← Сира

Сира · id 145166

نزهة الأفكار في شرح قرة الأبصار

عبد القادر المجلسي

Полный текст (927 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

نزهة الأفكار في شرح قرة الأبصار تأليف الشيخ الإمام المجدد عبد القادر بن محمد بن محمد سالم المجلسي الشنقيطي المالكي الأشعري المتوفى سنة ١٣٣٧ هـ شرح به النظم المسمى قرة الأبصار في سيرة النبي المختار للشيخ عبد العزيز اللمطي المالكي الأشعري حققه وصححه جماعة من ذوي المؤلف

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلى الله تعالى وسلم على محمد نبيه الكريم صلاة نستجير بها من عذاب الجحيم وتنال بها في الدارين نحن وأحبتنا أرفع التكريم بجاه من قال توسلوا بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم. الحمد لله الذى من علينا بجزيل الانعام وأتحفنا بما لا نطيق شكره من أياديه الجسام وتفضل علينا بالتوفيق لأجل نعمائه فآمنا به وبكتبه وملائكته وجميع أنبيائه وخصنا بخيرته من خلقه ونخبته من أصفيائه. ومن يكون آدم فمن دونه من الأنبياء في القيامة تحت لوائه أرسله إلى كافة الثقلين بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا وجعله للمقربين إماما وللأنبياء والمرسلين ختاما ولما به صلاح العباد في الدارين قواما ونظاما وخصه بالشفاعة الكبرى في الموقف الهائل حين تبرأ منها أكابر الرسل الأماثل صلى الله تعالى وسلم عليه وعليهم وعلى آله وأزواجه وأصحابه الأخيار ما همعت ديم معارفه على قلوب الأبرار وما تغنى الحمام بالأسحار وما دام النظر في سيره وشمائله قرة للأبصار وروضة تنزه للأفكار وعدد ما وصل إلى العباد من المواهب في هذه الدار وما يصل إليهم في تلك الدار وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا نظير وأن محمدا عبده ورسوله شهادة عبد معترف بالتقصير ونتوسل إلى ربنا اللطيف القدير أن يثبتنا عليها في الحياة الدنيا وبعد الممات وأن يبدل بمحض فضله وكرمه سيائتنا حسنات، إنه جواد كريم ورؤوف رحيم، له الفضل العظيم والطول العميم. أما بعد فيقول العبد الفقير إلى رحمة مولاه الحليم الكبير المجلسي المالكي الأشعري عبد القادر بن محمد بن محمد سالم بن محمد سعيد بن عمر بن أبي السيد بن أبي بكر بن علي بن يمغدش ومعناه بالعربية السالم بن وديعة الله بن عبد الله بن أحمد بن يفت، ومعناه أخيار بن

стр. 3

يدر ومعناه بإعجام الدال الحسن وبإهمالها يعيش بن إبراهيم الأموي، وإبراهيم هذا يقال والله أعلم انه من ولد عمر بن عبد العزيز، لا يخفى أن الإشتغال بالعلوم من أشرف المكاسب والاعتناء بها من أفضل المراتب وشرف كل علم إنما هو بحسب شرف المعلوم فلهذا كان الإهتمام بعلم السيرة النبوية فضله عظيم وخطبه جسيم لأنه هو الكفيل ببيان أحوال نبينا العلية وأطواره الشريفة الزكية من لدن كان في بطن آمنة الشريفة حملا إلى انتقاله إلى دار كرامته ولحوقه بالرفيق الأعلى صلى الله تعالى عليه وسلم وشرف وكرم ومجد وعظم ولذا كان من أشرف العلوم قدرا وأرفعها منزلة وأطيبها ذكرا، فاليه ترتاح الأنفس والطباع وبه تلتذ الأفواه وتتشنف الأسماع وبرسمه ترشح المحابر والأقلام وباشادة ما اشتمل عليه تفرح الليالى واليام، فهو حديث لا يمل منه، يا ليتنا لم نله قط عنه، وقد اعتنى بالتأليف فيه من أهل الإسلام كثير من الأكابر الأجلة الأعلام فتبوؤوا من المجد السنام وحازوا من الشرف أعلى مقام وقربوا في تآليفهم للأنام ما كان من السيرة صعب المرام ما بين منثور يروق عند العيان ومنظوم يزري بالدر على نحور الخرد الحسان، جزاهم الله تعالى عنا أحسن الجزاء ومن علينا وعليهم بالعفو والإرضاء، ومن أجمع ما رأينا فيه كتاب "المواهب" وشرح الزرقاني عليه وفيه أنشد لسان الحال ما صدق المقال: (هذا كتاب لو يباع بوزنه ... ذهبا لكان البائع المغبون) ومن أشهر المختصرات المؤلفة فيه في هذه الأقطار النظم المسمى ب: "قرة الأبصار" فقد تداولته الكبار والصغار وهو كتاب قد طابق منه الإسم المسمى، فكم احتوى عليه من أخبار صاحب العز الأحمى والقدر المنيف الأسمى عليه أفضل السلام وأعلاه وأزكى الثناء وأعذبه وأحلاه، لكنه في هذه الناحية لا شرح له يحل رموزه ويفتح ألفاظه ويبرز كنوزه فحملني التطفل على الدخول في خدمة هذا الجناب العالي والانتماء إلى ظل حماه المتعالي على أن صرفت قصدي إلى شرح هذا الكتاب فشرحته بعون الملك الوهاب شرحا يبين ألفاظه لمن يتعاطاه من

стр. 4

الطلاب وذكرت فيه الغزوات النبوية وجل ما اطعلت عليه من بعث وسرية ولم آل جهدا في تبيين ما يحتاج إليه من البيان لكن من هو مثلي عرضة للذهول والنسيان وسميته "نزهة الأفكار في شرح قرة الأبصار" وإلى الله تعالى الضراعة في أن يجعله لوجهه الكريم وأن يحمينا نحن وأحبتنا من عذاب الجحيم وأن ينيلنا بمحض فضله رفيع الدرجات وأن يحلنا من الفردوس أعالي الغرفات. وجعلت اعتمادي في هذا الشرح على الزرقاني وشروحه وسيرة العراقي وشرح المناوي عليها وعيون الأثر وغير ذلك وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. قال الناظم رحمه الله تعالى وهو الشيخ العابد الحافظ الفائق لأقرانه عبد العزيز اللمطي نسبا المالكي مذهبا الأشعري اعتقادا المدني دارا وقد ألف كتابه هذا في بيت عائشة رضي الله تعالى عنها، كذا قاله شارح لهذا النظم رأيته ولم يعرف بنفسه والله تعالى أعلم.

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الكلام على البسملة هنا من ثمانية أوجه: معنى مفرداتها ومعنى تركيبها وإعرابها وسبب الإبتداء بها وحكمها وفضلها وقرآنيتها وكتابتها وأذكر جميعها إن شاء الله تعالى على طريق الاختصار وبالله تعالى التوفيق. أما معنى مفرداتها فالباء يصح أنها للمصاحبة والمصطحبان هما العمل المبدو بها أو البادي ومدخول الباء والمراد منها التبرك والتبرك منسحب على جميع العمل فكأن المبتدئ بها يقول أفعل كذا متبركا فيه ببسم الله ويصح أن الباء للاستعانة وباء الاستعانة هي الداخلة على آلة الفعل، فكأن باسم الله هي الواسطة في حصول الفعل ببركة الإسم الشريفة فعآل المعنيين هنا واحد وقيل الباء للالصاق وقيل للاستعلاء المجازي والإسم هو اللفظ الدال بالوضع على معنى ما فيتناول الإسم النحوي وقسيميه وقوله تعالى وعلم آدم الأسماء كلها يعم جميع ذلك وهو هنا اسم جنيس أضيف إلى معرفة فيعم جميع أسماء الله تعالى فالتبرك بجيع الأسماء. والله علم خاص بالذات الموصوفة بكل كمال المنزهة عن كل ما يتصف به الحوادث والأكثر على أنه غير مشتق وعلى أنه مشتق قال الإمام السنوسي الأقرب أنه مشتق من أله بالمكان إذا أقام به. قال: (ألهنا بدار لا تبين رسومها ... كأن بقاياها وشام على اليد) وقيل مشتق من أله إلهة كعبد عبادة وزنا ومعنى فإله بمعنى مالوه أي معبود وقيل من لاه بمعنى ارتفع ومنه قيل للشمس إلهة، قال: (تروحنا من اللهباء قسرا ... واعجلنا الإلهة أن تغيبا) أو بمعنى احتجب، ومنه: (لاهت فما عرفت يوما بخارجة ... يا ليتها برزت حتى عرفناها) وقيل من وله غذا تحير لأنه تتحير في عظمته العقول ومذهب سيبويه أنه هو أعرف المعارف وحكي أنه ريئ في النوم فأخبر ان الله

стр. 6

فعل به خيرا كثيرا لقوله إنه هو أعرف المعارف والرحمن هو المنعم بالنعم التى لا تدخل تحت كسب العباد كبعث الرسل والرحيم المنعم بالنعم التى تدخل تحت كسبهم وغيرها فهو أعم من الرحمن على هذا ولهذا صح إطلاقه على غيره تعالى. أو الرحمن ذو الرحمة العامة في الدنيا على جميع الخلق والرحيم ذو الرحمة الخاصة بالمؤمنين في الآخرة أو الرحمن المنعم بجلائل النعم كمية وكيفية والرحيم المنعم بدقائقها كمية وكيفية وأخر عن الرحمن لاختصاص الرحمن به تعالى وأما معنى تركيبها فاعلم أنها نقلت من الخبر إلى الإنشاء في لإنشاء التبرك لأنه يحصل عند النطق بها واما اعرابها فالمجرور متعلق بمحذوف والمختار كونه فعلا ويقدر مؤخرا ليدل على الحصر والرد على الكفار في ابتدائهم بأسماء آلهتهم خاصا كأولف هنا لا عاما كأبدأ والعمل المشروع فيه يعين العامل المحذوف فكل فاعل يمر أي يقدر في ضميره عاملا مناسبا لما شرع فيه من أكل أو قراءة مثلا، وقيل المجرور خبر مبتدء محذوف واسم الجلالة مضاف إليه وليست إضافته بيانية لأن المقصود من الأول الأسماء ومن الثاني الذات ولذا وصف بما بعده على طريق النعت أو البيان أو البدل وقيل الأول بدل من الجلالة والرحيم نعت للرحمن. وأما سبب الابتداء بها فالاقتداء بالقرآن العظيم وسنة نبيه الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم وقد أجمع علماء كل أمة أن الله افتتح كل كتاب بها وكان صلى الله تعالى عليه وسلم يبدأ بها في رسائله وكان أولا يكتب باسمك اللهم حتى نزلت باسم الله مجريها فكتب بسم الله فلما نزل قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن كتب بسم الله الرحمن فلما نزلت بجملتها في سورة النمل كتبها. وفي الحديث: "كل امر ذي بال لا يبدأ فيه ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أقطع" وفي رواية "أبتر"، وفي رواية "أجذم" أي ناقص البركة وإن تم حسا، وأما حكمها فتجب مرة في العمر وتسن في الأكل والشرب وتندب في سوى ذلك مما تشرع فيه وتكره في المحرم والمكروه وقيل تحرم في

стр. 7

المحرم، وذكر غير واحد أنها تجب في الذكاة، وقال الأمير: ان الواجب في الذكاة مطلق ذكر اسم الله تعالى ومما تشرع فيه: الشعر المحتوي على علم أو وعظ أو مدحه ﷺ . فائدة: نظم بعضهم ما يج مرة في العمر من الكلام فقال: (هاك جميع ما من القول يجب ... في العمر مرة وما زاد استحب) (بسملة حمدلة والهيلله ... استغفر الله كذا والحوقله) (والحكم في التسبيح والتكبير ... كذا وتعويذ بذي التقدير) (ثم الصلاة معها السلام ... على الذي اقتدى به الأنام) وأما فضلها فصحح الحاكم أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "من قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كتب الله له بكل حرف أربعة آلاف حسنة محى عنه أربعة آلاف سيئة ورفع له أربعة آلاف درجة". وقال: "من قال بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم صرف الله عنه سبعين بابا من البلاء أدناها الهم والغم واللمم". وقال: "ستر ما بينكم وبين الجن أن تقولوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ". وقال: "خير الناس وخير من مشى على الأرض المعلمون كلما خلق الدين جددوه أعطوهم ولا تستأجروهم فإن المعلم إذا قال للمعلم قل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فقالها كتب الله للصبي ولوالديه وللمعلم براءة من النار". وأما قرآنيتها فمذهبنا أنها ليست من القرآن وإنما هي رقية تنزل مع كل نبي وتتفع معه إلا نبينا محمدا ﷺ بقيت رحمة لأمته. ومذهب الشافعي أنها آية ن الفاتحة فمن تركها بطلت صلاته. وقيل آية من كل سورة وقيل بعض آية ن كل سورة وقيل آية في الفاتحة وجزء آية في غيرها وقيل بالعكس وقيل آية فذة. ومحل الخلاف في غير التى في "النمل" وأما هي فلا خلاف أنها من القرآن. وأما كتابتها فعن معاوية أنه ﷺ قال: "ألق الدواة

стр. 8

وحرف القلم وأقم الباء وفرق السين ولا تعور الميم وحسن الله ومد الرحمن وجود الرحيم وضع قلمك على أذنك اليسرى فإنه أذكر لك" اهـ يقال لاق الدواة ثلاثيا كباع وألاقها رباعيا أصلحها فلاقت هي أي صلحت والمراد أن يلزق مدادها على صوفة ونحوها، وتحريف القلم جعل أحد شقيه أطول من الأخر قال بعضهم الأقصر هو الأيسر وهو الذى يلي الكاغد، وإقامة الباء جعلها غير منعطفة، وتفريق السين إبعادها من الميم أو تفريق رؤوسها، ومعني لا تعور الميم اتركها مفتوحة، ومعنى حسن الله، اكتبها بخط حسن وقلم حسن ومداد حسن، ومد الرحمن أن يمد بين الميم والنون، وتجويد الرحيم كتابتها كتابة جيدة. والباء ترسم قدر نصف الألف فالقدر الذى جرى عرفك في كتابة الألف اجعل الباء نصفه وحروفها الرسمية تسعة عشر عدد الزبانية فمن ذكرها نجا منهم. (الحمد لله الذى بأحمدا ... هدى إلى أقوم نهج من هدى) قوله الحمد لله مبتدأ وخبره، والذى نعت لله وهو موصول وصلته قوله هدى، ومن مفعوله، وبأحمدا يتعلق بهدى، وكذا إلى أقوم. ونهج بالتنوين مضاف إليه ما قبله ومعناه أن الوصف بكل كمال ثابت ومستحق لله تعالى الذى هدى أي أرشد من أراد هدايته إلى أقوم الطريق وهي طريق الإسلام بسبب نبينا أحمد صلى الله تعلى عليه وسلم. والنهج الطريق الواضح وهذا المعنى أخذه من قوله تعالى: ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾ وقوله تعالى: ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾. قال صاحب الأنوار: الهداية دلالة بلطف ولذلك تستعمل في الخير. وقوله تعالى: ﴿فاهدوهم إلى صراط الجحيم﴾ وارد على التهكم، وهداية الله تعالى تتنوع أنواعا: الأول إفاضة القوى التى يتمكن بها المرء من الاهتداء إلى مصالحه كالعقل والحواس، والثاني نصب الدلائل الفارقة بين الحق والباطل وإليه أشار تعالى حيث قال: ﴿وهديناه النجدين﴾ وقال: ﴿فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى﴾، والثالث الهداية بإرسال الرسل ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾، ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾. والمستقيم المستوي يعنى طريق الخير أو

стр. 9

الإسلام، والرابع كشف السرائر على القلوب وإراءة الأشياء كما هي بالوحي أو الإلهام. وهذا يختص به الأنبياء والأولياء وإياه عنى بقوله: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهديهم اقتده﴾ وقوله: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ نقله الزرقاني في شرح المواهب. فائدة: لم يتسم أحد بأحمد قبله، ﷺ قال ابن حجر: والمشهور أن أول من سمي به بعده، ﷺ ، والد الخليل بن أحمد لكن زعم الواقدي أنه كان لجعفر بن أبي طالب ابن اسمه أحمد وحكى ابن فتحون في ذيل الاستيعاب ان اسم أبي حفص بن المغيرة الصحابي أحمد، ويقال في والد أبي السفر إن اسمه أحمد. قال الترمذي: أبو السفر هو سعيد بن محمد ويقال ابن أحمد، اهـ من الزرقاني في موضع آخر. والحمد لغة هو الوصف بالجميل على الجميل الاختياري أو القديم، والوصف ذكر الصفة منسوبة الى المتصف بها فلا يكون إلا بالكلام، وبالجميل مخرج للوصف بالقبيح بذم وبما ليس جميلا ولا قبيحا كزيد تميمي غذا قصد مجرد الإعلام بنسبه، وعلى الجميل مخرج للوصف بالجميل لأجل قبيح كقولك للبخيل ما أجوده في مقام التهكم ومجموع الإختياري أو القديم مخرج للوصف برشاقة الخد. والحمد عرفا الثناء باللسان أو القلب أو غيرهما من الأركان بسبب ما أسدى إلى الحامد فالأول أخص موردا لأنه لا يكون إلا بالكلام وأعم متعلقا لأنه يكون في مقابلة نعمة وغيرها، والثاني أعم موردا لحصوله بالكلام وغيره وأخص متعلقا إذ لا يكون إلا في مقابلة نعمة فبينهما عموم وخصوص من وجه. (حمدا جديدا دائم البقاء) قوله حمدا منصوب بفعل محذوف أي أحمده حمدا، ولا يصح أن يعمل فيه قوله الحمد لأن المصدر لا يخبر عنه إلا بعد تمام معمولاته. وقوله جديدا أي طارئا بعد الحمد الأول مع أنه دائم البقاء والظاهر أن الحمد

стр. 10

الأول حمد منه لله تعالى لأنه يستحق الحمد لذاته والثاني حمد له لإنعامه فلا يتكرر مع الأول كما يرشد له قوله: (مكافيا) أي مساويا، (ترادف) أي تتابع، (الآلاء) أي النعم. فكلما تجددت لى نعمة منه تعالى تجدد مني حمد له تعالى. واعلم أن مقابلة الحمد لجميع النعم يعجز عنها الخلق غاية العجز لأن التوفيق للحمد نعمة جليلة تقتضي حمدا وهلم جرا .. قال: (لك الحمد مولانا على كل نعمة ... ومن جملة النعماء قولي لك الحمد) (فلا حمد إلا أن تمن بنعمة ... تعاليت لا يقوى على حمدك العبد) تنبيه: اختلف في تعيين الفاضل من الحمد، فقيل: الحمد لله بجميع محامده كلها ما علمت منها وما لم أعلم على جميع نعمه كلها ما علمت منها وما لم أعلم، وقيل: اللهم لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وقيل: الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده. قال الشيخ يوسف بن عمر وينبني على ذلك مسالة فقهية فيمن حلف ليحمدن الله تعالى بأفضل محامده، فمن أراد أن يخرج من الخلاف فليحمد بجميعها، اهـ نقله الحطاب. وأتى الناظم ﵀ بالحمدلة بعد البسملة اقتداء بالقرآن العظيم وعملا بقوله، ﷺ : "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم" أو قال: "أبتر" أو قال: "أجدع" أو قال: "أقطع" أي ناقص الشرف. (ثم الصلاة والسلام تترا ... على أجل المرسلين قدرا) أردف الحمد بالصلاة والسلام على من وصلت النعم المحمود عليها بواسطته، ﷺ ، امتثالا لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ وعملا بقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "كل أمر ذي بال لا يبدأ بذكر الله ثم بالصلاة علي فهو أقطع". والصلاة من الله تعالى انعامه، ومن العبد طلبه منه تعالى كانت على

стр. 11

نبي أو غيره، وكل ما ذكروه فيها يرجع إلى هذا، قاله في "نور البصر". وهي وإن كان معناها طلب الرحمة التى هي الانعام فيها معنى زائد عليه وهو التعظيم ولذلك اختلفوا في جواز الدعاء له ﷺ بالرحمة وإن كان الراجح جوازه. والسلام من الله تعالى انعامه بالسلامة، ومن العبد طلب ذلك منه تعالى قاله في "نور البصر" أيضا. والصلاة مبتدء والسلام عطف عليه وخبره المجرور بعده وتترا حال أي متتابعة فإن كانت ألفها للتأنيث فهي حال من الصلاة وإن كانت منونة، والألف فيها كالألف في زيدا من رأيت زيدا، فهي حال من السلام أو من كل منهما. وهذا كقوله تعالى: ﴿أرسلنا رسلنا تترا﴾ قال الخازن أي مترادفين يتبع بعضهم بعضا، وقال في "الضياء" تترا بلا تنوين للجمهور وبه لابن كثير وأبي عمرو أي متتابعين والتاء بدل من واو لأنه من المواترة وهي المتابعة بين الأشياء اهـ. وقال ابن جزي تترا مصدر وهو موضوع موضع الحال أي متواترين والتواتر التتابع اهـ. وقال في القاموس وجاؤوا تترا وينون وأصله وترا أي متتابعين وواتره مواترة ووتارا تابع أو لا تكون المواترة بين الأشياء إلا إذا وقعت بينهما فترة وإلا فهي مداركة ومواصفة اهـ. وقوله على أجل المرسلين قدرا أي أفضلهم منزلة عند الله تعالى. ولا شك أنه، ﷺ ، أفضل من جميع الرسل والملائكة وجميع الخلق اجماعا ولا يدخل في الخلاف الجاري في التفضيل بين الأنبياء والملائكة. قال السراج البلقيني: ولا تظن بأحد من أيمة المسلمين أنه يتوقف في أفضليته، ﷺ ، على جميع الملائكة وسائر الأنبياء ومن زعم أن هذا ليس مما كلفنا به فزعمه باطل بل هذا من مسائل أصول الدين الواجبة الاعتقاد على كل مكلف اهـ. نقله محمد الأيسي في شرحه للهمزية في البيت الأول. وكون هذا عقيدة نحوه للهيثمي عن الزركشي وغيره. وقال السنوسي في شرح الجزائري: أفضليته ﷺ على جميع المخلوقات تكاد أن تكون مما علم من الدين ضرورة وهو ﷺ خارج عن الخلاف في

стр. 12

التفضيل بين الأنبياء والملائكة اهـ. (وآله)، عطف على أجل، وآله الصحيح في مذهبنا أنهم بنو هاشم قيل وبنو المطلب وهو مذهب الشافعي، وقيل ما خرج من لؤي آل له، وهو قول أصبغ، وقيل ما خرج من غالب وقيل آله: أتباعه. قال الزرقاني في شرح المواهب: وفي انهم بنو هاشم أو والمطلب أو عترته وأهل بيته أو بنو غالب أو أتقياء أمته واختير في مقام الدعاء وأيد بأنه إذا اطلق شمل الصحب والتابعين لهم بإحسان أقوال اهـ منه. (وصحبه) اسم جمع صاحب، والصاحب في الأصل الملازم وفي العرف إذا أضيف له ﷺ كل من لقيه مؤمنا به وإن لم يلازمه لإسلام أبيه ومن ارتد منهم والعياذ بالله تعالى ثم أسلم عاد له اسم الصحابي على المرجح ولابد من كون اللقاء قبل الوفاة فيخرج من لقبه بعدها كأبي ذؤيب ولا يدخل الأنبياء الذين اجتمع بهم ليلة الإسراء ولا الملائكة لأن المراد الاجتماع على الوجه المتعارف. (ومن سلك سبيلهم) أي ذهب واتبع طريقهم، وسلك يتعدى بنفسه وقد يتعدى بالهمزة وعداه بعضهم بالباء، والسبيل والطريق والصراط ألفاظ مترادفة كلها تذكر وتؤنث. (ما دار) أي تقلب (نجم في فلك) والفلك جسم لطيف مستدير الشكل مشتمل على أجرام صقيلة نورانية تتحرك بتحركه دائما وتلك الأجرام هي الكواكب، والقمر في الفلك الذي يلينا وهو السماء الدنيا، والفلك الثاني السماء الثانية وهو العطارد والثالث وهو السماء الثالثة للزهرة كرطبة والرابع للشمس والخامس للمريخ وهو نجم الحمرة ويقال له كوكب الدم وكوكب النار للدلالة على ذلك في زعمهم والفلك السادس وهو السماء السادسة للمشتري والسابع لزحل اهـ. وكل ما يظهر من المنازل والكواكب في الفلك الثامن وهو فوق السماء السابعة بألف عام كما قال بعضهم وأصغرها أكبر من الأرض بمائتين وعشرين مرة كما في بعض شراح الرسالة، عند قوله ولا ينظر

стр. 13

فى النجوم إلا ما يستدل به على القبلة نقله ف شرح المقنع. ولبعضهم بيت نقله الحفني في شرح الجامع الصغير في ترتيب الدراري في الأفلاك وهو: (زحل اشترى مريخه من شمسه ... فتزاهرت لعطار الأقمار) ويسمى زحل كيوان والمقاتل والشيخ ويسمى المشتري البرجيس ويسمى عطارد بالكاتب وفي طوالع البيضاوي ممزوجا ببعض كلام الشيخ زكريا والأفلاك تسعة محيط بعضها ببعض الأول منها الفلك الأعظم وهو بلسان أهل الشرع العرش المجيد وهو الجسم المحيط بسائر الأجسام ويسمى الفلك الأطلس لكونه غير مكوكب وتحت الفلك الأعظم فلك الثوابت وسميت بذلك لبطء حركتها ثم بعده سبعة أفلاك: فلك زحل على الترتيب المار إلى أن وصل إلى فلك القمر وهو سماء الدنيا، اهـ. وقال العضد في المواقف ممزوجا ببعض كلام غيره المقصد الأول أن الحكماء زعموا أن الأفلاك تسعة: فلك الأفلاك وهو المسمى عندهم بالفلك الأطلسي لأنه غير مكوكب والمسمى بالعرش المجيد في لسان الشرع وتحته فلك الثوابت وهو الكرسي ثم فلك زحل إلى أن وصل إلى فلك القمر، قال وهو سماء الدنيا. اهـ. وفي الطوالع والمواقف أن الأفلاك شفافة لا لون لها إذ لو كانت ملونة لحجبت الأبصار عن رؤيتها ورؤية ما وراءها لأن كل ملون كذلك واللازم باطل ولم ير شيء من الكواكب فكذلك الملزوم اهـ ومقتضاهما أن الأفلاك السبعة هي السماوات وفي كلام بعضهم أنها أجسام لاصقة بالسماوات والله أعلم. وقال الزرقاني في شرح المواهب: ذهبت طائفة من أهل الكلام إلى أن العرش فلك مستدير من جميع جوانبه محيط بالعالم من كل جهة وربما سموه الفلك التاسع والفلك الأطلس قاله ابن كثير وليس يجيد لأنه قد ثبت في الشرع ان له قوائم تحمله الملائكة والفلك لا قوائم له وأيضا فالعرش في اللغة سرير الملك وليس فلكا والقرآن إنما نزل بلغة العرب

стр. 14

فهو سرير تحمله الملائكة كالقبة على العالم وهو سقف المخلوقات اهـ. تنبيهان: الأول: قال في المواهب اللدنية: قال الحليمي المقصود بالصلاة على النبي ﷺ التقرب إلى الله تعالى وقضاء بعض حق النبي ﷺ علينا وتبعه ابن عبد السلام فقال ليست صلاتنا على النبي ﷺ شفاعة له فإن مثلنا لا يشفع لمثله لكن الله تعالى أمرنا بمكافأة من أحسن إلينا فإن عجزنا عنها كافيناه بالدعاء، فأرشدنا الله لما علم من عجزنا عن مكافأة نبينا إلى الصلاة عليه ونحوه للشيخ المرجاني وقال ابن العربي: فائدة الصلاة عليه ترجع إلى المصلي عليه لدلالة ذلك على نصوص العقيدة وإظهار المحبة والاحترام للواسطة الكريمة ﷺ اهـ منه. ونقله العارف بالله أبو زيد الفاسي في حاشيته على كيمياء السعادة. الثاني: سئل الإمام السنوسي عن قول الفقهاء ان الصلاة على النبي ﷺ مقبولة قطعا هل هو صحيح أم لا؟ فأجاب: بأنه رأى ذلك منصوصا للإمام الشاطبي، قال وهو مشكل إذ لو قطع بقبولها لقطع للمصلي عليه بحسن الخاتمة، ثم أجاب بأن معنى القطع بالقبول أنه إذا ختم له بحسن الخاتمة وجد حسناتها مقبولة حتما بخلاف سائر الحسنات لا يوثق بقبوله ولو مات صاحبه على الإيمان ويحتمل أن قبولها إذا صدرت من صاحبها على وجه محبته له ﵇ فيقطع بانتفاعه بها في الآخرة، ولو في تخفيف العذاب إذا قضي عليه به. ولو على وجه الخلود لعظم موضع محبة أشرف الخلق. ألا ترى أن تخفيف العذاب عن أبي لهب يوم الاثنين لعتقه من بشرته بولادته ﵊ اهـ. وبحث اللمطي في هذا الجواب بأنه احتمال عقلي لا دليل عليه، لأن النصوص مصرحة بإحباط عمل الكافر. قال وأما أبو لهب فخرج بالنص فلا يقاس عليه.

стр. 15

(وبعد) ظرف زمان بنى لشبهة بحرف الجواب، كنعم في الاستغناء به عما بعده وعامله محذوف، أي وأقول بعد البسملة والحمدلة والصلاة على النبي ﷺ تنبه (فاعلم) أيها المخاطب أي تحقق؛ (ان خير) أي أفضل، (ما اقتفى) من العلوم أي اتبعه وتعلمه أو علمه وألف فيه؛ (ذو) أي صاحب؛ (همة) هي قوة الانبعاث في الشيء وطلبه بالصدق بقطع الشواغل عما سواه؛ (سيرة) خبر أن وهو مضاف لقوله (خير مقتفي) بصيغة اسم مفعول أي متبع وهو نبينا محمد ﷺ ؛ والسيرة بكسر السين هيأة السير وجمعها سير أي طريقته وهيأته وحالته ثم خصت بحاله في غزواته ونحوها نقله الشيخ محمد بن عبد الباقي في شرح المواهب ولا يخفى عظيم فضل الاهتمام بسيرته ﷺ لأن شرف كل علم بحسب شرف معلومه وهذا العلم هو الكفيل ببيان أحواله ﷺ العلية وأطواره الشريفة من لدن كان في بطن أمه إلى انتقاله إلى درا كرامته ولحوقه بالرفيق الأعلى ﷺ تسليما. (وها أنا) ها حرف تنبيه وأنا مبتدأ وخبره قوله (أذكر) أي أبين ويكثر استعمال ها التنبيه مع ضمير رفع منفصل بشرط أن يكون مرفوعا بالإبتداء بخلاف ما قام إلا أنا فلا تدخل على أنا ويشرط أن يخبر عنه باسم إشارة نحوها أنتم هؤلاء، وشذ قوله: أبا حكم ها أنت خصم مجادل قاله الدماميني واستعملها الناظم بدون اسم إشارة (في هذا الرجز) أحد البحور المعروفة يعنى نظمه هذا (من ذاك) أي من علم السيرة النبوية (ما) مفعول أذكر أي الذى (فيه) لمن حفظه وشرحه (سداد) بكسر السين وفتحها أي غنى وكفاية (من عوز) أي احتياج وعدم يعنى انه جمع في هذا النظم من علم السيرة ما يغني من تعلمه ويكفيه حتى لا يحتاج إلى غيره قال في المصباح السداد بالكسر ما تسد به القارورة وغيرها واختلف في سداد من عيش وسداد من عوز لما يرمق به العيش وتسد به الخلة فقال ابن السكيت والفارابي وتبعه الجوهري بالفتح

стр. 16

والكسر واقتصر الأكثر على الكسر منهم ابن قتيبة وثعلب والأزهري لأنه مستعار من سداد القارورة. اهـ من شرح الزرقاني للمواهب بلفظه. وفي القاموس وسداد من عوز وعيش لما يسد به الخلة قد يفتح أو يجر وإذا تأملته علمت أن قول مولاي إبراهيم في شرحه هو بكسر السين لا بالفتح مخالف لما مر وذكر في شرحه هنا أن المامون قال يوما بحضرة النضر بن شميل انه ﷺ قال: "ان الرجل إذا تزوج المرأة لدينها وجمالها كان فيه سداد من عوز" بفتح السين، فقال النضر بكسر السين، فقال له المامون أو تلحنني يا نضر؟ قال لا ولكن لحن هشيم الذى حدثك. فأجازه المامون بجائزة سنية وقال النضر سبحان الله كسرت سين أعطاني الله عليها كذا وكذا .. (لمبتغي التحصيل من أولي الهدى) المجرور متعلق بقوله سداد والمبتغى الطالب والتحصيل تمييز ما أراد حصوله ومعرفته وأولى الهدى أصحابه والهدى التوفيق، يعنى أنه يبين في هذا النظم من علم السيرة النبوية ما فيه الكفاية لمن يطلب معرفة ما يريد حصوله من أصحاب التوفيق حتى لا يحتاج إلى غير هذا النظم لكثرة ما جمع من مسائل هذا الفن إذ قد حضل له من هذا النظم ما يسد خلته ويغنيه من احتياجه. وفي القاموس العوز بالتحريك الحاجة عوز الشيء كفرح لم يوجد والرجل افتقر كأعوز. (عسى بنفعهم به أن أرشدا) هذا في المعنى بيان للسبب الحامل له على النظم فأفاد أنه إنما نظمه لأجل رجائه أن يرشد أي يوفق بسبب نفعه للناس بنشر العلم لكثرة ثواب من يعلم الناس الخير والنفع إيصال الخير ودفع الضر وأن أرشدا خبر عسى وبنفعهم معمول أرشدا وقدم على أن لأنه مجرور يتسع فيه ما لا يتسع في غيره كقوله: كان جزائي بالعصا أن أجلدا وفي القاموس رشد كنصر وفرح اهتدى وأرشده الله، والرشد الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه اهـ. (سميته) أي هذا النظم أي وضعت له هذا الاسم (بقرة الأبصار) جمع

стр. 17

بصر يقال قرت عينه تقر بالكسر والفتح قرة بالضم وقرورا أي سكنت وثبتت لأنها رأت ما كانت متشوفة إليه وأقر الله عينه، واسمها طابق مسماها، فإن من حصلها وفهم معناها تم مرامه وشفي غليله لكثرة ما حصل له من علم السير وسكن بصره فلم يتشوف إلى غيره (في سيرة المشفع المختار) أي طريقته وأحواله والمشفع من قبلت شفاعته والشفاعة لغة الضم ومنه الشفع ضد الوتر لأنه ضم واحد لآخر وكذا الشفعة لأنها ضم أحد الشريكين نصيب صاحبه إلى نصيبه هو والشفاعة ضمك للغير في جاهك قاله القرطبي في المفهم في شرح مسلم، والجاه الشرف ورفعة القدر، والمختار المفضل على جميع الخلائق يعنى بهذا نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا وملاذنا ووسيلتنا إلى ربنا محمدا ﷺ وشرف وكرم ومجد وعظم ولاشك أنه المنفرد بالشفاعة العظمى في الموقف الهائل حين ضاق بالخلائق الخناق واتهم البرآء أنفسهم وكشف عن ساق نسأل الله تعالى بمنه أن يميتنا على ملته ومحبته وأن يحشرنا في زمرته نحن وأحبتنا بجاهه العظيم فقد قال عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم: "توسلوا بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم" (مرتبا) حال من فاعل أذكر (له) أي لهذا الرجز (على الأبواب) جمع باب وهو في اللغة فرجة في ساتر يتوصل بها من داخل إلى خارج وبالعكس حقيقة في الذوات كباب الدار ومجازا في المعاني كما هنا فقوله بيان نسبة إلخ .. هو الباب الذى يتوصل منه إلى معرفة نسبه، ﷺ ، التى هي وراء الساتر الحائل دون معرفته والساتر هو الجهل فمن دخل من هذا الباب توصف إلى ما وراء ذلك الساتر، ورتب الناظم ﵀ مسائل السيرة النبوية على أحواله، ﷺ ، فذكر كل حال في باب معبرا عن الباب بالبيان لأن ذلك أيسر لمن أراد الوقوف على مسألة منه فإنه إذا كانت أبوابه مرتبة مذكورا كل نوع منها خاص في باب بإنفراده سهل طلب تلك المسألة على طالبها إذ لا يبحث عنها إلا في باب واحد بخلاف ما إذا كانت أنواع مسائله كلها مذكورة في باب واحد من غير ترتيب فإنه يعسر على الطالب الوقوف على تلك المسألة

стр. 18

التى يريد الوقوف عليها إذ لا يدري في أي موضع من الكتاب كما أشار له بقوله: (مقربا) حال أيضا ومفعوله قوله، (مقاصد الطلاب) والمقاصد جمع مقصد بكسر الصاد كما قاله الزرقاني على المواهب وهو الأمر الذي يقصد ولاطلاب جمع طالب يعنى أنه رتبه على أبواب فذكر كل نوع خاص في باب بعد باب آخر حال كونه مقربا أي مسهلا ما يقصده طلاب الوقوف على كل مسألة بانفرادها إذ لا يطلب إلا في باب نوعها الخاص بها، ولما ذكر أنه يذكر في هذا الرجز ما يسد خلة المحتاج إلى معرفة هذا العلم وأنه يرتبه على أبواب متعددة ليسهل طلبه على طالبه وكان مقصده ذلك لا قدرة له على اتمامه إلا بعون الله تعالى تبرأ من حوله وقوته تواضعا لله تعالى فقال سائلا منه تعالى أن يعينه على ذلك: (ومن ممد الكون في انعامه ... استوهب العون على اتمامه) المجرور معمول لقوله استوهب وقدمه لإفادة الحصر والامداد من معانيه الإعطاء ﴿أمدكم بأنعام وبنين﴾ ويعدى لمفعول ثان بالباء والناظم عداه بفي وعليه، ففي بمعنى الباء، ومن معانيه الإمهال وهو اللائق بفي. والله تعالى أعلم والكون المكون فهو يعم جميع الحوادث، والعون التقوية على الأمر ومعنى البيت عليه أنه يسأل العون على اتمام هذا الرجز على وفق مراده من الله تعالى لا من سواه فهو الذى امهل جميع الخلائق في انعامه أي أخرهم ولم يعاجلهم بالعقوبة مع كثرة الكفر والعصيان في إنسهم وجنهم وهذا استعطاف منه لله تعالى ليحصل له مراده، وممد اسم فاعل من أمده رباعيا ومعنى أستوهب العون أطلب منه أن يهبني أي يعطيني العون الله تعالى وفي هذا المعنى قال بعضهم: (إذا كان عون الله للمرء خادما ... تهيأ له من كل صعب مراده) (وإن لم يكن عون من الله للفتى ... فأول ما يجني عليه اجتهاده)

стр. 19

(والنفع للراوي وللمروي ... عنه بجاه المصطفى النبي) قوله والنفع بالنصب عطف على العون، أي ومن الله تعالى أسأل النفع لكل من روى شيئا من علم السيرة أي نقله ولكل مروري أي منقول عنه ممن تقدم أو تأخر فيدخل فيه الناظم ومن نقل هو عنه ومن نقل عن الناظم هذا النظم المحتوي على السيرة الغراء وهو دعاء عام بعد خاص وهو قوله أستوهب العون على اتمامه. وبدأ بنفسه لأنه ﷺ كان إذا دعى بدأ بنفسه، وقال تعالى حكاية عن نوح: ﴿رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات﴾ وفي الخبر: "الدعاء إذا عم نفع وإذا خص ارتفع" وتوسل في هذا المطلب بجاه أشرف الخلق ﷺ تسليما، والنفع إيصال الخير ودفع الضر والجاه الشرف ورفعه القدر، والمصطفى المخلص من الكدر، ولفظ النبي على وجهين في اللغة: مهموز وغير مهموز، فأما المهموز فيصح أنه بمعنى مفعل بصيغة اسم المفعول لأنه منبأ أي مخبر ويصح أنه من نبا بمعنى ارتفع ففي القاموس نبا الشيء يعنى بالهمزة بمعنى ارتفع ويصح أنه مأخوذ من النبيء بالهمز على وزنه وهو الطريق الواضح لأنه طريق إلى الله تعالى وأما غير المهموز فيصح أن أصله الهمز وترك الهمز وترك الهمز تسهيلا ويصح أن يكون واويا فيحتمل معنيين أحدهما أنه من النبوة وهي الارتفاع والثاني أنه من النبى على وزنه وهو الطريق أيضا قاله المحقق اليوسي في حواشي الكبرى (عليه) الضمير للنبي ﷺ (أزكى) أي أكثر وأفضل (صلوات البارئ) أي رحماته المقترنة بالتعظيم والإجلال والباري الخالق لجميع المخلوقات من برأ الله الخلق خلقهم (وآله وصحبه) تقدم قريبا تفسيرهما (الأبرار) أهل الصدق والطاعة والإحسان الذين اختارهم الله تعالى لصحبة خير خلقه ﷺ ، وفي الحديث: "إن الله اختار أصحابي على جميع العالمين سوى النبيئين والمرسلين واختار لى منهم أربعة أبا بكر وعمر وعثمان وعليا فجعلهم خير أصحابي وفي أصحابي

стр. 20

كلهم خير"، وفي الحديث: "مثل أصحابي مثل الملح في الطعام لا يصلح الطعام إلا به" وفيه: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" ذكرها في الشفا. تنبيهان: الأول: قال في الشفا عامة أهل العلم متفقون على جواز الصلاة غير النبي ﷺ قال شارحه ابن سلطان أي من سائر الأنبياء بل هي مستحبة لما روى البيهقي والخطيب مرفوعا صلو على أنبياء الله ورسله فإن الله بعثهم كما بعثني فيستحقون الصلاة كما استحقها اهـ وفي الشرح بعد هذا ما يفيد أنه لا خلاف في جواز الصلاة على غير الأنبياء تبعا وفي الشفا ان الذي ذهب إليه المحققو ما قاله مالك وسفيان وروي عن ابن عباس واختاره غير واحد من الفقهاء والمتكلمين أنه لا يصلى على غير الأنبياء قال شارحه المذكور أي افرادا وإنما تجوز اتباعا اهـ. الثاني: أتى الناظم بالصلاة عليه ﷺ عقب الدعاء لأن ذلك أرجى لإجباته ففي الحديث: "كل دعاء محجوب دون السماء فإذا جاءت الصلاة علي صعد الدعاء"، وعن عمر بن الخطاب ﵁ الدعاء والصلاة معلق بين السماء والأرض لا يصعد الى الله منه شيء حتى يصلى على النبي ﷺ ؛ وعن علي كرم الله تعالى وجهه عن النبي ﷺ بمعناه وقال وعلى آل محمد قاله في الشفا، وقوله الصلاة أي المفروضة والنافلة وقوله معلق أي كل منهما وقوله إلى الله أي محل قبوله أو مكان عرشه وقوله منه أي كل منهما وقوله إلى الله أي محل قبوله أو مكان عرشه وقوله منه أي مما ذكر قاله ابن سلطان. ولما فرغ من خطبة نظمه شرع في ذكر نسب هذه الدرة الشريفة والذات المطهرة المنفيفة لينجز ما بذكره وعد ويتمم من مرامه ما قصد فقال: (بيان نسبة النبي المصطفي ... صلى عليه ربنا وشرفا) قوله بيان خبر مبتدء محذوف والنسب محركة والنسبة بالكسر

стр. 21

والضم القرابة أو في الآباء خاصة قاله في القاموس أي هذا بيان نسب النبي ﷺ المجمع عليه إلى عدنان إذ بذكر نسبه يقع تمييزه عن غيره ويظهر شرفه على من سواه بانتقاله من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة وبالعكس وفي معالم التنزيل كان آدم يسمع من تخطيط أسارير جبهته نشيشا فقال يارب ما هذا فنودي يا آدم هذا تسبيح ولدك محمد مزج بمائك فيكون لك ولدا وأنت له أب فنعم الوالد ونعم المولود، ثم انتقل ذلك الجزء من صلب آدم إلى رحم حواء ومنها إلى صلب شئت ومنه إلى رحم قيصلة ومنها إلى صلب أنوش وهكذا كان ينتقل وكان يؤخذ في كل مرتبة عهد وميثاق على أن لا يوضع ذلك الجزء إلا في المطهرات اهـ نقله مولاي ابراهي في شرحه، والنشيش: الصوت. وقوله ﷺ تقدم معناه، وربنا مالكنا جميع الحوادث ومبلغنا إلى كمالنا شيئا فشيئا وأصل الرب مصدر يقال ربه ربا ورباه تربية وربيه تربيبا وربته ترتبيتا وربته ربتا أي بلغه إلى كماله شيئا فشيئا فمن الأول لئن يربني رجل من قريش أحب إلى من أن يربني رجل من هوازن، ومن الثاني: (ربيته حتى إذا تمعددا ... وآض نهدا كالحصان أجردا) ومن الثالث: (بيضا مرازبة غلبا أساورة ... أسدا تربب في الغيضات أشبالا) ومن الرابع: (ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بجمهور حزوى حيث ربتني أهلي) وقيل أصله راب فخفف بحذف الألف كما فعل في بر. وقوله وشرفا أي أعلاه والشرف العلو وهذا دعاء بلف الخبر وهو ﷺ أشرف الخلق نسبا وأعزهم نفرا من قبل أبيه وأمه فهو نخبه بنى هاشم خلاصة قريش وصميمها ولله در القائل: (قد أورث المجد عبد الله شيبة عن ... عمرو بن عبد مناف عن قصيهم) (فجاء فيهم بمن جال السماء ومن ... سمى على النجم في سامي بيوتهم) فالعرب خير أناس ثم خيرهم ... قريشهم وهو فيهم خيرهم)

стр. 22

(قوم إذا قيل من قالوا نبيكم ... منا فهل هذه تلفى لغيرهم) وفي الحديث: "إن الله اصطفى من ولد ابراهيم إسماعيل واصطفى من ولد إسماعيل بنى كنانة واصطفى من بنى كنانة قريشا واصطفى من قريش بنى هاشم واصطفاني من بنى هاشم". قال الترمذي حديث صحيح. وفي حديث الطبراني ان الله اختار خلقه فاختار منهم بنى آدم ثم اختار من بنى آدم العرب ثم اختارني من العرب فلم أزل خيارا من خيار. وقوله ان الله اختار خلقه أي ممن لو تعلقت بهم الإدارة ووجدوا كانوا دونهم في الفضل لكونهم لم يختاروا أي اختارهم ممن يقدر وجودهم فلا يراد أن الاختيار إنما يكون من شيء إذ لابد من مختار ومختار منه اهـ حرره الزرقاني في شرح المواهب وفي الحديث: "كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد" بمعنى أن ببوءته محكوم بها ظاهرة بين خلق روح آدم وخلق جسده حيث نبأه في عالم الأرواح وأطلعها على ذلك وأمرها بمعرفة نبوأته والاقرار بها فمن خصائصه ﷺ إلى خروجه من ظهر آدم قبل نفخ الروح ونبأه وأخذ عليه الميثاق قبل نفخ الروح في آدم إذ هو المقصود من خلق النوع الإنساني إذ لولاه ما خلق، انظر الزرقاني. ولبعضهم: (ألا بأبي من كان ملكا وسيدا ... وآدم بين الماء والطين واقف) (فذاك النبي الأبطحي محمد ... له في العلا مجد تليد وطارف) (أتى بزمان السعد في آخر المدى ... وكان له في كل عصر مواقف) (أتى لانكسار الدهر يجبر صدعه ... فأثنت عليه ألسن وعوارف) (إذا رام أمرا لا يكون خلافه ... وليس لذاك الأمر في الكون صارف) أنشدها القسطلاني في المواهب لغيره. وقوله في آخر المدى بفتحتين يعني الزمان الأخير من أزمنة الأنبياء وقوله مواقف أي أحوال لتقدم خلقه وقوله وعوارف جمع عارفة ومعناه أن الأمور المعروفة في الشرع أثنت عليه لإظهاره لها وذبه عن معارضتها قاله الزرقاني. (ونسب المختار محفوظ إلى ... عدنان بالإجماع عند الفضلا) يعني أن آباءه ﷺ إلى جده عدنان أجمع العلماء وهم

стр. 23

مراده بالفضلاء على عددهم ومعرفتهم وإن اختلفوا في أسماء بعضهم وأما ما فوق ذلك ففيه اختلاف كثير، قال ابن دحية أجمع العلماء والاجماع حجة على أن رسول الله ﷺ إنما انتسب إلى عدنان ولم يجاوزه، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه ﷺ كان إذا انتسب لم يجاوز معد بن عدنان ثم يمسك ويقول كذب النسابون، قال الله تعالى ﴿وقرونا بين ذلك كثيرا﴾. وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: إنما ينسب إلى عدنان وما فوق ذلك لا يدرى ما هو. وقوله إنما ينسب بتحتية فنون النبي ﷺ أو بنونين أي معاشر قريش وقوله لا يدرى بياء ونون وفي سيرة العسقلاني اختلف فيما بين عدنان وإسماعيل اختلافا كثيرا ومن إسماعيل إلى آدم متفق على أكثره وفيه خلاف يسير في عدد الآباء وفيه خلف يسير في عدد الآباء وفيه خلف أيضا في ضبط بعض الأسماء. وقال عروة بن الزبير ما وجدنا أحدا يعرف بعد معد بن عدنان. وسئل مالك عن الرجل يرفع نسبه إلى آدم فكره ذلك، قيل له فإلى اسماعيل فكره ذلك أيضا وقال على سبيل الانكار من أخبره حتى يعتمد عليه وكذا روي عنه أنه كره ذلك في رفع نسب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلى آدم وإذا كان كذلك فالذي ينبغي لنا الاعراض عن ما فوق عدنان لما فيه من التخليط والتغيير للألفاظ وصعوبة تلك الأسماء مع قلة الفائدة في ذكرها اهـ من المواهب وشرحها. ورأيت في شرح لهذا النظم لم يسم مؤلفه نفسه أن معرفة آبائه ﷺ المجمع عليهم واجبة على كل مؤمن. وفي مطالع المسرات بعد قول دلائل الخيرات النبي العربي القرشي الزمزمي المكي التهامي ما نصه هذه الأوصاف المذكورة هنا مما يجب اعتقاده في حقه ﷺ إذ هي من جملة مشخصاته المعينة له اهـ. (وها أنا أشير لاسم كل ... منهم بحرف منه مستقل) ها حرف تنبيه وأنا مبتدء وأشير خبره ومر ما يقال فيه، وبحرف متعلق بأشير ومنهم صلة لحرف أي حرف من اسم كل واحد منهم

стр. 24

ومستقل صفة لحرف والإشارة تأدية المعنى بلفظ غير صريح. أخبر الناظم ﵀ أنه يشير –أي في البيت الآتي – لاسم كل واحد من آباء النبي ﷺ تسليما وآبائهم إلى عدنان بحرف من اسم كل واحد مستقل بذلك الحرف أي كاف في تعيين من أشير إليه به لقصد الاختصار وضيق النظم والبيت الذى فيه الحروف المشار بها إلى أسمائهم هو قوله: من إلخ. ولنذكر عمود نسبه ﷺ أولا على طريق الاختصار متواليا فأقول كما قال في المواهب: اعلم أنه ﵊ لم يشترك معه في ولادته من أبويه أخ ولا أخت لانتهاء صفوتهما إليه وقصور نسبهما عليه ليكون مختصا بنسب جعله الله تعالى للنبوأة غاية ولتمام الشرف نهاية فغذا علمت شرف نسبه وطهارة مولده علمت أن هذا النبي العربي الأبطحي القرشي الهاشمي المنتخب من خير بطون العرب حسبا وأعرقها نسبا وأكرمها من قبل أبيه وأمه ومن أكرم بلاد الله تعالى على الله هو محمد ﷺ ابن عبد الله بن عبد المطلب بن اهشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. (مع) أما الميم فهي إشارة لاسم نبينا ﷺ محمد الذى سماه به جده عبد المطلب فطابق ما سماه الله تعالى به فقيل له لم سميت ابنك محمدا وليس من أسماء آبائك ولا قومك؟ فقال رجوت أن يحمده أهل السماء والأرض فحقق الله رجاءه والمحمد الذى تكاملت فيه الخصال المحمودة، قال الأعشى: (إليك أبيت اللعن كان وجيفها ... إلى الماجد القرم الجواد المحمد) وأما العين فهي إشارة إلى والد المصطفى ﷺ عبد الله، قال الحافظ لم يختلف في اسمه الذبيح وكنيته أبو قثم بقاف فمثلثة وهو من أسمائه ﷺ مأخوذ من القثم وهو الإعطاء أو الجمع، يقال للرجل الجموع للخير قثوم وقثم وقيل كنيته أبو

стр. 25

محمد وقيل أبو أحمد، قاله ابن الأثير اهـ فإن قلنا بالمشهور من وفاته والمصطفى ﷺ حمل فلعله كنى بالإلهام وإلا فالأمر ظاهر قاله الزرقاني. (شه) أما الشين فهي إشارة لاسم جده شيخ البطحاء عبد المطلب بكسر اللام بصيغة اسم الفاعل كما في المصباح وفي "الحلة السيراء" انه بفتح اللام شيبة الحمد مركب إضافي سمي به كما قال ابن قتيبة لأنه كان يرفع من مائدته للطيرر والوحوش في رؤوس الجبال فكان يقال مطعم طير السماء والفياض لجوده وفيه يقول الشاعر: (على شيبة الحمد الذى كان وجهه ... يضيئ ظلام الليل كالقمر البدر) وهو قول ابن اسحاق وهو الصحيح كما قال السهيلي وقيل سمي به لأنه ولد في راسه شيبة وقيل لأن آباه أوصى أمه بذلك ولعل وجه إضافته إلى الحمد رجاء أنه يكبر ويشيخ ويكثر حمد الناس له فحقق الله ذلك. فكثر حمدهم له لأنه مفزع قريش في النوائب وسيدهم كما لا وفعالا وكان مجاب الدعوى وحرم الخمر على نفسه، قال ابن الأثير وهو أول من تحنث بحراء كان إذا دخل رمضان صعده وأطعم المساكين وقال ابن قتيبة اسم شيبة عامر وتابعه على ذلك صاحب القاموس وقال أبو عمران ذلك لا يصح وكنية شيبة أبو الحارث وهو أكبر ولده وقيل كنيته أبو البطحاء وسمي عبد المطلب لأن أباه هاشما لما حضرته الوفاة قال لأخيه المطلب أدرك عبدك يشرب، وقال له ذلك استعطافا وقيل إن عمه المطلب جاء به إلى مكة رديفه وهو بهيأة بذة فكان يسأل عنه فيقول هو عبدي حياء من أن يقول ابن أخي فلما أدخله مكة أحسن حاله وأظهر أنه ابن أخيه فلذلك قيل له عبد المطلب وعاش مائة وعشرين وصدر به مغلطاي نقله الزرقاني وأما الهاء فإشارة لهاشم واسمه عمر وسمى هاشما لأنه أول من هشم الثريد بمكة لأهل الموسم ولقومه أولا في سنة المجاعة فإنه لما أصاب أهل مكة شدة رحل إلى فلسطين فاشترى منها

стр. 26

دقيقا كثيرا وكعكا وقدم به مكة فأمر به فخبز ثم نحر جزورا وجعلها ثريدا عم به أهل مكة ولم يزل يفعل ذلك حتى استقلوا، وفي يقول ابن الزبعرى: (عمرو العلا هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجاف) والثريد بمثلثة ما اتخذ من لحم وخبز، قال: (إذا ما الخبز تادمه بلحم ... فذاك أمانة الله الثريد) وفي المنتقى كان هاشم أفخر قومه وأعلاهم وكانت مائدته منصوبة لا ترفع لا في السراء ولا في الضراء وكان نور رسول الله ﷺ في وجهه يتوقد شعاعه ولا يراه حبر إلا قبل يده ولا يمر بشيء إلا سجد له تغدوا إليه قبائل العرب ووفود الأحبار يحملون بناتهم يعرضون عليه أن يتزوج بهن حتى بعث إليه هرقل ملك الروم وقال إن لى ابنة لم تلد النساء أجمل منها ولا أبهى وجها فاقدم علي حتى أزوجكها فقد بلغني جودك وكرمك وإنما أراد نور المصطفى الموصوف عندهم في الأنجيل فأبى هاشم، قال ابن اسحاق وهو أول من مات من بنى عبد مناف واختلف في سنه فقيل عشرون وقيل خمس وعشرون سنة قاله الزرقاني. (عق) أما العين فإشارة لعبد مناف من أناف ينيف إذا ارتفع لقب بذلك لأن أمه حبى بضم الحاء المهملة وموحدة مشددة ممالة أخدمته صنما عظيما لهم يسمى مناة ثم نظر أبوه قصي يوما فرأه يوافق عبد مناة بن كنانة فحوله إلى عبد مناف واسمه كما قال الشافعي المغيرة منقول من الوصف والهاء للمبالغة سمي به تفاؤلا أنه يغير على الأعداء وساد في حياة أبيه وكان مطاعا في قريش ويدعى القمر لجماله، قال الواقدي وكان فيه نور رسول الله ﷺ وفي يده لواء نزار وقوس إسماعيل وذكر الزبير عن موسى بن عقبة أنه وجد في كتابه في حجر أنا المغيرة بن قصي آمر بتقوى الله العظيم، وبصلة الرحم وإياه عنى القائل بقوله: (كانت قريش بيضة فتفلقت ... فالمخ خالصه لعبد مناف)

стр. 27

ومات بغزة. وأما القاف فإشارة لقصي تصغير قصى بفتح فكسر فياء ساكنة أي بعيد لأنه بد عن عشيرته في بلاد قضاعة حين احتملته فاطمة بنت سعد العذري وكرهوا اجتماع ثلاث ياءات فصغروه على فعيل مثل فليس واسمه مجمع قال الشاعر: (أبوكم قصي كان يدعى مجمعا ... به جمع الله القبائل من فهو) في مكة بعد تفرقهم في البلدان، ذكر ثعلب في أماليه أنه كان يجمع قومه يوم العروبة فيذكرهم ويأمرهم بتعظيم الحرم ويخبرهم أنه سيبعث فيهم نبي، وقوله به جمع بالتثقيل للمبالغة وفي الخميس كان اسمه زيد فسمي مجمعا لما جمع من أمر قريش فسمي مجمعا، اهـ. وبعد البيت المتقدم: (وأنتم بنو زيد وزيد أبوكم ... به زيدت البطحاء فخرا على فخر) وقيل اسمه يزيد وكان قصي أول بنى كعب أصاب ملكا طاع له به قومه وكانت إليه الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء وحاز شرف مكة جميعا وكان جلدا جميلا وعالم قريش وأقولها بالحق. (كم) أما الكاف فإشارة لكلاب وهو إما منقول من مصدر كالبيت العدو مكالبة وكلابا ومعناه المشارة وإما من جمع كلب للحيوان المعروف كأنهم يريدون الكثرة كما يسمون بسباع وأنمار. وسئل اعرابي لم تسمون أبناءكم بشر الأسماء، نحو كلب وذئب وعبيدكم بأحسن الأسماء نحو مرزوق ورباح؟ فقال إنما نسمي أبناءنا لأعدائنا وعببيدنا لأنفسنا يريد أن الأبناء عدة للأعداء وسهام في نحورهم فاختاروا لهم هذه الأسماء دون عبيدهم لأنهم لا يقصد منهم قتال غالبا بل كان ذلك عارا عند العرب وقيل لقبل بكلاب لمحبته كلاب الصيد وكان يجمعها فمن مرت به قال هذه كلاب ابن مرة واسمه حكيم وقيل عروة، هذا كله من المواهب وشرحها. وأما الميم فإشارة لمرة بضم الميم علم منقول من وصف الرجل بالمرارة والتاء للمبالغة وكنيته أبو يقظة وأولاد مرة ثلاثة: كلاب وتميم ويقظة. (كل) أما الكاف فإشارة لكعب قال ابن دريد منقول من كعب القناة

стр. 28

سمي بذلك لشرفه وارتفاعه في قومه فكانوا يخضعون له حتى أرخوا بموته إلى عام الفيل فأرخوا به، ثم بموت عبد المطلب، وقيل من الكعب الذى هو قطعة السمن الجامد وهو أول من جمع الناس لمجرد الوعظ يوم العروبة وكانت تجتمع إليه قريش فيه فيخطبهم ويذكرهم بمبعث النبي ﷺ ويعلمهم بأنه من ولده ويأمرهم بالإيمان به إن أدركوه وينشد مع ذلك أبياتا منها قوله: (يا ليتني شاهد نجواء دعوته ... إذا قريش تبغي الحق خذلانا) وقوله نجواء بنون وجيم أي دعوته السر إشارة إلى ما في ابتداء الدعوة من الخفاء قبل الأمر بالصدع ومدة ضرورة وفي نسخة فحواء بفاء فحاء مهملة أي معنى ومده ضرروه. وقوله تبغي بضم الفوقية وفتح الموحدة وكسر الغين المعجمة من بغاه الشيء بالتخفيف طلبه شدد مبالغة وفي نسخة: حين العشيرة تبغي الحق خذلانا، بفتح فسكون فكسر مخففا، والمراد أنه يتمنى إدراك زمن دعوته ﷺ للناس وقريش يعارضونه ويطلبون خذلان دينه لينصره ويظهر دينه وكان كعب فصيحا خطيبا وكان يأمر بتعظيم الحرم وعلمه هو به ﷺ من الوصية المستمرة من آدم أن من كان فيه النور لا يضعه إلا في المطهرات لأن ختام الأنبياء منه وكان طاهارا أو من الكتب القديمة أن من كان بصفة كذا كانمحمد من ولده والأول أظهر، وروى أبو نعيم عن كعب الأحبار أن بين موت كعب ومبعث النبي ﷺ خمس مائة وستين سنة، انظر الزرقاني. وأما اللام فإشارة إلى لؤي بضم اللام وبالهمز وتبدل واوا، تصغير لأي كعصي وهو الثور الوحشي قاله ابن الانباري، قال ويحتمل أنه تصغير لأي بوزن عبد وهو البطء ويؤيده قوله: (فدونكم بنى لؤي أخاكم ... ودونك مالكا يا أم عمرو) واختار السهيلي الثاني وقال أبو حنيفة اللأ البقرة وقال الأصمعي هو تصغير لواء الجيش وقيل منقول من لوى الرمل وكنيته أبو كعب وكان له سبعة ذكور.

стр. 29

(غف) أما الغين فإشارة لغالب منقول من اسم فاعل مشتق من الغلب بالتحريك أو بفتح فسكون يقال غلبة بهاء وأما الفاء فإشارة إلى فهر بكسر الفاء وسكون الهاء فراء منقول من الفهر الحجر الطويل الألمس، قاله السهيلي وقال الخشني الفهر حجر ملء الكف يذكر ويؤنث وخطأ الأصمعي من أنثه وفي الفتح الفهر الحجر الصغير وفي الإرشاد الطويل والأملس واسمه قريش. وعن الزهري أن أمه سمته قريشا وأبوه سماه فهرا وقيل فهر لقبله وقيل بالعكس وإليه تنسب قريش ونسب للأكثر، قال الزهري وهو الذى أدركت عليه من أدركت من نساب العرب أن من جاوز فهرا فليس من قريش فما كان فوقه فكناني لا قرشي على الصحيح قاله في المواهب. قال الزرقاني صححه الدمياطي والعراقي وغيرهما. (من) أما الميم فإشارة لمالك، اسم فاعل من ملك، قال الخميس سمي مالكا لأنه كان ملك العرب وأما النون فإشارة للنضر واسمه قيس ولقب بالنضر لنضارة وجهه وجماله وله من الذكور مالك والصلت ويخلد بفتح التحتية وسكون المعجمة وضم اللام فدال مهملة وبه يكنى أبوه ولكن لم يعقب إلا من مالك وذهب الأكثرون إلى أن النضر هو قريش وبه قال الشافعي قال النووي وهو الصحيح المشهور وصححه أيضا الحافظ العلائي وعزاه للمحققين وللعراقي. (أما قريش فالأصح فهر ... جماعها والأكثرون النضر) قال الحفاظ: وعندي أنه لا خلف في ذلك لأن فهرا جماع قريش ثم أن أباهم مالكا لم يعقب غيره وكذلك النضر لا عقب له إلا مالك فاتفق القولان بحمد الله تعالى فقريش ينتهي نسبها كلها إلى فهر وقيل قريش هو إلياس وقيل مضر وقيل قصي، قال البرهان وهو باطل وكأنه قول رافضي لأنه يقتضي أن أبا بكر وعمر ليسا من قريش فإمامتهما باطلة وهو خلاف إجماع المسلمين. واختلف في سبب تسمية قريش أخرج البخاري في تاريخه أن ابن عباس سأله عمرو بن العاص فقال انه

стр. 30

قريشا تزعم أنك أعلمها فلم سميت قريش قريشا؟ فقال بأمر بين. فقال ففسره لنا، ففسره: قال هل قال فيه أحد شعرا؟ قال نعم. وقد قال الشمرخ بن عمرو الحميري: (وقريش هي التي تسكن البحـ ... ـر بها سميت قريش قرشا) (تأكل الغث والسمين ولا تتـ ... ـرك فيه لذي جناحين ريشا) (هكذا في البلاد حي قريش ... يأكلون البلاد أكلا كميشا) (ولهم آخر الزمان نبي ... يكثر القتل فيهم والخموشا) (يملأ الأرض خيله ورجال ... يحشرون المطي حشرا كشيشا) وأكلا كميشا أي سريعا والخموش الخدوش قاله الزرقاني وقيل من التقريش وهو التفتيش لأنهم يفتشون عن خلة الناس فيسدونها وقيل لأنهم كانوا يتجرون من قرش كضرب إذا تجر وقيل من الاقراش وهو وقوع الرايات والرماح بعضها على بعض وقيل غير ذكل، وقريش البطحاء من دخل مكة مع قصي والظواهر من أقام بظاهر مكة ولم يدخل الأبطح. (كخم) أما الكاف فإشارة إلى كنانة بكاف مكسورة فنونين مفتوحتين بينهما ألف ثم هاء منقول من الكنانة التي هي الجعبة بفتح الجيم وسكون العين المهملة سمي بذلك تفاؤلا بأنه يصير كالكنانة الساترة للسهام فكان سترا على قومه وقيل سمي به لأنه لم يزل في كن من قومه وكان عظيم القدر يجتمع إليه العرب لعلمه وفضله بينهم وأما الخاء فإشارة الخزيمة تصغير خزمة وهي مرة من الخزم وهو شد الشيء وإصلاحه وقال الزجاجي يجوز أنه من الخزم بفتح فسكون تقول خزمته فهو مخزوم إذا أدخلت في أنفه الخزام وقيل تصغير خزمة بكسر فسكون برة في أنف البعير يشد فيها الزمام، قال في الغرر ولم أر من تعرض لوجه المناسبة لنقله مما ذكر، قال ابن عباس مات خزيمة على ملة ابراهيم.

стр. 31

تنبيه: ذكرالزبير بن بكار وتبعه السهيلي أن خزيمة لما مات خلف ابنه كنانة على زوجته برة بنت إد بن طابخة فتزوجها فولدت له النضر علي ما كانت تفعله الجاهلية من أن أحدهم إذا مات خلف على زوجته أكبر بنيه من غيرها وقد قال تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف﴾ أي من تحليل ذلك قبل الإسلام، قال وفائدة الإستثناء ليلا يعاب نسب النبي ﷺ وليعلم أنه لم يكن في أجداده سفاح اهـ وتعقب هذا الحافظ القطب الحلبي بما حاصله أن هذا غلط نشأ من اشتباه وذلك أن أبا عثمان الحافظ قال ان كنانة خلف على زوجة أبيه فماتت ولم تلد ذكرا ولا أنثى فنكح ابنة أخيها وهي برة بنت مر بن إد بن طابخة فولدت له النضر، قال الحفاظ وإنما غلط كثير لما سمعوا أن كنانة خلف على زوجة أبيه لاتفاق اسمهما وتقارب نسبهما، قال وهذا الذى عليه مشائخنا من أهل العلم ومعاذ الله أن يكون أصاب نسبه ﷺ نكاح مقت وقد قال: "مازلت أخرج من نكاح كنكاح الاسلام، " ومن ثال غير هذا فقد أخطأ والحمد لله الذى طهره من كل وسم تطيرا اهـ. قال ادميري وهذا أرجو به الفوز للحافظ في منقلبه وأن يتجاوز عنه ما سطره في جميع كتبه اهـ وقد صوب مغلطاي كلام الحافظ وأن خلافه غلط ظاهر، قال وهذا الذى يثلج به الصدر ويذهب حره ويزيل الشك ويطفؤ شرره قال الشامي وهو من النفائس التي يرحل إليها والسهيلي تبع الزبير بن بكار والزبير كأنه تبع الكلبي وهو متروك بل لو نقله ثقة لم يقبل لمخالفة الأحاديث الناطقة بخلافه اهـ. وكذا ما قيل أن هاشما خلف على وافدة زوجة أبيه بفرض صحته وليست جدة للنبي ﷺ ، فإن أم عبد المطلب أنصارية ولذا كانت الأنصار أخوال المصطفى ﷺ ، اهـ نقله محمد بن عبد الباقي. وأما الميم فإشارة لمدركة والتاء للمبالغة منقول من اسم فاعل من

стр. 32

الإدراك لقب به لأنه أدرك كل عز وفخر كان في أبائه وكان فيه نور المصطفى ﷺ ظاهرا بينا واسمه عمرو عند الجمهور وهو الصحيح وقيل عامر وتنوين كخم غير معتبر. (أمن) أما الهمزة فإشارة إلى إلياس والمعروف أنه اسمه وفي سيرة مغلطاي اسمه حبيب وهمزنه همزة قطع، ثبت في الدرج عند ابن الأنباري وهي مكسورة وفي الخميس إنما سمي إلياس لأن أباه كبر ولم يولد له فولد على الكبر الياس فسمي إلياس وكنيته أبو عمر وله أخ يقال له الناس وهو عيلان قال ابن الأنباري وهو إفعال من قولهم أليس الشجاع الذى لا يفر. قال الشاعر: (اليس كالنشوان وهو صاح) ووافق ابن الأنباري علي كسر همزته طائفة وقال قاسم بن ثابت وهو بفتحها وهي همزة وصل من اليأس ضد الرجاء واللام للتعريف وأنشد قاسم على ذلك قول قصي: أمهتي خندف وإلياس أبي قال الإمام السهيلي وهذا أصح من قول ابن الأنباري وهو أول من أهدى البدون إلى البيت ويذكر أنه كان يسمع في صلبة تلبيتة النبي ﷺ في الحج ولما أدرك إلياس أنكر علي بنى إسماعيل ما غيروا من سنن آبائهم وبان فضله عليهم ولان جانبه لهم حتى جمعهم رأيه ورضوا به فردهم إلى سنن آبائهم وكان ذا جمال بارع وهو وصي أبيه ولم تزل العرب تعظمه تعظيم أهل الحكمة كلقمان وأشباهه وكان يدعى كبير قومه وسيد عشيرته ولا يقطع أمر دونه، ويذكر عن النبي ﷺ انه قال: «لا تسبوا إلياس فإنه كان مؤمنا»، ولما مات إلياس أسفت عليه زوجته خندف أسفا شديدا ونذرت أن لا يأويها بيت ولا تقيم في بلد فتركت بنيها منه وساحت في الأرض حتى هلكت حزنا عليه ومات يوم الخميس فنذرت أن تبكيه كلما طلعت الشمس يوم الخميس حتى تغيب وضربت الأمثال بحزنها عليه انظر الزرقاني. وأما الميم فإشارة لمضر قيل سمي به لأنه يجب اللبن الماضر أي الحامض

стр. 33

وفيه نظر لأنه يستدعي أن يكون له اسم غير هذا قبل أن يتصف بهذه الصفة. نعم يمكن ان يكون هذا اشتقاقه ولا يلزم أن يكون متصفا بهذه الصفة وقيل لبياضه وقيل لأنه كان يمضر القلوب لحسنه وجماله، وفي الخميس لأنه أخذ بالقلوب ولم يكن يراه أحد إلا أحبه، وفي السبل اسمه عمرو وكنيته أبو إلياس ومن حكمه: من يزرع شرا يحصد ندامة، وخير الخير أعجله، فاحملوا أنفسكم على مكروهها واصرفوها عن هواها فيما أفسدها فليس بين الصلاح والفساد إلا صبر فواق بضم الفاء وتفتح ما بين الحلبتين وهو أول من سن الحداء للإبل وذلك أنه سقط وهو شاب فانكسرت يده فقال يا يداه يا يداه، وكان من أحسن الناس صوتا فآبت إليه الإبل من المرعى فلما صح وركب حدى وقيل بل كسر مولى له فصاح فاجتمعت إليه الإبل فوضع الحداء وزاد الناس فيه وأخرج ابن سعد من مرسل عبد الله بن خالد قال ﷺ : «لا تسبوا مضر فغنه كان قد أسلم» اهـ من الزرقاني. وفي القاموس مضر اللبن كنصر وفرح وكرم حمض وابيض ثم قال ومضر بن نزار كزفر أبو قبيلة وهو مضر الحمراء سمي به لولوعه بشرب اللبن الماضر أو لبياض لونه اهـ. وسمي مضر الحمراء لأنه أعطي الذهب من ميراث أبيه وأعطي ربيعة الخيل انظر القاموس. وأما النون فإشارة لنزار بكسر النون من النزور وهو القليل. قيل سبب ذلك أنه لما ولد ونظر أبوه إلى نور محمد ﷺ بين عينيه وهو نور النبوءة الذى كان في الأصلاب فرح فرحا شديدا ونحر وأطعم وقال إن هذا كله نزر لحق هذا المولود فسمي نزار بذلك وبهذا جزم السهيلي وتبعه النور والخميس وزاد انه خرج أجمل أهل زمانه وأكبرهم عقلا وقال أبو الفرج الأصبهاني سمي بذلك لأنه فريد عصره واقتصر عليه الفتح والإرشاد وقيل لقب به لنحافته، قال الماوردي كان اسمه خلدان وكان مقدما وانبسطت له اليد عند الملوك وكان مهزول اليدن فقال له ملك الفرس ما لك يا نزار، قال وتفسيره يا مهزول فغلب عليه هذا الأسم وكنيته أبو إياد وقيل أبو ربيعة ويقال إن

стр. 34

قبر نزار بذات الجيش قرب المدينة قاله الزرقاني. (مع) أما الميم فإشارة إلى معد بفتح الميم المهملة وشد الدال ابن الانباري يحتمل أنه مفعل من العد أو من معد في الأرض إذا أفسد وقيل غير ذلك قاله في الفتح وقال الخميس: سمي معدا لأنه كان صاحب حروب وغارات على بنى إسرائيل ولم يحارب أحدا إلا رجع بالنصر والظفر وكنيته أبو قضاعة وقيل أبو نزار قاله الزرقاني وذكره في القاموس في فصل العين وفي فصل الميم ولفظه في فصل العين ومعد بن عدنان أبو العرب أو الميم أصلية لقولهم تمعدد أي تزيا بزي معد في تقشفهم أو تنسب إليهم أو تصبر على عيشهم. وأما العين فإشارة إلى عدنان من العدن أي الإقامة وعن ابن عباس قال كان عدنان ومعد وربيعة وخزيمة وأسد على ملة إبراهيم فلا تذكروهم إلا بخير. وروى الزبير بن بكار مرفوعا: «لا تسبوا مضرا ولا ربيعة فإنهما كانا مسلمين» وله شاهد عند ابن حبيب من مرسل ابن المسيب. (إلى هنا زكن) المجرور معمول لزكن معناه علم والإشارة لعدنان ونائب زكن راجع من النسب الشريف أي علم نسبه ﷺ إلى عدنان. وأما ما فوق عدنان من النسب فلم يعلم كما تقدم. فائدتان: الأولى: لما نفخ في آدم الروح صار نور محمد ﷺ يلمع من جبهة آدم كالشمس المشرقة رواه ابن عباس ثم كان في وجه وصيه على اولاده ابنه شيث بكسر المعجمة فتحتية ساكنة فمثلثة وهو مصروف وقيل لا يصرف بناء على أن الثلاثي الأعجمي الساكن الوسط يجوز صرفه وعدمه، قال في الهمع وهو فاسد وقال السهيلي هو بالسريانية شياث وبالعبرانية شيث ومعنى شيث هبة الله وفي الشامية يقال شاث بإمالة الشين وكان شيث أجمل أولاد آدم وأشبههم به وأحبهم إليه وأفضلهم وأنزل الله عليه خمسين صحيفة وولد شيث وحده على المشهور كرامة للنبى ﷺ وقيل معه أخت. ثم

стр. 35

بعدما أوحى الله تعالى إلى شيث ان اتخذ ابنك أنوش صفيا ووصيا علم أنه نعيت إليه نفسه فأوصى ولده أنوش بفتح الهمزة فنون مضمومة آخره شين معجمة ومعناه الصادق ويقال يا نش بتحتية فنون مفتوحة فمعجمة لوصية آدم وهي أن لا يضع هذا النور الذى كان في وجه أدم كالشمس إلا في المطهرات من النساء ولم تزل هذه الوصية جارية تنتقل من قرن إلى قرن أي من واحد إلى واحد وسماه قرنا تجوزا إلى أن أوصل الله النور الى عبد المطلب وولده عبد الله ولم يوص عبد المطلب ولده بذلك لتعاطيه تزوجه من آمنه مع علمه بمكانها وأن نكاحها لا أثر فيه من الجاهلية فكفاه ذلك عن الوصية وذلك النور موجود في جميع الآباء ويجوز تفاوته فيهم انظر الزرقاني، وما ذكره وفي مطالع المسرات وكذا في الحلة السيراء أنه كقيل ولم أر الهمز في واحد منهم. الثانية: اعلم ان الله تعالى طهر هذا النسب الشريف من سفاح الجاهلية كما ورد في الأحاديث المرضية فروى البيهقي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «ما ولدني من سفاح الجاهلية شيء ، ما ولدني إلا نكاح الإسلام» والسفاح الزنا والمراد به هنا أن تسافح المرأة رجلا مدة ثم إذا أعجبته وأعجبها يتزوجها بعد ذلك، وهذا التفسير للقسطلاني، قال شارحه ولولي كما قال شيخنا أن يراد به ما هو أعم فإن جملة الأحاديث دلت على نفي جميع نكاح الجاهلية عن نسبه من نكاح زوجة الأب لأكبر بنيه والجمع بين الأختين ونكاح البغايا وهو أن يطأ البغي جماعة متفرقون فإذا ولدت ألحق بمن غلب عليه الشبه منهم ونكاح الاستبضاع وهو ان المرأة إذا طهرت من الحيض قال لها زوجها أرسلي لفلان استبضعي منه ويعتزلها زوجها حتى يبين حملها فإن بان أصابها زوجها إن أحب ومن نكاح الجمع وهو أن يجتمع رجال دون عشرة ويدخلوا على بغي كلهم يطؤها فإذا وضعت ومر لها ليال بعده أرسلت إليهم فلا يتخلف رجل منهم فتقول قد عرفتم الذى كان من أمركم وقد ولدت فهو ابنك يا فلان تسمى من أحبت فلا يستطيع نفيه

стр. 36

وان لم يشبهه اهـ. وقال الكلبي كتبت للنبي ﷺ خمسمائة أم فما وجدت فيهن سفاحا ولا شيئا مما كان في أمر الجاهلية وفي الحديث خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي رواه الطبراني وابن عساكر وروى أبو نعيم عن ابن عباس مرفوعا «لم يلتق أبواي قط على سفاح، لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة مصفى مهذبا»، وروى ابو نعيم عنه ﷺ عن جبريل قال: «قلبت مشارق الأرض ومغاربها فلم أر رجلا أفضل من محمد ﵊، ولم أر بنى أب أفضل من بنى هاشم» وأخرجه الطبراني والإمام أحمد والبيهقي والديلمي وابن لال وغيرهم قال الحافظ ابن حجر لوائح الصحة لائحة على صفحات هذا المتن وقال ابن تيمية وليس فضل العرب لقريش فبني هاشم بمجرد كون النبي ﷺ منهم وإن كان هذا من الفضل بل هم في أنفسهم أفضل أي باعتبار الأخلاق الكريمة والخصال الحميدة. قال وبذلك يثبت للنبي ﷺ أنه أفضل نفسا ونسبا وإلا ثبت الدور انظر الزرقاني. ولما ذكر نسبه ﷺ جره ذلك إلى ذكر حفر زمزم وذكر الذبيحين لأن حافرها عبد المطلب جده وحفرها هو بسبب كون عبد الله ذبيحا، فقال: (وشيبه) هو عبد المطلب شيبة الحمد (إذ) أي حين فهو ظرف زماني مضاف للجملة بعده والعامل فيه قوله الآتي همت وقوله (بئر زمزم) مفعول حفر ومضاف إليه ما قبله ومعنى (حفر) أراد حفرها وشرع فيه كما يأتي وحفر كضرب (همت بمنعه) من اتمام حفرها (قريش) فاعل همت وذلك أنه جعل يحفرها ثلاثة أيام فلما بدى له الطي كبر وقال هذا طي إسماعيل فقاموا إليه فقالوا إنها بئر أبينا إسماعيل وإن لنا فيها حقا فأشركنا فيها فأبى فقال عدي بن نوفل بن عبد مناف، يا عبد المطلب تستطيل علينا وأنت فذ لا ولد لك ولم يكن له يومئذ ولد إلا

стр. 37

الحارث فقال له أبا القلة بتعيرني والله لئن أتاني الله عشرة من الولد ذكورا لأنحزن أحدهم عند الكعبة رواه ابن سعد والبلاذري وفي الخميس سفه عليه وعلى ولده ناس من قريش ونازعوهما وقاتلوهما قاله الزرقاني وإلى هذا أشار بقوله (فنذر) كضرب ونصر أي إلتزم بالحلف كما مر فيحتمل أنه المراد بالنذر ويحتمل أن الإلزام تكرر مرة بالنذر ومرة بالحلف قاله محمد بن عبد الباقي. وفي عبارة المواهب الممثالة لعبارة الناظم (إن جاءه) أي ولد له من (البنين) أي الذكور (عشره) بفتح الشين وكسرها (يحمونه) أي يمنعونه (من البغاة) جمع باغ وهو الظالم وإنما كانوا بغاة لأنهم أرادوا منعه من أمر اختصه الله تعالى به بل هي في الحقيقة إنما قصد بها النبي ﷺ وهو ولده فهي لعبد المطلب لا لغيره (الفجره) جمع فاجر وهو المنبعث في المعاصي (لينحرن واحدا) منهم عند الكعبة (تقربا به) مفعول لأجله أي لأجل التقرب لله، وعبارة المواهب وشرحها ليذبحن أحدهم قربانا لله عند الكعبة (فلما رام) أي طلب وقصد عبد المطلب (نحره) أي نحر ولده الذى خرج القدح عليه وهو عبد الله والد المصطفى ﷺ وكان أحب ولد عبد المطلب إليه لرؤية نور المصطفى ﷺ في وجهه كما في الزرقاني (أبى) أي امتنع (منه) أي من نحره (قريش) لعزه وشرفه فيهم فقاموا إليه في أنديتهم وقالوا له والله لا ندعك تذبحه حتى تعذر فيه إلى ربك بأن تسأل الكاهنة فإنها إن ذكرت أنه يذبح كان ذلك عذرا عندهم ولإن فعلت هذا لا يزال الرجل يأتي بابنه ويذبحه وتكون سنة مستمرة في قومك لأنك رئيسهم فيقتدون بك فما بقاء الناس على هذا. وقال له المغيرة بن عبد الله بن عمر وابن مخزوم وكان عبد الله بن أختهم والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه فإن كان فداؤها بأموالنا فديناه انظر الزرقاني. (فمضى) عبد المطلب أي ذهب وركبوا معه (لخيبرا) حصن قرب المدينة (مستامرا) حال من فاعل مضى أي حال كونه مشاورا (كاهنها) أي خيبر فيما يصنع أي شخصها الموصوف بالكهانة وذلك أنهم قالوا له انطلق إلى فلانة الكاهنة وعند

стр. 38

ابن اسحاق وانطلق إلى الحجاز فإنه به عرافة لها تابع من الجن وهو على حذف مضاف أي أحد أرض الحجاز فلعلها أن تأمرك بأمر فيه فرج لك فركبوا حتى أتوها بخيبر والكاهنة قيل اسمها قطبة ذكره عبد الغني في كتاب الغوامض وذكر ابن اسحاق ان اسمها سجاح والذى في الروض سجساح فلما أتوها قص عليها عبد المطلب القصة فقالت لهم ارجعوا عني حتى يأتيني تابعي فلما خرجوا من عندها قام عبد المطلب يدعو الله ثم غدوا عليها فقالت لهم قد جاءني الخير، كم الدية عندكم؟ فقالو عشرة من الإبل، فقالت ارجعوا إلى بلادكم ثم قربوا صاحبكم إلى موضع ضرب القداح ثم قربوا عشرة من الإبل ثم اضربوا عليه وعليها القداح فإن خرجت القداح على صاحبكم فزيدوا في الإبل عشرة أخرى ثم اضربوا أيضا هكذا حتى يرضى ربكم ويخلص صباحكم، فإذا خرجت على الإبل فانحروها فقد رضى ربكم ونجى صاحبكم وإلى هذا أشار بقوله (فأمرا) أي الكاهن عبد المطلب (أن) بفتح الهمزة تفسيرية (استهم عليه) أي على عبد الله أي اضرب عليه بالسهام أي القداح (والآبالي) جمع إبل (فإن عليه) أي على عبد الله (خرجت) القداح بالذبح (في الحال) أي الزمن الذى ضربت القداح فيه عليه وعلى الإبل (فزد عليه) أيي على العدد الذى ضربت عليه وعلى عبد الله القداح (عشرة) أخرى (واقترعا) أي أضرب عليه وعلى عبد الله القداح أيضا وهكذا حتى تقع القداح على الإبل (حتى) غاية للزيادة (إذا السهم) أي القدح، (عليها) أي الإبل (وقعا* فانحر) الإبل فداء له (فإن ربه) أي الولد (قد رضيا بأنها) أي الإبل (له) أي لولدك (فداء) خبر إن ويتعلق به المجرور قبله أي فإن وقوع السهم على الإبل أمارة على رضى ربك بفداء ولدك بالإبل فانحرها ودع ولدك وكأنها غلب على ظنها أن السهم واقع على الإبل لا محالة قال جميعه في المواهب وشرحها (فعيا) فعل أمر من وعى أي حفظ والألف بدل من نون التوكيد الخفيفة تتميم للبيت، (ففعل) عبد المطلب بعد ان رجع هو وقومه إلى مكة (الذي به قد أمرا) أي أمرته به الكاهنة فقربوا عبد الله وقربوا عشرة من الإبل وقام عبد المطلب يدعو الله تعالى، قاله

стр. 39

الزرقاني فخرج القدح في كل مرة على ولده فلم يزل يزيد عشرة ويضرب عليه وعلى الإبل القداح (حتى انتهت) الإبل (لمائة) أي وصلتها فوقع السهم على الإبل (فنحرا) عبد المطلب الإبل (من بعد ضربها) أي السهام على الإبل وولده (ثلاثا) أي ثلاث مرات وذلك أنه لما وقع السهم على الإبل أول مرة قالت قريش ومن حضر قد انتهى. رضى ربك يا عبد المطلب، فقال لا والله حتى أضرب عليها بالقداح ثلاث مرات فضربها ثلاث مرات كلها تخرج على الإبل فنحرت وتركت لا يصد عنها إنسان ولا طائر ولا سبع، (وهي) بسكون الهاء أي الإبل (لا تعدو) أي لا تجاوز (العشار) جمع عشراء وهي النوق التى أتى على حملها عشرة أشهر أو ثمانية أو هي كالنفساء من النساء، قاله في القاموس، (الكوم) جمع كوماء وهي العظيمة السنام (فيما نقلا) ومراده أن المائة كلها عشار كوم ولم أقف على أوصافها في كتاب معتمد غيره والله تعالى أعلم، (فكان) مفرعا على ما قبله (والد النبي) ﷺ (المفتدى) بصغة اسم المفعول صفة لوالد (بمائة) من الإبل (فداؤه من الردى) أي الهلاك ووالد اسم كان وفذاؤه مبتدء وخبره قوله بمائة والجملة خبر كان ومن الردى يتعلق بقوله فداؤه (وكان ذاك) المال المفتدى به (سنة) أي شريعة مستمرة إلى يوم القيامة (في أمته) أي أتباعه ﷺ (عن نفس كل مؤمن في فديته) لم أجد من تكلم على هذا والظاهر أن قوله عن نفس يتعلق بمحذوف صفة لسنة أي سنة مؤداة عن نفس كل مؤمن يتعلق بذلك المحذوف أيضا قوله في فديته والضمير للمؤمن ويكون أطلق الفدية على الدية تجوزا ويصح على بعد أن الضمير في فديته راجع للوالد ويتعلق أيضا بمحذوف أي كان ذلك المال المؤدى في فديته أي عبد الله سنة في أمة النبي ﷺ مؤداة عن نفس كل مؤمن والله تعالى أعلم. ولنذكر حين تم شرح هذه الأبيات رؤيا عبد المطلب التى هي سبب حفره لزمزم وما يتعلق بها وذكر البرقي عن ابن عباس سميت زمزم لأنها زمت بالتراب ليلا تاخذ يمينا وشمالا ولو تركت

стр. 40

لساحت على الأرض حتى تملأ كل شيء. وقال الحربي بزمزمة الماء وهي صوته وقال أبو عبيد لكثرة مائها وليس بخلاف حقيقي فقد تكون التسمية لجميع ذلك، وتسمى زمزم وزمازم وتسمى همزة جبريل بتقديم الميم على الزاي وهزمة جبريل بتقديم الزاي وتسمى طعام طعم وشفاء سقم وهي بئر إسماعيل التى سقاه الله حين ظمأ وهو صغير فالتمست له أمه ماء فلم تجده فقامت على الصفا تدعو الله وتستسقيه لإسماعيل ثم أتت المروة ففعلت مثل ذلك فبعث الله جبريل فهمز بعقبه في الأرض وظهر الماء وسمعت أمه أصوات السباع فخافت عليه فأقبلت نحوه فوجدته يفحص بيده عن الماء تحت خده ويشرب. قال السهيلي وحكمة همز جبريل بعقبه دون يده أو غيرها الإشارة إلى أنها تعقبه أي إسماعيل ووارثه وهو محمد ﷺ ، اهـ. من الزرقاني. وفي القاموس همزه يهمزه غمزه بيده فصارت فيه حفرة ثم قال وهزم البئر حفرها اهـ. فمعنى همزة جبريل وهزمته واحد والله أعلم. وفيه ماء زمزم كجعفر وزمازم كعلابط كثير وفيه زمه شده، اهـ. والمراد بحفر عبد المطلب لها إظهارها وتجديدها بعد أن بالغ الجرهمي في طمها أي دفنها وتسويتها وذلك أن عمرو بن الحارث بن مضاض بكسر الميم وضمها كما في الزرقاني لما بغي قومه بحرم الله وظلموا من دخلها من غير أهلها وأكلوا ما يهدى للكعبة وقيض الله لهم من أخرجهم من مكة فعمد عمرو إلى غزلان من ذهب وسيوف وأدراع وحجر الركن كما عند ابن هشام وغيره فجعلها في زمزم وبالغ في طمسها وفر ألى اليمن بقومه فلم تزل زمزم من ذلك العهد مجهولة إلى حفر شيبة الحمد لها بسبب رؤياه التى دلت عليها وعينت له موضعها وروى ابن اسحاق عن على قال قال عبد المطلب إني لنائم في الحجر إذ أتاني أت فقال احفر طيبة! فقلت وما طيبة؟ فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني وقال احفر برة! فقلت وما برة؟ فذهب عني فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال أحفر المضنونة! فقلت وما المضنونة؟ فذهب عني فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه
следующие страницы →