للقداح فخرج على عبد الله فقبض عبد المطلب على يد ولده عبد الله وأخذ الشفرة إلى آخر ما مر من منع قريش له.
نكته حسنة:
استشكل كون عبد المطلب نذر ذبح أحد بنيه إذا بلغوا عشرة بأن حمزة والعباس إنما ولدا بعد وفائه بنذره، وأولاده إنما كانوا عشرة بهما، وأجيب بأن بعض العلماء قال أولاده اثنى عشر وقيل ثلاثة عشر فكانوا عشرة بدونهما وقال بعضهم الولد يقع على البنين وبنيهم حقيقة لا
стр. 44
مجازا، وكان عبد المطلب قد اجتمع له من ولده وولد ولده عشرة رجال حين وفى بنذره وهذا أحسن لسلامته من الإشكال انظر المواهب وشرحها.
ولما ذكر أن الوالد الشريف وقع عليه قدح الذبح ففدي، جره ذلك إلى الخلاف الذى جرى في ولد إبراهيم هل الذى أمر بذبحه وفدي إسماعيل جده ﷺ أو هو إسحاق على نبينا وجميعهم الصلاة والسلام فقال (والخلف في ثاني الذبيحين) أي ثانيهما بالنسبة لوالده ﷺ ، فهو ذبيح بلا خلاف (ورد) أي جاء عن الصحابة فمن بعدهم من العلماء (فجعلهم) أي أكثرهم قال في القاموس: وجل الشيء وجلاله بضمها معظمه (إسحاق) بالرفع خبر مبتدء محذوف والجملة محكية بقول محذوف، أي قال هو إسحاق أو بالنصب بجعل محذوف خبر جلهم أي فجلهم فجعل الذبيح الثاني إسحاق (وهو) بسكون الهاء أي كون الذبيح الثاني إسحاق (المعتمد) أي الصحيح فقال به من الصحابة عمر وعلي وابن مسعود والعباس ﵁ ومن التابعين ومن بعدهم كعب الأحبار وسعيد بن جبير وقتادة ومسروق وعكرمة وعطاء ومقاتل والزهري والسدي، قاله الخازن نقله الوالد حفظه الله في الريان وفي شرح المواهب مع هؤلاء وقال به القاسم بن زيد والقاسم بن إبي بره وعبد الرحمن بن سابق ومكحول والحسن وإليه ذهب مالك واختاره ابن جرير وجزم به عياض والسهيلي وعزاه ابن عطية والقرطبي للأكثرين (وقال قوم) الذبيح الثاني (هو إسماعيل) فقال به جماعة من الصحابة منهم ابن عمر وابن عباس في رواية عنه وعبد الله بن سلام وقال به سعيد بن المسيب والشعبي ومجاهد والربيع بن أنس ومحمد بن كعب القرظي والكلبي قاله الخازن نقله في الريان أيضا وفي الزرقاني أنه رجحه جماعة وقال أبو حاتم إنه الصحيح والبيضاوي أنه الأظهر ثم قال والحاصل كما قال السيوطي أن الخلاف فيه مشهور بين الصحابة ومن بعدهم ورجح كل منهما اهـ (وكل قول) منهما (فله دليل) يرجحه، قال الخازن وكلا القولين يروى عن رسول الله صلى الله عليه
стр. 45
وسلم. واحتج الأول بقوله تعالى: ﴾ فبشرناه بغلام حليم فلما بلغ معه السعي﴾ أمر بذبح من بشره به وليس في القرآن أنه بشر بولد سوى إسحاق كما في هود ﴿بشرناه بإسحاق﴾ وكما في قوله تعالى: ﴿فبشرناها بإسحاق﴾ فثبت أن أول الآية وآخرها يدل على أنه الذبيح واحتج بما ذكر من كتابة يعقوب لولده يوسف بمصر من يعقوب بن اسحاق ذبيح الله واحتج الثاني بأن الله ذكر البشارة بعد الفراغ من قصة المذبوح فدل على أن الذبيح غيره. وبقوله تعالى في هود: ﴿فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب﴾ فكيف يامر بذبح إسحاق وقد وعد بيعقوب بعده ووصف إسماعيل بالصبر دون إسحاق في قوله: ﴿وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين﴾ وهو صبره على الذبح ووصفه بصدق العدل لأنه وعد أباه بالصبر على الذبح وبأن عمر بن عبد العزيز سأل رجلا من علماء اليهود أسلم وحسن إسلامه أي ابني إبراهيم أمر بذبحه فقال إسماعيل ثم قال يا أمير المؤمنين إن اليهود لتعلم ذلك ولكنهم يحسدونكم. يا معشر العرب ان يكون أبوكم هو الذى أمر الله بذبحه ويدعون أنه إسحاق أبوهم وبأن قرني الكبش كانا معلقين على الكعبة في أيدي بنى أسماعيل إلى احتراق البيت في زمن ابن الزبير. وفي البيضاوي أن ما روي من كتابة يعقوب لما مر لم يثبت وفي ابن جزي اختلف في الذبيح هل هو إسماعيل أو إسحاق فقال ابن عباس وابن عمر وجماعة من التابعين هو إسماعيل وحجتهم من ثلاثة أوجه الأول أن رسول الله ﷺ قال أنا ابن الذبيحين يعني إسماعيل ﵇ ووالده عبد الله، الثاني أن الله تعالى قال بعد تمام قصة الذبيح ﴿وبشرناه بإسحاق﴾ الآية، فدل على أن الذبيح غيره، الثالث أن إبراهيم جرت له قصة الذبح بمكة وإنما كان معه بمكة إسماعيل وذهب علي وابن مسعود وجماعة من التابعين إلى أن الذبيح إسحاق وحجتهم من وجهين الأول أن البشارة بالولد إنما كانت بإسحاق لقوله تعالى: ﴿فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ﴿الثاني أنه روي أن يعقوب كان يكتب من يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله. اهـ
стр. 46
من الريان باختصار.
وروى الحاكم في المستدرك وابن جرير وابن مردويه عن معاوية قال كنا عند رسول ﷺ فأتاه اعرابي فقال يا رسول الله خلفت البلاد يابسة أي مجدبة لا خصب فيها والماء أي محلاته التي يصيبها يابسة لعدم الماء وخلفت المال عابسا أي متغيرا مهزولا هلك المال وضاع العيال فعد على أي اعطني شيئا مما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين فتبسم رسول الله ﷺ ولم ينكر عليه. وهذا الحديث احتج به معاوية على من قال انه إسحاق. واحتج من قال انه إسحاق بحديث الدارقطني مرفوعا الذبيح إسحاق وتأولوا الأول بأن العرب تسمى العم أبا قال تعالى: ﴿أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت﴾ إلى قوله: ﴿وإله آبائكم إبراهيم وإسماعيل﴾، فجعل إسماعيل أبا وهو عم. اهـ من المواهب وشرحها.
وجزم تقي الدين السبكي بأن الذبيح إسماعيل ورده بعضهم وأنشد لبعضهم في المواهب:
(ان الذبيح هديت إسماعيل ... نطق الكتاب بذاك والتنزيل)
شرف به خص الإله نبينا ... وأبانه التفسير والتاويل)
(ثالثها) أي لأقوال (الوقف) عن تعيين الذبيح من ولد إبراهيم ﵇. قال الناظم وهو مروي (عن الزجاج فاسلك سبيلا) أي طريقا ذا استقامة (غير ذي) أي صاحب (اعوجاج) والاعوجاج ضد الاستقامة (بيان) خبر مبتدأ محذوف أي هذا بيان (مولد) أي ولادة أي وقت ولادة (النبي المجتبي) أي الذى اختاره الله تعالى وفضله على جميع مخلوقاته ﷺ (صلى عليه الله ما هب الصبا) هبت الريح تهب بالضم، ثارت والصبا ريح مهبها من مطلع الثريا إلى بنات نعش، قاله في القاموس، قال في المواهب اللدنية ولما انصرف عبد الله مع أبيه من نحر الإبل مر على إمرأة من بنى عبد العزى عند الكعبة واسمها فيما صدر به مغلطاي قتيلة بضم القاف وفتح الفوقية فتحتية ساكنة فلام فهاء تأنيث وقيل رقيقة بنت نفيل بن أسد أخت ورقة وكانت تسمع من
стр. 47
أخيها أنه كائن في هذه الأمة نبي، فقالت حين نظرت إلى وجهه وفيه نور المصطفى ﷺ وكان عبد الله أحسن رجل رياء في قريش لك مثل الإبل التى نحرت عنك وقع على الآن أي جامعني ولعله كان من شرعهم ان المرأة تزوج نفسها بلا ولي ولا شهود لأنها لم تكن زانية ولا مريدة له بل هي عفيفة وقالت له ذلك لما رأت في وجهه من نور النبوءة رجاء أن تحمل بهذا النبي الكريم فأبى الله أن يجعله إلا حيث شاء، فقال لها أنا مع أبي ولا أستطيع فراقه ولو لم أكن معه لوقعت عليك بوجه جائز كتزويجي بك وقيل أجابها بقوله:
(أما الحرام فالحمام دونه ... والحل لا حل فأستبينه)
(فكيف بالأمر الذى تبغينه ... يحمي الكريم عرضه ودينه)
قوله فالحمام في رواية فالمماة وقوله والحل لا حل أي لعدم تزوجي بك وقوله فأستبينه أي أطلب ظهوره وأعمل بمقتضاه وتبغينه تطلبينه ويحمي يمنع وعرضه كلما يحمد عليه أو يذم من نفسه أو أسلافه أي لا يفعل ما يدنس عرضه أو دينه وعند أبي نعيم لما خرج عبد المطلب بأبنه ليزوجه مر على كاهنة من تبالة بفتح القوقية فموحدة خفيفة فألف فلام فتاء تأنيث موضع باليمن وآخر بالطائف متمسكة بدين اليهود قد قرأت الكتب يقال اسمها فاطمة بنت مر الخثعمية فرأت نور النبوءة في وجهه وذكر نحو ما تقدم من دعائه إلى نكاحها وإبايته، زاد البرقي فلما أبى قالت:
(إني رأيت مخيلة نشأت ... فتلألأت بحناتم القطر)
(فسمي لها نور يضيء به ... ماحوله كإضاء الفجر)
(ورأيت سقياها حيا بلد ... وفعت به وعمارة الفقر)
(ورأيتها شرفا ينوء به ... ما كل قادح زنده يوري)
(لله ما زهرية سلبت ... منك الذى استلبت وما تدري)
ثم خرج به عبد المطلب حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة بضم الزاء بن كلاب وهو يومئذ سيد بنى زهرة نسبا وشرفا فزوجه ابنته آمنة وهي يومئذ أفضل امرأة في قريش نسبا أي من جهة الأب
стр. 48
وموضعا أي من جهة الأم فأمها برة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي وأم امها حبيب بنت عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب فزعموا أن عبد الله لما تزوج آمنة وقع عليها مكانه فحملت بالنبي ﷺ ثم خرج من عندها بعد ما أقام عندها ثلاثا وكانت تلك السنة عندهم فأتى المرأة التى عرضت عليه ما عرضت فقال لها ما لك لا تعرضين علي ما عرضت بالأمس فقالت فارقك النور الذى كان معك بالأمس فليس لى بك حاجة لأني إنما أردت أن يكون النور في فأبي الله إلا أن يجعله حيث شاء. وعن العباس انه لما بنى عبد الله بآمنة أحصوا مائتي امرأة من بنى عبد مناف وبني مخزوم متن أسفا على ما فاتهن من عبد الله. اهـ. من المواهب وشرحها والإكتفاء.
(وحملت آمنة الزهرية) بضم الزاء نسبة إلى زهرة بن كلاب فهي بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب وزعم ابن قتيبة والجوهري ان زهرة امرأة كلاب وغلب على ولدها النسب إليها مردود كما في الفتح وقال السهيلي منكر غير معروف. وما مر من أن وهبا هو المزوج لها هو المشهور وقيل كانت في حجر عمها وهيب وهو المزوج لها واقتصر عليه اليعمري، قاله الزرقاني (طوبى لها) بضم الطاء مصدر طاب الشيء لذ ومعناه فرح لها وقرة عين بحملها بسيد الوجود ﷺ فهي مبتدء وخبره المجرور وقيل عطية ونعم وهو مقتبس من حديث يأتي قريبا (بأكمل البرية) أي الخلق كله فهو ﷺ أكملهم خلقا وخلقا ونسبا والمجرور متعلق بحملت وكذا قوله (في رجب الفرد) هو شهر الله المعظم وسمي فردا لانفراده عن غيره من الأشهر الحرم وهي أربعة ثلاثة متوالية وهو منفرد عنها وجمعها بعضهم بقوله:
(ذو القعدة ذو حجة محرم ... ورجب الفرد شهور حرم)
وحملها في يوم الإثنين منه، وقيل يوم الاثنين في أيام منى وبه صدر في المواهب واقتصر عليه في الحلة السيرا ففيها وحملت به أيام التشريق في شعب أبي طالب عند الجمرة الوسطى يوم الاثنين فأما آدم فأطواره كلها يوم الجمعة وأطور نبينا ﷺ يوم الاثنين
стр. 49
حتى لا يتوهم شرفه بشرف الزمان والمكان فالزمان والمكان يشرفان به ﷺ اهـ.
(بدار وهب* والدها) متعلق أيضا بحملت (وقيل بل) حملت به ﷺ (في الشعب) بكسر المعجمة أي شعب أبي طالب ولفظ المواهب ممزوجا ببعض الشرح فزعموا كما قال ابن إسحاق أنه دخل عليها عبد الله حين ملكها مكانه فوقع عليها أي جامعها زاد الزبير بن بكار يوم الإثنين من أيام منى وقيل من شهر رجب في شعب أبي طالب عند الجمرة الوسطى كما هو المنقول عن الزبير قال النجم وهذا موافق لمن ذهب إلى أن ميلاده في رمضان، وأما القول بأنه في رجب فمنطبق على أن ميلاده في ربيع وزعم الحاكم أن سن عبد الله حينئذ ثلاثون سنة والصحيح خلافه وهو ما جزم به السهيلي من أن النبي ﷺ كان بينه وبين أبيه ثمانية عشر عاما اهـ. ثم قال في المواهب وقال سهل بن عبد الله التستري فيما رواه الخطيب لما أراد الله خلق محمد ﷺ في بطن آمنة ليلة رجب وكانت ليلة جمعة أمر الله تعالى في تلك الليلة رضوان خازن الجنان أن يفتح الفردوس ونادى مناد في السماوات والأرض ألا إن النور المخزون المكنون الذى يكون منه الهادي في هذه الليلة يستقر في بطن آمنة ويخرج إلى الناس بشيرا ونذيرا. وفي رواية كعب الأحبار أنه نودي تلك الليلة في السماء وصفاحها أي جوانبها والأرض وبقاعها ان النور المكنون الذى منه رسول الله ﷺ انتقل في بطن أمه فيا طوبى لها ثم يا طوبى وأصبحت يومئذ في جدب شديد وضيق عظيم فاحضرت الأرض وحملت الشجار وأتاهم الرفد بالكسر أي الخير الكثير من كل جانب فسميت تلك السنة سنة الفتح والإبتهاج اهـ وما ذكر من حملها به ليلة الجمعة لا ينافي كون أطواره ﵇ يوم الإثنين لأنه في الأطوار الظاهرة كالولادة وما هنا ما قبلها قاله الزرقاني. والتستري نسبة إلى تستر بضم الفوقية الأولى وفتح الثانية بينهما مهملة ساكنة
стр. 50
آخره راء مهملة كما ضبطه النووي وغيره، وحكي ضم الفوقيتين وفتح الأولى وضم الثانية مدينة بالأهواز. وطوبى الحسنى والخير قاله في القاموس وقال غيره فرح وقرة عين وقال الضحاك عطية وقال عكرمة نعم وفي حديث ابن اسحاق أن آمنة كانت تحدث أنها أوتيت أي رأت في المنام حين حملت بالنبي ﷺ فقيل لها انك حملت بسيد هذه الأمة وقالت ما شعرت بأني حملت به ولا وجدت ثقلا ولا وحما إلا أني أنكرت رفع حيضتي وحكي بكسر الحاء شهوة الحبلى، وحيضتي هنا، بكسر الحاء. قالت وأتاني آت وأنا بين النائمة واليقظانة فقال هل شعرت بأنك حملت بسيد الأنام ثم أمهلني حتى إذا دنت ولادتي أتاني فقال قولي إذا وضعتيه:
(أعيذه بالواحد ... من شر كل حاسد)
ثم سميه محمداً وعند غير ابن إسحاق وعلقي عليه هذه التميمة فانتبهت وعند رأسي صحيفة من ذهب مكتوب فيها:
(أعيذه بالواحد ... من شر كل حاسد)
(وكل خلق رأئد ... من قائم وقاعد)
(عن السبيل حائد ... على الفساد جاهد)
(من نافث وعاقد ... وكل خلق مارد)
(ياخذ بالمراصد ... من طرق الموارد)
قال العراقي هكذا ذكر هذه الأبيات بعض أهل السير وجعلها من حديث ابن عباس ولا أصل لها. وعن ابن عباس ﵄ أنه قال من دلالة حمل آمنة برسول الله ﷺ أن كل دابة لقريش نطقت تلك الليلة وقالت حمل برسول الله ﷺ ورب الكعبة وهو إمام الدنيا وسراج أهلها ولم يبق سرير لملك من ملوك الدنيا إلا أصبح منكوسا وفرت وحوش المشرق إلى وحوش المغرب بالبشارة وكذلك أهل البحار يبشر بعضهم بعضا وله في كل شهر من شهور حمله نداء في الأرض ونداء في السماء أن أبشروا فقد آن أن
стр. 51
يظهر أبو القاسم ﷺ . وعن غيره لم يبق في تلك الليلة دار إلا أشرقت ولا مكان إلا دخله النور ولا دابة إلا نطقت، وقوله رائد أي طالب له بسوء وقوله على الفساد جاهد، أي يتحمل للمشقة في تحصيله حتى كأنه استعلى عليه والنافث الساحر والعاقد من يعقد عقدا في خيط وينفخ فيها بشيء يقوله بلا ريق أو معه بيان لجاهد والموارد المواضع التى يجتمع بها الناس وطرق المياه المقصودة للاستقاء.
فائدة:
اختلف في مدة الحمل به ﷺ فقيل تسعة أشهر كاملة وبه صدر مغلطاي قال في الغرر وهو الصحيح وقيل عشرة أشهر وقيل ثمانية وقيل سبعة وقيل ستة ذكرها في المواهب وشرحها.
(بيان مولد النبي الهادي) أي المرشد للخلق إلى الدين الحق (صلى عليه خالق العباد) أي أعطاه صلاة أي رحمة مقرونة بالتعظيم (عام قدوم) أي مجيء (الفيل) الذى قص الله تعالى ما فعل بأهله والعياذ بالله تعالى في سورة الفيل (للأقوام) أي قريش لهدم الكعبة، ومراده أن النبي ﷺ ولد عام الفيل، ابن الجوزي اتفقوا على أنه ولد عام الفيل وكذا قال ابن الجزار لكن قال مغلطاي في الاتفاق نظر لكثرة الخلاف (بإثر) بكسر الهمزة وسكون المثلثة وفي الزرقاني في قصة إتيانه ﷺ لثقيف في شرح قول المواهب ولما انصرف عنهم اتبع أثره غروة بن مسعود ما نصه إثره بتثليث الهمزة وفتح المثلثة وإسكانها اهـ.
(خمسين من الأيام) أي ولد بعد مجيء الفيل بخمسين يوما، وهذا الذى ذكر الناظم هو الذى شهره القسطلاني تبعا لجماعة منهم السهيلي وقيل ولد بعده بخمسة وستين يوما وبه قال أبو جعفر محمد بن على قال ولد ﷺ يوم الإثنين لعشر خلون من ربيع الأول وكان قدوم الفيل لنصف المحرم فبين الفيل ومولده خمس وخمسون ليلة نقله في المنتقى، وذكر اليعمري في عيون الأثر عن الخوارزمي أن قدوم
стр. 52
الفيل يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة بقيت من المحرم وكان أول المحرم تلك السنة يوم الجمعة وقيل ولد بعد قدومه بشهر وقيل بعد قدومه بأربعين يوما وقيل لم يولد عام الفيل بل ولد بعده قيل بسنتين وقيل بعشر سنين، قال مغلطاي وهذا الأخير لا يصح وقيل ولد بعد الفيل بخمس عشرة سنة ورد وقيل غير ذلك، والمشهور أنه ولد بعد الفيل لأن قصة الفيل كانت توطئة لنبوءته وتأسيسا لظهوره وقد كثرت الخوارق قبله إرهاصا بكسر الهمزة أي تأسيسا لرسالته كقصة الفيل وكثرة الهواتف به وإخبار الكهنة وغير ذلك. والصحيح الذى عليه الجمهور، بل حكى بعضهم عليه الاتفاق أنه ولد بمكة فقيل في الدار التى كانت بيد عقيل بن أبي طالب وصارت لمحمد بن يوسف أخي الحجاج وهي بزقاق المدكك بدال مهملة قيل ان المصطفى ﷺ وهبها لعقيل فلم تزل بيده حتى توفي عنها فباعها ولده محمد بن يوسف. وقيل إن عقيلا باعها بعد الهجرة تبعا لقريش حين باعوا دور المهاجرين فأدخل محمد بن يوسف ذلك البيت الذى ولد فيه النبي ﷺ في داره ولم تزل كذلك حتى حجت خيزران جارية المهدي أم هارون الرشيد فأفردت ذلك البيت وجعلته مسجدا يصلى فيه، وفي الروض أن الدار التى لمحمد بن يوسف بنتها زبيدة زوجة الرشيد مسجدا حين حجت وهي عند الصفا وقيل إنه ولد بالشعب بكسر الشين المعروف بشعب بنى هاشم وقيل ولد بالردم بفتح الراء وسكون الدال المهملتين أي ردم بنى جمح وقيل لم يولد بمكة بل ولد بعسفان، قال في النور وهي قرية جامعة على ستة وثلاثين ميلا من مكة اهـ. لكن هذا القول لا يعول عليه، قال محمد بن عبد الباقي (في يوم الإثنين من الشهر الأغر) الغرة بياض في الوجه وغرة المال خياره وغرة القوم شريفهم والأغر الأبيض من كل شيء ووصفه بكونه أغر لإضاءته بوجود المصطفى ﷺ فيه دون غيره من الشهور، فيا لها من خصوصية ما أعظمها، ومراده به ربيع الأول (في ثالث الشهر) الذى هو ربيع (أو الثاني عشر) منه وهو المشهور عند الجمهور، قاله ابن كثير، قال محمد بن عبد
стр. 53
الباقي وهو الذى عليه العمل وبالغ ابن الجوزي وابن الجزار فنقلا فيه الإجماع، وقال القسطلاني هو الذى عليه عمل أهل مكة قديما وحديثا في زيارتهم موضع مولده في هذا الوقت (أو لثمان من ربيع الأول) أي بعد مضي ثمان منه، قال قطب الدين القسطلاني وهو اختيار من له معرفة بهذا الشأن واختاره الحميد الأندلسي وحكى القضاعي إجماع أهل الميقات عليه ورواه الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم وكان عارفا بالنسب وقيل ولد لعشرة مضين من ربيع حكاه مغلطاي والدمياطي وصححه، وقيل لثمان عشرة خلت منه وقيل لثمان بقين منه وقيل ولد لليلتين خلتا منه وقيل لسبع عشرة خلت منه، وقيل في يوم اثنين من ربيع غير معين. قال جامعه سمح الله له القول الأول في كلام الناظم لم أره والأقوال الأخر الثمانية حصلها القسطلاني سبعة منها في تعيين اليوم الذى ولد فيه من ربيع والثامن أنه غير معين منه وقيل ولد في ربيع الآخر وقيل في رمضان وقيل في يوم عاشورا، وهو غريب لا يعرف، وقيل ولد في رجب واختلف هل ولد بالليل أو النهار والمشهور أنه ولد في النهار مع بقاء الظلمة كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه ولد عند طلوع الفجر وروى أبو نعيم عن عمرو بن قتيبة قال سمعت أبي وكان من أوعية العلم قال لما حضرت آمنة الولادة قال الله للملائكة افتحوا أبواب السماء كلها وأبواب الجنان وألبست الشمس يومئذ نورا عظيما وكان قد أذن الله تعالى أي أراد تلك السنة أي التى حمل فيها بالنبي ﷺ لنساء الدنيا الحاملات منهن أن يحملن ذكورا كرامة لمحمد ﷺ اهـ. وكانت تقول أتاني أت حين مر من حملي ستة أشهر في المنام وقال يا آمنة إنك قد حملت بخير العالمين فإذا ولدته فسميه محمدا واكتمي شأنك، قالت ثم أخذني ما يأخذ النساء ولم يعلم بي أحد وإني لوحيدة في المنزل وعبد المطلب في طوافه فسمعت وجبة عظيمة وأمرا عظيما هالني أي رؤية- عين بصيرة- كأن جناح طائر أبيض قد مسح على فؤادي فذهب عني الرعب ثم التفت فإذا أنا بشربة بيضاء أي بآنية شربة أو أطلق الشربة على
стр. 54
محلها وهو المشربة بكسر الميم مجازا من تسمية المحل باسم الحال فيه فتناولتها فشربتها. وفي رواية وكنت عطشى فشربتها فإذا هي أحلى من العسل فأصابني نور عال ثم رأيت نسوة كالنخل طوالا كأنهن من بنات عبد مناف يحدقن بي فبينما أنا أتعجب وأنا أقول وا غوثاه من أين علمن بي؟ فقلن لى نحن آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران وهؤلاء من الحور العين واشتد بي الأمر وإني أسمع الوجبة في كل ساعة أهول وأعظم مما تقدم، فبينما أنا كذلك إذ بديباج بكسر الدال ويجوز فتحها نوع من الحرير أبيض قد مد بين السماء والأرض وإذا بقائل بقول خذاه عن أعين الناس قالت ورأيت رجالا قد وقفوا في الهواء بأيديهم أباريق من فضة ثم نظرت فإذا أنا بقطعة من الطير قد أقبلت حتى غطت حجرتي، مناقيرها من الزمرذ وأجنحتها من الياقوت فكشف الله عن بصري فرأيت مشارق الأرض ومغاربها ورأيت ثلاثة أعلام مضروبات علما بالمشرق وعلما بالمغرب وعلما على ظهر الكعبة، قال شارحه ولعل الحكمة في ذلك الإشارة إلى أن دينه يعم المشارق والمغارب ويعلو مكة ويصير بيننا كالأعلام فأخذني المخاض، قال البيضاوي بفتح الميم وكسرها مصدر مخضت المرأة إذا تحرك الولد في بطنها للخروج، فوضعت محمدا ﷺ فنظرت إليه فإذا هو ساجد قد رفع أصبعيه إلى السماء كالمتضرع المبتهل ثم رأيت سحابة بيضاء قد أقبلت من السماء حتى غشيته فغيبته عني ثم سمعت مناديا ينادي طوفوا به مشارق الأرض ومغاربها وأدخلوه البحار ليعرفوه باسمه ونعته وصورته. وقولها من بنات عبد مناف شبهت بهن لاشتهارهن بين النساء بالطول والجمال. ومن عجائب ولادته أيضا روي عن عائشة ﵂ قالت كان يهودي قد سكن مكة فلما كانت الليلة التى ولد فيها رسول الله ﷺ قال يا معشر قريش هل ولد فيكم الليلة مولود قالوا لا نعلم، قال انظروا فإنه ولد في هذه الليلة نبي هذه الأمة بين كتفيه علامة فانصرفوا فسألوا فقيل لهم قد ولد لعبد الله بن عبد المطلب غلام، فذهب اليهودي معهم إلى أمه
стр. 55
فأخرجته لهم فلما رأى اليهودي العلامة خر مغشيا عليه وقال ذهبت النبوءة من بنى إسرائيل أما والله ليسطون بكم سطوة يخرج خبرها من المشرق والمغرب، ومن عجائب أمره أنه ولد مختونا وذكروا معه ستة عشر كلهم ولد مختونا ونظمهم السيوطي فقال:
(وسبعة مع عشر قد رووا خلقوا ... وهم ختان فخذ لازلت مأنوسا)
(محمد آدم إدريس شئث ونو ... ح، سام هود شعيب يوسف موسى)
(لوطسليمان يحي صالح زكر ... ياء وحنظلة الرسي مع عيسى)
وقوله حنظلة لم يزد في تعريفه على أن قال وحنظلة بن صفوان.
فائدة:
كما ولد ﷺ يوم الإثنين بعث فيه فهو أول يوم أوحى إليه فيه، كما رواه مسلم، وهاجر فيه ودخل المدينة فيه ووضع الحجر الأسود موضعه فيه، ونزلت فيه ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ وفتحت مكة فيه على قول والمعروف أنها افتتحت يوم الجمعة وتوفي ﷺ فيه، انظر الزرقاني (موافق) حال كون المولد المفهوم من ولد موافق (النيسان) بفتح النون وكسرها وسكون الياء رابع الشهور الرومية وهو إبريل بكسر الهمزة وابتداؤها من ينير بشد النون وسكون الياء قاله اليوسي (عند) جماعة العلماء (الأول) بضم الهمزة أي المتقدمة وأشار بهذا إلى أنه ﷺ ولد في فصل الربيع وهو أعدل الفصول وأنشد القسطلاني في ذلك لغيره:
(يقول لنا لسان الحال منه ... وقول الحق يعذل للسميع)
(فوجهي والزمان وشهر وضعي ... ربيع في ربيع في ربيع)
قوله فوجهي الفاء جواب شرط مقدر أي إن سألت عن صفاتي فوجهي إلخ .. وربيع الأول وجهه ﵇ شبهه بالربيع في اعتداله وحسنه والثاني الفصل والثالث شهر ربيع النبوي. قال محمد بن سعيد السوسي وقد نظم شيخنا القاضي أسماء الشهور القبطية والسريانية
стр. 56
فقال:
ولشهور القبط* حقق تفز بالقسط* توت وبابه وهتور* على التوالي بالشهور* كيهك طوب يات* امشير برهمات* برمودة* بشنس* بؤونة لالبس*ثم أبيب مسرى* له فقدر قدرا.
ثم قال:
ومن أغشت الابتدا* حكي على طول المدى* ثمت بالسريانيه* خذ عدها علانيه* أولها تشرين* كالثاني إذ يبين* وبعد كانون ظهر* وما يلي به اشتهر* سباط مع آذارا* نيسان مع أيارا* ثم حزيران أتى* تموز أيضا ثبتا* آب وأيلول ورد* وهو الأخير في العدد* والبدء من اكتوبرا* فحققن الخبرا.
وتوت بمثناتين من فوق أولادهما مضمومة وبينهما واو ساكنة وبابه بموحدتين بينهما ألف وآخره هاء، وهتور بفتح الهاء وضم المثناة الفوقية، وكيهك بكاف وتحتية مفتوحة وهاء وفي نسخة بتقديم الهاء على الياء وطوب بضم الطاء المهملة وامشير بفتح الهمزة وسكون الميم وشين معجمة مكسورة بعدها ياء ساكنة وراء وبرهمات بفتح الموحدة وسكون الراء وبرمودة بفتح الموحدة وسكون الراء وميم بعدها واو ساكنة فدال مهملة فهاء وبشنس بموحدة مفتوحة وشين معجمة ونون ساكنة فسين مهملة وبؤونة بهمز بين الموحدة والواو وأبيب بفتح الهمزة وكسر الباء فباء ساكنة وموحدة ومسرى بضم الميم وسكون السين المهملة وقوله تشرين كالثاني أي تشرين الأول وتشرين الأخير بشين معجمة ساكنة وراء مهملة مكسورة بعدها ياء ساكنة فنون وكانون الأول وكانون الأخير على وزن فاعول وسباط بضم وإذار بقصر الهمزة ومد الذال وإيار بتشديد المثناة التحتية وحزيران بحاء مهملة مفتوحة فزاي فراء بينهما ياء ساكنة فألف فنون وتموز بفتح التاء وضم الميم مشددة بعدها واو ساكنة، وآب بمد الهمزة، وأيلول بفتح الهمزة وسكون التحتية اهـ. من شرح المقنع لمؤلفه وفي البناني يرهمات بياء تحتية وهو مخالف لما مر عن السوسي أنه بالموحدة وفيه
стр. 57
بؤونة على وزن شؤونة اهـ.
وفي قاموس أن إذار بذال معجمة وأن تشرين بكسر أوله وفيه حزيران إسم شهر بالرومية. قال في التاج يفتح فكسر والمشهور على الألسنة بضم ففتح اهـ. وقال قبل هذه ان سعيدا افترى ضبطه بالتصغير اهـ. واكتوبر بفتح الهمزة وسكون الكاف والواو الساكنة بعد التاء المضمومة قاله السوسي.
(في عام) متعلق بمولد (جفظ من سني الأسكندري) قوله جفظ قال الشريف مولاي إبراهيم في شرحه هو بالجيم والفاء المروسة والظاء المشالة لأن الذى بين ولادة النبي ﷺ ووفاة الأسكندري الرومي ثلاث وثمانون وثمانمائة سنة على ما حكاه في جامع الأصول وقيل اثنتان وثمانون على ما صدر به، قال ولا تعارض بينهما إذ لعله لم يعتبر الكسر في القول الأول واعتبره في الثاني، قال والجاري على الألسنة من قراءة حفظ بالحاء المهملة لا أصل له وجلب على ذلك كلام جامع الأصول. والمراد به ذو القرنين الأصغر وهو الذى قتل دارا وسلب ملكه وتزوج بابنته اهـ. منه.
واقتصر اليوسي في شرح المقنع علي أنه ﷺ ولد سنة اثنتين وثمانين وثمانمائة سنة لتاريخ ذي القرنين والله أعلم.
(بطالع الجدي) والظاهر ان الباء للمصاحبة والجدي هو أحد البروج ومنازله سعد الذابح وسعد بلع وثلث سعد السعود ومراده والله تعالى أعلم أنه ﷺ ولد مصحوبا بطالع الجدي ويصح أنه أراد بعض طوالعه وهو سعد السعود ولم يرد أنه ولد بذلك البرج لما سيأتي وإنما مراده أن مولده ﷺ طلع به نجم كل سعد على البرايا لأنه هو الواسطة في نيل كل نعمة في الدارين ويصح أنه أراد جميع طوالع الجدي لأنه ﷺ طلع به سعد الذبح والبلع على من كذبه وأشرك بالله وطلع به سعد السعود على من آمن به قال الإمام السنوسي وقد حجر الله تعالى نعمه أن يصل منها إلى مخلوق شيء إلا بواسطته ﷺ اهـ.
стр. 58
(ما ارسل الرحمن أو يرسل ... من رحمة تصعد أو تنزل)
(في ملكوت الله أو ملكه ... من كل ما يختص أو يشمل)
(إلا وطه المصطفى عبده ... نبيه مختاره المرسل)
(واسطة فيها واصل لها ... يعلم هذا كل من يعقل)
وإنما لم أحمله على ظاهره لأن مولده ﷺ في فصل الربيع في النيسان وهو إبريل كما هو معلوم وقد قال الناظم: موافق النيسان، والجدي من بروج فصل الشتاء كما سنبينه إن شاء الله وقد قيل إنه ﵇ ولد عند طلوع الغفرة وهو من منازل الميزان وهو أول بروج فصل الخريف. وفي القسطلاني: وقيل انه ولد عند طلوع الغفرة وهو مولد الأنبياء ثم قال وقيل انه ولد ليلا، قال الزرقاني في شرحه أي من غير تعيين لكونه عند طلوع الغفرة اهـ. واقتصر السوسي في شرح المقنع على أنه ﷺ ولد عند طلوع الغفرة في شهر إبريل ولفظه وقد روي أنه ﷺ ولد ليلة الإثنين عند طلوع الغفرة في شهر إبريل والشمس في الحمل اهـ. وكذا في المواهب وشرحها أنه ولد في برج الحمل، أي ولد والشمس في برج الحمل كما هو لفظ السوسي وبرج الحمل منازله النطح والبطين وثلث الثريا، وكونه ﵇ ولد والشمس في برج الحمل هو الذى يلائم أنه ولد في إبريل ويلائم كونه عند طلوع الغفرة في إبريل أي طلوعها ليلا في إبريل وإن كان مولده ليلا فيه خلاف وبيان ذلك أن تكون الشمس في برج الحمل وتكون الغفرة إذ ذاك في ابريل من مطالع الليل. وأما حمل الكلام المؤلف على ظاهره فلم يظهر لى أنه يلائم كون ولادته ﵇ في النيسان كما ذكر المؤلف وغيره هذا مع أني أعلم قوة كون المولد عند طلوع الفجر لكن لم اهتد أيضا لالتئامه مع القول بأنه ولد عند الغفرة هذا معنى البيت عندي وقلته ارتجالا والله تعالى أعلم بالصواب. وقولي الجدي واحد البروج وهي اثنى عشر برجا أولها الحمل بالتحريك ثم الثور فالجوزاء، فالسرطان، فالاسد فالسنبلة ثم الميزان، فالعقرب، فالقوس، فالجدي وهو عاشرها، فالدلو فالحوت وقد
стр. 59
أشار بعضهم لها على الترتيب فقال:
(حمل الثور جوزة السرطان ... ورعى الليث سنبل الميزان)
(ورمى عقرب بقوس لجدي ... نزح الدلو بركة الحيتان)
قال بعض شروح المقنع: البروج عند المنجمين عبارة عن أجزاء قسم الفلك عليها بحسب سير الشمس وكثها في كل جزء منها شهرا فتقطع الفلك كله في إثنى عشر شهرا وقسموا الفلك لأجل ذلك على اثنى عشر جزءا وسميت تلك الأجزاء بروجا أولها الحمل إلى آخرها ثم لما كانت تقيم في كل برج ثلاثين يوما قسموا كل برج ثلاثين جزءا ثم قسموا تلك الأجزاء دقائق مفردها دقيقة والبروج عند العرب عبارة عن جماعة من النجوم على صورة حيوان أو صورة آلة في رؤية العين فسميت كل جماعة باسم تلك الصورة التى هي عليها والفرق بين قسمة العرب وقسمة المنجمين مع ان كلا منهما على اثنى عشر برجا ان قسمة العرب محسوسة مدركة بالرؤية غير متساوية وقسمة المنجمين معقولة غير محسوسة مدركة بالذهن مستوية فأخذ المنجمون تسمية العرب لأجزائهم المرئية ووضعوها على أجزائهم الذهنية. وأما المنازل فهي عند العرب ثمانية وعشرون وعند المنجمين عبارة عن ثمانية وعشرين جزءا مستوية قسم الفلك عليها قسمة متوهمة معقولة ومقدار كل منزلة ثلاث عشرة درجة تنقص سبع درجة فلذلك كانت الشمس تقيم في كل واحد ثلاثة عشر يوما إلا الجبهة فأربعة عشر فتقطعها جميعا في عام واحد اهـ. منه. وقوله ثم قسموا كل برج ثلاثين جزءا هي الدرجات والدرجات هي المقسومة إلى الدقائق وقال محمد بن سعيد في شرحه الكبير وكذلك تقسم البروج على الفصول الربعة فلكل فصل ثلاثة بروج فلفصل الربيع الحمل والثور والجوزاء والسرطان والسد والسنبلة لفصل الصيف والميزان والعقرب والقوس للخريف والجديي والدلو والحوت للشتاء وكل برج له منزلتان وثلث، فللحمل النطح والبطين وثلث الثؤيا وللثور ثلثا الثريا والدبران وثلثا الهقعة وللجوزاء ثلثا الهقعة والهنعة والذراعان إلى أن قال وللميزان غفرة
стр. 60
وزوبانيان وثلث اكليل والميزان أول بروج الخريف وللجدي سعد الذابح وبلع وثلث سعد السعود فالجدي أول بروج الشتاء فلو ولد ﵇ في طالعه لكانت الولادة في الشتاء وحينئذ فلا تكون في إبريل لأنه من شهور الربيع لكنه ولد في الربيع فليست ولادته ﷺ في طالع الجدي قاله كاتبه وفقه الله لما يرضاه وأحسن بمحض فضله عقباه.
(وكان المشتري* مع زحل في وسط السماء) مراده والله أعلم أن هذين الدريين وهما المشتري ويقال له البرجس والقاضي وزحل بوزن عمر معدول عن زاحل ويقال له الشيخ والكيوان والمقاتل كانا في وقت مجتمعين في وسط السماء (تقارنا) اصطحبا الظاهر انها حال مؤكدة (بالعقرب) أي برج العقرب أحد بروج الخريف (الغراء) أي الشهيرة ومحل زحل في الفلك السابع والمشتري في السادس والله أعلم.
وإذا كانت الشمس مع البطين في برج الحمل كانت العقرب في وسط السماء في الليل والله تعالى اعلم. والفلك مر قول العلماء فيه عند قول الناظم:
ما دار نجم في فلك
وأن الأفلاك هي السماوات السبع والكرسي والعرش وقال المنجمون حقيقة الفلك جسم لطيف مستدير الشكل كفلكة المغزل وبعضها على بعض كقشور البصلة ونحن في وسطها أقربها إلينا الذى في سماء الدنيا وهو أصغرها والثاني أكبر منه وكذا كل فلك أكبر من الذى تحته وأصغر من الذى فوقه وانظر يا أخي إلى عظيم قدرته حين جعلنا نرى الكواكب في السموات السبع وما فوقها مع بعد المسافة وغلظ الحجاب فإنما بين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام وغلظ كل واحدة كذلك وقيل ان الفلك السابع والثامن بينهما مسيرة ألف عام ثم حجب عنا ما هو ادنى وأدنى من ذلك كالثوب يغطي الإنسان لا ندري ما تحته هل بياض أو سواد مع قرب المسافة ورقة الحجاب، إن ربك فعال لما يريد لا إله إلا هو اهـ من شرح المقنع لمؤلفه.
стр. 61
تتمة:
محال الدراري السبعة عند أهل الحساب أشار لها في المقنع بقوله:
(فالتسعة الأفلاك كان القمر ... منها بتالينا وثان أكبر)
(فيها عطارد وجيم زهره ... للشمس دال ها لنجم الحمره)
(مريخ والسادس مشتر زحل ... لسابع والغير في الثامن حل)
(وتاسع عار حواها كلا ... فدار، عز ربنا وجلا)
يعني أن الأفلاك تسعة سبعة هي في السماوات السبع وهي التى فيها الدراري السبعة والثامن فوق السماوات السبع وهو الذى فيه كل نجم سوى الدراري والتاسع فوق الثامن ولكنه عار من الكواكب وفيه جميع الأفلاك الثمانية يدور بها كل يوم وليلة دورة واحدة عز ربنا إذ غلب جميع هذه الاشياء العظيمة فهي تحت قهره ومحل القمر الفلك الذى يوالينا والثاني أكبر منه وفيه عطارد والثالث المشار له بالجيم للزهرة والرابع للشمس والخامس للمريخ والسادس للمشتري والسابع لزحل. وفي حديث: «رأيت ليلة أسري بي النجوم معلقة بسلاسل من نور في أيدي الملائكة»، وقال بعض شروح الرسالة أصغر كوكب في السماء أكبر من الأرض بمائة وعشرين مرة اهـ من شرح المقنع الكبير لمؤلفه ولبعضهم في ترتيب الدراري في الأفلاك بادئا بأعلاها بيت وهو:
(زحل اشترى مريخه من شمسه ... فتزاهرت لعطارد أقمار)
نقله الحنفي. وقوله عام قدوم الفيل لم يذكر المصنف قصة الفيل ولنذكرها على وجه الاختصار إظهارا لإكرام من وقعت لأجله وهو نبينا محمد ﷺ وحاصلها أنه لما كان المحرم والنبي ﷺ حمل على الصحيح كما مر قدم ابرهة بفتح الهمزة والراء ابن الصباح الأشرم لهدم الكعبة لما ولي اليمن من قبل النجاشي وسبب ملكه اليمن أن بعض أهلها من اصحاب الأخدود لما أكثر فيهم ملكهم القتل وهو ذو نواس آخر من ملك اليمن من حمير فر إلى قيصر يستغييثه فكتب له إلى النجاشي ليغيثه فأرسل معه أميرين إلياط
стр. 62
وابرهة بجيش عظيم فقتلوا ملك اليمن واستولوا عليه ثم اختلفا فقتل إلياط بعد أن شرم أنف ابرهة وحاجبه وعينه وشفته فبرئ واستقل بالملك فغضب عليه النجاشي فأرسل تحفا إليه حتى رضي فأقره ولهذا سمي الشرم وقيل لأن أباه ضربه فشرم أنفه وجبينه ثم إن ابرهة رأى ان الناس يتجهزون أيام الموسم فقال أين يذهبون فقيل يحجون بيت الله بمكة قال ما هو قيل من الحجارة قال وما كسوته قيل ما يأتي من هنا، قال والمسيح لأبنين لكم خيرا منه فبني كنيسة بصنعاء بأنواع الرخام ونقل لها الحجارة المنقوشة بالذهب والفضة من قصر بلقيس وحلى الكنيسة بالذهب والفضة وأنواع الجواهر ونصب فيها صلبانا من ذهب وفضة ومنابر من عاج وغيره وكان يشرف منها على عدن لارتفاع بنائها ولذا سماها القليس بضم القاف وفتح اللام مشدودة ومخففة فتحتية ساكنة فسين مهملة أو بفتح القاف وكسر اللام لأن الناظر لها تسقط قلنسوته عن رأسه، فأراد صرف الحج إليها وكتب للنجاشي إني بنيت كنيسة باسم الملك لم يكن مثلها أريد صرف حج العرب إليها وأمنعهم من الذهاب لمكة فلما شاع ذلك في العرب خرج رجل من كنانة مغضبا فتغوط فيها ولحق بأرضه، وقيل أججت فيها فتية من العرب نارا فحلف ليهدمن الكعبة حجرا حجرا فكتب إلى النجاشي بذلك وسأله أن يبعث له فيله "محمود ا" فلما قدم الفيل خرج في ستين ألفا فلما سمعت العرب بخروجه رأوا جهاده حقا عليهم فخرج رجل من ملوك اليمن اسمه ذو نفر بنون ففاء فراء فقاتله فهزم هو واصحابه وأتى به في وثاق فحبسه عنده ثم مضى فلما كان بأرض خثعم خرج إليه نفيل الخثمعي في قبيلته ومن تبعه من العرب فهزموا وأسر نفيل فلما هم بقتله قال لا تقتلني فإني دليلك بأرض العرب فخرج به يدله فلما مر بالطائف خرج إليه مسعود بن متعب في رجال ثقيف فقالوا أيها الملك إنما نحن عبيدك سامعون مطيعون ولست تريد هذا البيت يعنون بيت اللات إنما تريد الذى بمكة ونحن نبعث معك من يدلك فبعثوا معه أبا رغال فلما بلغ الجيش المغمس وهو موضع بطريق الطائف كمعظم
стр. 63
ومحدث على ثلثي فرسخ من مكة مات أبو رغال فرجمت العرب قبره فهو القبر الذى يرجم إلى اليوم ثم أرسل ابرهة خيلا له عليها رجل من الحبشة يقال له الأسود بن مفصود بفاء وصاد مهملة وأمره بالغارة فاستاق إبل قريش وغنمها وفيها مائتا بعير لعبد المطلب وقيل له فيها أربعمائة ناقة وهمت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بالحرم بقتاله ثم عرفوا انهم لا طاقة لهم فتركوه وركب عبد المطلب في قريش فلما طلع جبل ثبير استدارت دارة غرة رسول الله ﷺ على جبهته واشتد شعاعها حتى صار مثل الشمس ومعنى استدارة الدرة حصولها فلما نظر عبد المطلب إلى ذلك قال يا معشر قريش ارجعوا فقد كفيتم هذا الأمر فوالله ما استدار هذا النور مني إلا أن يكون لنا الظفر فرجعوا ثم إن ابرهة أرسل حناطة بضم المهملة الحميري وقال سل عن سيد أهل هذا البلد ثم قل له ان الملك لم يأت لحربكم إنما جاء لهدم هذا البيت فإن لم تتعرضوا دونه فلا حاجة له بدمائكم فإن هو لم يرد حربا فأتني به فسأل فقيل له عبد المطلب فقال ما أمره به ابرهة فقال عبد المطلب والله لا نريد حربه وما لنا بذلك من طاقة هذا بيت الله الحرام وبيت خليله ابراهيم فإن يمنعه فهو بيته وحرمه وإن يخلي بينه وبينه فوالله ما عندنا دفع عنه قال حناطة فانطلق معه عبد المطلب ومعه بعض بنيه فتكلم أنيس سائس فيل ابرهة فقال أيها الملك هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك وهو صاحب عز مكة ويطعم الناس في السهل والوحوش والطير في رؤوس الجبال فأذن له ابرهة وكان عبد المطلب أجمل الناس وأعظمهم فعظم في عين ابرهة فأجله أن يجلس تحته وكره ان تراه الحبشة يجلس معه على سرير ملكه فنزل عن سريره وجلس على بساطه وأجلسه معه إلى جنبه ثم قال لترجمانه قل له ما حاجتك قال حاجتي أن يرد علي مائتي بعير أصابها فقال لترجمانه قل له كنت أعجبتني حين رأيتك ثم قد زهدت فيك تكلمني في مائتي بعير وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك لا تكلمني فيه، فقال عبد المطلب إني أنا رب الإبل وإن للبيت ربا سيمنعه. قال ما كان ليمنع مني، فقال أنت وذاك،
стр. 64
فرد عليه إبله فقلدها وأشعرها وهللها وجعلها هديا للبيت وبثها في الحرم فرجع عبد المطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر وأمرهم بالخروج من مكة والتحرز في شعب الجبال والشعاب اهـ. ويروى ان حناطة لما نظر إلى وجه عبد المطلب خضع وتلجلج لسانه وخر مغشيا عليه فكان يخور كما يخور الثور عند الذبح فلما أفاق خر ساجدا لعبد المطلب وقال أشهد أنك سيد قريش حقا ثم أخبره بمراد ابرهة ويروى أن عبد المطلب لما حضر عند ابرهة أمر أنيسا بضم الهمزة وفتح النون وسكون المثناة سائس فيله الكبر الأبيض العظيم الذى كان لا يسجد للملك ابرهة كما كانت تسجد له الفيلة أن يحضره بين يديه ليرهب به شيبة الحمد فأحضره فلما نظر إلى وجه عبد المطلب برك كما يبرك البعير وخر ساجدا وأنطق الله تعالى الفيل وقال السلام على النور الذى في ظهرك يا عبد المطلب واستشكل كون النور في عبد المطلب على المشهور من أنه كان ﵇ حملا في بطن أمه إذ ذاك وأجيب بأن الله تعالى أحدث نورا في عبد المطلب يحاكي النور الذى استقر في آمنة مع زيادة حتى صار في وجهه كالشمس وأطلع عليه الفيل فسجد إكراما له قاله الزرقاني ثم ان ابرهة لما بلغ المغمس برك الفيل فوجهوه راجعا إلى اليمن فقام يهرول ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك فوجهوه الي المشرق ففعل مثل ذلك ووجهوه الى مكة فبرك، وغي ذلك يقول أمية ابن أبي الصلت:
(إن ايات ربنا بينات ... ما يماري بهن إلا الكفور)
(برك الفيل بالغمس حتى ... ظل يحبو كأنه معقور)
ويروى أنه لما برك ضربوه في رأسه ضربا شديدا ليقوم فأبي ونحوه قول ابن اسحاق فضربوا رأسه بالطبرزين ليقوم فأبي فأدخلوا محاجنهم في مراقه فبزغوه بها ليقوم فأبي. والطبرزين بفتح الطاء المهملة والباء الموحدة وسكونها آلة عوجاء من حديد والمحاجن جمع محجن عصى معوجة وقد يكون في طرفها حديد والمراق أسفل البطن وبزغوه بفتح الموحدة وزاي مشددة فغين معجمتين شرطوه بحديد
стр. 65
المحاجن ثم بعد بروك الفيل أرسل الله عليهم طيرا أبابيل أي جماعات قال الشافعي أمام كل جماعة طائر يقودها أحمر المنقار أسود الرأس طويل العنق مع كل طائر ثلاثة أحجار حجر في منقره وحجران في رجليه وعلى كل حجر اسم من يقع عليه واسم أبيه لا تصيب أحدا منهم إلا أهلكته وكان الحجر يقع على رأس رجل فيخرج من دبره فإن كان راكبا خرج من مركبه فخرجوا هاربين يتساقطون بكل طريق ويسألون عن نفيل ليدلهم على الطريق إلى اليمن فقال نفيل:
(أين المفر والإله الطالب ... والأشرم المغلوب ليس الغالب)
وأصيب ابرهة بالجدري وما مات حتى تساقطت أنامله أنملة أنملة وسال منه الصديد والقيح والدم وما مات حتى انصدع قلبه. وحكمة إظهار شناعة امر أبي رغال حتى صار يرجم دون نفيل مع أنه كان دليلا لهم ايضا أنه إنما جعل نفسه دليلا وقاية له من القتل فكان كالمكره على ذلك بخلاف أبي رغال فإن قومه تلقوا ابرهة بالسلم واختاروه دليلا له وهو بكسر الراء وخفة المعجمة واللام. اهـ.
من الزرقاني (فغاضت المياه) هذا من عجائب ولادته ﷺ يعنى فلما ولد ﷺ غاضت المياه أي نقصت تلك الليلة حتى لم يبق منها شيء ويعنى بالمياه بحيرة ساوة بسين مهملة بعدها ألف بعدها واو مفتوحة فهاء تأنيث تصغير بحرة وهي بحيرة عظيمة بين همذان وقم وكانت أكثر من ستة فراسخ في الطول والعرض وكانت تركب فيها السفن ويسافر إلى ما حولها من البلاد فنشف ماؤها في تلك الليلة بالكلية وأصبحت يابسة كأن لم يكن بها شيء من ماء حتى بنيت موضعها مدينة ساوة الموجودة إلى اليوم وفي المواهب أن بحيرة طبرية غاضت تلك الليلة قال في ترتيب المطالع وهي بالشام لزمتها التاء وهي تصغير بحرة وهي بحيرة عظيمة يخرج منها نهر، بينها وبين الصخرة ثمانية عشر ميلا، قال البكري طولها عشرة أميال وعرضها ستة أميال اهـ. لكن المعروف بالغيض إنما هو بحيرة ساوة من قرى بلاد فارس كانت بحيرة كبيرة إلى آخر ما قدمت من وصفها وقال
стр. 66
فأما بحيرة طبرية فباقية إلى اليوم وأجيب بأن غيض كليهما ثابت في الأحاديث فمن أثبت غيض بحيرة طبرية أراد أنها نقصت نقصا لا ينقص مثله في زمان طويل وأن ماءها غار ثم عاد لما فيها من العيون النابعة التى تمدها الأمطار اهـ من الزرقاني.
وذكر في الشفا أن بحيرة طبرية غاضت. قال شارحه ابن سلطان وطبرية بفتحتين مدينة معروفة بناحية الأردن ذات حصن بينها وبين بيت المقدس نحو مرحلتين والبحيرة مصغرة مع أنها عظيمة وغيضها نقصها، هذا والمعروف ان الغائضة هي بحيرة ساوة من قرى بلاد فارس اهـ.
(والنيران* قد خمدت) كنصر وسمع يعنى أنه من عجائب ولادته ﷺ خمود نار فارس التى كانوا يعبدونها فإنها خمدت أي انطفأت تلك الليلة وكان لها ألف عام لم تخمد فكأنها طفئت بماء بحيرة ساوة قاله ابن سلطان وقال البوصيري:
(وعيون للفرس غارت فهل ... كان لنيرانهم بهاء إطفاء)
وروى الببهقي وأبو نعيم والخرائطي وابن عساكر وابن جرير كلهم من حديث مخزوم بن هانئ عن أبيه وأتت عليه مائة وخمسون سنة قال لما كانت الليلة التى ولد فيها رسول الله ﷺ ارتجس إيوان كسرى وسقطت منه أربع عشرة شرفة وخمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام وغاضت بحيرة ساوة ورأي المويذان فذكر الحديث بطوله قاله الزرقاني ورؤيا الموبذان التى أشار إليها تأتي قريبا إن شاء الله (وانصدع الإيوان) أي انشق وسقطت شرفاته والإيوان بالكسر وأصله بواوين فاعل كديوان ويقال بوزن كتاب وهو الصفة العظيمة يعنى إيوان كسرى بكسر أوله ويفتح لقب ملوك الفرس كقيصر لملوك الروم وتبع لملوك اليمن والنجاشي لملوك الحبشة قاله ابن سلطان وفي القاموس الإيوان بالكسر الصفة العظيمة كالأزج كالإوان ككتاب اهـ. يعنى انه من عجائب ولادته ﷺ ارتجاس إيوان كسرى وسقوط شرفاته ليلة ولادته والارتجاس الصوت الشديد
стр. 67
من الرعد ومن هدير البعير كما ضبطه البرهان وفي نسخ ارتجاج بجيمين أي تحركه واهتزازه فكأنه لما صوت تحرك وهو بناء أزج بفتحتين أي بنى طولا فإنه ارتج حتى سمع صوته وانشق لا لخلل في بنائه وقد كان بناؤه بالمدائر محكما مبنيا بالآجر الكبار والجص، سمكه مائة ذراع في طول مثلها وقد أراد الخليفة الرشيد هدمه لما بلغه أن تحته ما لا عظيما فعجز عن هدمه وإنما أراد الله أن يكون آية باقية لنبيه ﷺ قاله الزرقاني.
(وخرس الملوك) يقال خرس كفرح، انعقد لسانه عن الكلام ومراده والله أعلم انهم لما رأوا منا ما حدث تلك الليلة من الحوادث الخارقة العادة علموا أنه حدث عظيم وخطب جسيم فارتج عليهم في الكلام لما رأوا من الحوادث العظام حتى صاروا يبعثون إلى من يظن به علم بهذا الشأن من علماء أهل الكتاب والكهان فهذا هو مراده بخرسهم والله أعلم. ألا ترى ما روي أن كسرى لما سقطت شرفات إيوانه لم يدر ما سبب ذلك ولم يتكلم فيه، فبعث عبد المسيح الغساني إلى سطيح يسأله هل له علم بذلك. روي أنه لما ولد ﷺ ارتعد إيوان كسرى وسقطت منه أربع عشرة شرفة وكتب إليه صاحب اليمن بأن بحيرة ساوة غاضت تلك الليلة وكتب إليه صاحب فارس بأن النيران التى كانوا يعبدونها خمدت تلك الليلة ولم تكن خمدت قبل ذلك بألف عام وكتب إليه صاحب الشام بأن وادي السماوة انقطع جريه تلك الليلة ثم أخبره المويذان ومعناه القاضي والمفتي بلغتهم أنه رأى إبلا صعابا تقود خيلا عرابا فانتشرت في بلادهم، فأرسل عبد المسيح الغساني إلى سطيح الكاهن يستخبره علم ذلك وكان سطيح جسدا ملقى لا جوارح له ووجهه في صدره ولم يكن له رأس ولا عنق لا يقدر على الجلوس إلا إذا غضب انتفخ وقد قيل له أني لك هذا العلم فقال لى صاحب من الجن استمع أخبار السماء من طور سيناء حين كلم الله موسى ﵇ فهو يؤدي إليه من ذلك ما يؤدي فلما تقدم عبد المسيح عليه وجده قد أشفى على الموت فسلم عليه فلم يرد عليه جوابا فأنشأ عبد المسيح يقول:
стр. 68
(أصم أم يسمع غطريف اليمن ... أم باد فازلم به شأو العنن)
(يا فاضل الخطبة أعيت من ومن ... اتاك شيخ الحي من آل سنن)
(وأمه آمن من آل ديب بن حجن ... أبيض فضفاض الرداء والبدن)
(رسول قيل العرب يسري في الوسن ... لا يرهب الرعد ولا ريب الزمن)
(يجوب بالأرض علنداة شزن ... ترفعني وجن وتهوي بي وجن)
(حتى أتى عاري الجاجي والقطن ... تلفه في الرحل بوغاء الدمن)
الغطريف: السيد وباد: يبود بالباء المروسة هلك وازلم: قبض أو ولى وشأو العنن: الموت والفضفاض: الواسع والقيل: الملك، وأصله التشديد، وهو ذو القيل النافذ، والعلنداة: الناقة الشديدة، الشزن: الغليظ، والوجن: جمع وجن، سكنت جيمه تخفيفا وهو متن الأرض ذو الحجارة الصغار، والجاجئ: جمع جؤجؤ وهو الصدر وجعل كل شيء منه جؤجؤا فلهذا جمعه والبوغاء: التراب الهاب، والدمن: جمع دمنة وهي ما قرب من الدار تبول فيه المواشي وتبعر. فلما سمع سطيح شعره رفع رأسه وقال عبد المسيح على جمل مشيح، أي مسرع جاء إلى سطيح وقد أشفى على الضريح، بعثك ملك بنى ساسان لارتجاس الإيوان وخمود النيران ورؤيا المويذان، رأي إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها، عبد المسيح إذا كثرت التلاوة وظهر صاحب الهراوة يعنى السيف وخمدت نار فارس وغاضت بحيرة ساوة وغاض وادي السماوة فليس الشام لسطيح شاما يملك منهم مليك وملكات على عدد الشرفات وكل ما هو آت. ثم مات سطيح مكانه. قالوا وكان أقصى ملكهم عشرة رجال وامرأتين فنقص عن عدد الشرفات ولعله أخطأ في النقل وقد فتحت بلادهم على يد عمر ﵁ وذلك بدعائه ﷺ أن يمزقوا كل ممزق فلم يكن ملك للفرس بعد هذا كله، ذكره الإمام السنوسي في شرح وسطاه وسطيح بفتح فكسر كاهن بنى ذؤيب من غسان بفتح معجمة وتشديد مهملة لم يكن في بدنه عظم سوى رأسه وزعم الكلبي أنه عاش ثلاث مائة سنة وأنه خرج مع الأزد أيام سيل العرم قاله ابن سلطان. وفي الحلة السيرا أن اسمه ربيع بن
стр. 69
ربيعة بن عدي بن مازن بن ذؤيب وأنه له رأس وكفان ويطوى طي الثوب من ترقوته إلى رجله. اهـ.
وقوله والقطن في القاموس، القطن محركة ما بين الوركين والسماوة بفتح السين المهملة وتخفيف الميم مفازة بين الشام والكوفة.
تنبيه:
لم يذكر القسطلاني ولا الزرقاني أن ملوك الفرس نقصوا عن اربعة عشر عدد الشرفات كما قال السنوسي بل ظاهره هما خلافه ونص المواهب وقد ملك منهم عشرة أربع سنين وملك الباقون إلى خلافة عثمان اهـ. وآخر ملكهم يزدجرد قتل في أول خلافة عثمان قاله السهيلي انظر الزرقاني، (والأصنام* تنكست) أي سقطت على وجوهها ليلة ولادته ﷺ (فما لها قيام) أي انتصاب والأصنام جمع صنم بالتحريك، قال في القاموس الصنم محركة الوثن يعبد، وقال الوثن محركة الصنم، اهـ، وقال اليوسي في حاشية الكبرى الصنم والوثن شيء واحد هكذا في الصحاح والقاموس وفرق ابن التلمساني بينهما بأن الصنم ما له صورة جعلت تمثالا والوثن ما لا صورة له وقال السهيلي في الروض يقال لكم صنم من حجر أو غيره صنم ولا يقال وثن إلا لما كان من غير صخرة كالنحاس ونحوه اهـ، فيكون الصنم أعم على هذا والله تعالى أعلم. اهـ. كلامه.
وللإمام الشقراطي:
(ضاءت لمولده الآفاق واتصلت ... بشرى الهواتف في الإشراق والطفل)
(وصرح كسرى تداعى من قواعده ... وانقض منكسر الرجان ذا ميل)
(ونار فارس لم توقد وما خمدت ... مذ ألف عام ونهر القوم لم يسل)
(خرت لمبعثه الأوثان وانبعثت ... ثواقب الشهب ترمي الجن بالشعل)
قوله وانقض بمهملة سقط من اصله وبمعجمة أسرع سقوطه، ونار فارس أي التى كانوا يبعدونها وكان لبيوتها سدنة ينتابون إيقادها فلم يخمد لها لهب في ليل ولا نهار إلى ليلة مولده ﵇. وقوله لم
стр. 70
توقد أي كأنها لم توقد تلك الليلة مع تعاطيهم إيقادها بل خمدت، قاله الشيخ محمد بن عبد الباقي ومن عجائب ولادته أيضا انه ﷺ لما ولد قال في أذنه رضوان خازن الجنان أبشر يا محمد فما بقي لنبي علم إلا وقد أعطيته، فأنت أكثرهم علما وأشجعهم، اهـ من المواهب.
تنبيه:
إنما فسرت قوله وخرس الملوك بما مر لأني لم أر ممن تعرض لعجائب ولادته ﵊ من ذكر ذلك وإنما رأيته في الحمل به. ففي المواهب عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال كان من دلالة حمل آمنة برسول الله ﷺ ان كل دابة لقريش نطقت تلك الليلة وقالت حمل برسول الله ﷺ ورب الكعبة وهو إمام الدنيا وسراج أهلها ولم يبق سرير لملك من ملوك الدنيا إلا أصبح منكوسا. قال الزرقاني بأن صار أعلاه أسفله، قال الزرقاني وفي الخميس وكلت الملوك حتى لم يقدروا في ذلك اليوم على التكلم وفرت وحوش المشرق إلى وحوش المغرب وكذلك أهل البحار يبشر بعضهم بعضا أن ابشروا فقد آن أن يظهر أبو القاسم ﷺ اهـ. وقد مر بعضه ويحتمل أن هذا هو الذى أشار له الناظم لقرب زمن الولادة من زمن الحمل ويصح ان ذلك وقع لهم أيضا عند الولادة والله تعالى أعلم. (بيان) خبر مبتدء محذوف وكذا كل ما فيه من لفظ بيان أي هذا بيان (موت والد المختار) ﷺ (و) بيان (كم له كان من الأظار) أي يذكر في هذه الأبيات موت أعز فتى في قريش وأفضله وأجمله وهو عبد الله الشريف ابن شيخ البطحاء عبد المطلب وهو والد المختار المفضل على جميع الأولين والاخرين عليه أفضل صلاة المصلين وأزكى سلام المسلمين ويذكر فيها أيضا عدد ما كان له ﷺ من الأظار جمع ظئر بالكسر وهي العاطفة على ولد غيرها المرضعة له، فقوله وكم عطف على موت كما قررت فهو مجرور بإضافة
стр. 71
كم إليه ولا يعمل في كم متقدم عليها إلا مضاف أو حرف جر وقد ذكر العلماء أن مرضعاته ﷺ عشر: أمه آمنة أرضعته تسعة أيام وقيل ثلاثة أيام وقيل سبعة أيام وما وقع لبعضهم من سبعة أشهر وهم وهي أول من أرضعه وما رواه ابن سعد من أن اول من أرضعته ثوبية فالأولية نسبية ثم بعد أمه الكريمة ثوبية أرضعته أياما قلائل قبل قدوم حليمة وأرضعت قبله حمزة وبعده أبا سلمة المخزومي وحليمة السعدية التى فازت بجناية سعدها منه قاله ابن الجوزي وابن المنذري وعياض وغيرهم وخولة بنت المنذر بن زيد أم بردة الأنصارية وامرأة من بنى سعد غير حليمة أرضعته عند حليمة وأم أيمن ذكرها القرطبي والمشهور أنها من الحواضن لا من المراضع وأم فروة ذكرها المستغفري وثلاث نسوة من سليم، قال في الاستيعاب مر به ﷺ على نسوة أبكار من سليم فأخرجن ثديهن فوضعنها في فيه فدرت قال بعضهم ولذا قال: «أنا ابن العواتك من سليم» اهـ. لكن قال السهيلي عاتكة بنت هلال أم عبد مناف عمة عاتكة بنت مرة أم هاشم وعاتكة بنت الأوقص أم وهب جده ﷺ لأمه ثلاث عواتك ولدنه ﷺ ولذا قال أنا ابن العواتك من سليم وقيل في تأويل هذا الحديث أن ثلاث نسوة من بنى سليم أرضعنه كل تسمى عاتكة والأول أصح نقله الزرقاني. (ومات عبد الله) بن عبد المطلب، والده ﵇، (وهو حمل) جملة حالية والحال ان المصطفى ﷺ حمل في بطن أمه الكريمة وقد مضى لها شهران من حملها على ما صدر به في المواهب وقيل قبل ولادته بشهرين وكونه توفي عنها وهي حامل قول ابن اسحاق وخالفه كثير من الفقهاء فقالوا إن النبي ﷺ كان في المهد حين توفي أبوه قيل ابن شهرين وقيل أكثر من ذلك قاله الكلاعي والقول بأنه كان في المهد قال السهيلي هو قول أكثر العلماء واحتج له بقول عبد المطلب لأبي طالب:
أوصيك يا عبد مناف بعدي ... بمئتم بعد أبيه فرد فارقه وهو ضجيع المهد. اهـ.
стр. 72
والمهد ما يمهد للصبي ليربى عليه من مهدت له المكان أي وطأته له ولينته قاله الزرقاني. وقال في المواهب قيل توفي عنه وهو ابن شهرين وقيل ابن سبعة اشهر وقيل ابن ثمانية وعشرين شهرا والراجح المشهور الأول اهـ. يعنى أن كون عبد الله مات وهو حمل رجحه الواقدي وابن كثير والبلاذري وابن سعد والذهبي والحجة لهم ما في المستدرك عن قس بن مخرمة، قال توفي أبو النبي ﷺ وأمه حبلى به قال الحاكم صحيح على شرط مسلم، قاله محمد بن عبد الباقي وكان عبد الله قد خرج تاجرا مع قريش فرجع من غزة ضعيفا فمروا بالمدينة فتخلف مريضا عند أخواله أي أخوال أبيه بنى عدي بن النجار فأقام عندهم مريضا شهرا فلما قدم أصحابه مكة سألهم عبد المطلب عنه فقالوا خلفناه مريضا فبعث إليه أخاه الحارث وقال ابن الأثير الزبير فوجده قد توفي بالمدينة ودفن بها في دار التابعة بفوقية فموحدة فعين مهملة كما في الزهر الباسم وهو رجل من بنى عدي بن النجار وقيل دفن بالابواء وقالت آمنة زوجته ترثيه:
(عفا جانب البطحاء من ال هاشم ... وجاور لحدا خارجا في الغماغم)
(دعته المنايا دعوة فأجابها ... وما تركت في الناس مثل ابن هاشم)
(عشية راحوا يحملون سريره ... تعاوره أصحابه في التزاحم)
(فإن تلك غالته المنون وريبها ... فقد كان معطاء كثير التراحم)
جعلت خلوها منه خلوا من ال هاشم مبالغة لعدم قيام غيره منهم مقامه فقولها وجاور لحدا إلخ .. الغماغم بغينين معجمتين وميمين أي الأغطية والمراد بها الأكفان التى لف فيها والمجرور حال وقولها خارجا صفة للحد فكأنها قالت وجاور حال كونه مدرجا في أكفانه لحدا بعيدا عن أماكن أهله ومعنى تعاوره إلخ .. أي تداوله أصحابه مع التزاحم عليه ففي بمعنى مع وريب المنون أسبابها المؤدية لها وعبر بأن التى هي للشك لاستبعاد وقوع الموت به استعظاما له وجواب الشرط محذوف أي أسف الناس عليه لأنه كان معطاء الخ .. فالفاء للتعليل انظر الزرقاني وروي أنه لما توفي عبد الله قالت الملائكة يا إلهنا وسيدنا بقي نبيك
стр. 73
يتيما فقال الله تعالى أنا له حافظ ونصير وقيل لجعفر الصادق لقب بذلك لأنه ما كذب قط لم يتم النبي ﷺ قال لئلا يكون عليه حق لمخلوق ويتم بكسر التاء كما اقتصر عليه الجوهري وزاد المجد فتحها والمصباح ضمها قاله الزرقاني (وكم حوت من شرف هذيل) فاعل حوت يقال حواه واحتوى عليه جمعه وأحرزه وكم تكثيرية مفعول حوت والشرف العلو (لما غدت) أي صارت (بنتهم السعدية) نسبة إلى جدها وخبر عدت قوله (من أمهات) جمع أم وأمهة والأكثر في جمع العاقل أمهات ويقال أمهات (أشرف البرية) أي أفضل الخلق كلهم ﷺ . وقول الناظم ﵀: وكم حوت من شرف هذيل إلخ .. سبق لسان بلا شك لأن هذيلا بن مدركة كما هو معلوم وكون مرضعته ﷺ حليمة من بنى سعد بن بكر بن هوازن أظهر من أن يستدل عليه وهوازن أخو منصور والد سليم وهما ابنا عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر وكأنه غره أن في هذيل قبيلة يقال لها بنو سعد منهم عبد الله بن مسعود ﵁ وهي مماثلة في الاسم لبنى سعد بن بكر ولما سبى رسول الله ﷺ هوازن قالوا له يا رسول الله إنما في الحظائر عماتك وخالاتك كن يكفلنك ولو أنا أرضعنا الحارث بن أبي شمر أو النعمان بن المنذر ثم أنزل بنا مثل ما أنزلت بنا رجونا عطفه وأنت خير المكفولين، فخيرهم رسول الله ﷺ بين سباياهم وأموالهم فاختاروا السبي فرده عليهم وهي حليمة بنت أبي ذؤيب مصغرا واسمه عبد الله بن الحارث بن شجنة بكسر الشين المعجمة فجيم ساكنة فنون فهاء تأنيث هكذا في النور وفي الشامية بشين مهملة ابن جابر بن رزام بكسر الراء ثم زاي فألف فميم ابن ناصر بن سعد بن بكر بن هوازن هكذا في الاستيعاب وقيل غير ذلك قاله في شرح المواهب وفي الحلة السيرا أما بنو سعد بن بكر بن هوازن فهم أظاره ﷺ منهم حليمة بنت أبي ذؤيب واسمه الحارث بن عبد الله بن شحته بن قاصرة بن فصية بالفاء تصغير فصاة وهي النواة أو حب الزبيب ويروى قصية
стр. 74
بالقاف بن نصر بن سعد بن بكر والصحيح أنها أسلمت وأسلم زوجها أيضا وأسلمت بنتها الشيماء أو الشماء اهـ. المراد منه.
وفي الزرقاني في موضع آخر قيل بنت عبد الله بن الحارث وقيل بنت الحارث بن عبد الله إلخ .. وقال في الشفا لما جيء بأخته ومن الرضاعة الشيماء أو الشماء في سبايا هوازن بسط لها رداءه اهـ. وهي بفتح الشين المعجمة وسكون التحتية أو بلا ياء وهي ممدوده، قال الحجازي أسلم أبوها الحارث بمكة وأسلمت هي واسمها جدامة بجيم مضمومة فمهملة فألف فميم وقيل خذافة بمعجمة مكسورة وذال معجمة وبفاء وقيل بميم وقال الحلبي الشيماء فيها قولان هل هي بنت حليمة أو اختها اهـ. قيل انها فازت هي وأبواها يعنى أباها وأمها حليمة وقال الحافظ الدمياطي لا يعرف لحليمة صحبة ولا إسلام والمرأة التى بسط لها رسول الله ﷺ أختها الشيماء وروى ابن عبد البر أن حليمة جاءت النبي ﷺ يوم حنين فقام لها وبسط لها رداءه وفي سيرة مغلطاي وصحيح ابن حبان وغيره ما يدل على إسلامها اهـ. من شرح ابن سلطان.
وفي الزرقاني ان ابن أبي خثيمة وابن عبد البر وابن الجوزي وابن المنذر والحافظ وابن حجر وغيرهم قد ذكروا حليمة في الصحابة قال وحسبك بهذا حجة قال وقول ابن كثير لم تدرك البعثة رده الحافظ بأن عبد الله بن جعفر حدث عنها عند أبي يعلى والطبراني وابن حبان وهو إنما ولد بعد البعثة وزعم أبي حيان النحوي أنها لم تسلم مردود فقد ألف مغلطاي فيها جزءا سماه التحفة الجسيمة في إثبات اسلام حليمة وارتضاه علماء عصره.
فأما أبو حيان فليس من فرسان هذا الميدان يذهب إلى زيده وعمره اهـ. كلامه.
وقد ذكروا انه لما ولد رسول الله ﷺ قيل من يكفل هذه الدرة اليتيمة التى لا يوجد لمثلها قيمة قال الطيور نحن نكلفه
стр. 75
ونغتنم خدمته العظيمة وقالت حيوانات البر نحن أولى بذلك منكم، ننال شرفه وتعظيمه، فنادى لسان القدرة أن يا جميع المخلوقات ان الله كتب في سابق حكمته القديمة أن نبيه الكريم يكون رضيعا لحليمة الحليمة وذكر العزفي أن عبد المطلب وقت دخول حليمة سمع هاتفا يقول:
إن ابن آمنة الأمين محمدا ... خير الأنام وخيرة الأخيار
ما إن له غير الحليمة مرضع ... نعم الأمينه هي على الأبرار
مأمونة من كل عيب فاحش ... ونقية الأثواب والأزرار
لا تسلمنه إلى سواها إنه ... أمر وحكم جا من الجبار
وذكر ابن الطراح ومغلطاي والحافظ وأبو المظفر ان حليمة كانت ترقص النبي ﷺ وهي تقول:
يارب إذا أعطيته فأبقه ... وأعله إلى العلا ورقه
(وفي رواية وأرقه) وادحض أباطيل العدى بحقه ( ... )
وقوله وادحض بكسر الحاء حذفت همزته للضرورة أي أذل، وذكر ان الشيماء أخته من الرضاعة كانت تحضنه وتقول:
(هذا أخ لم تلده أمي ... وليس من نسل أبي وعمي)
(فديته من مخول معمي ... فأنمه اللهم فيما تنمي)
رجل مخول معم أي كريم الأخوال والأعمام بكسر الواو والعين وفتحها ومنع الأصمعي الكسر وقال كلام العرب الفتح وقولها فأنمه اللهم من إطلاق السبب وإرادة المسبب، فالكثرة يلزمها القوة فكأنها قالت قوه فيمن قويت وزد رفعته أو بحذف مضاف أي اتم أتباعه. وقالت الشيماء أيضا:
ياربنا أبق أخي محمدا ... حتى أراه يافعا وأمردا
ثم أراه سيدا مسودا ... واكبت أعاديه معا والحسدا
وأعطه عزا يدوم أبدا
قال الأزدي ما أحسن ما أجاب الله دعاءها يعنى لرؤيتها إياه بجميع
следующие страницы →