← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 145168

شرح المعالم في أصول الفقه

ابن التلمساني

Полный текст (746 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الْبَاب الخَامِسُ فِي الأَفعَالِ، وَفِيهِ فَصْلانِ: الْفَصْلُ الأوَّلُ فِي أَنَّ أَفْعَال النَّبِيِّ ﵇ حُجَّةٌ وَالمُختَارُ -عِندَنَا-: أَن كُلَّ مَا أَتَى بِهِ الرَّسُولُ ﵇ وَجَبَ أَنْ نَأتِيَ بِمِثْلِهِ، إلا إِذَا دَلَّ دَلِيلٌ مُنْفَصِلٌ عَلَى خِلافِهِ. وَقَال قَومٌ: لَيسَ كَذلِكَ. === عُدنَا إلى المسألة، ولا بُدَّ من تنقيحِ مَحَلِّ النزاع، فنقول: ما كان من أفعالِ الجِبِليةِ؛ كأصلِ القِيَامِ والقُعودِ، والأكل والشرب - فالاتفاقُ على أنَّه مُبَاحٌ مِنَّا ومِنهُمُ. وما دَلَّ الدليلُ على اختصاصِهِ به ﷺ كوجوبِ الوتر، والتَّهَجُّدِ وغير ذلك- فالاشتراكُ فيه يُنَافِي الاختصاصَ. وما وقع منه بيانًا: إمَّا بقولٍ؛ كقوله ﵊: "صَلُّوا كَمَا رَأَيتُمُونِي أُصَلِّي". "أو بقرينة حالٍ؛ كما إِذا أمَرَ بِقَطع السَّارِقِ، ثُمَّ قَطَعَهُ من الكُوعِ-: فلا نزاعَ في الاقتداءِ به. وما عُلمَت صِفَتُهُ من أفعاله- علمه الصَّلاة والسلام- من وُجُوب، أو ندب، أو إِباحة-: فالجمهورُ على وجُوبِ اتباعِهِ فيه بحسبه: إنْ وجوبًا فوجوبٌ، وإن ندبًا فندبٌ، وإنّ إباحةً فإِباحةٌ. وقال أبو علي بن خلاد المعتزلي بذلك في العِبَادَاتِ خَاصَّة. وقال قومٌ: حُكمُهُ حُكمُ ما لم تُعلَم صِفَتُهُ، وسنذكره إِن شاء الله تعالى. وأمَّا ما لم يُعلَم، فهو مَحَلُّ النزاعِ.

стр. 352

لَنَا وُجُوهٌ: الأوَّل: قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]؛ وَظَاهِرُ الأَمرِ لِلْوُجُوبِ، وَالْمُتَابَعَةُ عِبَارَة: عَنِ الإِتيَانِ بِمِثلِ مَا أَتَى بِهِ المَتْبُوعُ لأَجْلِ كَوْنِهِ آتِيًا بِهِ؛ وَذلِكَ يُفِيدُ الْمَطْلُوبَ. فَإِنْ قَالُوا: بِأَنَّ قَولَهُ تَعَالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ أَمرٌ بِتَكوينِ هذِهِ الْمَاهِيَّةِ؛ فَلَا يُفِيدُ الْعُمُومُ. قُلْنَا: الأَمْرُ بِتَكْوينِ المَاهِيَّةِ يَقتَضِي الأَمرَ بِتَكْوينِ فَرْدٍ مِنْ أَفرَادِهَا: فَإِنْ كَانَ ذلِكَ الْفَردُ مُتَعَيِّنًا بِدَلِيل مُنفَصِل، كَفَى فِي العَمَلِ بِذلِكَ الأَمْرِ الإِتْيَانُ بِذلِكَ الفَردِ. وإن لَم يَكُنْ مُتَعَيِّنًا، لَمْ يَكُن حَمْلُهُ عَلَى البَعضِ أَوْلَى مِن حَملِهِ عَلَى البَاقِي فإمَّا ألا يُحمَلَ عَلَى شَيء مِنهُمَا؛ === وقدِ اختُلِفَ فيه: فمذهبُ مالكٍ: أَنَّهُ على الإِباحة، وهو سَدِيدٌ فيما لم يكن واقعًا في محل القَرِينَةِ. ومذهب الشَّافِعِي: أنَّه على النَّدبِ، وهو سَدِيدٌ فيما إذا كان في محل القرينةِ. ومذهب أبي حنيفةَ، وابن سريج، والإصطخريّ، وابن خيران: أنَّه على الوجوب. ومذهب الصَّيرفيُّ والقاضي: الوَقفُ؛ لأنَّ الفعل لا صِيغَةَ له والخُصُوصِيَّاتُ والأدِلَّةُ مُتَعَارِضَةٌ. احتجَّ الفَخرُ للوجوبِ بوجوهٍ: "الأَوَّلُ: قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]: وظاهِرُ الأمرِ للوجوبِ: والمُتَابَعَةُ: عبارة عن الإِتيانِ بمثل ما أَتَى به المَتبوعُ؛ لأجلِ كونه أتَى بِهِ": وهذا احترازٌ عن مِثلِ نُطقِ اليهودِ بكلمة التوحيد كنطقنا، ولا يُعَدُّ مُتَابَعَة لنا. واعتُرِضَ عليه: بأنَّ المتابعةَ لا تَتَحَقَّقُ إلَّا إِذا أَتَى به عَلَى الوَجهِ الَّذِي أَتَى به من فَرْض أَوْ نَقل، أو إِباحَةٍ، وذلك في المعلومِ وَصفُهُ، فنقول به، وليس هو مَحَلَّ النِّزَاعِ. قوله: "فإن قالوا: إن قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأعراف: ١٥٨] أَمرٌ بتكوينِ هذه المَاهِيَّةِ ولا يفيد العمومَ- قلنا: الأمر بتكوين الماهِيَّةِ يقتضي تكوين فردٍ مِن أَفرَادِهَا؛ فَإن كان ذلك الفردُ مُعَيَّنًا بدليل مُنفَصِل، كَفَى في العَمَلِ بذلك الأمرِ الإتيانُ به وإن لم يكن مُعَيَّنًا: لم يكن حَملُهُ على بعضٍ أَوْلَى من حَملِهِ على بعضٍ: فإِمَّا [ألا] يُحَمَلَ على شيء فيقتضي تعطيلَ النَّصّ، أو يحملَ على الكُّلِّ إلا ما خَصَّهُ الدليلُ، وهو المطلوبُ".

стр. 353

فَيَقتَضِي تَعطِيل النَّصّ، أَوْ يُحمَلَ عَلَى الكُلِّ إلا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ؛ وَهُوَ المَطلُوبُ. وَأَيضًا: الأَمرُ الوَارِدُ عَقِيبَ الوَصفِ المُناسِب يَقتَضِي كَونَهُ مُعَلَّلًا بِهِ، وَمُتَابَعَتُهُ فِي الأَفعَالِ وَالتُّرُوكِ يَقتَضِي صُدُورَ الأَفعَالِ الشَّرعِيَّةِ وَالتُّرُوكِ الشَّرعِيَّةِ عَنِ المُكَلَّفِ؛ وَذلِكَ مُنَاسِبٌ لِلأَمرِ بِهِ، وإذَا كَانَ كَذلِكَ كَانَ يَقتَضِي هذَا التَّكلِيفُ نَفسَ مُتَابَعَتِهِ؛ فَوَجَبَ أَن يَعُمُّ هذَا الحُكمُ. الثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]؛ دَلَّتِ الآيَةُ عَلَى أَنَّ مُتَابَعَةَ الرَّسُولِ مِن لَوَازِمِ مَحَبَّةِ الله تَعَالى، ثُمَّ إِنَّ مَحَبَّةَ الله تَعَالى لازِمَة وَاجِبَةٌ بِالإِجمَاعِ، وَلازِمُ الوَاجِبِ وَاجِبٌ؛ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ مُتَابَعَةُ الرَّسُولِ ﷺ وَاجِبَة. الثَّالِثُ: قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١] وَهذَا الكَلامُ يَجرِي مَجْرَى الوَعِيدِ لِمَنْ تَرَكَ التَّأسِّيَ بِهِ، وَلَا مَعنَى لِلَتَّأسِّي بِهِ، إلا أَن يَأتِيَ الإنسَانُ بِمِثلِ مَا أَتَى بِهِ فِي الفِعلِ وَالتَّركِ. === والاعتراضُ عليه أن المُطلَقَ إنَّما يَدُلُّ على فرد شائع. وقوله: "إنه يلزم من عَدَمِ التعميم الترجيحُ بلا مُرَجِّح، أو تعطيلُ اللَّفظِ"- غَيرُ لازِم؛ لعدم الحَصرِ فيهما، لإمكانِ قِسم ثالث، وهو تحصيلُ المُطلَقِ بإيقاعِ مُسَمَّاهُ كما في سَائِرِ المُطلَقَاتِ. كيف، والمُطلَقُ يكفي العملُ به في صورة، وقد أَجمعنا على وجوب المتابعة في المعلوم وَصفُهُ، وأصل الدِّينِ؟ ! قوله: "وأيضًا الأمر الوارد عَقِيبَ الوَصفِ المُنَاسِبِ يقتضي كونه مُعَلَّلًا به ومتابعته في الأفعال، والتروك ... " إلى آخره. حَاصِلُهُ: التعميمُ بطريقِ القِيَاسِ والمعنى، والجامع: أَنَّ وجوبَ مُتَابَعَتِهِ في صورة ما؛ إِنما كان توقيرًا له وتعظيمًا، وهذا موجودٌ في سائِرِ الأفعالِ؛ فَوَجَبَ التعميم. واعتُرِضَ عليه في المناسبة: بِأنا لا نسَلِّمُ أَنَّ مُتَابَعَةَ العَبدِ لِسَيِّدِهِ في جميع أَفعَالِهِ، مثلُ أَن بَجلِسَ إِذا جَلَس، ويركَبَ إِذا رَكبَ، وَيَأكُلَ إِذا أكل- تكون توقيرًا وتعظيمًا. قوله: "الثَّاني: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] ... " إلى آخره: يقال بِمُوجَبِهِ: فَإنَّ المُتَابَعَةَ هي الإِتيانُ به على الصِّفَةِ التِي أتَى بها: إِن وجوبًا فوجوبٌ، وإن ندبًا فندبٌ، وإن إِباحة فإباحة، وذلك في المَعرُوفِ الصِّفَةِ، ونَحنُ نقولُ به، والنزاع في الفعل المُجَرَّدِ. قوله: "الثالث: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١] وهذا يَجرِي مَجْرَى الوعيد لِمَنْ تَرَكَ التَّأسِّيَ، ولا معنى لِلتَّأسي إلا

стр. 354

فَإن قَالُوا: "إِنَّهُ بِتَقدِير أَن يَعتَقِدَ الرَّسُولُ ﵇ أَنَّ تِلْكَ الأَفعَال غَيرُ وَاجِبَةٍ عَلَى الأُمَّةِ-: كَانَ اعتِقَادُ الأمَّةِ وُجُوبَهَا عَلَيهِم: مُخَالفَة لَهُ وَتَركًا لِمُتَابَعَتِهِ": قُلْنَا: الاعتِقَادُ أَمرٌ خَفِيٌّ، وَهُوَ مُتَعَارِضٌ؛ لأَنَّهُ بِتَقدِيرِ أَنَّ يَعتَقِدَ الرَّسُولُ ﵇ وُجُوبَ مُتَابَعَتِهِ فِي الأَفعَالِ عَلَى الأُمَّةِ-: كَانَ اعتِقَادُهُم أَنَّهَا غَيرُ وَاجِبَةٍ: تَركًا لِمُتَابَعَتِهِ. فَثَبَتَ: أَنَّا إِنِ اعْتَبَرنَا حَال الاعتِقَادِ جَاءَ التَّعَارُضُ؛ فَوَجَبَ طَرحُهُ وَالاقتِصَارُ عَلَى الأَفعَالِ الظَّاهِرَةِ. الرَّابع: قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] فَإِذَا حَمَلنَا لَفظَ "الأَمرِ" عَلَى الشَّأنِ المُطلَقِ، وَالطَّرِيقِ -دَخَلَ فِيهِ جَمِيعُ أفعَالِهِ وَأَقوَالِهِ، وَيَجِبُ حَملُهُ عَلَى هذَا الْمَعنَى؛ لأَنَّهُ هُوَ الْقَدرُ المُشْتَرَكُ بَينَ الأَمرِ بِمَغنَى "القَولِ"، وَبَينَ الأَمْرِ بِمَعنَى "الْفِعلِ". الْخَامِسُ: قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] === أَن يَأتي بمِثلِ ما أتى بهِ في الفِعلِ، والتَّركِ": هذه الحُجَّةُ تمسَّكَ بها القائلون بالندب؛ لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٢١]: ولم يقل: عليكم، وقوله: في قوله تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١] يَجرِي مجرى الوعيدِ" يعني: أَنَّ المرادَ به لِمَنْ كان يَخَافُ الله؛ كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ١١٠]. فيقال له: هذا تَرْك لِلظَّاهِرِ؛ فلا بُدَّ له من دليل. قوله: "فَإِنْ قالوا: إِنَّهُ بتقديرِ أَن يَعتَقِدَ الرسولُ أَن تلك الأفعال غيرُ واجِبَةِ على الأُمَّةِ كان اعتقادُ الأمةِ وُجُوبَهَا عليهم، مُخَالفَة - قلنا: الاعتقادُ أَمرٌ خَفِيٌّ، ومُتَعَارِضٌ": يعني: أَنَّ احتمال الخَطَإ فيه لا يُتَصَوَّر الاحترازُ عنه؛ فإنَّا لو اعتقدنا كونه ندبًا يحتملُ الوجوبَ أيضًا؛ كاحتمال العَكسِ فَيَتَعَيَّن الإِعرَاض عنه. وما ذكره إنَّما يلزم من عيَّن للفعل محملًا، من ندب، أو إباحة، وأمَّا الواقفية فلا. قوله: "الرابع: قولُه تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] إِذا حملنا لَفظَ الأمرِ على الشَّأنِ والطَّريق- دخل فيه جميع أَقوالِهِ، وأفعالِهِ، ويجبُ حملُهُ على هذا المعنى؛ لأنَّه القَدرُ المُشتَرَكُ": يرد عليه: أَنَّ السَّابِقَ إِلى الفهم من الأمرِ القولُ المخصوصُ، وأيضًا الإِجماعُ الذي نَقَلَهُ هو في مسألة الأوامر على أنَّهُ حقيقةٌ في القولِ، فَيَتَعَيَّنُ أن يكونَ مجازًا فيما سواه؛ دفعًا للاشتراكِ. قوله: "الخامس: قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].

стр. 355

وَإِذَا فَعَلَ شَيئًا فَقَدْ أَتَانَا بِذلِكَ الفِعْلِ؛ فَوَجَبَ عَلَى الأُمَّةِ أَنْ يَأْخُذُوا بِهِ. السَّادِسُ: قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَي لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ [الأحزاب ٣٧]؛ بَيَّنَ أَنَّهُ تَعَالى إِنَّمَا زَوَّجَهُ بِهَا؛ لِيَكُونَ حُكمُ أُمَّتِهِ مُسَاويًا لِحُكمِهِ في ذلِكَ؛ وَهذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الاقْتِدَاءَ بِهِ وَاجِبٌ. السَّابِعُ: أَنَّ الاقْتِدَاءَ بِهِ في بَعْضِ الأَعْمَالِ وَاجِبٌ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الاقْتِدَاءُ بِهِ فِي الْكُلِّ وَإجِبًا؛ إلا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ: بَيَانُ الأَوَّلِ: قَوْلُهُ ﵇: "صَلُّوا كَمَا رَأَيتُمُونِي أُصَلِّي"، وَقَوْلُهُ ﵇: "خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكُمْ". بَيَانُ الثَّانِي: أَنَّ كُلَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيهِ الاقْتِدَاءُ بِه فِي بَعْضِ التَّكَالِيفِ، وَجَبَ عَلَيهِ الاقْتِدَاءُ في سَائِرِهَا؛ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ. الثَّامِن: أَنَّ تَرْكَ مُتَابَعَةِ الرَّسُولِ مُشَاقَّةً لَهُ، وَمُشَاقَّةُ الرَّسُولِ مُحَرَّمَةٌ: === أَوْرَدَ عليه: منع أنَّه أتى به لنا، وإنما أَتَى به لنفسه، أو أنَّهُ محمولٌ على الأمر، لمقابلته بالنهي؛ هكذا ذكروا. والحَقُّ: أنَّ: "آتاكم" ممدودٌ من العطاءِ، والآيةُ في النفي. قوله: "السادس: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب ٣٧] بَيَّنَ تعالى أَنه إِنما زَوَّجَهَا منه؛ للاقتداء به؛ ليكونَ حكمُ الأُمَّةِ مساويًا لحُكمِهِ في ذلك" يعني لقوله تعالى: ﴿لِكَي لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الأحزاب ٣٧]. يُقَالُ عليه: إنَّ ذلك قرينةٌ في التَّأسِي، ونحنُ نقولُ به. قوله: "السابع: أَنَّ الاقتداءَ به في البَعْضِ واجبٌ؛ فيجبُ الاقتداءُ به في الكُلِّ، إلَّا ما خَصَّهُ الدليلُ". يرد عليه: أنَّه يَنْقَلِبُ؛ فَإنَّا نقولُ: الاقتداءُ به في بعض الأحوالِ ليس بواجب بالإجماع، فَوَجَبَ أَنْ يكونَ الكُل كذلك إلا ما خَصَّهُ الدليلُ. وجوابه: الترجيحُ بالأغلب. قوله: "الثامن: أَنَّ تَرْكَ مُتَابَعَةِ الرَّسُولِ مُشَاقَّةً لَهُ، وَمُشَاقَّةُ الرَّسُولِ: ﵊ مُحَرَّمَةٌ، وَإِنَّما قلنا: إِنْ تركَ مُتَابَعَةِ الرسولِ مُشَاقَّةٌ لَهُ؛ لأَنَّ المُشَاقَّةَ ... " إلى قوله: "وإنما قلنا أن مشاقة الرسول محرمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يشُاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنْ لَهُ الْهُدَى ... ﴾ الآية [النساء: ١١٥] ". يرد عليه: أَنَّ حَملَ المُشَاقَّةِ على ما ذُكِرَ يَلْزَمُ منه أَنَّ كُلَّ مَن تركَ سُنَّةَ، أو مُبَاحًا فعله رسولُ الله ﷺ يكونُ مَتَوَعَّدًا بمضمونِ الآيةِ، وهو خلافُ الإِجماعِ فيتعينُ حَمْلُ المُشَاقَّةِ على

стр. 356

وَإِنَّمَا قُلْنَا: "إِنَّ تَرْكَ مُتَابَعَتِهِ مُشَاقَّةٌ لَهُ"؛ لأَنَّ المُشَاقَّةَ عِبَارَة: عَن كَوْنِ أَحَدِهِمَا في شِقٍّ، وَكَوْنِ الآخَرِ في شِقٍّ آخَرَ؛ فَإِذَا فَعَلَ الرَّسُولُ ﵇ فِعْلًا وَتَرَكَهُ غَيرُهُ، كَانَ ذَلِكَ الْغَيرُ في شِقٍّ آخَرَ مِنَ الرَّسُولِ؛ فَكَانَ مُشَاقًّا لَهُ. وَإِنمَا قُلْنَا: "إِن مُشَاقَّةَ الرَّسُولِ مُحَرَّمَةٌ"؛ لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء ١١٥] وَالمُرَادُ مِنَ "الْهُدَى": الْمُعْجِزُ الدَّالْ عَلَى كَوْنِهِ رَسُولًا؛ لأَنَّا بَيَّنا أَن المُفْرَدَ الْمُعَرَّفَ بِالأَلِفِ وَالَّلامِ يَنْصَرِفُ إلَى الْمَعْهُودِ السَّابِقِ، وَالمَعْهُودُ السَّابِقُ - هَهُنَا - هُوَ مُعْجِزَاتُهُ. التَّاسِعُ: أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ رَجَعُوا فِي تَكَالِيفِهِمْ إِلَى أَفْعَالِهِ؛ بِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ لَمَّا اخْتَلَفُوا في الغُسْلِ مِنِ الْتِقَاءِ الْخِتَانَينِ، رَجَعُوا فِيهِ إِلَى عَائِشَةَ ﵂ فَقَالت: "فَعْلتُهُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَاغْتَسَلْنَا"، وَالصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ رَجَعُوا إِلَى قَوْلِهَا. === المشاقة العُرفِيَّةِ: المحادة والمعاندة، أو يقالُ: الوعيدُ مُقَيَّدٌ بتبينِ الهُدَى، والنزاعُ في الفعلِ المُجَرَّدِ، وهو مجهولُ الوصف. قوله: "المراد من الهدى: المعجزة" قلنا: تقييدٌ من غيرِ دليلٍ، وَإِنْ حُمِلَ على المعجزة، فالمرادُ من المُشَاقَّةِ: مُشَاقَّةُ الكُفَّارِ؛ ونحنُ نقول به. قوله: "التاسع: أَنَّ الصحابةَ - رضوانُ الله عليهم - رجعوا في مَعْرِفَةِ تكاليفهم إِلى أَفعاله" هذا الدَّليلُ يُقَرِّرُونَهُ إِجماعًا بالوجوهِ التِي ذكرها، وكُلَّهَا محمولَةٌ على ما اقترن به الأمرُ بالتأسي من قوله ﷺ : "صَلَّوا كَمَا رَأيتُمُوْنِي أُصَلِّي"، و"خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ" والغسل من التقاء الختانين من أسباب الصلاة.

стр. 357

ثَانِيهَا: أَنَّهُمْ وَاصَلُوا الصِّيَامَ لَمَّا وَاصَلَ، وَخَلَعُوا نِعَالهُمْ في الصَّلَاةِ لَمَّا خَلَعَ، فَلَمَّا ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ الفَرْقَ، تَرَكُوا تِلْكَ الْمُتَابَعَةَ؛ وَلَوْلَا أَنَّهُ تَقَرَّرَ عِنْدَهُمْ: أَنَّ الأَصْلَ وُجُوبُ مُتَابَعَتِهِ؛ وَإِلَّا لَمَا فَعَلُوا ذلِكَ. ثَالِثُهَا: أَنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ يُقَبِّل الحَجَرَ الأَسْوَدَ، وَيَقُولُ: "إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ؛ وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيتُ رَسُولَ الله ﷺ يُقَبِّلُكَ، مَا قَبَّلْتُكَ". وَبِالجُمْلَةِ: فَتَمَسُّكُ الصَّحَابَةِ بِأَفْعَالِ النَّبِيِّ ﷺ يَجْرِي مَجْرَى التَّوَاتُرِ الظَّاهِرِ. العَاشِرُ: الحَدِيثُ المَشهُورُ؛ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ : "عَلَيكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي، عَضُّوا عَلَيهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ؛ فَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالةٌ". وَالاسْتِدْلَالُ بِهذَا الْخَبَرِ، مِن ثَلاثَةِ أَوْجُهٍ: === قوله: "العاشر: الحديث المشهور؛ وهو قوله ﵊: "عليكم بسنتي ... ": يقال فيه: إِنَّهُ محمولٌ على ما عُرِفَ وَصْفُهُ من قولٍ، أو فعل، وهو الجوابُ عن الحادي عشر، وهو قوله ﵊: "مَنْ تَرَكَ سُنَّتِي فَلَيسَ مِنِّي، وعن الثاني عشر أَيضًا؛ وهو قوله ﵊: "مَا أَنَا عَلَيهِ وَأَصْحَابِي"؛ وعن الثالث عشر؛ وهو قولُهُ ﵊: "تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ".

стр. 358

الأَوَّلُ: أَنَّ السُنَّةَ عِبَارَة عَنِ "الطَّرِيقَةِ" وَهِيَ تَتَنَاوَلُ: الفِعْلَ وَالْقَوْلَ وَالتَّرْكَ، وَقَوْلُهُ ﵇: "عَلَيكُمْ" للْوُجُوبِ؛ وَهذَا يَدُل عَلَى وُجُوبِ مُتَابَعَتِهِ في افْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ وَتُرُوكِهِ. وَالثَّانِي: قَوْلُهُ ﵊: "عَضُّوا عَلَيهَا بِالنَّوَاجِذِ"؛ وَذلِكَ تَأكِيدٌ عَظِيمٌ لِلأَمْرِ بِهِ. وَالثَّالِثُ: قَوْلُهُ ﵇: "إِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ" لَا يُرِيدُ بِهِ كُلَّ مَا حَدَثَ بَعْدَ مَا لَمْ يَكُنْ؛ فَإنَّ جَمِيعَ الأَفْعَالِ هَكَذَا، بَلِ الْمُرَادُ مِنْهُ: مَا يَأتِي بِهِ الإِنْسَانُ مَعَ أَنَّهُ ﵇ لَمْ يَأْتِ بِمِثلِهِ، وَذلِكَ مُتَنَاولَ لِلْفِعْلِ وَالتَّرْكِ؛ فَكُلُّ مَا فَعَلَهُ الرَّسُولُ ﵇ كَانَ تَرْكُهُ بِدْعَة، وَكُلَّ مَا تَرَكَهُ الرَّسُولُ ﵇ كَانَ فِعْلُهُ بِدْعَةٍ. فَلَمَّا حَكَمَ عَلَى البِدْعَةِ بِأنَّها ضَلَالةَ؛ عَلِلْنَا بِأَنَّ مُتَابَعَةَ الرَّسُولِ ﵇ في كُلِّ الأُمُورِ وَاجِبَةٌ؛ إِلا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ. الحَادِيَ عَشَرَ: قَوْلُهُ ﵇: "مَنْ تَرَكَ سُنَّتِي، فَلَيسَ مِنِّي" وَالسُنَّةُ: الطَّرِيقَةُ؛ فَكَانَ ذلِكَ مُتَنَاولًا لِلأَقوَالِ، وَالأَفْعَالِ، وَالتُّرُوكِ. الثَّانِيَ عَشَرَ: أَنَّهُ قَال ﵇: "إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَت عَلَى اثْنَتَينِ وَسَبعِينَ فِرْقَة، وَسَتَفتَرِقُ أُمتِي عَلَى ثَلَاث وَسَبْعِينَ فِرْقَة كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إلا فِرْقَةً وَاحِدَةً"، فَقَالُوا: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ الله؟ قَال: "مَا أَنَا عَلَيهِ وَأَصْحَابِي". وَالاسْتِدْلَالُ بِهِ: أَنَّ قَوْلَهُ ﵇: "مَا أَنَا عَلَيهِ وَأَصْحَابِي" يَتَنَاوَلُ الأَقْوَال، وَالأَفْعَال، وَالتُّروكَ. الثَّالِثَ عَشَرَ: قَوْلُهُ ﵇: "لَا يُؤمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ" وَمَنْ تَرَكَ فِعْلًا فَعَلَهُ الرَّسُولُ ﵇ لَمْ يَكُنْ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَدْخُلَ تَحْتَ هذَا الْوَعِيدِ. الرَّابِعَ عَشَرَ: قَوْلُهُ ﵇: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ إِمَامًا لِيُؤتَمْ بِهِ؛ فَلَا تَخْتَلِفُوا === قوله: "الرابع عشر قوله ﵊: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤتَمَّ بِهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيهِ؛ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا" دَلَّ الحديثُ: على أنهُ يجبُ على كُلِّ قومٍ أَنْ يأتوا

стр. 359

عَلَيهِ؛ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا". دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ قَوْمٍ أَنْ يَأتُوا بِمِثْلِ مَا فَعَلَ إِمَامُهُمْ، وَلَمَّا أَجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ ﵇ إِمَامُ الأَئِمَّةِ بِأَسْرِهِمْ -: وَجَبَ عَلَيهِمْ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ أَفْعَالِهِ وَتُرُوكِهِ؛ إلا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ. وَاحْتَجَّ الْمُخَالِفُ: بِأنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ ﵇ كَانَ مَخْصُوصًا فِي تَكَالِيفِهِ وَأَفْعَالِهِ بِأُمُورِ لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا غَيرُهُ. === بِمِثلِ ما فعل إِمامُهم، ولمَّا أجمعتِ الأُمَّةُ على أنَّه ﵇ إِمَامُ الأَئِمَّةِ بِأَسْرِهِمْ -: وَجَبَ عَلَيهِمْ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ أَفْعَالِهِ إلا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ. يرد عليه: ما تَقَدَّمَ. قوله: وَاحْتَجَّ الْمُخَالِفُ: بِأنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ ﵇ كَانَ مَخْصُوصًا فِي تَكَالِيفِهِ وَأَفْعَالِهِ بِأُمُورِ لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا غَيرُهُ. هذه الحُجَّةُ للواقِفِيَّةِ، وتمامُهَا: أَنَّ الفعلَ لا صِيغَةَ له، والخصوصياتِ مُتَعَارِضَةٌ، والأَدِلَّةَ مُتَكَافِئَةٌ؛ فَيَتَعَيَّنُ الوَقْفُ إِلى البيان.

стр. 360

الْجَوَابُ: أَنَّ الدَّلَائِلَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا: إِنْ تَرَكْنَاهَا - لَزِمَنَا صَرْفُ تِلْكَ الظَّوَاهِرِ إِلَى الْمَجَازَاتِ، وَلَوْ أَبْقَينَاهَا عَلَى ظَوَاهِرِهَا لَزِمَنَا إِدْخَالُ التَّخْصِيصِ فِيهَا؛ وَقَدْ بَيَّنَّا في "بَابِ الْمَجَازِ": أَنَّ التَّخْصِيصَ خَيرٌ مِنَ الْمَجَازِ. === قوله: "الجواب أن الدلائل التي ذكرناها: إِنْ تركناها لَزِمَ صَرْفُ الظواهر إِلى المجازات"، يعني: أَنْ تُصْرَفَ الأَوامِرُ لغير الوجوب، وهو مجازٌ. قوله: "ولو أبقيناها على ظواهرها، لزمنا إِدخالُ التخصيصِ عليها": لأنَّ الأَمْرَ بالاتباع، والتأسِّي، وغيره - مُقْتَضَاهُ التَّعْمِيمُ، وقد أَجْمَعْنَا على تَخصِيصِهِ. قوله: "قد بَيَّنَّا في بابِ المجازاتِ أَنَّ التخصيصَ خَيرٌ من المجازِ": يعني: فيكون الاعتمادُ على، ما ذكرنا من أدلة الوجوب، أَوْلَى. واحتجَّ لِلنَّدْبِيَّةِ بالآية المتقدمة، وهي قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، ولم يقل: عليكم، وما ذكر في تقرير الندبية، يُعَارِضُهُ ما ذكر في تقرير الوجوب. واحتجوا: بأنَّ ما فعله: إِمَّا أَنْ يكونَ راجِحَ الفعلِ، أو التَّرْكِ، أو مساويًا، ولا جَائِزٌ أَنْ يكونَ راجِحَ التركِ؛ لِمَا يلزمُ فيه من المُخَالفَةِ، وَمَنْصِبُهُ ﵊ يَجِلُّ عن ذلك، ولا مساويًا؛ لأنه عَبَثٌ؛ فيتعَيَّنُ أَنْ يكونَ راجحًا. ولُحُوقُ العِقَابِ، أو الذَّمِّ مَشْكُوكٌ فيهما؛ فيتعين النَّدْبُ. والاعتراضُ عليه: لا نُسَلِّمُ أَنَّ فِعْلَ المساوي عَبَثٌ؛ بل إِباحة. والظاهِرُ حَمْلُ ما كان في مَحَلِّ القربة على النَّدْبيَّةِ؛ لأنه راجِحُ الفعلِ، وهو المُتَيَقَّنُ. وما لم يكن في محل القربة: على الإِباحَةِ، إلا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ.

стр. 361

الْفَصْلُ الثانِي التَّنْبِيهُ عَلَى فَوَائِدِ هذَا الأَصْلِ الْفَائِدَةُ الأُولَى اعْلَمْ: أَنْا إِذَا شَكَكنَا في أَمْرٍ مِنَ الأمُورِ: هَل فَعَلَهُ الرَّسُولُ ﵇ أَمْ لَا؟ قُلْنَا: إِلَى إِثبَاتِهِ طُرُقٌ: الطَّرِيقُ الأَوَّلُ: أَنَّا إِذَا أَرَدْنَا أَنْ نَقُولَ: إِنَّهُ ﵇ تَوَضأَ مَعَ النِّيَّةِ وَالتَّرْتِيبِ -: قُلْنَا: لَا شَك أَنَّ الوُضُوءَ مَعَ النِّيَّةِ وَالتَّرْتِيبِ أَفْضَلُ، وَالعِلمُ الضَّرُورِيُّ حَاصِل بِأَنَّ أَفْضَلَ الخَلْقِ لَمْ يُوَاظِبْ عَلَى تَرْكِ الأَفْضَلِ طُولَ عُمُرِهِ؛ فَثَبَتَ: أَنَّهُ أَتَى بِالْوُضُوءِ الْمُرَتبِ الْمَنويِّ، وَلَمْ يَثْبُتْ - عِنْدَنَا - أَنَّهُ أَتَى بِالْوُضُوءِ العَارِي عَنِ النِّيَّةِ وَالتَّرْتِيبِ، وَالشَّكُّ لَا يُعَارِضُ الْيَقِينَ؛ فَثَبَتَ: أَنَّهُ ﵇ أَتَى بِالوُضُوءِ المُرَتبِ المَنْويِّ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَجِبَ عَلَينَا مِثلُهُ لِلأَصْلِ الذِي قَرَرْنَاهُ. الطَّرِيقُ الثَّانِي: أَنْ نَقُولَ إِنَّهُ ﵇ لَوْ تَرَكَ النِّيَّةِ وَالتَّرْتِيبِ، لَوَجَبَ عَلَينَا === قوله: الفصل الثاني في التنبيه على فوائد هذا الأصل: الفائدة الأولى: إِذا شككنا في شيءٍ من الأمور، هَل فعله النَّبِيُّ ﷺ -أو لا؟ قلنا: في إثباته طرق: الأولى: أنا إذا أردنا أن نقول إِنَّهُ ﷺ توضأ مع النِّيَّةِ وَالتَّرْتِيبِ - قلنا: لا شك أَنَّ الوضوءَ مع النية أفضل" يعني: لِمُسَاعَدَةِ الخَصْم، والإجْمَاعُ أنَّه راجحُ الفعل. قوله: "والعلم الضروريُّ حاصِلٌ بأنَّ أَفضلَ الخلق يُوَاظِبُ على الأفضل طول عمره ... " إِلى قوله: "فوجب أن يجب علينا مثله؛ للأصل الَّذي قررناه" يعني: مِن حَمْلِ أَفعالِهِ المُطلَقَةِ على الوجوب. والاعتراضُ على هذه الطريقة من وجهين: أحدهما: أن تبيُّنَ أنَّه فعل مقابل المدعى فعله بوجه ما - إن أمكن ثَمَّ - يقلب الدليل. الثاني: أَنَّ مُقتَضَى ذلك رَفْعُ المَنْدُوب. وجوابه: ما أشارَ إِليه في الفائدة الأَخيرة أنَّه الأَصْلُ، إِلا أَنْ يَدُل دليلٌ على خلافه فَيُصَارُ إِليه. قوله: (الطريق الثاني أن نقول: إِنه ﵊ لو ترك النية أو الترتيب، لوجب علينا تَركُهُ؛ فثبت أنَّه ما تركه بل فعله؛ وحينئذ: يحصل المطلوب، يعني: على ما قَرَّرَهُ

стр. 362

تَرْكُهُ؛ لِلدَّلَائِلِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُوبِ الاقْتِدَاءِ بِهِ، وَلَمَّا لَمْ يَجِبْ عَلَينَا تَرْكُهُ؛ ثَبَتَ أَنَّهُ مَا تَرَكَهُ بَل فَعَلَهُ؛ وَحِينَئِذٍ: يَحْصُلُ الْمَطلُوبُ. وَيفْتقرُ ههُنَا إِلَى بَيَانِ أَنَّ لَفْظَ "الْمُتَابَعَةِ" يَدْخُلُ فِيهِ الأَفْعَال وَالتُّرُوكُ: فَنَقُولُ: قَد ذَكَرنَا في "عِلمِ الكَلَامِ": أَنَّ التَّركَ لَيسَ عِبَارَة عَنِ العَدَمِ المَحَضِ، بَل هُوَ عِبَارَةٌ عَن فِعْلِ الضِّدِّ وَإِذَا ثَبَتَ هذَا: كَانَ التَّركُ فِعلًا مَحْضًا؛ فَيَدْخُل فِيهِ. وَأَيضًا: فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَال: "فُلَانٌ يَتَّبعُ أُسْتَاذَهُ في أَفْعَالِ الخَيرِ، وَلَا يَتَّبِعُهُ في فعْل الشَّرِّ"؛ وَذلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ. الطَّرِيقُ الثَّالِثُ: أَنْ يُرْوَى خَبَرٌ أَنَّهُ ﵇ أَتَى بِذلِكَ الفِعْلِ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ الْمُختَارُ - عِنْدَنَا -: أَنَّهُ إِذَا نُقِلَ إِلَينَا أَخْبَارَ مُتَعَارِضَةٌ في فِعْلٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَصِحَّ عِنْدَنَا أَنَّهُ آخِرُهَا كَيفَ كَانَ -: فَإِنَّهُ يَكُونُ الْمُكَلَّفُ مُخْتَارًا في الكُلِّ؛ === مِن حَمْلِ فعله المُطلَقِ على الوجوب. قوله: "ويفتقر ها هنا إِلى بيانِ أَنَّ لَفْظَ المتابعة تدخل فيها الأفعال، والتروك، فنقول: قد ذكرنا في علم الكلام أَنَّ التركَ ليس هو العَدَمَ المَحْضَ، بل هو عبارة عن فعل الضِّدَّ، وَإِذا تَبَيَّنَ هذا كان التركُ فعلًا محضًا": هذا بناءً منه على أَنَّ العَدَمَ الطارئَ لا يكون أثرًا للقدرة، وقد نَقَلَ القاضي في أَحَدِ قوليه صِحَّةَ كونه مُتَعَلَّقًا للقدرة؛ فحينئذٍ لا يكونُ الترك فِعْلَ الضِّدِّ. قوله: "وأيضًا، فإِنه يصح أن يقال: فلان يتبع أستاذه في فعل الخير، ولا يتبعه في فعل الشر" يعني: وحسن السلب مُشعِرٌ بإِمكان الوقوع. قوله: "وذلك يَدُلُّ على ما قلناه" هذا التقدير لا يفتقر فيه إِلى أن الترك أمر وُجُودِيٌّ. قوله: "الطريق الثالث أن يروي خبر أنَّه ﵊ أتى بذلك - الفعل" إِنما ذكره؛ لِحَضرِ الطُّرُقِ، وإِلا فهو واضح. قوله: "الفائدة الثانية: المختار عندنا أنَّه إِذا نُقِلَ إِلينا أخبارٌ متعارضة في فعل واحد، ولم يصح عندنا أن آخرها كيف كان - فإنه يكون المُكَلَّفُ مُخَيَّرًا في الكُلِّ؛ مثاله: إذا صح خَبَرٌ أَنه ﵊ سجد للسهو قبل السلام، وخبر أنَّه سجد بعد السلام، ولم يثبت بالنقل آخر أفعاله -: وجب القول بالتخيير ... " إِلى آخره:

стр. 363

مِثْالُهُ: إِذَا صَحَّ خَبَرٌ: فِي أَنَّهُ سَجَدَ لِلسَّهْو قَبْلَ السَّلَامِ، وَخَبَرٌ آخَرُ: في أَنَّهُ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ، وَلَمْ يَثبُتْ بِالنَّقْلِ أَنَّ أَوَاخِرَ أَفْعَالِهِ كَيفَ كَانَ -: وَجَبَ القَوْلُ بِالتَّخْيِيرِ. وَإِذَا اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ في أَنَّهُ ﵇ رَفَعَ يَدَيهِ إِلَى مَنْكِبَيهِ أَوْ إِلَى أُذُنَيهِ - فَهَهُنَا: يُرَجَّحُ مَا تَأْيَّدَ بالأَصْلِ؛ فَنَقُولُ: وَجَبَ تَرْجِيحُ المَنْكِبَينِ؛ لأَنَّ الأَصْلَ تَقْلِيلُ الأَفْعَالِ فِي الصَّلَاةِ؛ وَهذَا أَقَلُّ. فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ هذَا التَّرْجِيحُ - وَجَبَ تَرْجِيحُ الأَقْرَبِ إِلَى شَرَائِطِ الْعُبُودِيَّةِ. فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ذلِكَ - حُكِمَ فِيهِ بِالتَّخْييرِ؛ مِثْلُ الأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ في أنَّهُ ﵇ فِي التَّشَهُّدِ كَيفَ كَانَتْ أَصَابعُ يَدَيهِ. === وبالجملة: إِذا حَصَلَ التعارض، ولم يتحقق شَرْطُ النسخ وَجَبَ الرُّجُوعُ إِلى الترجيح، ومن وجوهِ الترجيح ما ذكره من أَنَّ تعليلَ الأفعالِ في الصلاة مُؤَيَّدٌ بالأصل؛ كرفع اليدين إِلى المنكبين في إِحدى الروايات. وقيل: إِنَّ الشَّافِعِي ﵀ لما قَدِمَ العِرَاقَ اجتمع عنده العلماءُ، فَسُئِلَ عن أحاديث الرفع، وأنه رُويَ أنَّه ﵊ رَفَعَ حَذوَ مَنْكِبَيهِ، وَحَذوَ شَحمَةِ أُذُنَيهِ؟ فقال: أَرى أنْ يَرْفَعَ بحيثُ تُحَاذِي أَطْرافُ أَصابِعِهِ أذنيه، وَإِبهامُهُ شَحْمَةَ أَذنيهِ، وكفَّاه حَذْوَ منكبيه. فَاسْتُحسِنَ ذلك منه في الجمع بين الروايات. وروى صالح بن خوات بن جبير: "أن الطائفة الأولى أتمت ما بقي عليها [ثم مضت]، وأتت الطائفة الثانية": .

стр. 364

الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ مُقْتَضَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الأَصْلِ: أَنَّ كُل مَا فَعَلَهُ الرَّسُولُ ﵇ فِي الطَّهَارَاتِ وَالصّلَاةِ والصَّوْمِ -: وَجَبَ أَنْ يَجِبَ عَلَينَا مِثْلُهُ. فَإِنْ دَلَّ دَلِيلٌ: إِمَّا نَصٌّ خَاصٌّ، أَو إِجْمَاعٌ بَينَ الأُمَّةِ، عَلَى أَنَّهُ لَيسَ بِوَاجِبٍ -: قَضَينَا بِعَدَمِ وُجُوبِه؛ وَإِلَّا حَكَمْنَا بِوُجُوبِهِ. فَهذِهِ أُصُولٌ؛ مَنْ وَقَفَ عَلَيهَا؛ سَهُلَ عَلَيهِ مَعْرِفَةُ الشَّرِيعَةِ. === فهذ الرواية أَقَل تَغَيُّرًا، فَرَجَّحَهَا الشافِعِيُّ بذلك، بأنها أكثر رُوَاةً، وأنها مُقَيَّدَة بغزوة ذاتِ الرقاع، وهي من آخرِ الغزوات، التي صُلّيَت بها صلاةُ الخوف، ولا يرد عليه تبوك، أم يعني أنها آخر الغزوات مطلقًا؛ فيرد عليه ما ذكرناه؛ إِذ كان العَدَوِّ في غير جهة القِبْلَةِ وأنه ﵊ صَلَّى بالطَّائِفَةِ الأُولَى رَكعَةً، ثم مَضَت إِلى تِجَاهِ العَدُوِّ، وَأَتَتِ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ فَصلَّى بِهمْ رَكعَةً ثُمَّ أَتَمُّوا لأَنْفُسِهِمْ، وَانْتَظَرَ الطَّائِفَةَ الأُولَى حَتَّى أَتَتْ وَصَلَّت مَا بَقِيَ عَلَيهَا، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ. قوله: "الفائدة الثالثة: أَنَّ مُقْتَضَى ما ذكرناه أَنَّ كُل ما فَعَلَهُ الرسول ﷺ في الطَّهَارَةِ، والصلاة، والصوم -وجب علينا مثله. فإِنْ دَلَّ دليلٌ، إِمَّا نَصَّ، أو إِجماع، أو قياس على أنَّه ليس بواجب- قضينا بعدم وجوبه": وهذا لازم على ما اختاره وجوابه: ما ذكره، وهو واضح. ومِمَّا يتعلق بذلك: أنا قد ذكرنا أنَّ الأَظهَرَ وجوبُ التأسي فيما ظهرت صِفَتُهُ من أفعاله ﵊ على الوجه الَّذي أتى به من إِباحة، أو نَدْب، أو وجوب. ويحتاج إِلى مَعْرِفَةِ الطُّرُقِ المُعَرّفَةِ لذلك: فَمِمَّا تُعْرَفُ به الإِباحَةُ: تَنْصِيصُهُ عليها، أو لآية دَلَّتْ على الإِباحة، أو فِعْلُهُ ذلك بيانًا لها. ومِمَّا تعْرَفُ به النَّدْبِيةُ: تنصيصُهُ عليها، أو فعلُه امتثالًا لآية دَلَّتْ على النَّدْبِ، أو فِعْلُهُ بيانًا لها، أو كونه قضاءَ المندوبِ، أو التخييرُ بينه وبين مندوب، أو مُوَاظَبَتُهُ عليه وَتَركُهُ في حالةٍ من غير عُذرٍ ولا نسخ، أو كونه في معرض قَرِينةٍ مع أَنَّ الأَصْلَ رَفْعُ المؤاخذة. ومِمَّا يُعْرَف بِهِ الوُجُوبُ: الخمسة المُتَقَدَّمَةُ، أو اقترانُهُ بما يَدُلُّ على وجوبه، كال صلاة بأذانٍ، أو كزيادة الركوع في صلاة الخوف؛ لأنه لو لم يكن واجبًا فيها - أعني: وجوب شرائط الصحة كوجوب الطهارة في صلاة النافلة - بَطَلَتِ الصَّلَاةُ.

стр. 365

الْبَابُ السَّادِسُ فِي النَّسْخِ، وَفِيهِ مَسَائِل: الْمَسْأَلَةُ الأوُلَى اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ النَّسْخِ، وَاليَهُودُ خَالفُوهُمْ. === النسخ يُطْلَقُ لغةً: ...............................

стр. 366

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === بمعنى الرفع والإزالة يقال: نَسَخَتِ الشمسُ الظلَّ، ونَسَخَتِ الرياحُ آثارَ القومِ. وبمعنى: النقل والتحويل؛ كَتَنَاسُخِ المَوارِيثِ، ومنه: نَسَختُ الكتابَ: فقيل: إِنه حقيقة فيهما؛ لاستعماله فيهما, ولَيس بَينهما قَدْرٌ مُشْتركٌ، فيكون مُتَوَاطِئًا ولا علاقة؛ فيكون أحدهما مجازًا. وقِيل: حقيقة في النقل؛ لاستلزامه الإِزالةَ. وقِيل: حقيقة في الرفع: وهو الأظهر؛ لتبادُرِهِ إلى اللهم عند الإِطلاق. واخْتُلِفَ في معناه وَحدِّهِ شرعًا: .............................

стр. 367

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === فقال القاضي: هو الخطابُ الدَّالُّ على رَفْعِ حُكمِ خِطَابٍ سابق، وارتضاه الغزاليُّ. واعْتُرِضَ عَلَيهِ بوجوه: الأول: أنَّ الحكم عنده قديم، والخطابُ وتَعَلُّقُهُ لنفسه، فكيف يُتَصَوَّرُ رَفْعُهُ؟ ! الثاني: أنه غير جامعٍ؛ فإنَّ الحكم قد يستند إلى فعلِ الرسول ﷺ ويكون ناسخًا ومنسوخًا. الثالث: أن ما ذكره حَدُّ الناسخِ لا النسخِ. وأُجِيبَ عن الأول: بأنَّ المنسوخَ تَقَرُّرُ الحُكمِ فِي الأَذهان والمُعْتَقَدَاتِ، لا في نفس الأمر؛ فإِنه قَدِيمٌ. وعن الثاني: بأنَّ الفعلَ إنما يَدُلُّ وإسناده إلى قول: إما عامّ؛ كقوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام ١٥٥] وإما خَاصّ؛ كقوله ﵊: "صَلُّوا كَمَا رَأَيتُمُونِي أُصَلِّي". وأما الثالث: فلازم والأَسَدُّ فيه أنْ يُقَال: النَّسْخُ: رَفْعُ حكمٍ شرعيِّ بدليل شرعيِّ مُتَأخِّرٍ عَنْهُ، فالمعنيُّ برفع الحكم: أنَّ الشارع إذا أَمَرَنَا باستقبالِ بيت المقدس في كلِّ صلاة بغير عدد، وحكمنا بوجوب الاستقبال دائمًا، واعتقدنا دوامه، فإن وَرَدَ بعد ذلك قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة ١٤٤]-: كان زوالُ حُكمِنَا واعتقادِنا بوجوب استقبال بيتِ المقدس وارتفاعه- بسبب الخطاب؛ فَأُضِيفَ إِليه؛ كما أَنَّ مُقُتَضى البيعِ دوامُ المِلْكِ، فإِذا ورد الفَسْخُ عليه أُضِيفَ زوالُ المِلْكِ إِليه. وتقييدُ الحكمِ المرفوعِ "بالشرعيِّ" احترازٌ من رفع حكم البراءة الأَصْلِيَّةِ، وإيجاب الصلاة والزكاة، وغير ذلك. وتقييدُ الرافع بدليل شرعي: احترازٌ من سُقُوطِهِ بالموت، وطريان العجز مع شُمُولِهِ لجميع الأَدِلَّةِ الشرعية: القولية والفعلية. وتقييدُه بالتأْخِيرِ: احترازٌ من تقييدِ الحُكْمِ بغاية ابتداء؛ كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾ [البقرة ١٨٧]. هذا مذهب القاضي، وخالفه أبو إِسحاقَ الإسفراييني والإمام، وَردَّاهُ إلى بيانِ ظهور انتفاء شرط الاستمرار.

стр. 368

وَاعْلَمْ: أَنَّ جُمْهُورَ الْمُسْلِمِينَ احْتَجُّوا عَلَى وُقُوعِ النَّسْخِ؛ بِأَنْ قَالُوا: ثَبَتَ الْقَوَلُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَصِحَّةُ نُبُوَّتِهِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى صِحَّةِ حُصُولِ النَّسْخِ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ النَّسْخُ حَقًّا. وَلقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ صِحَّةَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدِ ﵇ أَمْرٌ مُوْقُوفٌ عَلَى حُصُولِ النَّسْخِ؛ لأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُقَال: إِنَّ مُوسَى وَعِيسَى ﵉ نَصًّا عَلَى أَنَّ شَرْعَهُمَا يَبْقَى إِلَى ظُهُورِ شَرْعِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَكَانَ انْتِهَاءُ شرْعِهِمَا جَارِيًا مَجْرَى قَوْلِهِ تَعَالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. === وخالفه الفخر أيضًا، والمعتزلة, وجمهورُ الفقهاء، وَرَدُّوه إلى بيانِ أمد الحكم، ولكل منهم معتمد. والرَّدُّ عليهم يأتي في المسألة الثانية إِن شاء الله تعالى؛ حيثُ ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ، وكان حَقُّهُ أنْ يذكره أولًا؛ لأن البحثَ في جوازِ النسخ ووقوعه فَرْعُ تَصَوُّرِهِ. قوله: "المسألة الأولى: اتفق المسلمون على جواز النسخ ... ". نُقِلَ عن طائفة من المسلمين مَنْعُهُ، وردُّوا جميع ما يُدَّعَى أنه نسخ إلى التخصيص. وجمهورُ اليهودِ على امتناعه عقلًا، وذهب شِرذِمَةٌ منهم إلى امتناعه سمعًا. قوله: "واعلم أَنَّ جمهورَ المسلمين احتجوا على وقوع النسخ بأَنْ قالوا: ثبت القول بنبوة محمَّد ﷺ وصِحَّةُ نُبُوَّتِهِ موقوفةٌ على النسخ؛ فَوَجَبَ أَنْ يكونَ النسخ حقًّا": هذا كلامٌ ليس على ظاهره؛ فإِنَّ نُبُوَّةَ محمَّد ﷺ لا تتوقف إلَّا على إِثبات المُعْجِزَةِ، وإنَّما مُرَادُهُ أنَّ ثبوتَ نبوة محمَّد ﷺ مع كونها ناسخةً لبعض الشرائع المتقدمة - موقوفةٌ على صِحَّةِ النسخ على هذا التقدير. واعْتُرِضَ عليه: بأَنَّ هذا لا يُفِيدُ مع اليهودِ مع تكذيبهم لنبوةِ محمَّد ﷺ فلا تَثْبُتُ نبوتُهُ ما لم يثبتِ النسخُ، ولا يثبتِ النسخُ ما لم تثبت نبوتُهُ؛ فيدور. والوجه أَنْ يُحَرَّرَ إِيرادُهُ فيقالُ: وُقُوعُ الخارِقِ على وَفْقِ دعوى المُتَحَدِّي، مع العَجْزِ عن معارضته- إمَّا أَنْ يَدُلَّ على صدق المتحدي أَوْ لا: فإنْ لم يَدُلَّ على صِدْقِ المتحدي لَزِمَ أَلَّا يُصَدْقوا موسى، ﵇. وإنْ دلَّ: لزم تصديقُ محمَّد ﷺ . قوله: "ولقائِلٍ أَنْ يقول: لا نسلم أَنَّ صحةَ نبوةِ محمَّد ﷺ موقوفةٌ على النسخ؛ إِذْ يمكنُ أَنْ يقال: إِن موسى ﵇ نَصَّ على بقاءِ شَرْعِهِ إِلى ظهورِ شَرْعِ محمَّد ﷺ فكان انتهاءُ شَرْعِهِ جاريًا مجرى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾ [البقرة ١٨٧] ": هذا السؤال لا يمكن لليهود إيراده؛ لأَنَّ في ضمنه تصديق محمدٍ ﷺ وهم لا يُصَدِّقُونه؛ وإِنما هو شَكٌّ في هذه الحُجَّةِ، وقد يتمسك به مَنْ ينفي النسخ من المسلمين. والرَّدُّ عليه بالحُجَج السمعية كما سيأتي إنْ شاء الله تعالى

стр. 369

وَمِنَ النَّاسِ مَنِ احْتَجَّ عَلَى النَّسْخِ؛ بِأَنَّ الْقُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلَى آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مَنْسُوخَةٍ. وَاعْلَمْ: أَنَّا بَيَّنَّا فِي "التَّفْسِيرِ الْكَبِيرِ": أَنَّ أَكْثَرَ مَا يُدَّعَى فِيهِ أَنَّهُ نَسْخٌ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى التَّخْصِيصِ. وَالْمُعْتَمَدُ فِي جَوَازِ النَّسْخِ: الْعَقْلُ، وَالنَّقْلُ: أمَّا الْعَقْلُ: فَهُوَ أَنَّ الإِيجَادَ يَحْصُلُ بِالْقُدْرَةِ، وَالإِيجَابَ بِالْكَلامِ؛ فَكَمَا لَا يَبْعُدُ حُصُولُ الإِيجَادِ بَعْدَ الإِعْدَامِ، وَالإِعْدَامِ بَعْدَ الإِيجَادِ فَكَذلِكَ لَا يَبْعُدُ حُصُولُ الإِيجَابِ بَعْدَ الحَظْرِ، والحَظْرِ بَعْدَ الإِيجَابِ. وَأَمَّا النَّقْلُ: فَقَوْلُهُ تَعَالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]. === قوله: "ومن الناس مَنِ احتج على النسخ بأن القرآن مُشتَمِلٌ على آياتٍ كثيرة منسوخةٍ" - كآية العِدَّةِ، وآية الصَّدقَةِ بين يدي النجوى، وغيرِ ذلك-: ظاهِرٌ. قوله: "واعلم أنَّا بَيَّنَّا في "التفسير الكبير": أَنَّ أكثر ما يُدَّعَى فيه أنه نسخ؛ فإنَّهُ يَصِح حَمْلُهُ على التخصيص" يعني: فالاعتمادُ على الآية الدَّالَّةِ على النسخ من حيثُ الجملة؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ [النحل: ١٠١"] , وقوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء ١٦٠] , وقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة ١٠٦]-أولى من الاحتجاج بالآية الدالة على التفصيل. قوله: "والمُعْتَبَرُ في جوازِ النسخِ العَقْلُ والنَّقْلُ: أما العَقْلُ: فهو أن الإِيجاد يَحْصُلُ بالقدرة، والإِيجابَ بالكلام، فكما لا يَبْعُدُ حُصُولُ الصحة بعد السقم ولا يبعد حصولُ الإِيجاب بعد الحظر والحظر بعد الإيجاب ... " إلى آخره: حاصِلُ هذه الحُجَّةِ: أنه لو امتنع النَّسْخُ، فَإِمَّا أن يَمْتَنِعَ لذاته، أو لغيره: ولا امتناعَ لذاته بالاتفاق. ولو امتنع لغيره لكان: إِمَّا لِمَا يَلْزَمُ منه من البَدَاءِ؛ كما يَزعُمُ اليهودُ، أو للتناقُضِ؛ كما تزعم المعتزلةُ في النسخ قبل الامتثال: مِنْ أَنَّ الشيءَ الواحِدَ يكونُ مُرادًا ولا مرادًا، حسنًا قبيحًا؛ للإِجماع على أَنَّ ما عدا ذلك ليس بمانعٍ. ولو لَزِمَ البداءُ أو التناقُضُ في الحكم، لَلَزِمَ في الفعل من تبديل الحياة بالموت، والصحةِ بالسقم، والغِنَى بالفقر، وعَكسُ ذلك، فكما لا يمتنع منه التَّصَرفُ بالفعل، ولا يلزَمُ منه البداء ولا التناقض- فكذلك لا يَمْتَنِعُ بالقول ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. قوله: "وأمّا النَّقْلُ فقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة ١٠٦]: لا يقال: المرادُ بالنسخ النقلُ من اللَّوْحِ المحفوظِ إِلى صُحُفِ الملائكة؛ لأنَّا نقولُ: يلزم أَنْ

стр. 370

احْتَجَّ الْيَهُودُ عَلَى إِنْكَارِ النَّسْخِ؛ بِوَجْهَينِ: الأَوَّلُ: أَنَّ مُوسَى ﵇ حِينَ نَصَّ عَلَى شَرْعِهِ: فَإِمَّا أَنْ يُقَال: إِنَّهُ نَصَّ عَلَى الدَّوَامِ، أَوْ عَلَى عَدَمِ الدَّوَامِ، أَوْ سَكَتَ عَنِ الْقَيدَينِ: فَإِنْ كَانَ الأَوَّل: كَانَ حُصُولُ عَدَمِ الدَّوَامِ يُوجِبُ كَذِبَهُ؛ وَهُوَ بَاطِلٌ بِالاتِّفَاقِ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِي: وَجَبَ أَنْ يَكُونَ نَقْلُ هذَا الْقَيدِ جَارِيًا مَجْرَى نَقْلِ أَصْلِ تِلْكَ الشَّرِيعَةِ؛ لأَنَّهُ لَمَّا كَانَ هذَا الْقَيدُ حُكْمًا تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ بَيَّنَهُ بَيَانًا ظَاهِرًا-: وَجَبَ أَنْ يُنْقَلَ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا؛ إِذْ لَوْ جَازَ فِي مِثْلِ هَذَا أَلَّا يُنْقَل، جَازَ -أَيضًا- أَنْ يُقَال: إِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ بَيَّنَ فِي الصَّلاةِ وَالصَّوْمٍ وَالْحَجِّ: أَنَّها سَتَصِبرُ مَنْسُوخَةً بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ، أَوْ أَقَلَّ، أَوْ أَكْثَرَ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ؛ وَعَلَى هذَا التَّقْدِيرِ: فَإِنَّهُ تَخْرُجُ جَمِيعُ الشَّرَائِعِ عَنِ الْوُثُوقِ بِهَا. === يكون القرَآنُ كُلُّهُ منسوخًا، ولا يبقى لقوله: ﴿نَأْتِ بِخَيرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة ١٠٦]- فَائِدَةٌ. قوله: "واحتج اليهود بوجهين" وجوابهما واضح. [قوله]: "قال أكثرُ الفقهاءِ: النسخ عبارة عن انتهاءِ مُدَّةِ الحكم، وهو المختار": صَوَابُهُ أَنْ يُقَال: عِبَارَةٌ عَنْ بَيَانِ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الحُكْمِ مَعَ تَرَاخِيهِ. وإِلَّا لَزِمَ أَنْ يكونَ البيانُ بالتعيين بزمان مُتَّصِلٍ نسخًا. قوله: "وقال القاضي: النسخ رَفْعُ الحُكْمِ بعد ثُبُوتِهِ" لا بُدَّ من تقييدِهِ بخطابٍ مُتَراخٍ؛ احترازًا من الرفع بالعجز والموت. قوله: "والدليل على صحة الأول أنَّ طَرَيَانَ الطَارِئِ مشروطٌ بزوال الأَوَّلِ ... " إلى آخر المسألة: نقولُ: قد خَالفَ القاضِيَ جَمَاعَةٌ من الفقهاء، وجُمْلَةُ المعتزلة، وأبو إِسحاقَ الإسفرايينيُّ، والإِمامُ، والمُصَنِّفُ من الأُصولِيِّينَ؛ ولِكُلِّ مُعْتَمَدٌ: أمَّا الفقهاءُ فقالوا: الحُكْمُ خطابُ الله تعالى، وخطابُهُ كلامُهُ، وكلامه قديمٌ، وَتَعَلُّقُهُ بنفسه: فالرفع: إمَّا أَنْ يرجع إِلى الكلام، أو إِلى تَعَلُّقِهِ، وهما قديمانِ عنده، والقديمُ لا يَقبَلُ الرفعَ. ورُدَّ عليهم: بأَنَّ ما فَرَضْتُمْ منه يلزمكم فيما صِرْتُم إِليه؛ حيثُ قُلْتُم: إِنه بيانُ أَمَدِ الحكم، وكما أَنَّ القديمَ لا يَقْبَلُ الرَّفْعَ لا يَقْبَلُ التقييدَ بالزمان ولا يعني بقاءَهُ. وأمَّا المعتزلَةُ فقالوا: الشيءُ إنما يُؤْمَرُ به؛ لِحُسْنِهِ واشتماله على مَصْلَحَةِ، وإنَّمَا يُنْهَى عنه؛ لِقُبْحِهِ، واشتمالِهِ على مَفْسَدَةٍ، ولو أمر بالحكم الواحد ثُمَّ نَهَى عنه، لكان حَسَنًا قبيحًا، مَصْلَحَةً

стр. 371

وَإِنْ كَانَ الثَّالِثَ -وَهُوَ أَنْ يُقَال: إِنَّ مُوسَى ﵇ بَيَّنَ شَرِيعَتَهُ، وَسَكَتَ عَنْ بَيَانِ الدَّوَامِ وَعَدَمِ الدَّوَامِ-: فَهذَا -أَيضًا- بَاطِلٌ؛ لأَنَّ مِثْلَ هذَا التَّكْلِيفِ لَا يُوجِبُ العَمَلَ إلا مَرَّةَ وَاحِدَةً؛ لِمَا بَيَّنَّا: أَنَّ الأَمْرَ لَا يُفِيدُ التَّكْرَارَ، وَلَوْ كَانَ الأَمْرُ كَذلِكَ، لَمَا كَانَت شَرِيعَتُهُ بَاقِيَةً فِي تِلْكَ المُدَّةِ الطَّويلَةِ؛ فَثَبَتَ: أَنَّهُ لَوْ صَحَّ النَّسْخُ، لَكَانَتْ تِلْكَ الشَّرِيعَةُ وَاقِعَةً عَلَى وَاحدٍ مِنْ هذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ، وَثَبَتَ: أَنَّهَا بِأَسْرِهَا بَاطِلَةٌ؛ فَكَانَ الْقَوْلُ بِحُصُولِ النَّسْخِ بَاطِلًا. الثَّانِي: أَنَّ الْيَهُودَ -عَلَى كَثْرَتِهِمْ وَتَفَرُّقِهِمْ فِي مَشَارِقِ الأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا- يَنْقُلونَ عَنْ مُوسَى ﵇ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ شَرِيعَتِي بَاقِيَةٌ غَيرُ مَنْسُوخَةٍ، وَنَصَّ فِي "التَّوْرَاةِ" عَلَى قَوْلِهِ: "تَمَسَّكُوا بِالسَّبْتِ مَا دَامَتِ السَّمَواتُ وَالأرْضُ": فَإِمَّا أَنْ يُكَذَّبَ هذَا النَّقْلُ الْمُتَوَاتِرُ؛ وَهُوَ بَاطِلٌ؛ لأَنَّ الْقَدْحَ فِي الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ، يُوجِبُ الْقَدْحَ فِي نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ. وَإِمَّا أَنْ يُعْتَرَفَ بِأَن مُوسَى ﵇ قَال ذلِكَ؛ إِلَّا أَنَّهُ كَذَبَ؛ وَهُوَ بَاطِلٌ؛ بِدَلِيلِ إِجْمَاعِ الْمُسْلِمينَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ نَبِيًّا صَادِقَ الْقَوْلِ. وَإِمَّا أَنْ يُصَدَّقَ بِحُصُولِ هذَا الْخَبَرِ، وَيَصْدُقَ مُوسَى ﵇ فِي هَذَا الْخَبَرِ؛ وَحِينَئِذٍ: يَلْزَمُ مِنْهُ امْتِنَاعُ طَرَيَانِ النَّسْخِ عَلَى شَرْعِهِ. === مفسدةً، مرادًا لا مرادًا؛ وهو جَمْعٌ بين النقيضين، أو يَلْزَمُ منه البَدَاءُ، وهو مُحَالٌ؛ فقالوا بِنَاءً على ذلك: النسخ: رَفعُ مِثْلِ الحكمِ بخطابٍ متراخٍ. وَرُدَّ عليهم: بأنَّ شَرطَ النسخِ التراخي، ولا تناقُضَ مع تَعَدُّدِ الزَّمَانِ، ولا مَانِعَ من كونِ الشيءِ مَصْلَحَة في وقتٍ، مَفْسَدَةً في وقتٍ آخرَ، كأمرِ الحكيمِ بِشُرْبِ الدواءِ في وقتٍ، ونهيهِ عنه في غيرِهِ. وقولهم: إنَّ المرفوع مثل الحكم. يقال لهم: الخطابُ الأَوَّلُ لا يخلو: إمَّا أَنْ يتناوَلَ الحكمَ وقتَ الخطابِ الثاني أَوْ لَا: فإنْ تناوله فالمحذورُ الَّذي فَرَرْتُم منه لازِمٌ لكم، وإن لم يتناوله فلا رَفْعَ. وأمَّا المُصَنِّفُ: فقدِ اعتقد أنَّ بين الأمرِ والنهي تضادًّا، أو أنَّ رفع أحدهما بالآخر يستلزم إِعدامَ الضِّدِّ بالضِّدِّ، فهو كقول المعتزلة له: إِنَّ البياضَ إذا تام بالمَحَلِّ يَصِحُّ بقاؤُهُ، وانعدامه بطريان ضَدِّ من سوادٍ، أو غيرِهِ. وقد رَدَّ القاضي عليهم دعوى الإِعدام بالضد بوجهين فاعتمد المُصَنِّفُ في الرَّدِّ على القاضي

стр. 372

الْجَوَابُ عَنِ الأَوَّلِ: أَنْ نَقُولَ: لَعَل مُوسَى ﵇ بَيَّنَ أَنَّ شَرِيعَتَهُ غَيرُ دَائمَةٍ؛ إلَّا أَنَّهُ إِنَّمَا بَيَّنَ ذلِكَ بِطَرِيقٍ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِالنَّظَرِ وَالتَّأَمُّلِ؟ فَلَا جَرَمَ: لَمْ يُنْقَلْ عَلَى سَبِيلِ التَّوَاتُرِ. وَعَنِ الثَّانِي: أَنَّ الْيَهُودَ قَلَّ عَدَدُهُمْ فِي زَمَانِ بُخْتَنَصَّرَ- وَبَلَغُوا في الْقِلَّةِ إِلَى حَيثُ لَا يَحْصُلُ الْيَقِينُ بِقَوْلِهِمْ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَال أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ: النَّسْخُ: عِبَارَةٌ عَنِ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الْحُكْمِ؛ وَهُو الْمُخْتَارُ. وَقَال الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلانِيُّ: النَّسْخُ: عِبَارَةٌ عَنْ رَفْعِ الْحُكمِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ الأَوَّلِ: أَنَّ طَرَيَانِ الطَّارِئ مَشْرُوطٌ بِزَوَالِ الأَوَّلِ، فَلَوْ عَلَّلْنَا زَوَال الأَوَّلِ بِطَرَيَانِ هذَا الطَّارِئِ- لَزِمَنَا الدَّوْرُ. وَأَيضًا: فَلَيسَ ارْتِفَاعُ المُتَقَدِّمِ بِطَرَيَانِ هذَا الطَّارِئِ، أَوْلَى مِنِ ارْتِفَاعِ هذَا الطَّارِئِ؛ === ما اعتمده القاضي في الرَّدِّ على المعتزلة من الوجهين: الوجه الأَوَّلُ: قال: لو عُدِمَ الضِّدُّ بالضد، للزم الدَّوْرُ؛ لأنَّ شرطَ إِعدامِهِ له قيامُهُ بِمَحَفلِّهِ، وشَرْطَ قِيَامِهِ بمحلّهِ عَدَمُ ضِدِّهِ؛ فلا يُعْدَمُ حَتَّى يقومَ به، ولا يقومُ به حتى يُعْدَمَ الضِّدُّ، فيدور. ورُدَّ على القاضي: بأَنَّ ذلك ليس دورًا تقدميًّا، وإنما هو دور معي، ولا استحالةَ فيه. فيقال: زَمَنُ العَدَمِ من القيام، وهذا على أصله أَلْزَمُ؛ فإِنَّهُ يقول: إِنَّ الجوهرَ إذا قَبِلَ العَرَضَ لم يَخْلُ عنه أو عن مثله، أو عن ضِدِّهِ إنْ كان له ضِدَّ، والمستحيلُ اجتماعُ المِثْلَينِ والضدين، فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يكونَ زمانُ قيامِ المثلِ والضِّدِّ زمانَ عَدَمِ الآخر ولا تنافي. الوجه الثاني: أَنَّ معقولَ التضادِّ مع الجانبين معقولٌ واحد، فليس عَدَمُ الحاصِلِ بالطارئ - بأولى من مَنْعِ الحاصل لطريان الطارئ. وأُجِيبَ: بأَن الطارِئَ يترجحُ طَرَيَانُهُ بالفاعل المختارِ، والضِّدُّ يَقْتَصِرُ لنفسه عدم الحاصل؛ كما يقال: إنَّ البارِي يُوجِدُ العلمَ، والعِلْم يقتضي لنفسه كَوْنَ مَحَلَّهِ عالمًا على رأي مَنْ يرى التعليلَ. وكما أَنَّ اللهَ تعالى يخلق للعبدِ القدرةَ والإرادَةَ وسلامَةَ البنية، والعبد فاعِلٌ عند المعتزلة، أو كاسِبٌ عند الأَشْعَرِيَّةِ، ولا يكون فاعِلُ السَّبَبِ فاعلًا لِلْمُسَبَّبِ، إِلَّا أَنَّ القاضي لا يُمْكِنُهُ الدَّفْعُ بهذين الجوابين؛ لاعتقادِهِ صِحَّةَ الوجهين. وإنما يُفْرَقُ بين انتقاءِ الأَمْرِ بطريان الخطابِ الدَّالِّ على النهي، وبين إِعدامِ البياض بالسوادِ بأنَّ الأَوَّلَ راجِعٌ إِلى التعريف، ولا استحالةَ فيه.

стр. 373

لأَجْلِ بَقَاءِ الْمُتَقَدِّمِ. وَأَيضًا: الْخِطَابُ الأَوَّلُ: إِمَّا أَنْ يُقَال: إِنَّهُ كَانَ يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْحُكمِ فِي زَمَانِ النَّسْخِ أَوْ لَا يَقْتَضِيهِ: وَالأَوَّلُ: بَاطِلٌ, لأَنَّهُ تَعَالى -مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَا يَشْرَعُ ذلِكَ الْحُكْمَ فِي زَمَانِ النَّسْخِ- لَوْ قُلْنَا: إِنَّهُ كَانَ قَدْ شَرَعَ الْخِطَابَ الْمُتَقَدِّمَ [في زَمَانِ النَّسْخ]-: لَزِمَ أَنْ يُّقَال: إِنَّهُ شَرَعَهُ وَمَا شَرَعَهُ مَعًا؛ وَهُوَ مُحَالٌ. وَأَمَّا الثَّانِي -وَهُوَ أَنَّ الْخِطَابَ الأَوَّلَ مَا كَانَ يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي زَمَانِ النَّسْخِ- فَحِينَئِذٍ: لَا يَكُونُ النَّسْخُ رَفْعًا لَهُ. === والثاني: راجِعٌ إلى التأثير. وأما أبو إسحاقَ والإِمامُ فقدِ اعتمدا ما ذكره المُصَنِّفُ في الوجه الثالث وهو: أن الله تعالى إمَّا أنْ يكونَ عالمًا باستمرارِ الحكم أبدًا، فَرَفْعُهُ مُحَالٌ لاستلزامِ الجَهْلِ. أو يعلمه مقيدًا بقاءَه فلا رَفْع، فقالا بنَاءً على هذا: النسخ هو الخطابُ الدَّالُّ على ظُهُورِ انتفاءِ شَرْط استمرارِ الحكم. ورُدَّ عليهما: بأنه لا مانِعَ أَنْ يُعْلَمَ استمرارُهُ إلى غاية، وانتفاؤُهُ بالناسخ، كما يُعْلَمُ استمرارُ الملك، وانتفاؤه بطريان الفسخ. واعلم أنَّ الخِلافَ في هذه المسألة يرجعُ عند التحقيق إلى اللفظ، فَإِنَّ الحُكْمَ الأَزَلِيَّ راجِعٌ إِلى كلام الله تعالى، وَتَعَلُّقهُ بنفسه، فتارَة يتعلَّقُ بصفة الدوام، وتارةً يتعلقُ بغايةٍ معلومةٍ لله تعالى غَيرِ معلومَةٍ لنا عند ورود الخطاب الأَوَّلِ، ولا رَفْعَ بالنسبة إِليه ألبتة، والخطابُ الدَّالُّ على الحكم إِنما يَدُلُّ على ثُبُوتِهِ في الأَذهانِ، ويتبعه الاعتقادُ والحُكْمُ به، والرفعُ راجعٌ إِليه لا إلى رفع الحكم في نفس الأمر، وذلك لا يُعْلَمُ إِلَّا بخطاب؛ فاستلزم النسخُ البيانَ لِمُدَّةِ دوامِ حكمنا، ودوامُ حكمنا بالأول مشروطٌ بعدم الثاني؛ فَصَحَّ الاشتراط؛ كما ذكره الإِمامُ، والنسخ لا يَتِمُّ إلَّا بمجموع ذلك. فَكُلٌّ لاحظ جِهَةً، وَغَفَلَ عن غيرها، رجعنا إلى التعبير عن هذا المعنى، وقد سموه الشَّارعُ هذه الحقيقةَ نسخًا: والنسخ في اللغة: الرَّفْعُ والإِزالة، فَجَعْلُ الاسم بإزاء ما اشتمل عليه من رَفع الأَوَّلِ، وجَعْلُ الوجهين الآخرينِ -أعني: البيانَ، وانتفاءَ شرط الاستمرار- لازِمَينِ لِلْمُسَمَّى -: أَقْرَبُ إِلى الوضعِ اللُّغَويِّ، وأولى من جعله بالعكس؛ فما ذكره القاضي أولى.

стр. 374

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فِي الزِّيَادَةِ عَلَي النَّصِّ، هَلْ هِيَ نَسْخٌ أَمْ لَا ؟ الزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ لَيسَتْ بِنَسْخٍ عِنْدَنَا؛ خِلافًا لأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فَلْنُعَيِّنْ صُورَةَ النِّزَاعِ؛ لِيَكُونَ الْكَلامُ فِيهَا أَوْضَحَ: === [قوله] "الزياةُ على النصِّ ليست بنسخٍ خلافًا لأبي حنيفةَ" لا يعني بالزيادَةِ: الزيادَةَ في السياق، بل الزيادَةَ على مُقْتَضَى اللَّفْظِ وحُكْمِهِ.

стр. 375

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === قوله: "فلنعين صورة [النزاع] ليكون الكلام فيها أوضح" إنما قال ذلك؛ لأنَّ للمسألة صُوَرًا كَثُرَ النِّزَاعُ فيها، وإِنما يغني الفَرْضَ ها هنا عن ذكرها لو تساوت في حكمها، لكن حكمها مختلف. فلنذكر صورًا منها: الأُولَى: زيادَةُ عبادَةٍ مُستَقِلَّةٍ، لا ارتباطَ لها بالأُولَى؛ كإِيجاب الحَجِّ بعد إِيجابِ الصلاة، وهذا ليس نسخًا بالإِجماع -ورَفْعُ البراءة الأصلِيَّةِ، وأَنَّ العبادة المُتَقَدِّمَةَ كانت كُلَّ الواجِبِ- ليست أحكامًا شرعية؛ لأنها لم تُسْتَفَدْ من خطابِ الشَّرْعِ، بل من البراءة الأصلية ولوازِمِهَا، فَرَفْعُ ذلك لا يكون نسخًا اصطلاحًا. وقولُ بعضِ المعتزلة: إِنَّ زيادَةَ صلاةٍ سادسةٍ تكون نسخًا؛ لاعتقادهم أَنَّ ذلك يُخرِجُ

стр. 376

فَنَقُولُ: إِيجَابُ الْجَلْدِ لَا يَدُلُّ عَلَى حَالِ التَّغْرِيبِ: لَا نَفْيًا، وَلَا إِثْبَاتًا؛ وَيَدُلُّ عَلَيهِ وُجُوهٌ: الأَوَّلُ: أَنَّ إِيجَابَ الْجَلْدِ قَدْ يَحْصُلُ مَعَهُ إِيجَابُ التَّغْرِيبِ، وَقَدْ لَا يَحْصُلُ مَعَهُ ذلِكَ، وَمَوْرِدُ التَّقْسِيمِ إِلَى الشَّيئَينِ مُشْتَرَكٌ بَينَهُمَا، وَاللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى الْمُشتَرَكِ بَينَ الشَّيئَينِ فَقَطْ: لَا إِشْعَارَ لَهُ أَلْبَتَّةَ بِخُصُوصِ ذَينِكَ الشَّيئَينِ. الثَّانِي: لَوْ قَال: "الزَّانِي يُجْلَدُ ويغَرَّبُ"، أَوْ قَال: "الزَّانِي يُجْلَدُ وَلَا يُغَرَّبُ"-: لَمْ يَكُنِ الأَوَّلُ نَقْضًا، وَلا الثَّانِي تَكْرَارًا. الثَّالِثُ: أَنَّ إِيجَابَ الْجَلْدِ مَاهِيَّةٌ، وَإِيجَابَ التَّغْرِيبِ مَاهِيَّةٌ أُخْرَى، وَلَا تَعَلُّقَ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِالأُخْرَى: لَا بِالنَّفْيِ، وَلَا بِالإِثبَاتِ؛ فَكَانَ إِيجَابُ الْجَلْدِ خَالِيًا عَنْ إِثْبَاتِ التَّغْرِيبِ وَنَفْيِهِ؛ فَثَبَتَ: أَنَّ إِيجَابَ الْجَلْدِ لَا دَلالةَ فِيهِ عَلَى حَالِ التَّغْرِيبِ أَلْبَتَّةَ، وَإِذَا كَانَ كَذلِكَ- كَانَ إِيجَابُ التَّغْرِيبِ لَا يَزِيدُ شَيئًا مِمَّا دَلَّ عَلَيهِ إِيجَابُ الجَلْدِ؛ فَلَمْ يَكُنْ ذلِكَ نَسْخًا. === الوسطى عن كونها وسطى-: باطِلٌ؛ لتبقى كُلِّيَّةُ الواجب، وإِخراجُ الأخيرة عن كونها أخيرةً، وكُلُّ ذلك تابعٌ لرفع البراءة الأَصْلِيَّةِ؛ فلا يكونُ نسخًا. الصورة الثانية: زيادة جُزءٍ في العبادة الواجبة؛ كما لو زِيدَ في الصبح ركعتانِ. قال الشافعي وجماعة: وليس بنسخٍ أيضًا؛ لوجوبِ الركعتين، والأَرْبَعَةُ ركعتانِ وزيادَةٌ. وقال أبو حنيفةَ، والغزاليُّ، وأكثرُ الأُصولِيِّينَ: إِنَّهَا نَسْخٌ؛ لأجل رفعها لاستعقاب التَّشَهُّدِ السَّلامَ، وتحريمِ الزيادة، وذلك حُكْمٌ شرعيٌّ، ومنعوا أنَّ الأربعة ركعتان وزيادة؛ لأنه لا يعين هذا الاعتبار، ويمكن تعلقها بدونه، ولو جازَ ذلك لجاز أنْ يقال: إنها ثلاثةٌ وزيادة، والشيءُ الواحِدُ لا يقوم بمحلين على البَدَلِ. الصورة الثالثة: زيادة شرط؛ كما لو أوجب الصلاةَ أوْلًا، ولم يشترط فيها الطهارَةَ، ثم شرطها بعد ذلك، فقيل: ليس بنسخ وإِجزَاؤهَا بدون الطهارة أَوَّلًا مأخوذٌ من عَدَمِ دليلٍ شَرْعِيٍّ. وقيل: نسخ؛ لأن الفعل بدون الطهارة حينئذٍ خَرَجَ عن كونِهِ مأمورًا به. الصورة الرابعة: لو أوجب الحَدَّ أَوَّلًا ثمانين ثم زاد عليه عشرين. قال الشافعي: ليس بنسخ؛ لبقاء وجوبِ حَدِّ الثمانين وإِجْزَائها عن نفسها وقال أبو حنيفةَ: يكون نسخًا؛ لرفعه تحريمَ الزيادة. وما ذكره صاحب الكتاب من هذا القسم؛ فقد احتج فقال: إيجابُ الجلد الأَوَّلِ لا يَدُلُّ على حال التغريب: لا نفيًا، ولَا إثباتًا، فإِثباتُ التغريب لا يكون مزيلًا لشيء مِمَّا دَلَّ عليه اللفظ الأول، فلا يكون نسخًا شرعِيًّا، بل رفعًا لمقتضى البراءة الأصلية.

стр. 377

حُجَّةُ الْمُخَالِفِ مِنْ وُجُوهٍ: الأَوَّلُ: أَنَّ الشَّرْعَ لَمَّا أَوْجَبَ الْجَلْدَ، وَلَمْ يُوجِبِ التَّغْرِيبَ - كَانَ عَدَمُ وُجُوبِ التَّغْرِيبِ حَاصِلًا، فَلَوْ وَجَبَ التَّغْرِيبُ؛ فَحِينَئِذٍ: يُزولُ ذلِكَ العَدَمُ السَّابِقُ؛ وَهذَا نَسْخٌ. الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّهُ قَبْلَ وُجُوبِ التَّغْرِيبِ: كَانَ كُلُّ الْوَاجِبِ هُوَ الْجَلْدَ، فَإِذَا وَجَبَ التَّغرِيبُ- لَمْ يَبْقَ الْجَلْدُ كُلَّ الوَاجِبِ؛ بَل صَارَ بَعْضَ الْوَاجِبِ، فَقَدْ زَال حُكمٌ مِنَ الأَحْكَامِ؛ وَذلِكَ نَسْخٌ. الثَّالِثُ: أَنَّ "الْفَاءَ" فِي قَوْلِهِ تَعَالى: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾ [النور: ٢] لِلْجَزَاءِ، وَالْجَزَاءُ اسْمٌ لِلْكَافِي، وَكَوْنُهُ كَافِيًا يَمْنَعُ وُجُوبَ غَيرِهِ: فَلَوْ وَجَبَ التَّغرِيبُ؛ فَحِينَئِذٍ: يَبْطُلُ المَعْنَى الْمَفْهُومُ مِنْ هذِهِ الْفَاءِ؛ فَكَانَ نَسْخًا. الْجَوَابُ عَنِ الأَوَّلِ: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ ذلِكَ الْعَدَمَ الَّذِي يَزُولُ: نَسْخٌ؛ لأَنَّ ذلِكَ الْعَدَمَ إِنَّمَا ثَبَتَ بِمُقتَضَى الْبَرَاءَةِ الأَصْلِيَّةِ، أَمَّا اللَّفْظُ: فَلَا دَلالةَ لَهُ عَلَيهِ أَلْبَتَّةَ، وَالنَّسْخُ لَيسَ إلا عِبَارَةً عَنْ زَوَالِ شَيءٍ مِنْ مَدْلُولاتِ اللَّفْظِ؛ فَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ فَرْقٌ بَينَ عَدَم الدَّلَالةِ عَلَى الشَّيءِ، وَبَينَ الدَّلَالةِ عَلَى عَدَم الشَّيءِ؛ فَحَقٌّ: أَنَّ آيَةَ الْجَلْدِ لَا تَدُلُّ عَلَى التَّغْرِيبِ، وَلَيسَ بِحَقٍّ: أَنَّها تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ التَّغْرِيبِ، وَالشُّبْهَةُ إِنمَا دَخَلَتْ عَلَى الْمُخَالِفِ؛ بسَبَب عَدَم التَّمْيِيزِ بَينَهُمَا. وَعَنِ الثَّانِي: أَنَّ مَا ذَكَرْتُمْ يَقتَضِي أَنْ يُقَال: إِنهُ تَعَالى أَمَرَ بِالصَّلاةِ أَوَّلًا، ثُمَّ أَمَرَ === قوله: "حجة المخالف من وجوه: الأول أنَّ الشَّارعَ لما أوجبَ الجَلْدَ ولم يوجب التغريب كان عَدَمُ وجوب التغريبِ حاصلًا، فَلَمَّا وجب التغريبُ زال ذلك العدم" وما ذكره واضِحٌ أَنهُ ليس بحكمٍ شَرْعِيّ، كما أجاب عنه. قوله: "الثاني أنه قبل وجوب التغريب كان الجلد كُلَّ الواجب": وهذا أيضًا واضِحٌ أنه ليس رفعًا لحكم، إنما هو تابع لرفع البراءة الأصلية كما ذكر. قوله: "الثالث: أنَّ "الفاءَ" في قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا﴾ [النور ٢] للجزاء الكافي، وكونه كافيًا يمنع وجوب غيره" وجوابُهُ عنه بأَنَّهُ إنَّمَا أورده مثالًا في هذه المسألة بتقدير أَلا يَحْصُلَ في الآية لَفْظٌ يَدُلُّ على عدم وجوب التغريبِ، فإنْ لم يكن الأمر كذلك- فليطلب له مثال آخر. لا وَجْهَ لتوقُّفِهِ في عَدَمِ إِشعارِ الجزاءِ بنفي التغريب من جِهَةِ اللَّفظِ، على ما منعه في الجواب الثاني؛ فإنّ لازِمَ الشَّرْطِ: حُصُولٌ عند وُجُودِهِ، أمَّا أنه لا يحصل سواه فليس من قِصَّةِ الشرط. ثم لو سُلِّمَ إِشعَارُهُ بالنفي، فهو ظاهِرٌ، وتركه لا يكون نسخًا بل تأويلًا.

стр. 378

بَعْدَهَا بِالصِّيَامِ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ هذَا التَّكْلِيفُ الثَّانِي نَاسِخًا لِلأَوَّلِ؛ لأَن عِنْدَ التَّكْلِيفِ الأَوَّلِ: كَانَ كُلُّ الْوَاجِبِ هُوَ الصَّلاةَ، وَعِنْدَ وُرُودِ التَّكلِيفِ الثَّانِي: مَا بَقِيَ الْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِنَا: "كُلُّ الْوَاجِبِ هُوَ الصَّلاةُ". وَعَنِ الثَّالِثِ: أَنَّا إِنَّما أَوْرَدْنَا الْمِثَال فِي هذِهِ المَسْأَلَةِ -"مَسْأَلَةِ الْجَلْدِ وَالتَّغْرِيبِ"- عَلَى تَقدِيرِ أَلَّا يَحْصُلَ فِي الآيَةِ لَفْظٌ يَدُلُّ علَى عَدَمِ وُجُوبِ التَّغْرِيبِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الأَمْرُ كَذلِكَ- فَلْنَطلُبْ لَهُ مِثَالًا آخَرَ عَلَى أَنَّا نَقُولُ: "الْفَاءُ" فِي اللُّغَةِ: لِلتَّعْقِيبِ. وَأَمَّا أَنْ يُقَال: إِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْجَزَاءِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ كَافِيًا- فَذَلِكَ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ اللُّغَةِ. الْمَسْأَلَة الرَّابِعَةُ فِي جَوَازِ التَّكْلِيفِ بالفِعْلِ، ثُمَّ رَفْعِ التَّكْلِيفِ قَبْلَ الفِعْلِ إِذَا قَال الله تَعَالى فِي الصُّبْحِ: "صَلُّوا عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ رَكعَتَينِ"، ثُمَّ قَال قَبْلَ حُضُورِ ذلِكَ الْوَقْتِ: "لَا تُصَلُّوا"- فَهذَا- عِنْدَنَا- جَائِزٌ؛ خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ. === والضَّابِطُ الكُلِّيُّ -في هذه الصُّوَرِ-: أَنَّ كُلَّ نَصٍّ متأخِّرٍ اقتضى زيادةً مُغَيِّرَةً لحكمٍ ثَبَت بالشرع- فهو نَسْخٌ؛ إِذْ هو حقيقةٌ، وما لا فلا، والبحث في جميع الصورِ راجِعٌ إِلى تحقيق مناط. ومن تمام هذا الأصل: أنَّ نَسْخَ ما يتوقف عليه صِحَّةُ العبادة من جزءٍ أو شرطٍ هل يكون نسخًا للفعل أو لا؟ اختلفوا فيه: مِثَالُ نسخ الجزءِ: قوله: صَلِّ الظهر أربعًا ثم أَسْقِط ركعتينِ. قال الكرخيُّ والفخرُ صاحِبُ الكتاب: ليس بنسخ للأصل؛ لبقاءِ وُجُوبِ الركعتينِ وإجزائهما عن أنفسهما، ولأَنَّ النَّصّ المُتَنَاولَ لأمرين لا يَلْزَمُ من خُرُوجِ أَحَدِهِمَا خُرُوجُ الثاني؛ كالتخصيص. وقال الغزاليُّ وجمهورُ الأُصوليين: يكون نسخًا للأَوَّلِ؛ فَإِنَّ وجوبَ الركعتين كان تابعًا لوجوب الأَربعِ، وقد سَقَطَ وجوبُ الأربع، فسقط وجوبُ الركعتين المنضمتين، وهاتان ركعتان مستقلَّتان، وليس طَلَبُ الأَربعِ طلَبَ الركعتين وركعتين [و] إلا لكان الآتي بالأَرْبَعِ بعد النسخ ممتثلًا. وأمَّا نسخ الشرط: فكما لو أَمَرَ بالصلاة بطهارة ثم نَسَخَ وجوبَ الطهارة: فقد وافق الغزاليُّ

стр. 379

لَنَا: أَنَّ الله تَعَالى أَمَرَ إِبْرَاهِيمَ ﵇ بِذَبحِ إِسْمَاعِيلَ، ثُمَّ نَسَخَ ذلِكَ قَبلَ حُضُورِ وَقتِ الذَّبْحِ. فَإِنْ قَالُوا: "لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ كَانَ مَأْمُورًا بِالذَّبْحِ؛ بَل لَعَلَّهُ كَانَ مَأمُورًا بِمُقَدِّمَاتِ الذَّبْحِ: مِنَ الإِضجَاعِ، وَتَحْدِيدِ السِّكِّينِ، مَعَ الظَّنِّ الْغَالِبِ بِكَوْنِهِ مَأمُورًا بِالذَّبْحِ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَيهِ قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصَّافَّات: ١٠٥] ": قُلْنَا: لَوْ كَانَ الأَمْرُ كَذلِكَ، لَوَجَبَ أَلَّا يَحْتَاجَ إِلَى الْفِدَاءِ؛ لأَنَّهُ لَمَّا أَتَى بِتَمَامِ تِلْكَ الْمُقَدِّمَاتِ، فَقَدْ أَتَى بِتَمَامِ الْمَأمُورِ بِهِ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَخرُجَ عَنِ الْعُهْدَةِ؛ فَكَانَ يَمْتَنِعُ احْتِيَاجُهُ إلَى الْفِدَاءِ، وَلَمَّا احْتَاجَ إِليهِ عَلِمْنَا: أَنَّهُ كَانَ مَأمُورًا بِحَقِيقَةِ الذَّبْحِ. === على أنه ليس بنسخٍ للأصل؛ قال: لأنَّهُما عبادتانِ منفصلتانِ، ورَفْعُ الوجوب لا يستلزمُ رَفْعَ الجوازِ؛ فيصح مع الطهارة وبدونها. نعم، لو أوجبها بشرط الحدث فيكون نسخًا. ونُوقِشَ في الفَرْقِ إِلزام التسوية بعين ما ذَكَرَ؛ فَإِنَّ الصلاة الموصوفةَ بوجوب الطهارة مُغَايِرَةٌ للصلاة الموصوفة بجواز الطهارة؛ كما أَنَّ الركعتينِ المستقلتين مغايرتان للركعتين المنضمتين. وقوله: إِنَّ رَفْعَ الوجوب لا يستلزم رَفْعَ الجوازِ، إن عنى به: الجوازَ الخاصَّ، فظاهِرٌ أنه ليس جزءًا له، بل قَسِيمُهُ، وإنْ عنى به الجوازَ العامَّ، فقد تقدم فيه بحث. قوله: "إِذا قال الله تعالى: صلوا عند الغروب ركعتين، ثم قال قبل حضورِ ذلك الوقت: لا تصلوا- فهذا عندنا جائز خلافًا للمعتزلة ... " إلى آخرها: [قوله: المسألة الرابعة] اعلم أن هذه المسألةَ يُعَبَّرُ عنها بعبارتين: إحداهما: النسخُ قبل دُخُولِ الوقت؛ وهو فيما يكونُ مأَمُورُهُ مُرْتَقَبًا، وصورتُه ما مَثَّلَهُ. العبارة الثانية: النَّسْخُ قبل الإمكانِ، وهو فيما إِذا كان المأمور به مُنَجَّزًا، لَكِنَّ فِعْلَه يتوقَّفُ على مقدماتٍ وأسباب، فيأخذُ العَبْدُ في الإتيانِ بالمقدمات ثم ينسخ قبل الفعل؛ كقصة إبراهيمَ ﵇. "ومأخذ الفريقين في الصورتين واحدٌ: فذهبتِ المعتزلةُ والحنفيةُ والصيرفيُّ وبعضُ الفقهاءِ إلى مَنْعِ ذلك. وذهبتِ الأشعريةُ وأكثرُ الفقهاءِ إلى جوازه، واحتجوا بِمَسْلَكَينِ: العقل، والنقل: أمَّا العَقْلُ: فقالوا: لو امتنع: فإما أنْ يمتنع لَذاته، أولما يلزمُ منه مِنَ الجمعِ بين النَّقِيضَينِ؛ وهو كونُ الشيءِ الواحِدِ في الزَّمَانِ الواحد من الشخص الواحدِ- حسنًا قبيحًا، مرادًا غَيرَ مرادٍ. أو للأمر المُعَلَّقِ على شَرْطٍ يَعْلَمُ الآمِرُ عَدَمَ بلوغه. أو لعدم تَصَوُّرِ النسخ؛ فإنَّهُ تخصيصٌ في الأزمنة، ولا يُعْقَلُ مع اتحادِ الوقت والفعل. وبيانُ اللزوم: الإِجماعُ على أنه لو قُدِّرَ انتفاءُ جميعِ ذلك لجاز، وواضح أنه لا يمتنع لذاته.

стр. 380

وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصَّافَّات: ١٠٥]- فَلَا دَلالةَ فِيهِ عَلَى أنَّهُ أَتَى بِكُلِّ مَا أُمِرَ بِهِ؛ بَلْ فِيهِ دَلالةٌ عَلَى أَنَّهُ اعْتَقَدَ صِدْقُ الرُّؤيَا، وَعَزَمَ عَلَى الإِتْيَانِ بِهَا، وَأَمَّا أَنَّهُ فَعَلَهَا بِتَمَامِهَا، فَالآيَةُ لَا تَدُلُّ عَلَيهِ. احْتَجَّ الْمُخَالِفُ: بِأَنَّ مُتَعَلَّقَ الأَمْرِ وَالنَّهْيِ، فِي هذِهِ الصُّورَةِ -شَيءٌ وَاحِدٌ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ؛ لأَنَّ مُتَعَلَّقَ الأَمْرِ: هُوَ أَنْ يُصَلِّيَ زَيدٌ رَكعَتَينِ وَقْتَ الْغُرُوبِ، وَمُتَعَلَّقَ النَّهْيِ: هُوَ أَلَّا يَفْعَلَ ذلِكَ الشَّخْصُ ذلِكَ الْفِعْلَ فِي ذلِكَ الْوَقْتِ. إِذَا عَرَفْتَ هذَا، فَنَقُولُ: ذلِكَ الفِعْلُ فِي ذلِكَ الْوَقْتِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ حَسَنًا، أَوْ قَبِيحًا، وَعَلَى التَّقْدِيرَينِ: فَالآمِرُ وَالنَّاهِي: إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِحَالِهِ، أَوْ لَا يَكُونَ: === وأما ثَبَاتُ التناقض فغيرُ لازمٍ؛ لوجوب اشتراطِ التأخيرِ في النسخ، ولا يمتنع كونُ الشيء حسنًا قبيحًا بالنسبة إلى وقتين. أو بمنع حضرِ الحِكْمَةِ في المأمور به، فقد تكون في نفس الأمر للابتلاء؛ كما ذكر في الجواب. وأمَّا تَوَقُّف الأَمر على الإِرادة فقد أبطلناه بالإجماع؛ فَإِن الله تعالى أَمَرَ الكُفَّارَ والفَسَقَةَ، مع عدم إِرادته لوقوع الفعل منهم. وأمَّا الأمرُ المُعَلَّقُ على شرطٍ يَعْلَمُ الآمِرُ عَدَمَ بلوغه- فقد أقمنا الدَّلِيلَ فيما تقدم على جوازه، وأنَّ شَرْطَهُ جَهْلُ المأمورِ لِتَحَقُّقِ الابتلاء، لا جَهْلُ الآمرِ كما زعموا. وأما عدمُ تصورِ النسخ فقد بيَّنا أَنَّ النسخ راجعٌ إلى الرفع، لا إلى التخصيص. وأما النقل: فقصة إِبراهيمَ الخليل ﵇ فإنه أُمِرَ بذبح ولده، ونسخ منه قبل الامتثال. وقد اعترضوا على التمسك بالآية بخمسة مقامات: المقام الأول: لا نُسَلِّمُ أنه أُمِرَ؛ فَإِنَّهُ كان منامًا، وليس كُلُّ منامٍ للأنبياءِ وحيًا، بل منه ما هو مُحْتَاجٌ إلى التفسير؛ كرؤيته ﵊ كَسرَ سيفِ قَيصَرَ بسيفه، والاستقاء من البئر. وقول ولده: "افعل ما تُؤمرُ": لا يَدُلُّ على الأمر؛ فإِنَّهُ لم يكنْ إذ ذاك نبيًّا، فلا مانِعَ من ظَنِّهِ ما ليس بأمرٍ أمرًا وقوله: "افعل ما تؤمر" صِيغَةٌ تصلُح للاستقبال. وأُجِيبَ: بتقدير إِبراهيمَ ﵇ للأمر، وتقديرُه ما ليس بأمرٍ أمرًا يكونُ تلبيسًا، والظَّنُّ الكاذِبُ مُمْتَنِعٌ على الأنبياءِ ﵈ ولو جاز اعتقادُهُ ما ليس بأمرٍ أمرًا لَمْ يوثَقْ بشيءٍ مِمَّا يُبَلِّغُونَه، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ [الصافات ١٠٣] يمنع من حَمْلِ الأمر على المستقبل. المقام الثاني: قالوا: سَلَّمْنَا أَنه كان أمرًا، لكنه أمر بالعزم على الذبح.

стр. 381

فَإِنْ كَانَ الأَوَّل- لَزِمَ: إِمَّا الأَمْرُ بِالْقُبْحِ، أَوْ النَّهْيُ عَنِ الحُسْنِ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِي- يَلْزَمُ الجَهْلُ فِي حَقِّهِ؛ وَهُوَ عَلَى الله تَعَالى مُحَالٌ. الْجَوَابُ مِنْ وَجْهَينِ: الأَوَّلُ -وَهُوَ الَّذِي يَحْسِمُ الْمَادَّةَ-: أَنَّ هذَا الكَلامَ مَبْنِيٌّ عَلَى تَحْسِينِ العَقْلِ وَتَقبِيحِهِ؛ وَقَدْ أَبْطَلْنَاهُ. الثَّانِي: كَمَا يَحْسُنُ الأَمْرُ وَالنَّهْيُ لِحِكمَةٍ تَنْشَأُ مِنَ الْمَأمُورِ بِهِ، وَالمَنْهيِّ عَنْهُ-: فَقَدْ يَحْسُنُ الأَمْرُ وَالنَّهْيُ -أَيضًا- لِحِكمَةٍ تَنْشَأُ مِنْ نَفْسِ الأَمْرِ وَالنَّهْي؛ فَإِنَّ السَّيِّدَ قَدْ يَقُولُ لِعَبْدِهِ: "اذهَبْ إِلَى الْقَرْيَةِ غَدًا رَاجِلًا"، ويكُونُ غَرَضُهُ مِنْهُ: أَنْ يُظهِرَ فِي الْحَالِ انْقِيَادَ الْعَبْدِ لأَمْرِهِ، وَتَوْطِينَ نَفْسِهِ عَلَى الالْتِزَامِ بِذلِكَ الفِعْلِ الشَّاقِّ، مَعَ كَوْنِ السَّيِّد عَالِمًا بِأَنَّهُ سَيَرْفَعُ === وأجيب: بأَنَّ وُجُوبَ العزم على ما ليس بواجبٍ مُحَالٌ. المقام الثالث: قالوا: أُمِرَ بالمقدمات وامتثل. وأجيب: بأَنَّهُ لو كان كذلك لم يبق للفداءِ معنى. المقام الرابع: أمر وتعذر الامتثال بانقلاب عنقه نُحَاسًا. وأجب: بأنه من أغرب ما ينقل في القصة؛ فلو كان كذلك لتوافرت الدَّوَاعِي على نقله، ولتواتر، ولاشتملت الآيةُ عليه. وضُعِّفَ: بأَنَّهُ لا مانِعَ من الدِّرَاسَةِ بعد التواتر، لا سيما واقعةٌ غُيِّرَ عليها دهورًا، وليس كُلُّ واقعٍ منقولًا في القرآن. والأسَدُّ في الجواب: أنه ممتنع على أصولهم؛ فإِنَّهُ من تكليف المُحَالِ، وعلى أصولنا: أنه لا يبقى للفداء معنى. المقام الخامس: قالوا أُمِرَ بالذَّبْحِ، وذَبَحَ، والْتَأَمَ، وهو باطِلٌ؛ بإيجاب الفداء. وأما ما ذكره المصنف من المعارضة بإلزام التناقض، فقد تقدم الجواب عنه في المسلك العقلي، والله أعلم. وقدِ اقتصر في هذا البابِ على أربعِ مسائِلَ؛ لأنَّها من أهمِّ ما يُذْكَرُ في النسخ، ولم يَذْكُرْ سواهُنَّ؛ لِقُرْبِ المأخذ فيهن. ولا غِنى عنِ الإِشارة إليها، لا سيما مع وقوع الخلافِ في بعضها: فمنها: أَنَّهُ يجوزُ نَسْخُ القرآنِ، خلافًا لأبي مسلم الأصفهاني، والدَّليلُ على جوازه وقوعه. واحتجَّ: بقوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت ٤٣] والنسخ إِبطالٌ. وجوابه: أَنَّه لا يمتنع حَمْلُهُ على نفى التكذيبِ.

стр. 382

ذلِكَ التَّكْلِيفَ عَنْهُ غَدًا؛ وَعِنْدَ هذَا نَقُولُ: إِنَّهُ -حِينَ أَمَرَهُ- كَانَ الْمَأمُورُ بِهِ مَنْشَأَ لِلْمَصْلَحَةِ، وَكَانَ الأَمْرُ بِهِ أَيضًا- مَنْشَأَ لِلْمَصْلَحَةِ؛ فَلَا جَرَمَ: حَسُنَ الأَمْرُ بِهِ، أَمَّا فِي الْوَقتِ الثَّانِي: فَإِنَّهُ وَإِنْ بَقِيَ الْمَأمُورُ بِهِ مَنْشَأ لِلْمَصْلَحَةِ؛ إلا أَنَّ الأَمْرَ بِهِ مَا بَقِيَ مَنْشَأَ لِلْمَصْلَحَةِ؛ فَلَا جَرَمَ: حَسُنَ النَّهْيُ عَنْهُ. === ومنها يجوزُ نَسْخُ الكتابِ بالكتاب؛ كقوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]؛ فَإِنَّهُ ناسِخٌ لقوله تعالى: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة ٢٤٠]. والسُّنَّةِ بالسُّنةِ؛ كقوله ﵊: "كنْتُ نَهَيتُكُمْ عَنْ زِيَارةِ القُبُورِ فَزُورُوهَا، وَلَا تَقُولُوا هجرًا. ونَسْخُ الكتابِ بالسُّنَّةِ خلافًا للشافعيِّ. واحتجَّ على الجواز بأَنَّ قوله ﵊: "لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ" ناسِخٌ لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة ١٨٠]. وبأَن قوله ﵊: "البكرُ بِالْبِكرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مائَةٍ، والرَّجْمُ" ناسخٌ لقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء ١٥]. ولا حُجَّةَ في الأَوَّلِ بجواز النسخ؛ لقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء ١١]

стр. 383

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وَيَكونُ الحديثُ مُخْبِرًا عن ذلك، وهو ظاهِرُ قولِهِ ﵊: "إِنَّ اللهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ؛ أَلَا لَا وَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ". ولا في الثاني؛ لأَنَّ الحبسَ مُقَيَّدٌ بغايةٍ؛ لقوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء ١٥]. واحتجَّ الشَّافِعِيُّ بقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة ١٠٦] فأخبر أَنَّهُ هو الآتي بالنسخ وتَقْييدُهُ بالمِثل أو الخَبرِ والسُّنَّةِ ليست كذلك بالنسبة إِلى القرآن. وبقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إلا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [يونس ١٥]. وأُجِيبَ عن الأول: بأنَّ الكُلَّ من عند الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم ٣ - ٤] ويُحْمَلُ المِثْلُ أو الخير على مَصْلَحَةِ المُكَلَّفِ أو الثواب؛ إِذْ لا يَتَحَقَّقُ في نَفْسِ كلامِ الله تعالى ذلك. وعن قوله: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس ١٥] بما تقدم. والسنة بالكتاب خلافًا للشافِعِيِّ في أحد قوليه- واحتجَّ بنسخِ استقبال بَيتِ المَقْدِسِ بقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة ١٤٤] وَبِنَسْخِ تحريم المُبَاشَرَةِ في الصوم بعد الاضطجاعِ في الليلِ بقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة ١٨٧]. وما ضُعِّفَ به من جوازِ نَسْخِ الاستقبالِ بالسُّنَّةِ، ثم أَمْرِهِ باستقبال القِبْلَةِ بالقرآنِ- ضَعِيفٌ وبعيد؛ فإنه تَوَهُّمٌ لا مُستَنَدَ له، وجوازُ تحريمِ المباشرة بقرآنٍ نُسِخَتْ تِلاوَتُهُ بعد. احتجَّ الشَّافِعِيُّ، بأنَّ السُّنَّةَ بيانُ القرآنِ؛ لقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهِمْ﴾ [النحل ٤٤] فلو بينت بالكتاب لصار المبين بيانًا. وَرُدَّ: بأنه لا يلزم من كونه بيانًا في بعضٍ أَلَّا يكونَ مبينًا في بعضٍ. وعُورِضَ: بقوله تعالى في وصف الكتاب: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيءٍ﴾ [النحل ٨٩]. ويجوزُ نسخُ المتواتِرِ بالمتواتر؛ كآية عِدَّةِ الوفاة. والآحادِ بالآحادِ، كما تقدم، والآحادِ بالمتواتِرِ بطريقِ الأَوْلَى. ولا يجوزُ نَسخُ المتواتِرِ بالآحادِ، خلافًا لبعض الظاهرية؛ لأنَّ المظنونَ لا يُقَدَّمُ على المقطوع. واحتجوا: بأنَّ أَهْل "قباء" تَحَوَّلُوا بخبر الواحد وبالقياس على التخصيص. وأُجِيبُوا: بأنه قد تَقْتَرِنُ به قَرَائِنُ تُفِيدُ الْعِلْمَ، والفَرْقُ أَنَّ التَّخصيصَ لرفع مُتَوَهَّمِ الثُّبُوتِ؛ فيكفي فيه الظَّنُّ، والنَّسْخَ رَفْعُ ما تَحَقَّقَ ثُبُوتُهُ. ويجوز النسخُ لا إلى بَدَلٍ عند الجمهور، بدليلِ نَسْخِ وجوب الصَّدَقَةِ بين يَدَي النجوى [لا] إِلى بدل.

стр. 384

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ويجوزُ نسخُ الأثقلِ إلى الأَخَفِّ بلا خلافٍ، والأَخَفِّ إلى الأثقلِ عند الجمهور؛ بدليل وُجُوبِ رمضانَ بعد التخييرِ بين الصومِ والفِدْيَةِ. ويجوزُ نسخُ- التلاوة والحُكْمِ مَعًا؛ كما رُويَ عن عائِشَةَ ﵂ أنها قالت: فِيمَا يُتلَى: "عَشْرُ رَضْعَاتٍ يُحَرِّمْنَ" فَنُسِخنَ بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ. والتِّلاوَةُ دونَ الحكم خلافًا للمعتزلة؛ كقولِ عُمَرَ ﵁: كانَ فِيمَا يُتلَى: "الشَّيخُ وَالشَّيخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُما ألْبَتَّة". واحتجَّ المعتزلة بأَنَّ بَقَاء اللازم بدون المستلزم مُحَالٌ. وأُجِيبَ: بأنه دليل، ولا حاجَةَ له في الدوام. ويجوز نسخُ الحكم دون التِّلاوَةِ بالاتفاق؛ كنسخ وُجُوبِ الصَّدَقَةِ بين يدي النجوى وغيره. ويجوزُ نَسخُ القولِ بالفعل، والفِعْلِ بالقولِ. ويجوزُ نَسْخُ النُّطْقِ والفَحْوَى معًا، والنُّطْق

стр. 385

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ويتبعه الفحوى وفي نسخ الفحوى دون النطق خلافٌ. ولا يجوزُ نَسْخُ الإِجماعِ؛ لأنه لا يَتَحَقَّقُ إلَّا بعد موتِ النبي ﷺ ولا يُنْسَخُ به؛ لأنَّ ثُبُوتَهُ على خلاف النَّصِّ إِجماعٌ على الخطأ؛ إلَّا أن يقولَ: إنَّهُم اجتمعوا على الناسخ؛ وحينئذ: تكونُ تسميتهُ ناسخًا مجازًا. وَيصِحُّ نَسْخُ القياسِ بالنَّصِّ والإجماعِ، ونسخُ قياسٍ دليلُ أَمَارَتِهِ أَضعَفُ بقياسٍ دليلُ أَمَارَتهِ أقوى. ويجوزُ نَسْخُ الخَبَرِ إذا كان مُتَعَلِّقُه قابلًا للتغيير، كالإِخبارِ عن تَعلُّقِ الثَّوَاب والعقاب ببعض المأموراتِ أو المَنْهِيَّاتِ، خلافًا للمعتزلة فإنهم قالوا: لا يجوزُ نَسْخُ الأمر والنهي؛ لأنه يوهم الخُلْف. وأُجِيبَ: بأنه لو امتنع لإيهام الخُلْفِ لامتنع نَسْخُ الأمر بمعرفة الله تعالى؛ لما فيه من التناقض. ولا تنسخ جملة الشريعة؛ لأنَّ الناسِخَ من الشريعة. خَاتمَةٌ: ويُعْرَفُ النَّاسِخِ بصريح القولِ؛ كقوله ﵊: "نُسِخَ كَذَا"، أَوْ "كُنْتُ نَهَيتُكُمْ عِنِ ادَّخَارِ لُحُومِ الأَضاحِي فَوْقَ ثَلاثٍ، فَكُلُوا وَادَّخِرُوا"، وكقوله تعالى:

стр. 386

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال ٦٦]. وبالضِّمْنِ؛ كإضافة القول إلى ما قَبْلَ الهجرة وبَعْدَهَا، لا يثبت بالتأخير في التلاوة؛ فَإِنَّ الآية الناسِخَةَ من آيتي العِدَّةِ مُتَقَدِّمَةٌ في التلاوة. ولا بتأَخُّرِ صُحْبَةِ الرَّاوي وإِسلامه؛ لاحتمالِ سَمَاعِهِ من غيره. وقولُ الصحابي: "نُسِخَ" لا يكفي في النَّسْخِ عند الأكثر؛ لاحتمالِ اعتقادِ ما ليس بناسخٍ ناسخًا، واختلافِ العلماءِ فيما يُنْسَخُ به.

стр. 387

الْبَابُ السَّابِعُ فِي الإِجْمَاعِ، وَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الأُولَى: إِجْمَاعُ الأُمَّةِ حُجَّةٌ؛ خِلافًا لِلنَّظَّامِ وَالْخَوَارجِ === البَابُ السَّابِعُ: فِي الإِجْمَاعِ يطلق في اللغة على العَزمِ؛ قال الله: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ [يونس ٧١]، وقال ﵇: "لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيلِ" ويطلق على الاتفاق. ومن قال: إِن أصله من: أَجْمَعَ الرجل إذا صار ذا جَمْعٍ؛ كقولهم: أَلبَنَ الرجل إذا صار ذا لَبَنٍ، فكان لا ضرورة إليه مع جريانه على الاشتقاق. وفي الاصْطِلاحِ: عبارة عن اتِّفَاق المجتهدين من أُمَّةِ محمد ﵇ في عَصْرٍ ما غير عصره ﵇ على أَمْر مِن الأمور.

стр. 388

احْتَجَّ الْفُقَهَاءُ بِوُجُوهٍ: الأَوَّلُ: قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء ١١٥]. === وزاد الغزالي، وبعض الفقهاء: "الدينية"؛ لاعتقادهم عَدَمَ جريانه في العقليات، واللغات، والحروب، وقد اشتمل الحد على تَنْبِيهَاتٍ على أُمُورٍ اختلف فيها: منها: أن قولنا: "اتفاق" يشتمل على صور الإجماع؛ سواء كانت عن دليل قَاطِع، أو اجتهاد، أو ظن غالب، فإن الصحيح جواز انعقاد الإجماع عن الرأي، كَإِمَامَةِ أبي بكر الصِّدِّيقِ ﵁ وكتحريم شَحْمِ الخِنْزِيرِ بالقياس على لَحْمِهِ، وسواء علم اتِّفَاقُهُمْ بِقَوْلِ الجَمِيعِ أو بِفِعْلِ الجميع، أو بقَوْلِ بَعْضٍ وفِعْلِ بَعْضٍ، أو بقول بعض وسكوت الباقين سُكُوتًا يُشعِرُ بالوفاق، أو بِفِعْلِ بَعْضٍ وسُكوتِ البَاقِينَ كذلك. وقولنا: "الْمُجْتَهِدِينَ" يُخرِجُ العَوَامَّ؛ فإن الصَّحِيحَ أنه لا يُشتَرَطُ وفاقهم؛ لِعَدَمِ الأَهْلِيَّةِ؛ كالصِّبْيَانِ، والمَجَانِين؛ خلافًا للقاضي؛ ولأن العَامِّيَّ يجب عليه اتِّبَاعُ المُجْتَهِدِ، فكيف يحرم على الْمُجْتَهِدِ المُخَالفة لقوله؟ ! وقولنا: "من أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ﵊" لأن الصحيح في أن الإِجْمَاعَ حُجَّة الاعْتِمَادُ على النصُوصِ، وهي دَالَّةٌ على تَعْظِيمِ هذه الأُمَّةِ، وإِثبَاتِ العِصْمَةِ لهم شَرْعًا، ولم يقم دَلِيلٌ لنا على أن مَنْ سِوَاهُمْ كذلك، ، ومن أخذه من مسلك العادي، لزمه أن يقول: إن إِجْمَاعَ سائر الأُمَم حُجَّةٌ. وقولنا: "في عَصْرٍ ما": احتراز من قَوْلِ أَهْلِ الظاهر: إِنَّ الإجْمَاعَ مُختَصٌّ ببعض الصَّحَابَةِ، فإن أَدِلَّتَنَا شَامِلَةٌ لسائر الأَعْصَارِ. وينقسم إلى قطعي، وظني: فالقَطعِيُّ: ما علم اتَّفَاقُهُمْ فيه، وكان المُجْتَهِدُونَ عَدَدَ التَّوَاتُرِ، ونقل إلينا بالتَّوَاتُرِ، ومثل ذلك عَزِيزٌ، ويصحُّ التَّمَسُّكُ به في الفِقْهِيَّاتِ، وفي المَطَالِب القَطعِيَّةِ، وفي كل ما لا يَتَوَقَّفُ إِثبَاتُهُ على المُعْجِزَة؛ لأنه دَلِيلٌ سَمْعِيٌّ، ، ومُسْتَنَدُ جميع الأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ قَوْلُ الرَّسُولِ المُسْتَنِدِ إلى صدقه، وصدق الرسول مُتَوَقِّفٌ على المُعْجِزَةِ، فلو أثبت ما تَتَوقَّفُ عليه المُعْجِزَةُ بالإِجماعِ، لزم الدَّوْرُ. والظني: ما عداه؛ وهو أن يُظَنَّ اتِّفَاقُهُمْ، أو يكون عَدَدُهُمْ دون عَدَدِ التَّوَاتُرِ، أو ينقل إلينا بالآحاد، ويَصِحُّ الاحْتِجَاجِ به في الفِقهِيَّاتِ، كما صح العَمْلُ بأخبار الآحَادِ. قوله: "وفيه مَسَائِلُ: المَسْألةُ الأُولَى: إِجماع الأُمَّةِ حُجَّةٌ، خلافًا للنَّظَّام، والخوارج، واحتج الْفُقَهَاءُ بِوُجُوهٍ: الأَوَّلُ: قوله : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ ... ﴾ الآية. [النساء ١١٥] ". اعلم: أَنَّ النِّزَاعَ في الإِجْمَاعِ في ثَلاثةِ أَطرَافٍ: في تَصَوُّرِهِ، وتَصَوُّرِ العِلْمِ بِوُقُوعِهِ، وكونه حُجَّةٌ:

стр. 389

وَجهُ الاسْتِدْلالِ بِهِ: أَنَّهُ تَعَالى حَرَّمَ مُتَابَعَةَ غَيرِ سَبِيلِ الْمُؤمِنِينَ، وَتَرْكُ مُتَابَعَةِ سَبِيلِ الْمُؤمِنِينَ مُتَابَعَةٌ لِغَيرِ سَبِيلِ الْمُؤمِنِينَ؛ لأَنَّ مُتَابَعَةَ الْغَيرِ عِبَارَةٌ: عَنِ الإِتْيَانِ بِمِثلِ فِعْلِ، وَلَمَّا دَلَّتِ الآيَةُ عَلَى أَن اتِّبَاعَ غَيرِ سَبِيلِ الْمُؤمِنِينَ حَرَامٌ، وَثَبَتَ بِالعَقْلِ: أَنَّ تَرْكَ مُتَابَعَةِ الْمُؤمِنِينَ مُتَابَعَةٌ لِغَيرِ سَبِيلِ الْمُؤمِنِينَ-: وَجَبَ أَنْ يَحْرُمَ تَرْكُ مُتَابَعَةِ سَبِيلِ الْمُؤمِنِينَ فَإِذَا حَرُمَ تَرْكُ مُتَابَعَتِهِمْ وَجَبَ مُتَابَعَتُهُمْ فَيَكُونُ الإِجمَاعُ حُجَّةً. وَلقَائِلٍ أَن يَقُولَ: هذَا الدَّلِيلُ إِنَّما يَتِمُّ أَنْ لَوْ ثَبَتَ أَن مُتَابَعَةَ الْغَيرِ عِبَارَةٌ عَنِ الإِتيَانِ === وقد منع قوم تَصَوُّرَهُ، وقالوا: فَرْضُ الاتِّفَاقِ على رَأيٍ واحد من الأُمَّةِ؛ كَفَرْضِ الاجتماع على كَلِمَةٍ واحدة، أو على أَكْلِ طَعَامٍ واحد في وَقْتٍ واحد، والعَادَةُ تحيله. وأجيب: بأنه لا دَاعِيَ لهم إلى الاجْتِمَاعِ على كلمة وَاحِدَةٍ، ولا على التَّغَذِّي بِنَوْعٍ وَاحِدٍ، وللمجتهدين دَاعٍ إلى الاجْتِمَاعِ على الحُكمِ الوَاحِدِ لوجود النَّصِّ القاطعِ، أو الظَّنِّ الغَالِبِ الوَاجِبِ الاتِّبَاعُ بِالقَاطِعِ. ومنع قوم جَوَازَ العِلْمِ بوقوعه عَادَة، مع اتِّسَاع الخطَّةِ، وكثرة العُلَمَاءِ. والدليل على جَوَازِ وُقُوعِهِ: أنا نعلم بالقَطع اتِّفَاقَ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةَ على تَقدِيمِ النَّصِّ المَقْطُوعِ به من الطَّرَفَينِ على المَظْنُونِ من الطَّرَفَينِ، أو مَن أحدهما، ونعلم اتِّفَاقَ الأُمَّةِ على أن الصُّبْحَ رَكعَتَانِ، والمغرب ثَلاثُ ركعات. وأما كونه حُجَّة، فقد أَنْكَرَهُ النَّظَّامُ، والخوارج، والشِّيعَةُ، وإِن سَلَّمُوا في الظَّاهِرِ كونه حُجَّةٌ، فهم مُنَازِعُونَ في البَاطِنِ؛ لاعْتِقَادِهِمْ أنه إنما كان حُجَّة، لاشتِمَالِهِ على قَوْلِ الإِمَامِ المَعْصُومِ، ونحن نَدَّعِي أنه حُجَّةٌ مع نَفْيِ الإِمَامِ المَعْصُومِ، فهم مُخَالِفُونَ لنا في الحَقِيقَةِ. وقد احْتَجَّ أَصْحَابُنَا عليه بالنَّصِّ، والعَقْلِ: أما النَّصُّ: فَآيٌ، وأَخبَارٌ، فمن الآيِ قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ ... ﴾ [النساء ١١٥] الآية، وقد اسْتَدَلَّ بها الشَّافِعِيُّ في "الرسالة". وَوَجْهُ الاحتجاج بها: أن اتِّفَاقَ عُلَمَاءِ الأُمَّةِ سَبِيلُ الْمُؤْمِنِينَ، فيجب اتِّبَاعُهُ؛ لأن تَرْكَهُ اتباع لِغَيرِ سبيل المُؤمِنينَ، وإنه حَرَامٌ والدليل على أن ترك اتباع سبيل المؤمنين اتباع لغير سبيل المؤمنين وإنه حرام: أن المُتَابَعَةَ عِبَارَةٌ عن الإِتيَانِ بِمِثلِ فِعْلِ المَتْبُوعِ. والدليل على أن مُتَابَعَة غير سَبِيلِ المُؤمِنِينَ حَرَامٌ: أن الله تعالى جمعها مع المُشَاقَّةِ للرسُولِ ﵇ المُحَرَّمَةِ قَطعًا-: في الوعيد، والمُبَاحُ لا يُجْمَعُ مع المُحَرَّمِ في الوَعِيدِ؛ إذ لا يَحْسُنُ أن يُقَال: من زنى وأكل الحلوى -مع أنها مباحة- فعاقبه. وقد أَوْرَدَ ها هنا على هذه الحُجَّةِ سُؤَالينِ، وأكثر هو وَغَيرُهُ من إِيرَادِ الأَسْئِلَةِ عليها، وبعضها يَخُصُّ هذه الحُجَّةَ، وبعضها لا يَخُصُّهَا، بل يرجع إلى مُعَارَضَاتٍ وقدحٍ في أصل الإجماع؛ فَلْنُنبِّهْ على ما يَخُصُّهَا؛ وذلك من وجوه:

стр. 390

بِمِثلِ فِعْلِ الْغَيرِ وَذلِكَ بَاطِلٌ، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُونَ أَتبَاعًا لِلْيَهُودِ فِي قَوْلِهِمْ: لَا إِلهَ إلا الله بَلِ الْمُتَابَعَةُ عِبَارَةٌ عَنِ الإِتيَانِ بِمِثلِ مَا فَعَلَهُ الْغَيرُ لأَجْلِ أَنَّهُ فَعَلَهُ ذلِكَ الْغَيرُ فَأَمَّا لَوْ === الأَوَّلُ: القَوْلُ بموجبها وبيانه من أوجه: الأَوَّلُ: أن الآية تَدُلُّ على تَحْرِيم اتباع غير سبيل المُؤمِنينَ عند المُشَاقَّةِ، ونحن نَقُولُ به، فأين دَلِيلُ التَّحْرِيمِ مُطلَقًا؟ الثَّانِي: أنه مَشرُوطٌ بتبين الهُدَى؛ لأنه مَعْطُوفٌ على تحريم مُشَاقَّةِ الرَّسُولِ بعد تبين الهُدَى، والعطف يقتضي الاشتراك، وتَبْينُ الهُدَى فيما أَجْمَعُوا عليه يَكُونُ بالوُقُوفِ على مُسْتَنَدِهِمْ، ونحن نقول به. الثالث: ما ذكره المُصَنِّفُ أن لفظ "سبيل" مُفْرَدٌ مُضَافٌ إلى مُحَلَّى بحرف التعريف، فلا يُفِيدُ العُمُومَ، بل يكفي في العَمَلِ به تَنْزِيلُهُ على صُورَةٍ واحدة، فيحمل على السَّبِيلِ الذي صَارُوا به مُؤمِنِينَ، وهو الإِيمان. الرابع: وإن سُلِّمَ عُمُومُ "سبيل" إلَّا أن مُقتَضَاهُ يَتَنَاوُلُ ترك كل سَبِيلِ المُؤمِنينَ، ونحن نقول به. الخامس: أن المؤمنين كُلُّ مَنْ آمَنَ بمحمد ﷺ فاختِصَاصُهُ ببعض الأَعْصَارِ تَحَكُّمٌ لا ينتفع به إلَّا في الآخرة. السؤال الثاني: سَلَّمْنَا العُمُومَ؛ إلا أنه عَامٌّ دَخَلَهُ التخصيص، والعَامُّ إذا خُصَّ صار مجملًا. أمَّا أنه خُصَّ، فلأن عُلَمَاءَ العَصْرِ لو اتَّفَقُوا على فِعْلٍ مُبَاحٍ، لم يَجِبِ اتِّبَاعُهُمْ في فِعْلِهِ، وإِلَّا لكان المُبَاحُ وَاجِبًا. ولأنهم إذا خَاضُوا في المَسْأَلَةِ، فقد أَجْمَعُوا قبل اتِّفَاقِهِم على جَوَازِ المُخَالفَةِ فيها، فإذا اتَّفَقُوا، فقد أَجْمَعُوا على مَنْعِ المُخَالفَةِ، والعَمَلُ بهذين الإِجْمَاعَينِ يكون جَمْعًا بين النقيضين. فلا بد من تَرْكِ العَمَلِ بأحدهما. وأما أن العَامَّ إذا خُصَّ صار مُجْمَلًا فَتَقْرِيرُهُ ما مَضَى في "باب العُمُومِ". السؤال الثَّالِثُ: أن سَبِيلَ المُؤمِنِينَ حقيقة هو طريقهم، فحمله على طريقهم قَوْلًا وفِعْلًا يكون مَجَازًا وتأويلًا؛ فيفتقر في حَمْلِهِ عليه إلى دَلِيلٍ. الرابع: لا نُسَلِّمُ أنه يَلْزَمُ من تَحْرِيمِ اتِّبَاعِ غَيرِ المؤمنين وُجُوبُ اتِّبَاعِ سبيل المُؤمِنِينَ؛ لأن بينهما وَاسِطَةً؛ وهو عَدَمُ اتباعهم. وتقريره ما ذكره المصنف في الكتاب. ثم لو سَلَّمْنَا لُزُومَهُ، فإنما يلزم من دَلِيلِ الخِطَابِ -أعني: مَفْهُومَ المُخَالفَةِ- وهو من أَضعَفِ الدَّلالاتِ، وقد مَنَعَهُ كثير من القَائِلينَ بِصِحَّةِ الإِجماع، فكيف يثبت به أَصْلٌ عَامٌّ قَاطِع في زعم مثبته مقدم على الكتاب والسُّنَّة؟ ! . الخامس: أَنَّ الآيَةَ مُشتَرِكَةُ الدَّلالةِ، فإنها لو دَلَّت على عُمُومِ وُجُوب اتِّبَاعِ سبيل المؤمنين - لَدَلَّتْ على وُجُوبِ اتباعهم فيما هو سَبِيلُهُمْ في الحُكمِ؛ وهو الدلِيلُ التَّفْصِيلِيُّ في المسألة، لا
следующие страницы →